عزلة المحتضرين… قضايا سوسيولوجية حول الشيخوخة والموت

عزلة المحتضرين… قضايا سوسيولوجية حول الشيخوخة والموت

لا ينحصر الموت في كونه حقيقة بيولوجية مشتركة بين جميع الكائنات، بل هو ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية أيضًا، وهذا ما دفع ببعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا إلى تخصيص جزء مهم من كتاباتهم لهذا الموضوع الشائك. ولعل كتاب «عزلة المحتضرين، قضايا سوسيولوجية حول الشيخوخة والموت» لعالم الاجتماع الألماني نوربير إلياس الصادر سنة 1982م واحد من أهم الكتب المرجعية في هذا المجال، التي تستحق إعادة قراءتها في ضوء التغيرات الراهنة، وهو ما دفع بالسوسيولوجي المغربي محمد المرجان إلى ترجمة هذا العمل إلى اللغة العربية. حيث يوضح في تقديمه للترجمة التي صدرت في مستهل شهر يناير 2023م عن منشورات الخيام، أن اختياره لترجمة هذا الكتاب يرجع في الأساس لطبيعة الجائحة التي ألقت بثقلها التراجيدي على كل مكونات المجتمع. إضافة للهلع والخوف من الموت الذي استبد بالبشر.

يتميز كتاب «عزلة المحتضرين، قضايا سوسيولوجية حول الشيخوخة والموت» بكونه دراسة قصيرة تمتد على مدار 134 صفحة، تحاول مناقشة السياق الاجتماعي المتغير للموت والاحتضار على مر العصور. وقد استعان الكاتب بمجموعة من المصادر من الأدب والتاريخ لتحليل التمثلات الاجتماعية التي يحملها الأفراد والمجتمعات حول الموت والاحتضار ما بين العصور القديمة والمجتمعات الحديثة.

الموت والتغير الاجتماعي

يبين نوربير إلياس أن علاقة الإنسان بالموت شهدت تغييرات كثيرة، حيث إنه في أثناء الاندفاع الحضاري الذي عرفته المجتمعات الأوربية منذ 400 أو 500 سنة، تغير موقف الإنسان تجاه الموت وكذا تجاه طريقة الموت، ففي الماضي مثلًا كانت مشاهد الموت تكاد تكون مألوفة، وكانت الإعدامات تتم في الساحات العامة، فضلًا عن كون الموت في العصر الروماني مثلًا كان يشكل جزءًا من الترفيه الذي يشاهده الجميع كبارًا وصغارًا في حلبات الصراع الدموية، وكانت رؤية الجثث المتعفنة أمرًا اعتياديًّا، كما كان الناس يتحدثون عن الموت بحرية سواء في المجتمع أو في التعبيرات الشعرية. وهنا ينبه إلياس إلى أننا قد نستهجن في الوقت الحالي طريقة تناول الموت والقبر والديدان في أشعار الحضارات الماضية على غرار الشعر الفيكتوري، في سياق الحديث عن الحب والجنس والغزل، إلا أنه يخبرنا أنه لإنصاف أفعال وأعمال الأفراد المنتمين لحقب تاريخية أخرى، علينا أولًا أن نكون قادرين على اتخاذ مسافة كبرى تجاه ذواتنا، وتجاه مرحلتنا الحضارية، بخلاف ما عليه الأمر في العصور المتقدمة التي ازداد فيها تماهينا مع الآخرين وتعاطفنا مع معاناتهم وموتهم.

كما يتطرق كتاب «عزلة المحتضرين» إلى كون الموت، على الرغم من كونه خاصية مشتركة بين جميع الكائنات، فإنه لا يشكل مشكلةً إلا إلى البشر الذين يحملون معرفة حول الموت، بمعنى أنهم يتفردون عن باقي الكائنات بكونهم يدركون موتهم الحتمي وباستطاعتهم التنبؤ بنهايتهم، ولا يسعهم إلا تخيل هذا الموت، وهو ما يجعلهم على استعداد لحماية أنفسهم من الأخطار، وهي الوظيفة المركزية، حسب الكاتب، التي كانت تضطلع بها الجماعات البشرية بغرض تحقيق التهدئة في الداخل، ومواجهة التهديد الخارجي. وقد تمت محاولة ترويض الخوف من الموت من خلال اللجوء إلى مجموعة من الإستراتيجيات؛ فقد كان الناس في القرون الوسطى يحاربون الأمراض والأوبئة باستعمال التمائم والقرابين، وتوجيه الاتهامات لمسممي الآبار وللساحرات ولذنوب الأشخاص وخطاياهم. وكانت هذه الإستراتيجيات وسائل لتهدئة العقول القلقة والمضطربة أمام غياب المعرفة العلمية حول المرض وأسبابه.

كما كان يُلجَأ إلى بعض المعتقدات الدينية الروحية الجماعية، حيث شكلت فكرة وجود حياة أخرى بعد الموت في العصور الوسطى ضمانة لوجود حياة أبدية أمام انتشار الحروب ومختلف أشكال العنف والتعذيب، وهي الفكرة التي يرى نوربير إلياس أنها خفت في بعض المجتمعات المتقدمة حيث أصبح الإنسان أكثر أمانًا واطمئنانًا، وأكثر حماية ضد الأمراض والموت المفاجئ قياسًا بكل المراحل التاريخية السابقة، فقد ساهم انتشار السلام داخل المجتمع واحتكار العنف من طرف أجهزة الدولة وتطور الطب في ارتفاع معدل حياة الأفراد مقارنة بالماضي. وبالتالي قلّ الموت وأصبح مؤجلًا نوعًا ما، بل أصبح المجتمع يوفر القدرة على تخفيف معاناة الموت، ولم تعد فكرة الإيمان بالعالم الآخر لتوفير حماية ميتافيزيقية ضد ضربات القدر حاضرة بقوة إلا لدى الطبقات الاجتماعية الأكثر ضعفًا في السيطرة على أوضاعها الوجودية. ويمكن القول هنا: إن الدفع بالحضارة إلى تقدم عالمي في مجالات العلوم والتقنية أدى إلى فهم الموت بوصفه ظاهرة طبيعية، وليس ظاهرة خارقة للطبيعة؛ بينما في الماضي كانت الحياة غير آمنة وأقصر؛ بسبب الأوبئة والمجاعات والحروب التي كانت تشكل القاعدة وليس الاستثناء.

قمع الموت من الحياة الاجتماعية

يناقش إلياس في هذا الكتاب مسألة إبعاد الاحتضار والموت خارج دائرة الحياة الاجتماعية، من خلال مجموعة من السلوكيات، من بينها إخفاء لحظة الاحتضار عن أنظار الأطفال، وهو سلوك مرتبط، حسب إلياس، في أيامنا بطابع القلق والانزعاج المتفرد الذي يشعر به الأحياء في حضرة الموتى، كما يشير إلى أن المجتمعات المتقدمة تحاول إقناع الأطفال أن الموتى هم في مكان ما أو أنه يمكنهم رؤيتنا وذلك في محاولة لإخفاء النهايات الحتمية للوجود البشري. ويؤكد إلياس أن خوف البالغين من تفسير الموت لأطفالهم بشكل ملموس، يُعَدّ من العلامات الدالة على قمع فكرة الموت على المستويين الفردي والاجتماعي؛ لأنها توحي بأننا قد نؤذي الأطفال، في حين أنه يرى أن الخطر الحقيقي هو جهلهم بنهاية الحياة البشرية، ففي الماضي حينما كانت الأمور تجري بشكل طبيعي وسلس، كان الأطفال يحضرون ويشهدون على احتضار الأشخاص وموتهم، حينها كانت الرقابة حول الحياة الاجتماعية أقل تحفظًا سواء في الخطابات أو الأفكار أو الكتابات.

ساهمت التغيرات الحاصلة في طبيعة المجتمعات، في اختفاء خاصية التعود على وجود الموتى من حولنا؛ لهذا أصبح تقبُّل الموت أكثر صعوبة مما كان عليه الأمر في الماضي، بل هناك من يشعر بالخوف من الموت والاحتضار وينظر إليهما وكأنهما مرضان معديان. كما لم يعد الإنسان يستطيع تحمُّل مشاهدة معاناة الآخر، ولا كيفية التفاعل مع هذه المناسبات التي تقتضي التعبير عن التعاطف الضمني والقوي دون فقدان السيطرة على النفس، كما أن الأشكال التقليدية للطقوس وصيغ العزاء والمواساة أصبحت تبدو تقليدية ونمطية وآلية لدرجة أن الأجيال الحالية باتت ترفض استعمالها، لكن هذه الأجيال حسب إلياس لم تستطع إنتاج عبارات وصيغ جديدة تعبر من خلالها عن مشاعر الحزن المرتبط بالموت.

ومن مظاهر إبعاد الموت عن الحياة الاجتماعية أيضًا، انتقال الاعتناء بالجثة وإعداد القبر وعملية الدفن من أيدي العائلة والأقارب والأصدقاء إلى أيدي مختصين مدفوعي الأجر؛ لتصبح هناك مؤسسات مقننة خاصة بهذا الأمر. وهنا يرى إلياس أنه ربما تظل ذكرى المتوفين حاضرة في وعي الأحياء، لكن الجثث والمقابر فقدت معانيها كنقطة تتمحور حولها العواطف والمشاعر، بل أصبح الحديث عن الموت منفرًا ومزعجًا؛ لذلك كان الحرص على العناية بالمقابر وزخرفتها بالورد وجعلها مكانًا للتأمل والصمت من طرف الفاعلين في هذا المجال.

تجربة الشيخوخة لدى نوربير إلياس

يتحدث نوربير إلياس في هذا الكتاب من وحي تجربته كرجل مسن، فقد ألف هذا الكتاب وهو في الثمانينيات من عمره، وقبل وفاته ببضع سنين، وبالتالي فقد سمحت له هذه التجربة برصد مجموعة من الملحوظات. فنجده يركز على كيفية تعامل الشباب مع المسنين؛ إذ يرى أنه من الصعب على الشباب واليافعين فهم أوضاع وتجارب كبار السن؛ إذ يبدو حسب الكاتب «أن التماهي بين المسنين والأقل سنًّا يطرح مشكلة»، فالشعور «بأنني يومًا ما سأكون مسنًّا» يغيب عنا في بعض الأحيان. نتيجة الانغماس في التمتع العفوي بقدراتنا الخاصة وبسلطة الشباب على المتقدمين سنًّا، أي أن البشر يتصرفون بطريقة أكثر فردية، ويهتمون بمصالحهم الخاصة قبل كل شيء. كما يشير الكاتب إلى أن ما يحدثه تقدم العمر من ضعف وتبعية وارتباك لدى المسنين، يأخذ أحيانًا طابع النكوص نحو السلوك الطفولي، الذي قد يكون مقصودًا في بعض الأحيان كآلية دفاعية ضد التجاهل أو سوء المعاملة وفقدان السلطة.

يوضح الكاتب الفرق فيما يخص تجربة الشيخوخة والاحتضار بين المجتمعات القديمة ما قبل الصناعية التي كان غالبية سكانها يعيشون في القرى على الزراعة وتربية المواشي، وبين المجتمعات الصناعية الأكثر تقدمًا، ويرى أن العائلة في الصنف الأول كانت تضطلع برعاية الأشخاص المسنين والمحتضرين، الذين كانوا يفارقون الحياة وسط أقاربهم ومعارفهم بمن فيهم الأطفال، بغض النظر عن طبيعة المعاملة التي كانوا يتلقونها: هل هي طيبة أم يتخللها بعض العنف أو السوء المعاملة؟

يرى الكاتب أنه في ذلك الوقت لم تكن عزلة الناس واقعًا مألوفًا سوى الراهبات والرهبان في أديرتهم، أما الأشخاص العاديون فكانوا دائمًا معًا، وكان كل من الموت والولادة حدثين من الحياة الاجتماعية الأقل خصوصية مما هما عليه في أيامنا. أما في المجتمعات الصناعية المتقدمة، فإن كبار السن يعانون العزلة الاجتماعية والعاطفية، فالدولة هي التي تتدخل لتوفير الرعاية بدل العائلة وتعمل على توفير الحماية لهم من العنف الجسدي الظاهر، ولهذا السبب تتكاثر العديد من المؤسسات لاستقبالهم، من أجل تأمين عيشهم وسط أشخاص لم يتعرفوا إلى بعضهم من قبل، بمعنى أن عددًا كبيرًا من المسنين في المجتمعات المتقدمة يفقدون معظم روابطهم الاجتماعية مع أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم حال وصولهم إلى سن الشيخوخة ويفصلون عن الحياة الطبيعية نهائيًّا؛ وهو ما يجعلهم يشعرون بأنهم متخلى عنهم. وهنا يرى نوربير إلياس أن العزلة الحقيقية هي عندما يشعر الشخص المحتضر، على الرغم من أنه ما زال على قيد الحياة، أنه لم يعد له أي معنى في نظر المحيطين به. وفي هذا السياق يتحدث عن أشكال أخرى للعزلة، وبخاصة عندما يجد الإنسان نفسه وسط جموع من الناس لا تربطه بهم أية علاقة عاطفية.

في نهاية هذه المراجعة، يمكن القول: إن أطروحة نوربير إلياس عن الموت أحد أهم المساهمات في مجال سوسيولوجيا الموت وكذا علم الاجتماع الطبي، وهي تسعى إلى إبراز كيف أن المجتمعات الحديثة قد طورت أنظمة معقدة لإدارة موتاهم والسيطرة عليهم، ويبين أن هذه الأنظمة هي نتيجة لعملية حضارية بدأت منذ قرون. ويبدو أن اهتمام إلياس بالتحولات الاجتماعية التي يخضع لها الموت والاحتضار، نابع من كون الفهم يتيح لنا إمكانية التعايش مع حقيقة الفناء التي لا مفر منها على الرغم من كل ما حققته البشرية من تطورات على مستوى الرعاية الطبية والأمن والاستقرار التي انعكست بدرجة ما على نوعية الاحتضار.

خضوع النساء… هل هو تابو فلسفي؟

خضوع النساء… هل هو تابو فلسفي؟

«لا نولد خاضعات، بل نصبح كذلك» – مانون غارسيا

الخضوع تابو فلسفي(1)

من «بينيلوب» وهي تنسج قماشتها متحلية بالصبر في انتظار «أوليس» إلى «أناستازيا» المبتهجة بأوامر «كريستيان جريي»، ومن «حياة كاثرين الجنسية» إلى «ربات البيوت اليائسات» ومن« الاحتلال» لـ«آني إرنو» إلى الممثلات اللاتي يطالبن بحق الرجال في معاكسة النساء، مرورًا بالأدب، والسينما، والمسلسلات التلفزيونية، والأحداث الجارية، جميعها تتناول خضوع النساء فتضفي عليه جمالية بوصفه خضوعًا مختارًا، بل يزعم أحيانًا أنه مصدر للرضا أو المتعة.

مع ذلك فإن الفلسفة والفكر النسوي لا يتضمنان شيئًا يذكر عن خضوع النساء. فعَدُّ هؤلاء النسوة يستطعن بطريقة أو بأخرى اختيار خضوعهن أو الانتشاء به، هو من وجهة نظر نسوية، لا يعدو أن يكون سوى فكرة تستند إلى مرجعية يمينية معادية للنسوية، هذا إذا ما قلنا: إنها تتضمن كرهًا ضد النساء على غرار أولئك الذين يعتقدون أن ثمة طبيعة أنثوية تدفع كل «أنثى» إلى خضوع نهائي للرجل.

أما الفلاسفة، وبخاصة الفلاسفة السياسيون الكلاسيكيون، فإن الخضوع عندهم يُعَدُّ حالةً ضد الطبيعة الإنسانية، بل يمكن عدّه فِعلًا غير مشروع؛ فأن يخضع الإنسان للآخر، يعني أن يتنازل عن حقه الإنساني والطبيعي الأكثر قيمة ألا وهو الحرية؛ لذلك يبدو من المستحيل بمكان التفكير، وربما حتى تسمية هذه الظاهرة التي لا نكاد نكف عن رؤية تجلياتها العديدة.

يصطدم البحث بشأن خضوع المرأة، مبدئيًّا، مع إشكال فلسفي عام ينطوي على الفكرة التي تذهب إلى أن تحليل مفهوم الخضوع يتعارض دائمًا مع التصور المتفق عليه بالإجماع، بكون الخضوع فعلًا غير طبيعي؛ فمن غير الطبيعي أن يرغب المرء في شيء آخر غير حريته.

وفي هذا السياق، يكتب جان جاك روسو في مؤلفه «العقد الاجتماعي»: «أن يتنازل المرء عن حريته، يعني أن يتخلى عن صفته كإنسان، وعن حقوق الإنسانية، بل حتى واجباتها. وليس ثمة تعويض ممكن لأي كان عن تنازله التام عن كل شيء. فتنازل من هذا القبيل لا يمكنه أن يكون متوافقًا مع طبيعة الإنسان: أن تنزع الحرية من إرادته هو بمنزلة سلب لأية أخلاق إنسانية من أفعاله». ثمة شيء ما مسكوت عنه للغاية في التصور القائل: باستطاعة البشر الخضوع عن طواعية دون الحاجة إلى إكراه أو إلزام. إذ بالعودة، في لحظة استرجاعية، إلى تاريخ الفلسفة الغربية، سنجد أن إتين دي لابويسيه وسيغموند فرويد وحدهما فقط من تطرقا جديًّا لمعضلة الخضوع من مستويات مختلفة.

خطاب عن العبودية المختارة

يُعَدُّ إتين دي لابويسيه أول من تساءل في مؤلفه «خطاب عن العبودية المختارة»، عن السبب الذي يدفع جماعة ما لتقرر الخضوع للطاغية حتى يتسنى للأخير بسط سيطرته عليها، في الوقت الذي لا يملك فيه الطاغية نفسه السلطة إلا لكون الجماعة خاضعة له! يقدم إتين دي لابويسيه سلسلة من التفسيرات بشأن الخضوع على الرغم من فشله في تقديم تفسير مغاير، عن كونه فعلًا غير مقبول ونسيانًا غير مشروع من الأفراد لحريتهم الطبيعية.

أما فرويد فلم يمعن تركيزه في البحث، من خلال نصوصه الثلاثة التي تشكل أساس المفهوم النفسي التحليلي للمازوشية، على مسألة خضوع الجماعة للطاغية. بقدر ما ركز بحثه على المازوشية، ويعني بها تلك اللذة التي يستشعرها الإنسان عند معاناته النفسية والجسدية، التي تنعت عادة بوجه السادية النقيض. فلا يوجد هناك أي مانع عند فرويد في تقديم تفسير نفسي تحليلي للسادية، بيد أن نظريته تلك تصطدم دائمًا بما يسميه «معضلة المازوشية» التي عدَّها باثولوجية على الرغم من أنه لم ينجح، على النحو الذي يجب، في حلها.

لهذه الأسباب غُضّ الطرف عن التفكير بشأن الخضوع، في تاريخ الفلسفة؛ للاكتفاء بتعريفه كخطيئة أخلاقية أو بوصفه باثولوجيًّا. فالفلسفة تلتزم الصمت إزاء الحقيقة التي تقر بأن ثمة أشخاصًا ينتشون بفعل خضوعهم لشخص آخر.

ومما لا شك فيه أن المشكل سيصبح أكثر تعقيدًا إذا وجهنا اهتمامنا صوب خضوع النساء، بصورة خاصة، نظرًا لاختلاف خضوعهن، تاريخيًّا، عن خضوع الرجال؛ إذ لم يُستَوعَب كسلوك غير متوافق مع طبيعة المرأة. بل على العكس، وُصِفَ بأنه سلوك عادي وأخلاقي، فطبيعي. يبدو أن هذا الرفع من قيمة الخضوع بخصوص النساء مقترن بفكرة دونية المرأة، كما لو كانت دونية ضرورية وطبيعية بالنسبة للرجل؛ بحيث تُصَوَّرُ النساءُ كما لو لم يكن في استطاعتهن أن يَكُنَّ أحرارًا كما هو حال الرجال. أو لنقل: إن حرية كهذه، توشك أن تشكل خطرًا يجعل من خضوع النساء أمرًا جيدًا.

فالقول: إن النساء يخضعن باختيارهن، هو قول يندرج ضمن قالب ينم عن تمييز جندري متحيز؛ بما أنه يفترض مسبقًا وجود اختلاف بين طبيعة كل من الرجل والمرأة، على أنها ذات العلة التي تجعل النساء أدنى مرتبة من الرجال. بل إن هذه الدونية تنطوي على شيئين في الوقت نفسه، ألا وهما الضعف واللاأخلاقية؛ من جهة أن النساء يخضعن للرجال لأنهن أكثر ضعفًا بطبيعتهن عن الرجال، أي نساء خاضعات بصورة سلبية، ومن جهة أن ضعفهن يجعلهن معنويًّا أقل درجة من الرجال. وهو ما يتيح لهن المجال للاستمتاع بخضوعهن، باختيارهن أحيانًا، لطالما يتناسب بالكامل مع طبيعتهن الأنثوية. أما عندما يتعلق الموضوع بالرجال، يُقال: إنهم، في الأصل، أحرار، فضلًا عن كون الخضوع فعلًا غير مشروع.

بناءً على ما سبق نستطيع القول: إننا في مأزق؛ فإما أن نتحدث عن خضوع المرأة بكامل تعقيده من دون إغفال ذلك الجانب المغري الذي يجذب المرأة للخضوع، فنكون بذلك مع التقليد الذي يحمل تمييزًا جندريًّا ضد النساء، وهو نفسه الذي يجعل الخضوع قدر النساء الطبيعي. وإما أن نسلم بأن هناك مساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي يراد لخضوع النساء أن يكون مماثلًا لخضوع الرجال: إما فعل غير مشروع، أو باثولوجية؛ على ألا ينضوي تحت الفلسفة.

لعل التفسير الوحيد الممكن، والحالة هذه، لذات الرفع من قيمة خضوع النساء في الأعمال الثقافية، هو النظر إليه على أنه تجلٍّ من تجليات الهيمنة الذكورية، بوصف هؤلاء النسوة ضحايا مستسلمات. أو نأخذ على محمل الجد الأسباب التي تدفع المرأة إلى قبول الخضوع، فنتبنى بذلك الموقف الجندري الذي يسلم بوجود طبيعة أنثوية ثابتة. أو نرفض الفكرة التي تقر بدونية النساء الطبيعية؛ لتغدو بموجبه المرأة التي ترضى بفعل الخضوع ضحية مستسلمة إذا ما قلنا مذنبة نظرًا لعدم اعتزازها بحريتها الطبيعية.

لكن، كيف يمكن تفسير أن بعض هذه الأعمال الثقافية قد كتبت من لدن نساء؟ هل ينبغي علينا أن نفهم أن كاثرين ميلي وآني إرنو أو جيمس E.L. James قد كانوا مخطئين إلى الحد الذي لا يراد لنا التفكير في التجارب التي قدموها في أعمالهم؟

تكاد مواجهتنا لهذا الخيار بين التحيز الجندري ضد النساء الذي يستند إلى التفسير الطبيعي، وإعراض الفلسفة عن تناول موضوع الخضوع، تقودنا إلى مواجهة مباشرة مع الأسئلة التالية: هل تسهم النساء بشكل ما في تنشيط هذه الهيمنة؟ إذا كان الجواب بنعم، فهل يمكن عدّ إسهامهن هذا إسهامًا طوعيًّا أم مجرد نتيجة فعلية لحضور الهيمنة الواسع؟ بل لعل السؤال الأكثر جدلًا هو: هل الخضوع شر بالضرورة؟ أو: أَلَا يوجد هناك، على الأقل، شعور بالمتعة في حال الخضوع؟

الخضوع من منظور النساء(2)

يُعَدُّ الطعن في الموقف الذكوري وتحييده، أمرًا ضروريًّا ومنهجيًّا على المستويين السياسي والمعرفي، أي على مستوى بناء المعرفة؛ إذ يستحيل السعي، من الناحية السياسية، إلى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في حالة الاستناد على منطلقات ذكورية لا تأخذ في الحسبان تجارب النساء.

وهنا على سبيل المثال، سيُبرر فلاسفة نسويون بأن الفلسفة السياسية الكلاسيكية فلسفة قائمة على أساس التمييز بين المجال العام السياسي، بوصفه حكرًا على الرجال حيث الأفراد مستقلون بعضهم عن بعضهم الآخر، وبين المجال الخاص الذي تندرج تحته العائلة والنساء، حيث هناك تبعية وعلاقة عاطفية تشد الأشخاص بعضهم ببعضهم الآخر، حتى لو كانت الفلسفة السياسية الكلاسيكية تتستر على هذا التمييز المعمول به، علاوة على استبعادها النساء بشكل قبلي من الحقل السياسي. فالدحض إذن في الموقف الذكوري وتحييده، يؤول إلى الكشف عن عملية تشكل الهيمنة الذكورية وكيفية إنتاجها على نحو دائم.

يضاف إلى هذا البعد السياسي بُعد آخر هو البعد المعرفي، بما أن هذا الطعن، في هيمنة الموقف الذكوري، سيفسح المجال من أجل إخضاع العالم لدراسة نسوية، في سبيل تحقيق معرفة شاملة عن العالم المعيش. ويُعَدُّ الماركسيون من الأوائل الذين دافعوا عن فكرة ارتباط المعرفة بالوضع الاجتماعي، ويعني ذلك أن المعرفة متاحة لكن الوضع الاجتماعي هو الذي يحدد للفاعلين معرفتهم بالعالم. وتأسيسًا عليه، تختلف رؤية ومعرفة العالم بين المهيمِن والمهيمَن عليه. لكن ماذا لو درسنا الهيمنة الذكورية ومسألة المساواة بين الجنسين من منظور النساء؟

البقاء في المنزل

تبدو اللامساواة المطروحة باستمرار بين الرجال والنساء في المجتمعات الغربية، غير مفهومة البتة؛ إذ للنسوة نصيب الحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجال. فإذا كانت النساء تتمتع بالحقوق ذاتها مثل حق التعليم، وسوق الشغل، والمناصب السياسية، ومع ذلك ما زلن أقل من الرجل، ألن يكون ذلك، ببساطة، تعبيرًا عن ضعف فاعليتهن أو عن تفضيلهن «البقاء في المنزل» على الخروج لسوق الشغل؟

إن أفضل طريقة للإجابة عن سؤال الهيمنة الذكورية واستمراريتها، في حال كان الموقف ذكوريًّا، ستكون: على الرغم من الفاعلية التي أضحت للنساء فما زلن أقل من الرجال، وإن عاد ذلك إلى شيء إنما يعود إلى طبيعتهن الدونية أو لنقل إلى طبيعتهن المختلفة.

لكن ماذا نستنتج لو ألقينا نظرة على مواقف النساء بشأن الهيمنة الذكورية؟ فعندما يتعلق الأمر بمواجهة نظام اجتماعي أبوي، قد يكون الخضوع للنظام، في بعض الأحيان، هو الخيار الأفضل. لا يتعلق الأمر هنا بالقول: إن جميع النساء يخضعن للرجال، ولا بالقول: إن للنساء ماهية فارقة تدفعهن إلى الخضوع النهائي، وإنما هي مجرد ملحوظة. على أنه في كثير من الأحيان، يسنح إمعان النظر في مسألة الهيمنة الذكورية، من منظور النساء وما تفعله الهيمنة بهن، بإماطة اللثام عن خضوع المرأة في تعقيده وعما من شأنه أن يكون مُثيرًا ومنفرًا فيه بالنسبة للمرأة.

فدراسة خضوع المرأة إذن، من وجهة نظر نسائية، لا يفيد قولًا إن المرأة هي وحدها المسؤولة عن استمرار الهيمنة الذكورية. بل على العكس، فإن الغرض هو الكشف عما تمارسه الهيمنة الذكورية على النساء، وكيفية عيش هؤلاء النسوة في ظلها، وكيف يعملن على تحديد اختياراتهن ورغباتهن بطريقة لا تستطيع الفلسفة الكلاسيكية- بتحيزها الجندري والميثودولوجي- استيعابها.


هوامش:

(1)  Manon Garcia, On ne nait pas soumise on le devient, paris, Climats Flammarion, 2018. p 13-17.

(2)  Manon Garcia, On ne nait pas soumise on le devient, paris, Climats Flammarion, 2018. P 22 -24.

سردية الصحراء… حفاظ على الهوية أم بحث عن الغرائبي والمدهش؟

سردية الصحراء… حفاظ على الهوية أم بحث عن الغرائبي والمدهش؟

ظلت الصحراء العربية مرتكزًا رئيسًا في الثقافة العربية لسنوات بعيدة، ربما لأن المنطقة العربية تقع في واحدة من أكبر التجليات الصحراوية في العالم، حيث ما يعرف بالصحراء الكبرى، فلم ينجُ أي قطر من الأقطار العربية منها، إلا باستثناءات ضئيلة جعلتها أشبه بالواحات الصغيرة في محيط من الرمال التي لا تنتهي، مما أمدت أصحابها بعوالم امتزج فيها الغرائبي بالأسطوري والمقدس، حسبما دأبت كتابات المستشرقين على رصدها، وبإيقاع هادئ ومتكرر على نحو شعري غلف طبيعة الحياة فيها، لكن على الرغم من كل هذه الخصوصية للمنطقة والمكان فإن الثقافة العربية في مراحلها الأخيرة بدت متمردة وربما مناهضة لإرثها الصحراوي، فلم تكن الكتابات الجديدة بموازاة قوته واتساع وحضور الصحراء وعوالمها في الوجدان العربي، فما السبب في ذلك؟ وإلى أي درجة استطاعت ما يعرف بسردية الصحراء رصد ما حدث من تحولات في المجتمعات العربية، وهل تركت الصحراء أثرًا شعريًّا على من استلهموا عوالمها؟

مروية الصحراء في وعي الاستشراق

وحيد بن بوعزيز – أستاذ الأدب الحديث بجامعة الجزائر

أكدت الدراسات الاستعمارية وما بعدها على أن المخيال الاستشراقي عمومًا أنتج شرقًا مشوهًا وممسوخًا؛ إذ لم تكن الغاية من المقاربات الاستشراقية، وبخاصة في كنف الاستعمار، معرفة الشرق للتوافق معه أو للتعايش معه، بقدر ما كان الغرض من ذلك بغية التحكم فيه والسيطرة عليه.

أوجين دولاكروا

تشكل الصحراء جزءًا لا بأس به من الشرق في جغرافيته المترامية الأطراف، ولهذا كانت حاضرةً بقوة في أعمال كتاب كثيرين. لم تحضر الصحراء، كصورة وكموضوعة في الوقت نفسه، بشكل واحد بل على العكس من ذلك بتاتًا اتخذت أوجهًا عدةً حسب الرؤية التي انتابتها والوظيفة التي اكتسحتها والحافزات التي حركتها.

في بداية الأمر حضرت الصحراء في المخيال الفني عموما كصراع بالمناكب على المشاهد الطبيعية (البيتوريسكية)؛ عندما رسمت مدرسة أوجين دولاكروا الاستشراقية شمال إفريقيا مثلًا، بحث الجيل الثاني عن مشاهد طبيعية أصيلة (الأصالة هنا بالمعنى الرومانسي) فوجدوها في الصحراء؛ إذ بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر استطاع الجيش الفرنسي احتلال منافذ الصحراء الكبرى، فنزل مثلًا أوجين فرومونتين وإتيين دينيه ليرسما الصحراء كمشاهد غرائبية (إيكزوتيكية) جديدة وبديلة؛ لم يكن الاهتمام هنا بالصحراء في حد ذاتها، بل كانت الغاية تكمن في تحويلها إلى موضوع فني هو نوع من الإمبريالية الفنية التي تبحث عن التوسعية فقط.

حساسية تاريخية

شكلت الصحراء عمومًا حساسية تاريخية خاصة عند أصحاب الكتاب المقدس، لهذا اختار الكاتب التونسي من أصول يهودية ألبير ميمي أن تدور إحدى رواياته حول الصحراء، وأعطى لها عنوانًا دالًّا «الصحراء». عاد ميمي في روايته إلى التاريخ قبل الاستعماري (الدولة الحفصية)؛ لكي يستأنف النقاش الخلدوني حول العصبية والقبيلة والبربر، ولكي يعيد تفكيك مقولات الاستشراق حول نمط الإنتاج الاقتصادي (آسيوي أو شبه إقطاعي) والانقسامية وجدلية الدولة المركزية والتمرد القبلي. نلحظ أن حضور الصحراء هنا هو حضور سجالي لبس قبعة التاريخ؛ لكي يناقش تنميطات صنعتها المؤسسة الاستعمارية، وليس هذا غريبًا عن ميمي الذي كرس الجزء الكبير الأول من حياته في الذود عن الأهالي ورفض الأطروحة الاستعمارية.

ألبير ميمي

لم تكن الصحراء في المخيال الغربي أداة فقط لتأكيد الذات من الناحية الوجودية انطلاقًا من إنتاج لثنائيات فجة من قبيل غرب حضارة/ شرق بداوة (صحراء)، بل تحولت الصحراء في الفكر ما بعد الحداثي (ذي الأصول اليهودية دومًا) إلى نوع من الملاذ الوجودي؛ لهذا نجد ذلك الاهتمام الباذخ بالصحراء عند جاك دريدا، وليس غريبًا أن نجد دريدا، الذي يتغذى كثيرًا في فلسفته من الكتاب المقدس والتلمود والقبالاه، يعود كثيرًا إلى أفكار الكاتب الفرنسي اليهودي من أصول يهودية إدموند جابيس؛ لقد بنى جابيس، صاحب كتاب «لا نهائية الصحراء» رؤيته للعالم على فكرة الصحراء والترحالية والتيه الأبدي؛ إذ رأى  أن جوهر الإنسان لا يكمن في الاستقرار الذي تدعو إليه المدينة، ولكن في تعددية التجربة والاختلاف والتباين والتأجيل الذي تؤكده ترحالية الصحراء، والعجيب أن فيلسوفًا كبيرًا مثل جيل دولوز راح يبنى هو كذلك فلسفته حول الترحالية بعيدًا من مركزية العقل (اللوغوس).

كتب جورج لويس بورخيس قصة جميلة بعنوان «الخالد» تدور حول فكرة الأبدية، فالقائد الروماني الذي اختاره بورخيس بطلًا في قصته عرف الحكمة من الموت واللاخلود، فعلى الرغم من أن هذا القائد كان قد شرب من ماء الخلود في الصحراء، فإنه بعد قرون من العيش برتابة ضجر بسبب التكريرية المملة للحياة، فراح يبحث عن الترياق الذي يجعله يعود إلى بشريته الفانية.

خارج الأطر

جون ماري غوستاف لوكليزيو

خارج هذه الأطر التنميطية التي جعلت الصحراء دائمًا مطية فنية أو تاريخية أو وجودية أو واقعية سحرية كتب الروائي الفرنسي جون ماري غوستاف لوكليزيو روايته «صحراء» سنة 1981م، تدور أحداث الرواية حول الغربة التي يعيشها الطفلان لالا ونور، لم يرد لوكليزيو أن تكون روايته استغلالًا للصحراء مثلما حدث في السجل الاستشراقي المخيالي، بل راح ينصت للصحراء مثلما فعل بول نيزان في «عدن العربية»، إن الصحراء التي نجدها عند لوكليزيو هي الصحراء الحقيقية حيث يعيش الملثمون، الرجال الزرق «التوارق» بعيدًا من تلك الصحراء التي يحبذها العقل الاستشراقي، حيث نجد العوالم السحرية والخوارق. هنا، كمفارقة نجد أن صحراء لوكليزيو الذي عاش أربع سنوات بين الخيم والماعز والبدو الرحل في الصحراء أكثر تعبيرًا عن روح الصحراء من كتابات إبراهيم الكوني (التارقي)، الذي أنتج لنا صحراء حبلى بالغرائبية والبنية الاجتماعية الأُمسية التي يشتهيها الغرب ولا يعرفها الشرق.

لقد كانت الصحراء وستبقى معقدة وبوصلة لمعرفة مدى المسافة بين الشمال والجنوب؛ لهذا قال عنها فريديريك نيتشه يومًا: الصحراء قاسية وتعيس من يحرسها.

الصحراء كنز لم يستثمر جيدًا في الرواية العربية

حمود الشايجي – شاعر وروائي كويتي

على الرغم من العلاقة الكبيرة التي تربط بين الكاتب الخليجي والصحراء، فإنه لم يستثمر هذا الكنز الطبيعي إلى الآن، رغم ما كتب عنه حتى هذه اللحظة. فالصحراء تمثّل غالبًا مزيجًا من الوحدة والجمال والتحديات. كما أنها قد تكون رمزًا للعزلة والتأمل، وفي بعض الأحيان تجسيدًا للبحث عن الهوية والهروب من الواقع، أو حتى لاستكشاف التناقضات البشرية والقضايا الاجتماعية. فهي تحمل التناقضات الإنسانية بالرغم من قاحليتها الظاهرية، تحمل العديد من الجوانب والأبعاد التي يمكن للكتاب الروائي استكشافها واستغلالها بشكل خصب.

فمنطلقاتها متعددة: تبدأ في استخدام جمالياتها ورمزياتها ومجازاتها، إضافة إلى استكشاف الصحراء ثقافيًّا عن طريق التوغل في الحياة الاجتماعية في الصحراء، بما في ذلك التقاليد والعادات والقيم، فالشخصية الصحراوية لها سحرها الخاص وأسطوريتها.

نظرة قاصرة

يعتقد بعضٌ أن الكتابة عن الصحراء نوع من أنواع الحنين إلى الماضي، وأعتقد أن هذه النظرة نظرة قاصرة، فإلى اليوم ورغم كل التطور الذي وصلت إليه الدول العربية والخليجية على وجه الخصوص، من تطور إنساني ومدني، فإنه لا تزال الصورة المقرونة به هي البداوة، مع اقتران فكرة البداوة بالتخلف والهمجية، فصار لزامًا الكتابة لمعرفة الصحراء ورجالها ونسائها؛ لاكتشاف ما كان خافيًا على القارئ العربي والخليجي ليعرف من يكون، فلا ينطلق إلى مدنية منقطعة الأصل.

أما ما يخص التصور الغربي للصحراء أهلها لأنْ يكون متنوعًا ومتعدد الأوجه، ولكن قد تكون هناك بعض النقاط التي تشير إلى النظرة السطحية أو النمطية. فعلى الرغم من أن هناك العديد من الأعمال الغربية التي استكشفت الصحراء بعمق وتعقيد، فإن بعض الروايات والأفلام قد تقتصر على تصوير الصحراء كمكان للمغامرة أو الخطر، دون التركيز على الثقافة والحياة اليومية للسكان الأصليين.

طعم الذئب

ومن أجمل الروايات التي صاغت الصحراء وتصوراتها في السنوات الأخيرة رواية «طعم الذئب» للروائي الكويتي عبدالله البصيص، تفتتح الرواية أحداثها وحبكتها بمشهد «ذيبان» الذي تطرده زوجة خاله من المنزل بعد أن فقدت بسببه اثنين من أولادها، يغادر «ذيبان» منزل خاله وفي نيّته أن يقصد مدينة الكويت، وللوصول إليها عليه أن يقطع الصحراء الشاسعة. هذه الرحلة التي تستمر ثلاثة أيام هي ما سيشكّل بنية الرواية (علاقة الإنسان في الصحراء)، وهذا المنطلق الذي انطلق منه البصيص، قام على أساسين: مادي وفلسفي.

فعمل على إخفاء أجزاء من الحبكة بدايةً، ثم كشفها تدريجيًّا عاملًا على لعبة الذكريات والأحلام ليُعشق الأزمنة الماضية البعيدة والقريبة في الحاضر، وعلى هذه اللعبة بدأ نسج حكايته على مهل.

لـ«ذيبان» بطل الرواية سمات مختلفة عن المجتمع الذي يعيش فيه، فهو منذ طفولته مسالم يكره العنف، وهذا ما جعل الجميع يعيّرونه ويسخرون منه؛ لأنهم يعدّون القوة والقتال من سمات الرجولة، ومن لا يمتلكها لا يستحق أن يكون رجلًا. وهنا نجد هذا التحدي الصحراوي الذي يتعمق في الشخصية الصحراوية المتناسقة مع البيئة، فالبيئة الصحراوية الشديدة لا تتحمل إلا أن يكون الرجل فيها شديدًا قاسيًا يشبهها، لكي يتحملها، وهذا ما لم يكن عند «ذيبان» حتى انتقم في إحدى المرات لكرامته فقتل شابًّا آخر دون قصدٍ منه، بعد أن أهانه الأخير على مرأى ومسمع الفتاة التي يحبها، ولأن قانون العشائر هو الأخذ بالثأر، فإنه يستجير بخاله ويختبئ في بيته، وتنشب النزاعات بين العائلتين ويكون ضحيتها أفراد من الطرفين.

ولهذا السبب خرج «ذيبان» إلى الصحراء متجهًا إلى الكويت، وفي رحلته الصحراوية تتجلى له ذاته، ففي العراء حيث لا أحد سوى مفردات الطبيعة من نبات وحيوان، يكون على فطرته، يتذكر طفولته ويفاعته، يكاشف نفسه ويحاول فهمها. وفي خضم ذلك، يتواجه مع ذئب يتحيّن الفرص للانقضاض عليه، وهذا ما سيجعله يواجه لأول مرة في حياته الخوف وحيدًا، دون مساندة من أحد، فيعيش مغامرة غرائبية، تضيع فيها الحدود بين الواقع والخيال.

استفاد عبدالله البصيص من الصحراء في هذا العمل عن طريق مشاهد متقنة، استفاد بها من رمزية الصحراء خارجيًّا على البطل وداخليًّا في البطل؛ لذلك استحقت هذه الرواية الحصول على جائزة معرض الشارقة للكتاب لأفضل كتاب عربي، وكذلك أن تحصد جائزة الكويت التشجيعية.

في النهاية لا تزال الصحراء كنزًا لم يستثمر في الرواية العربية والخليجية، ليس لأنّ هناك إهمالًا وتقصيرًا، بل لأن هذا الكنز عظيم وكلما أخذت منه يزيد كالبحر.

سؤال الصحراء في أدب الكوني

فوزي عمر الحداد – أستاذ الأدب والنقد المشارك بالجامعة الليبية

يقول إبراهيم الكوني: وجودنا لغز لا يكتمل وجوده إلا بوجود الثالوث: الرواية، الخلاء، والأسطورة. الرواية روح اللغز، والخلاء جسده، والأسطورة لغته. السرد لا يبقى سردًا، والرواية لا تصير رواية، إذا لم تتكلم لغة الأسطورة، أي خلق الأسطورة بواسطة الأسطورة، تكوين أسطورة عن أسطورة التكوين. (صحرائي الكبرى 1998م).

دون مواربة

بهذا التقديم ندخل مباشرة في صلب الموضوع، فالكوني لا يداهن أو يواري، يمضي مباشرة نحو تقديس عوالمه الروائية الخاصة، فهو لا يرى الوجود الحقيقي إلا في الخلاء أي الصحراء، بما تحمله في ذاتها من غيبيات واحتمالية التيه القائمة أكثر من احتمالية الوجود نفسه، وهو كذلك لا يستبعد أسطرة المكان وتوليد العجائبي من الحضور المهيب للفضاء الصحراوي في المخيلة الشعبية أو في المتخيل السردي الذي يخلقه.

وتعد الصحراء فضاءً غنيًّا بالأساطير والسرد العجائبي المرتبط بالذاكرة الجماعية للإنسان الصحراوي، ويحاول كُتاب الرواية الصحراوية –في العموم- استنطاق ذاكرة ذلك الفضاء واستدعاء ما ارتبط به من حكايات مذهلة تثير الدهشة وتحفز عنصر التشويق والإثارة، وإن كانت الصحراء فقيرة مكانيًّا إلا أنها غنية ببعدها الفانتازي -أو الغرائبي أو العجائبي بحسب بعض النقاد- ولكن لا يمكن ربط الصحراء بالرواية العربية من حيث البعد العرقي والقومي، فالرواية المرتبطة بالفضاء الصحراوي في أغلبها تمتح من ثقافات ليست عربية، بل مرتبطة بقوميات أخرى كقومية الطوارق مثلًا، وأعمال إبراهيم الكوني خير دليل على ذلك بوصفه ينتمي لهذا المكون الثقافي عرقيًّا، ويمكن لنا أن نعزي أحد أسباب اهتمام الكوني بالصحراء وعوالمها لانتمائه هذا، فالصحراء هي الموطن الأصيل للطوارق سواء في ليبيا أو في امتداد وجودهم عبر الصحراء الكبرى في بلدان جنوب ليبيا.

البحث عن المكان الضائع

إبراهيم الكوني

«لا خلاص لعابر الدنيا إلا الصحراء» وكأن هذه العبارة التي وردت في نص روائي نطق بها الراوي في رواية «البحث عن المكان الضائع» تلخص فلسفة الكوني في الإصرار على عدم مغادرة الفضاء الصحراوي وما يحبكه في سرديته من نسق عجائبي مرتبط تمامًا بكل السياقات التي ينتجها أدبه وفلسفته الروائية. فتوالت صولات إبراهيم الكوني في عالمه الصحراوي متكئًا على أبعاد عجائبية تدور في فلكها الأحداث والشخصيات التي اختارت: «الصحراء لأنها تحتال على الظامئين إلى الحنين لتقودهم إلى التيه». كما يقول في رواية «بيت في الدنيا بيت في الحنين».

هذا التيه هو ذاته ذلك الحنين الظامئ الذي يتحدث عنه دومًا هو بالتحديد «الأبدية» الهدف الذي تسعى إليه شخوص الكوني، ولا يخفى ما يحتويه هذا الطرح من عجائبية أو غرائبية، حرص الكوني على إيجاد أبعاد رمزية لها في كل أعماله الروائية، هذه الأعمال التي يمكن أن يعدها القارئ العادي ذات نسق واحد رغم تجاوزها حد الثمانين رواية كتبها الكوني؛ ذلك يعود لوحدة الفضاء الروائي وتشابه الشخوص وتشابك بعض الأحداث مع بعضها الآخر، مع ما يحيط من بعد عجائبي يحمل ذات الجرس وذات الطقوس في كل مرة تحركها عبقرية راوٍ عليم يعرف كيف يجعل القارئ يتيه في أدغال الفانتازيا الساحرة التي يجيد الكوني العزف عليها.

أهمية المكان

  يقول ميشيل رايمون في هذا المقام: «إذا نحينا جانبًا القص والشخوص، فإن المكان يظل قائمًا، ويستمد أهميته من كون أن الكاتب يهم ببناء فضائه قبل شروعه بسرد الرواية»، أي أنه يبدأ أسطرة الحكي بعد أن يختار الفضاء الذي يحتويه، وهذا تمامًا ما يفعله ويحرص عليه الكوني، فهو يعد أولًا فضاءاته ثم ينسخ فيها حكاياته التي تقدس الأسطورة من خلال حكي عجائبي في مجمله.

وقد نجح الكوني في ترسيخ رواية الصحراء أو صحراء الرواية حتى عرف بها وانتسب إليها، بكل أبعادها العجائبية ورموزها الأسطورية، وأمكنتها التي تتعدد وتتحرك كما تتحرك رمال الصحراء فتغير ملامح الطبيعة وتشكل فضاءاتها المتجددة كل حين، وقد استغل الكوني قدرة الصحراء على محو الأمكنة أو تجديدها خير استغلال.

فنحن أمام رواية واحدة في رأيي على الأقل، وإن تجلت في أكثر من ثمانين عملًا سرديًّا انشغلت بالفضاء الصحراوي، وكأنها سلسلة تتدرج تكمل بعضها بعضًا، حتى ليمكننا أن نلحظ وجود الشخصيات عينها بأسمائها وصفاتها في أكثر من سردية روائية للكوني، والأمثلة كثيرة.

وتبدو مغرية تلك الدراسة التي يمكن أن تتناول العلاقة المميزة بين الفضاء الصحراوي وشخوص روايات الكوني؛ إذ تُفحَص العلاقة المشتركة بين المكان والشخصيات بما تحمله من موروث معرفي يمزج بين التاريخ المؤسطر والحاضر المقدس الذي يوازيه ويتقاطع معه.

بعد فلسفي

كذلك لا يمكن أغفال البعد الفلسفي في سردية الكوني الصحراوية، فكثيرًا ما يلبس محتويات الفضاء الصحراوي ألبسة فلسفية ونظرات سوسيولوجية فيما يمكن أن نطلق عليه (تخليق الأمكنة)، ذلك بما يصنعه الكوني من ترجمة لعوالمه الأسطورية وإعادة بناء مكونات السرد، ومَنْحها تدفقاتٍ شعوريةً وأبعادًا فلسفيةً، وبما يسبغه عليها من تقديس أو تدنيس، يقول مثلًا في أحد مقاطع سرديته «واو الصغرى»: «إن الركون إلى العراء خطيئة الإنسان، والعابر لا يجب أن يأمن مكانًا لا وجود له داخل جوف الأرض».

  إذن المكان محور رئيس في أدب الكوني، وعليه تتأسس ركائز دراسته، خصوصًا في تحولات المكان وارتباطه بتحولات الإنسان في بُعدَيْهِ السوسيولوجي والحضاري وانكشاف العلاقة الإبستمولوجية (المعرفية)، هذه التحولات قد نجد لها تفسيرًا من خلال الدراسة الثقافية التي تقدمها طروحات منهج النقد الثقافي عبر البحث في الأنساق الثقافية الظاهرة والمضمرة، كذلك يمكن أن يكون التفاعل البروكسيمي أو (علم المكان)، وهو طرح فلسفي يقوم على فكرة طرحها العالم الاجتماعي الأميركي إدوارد هيل؛ إذ يقوم على فكرة دراسة إدراك الإنسان للمكان، بما يشمل العادات والتقاليد والأنشطة السلوكية وامتدادها عبر المكان مع النظر لانعكاسه على نفوس الشخصيات الروائية.

القيم الصحراوية وتمظهرها في الرواية المعاصرة

كاظم الخليفة – ناقد وقاص سعودي

ينتهج السرد العربي طريقًا مغايرًا عن الحكاية الشعبية «الصحراوية»، على الرغم من توظيفه لها واعتماده عليها أحيانًا. فالصحراء باختلاف تضاريسها وموقعها على خارطة الوطن العربي، ملهمة ومحرضة على الخيال الأدبي الذي يتمظهر نتاجه أولًا على الشعر والأسطورة؛ كمواد ضرورية للحكاية لتستوعبهما فيما بعد كجزء من نسيجها ومتنها الحكائي.

فابن الصحراء القديم، حمل إرثه الثقافي معه، وتنقل به كخيمته تمامًا، وجاب به أرجاء الصحراء نزوحًا تجاه المرعى والاخضرار تارة، وناحية ضواحي المدن وفي قلبها تارة أخرى.

وإذا كان الشعر، والشعبي منه على وجه الخصوص -بعد العصر الجاهلي- حافظًا للموروث، فالحكاية الشفاهية بدورها رفدت جانبه وأمدت الأجيال المتعاقبة بالموروث الثقافي الذي يُعَدّ، إضافة إلى القيم والأعراف، محاولة لتفسير العالم وعقلنته. وتحضر الأسطورة أيضًا بمهمتها لسد فراغات المعنى المبهم؛ في الظواهر الطبيعية ودوافع الشرور، وغموض مجاهيل الصحاري. والشعر من جهته، يقوم بوظيفة الحامل للمدونات الأخلاقية والسلوكية، وضمير الجماعة، ذلك دون اعتباره «غنائية» تحتفي بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية فيما يطرأ على العواطف من نوازل.

الروح الصحراوية

فهذا الإرث بكامله لا يتلاشى بفعل التقدم الحضاري والتقني أو نزوح البادية إلى المدينة. بل نجده متغلغلًا ومنعكسًا على الرواية والقصة الحديثة وإن تغير مظهره، وفصحت لغته. ويمكن الكشف عن الروح الصحراوية بتتبع القيم التي تندس في مفاصل العمل السردي، بعد العبور على فخاخ أسماء الأماكن، التي تصر الرواية أحيانًا على أنها مسرحها الحقيقي. فبمجرد وصول الحكاية التي منبعها الصحراء إلى المدينة بغية تمدينها وإعادة إنتاجها سرديًّا، وأن «الرواية نتاج المدينة وربيبتها»، حتى تتبدل أسماء الأماكن والشخوص وتدمجها في قيمها، أي المدينة، مع المحافظة بنسبية معينة على قيم ريفية أو صحراوية. فالمدينة في الرواية، تعدّ فضاءً جدليًّا تتصارع فيه القيم -الصحراء والمدينة- على الرغم من مظهرها العام وأشكال الصراع داخلها. ذلك ما يتوارى خلف أغلبية المواضيع السردية التي تطرقها الرواية، على الرغم من حذاقة الراوي في تبيئتها بما يتوافق وروح المدينة. هذا في حال أن مسرح الأحداث هو المدينة، والراوي هو ابن الصحراء. لكن عندما تكون الصحراء هي الموضوع فتتضح بجلاء تلك القيم بلا مواربة.

أما الأسطورة الشعبية الصحراوية الشفاهية ودورها المؤثر، فهي لا تتغير غاياتها ومضامينها من حيث رسالتها التعليمية، بالمثال والحكمة والنهاية السعيدة، وأيضًا بعدها عن الأخذ بالسببية وثيمتها الغرائبية. ذلك قبل أن تستدعيها الرواية كأحد المخارج الممكنة والحلول لفك عقدة الحبكة الدرامية، ولعل أشهرها الركون المبالغ فيه إلى القدر بمعناه «البدائي»؛ كتدخل مفاجئ لقوى ميتافيزيقية تحرف مسار الأمور إلى ناحية غير مرغوب فيها من دون سبب واضح.

الاغتراب

الملمح الآخر المؤثر، الذي يمكن الكشف عنه وفرزه بسهولة داخل الرواية العربية، هو الاغتراب الذي تنوعت أسبابه بين انضباط حياة المدينة مقابل الحرية اللامحدودة في الصحراء من جهة، ومن تبدل أدوات ابن الصحراء التي كان الحيوان ساعده الأيمن، إلى أن غدت المكائن هائلة الحجم التي يصفها بعضهم «كالشياطين»، تحف به في معامل النفط وخدماتها المساندة. وشعوره، أنه وهذه المكائن الصماء، أصبح جزءًا من منظومة عملية وتشغيلية عليه التناغم معها، وأن يضبط إيقاعه في ساعات عمله تبعًا لاحتياجها ومتطلبات دورانها. إضافة إلى اطلاعه على الآخر الأجنبي واحتكاكه به وتعلم لغته، ونمط حياته، أي ابن الصحراء، الذي تبدل تبعًا لدخوله إلى الحياة الصناعية، مقابل ما عهده من حياة البادية أو الواحات الريفية.

ذلك كان مظهر الاغتراب المبكر في الرواية والقصة القصيرة، قبل أن يليه الاغتراب الحديث في الرواية والناتج عن شعور الإنسان المعاصر «بتشيئته»؛ أي يصبح شيئًا من الأشياء المادية، وإحساسه بأنه يدور كترس في عجلة رأسمالية ضخمة لا تبالي بمشاعره وأحاسيسه، وهذا ما يتشارك به ابن الصحراء والمدينة على السواء.

هذان الملمحان هما ما يمكن التركيز عليه بوضوح في موضوع العلاقة بين الصحراء والمدينة، وبينهما معًا والرواية كجنس أدبي يطمح لأن يكون المعبر الأبرز عن هموم الإنسان وتطلعاته نحو عالم مقلق يفتقد إلى الوحدة بتشظيه، مما يستدعي من الروائي أن يعالج ذلك في منجزه الأدبي والإبداعي.

قدرة على التعايش مع العطش والتسامح مع التيه

عبدالستار حتيتة – روائي وباحث سياسي مصري

من أكثر الأعمال التي أعتز بها، وأرى أنني عبرت من خلالها عن عالم الصحراء، روايتي «شمس الحصادين»، ومجموعة «حكايات النجوع». مع ذلك يمكن القول: إن الصحراء عالم فسيح، وشاسع، ويحوي العديد من المحاور الدرامية. وهي في الأعمال الأدبية تحمل مضامين عدة.

فهناك الصحراء بمعناها المادي.. أي أودية جافة وهضاب وامتدادات من البيداء، بينما السراب يتماوج عليها من بعيد كأنه الماء.. وهناك الصحراء بمعناها الشاعري.. وهذا النوع الأخير لا يمكن لمسه باليد، أو رؤيته بالعين العادية.. إنه براح داخل العقل.. وقدرة على التعايش مع العطش.. إنه التسامح مع التيه، ومع الضنى ومع الوجع.. أعتقد أن هذه الصورة الأخيرة هي التي تنساب في كثير من الأعمال الأدبية التي كتبتها عن الصحراء.

 مع ذلك أقول: إنني لم أتمكن حتى الآن من نقل الأجواء المتذبذبة لعالم الصحراء. إنها دنيا واسعة من الخيالات ومن الظلال، وبالتالي يصعب تصويرها في عمل متفرد، أو في نوع أدبي واحد.. ما أريد أن أشير إليه هنا هو ضرورة البحث عن مقدرة فذة لتصوير الصحراء بمعناها المادي المعروف، ومزجه بذلك التدفق من المشاعر والانطباعات والرؤى الخيالية البديعة.

الصحراء بالنسبة لي، عمومًا، عالم سريالي، فيه الوهاد، وفيه الخطوط الصفراء المتعرجة، وفيه وجع الرحيل، وطعم فراق الأحبة، وفيه كذلك الأهمية الكبرى للدليل الذي يقود خطوات تابعيه لأماكن إطفاء الظمأ؛ أي للبئر الواقع تحت قمر الليل البعيد.

تقاطع واضح

في الروايات والقصص التي كتبتها، يوجد تأثر بمن مروا من هذه الدروب في السنوات الغابرة. إن هناك ما يشبه التقاطع الواضح بين حياة البيداء التي لا تحدها حدود، ورغبة البلاد في الحفاظ على نفسها.. مثلًا.. في روايتي «ليلة في سجن المالكي»، تجد أن المتغير المجتمعي، أكبر من قدرة الأفراد على مواجهته. إن تقسيم البلاد، ومشكلات الحدود، والأسلاك الشائكة، تبدو بارزة، وواضحة. وهذا يقترن مع حركة الزمن إلى الأمام.

لقد وجد أهل الصحراء أنفسهم في صعوبة كبيرة للتأقلم مع الواقع الجديد.. أي أن يتحولوا من رُحَّل بالخيام، إلى مجتمعات صحراوية مستقرة في بيوت حجرية. يوجد تناقض هنا. فالترحال يتعارض مع الاستقرار. وهذا ما لم يفهمه بعضٌ. ويقول أحد شخصيات الرواية هنا: البيوت استقرت، أما نحن فلا..

وفي روايتي «استراحة الشيخ نبيل»، تتجلى الصحراء، بغموضها ورحابتها أمام أولئك الهاربين من زحام المدن، ومن ألاعيب السياسة والحرب والسلام.. وهذا يقترن بتحولات كبرى جرت في كثير من المجتمعات العربية الصحراوية في فترات حديثة متفرقة..

وسط هذا كانت هناك حالة من التباين بين ابن المدينة وابن الصحراء. يمكن فهم ذلك من عدم القدرة على التواصل بين المعلم القادم من زحام المدن بأنهارها الجارية، وبلهجته الطرية، وشخصيات الصحراء بجفافها ومعاناتها التي لا يفهمها الغرباء.. تقرأ هذا أيضًا في المجموعة القصصية «لوزة».

المقدس والشعري

أعتقد أن المقدس والشعري في رواية الصحراء بالمشرق العربي، يرتبط إلى حد كبير بوجود غالبية المجتمعات الصحراوية قرب البحر.. توجد خصوصية تتعلق بهذا الخيط الرفيع بين الخيط الأزرق، والخيط الأصفر.. إن ما يفصل بينهما هو الخوف من الفقد، والخوف من الظمأ.. وكما يقول الشاعر أمل دنقل: «البحر كالصحراء، لا يروي من العطش».

لذا سوف تجد سحرية في فن الكتابة الإبداعية التحريرية، وفي القول الشفاهي.. ويقترن كل ذلك مع الخطر الذي يأتي من الغزو الأجنبي من وراء البحر، في عصور مختلفة.. في مجموعتي القصصية «حكايات النجوع» تركز على سنوات الاجتياح الأجنبي للصحراء، وبخاصة في الحربين العالميتين الأولى والثانية.. إنها حقبة صعبة في حياة الصحراء.. فقد وجد المرتحلون أنفسهم يُجبرون، من الأغراب، على مواصلة الفرار!

وأخيرًا.. لا تمثل الصحراء شكلًا ماديًّا صرفًا، بل تتحول، في الأعمال الإبداعية، إلى معجون من الآهات، ومن آثار الأقدام العابرة، ومن طعم الرمل، ومن قياس ما تبقى من مياه في قعر البئر، كمحدد للبقاء، أو للرحيل..

حماية‭ ‬للذاكرة‭ ‬والهوية‭ ‬من‭ ‬الضياع

محمد‭ ‬خضر‭ ‬الغامدي – شاعر سعودي

هناك تجارب عميقة في الرواية السعودية كان فضاؤها العام يدور في الصحراء، سعت في أغلبها لمحاولة اكتشاف عوالم الصحراء وقراءة جمالياتها وتتبع سحر أساطيرها وحكاياتها التي تشبه الخيال، فضلًا عن المقدس الصحراوي والملحمي في هذه الأجواء، وقد استطاع بعض الروائيين أن يكتب أكثر من عمل مستلهم من الصحراء، سواء بالعودة إلى الماضي أو التعبير عن واقعها الحالي الجديد، حيث تلك الصحراء التي لم تعد موجودة بحالتها السابقة؛ إذ حاصرتها المدنية والحياة الجديدة من كل اتجاه، وهنا يقف الأدب ليستعيد ويتساءل ويحمي ذاكرة الأمكنة والهوية من الضياع.

أذكر هنا بعض الأسماء الروائية المهمة التي شاركت في تشكيل خيال الصحراء عبر كتابات ثرية، من بينهم عواض شاهر، أمل الفاران، ورجاء عالم، ومؤخرًا شتيوي الغيثي، هؤلاء الذين استعادوا شيئًا مهمًّا من وهج الصحراء وثقافتها ذات الخصوصية الواضحة في أعمالهم.

ثقافة معزولة

ويمكن القول: إن رواية الصحراء قد جاءت لتعبر عن تلك الثقافة شبه المعزولة، وذلك بالحضور إلى جانب روايات المدينة والحارة والقرية السعودية، فجاءت ليس فقط بأسئلة مختلفة عما طرحته هذه الأعمال، ولكن أيضًا بلغة مختلفة؛ لأن كاتبها مقيد بمعجم الصحراء وعوالمها. كما يمكن القول: إن رواية الصحراء تُكتب في الخليج لتناقش من كثب أحد أهم مراحل الحياة في بلدان الخليج، وبخاصة مرحلة ما قبل النفط، وما حدث في المكان من تقدم وتطور، راصدة تحولاته وتمرحله بين القبول والتردد ورفض الحياة الجديدة. ومن ثم فهي رواية المفارقات بين عالمين، وأحيانًا رواية استعادة ما كان ومضى، أو ما تبقى في ذاكرة عريقة ومليئة بدهشة الصحراء وسحرها. وفي الشعر سنلحظ أيضًا الكثير من القصائد تستلهم وتوظف مفردات الصحراء بكناياتها ومجازاتها..

لم يتأثروا

لكن ذلك لا يعني أن كل الكتاب تأثروا بعالم الصحراء وكتبوا عنه، رغم وقوع بلادنا في منطقة الصحراء الكبرى، فمن الطبيعي ألا يكتب كُتّاب اليوم عن الصحراء، أو يتأثروا بعوالمها سواء في الشعر أو الرواية أو القصة. ربما للمسافة الزمنية والمكانية التي تفصل أغلبهم عن الكتابة في هذا الفضاء الصحراوي، أو لأنهم أقرب لفضاء المدينة والحياة الجديدة، أو لأنه في أمكنة مختلفة لا تشكل الصحراء كجغرافيا هاجسًا مُلحًّا لهم كالقرية أو الجبل أو البحر..

الأثر الشعري في الرواية السعودية

معجب العدواني – ناقد وأكاديمي سعودي

يمكن القول: إن رواية الصحراء تأثرت في جانب منها بالكتابة الشعرية، لكن هذا لا يشكل ظاهرة يمكن تطبيقها على الرواية السعودية عامة، وذلك لأسباب منها: أن الرواية من الأجناس التي تستعصي على القولبة أو التأطير، فمن الممكن أن نشهد الحالة الشعرية والأسطورية في روايات صحراوية ببلدان أخرى بشكل أوضح، كما أن هذا المسار بدأ تشكله الأول في الرواية السعودية مع لحظة الاستهلال الكتابي الروائي؛ إذ كانت هناك وشائج ربطت أولئك الروائيين الأوائل مع الشعر، فانصهرت في أقلام كُتّاب مثل: عبدالقدوس الأنصاري، ومحمد علي مغربي، وحامد دمنهوري. كما يمكننا أن نلحظ أن بعض الروائيين كانت لهم كتابة ذات ملامح شعرية انهمرت في بعض أعمالهم القصصية؛ مثل: عبده خال في مجموعته «حوار على بوابة الأرض»، ويوسف المحيميد في «رجفة أثوابهم البيض»، ومحمد حسن علوان في روايته «سقف الكفاية»، و«أمل الفاران» في «غواصو الأحقاف». أو في أعمال متعددة مثل مجموعة من أعمال رجاء عالم استهلت برواية «طريق الحرير» و«مسرى يا رقيب» و«سيدي وحدانه» و«موقد الطير».

كما نلحظ أن هناك بصمة شعرية انتقلت من الأديب الشاعر إلى الروائي كما لدى كل من: غازي القصيبي، عواض العصيمي، أحمد أبو دهمان، عبدالعزيز النصافي، وغيرهم. لكن ذلك كله يدفع بنا إلى تأكيد أهمية المسار لا تعميمه، فما ذكر من الأعمال الروائية التي تمتلك تأثيرًا شعريًّا ليست إلا عينة صغيرة من الكتابة الروائية السعودية بأكملها. فعلى الرغم من وجود بعض الأمثلة فإن هذا لا يعني أن الظاهرة شائعة أو مسيطرة على الساحة الروائية في السعودية.

تشابه في بعض الجوانب

أخيرًا، فإنه على الرغم من أن الشعر والرواية يمكن أن يتشابها في بعض الجوانب، مثل التوظيف المبتكر للغة وتكثيف الصور والرمز، فإنهما يعبران عن أنماط مختلفة من الكتابة والتعبير. وبالتالي، يمكننا أن نقول: إن الشعر والرواية تجربتان منفصلتان ومتنوعتان، ولا يمكن تعميم وجود الأثر الشعري على الرواية بأكملها؛ لذا ينبغي أن ننظر إلى الكتابة الروائية السعودية بشكل شامل، ونعترف بتنوعها، وتعدد أساليبها، وتباين موضوعاتها، من دون الاصطفاف إلى جانب تصنيف محدد، أو الانغماس في تعميم مفرط.

“لقاء مارس 02: تواشجات” دعوة إلى إعادة تصور مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا

“لقاء مارس 02: تواشجات”

دعوة إلى إعادة تصور مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا

فيما يشبه الالتزام الأخلاقي والجمالي، تبنى لقاء مارس السنوي، الذي تنظمه مؤسسة الشارقة للفنون، في دورته الجديدة التي انتهت أنشطتها قبل أيام، طيفًا واسعًا من القضايا والموضوعات والنقاشات وعروض الأداء، التي لئن اختلفت وتعددت وتنوعت، إلا أنها تذهب كلها إلى منطقة واحدة، كيف يمكن مواجهة العنف ومقاومة السائد، بشروط مختلفة وطرائق جديدة، أي العلاقة بين الثقافة والسياسة في إطار أوسع.

شكل “لقاء مارس”، الذي شارك فيه عدد كبير من الفنانين والكتاب والإعلاميين، منبرًا حرًّا للنقاش وتبادل الآراء ومشاركة الحضور مدى الصعوبات التي تعترض الممارسين الفنيين، وما يحتاجه هؤلاء من وسائل كي يتغلبوا على تلك الصعوبات، فضلًا عن تسليط الضوء على المجموعات التي تعمل ضمن المجتمع، لتعزيز العدالة الاجتماعية، انطلاقًا من الممارسات المشتركة.

موضوعات وورش وحوارات، تتداخل وتتشابك وتتواشج، معبرة عن لحظة زمنية مفارقة، ملؤها الدمار والإبادة في أشكالها الأكثر دموية. ومن هنا، أخذ اللقاء هذا العام عنوان “تواشجات”. ولا يبدو أن هوية المجموعات الفنية، المشاركة، تستقيم بعيدًا من تواشج العلاقة بين الفن وبناء المجتمع والمشاركة الاجتماعية. يذهب “لقاء مارس”، الذي أقيمت جلساته في مدرسة خالد بن محمد، إلى جوانب وتفاصيل، لا تبدو واضحة ولا متعينة بالنسبة للمتلقي، وغير متوقعة كذلك، لنأخذ مسألة التمويل، مثالًا. ليس صعوبة الحصول عليه، إنما عملية إدارته والتقارير التي تكتب عن هذه العملية، وما تستغرقه من وقت، قد يأتي على حساب الوقت الذي يحتاجه الفنان لإنجاز مشروعه الفني، وذلك بسبب الأنظمة والقوانين التي تأخذ وجوهًا عديدة منها ما هو سياسي، وهو الأمر الذي يمارس تهديدًا مباشرًا للعملية الفنية، في حال كفت عن الاستغناء عن التمويل، الذي يأتي مقرونًا بشروط صعبة.

حضور لقاء مارس كانوا على موعد مع كل ما من شأنه، من أساليب وطرائق، إعادة النظر في المقاربات الفنية التي يمكن أن تسهم في «إعادة تشكيل دور الفن والفنانين في واقعنا الحالي، كما تستعرض أشكال التجمع البديلة التي قد تكون بمثابة أدوات للعدالة الاجتماعية والتضامن والتوعية الفكرية». انطوى “لقاء مارس” على دعوة واضحة إلى إعادة تصور مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا، ويقوم على مبادئ الاستدامة والعيش الكريم، وذلك بالاعتماد على أشكال متعددة من الإنتاج الثقافي والمعرفي ضمن الممارسات التعاونية.

في جلسات “لقاء مارس” يعرف المتلقي كيف يمكن للعمل التعاوني أن يعزز من مفاهيم التمثيل الفني الفاعل، لا سيما إبان الاضطرابات العالمية؟ وما دور مشاركة الموارد الفنية والثقافية في التعامل مع الهشاشة، وغياب الاستقرار، وتحفيز الحوار وتعزيز المساواة؟

تحدث مشاركون عن الأساليب التي تتحول إلى التشابك والعُقد. أنواع مختلفة من العُقد، والصبر هو الوسيلة الوحيدة لتفكيك هذه العُقد. لكن تبقى العقدة عقدة، في رأي هؤلاء، ما لم نستطع تفكيكها. الأمر نفسه ينطبق على المجموعات الفنية، فهي تتحول وفق الظروف وبالتالي تتغير وظيفتها. وأيضًا العقدة تلتف حول نفسها، وهكذا هي المجموعات الفنية. في الجلسات عاين المتلقي تفاصيل الزمن المحمل بالعنف والجوع في كل مكان. وكيف أن إصلاح نسيج الزمن، يحتاج إلى التركيز على ما هو غير مرئي، وتوقع المشكلات المحتملة. على أن المطلوب من المجموعات الفنية، ليس مجرد رد فعل على ما يطرأ من عنف، إنما بناء زمن طويل من الملاحظة والتحليل. فالأفكار تصل بطرق مختلفة، وبوسائل وأدوات تخلق شبكات متنوعة.

في “لقاء مارس” يكون المتلقي على موعد مع أشكال من المقاومة، ليس أقلها الحياكة والتطريز، لتعزيز الهوية ومواجهة الاندثار. إضافة إلى الفن النسوي، بصفته وسيلة مقاومة من أجل الاستمرارية. فالنساء لسن فقط شاهدات على التدمير، إنما بطلات تدافعن عن الحق، والتأكد من عدم نسيان ما حدث، مستقبلًا. كذلك الشعور بالسعادة والبهجة بصفتهما درعًا ضد ما يواجهنه يوميًّا. فالحاجة إلى الشعور بالسعادة والبهجة مسألة أساسية في ديناميكية الفن.

طرح “لقاء مارس” قضية المؤسسات والفضاءات الفنية غير الربحية، التي تعد شريان حياة للفنانين والمنتجين الثقافيين، لا سيما أولئك الذين عانوا تاريخيًّا من ضعف التمثيل أو البُعد من المراكز الفنية الغربية، ويتمثلون في تجارب فلسطينية ومن جنوب آسيا وإفريقيا. ومن تقاطعات الممارسات الفنية المعاصرة والهوية الثقافية والذاكرة الجمعية، إلى العلاقة بين الذاكرة والمادية وتواريخ النزاع؟ إضافة إلى كشف السبل التي يوحّد فيها الفن نضالات المرأة عبر مختلف الخطوط العرقية والدينية؟ مرورًا بمختلف الإستراتيجيات التي اتبعتها أبرز الشخصيات النسائية للتصدي للبنى البطرياركية، وإفساح المجال أمام الأصوات المهمشة، وتعزيز الخطاب العام الذي يحتضن الجميع. وتأكيد الحاجة إلى صياغة فضاءات جديدة للتعبير، وأنماط بديلة للعلاقات الاجتماعية، حيث يجد الفنانون والمجتمعات الإبداعية سبلًا للتنظيم الذاتي والتجمع والعمل والتخيل والإنتاج، فضلًا عن مقاومة التهميش وكراهية الأجانب والنزوح والإلغاء. وكيف بإمكان بعض الفضاءات احتضان ثقافات اجتماعية شاملة تزرع الأمل في أوقات الصراع؟

طارق علي: أن تكون في هذا العالم

الروائي والكاتب الباكستاني طارق علي، تطرق، في إحدى الجلسات وكانت بعنوان “أن تكون في هذا العالم”، إلى الوسائل والتقنيات الجديدة، ودورها في تسريع عملية انتقال منتج ثقافي أو فني إلى قاعدة عريضة من الجماهير، في بلدان مختلفة، في وقت قياسي. والكاتب البارز تحدث أيضًا عن الأزمات، وعن الدمار الذي لحق بغزة، مثالًا، وعن ردود الفعل المؤيدة لوقف الحرب، من ناحية، ومن ناحية أخرى كيف تعاطى الإعلام الغربي مع هذه الردود. ويرى طارق علي أن الإبداع قوة تستطيع إحداث التغيير والتضامن، والتحدي لمراكز السلطة، مما يرسم معالم خطاب عام يتقاطع مع الحراك الشعبي. وقد استشهد بعدد من النماذج الأدبية، التي تم إنتاجها في أزمنة متباعدة، وعبرت عن موقف من الحرب والإبادة الشاملة، وتبنت المقاومة، نماذج لسرفانتس وشكسبير وأبي العلاء المعري وولادة بنت المستكفي وبيكاسو وسعدي يوسف وسواهم، مؤكدًا أن السياق الذي أنتجت فيه هذه الأعمال، مؤثر وأثر في الجميع. ويلفت إلى أن المأساة التي يعيشها العالم، لا يمكن تجاهلها أو تناسيها. ويذكر أن الشرق الأوسط الجديد، يتم استعادته من جديد وبطرق جديدة. وليس فقط الشرق إنما العالم كله. وتحدث عن الإعلام، عبر أبرز وأكبر ممثليه، وكيف أن هذا الإعلام يضيق بالحقيقة، بل يحاول تشويهها وطمسها، مستشهدًا بصحيفة كبرى مثل النيويورك تايمز وما ترتكبه من تشويه وكذب، سابقًا حيال العراق ولاحقًا بالمعارضين ضد إسرائيل وحربها على غزة.

في عيون حاضرنا، نسمع فلسطين

حفل “لقاء مارس” بحضور لفلسطين، عبر أكثر من مجال، مثل التشكيل والموسيقا وعروض الأداء. فلسطين، كبؤرة متوترة وجرح مفتوح باستمرار، جرح يختبر المواقف العالمية والضمير الإنساني. فتحدث الفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي عن تجربته، ممثلة في عمله التشاركي، “من باب الاحتياط”، الذي أنتجه كجزء من المشروع الفني “do it بالعربي” عام 2015م، وهو عبارة عن تصنيع نسخ من حمالات المفاتيح. والعمل، الذي يتعاطى مع اللحظة الراهنة التي تشهد ترحيل مليوني فلسطيني في غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي يوم 7 أكتوبر 2023م، في ظل تدمير نصف البنية التحتية للمدينة وإزالتها من الوجود، يمكن النظر إليه بصفته يترك أثرًا معينًا في مسار الشخص في هذا المكان والزمان، ولمحة من “موطن” المرء أو “نفسه” أو “مكانه الآخر”. في الجلسة تطرق البطنيجي إلى الفنان وكيف يمكنه التعبير عما يحدث. وإلى الفن المفاهيمي والسياق السياسي، وتطوير قدرات الفنان بالاطلاع على تجارب ناجحة، وكيف هو ضروري إيجاد بدائل، مثل المنصات الرقمية، وطريقة للتفاعل ودعوة الناس إلى التفاعل. وذكر البطنيجي أن الأدوات التقليدية لم تعد تجد، وأنه لا بد من اللجوء إلى الوسائل الحديثة.

وفي سياق حضور فلسطين، نظمت جلسة أدارها الرسام والكاتب إسماعيل رفاعي، وشارك فيها كل من فيرا تماري وسليمان منصور ونبيل العناني وتيسير بركات، ودارت حول مجموعة “نحو التجريب والإبداع الفنية”: الفن بوصفه فعل تغيير ومقاومة. تناولت الجلسة المحطات التي مرت بها هذه المجموعة، وانتقالهم من مرحلة إلى أخرى، في سياق مواجهة المحتل والتحريض عليه. وشملت هذه المحطات التغير في استعمال الأدوات والمواد وقبل ذلك الرؤى والأفكار حول الفن، والانتقال من الجماعي في التعبير إلى الفردي والخاص. وتوقف هؤلاء الفنانين عند الأثر العميق الذي تركته فيهم الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في العام 1987م، إذ أدت الانتفاضة، التي كانت تحمل وعدًا متجددًا بالحرية والتحرر، إلى إحداث إصلاح جذري في مفهوم الممارسة الفنية وتطلعاتها، باعتبارها عنصرًا أساسيًّا في المقاومة الشعبية. وتناولت الجلسة “الظروف التاريخية والسياسية الفلسطينية، التي أفضت إلى نشوء فكرة المجموعة وتأسيسها، فضلًا عن دورها كحلقة وصل بين ممارسات الفنون الجميلة المحلية، والتيارات المعاصرة في الحراك الفني الفلسطيني”. في الجلسة تحدث المشاركون عن الخروج على القوالب الجاهزة، منفتحين على العالم عبر تفكير معمق حول الفن ودور الفنان في توصيل صوته إلى العالم. واستوعبت تجاربهم قضايا جديدة، مثل المرأة والجسد، وصار الفن مواجهة فردية مع جمهور المتلقين، الذين تغير دورهم أيضًا.

وفي السياق الفلسطيني نفسه قرأ الشاعر مصعب أبو توهة، في إحدى الجلسات، قصائد باللغة الإنجليزية، قصائد جاءت موسومة برائحة الحرب وندبات الشظايا، تشهد على استحالة العيش تحت الحصار في غزة. وفي جلسة أخرى، بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيس فرقة “ثلاثي جبران” ناقش سمير جبران وسامر جرادات، التوازن الدقيق بين الطابع الفني الفردي والجهود الجماعية. ويربط الحوار بينهما، بين الجوانب الإبداعية والإدارية اللازمة لاستمرار المبادرات المشابهة لفرقة الثلاثي جبران، لا سيما فلسطينيًّا.

و”في عيون حاضرنا، نسمع فلسطين”، وهو عنوان معرض تم تدشينه في 23 ديسمبر ويستمر إلى 14 إبريل المقبل، ويعد تفصيلًا أساسيًّا في قماشة المشاركة الفلسطينية في “لقاء مارس”. يسلط المعرض الضوء على الإنتاج الإبداعي لمجموعة من الفنانين الذين كرّسوا ممارستهم الفنية لخدمة القضية الفلسطينية، والتعريف بتاريخ الاحتلال، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. ويقام المعرض في ضوء المأساة المتواصلة التي تشهدها غزة، ويأتي في سياق الدعم المستمر من مؤسسة الشارقة للفنون لفلسطين وشعبها، ويمثل شاهدًا على النضال الفلسطيني الممتد لعقود دفاعًا عن الأرض والسيادة. وبينما تقف الأعمال الفنية المشاركة شاهد عيان على التهجير القسري والخسائر الفادحة، فإنها تحتفي بالموروث والهوية الفلسطينية الغنية، مفسحة المجال أمام التعبير عن روح التضامن مع الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة. يسرد المعرض، الذي يقام في عيادة الذيد القديمة، وقصر الفنون (قصر الشيخ خالد بن محمد) في الذيد، حكايات متنوعة عن الشعب الفلسطيني ومناصريه، بما يؤسس لفضاء نتعلم منه ونتماهى فيه، ويضم أكثر من 60 عملًا فنيًّا تتراوح ما بين لوحات ومنحوتات وأعمال تركيبية وأعمال فيديو، والتي تعد جزءًا من مقتنيات مؤسسة الشارقة للفنون.

ترينالي الشارقة للعمارة: جمالية المتغير: عمارة التكيّف

يُمثل “ترينالي الشارقة للعمارة 02” جهدًا جماعيًّا لاستكشاف البيئة المبنية، والاحتفاء بالتقاليد المنسية في المنطقة لبناء مستقبل أكثر استدامة وإنصافًا للجميع. وتعد الشارقة، في رأي القيّمة للدورة الثانية توسين أوشينوو، مكان مثالي لاستكشاف هذه الأفكار، فقد عملت الإمارة على تشجيع التفكير النقدي عبر برامجها الداعمة لمبادرات التعليم والفنون والثقافة والتراث والتي تُسلّط الضوء على التاريخين الحديث والقديم. في هذا السياق، رُمّمت منطقة السوق في المدينة القديمة وأعيدت إلى حالتها التي كانت عليها قبل ستينيات القرن الماضي احتفاءً بنمط معماري قادر على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، إلى جانب إبراز العلاقة المهمة بين المشاة والشارع على نقيض مدن المنطقة التي تغلب عليها حركة السيارات. ويشجع الترينالي على استكشاف المحلية والخصوصية من وجهات النظر المادية، والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية.

يضم المعرض ثلاث توجهات متداخلة، أولًا، السياق المتجدد، ويعرض أعمالًا تعيد التقدير إلى مجتمعات ما قبل التصنيع، حيث عاش البشر في توازن مع الطبيعة. يعيد أصحاب هذه الأعمال التفكير في التقاليد، ويتفاعلون مع مفهوم إعادة التدوير، فيبرعون في إعادة استخدام المواد ويقترحون صيغًا لحداثة أكثر رفقًا. تتمثل هذه الحلول بلغة بصرية صريحة تحيل مادة البناء إلى أصلها ومنشأها. ثانيًا، سياسات الاستخراج ويعرض أعمالًا تركز على العلاقة المتوترة عادةً بين أطر الحوكمة والاقتصاد والبيئة. يُوثّق المشاركون هنا العمليات الاستخراجية التي يرتكز عليها التصميم ويتفاعلون معها. ثالثًا، أبنية غير ملموسة، تحتفي الأعمال هنا بالطبيعة سريعة الزوال لتفاعل الحضارة مع الطبيعة. عبر إزاحة الحد الفاصل بين المادي والمعنوي يطرح المشاركون رؤىً تعيد تخيل العالم من جديد وتطرح قضايا الحاضر على بساط البحث، مستلهمين في ذلك قيم الروحانية والتعاطف والاكتراث وإنهاء الاستعمار والمستقبلية.

من الأعمال المشاركة في ترينالي الشارقة، واحدا بعنوان “العتبة المجردة”، ونقرأ عنه في الكتيب الخاص بالترينالي ما يلي: في عالم يسهل فيه الوصول لأي شيء من أي مكان، تدفع الرأسمالية العالمية نحو المزيد من إفقار الهويات المحلية وصولًا إلى القضاء على أحياء تاريخية برمتها. يبرز هنا سؤال جوهري: ماذا تعني المحلية؟ مع تطوّر المدرسة القاسمية وتحولها من مبنى منعزل يفصله سور صغير إلى مساحة عامة تصل ما بين الحي الذي تقع فيه والمدينة، شكلت نقطة التقاء المداخل الجديدة شمالي وغربي المدرسة ما يشبه مصطبة خفيضة تتيح فرصة لإنشاء عتبة ترحيبية. تحدد “العتبة المجردة” هذه المساحة عبر تظليلها بما يهيئ ظرفًا أفضل للحضور في المكان. يتألف الهيكل الإنشائي للمشروع من أعمدة الكهرباء الخشبية التي بدأت هيئة كهرباء ومياه وغاز الشارقة في استبدالها ووضعت مكانها أخرى معدنية، في حين تتكون المظلة من العريش أو حصائر سعف النخيل المتوافرة بكثرة في المنطقة والتي يتم استخدامها بطرق مختلفة. ينتج هذا تدخلًا معماريًّا مجردًا وحسيًا يتألف من المواد الطبيعية في حوار حميم مع السياق المباشر. ستبقى “العتبة المجردة” بقدر الحاجة إليها، إذ أن لديها المرونة اللازمة لتفكيكها وإعادة تجميعها في مواقع أخرى. مع انتهاء الترينالي، سيُعاد استخدام الأعمدة بينما يمكن إعادة تدوير الحصائر في عدد من الاستخدامات أخرى. كذلك يمكن أن تتحلل هذه المواد تحللًا طبيعيًّا بما يكمل دورتها البيئية إكمالًا متناغمًا.

تستريح عند عش الطيور

في أثناء جولاتهما في المنطقة الصناعية في الشارقة، وبمحاذاة ساحات تجميع المواد والمنتجات معادة التدوير، يلتمس بابا أوموتايو وإيف ناجي أوجه الحياة في تلافيف المكان. من بين الركام الميكانيكي تظهر كومة من النفايات النباتية؛ برائحتها العضوية النفاذة تبدو غريبة عن المكان. في أثرها يظهر زقاق من المزروعات وعدد من المتاجر التي تتسع على صغر مساحتها لأقفاص الطيور، وأخيرًا، مكان للراحة بين النباتات والطيور أنشأه العمال المحليون. ماذا الذي يمكن أن يحدث إذا توافرت ضمن هذا المشهد الصاخب مساحة جماعية للراحة؟ يخلق “نستريح عند عش الطيور” مجموعة من أعشاش الطيور ومساحة الراحة. توفر المساكن الصغيرة المصفوفة والمصنوعة من الورق والأعشاب ملاذًا لاجتماع طيور المنطقة، تحكم بقاءها الطبيعة المتغيرة للبيئة ومادة بنائها التي تتألف من سقالة ومخلفات عضوية عُثر عليها في المنطقة.

الشارقة

يصوغ عمل ” الشارقة 1 X89 – 1X72″ رؤية استشرافية استعادية- مستقبلية تأملية عبر تمثيلات معمارية موسّعة تستجيب لتطور مفهوم الهوية الوطنية لإمارة الشارقة وموقعها الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة. هناك تتداخل العمارة الحداثية مع “التاريخية” التي تسعى إلى تقليد جماليات العمارة “التقليدية”. تهدف تدخلات دجيفوس إلى خلخلة هذا التمازج بين وسط المدينة التاريخي (الذي يضم مباني سكنية وتجارية تعود إلى الستينيات والسبعينيات) والمباني التراثية (التي شهدت جهود إعادة الإعمار في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين). يستخدم دجيفوس في صنع هذه السينوغرافيا المتخيلة مروحة متنوعة من نماذج البناء التقليدية والإقليمية إلى جانب الأشكال الحداثية بهدف إظهار فضاء واسع من الإمكانيات بأسلوب طريف بدلًا من الصرامة والبراغماتية. تمتد هذه السردية من لحظة تأسيس دائرة التخطيط والمساحة في 1X72 حتى استضافة الشارقة لكأس الأبطال في 1X89، وهو دورة روبن مزدوجة للكريكت تضم فرق الهند وباكستان وجزر الهند الغربية، وتقدم رؤية إبداعية لمدينة الشارقة، ومسارًا بديلًا لتطورها.

مدرسة الدار البيضاء: منصات وأنماط الحركة الطليعية

تزامن “لقاء مارس” مع إقامة معارض على مقدار كبير من التفرد والأهمية، ومنها معرض، مدرسة الدار البيضاء: منصات وأنماط الحركة الطليعية لمرحلة ما بعد الاستعمار 1962-1987م. ففي أعقاب استقلال المغرب عام 1956م، أثار موظفو وطلاب المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء ثورة فنية، ومزجوا الفن التجريدي بالتقاليد الفنية الإفريقية والأمازيغية المستوحاة من السجاد والمجوهرات وفن الخط ورسومات الأسقف في المنطقة، ما أفضى إلى تبلور فن جديد في المغرب نابع من التراث الأفرو-أمازيغي، ساهم في إطلاق انتفاضة ثقافية تنامت وشكلت المستقبل.

وانطلاقًا من تراث متعدد الثقافات، أدخل العاملون في المدرسة وطلابها الفن إلى الحياة اليومية، من خلال استخدام اللوحات والملصقات والمجلات والجداريات الخارجية ومهرجانات الشوارع. ساهمت هذه “الموجة الجديدة” المغربية في تفعيل حراك اجتماعي وحضري ساعد في نهاية المطاف على بناء حركات تضامن فني بين أميركا اللاتينية وغرب آسيا وإفريقيا.

يستكشف المعرض، الذي أقيم في أستوديوهات الحمرية، هذه الرؤية الاستثنائية للحياة الحديثة، التي قادها خمسة فنانين ومعلمين بارزين من المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، وهم فريد بلكاهية ومحمد شبعة وبيرت فلينت وتوني (أنتونيلا) مارايني ومحمد المليحي. أثبتت هذه المجموعة الفنية المغربية المدهشة، المعروفة رسميًّا باسم “مجموعة كازابلانكا” وقد انضم إليها المزيد من الأعضاء، أثبتت أنها “كوكبة” من الفنانين أكثر من كونها مجموعة محددة. ويعتبر هذا المعرض المتحفي، الأول من نوعه، وهو يقدّم أعمالهم وإرثهم في المنطقة في منصات وصيغ مؤثرة وفاعلة، ويضم أعمالًا لـ 21 فنانًا وناشطًا من “مجموعة كازا” من مختلف الأجيال، بما في ذلك لوحات تجريدية، وجداريات حضرية، وأعمال طباعة ورسوم غرافيك وتصميم داخلي، فضلًا عن فِلم وأرشيفات مطبوعة ومجلات قديمة وصور فوتوغرافية نادرة.

لا لا روخ: إيقاع الجهات

يضيء معرض “إيقاع الجهات” على ممارسة الفنانة والناشطة الباكستانية لالا روخ (1948- 2017م) على امتداد ثلاثة عقود، ويتضمن أعمالًا أنتجتها على خلفية الاضطرابات السياسية والحركات النسوية في باكستان، سواء الرسومات والمواد المطبوعة والفوتوغراف والفيديو، بما يضعنا حيال أول معرض استقصائي عالمي لأعمالها حتى تاريخه. تصوّر تكويناتها الشعرية الآفاق وحركة القمر والمسطحات المائية والسواحل والمواقع الأثرية، ملتقطة تدرجًا من الإيقاعات عبر مفرداتٍ مكثفة من الخطوط والشيفرات والسواد.

يتضمن المعرض، المقام في المباني الفنية، أعمالًا قلّ عرضها من بداياتها الفنية، إلى جانب ملصقات ومنشورات ومقابلات أصلية مع أشخاص تعاونت معهم في أثناء عملها على الدفاع عن الحقوق المدنية والعدالة بين الجنسين، فضلًا عن بعض المواد الأرشيفية المهمة وأعمالًا من مقتنيات مؤسسة الشارقة للفنون، إلى جانب سلاسل، لم تعرف على نطاق واسع، من سيجيريا وسريلانكا وساحل جاداني الباكستاني. ويعرض كذلك لأول مرة في المنطقة عملها الأخير “روباك” (2016م)، الذي يمثّل تشابكًا انسيابيًّا بين صوغ العلامات والحس الموسيقي والصمت.

هينوك ملكامزر: رموز وصور الطلسم

يتضمن هذا المعرض حوالي مئة عمل للفنان الإثيوبي هينوك ملكامزر. وهي أعمال فنية تحتفل بالطلسم، وتستمد مكوناتها من الرموز والرسومات والنصوص التي تعكس أهمية روحية وفلسفية، عبر استلهام علم التنجيم والدين والروحانية، إذ تأثرت الأشكال المستخدمة في الفن الطلسمي على امتداد حقب طويلة بالتاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لإثيوبيا، كما وظّفت أساليب التعبير الحديثة في معالجة أبرز المشكلات في العالم المعاصر، مثل كوارث المناخ والحرب والفقر.

وفن الطلسم عند ملكامزر يعد، في رأي حوار القاسمي، شهادة على تقليد غالبًا ما يتجاهله الفن الغربي، إلى جانب كونه ممارسة فنية متطورة تعيد تفسير العالم المعاصر من خلال حكمة السكان الأصليين. يقول هينوك ميلكامزر: «إن مفتاح قراءة الفن الطلسمي هو البدء من المركز، حيث تنزاح العيون تدريجيًّا نحو الخارج، وتبدأ كل تعريشة بكلمة أو مفهوم روحي يجسد العلاقة المضمرة بين اللون والشكل الأبجدي الخاص بلغة الطلسم». وعلى الرغم من أنّ “الطلسم” ما يزال ممارسة شعبية، والذي غالبًا ما تصفه الأوساط الغربية بأنه “فن التشافي” أو “فن التعويذة”، بحيث ينأى به هذا التوصيف عن العديد من مناقشات الحداثة، فإن معرض “هينوك ميلكامزر: رموز وصور الفن الطلسمي”، الذي قيّمته الباحثة إليزابيث جيورجيس، يتحدى مثل تلك المقاربة الحداثوية ذات البعد الأحادي، ويقدم لنا رؤية فريدة في واحدة من أكثر الممارسات الفنية الحداثية أهمية في إثيوبيا، والتي تجسّدت عبر أعمال هينوك ميلكامزر. يعدّ هذا المعرض، المقام في متحف الشارقة للفنون، أكبر معرض فردي لهينوك حتى الآن. توفر ممارسة هينوك الفرصة أمام الجمهور لاستكشاف العديد من التجليات الطلسمية في الوقت الراهن.

جائزة العويس تكرم الفائزين في فروعها المختلفة

جائزة العويس تكرم الفائزين في فروعها المختلفة

 احتفلت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، الخميس الماضي، بتوزيع جوائز الفائزين في الدورة الـ 18 بحضور شخصيات فكرية وثقافية إماراتية وعربية، بينهم الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة، والدكتور أنور محمد قرقاش رئيس مجلس الأمناء، ومحمد المر رئيس مجلس أمناء مكتبة محمد بن راشد وأمناء عامون لجائزة الملك فيصل وجائزة عبدالحميد شومان وعدد من الشخصيات الثقافية والفكرية الإماراتية والعربية وضيوف الجائزة وأصدقاء مؤسسة العويس الثقافية.

وفاز بجوائز الدورة الـ 18 لـ«مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» كل من: الشاعر المصري حسن طلب، والروائي والمسرحي البحريني أمين صالح، والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، والمفكر والمترجم المغربي الدكتور عبد السلام بنعبد العالي.

وفي الاحتفالية ألقى الدكتور أنور محمد قرقاش، رئيس مجلس أمناء جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية كلمة قال فيها: «نيابة عن مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية يسعدني أن أرحب بكم في هذا الحفل الذي نكرم فيه كوكبة جديدة من المبدعين الذين أثروا المشهد المعرفي والثقافي العربي بأفكارهم وأعمالهم المُتميزة، فلهم منا كل التقدير والتكريم».  وأشار الدكتور قرقاش في كلمته إلى «الظروف الاستثنائية والإنسانية الصعبة التي يمر بها أشقاؤنا أهل غزة، والتأكيد على وقوف الإمارات قيادةً وشعبًا إلى جانبهم ودعمهم المستمر للتخفيف من المعاناة التي يمرون بها، آملين أن تتضافر الجهود العربية والضمير الإنساني ليعم السلام والاستقرار، وأن يحظى الأشقاء في فلسطين بحقهم في دولة مستقلة ذات سيادة بعد طول معاناة».

وقال الدكتور قرقاش: إن الثقافة «هي الروح التي تزدهر بها الحضارات، وهي الهوية التي تعطي الدول والشعوب هُويتها وتميُّزها، وهي التي تعزز التفاهم والتواصل بين الناس، وتمهد الطريق للتعايش والانفتاح في عالم متنوع بثقافاته وإبداعاته»، لافتًا إلى أن دولة الإمارات «مؤمنة بأن الثقافة والإبداع طريق رئيس من طرق التطور والتقدم، ولطالما كان المبدعون والمثقفون محل تقدير واحترام، ومن هنا كانت وما زالت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية سباقة إلى تكريمهم والاحتفاء بهم، فالأمم التي تحتفي بمبدعيها ومثقفيها هي الأمم الحية القادرة على مواصلة التنمية والازدهار. واليوم وضمن مسيرة مؤسسة العويس الثقافية في تكريم المبدعين نرحب بفوز كل من الشاعر حسن طِلِب والناقد عبد الله إبراهيم والقاص أمين صالح والمفكر عبد السلام بنعبد العالي الذين تتشرّف بهم جائزة العويس وترحب بهم دولة الإمارات العربية المتحدة».

وأكد الدكتور قرقاش أنهم في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية دأبوا على مواكبة النشاط الإبداعي العربي؛ «منطلقين من قيم راسخة في مجتمعنا، قيم متوارثة من الآباء المؤسسين، الذين رأوا في الثقافة عاملًا حيويًّا لبناء المجتمع وتنميته وفتح آفاق واسعة له من النهضة والتطور»، مستذكرًا مآثر الراحل سلطان بن علي العويس «الذي قدّم نموذجًا نعتز به لرجل الأعمال المثقف والمدرك لأهمية الثقافة والفكر وضرورة دعم المبدعين والمتميزين، فقد كان -رحمه الله- نعم المثال والقدوة لرجال الأعمال وللقطاع الخاص وتحفيزهم على إثراء الحركة الثقافية والفكرية».

وقال إنهم في مجلس الأمناء سيواصلون «الحفاظ على المكاسب التي حققتها المؤسسة، والتي تستمد حيويتها وموقعها من تجربة الإمارات الرائدة ونموذجها التنموي الذي انتهجته القيادة الحكيمة برئاسة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، والتي قدمت الكثير للثقافة والفكر على المستويين العربي والدولي، سواء من خلال دعم المؤسسات الثقافية والعلمية أو دعم المثقفين والمبدعين، علاوة على تقديم كل السبل الكفيلة بدعم المشهد الثقافي بكل تفاصيله في دولة الإمارات لتبقى واحةً للتميز والإبداع».

أمينة على التعبير عن الهدف الأسمى

في حين قرأ الدكتور عبد الله إبراهيم كلمة الفائزين التي قال فيها: «يلزمني القول بلسان الفائزين إن هذه الجائزة شقّت طريقها بقوة في المجتمع الثقافي العربي، وابتكرت لها هوية لا غبار حولها منذ انطلاق دورتها الأولى في عام 1988، وبقيت أمينة على التعبير عن الهدف الأسمى الذي أعلنته منذ البداية. ولو عاينّا مضمون الهدف المعلن للجائزة طوال خمس وثلاثين سنة، لاتضح مدى تطابق الهدف مع الثمار التي قُطفَتْ منه، ففعلًا لا قولًا، ارتبطت الجائزة بنخبة من خيرة الأدباء والمفكرين العرب، وكان لهم أعظم الأثر في تنشيط الفعل الإبداعي والثقافي، وزاد عددهم على مئة فائز بها».

وأضاف قائلًا: إن الاعتراف «ميزة عظيمة من مزايا الطبع البشري، وإذ اصطفت جائزة سلطان العويس الثقافية المبرزين من أبناء الثقافة العربية، واعترفت بهم، فقد بادلوها الاعتراف في أنهم خلعوا عليها القيمة السامية بآثارهم الرفيعة، وأعمالهم القيمة. وكان اعترافًا متبادلًا منقطع النظير بين الجائزة والفائزين بها لم يطعن به أحدٌ؛ ذلك أنها كانت جريئة في البحث عمّن يستحق حملها، ولم تخفِ هدفها في الذهاب إلى أصحاب الاستحقاق. وتعلمون أن الجوائز الرفيعة هي التي تنتهي إلى أفضل المؤهلين لها، فلا تحابي، ولا تداهِن، ولا تسترضي، إنما تصون عرضها من الخدش، وتدرأ الشبهات عنها بمقدار ما تكون أمينةً على هدفها، وتمضي في طريقها الذي مهدته بالصبر، والدراية، والمثابرة».

تقرير لجنة التحكيم

أما الدكتورة ميساء الخواجا عضو لجنة التحكيم، فقد قرأت تقرير اللجنة الذي جاء فيه: «عقدت لجنة تحكيم جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، في دورتها الثامنة عشرة 2022 – 2023م، اجتماعاتها في دبي، في المدة الممتدة من  10  إلى 11 أكتوبر 2023م، برئاسة الأمين العام للمؤسسة عبد الحميد أحمد، وحضور أعضاء الأمانة العامة وكافة أعضاء لجان التحكيم التالية أسماؤهم:  إسكنــدر حبــش، حبيب بوهرور، حسين حمودة، صـبري مسلم، عبد الخالق عـبد الله، عبد الرحمان بو علي، محمد عبد الكريم حوراني، محمد لطفي اليوسفي، مريـم الهاشمـــــي، ميساء زهدي الخواجا، نيفين مسعــــد، يوسـف حطيــني. وبعد المداولات والنقاش، توصلت اللجنة إلى النتائج الآتية:

  • أولًا: حقل الشعـر:  قررت اللجنة منح الجائزة للشاعر حســن طِلِــب، إذ رأت اللجنة في تجربته فرادة وغزارة وتنوعًا، إضافة إلى وجود مشروع شعري متكامل ومتنام يتسم بالتجريب ويمازج بين الشعرية والصوفية والرؤى الفلسفية، ويشتغل على توزيع القصيدة وفق نمط ذاتي يجمع بين الشكل البصري والقيمة الصوتية للحروف والكلمات، ومساءلة اللغة وتجريب إمكاناتها إلى الحد الأقصى، بحثًا عن قصيدة الإشراقات، واستثمار الإيقاع بأشكاله المختلفة، والشاعر في ذلك كله يعيد صياغة العلاقة مع التراث الإنساني، ويكتب قصيدة بشكل متفرد ومتجدد.
  • ثانيًا: حقل القصة والرواية والمسرحية: قررت اللجنة منح الجائزة للقاص أمين صالح، وذلك لامتلاكه تجربة إبداعية مغايرة، تمثلت فيما كتب من قصص قصيرة ونصوص وأعمال أخرى تدلت على أنه متنوع الثقافة متعدد الاهتمامات. وتمتاز لغته بأنها تمزج بين السرد والشعر لتحقيق الانسجام المطلوب في هذا النوع من الكتابة الإبداعية، وهو غالبًا ما يختار الجديد الغرائبي من أجل إدهاش المتلقي، ويحرص على ألا يقع في المكرر والمعاد، وقد أفاد من السريالية، ومن التقنيات السينمائية المتنوعة في مشروعه الإبداعي.
  • ثالثًا: حقل الدراسات الأدبية والنقد: قررت اللجنة منح الجائزة للناقد عبد الله إبراهيم، الذي تتسم مؤلفاته بوضوح الرؤية المنهجية والانشغال بموضوع السردية العربية ومنجزاتها وسياقاتها المتحولة، والاهتمام بالقضايا الثقافية، وإعادة تأمل العلاقة بين الشرق والغرب، ما أدى إلى توسيع دائرة الكتابة النقدية؛ فغدت حفرًا معرفيًّا حضاريًّا يفكك المقولات والأطروحات والأنساق الثقافية والمفاهيم الفكرية السائدة، في نتاج مهم تنامى بدأب وعمل متصل وتمثّل في تقديم مشروع نقدي متكامل.
  • رابعًا: حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية: قررت اللجنة منح الجائزة للدكتور عبد السلام بنعبد العالي، وذلك لأنه من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، وهو يرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة. وتتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص. كما تتميّز أفكاره بالاتساق والتكامل والترابط، وكأنه يشيّد بناءً متعدّد الطبقات. وهو باحث غزير الإنتاج ممتّد العطاء، ويربط الفلسفة بالمجتمع ويناقش من خلالها قضايا التطوّر ومستجدات الواقع، وتمتاز أعماله الفكرية بالأصالة والاستمرارية».

عقب ذلك بدأت وقائع حفلة التكريم فقدم الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة الدروع الكريستالية للفائزين بحضور أعضاء مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية وهنأ الفائزين، ثم التقطت الصور التذكارية الجماعية.

إلى ذلك بلغ عدد المرشحين في كل الحقول 1861 مرشحًا، إذ تقدم إلى «جائزة الشعر» 231 مرشحًا، وللقصة والرواية والمسرحية 490 مرشحًا، أما الدراسات الأدبية والنقد فكانوا 290 مرشحًا، والدراسات الإنسانية والمستقبلية 485 مرشحًا، وفي الإنجاز الثقافي العلمي 270 مرشحًا.

وفاز بالجائزة في الدورات السابقة 101 أديب وكاتب ومفكر عربي، فضلاً عن 5 مؤسسات ثقافية مرموقة أسهمت في نشر الثقافة والمعرفة، وحكّم في حقولها أكثر من 270 محكمًا واستشاريًّا من مختلف المشارب الثقافية. وتبلغ قيمة الجائزة لكل حقل من حقولها 120 ألف دولار أميركي.

أمين صالح.. ثورة ناعمة في ميادين الكتابة