عبدالسلام بنعبد العالي… بورتريه صيني لفيلسوف مغربي!

عبدالسلام بنعبد العالي… بورتريه صيني لفيلسوف مغربي!

لو كنتُ بورتريهًا، فلأكُن بورتريهًا صينيًّا

ليست كتابة البورتريه بأقلّ صعوبةً من رسمِه، في الحالتين كلتيهما نحن مهدّدون بأن نخطئ تقديرَ المسافة، أن نلتصق بالمرسوم إلى درجة المطابقة، بحيث نعيد إنتاجَه إنتاجًا دقيقًا يخلو من أيّ أصالةٍ؛ أو أن نجانِبه، فنرسم شيئًا آخر… إنّ «البورتريه الناجح» -إن كان ثمّة بورتريه ناجح- هو ذاك الذي يساير المرسومَ، من غير أن يلتصق به، يرسمه من دون أن يُدركَه، يتبعه في تحوّلاته وانفلاتاته ومساربه… يُنتِج «شبيهَه» إن اقتبسنا العبارة الأثيرة لدى دولوز… بيد أنّ كلّ محاولةٍ لرسم بورتريه تتطّلب توقيفًا للموضوع المرسوم، إيقافًا لحركته، ذاك أنّ هذا التوقّف شرطٌ لازمٌ لحركة الريشة، فريشة الرسام تتغذّى من موت المرسوم، من جموده… كيف إذن السبيل إلى رسم ما لا ينفكّ يتغيّر، ما لا يستقرّ على حالٍ، ما يعترف بأنّه «لا يملك إلّا المسافات التي تبعده»… قد يكون الحلُّ في قلب طرفي المعادلة، تثبيت ريشة الرسام، وترك الحرية للمرسوم، يواصل حركته وتدفّقاته وانسراباته… توقيف الريشة عن طريق اختيارٍ مسبقٍ لطبيعة البورتريه، وترك الحرية للمرسوم يتشكّل كيف يشاء داخل القالب، غير ملتزمٍ بأيّ شيءٍ، ليفِضْ عن إطار اللوحة، أو ليلتَزم بحدودها، أو ليتركها فارغةً إن شاء ويرتسم في موضعٍ آخرَ خارجها. ليكن إذن بورتريهًا على النمط الصيّني، شبيهًا بما يفعله بروست، لعبة تحوّلات وتشكّلات عبر افتراضاتٍ متواترة، في كلّ لحظةٍ يُستجوَبُ الموضوعُ عمّا يمكنه أن يكون لو قيِّض له أن يكون شيئًا آخر غير ذاته (لوحةً، أو فِلْمًا، أو كتابًا، أو موسيقا…)، وفي جوابه يُفلت من ذاته لكي يعود إليها.

لو كنتُ نبتةً، فلأكن جذمورًا

هنا تحديدًا لن يخطئ القارئ الاختيارَ، إن وُضع أمام اختبارِ تصنيفِ عبد السلام بنعبد العالي (الفائز بجائزة العويس، في دورتها الجديدة) في خانة كتّاب ومفكّري الشجرة، أصحاب الجذور، الديكارتيون الذين لا يستطيعون الحياة إلّا في تربةِ الانتظامِ والترتيب والنتائج المنطقيّة المترتّبة عن مقدّمات دقيقة؛ أو تصنيفه في خانة مفكّري الجذمور، أولئك الذين لا يعترفون بجذرٍ أصليّ، وإنّما يطفحون على السطح كنبات الجذمور، غارسين في كلّ لحظةٍ جذرًا جديدًا، جذرًا مؤقّتًا ينفي أيَّ أصلٍ أو مركزٍ.

إنّ الناظر في متن الأستاذ بنعبد العالي، يمكنه أن يقاربَه من أيّ نقطةٍ، فلا ترتيب منطقيًّا لمؤلّفاته، اللّهم إلّا الترتيب الزمني، ولا ضرورةَ لقراءة متنه كلّه، ولا حتى لإتمام قراءة أيّ كتابٍ، كلّ جزء قد يعطيك صورةً عن الكلّ، ولكنّ الكلَّ لا تتوقّف حياتُه على أجزائه، ولا انتظامَ أو تراتب بين أجزائه. يكتب بنعبد العالي متجاوزًا نفسَه لا مرسّخًا لها، إنّها كتابةٌ ما تنفكُّ تكتشف ذاتها في أثناء فعل الكتابة نفسه، كتابةٌ تتغذّى من نفيِ كلٍّ أصلٍ، كتابة تدرك أنّ حياتَها تتوقّف على توطّنٍ دائمٍ في موضعٍ آخر، وأنّ كلّ تجذّرٍ إنّما هو فعلٌ مؤقّتٌ لا يمكنها الارتهانُ إليه؛ لذا لا يمكن للقارئ أن يعاملها معاملةَ الشجرة، لا يمكنُه أن يبحث عن التربة التي تضربُ فيها جذورَها، هي كتابةٌ بلا أصول لا تعترف بأمّات كتبٍ ولا بمصادر للفكر، بقدر ما تبحث عن، -وتخترع- أدواتٍ… دونَ القارئ إذن جذمورٌ يمكنه أن يستلقي عليه، أن يباشره من حيث شاء، أن يقبس منه، أن يقطع «جذورَه» لكنّه أبدًا لن يمسك بالأصل!

لو كنتُ كتابةً، فلأكن مسوّدة

تتوافق وضعية الجذمور مع فكرة التسويد. ليست المسوّدة نصًّا مؤقّتًا يسعى إلى أن يتحوّل إلى مبيَّضة. إنّ المسوّدة هي غاية الكتابة، هي الطِّرْس المفتوح الذي ما ينفكّ ينكتب. بياض الكتابةِ انغلاقٌ! لا يهدف بنعبد العالي إلى إنتاج نصٍّ نظيفٍ، نصٍّ لا يعاني علّة «سوء الفهم»، إنّ ما يراه «الآخرون» أوجه فسادٍ وعلّةٍ في الكتابة والفكر، هو تحديدًا ما يرى فيه بنعبد العالي «حياةً» وفعاليةً. أن تكتب يعني أن تتجاوز سطح الورقة الأملس إلى خدوش القلم وحزازاته وتوتّراته.. أن تكتب يعني أن تنتقل من حالةِ «النقاء» الزائفة إلى حالةٍ من «الاتّساخِ» بالمعنى، أن تصير قابلًا أن تؤوّلَ، أي قابلًا لألّا تُفهم… لهذا لم يكن غرض بنعبد العالي يومًا من الكتابة، إنتاج أطروحاتٍ تكون موضوع نقاشٍ وسجالٍ ومحاضراتٍ ورسائل جامعية، إنّه لا ينتج فكرًا بهذا المعنى… أن تصير موضوعًا للنقاش يعني أن تفترض ضمنًا إنتاج نصٍّ «نظيف»، نصٍّ يكون اتّساخُه طارئًا، وسرعانَ ما يعيد تنظيفَ نفسه بالتبرير والشرح والتعليق… وذاك آخر هواجس مفكّرٍ من طينة عبدالسلام بنعبد العالي.

إنّ «سوء الفهم» ليس طارئًا، فالنص منذ بدايته ملتبس، قبل حتى أن يكون موضوعًا للقراءة والتأويل، ولا يعيش إلّا بفضل قدرتِه على أن يتجاوز نفسَه، أن يكون «مؤقّتًا»، لا تعيش المسوّدة إلّا متى تحوّلت إلى مسوّدة أخرى، أمّا نقلها إلى مبيّضةٍ، فيعني موتَها…التفكير إذن لا يحتاج إلى فصل دراسيّ وتلامذة نجباء، وبرامج دقيقة واضحة، بقدر ما يحتاج إلى مختبر، إنّ التفكير والكتابة ليسا تنظيمًا وهندسةً بقدر ما هما تجريبٌ وبريكولاج!

لو كنتُ وظيفةً، فلأكن بريكولاجًا

في كتابه «الفكر المتوحّش»، يضع الإثنولوجي الفرنسيّ كلود ليفي ستروس المهندسَ على طرفي نقيض مع «البريكولور». هو بالطبع لا يفاضل بين هذا وذاك، وإنما فقط يمايز بينهما؛ وبفضل تمييزه ذاك ترتسم صورةٌ عامة للطريقة التي يباشر بها الإنسان العالمَ، ويتعامل مع قواعده ومتغيّراته. إنّ بادئ الرأي يرفع من قدر المهندس، لدرجةِ أنّه يرسِّخ العبارة الرائجة «الناس صنفان: المهندسون، وبقيّة الناس!». في المفاضلة بين الهندسة والبريكولاج، يجنح بادئ الرأي عادةً إلى تفضيل «المهندس»، فالمهندس مُنظِّمُ عالَمٍ، إنّه مُرسي الأسس المتينة التي تنهض عليها مدنيَّتُنا. إنّه رجل الحسابات الدقيقة، معقلِنُ العالَمِ، يبنيه ويجرّبه قطعةً قطعةً، يحميه من العشوائية والفوضى… في مقابل ذلك، لا يتحرّج بنعبد العالي من مناصرة فكر البريكولاج، والانتسابِ إليه؛ يقول: «بينما يشكل المهندس الذات الفاعلة التي هي المصدرُ المطلق لخطابها الذي تستطيع أن تبنيه وتتيقن منه قطعةً قطعةً لكونها تقيمه على منهج، وتبنيه وفق قواعد، وتسنده إلى معيار، فإن البريكولور لا ينطلق من «الطبائع البسيطة» التي ينتهي إليها التحليل الديكارتي، والتي يدركها العقل بداهة، وإنما مما يتوافر له من أدوات، وما يقع تحت يديه من وسائل لم تكن مهيأة بالضرورة كي تستخدم من أجل العملية التي يستخدمها فيها، والتي يتحايل لتكييفها معها، وهي وسائل وأدوات يكون على أتم استعداد لهجرها والتخلي عنها إن تبدى أن أدوات أخرى أكثر منها ملاءَمةً».

معنى أن تكون «بريكولور» هو ألّا تحوز «ثقافةً» بما هي رصيد جاهزٌ، قابلٌ للاستعمال والتطبيق في كلّ الوضعيات، بقدر ما تمتلك «علبة أدواتٍ»، تكتشفها كلّ مرّةٍ، «علبةَ أدواتٍ» لا تكشف عن معناها وأدواتها وقوّتها وحدودها، إلّا أثناء عمليّة الاشتغال نفسِها. لا يكتب بنعبد العالي كتابةَ من يؤسِّس، من يضع القواعد الصلبة، ومن يستثمر رصيدَه الجاهز الذي راكمَه بطول البحث الأكاديمي، بقدر ما يكتبُ كتابةَ من يكتشف نفسَه وحدودَه أثناء عملية الكتابة والتفكير. وهو هنا أقربُ إلى شخصية «باس بارتو» منه إلى شخصية «فلياس فوغ» في رواية جول فيرن الشهيرة، «رحلة حول العالم في ثمانين يومًا».

لو كنتُ شخصيّةً أدبيّة، فلأكن باس بارتو

أحد أشهر التقابلات في تاريخ الأدب، تلك التي وضعها جول فيرن في أشهر رواياته، «رحلة حول العالم في ثمانين يومًا». نقصد التقابل بين بطلَي الرواية: فلياس فوغ، وهو جانتلمان إنجليزيّ، أعزب، مهووسٌ بالدِّقّة، وخادمِه الفرنسيّ باس بارتو، ويعني اسمه حرفيًّا «حلّال المشاكل كيفما كانت»! إنّ فلياس فوغ «ساعةٌ حيّة»، فحياتُه كلّها مضبوطةٌ بالدقيقة والثانية، وينبغي أن تسير خطوةً خطوةً بصرامةٍ لا تسامُحَ فيها. أمّا باس بارتو فهو رجلُ اللامتوقّع، رجل الأحداث الطارئة، الرجل الذي «يرقِّع» و«يرتق» الصدوعَ التي تظهر في نظام فلياس فوغ الصارم. ما من شخصيّةٍ أدلَّ على عبدالسلام بنعبدالعالي من شخصيّة باس بارتو، إنّه لا يمضي في هذا العالم حاملًا خارطةً وساعةً مضبوطةً، بقدر ما يجابهه بصندوق أدوات «البريكولاج». إنّ مفكّرًا على نمط فلياس فوغ، يفترض أنّ سطحَ الوجود مستوٍ، لا نتوءات فيه ولا صدوع ولا خدوش، حتّى إن وُجدت فإنّما هي معروفةٌ سلفًا، ويمكن التحكّم فيها وعلاجها، ورأبُها… أمّا المفكّر على نمط بنعبدالعالي، باس بارتو، المرقِّع، فينطلق من فكرة أنّ التصدّع والخدش، أو ما يسمّيه هو نفسه «جرح الكائن»، هو ماهية العالم، إنّ العالم ما ينفكّ يتصدّع، وجُرحُه هو قوامُه؛ لذا فإنّ التعامل معه لا يمكن أن يكون تعامل مهندسٍ إنجليزي يضبط إحداثياته، بقدر ما يفترض أن يكون تعامل «بريكولور» فرنسيّ يتعامل مع الطارئ واللامتوقّع فيه. 

لو كنتُ فِلْمًا، فلأكن الجزيرة العارية

قد يكون فِلْم «الجزيرة العارية» للياباني كانيتو شيندو أحبّ الأفلام إلى عبدالسلام بنعبد العالي، وأقربَها إلى فكره… فِلْمٌ مضبوطٌ بإيقاع الصورة، بلا أيّ كلامٍ أو حوارٍ، حيث تحاول الأسرة اليابانية إعمار جزيرةٍ، مُعيدةً إلى الأبد الحركات نفسِها، والأفعال نفسها، جزيرة كالمسوّدة لا تكتمل، لكنّهم مضطرّون إلى محاولة ملئها إلى الأبد.. ثمّ ها هو حادثٌ يطرأ (وفاة طفلٍ)، فينكسر الإيقاع كلّه… إلّا أنّ كلَّ انكسارٍ إنما هو مؤقّتٌ.. تُعاد محاولة الإعمار على بدءٍ، وتتواصل محاولة كتابة المسوّدة التي لن تؤدّي في النهاية إلى أيّ هدفٍ، اللهم إلّا الكتابةَ نفسَها…   

لو كنتُ موسيقا، فلأكن «قربان الربيع» لسترافينسكي

لا يني عبدالسّلام بنعبد العالي يشيد بموسيقا سترافينسكي، ولا يخفي شغفه على نحوٍ خاصٍّ بباليه «قربان الربيع»… ربما يجد في هذه التحفة الموسيقية تماثلًا مع ما سعى إليه كتابةً، طيلةَ عقودٍ… إنّ القربان هو إعادة طقس بدائيٍّ سعيًا إلى الحفاظِ على ثبات الطبيعة، يقدِّم القرويون في باليه سترافينسكي فتاةً قربانًا للطبيعة؛ كي يأتيَ الربيع في موعده… إلّا أنّ باليه سترافينسكي كان في زمنه «فضيحةً» فنيّةً، من حيث إنّه كسرَ كلّ التقاليد الموسيقية والمواضعات الفنيّة التي كانت مقدّسة حتّى ذلك الزمن… أنْ أُقَدِّمَ نصًّا يُظهر الالتزام بطقس القربان، نصًّا يعيد إنتاج ما تواضعنا عليه جميعًا، ويُبطنُ كسرًا لكلّ القواعد الشكلية التي اتّفقنا على احترامها سلفًا… تلك وضعيةٌ شبيهةٌ بالرسالة الجامعية التي دافع عنها عبدالسلام بنعبدالعالي للحصول على شهادة الدكتوراه، رافعًا منذ البداية «شعار الفضيحة»، أن نكتب داخل التقليد الفلسفي، ضدَّ التقليد الفلسفي نفسه… هذه الممارسة «الوقحة»، التي لا يزال منخرطًا فيها، ومدافعًا عنها، هي الشرط لكلّ إبداعٍ، ما دام الإبداع خروجًا دائمًا عن المستقرّ… ولنترك للزمن أن يحكم ويصفّف ويتجاوز الأحكامَ، ويرسّخ التقاليدَ والتقاليدَ المضادّة، مثلما ترسّخ اليومَ باليه سترافينسكي بوصفه عملًا من أهمّ الأعمال التي شهدها القرن العشرون.     

لو كنت كِتابًا، فلأكن «هذا هو الإنسان!»

وسط هذا التصدّع كلّه، ثمّة برنامجٌ يحكمُ الكلَّ، إنّه سعيُ الكتابة والفكر إلى أن يعثر على نفسِه، في نهاية المطاف. يتشذّر كلّ شيءٍ ويتصدّع ويفيض، لكن يحكمه حنين إلى أن يصير كتابًا واحدًا على شاكلة «هذا هو الإنسان!» لنيتشه، كتابًا يقولُ كلّ شيء، كتابًا يعيد المتن كلّه، مضغوطًا ومختزلًا إلى حدود القصوى، من دون أن يسقط في هاوية الشرح والتعليق والتبرير… نلمسُ ذلك غير ما مرّةٍ في تعبير بنعبدالعالي الخالي من كلّ أسفٍ أو حسرة: «أنّني ما أنفكُّ أقول الشيء نفسَه، أتكرّر…»، قد يكون الخلاص وصولًا إلى لحظةٍ جامعةٍ، ربما اختزالُ كلّ ما قيل في صفحة… أو ربما العثور على جملةٍ واحدةٍ تختزل كلّ ما قيل من دون أن تستنفذَه… أو ربّما إقرارًا باستحالة بلوغ تلك اللّحظة، مثل إقرارنا، مع عبدالسلام بنعبد العالي، باستحالة رأب صدعِ هذا الوجود…

لو كنتُ حركةً، فلأكن…

صَدْعًا…

الموريسكيون ومحاولات محو الذاكرة

الموريسكيون ومحاولات محو الذاكرة

تظل قضية الموريسكيين واحدة من أبرز القضايا المتعلقة بتاريخ الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، وهي التي شهدت كثيرًا من الأحداث الدراماتيكية منذ سقوط غرناطة عام 1492م حتى طردهم من الأندلس عام 1609م في عهد الملك فيليب الثالث، فالأحداث التي ترتبت على سقوط «غرناطة» آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية، ثم محاكم التفتيش التي أقيمت لتصفيتهم وتصفية تاريخهم، أو لإجبارهم على ترك الإسلام واعتناق المسيحية؛ جعلت من قضية الموريسكيين سردية تاريخية متصلة لأكثر من خمسة قرون تمتد من أوائل القرن السادس عشر حتى الوقت الحاضر، وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات فما زالت هذه القضية تختزن كثيرًا من الخبايا والأسرار التي تتكشف من وقتٍ لآخر، كلما قلَّب الباحثون والمختصون في تاريخ الأندلس.

قد يكون امتداد ظلال قضية الموريسكيين من بُعدها التاريخي الديني إلى البُعد الثقافي الأدبي، وتناولها في الأعمال الشعرية والمسرحية والروائية انعكاسًا تلقائيًّا لحالة الخفوت النسبي في النزعة العدائية الحادة للحضارة الإسلامية في الأندلس، تلك النزعة التي سادت لقرون عدة، وتبناها عدد غير قليل من المفكرين والمؤرخين والمثقفين الإسبانيين والأوربيين، وربما يكون أيضًا امتدادًا لبعض الأصوات الثقافية المنصفة للمنجز الحضاري العربي الإسلامي الذي تحقق في الأندلس، كالشاعرين الإسبانيين الشهرين: غوستابو أدولفو بيكر، وفدريكو غارثيا لوركا، وغيرهما ممن تبنوا رؤية موضوعية في النظر إلى الحضارة العربية الإسلامية، وأبدوا قدرًا من التعاطف مع الموريسكيين في أزمنة مختلفة، ولكن المؤكد أن ثمة تغيرات حدثت في نوعية الاهتمام الثقافي العربي بالموريسكيين في السنوات الأخيرة، حيث انتقل الاهتمام بقضيتهم من دوائر الدرس التاريخي الأكاديمي إلى دوائر الأدب، فرأينا عددًا من الأعمال الأدبية -الروائية على نحو خاص- تستعيد ذاكرة تلك المرحلة، وتطرحها برؤى سردية مختلفة تجمع بين الوقائع التاريخية، والتقنيات المعتادة في الكتابة الإبداعية، وهو ما يعكس تطورًا ملحوظًا في الوعي الثقافي بهذا الجزء المهم من التاريخ العربي وما صاحبه من أحداث، ويؤكد أن محاولات محو الذاكرة التي استخدمت ضد العرب والمسلمين في الأندلس على الرغم من قسوتها وفداحتها؛ لم تستطع تغييب الأثر العربي الإسلامي الذي ارتبط بالأندلس لثمانية قرون قبل سقوط غرناطة، ولا تزال آثاره باقية حتى الوقت الحاضر.

ونظرًا لأهمية هذه القضية، وتنامي الاهتمام بها في الكتابات الأدبية والأطروحات الثقافية والأكاديمية، فقد خصَّصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشتها، والتعرف إلى أبعادها من وجهة نظر بعض المثقفين والمختصين.

الاغتراب والرواية المقيّدة

الاغتراب والرواية المقيّدة

تتوزع حياة الإنسان على وضعين: وضع أول يدعوه الفلاسفة: الاغتراب، يتسم بالنقص والحرمان، ووضع ثان يحلم به ويتطلع إليه وهو: عالم التحقق أو: اليوتوبيا.

يتعرف الاغتراب، فلسفيًّا، بفقدان الإنسان لجوهره، وتوقه إلى استعادة جوهره المفقود بعد أن يتغلب على العوائق التي تشوه حياته. وما الجوهر المفترض إلا العمل الذي يبذله الإنسان في بناء ذاته. ولهذا يقال: يساوي الإنسان جملة ممارساته العملية والنظرية، كما لو كان يبني ذاته وهو يبني موضوعات حياته، ويتطور وهو يطور حاجاته، على اعتبار أن تطور الحاجات الإنسانية يقاس به تقدمه.

إذا كانت ماهية الإنسان من رغباته المتحققة أو المقموعة فإن اغترابه مما انتهى إليه، ما يعطي الاغتراب مراتب متعددة تنطوي على: المغترب، الغريب، المنقسم، اللاجئ،… الهامشي، المهاجر،… مع أن لكل مرتبة من الاغتراب ما يميّزها، نسبيًّا عن غيرها، تظل الفروق بينها ملتبسة ومبتورة، بل إنها تتداخل أحيانًا وتلغي الحدود بينها، نسبيًّا؛ إذ في كل مغترب غريب، وفي كل مغترب غريب إنسان منقسم غائم التعريف، ولكل واحد منها أقداره الممتدة من شقاء الروح إلى المجاهدة والمطاردة إلى عبث لا أفق له.

ولعل غربة الإنسان المتعددة، كما انقسامه الصادر عن شروط اجتماعية متنوعة، تفرض عليه غربة عن ذاته، فيعرف ذاته ولا يعرفها، يسيطر على وجه منها ويضطرب وهو يبحث عما تبقى. ذلك أنه لا يسوق حياته إلا إذا تعرف إلى إمكانياته الواضحة- الغامضة. ولهذا بدأ سقراط فلسفته بسؤال شهير: «اعرفْ ذاتك»، حيث الذات غموض يتكشّف منقوصًا دائمًا، يتوهّم الإنسان معرفتها، لكنها تَفِرُّ منه ذاهبة من زاوية عمياء إلى أخرى.

لا يختلف سؤال «اعرف نفسك بنفسك» عن عين تريد أن تبصر ذاتها، كما لو كانت تحتاج إلى عين أخرى. نعود إلى سقراط مرة أخرى حين يقول: «إن عينًا تتطلع إلى ذاتها تحتاج إلى عين أخرى وإلى تعريف معنى الرؤية»، وهو الأمر الذي يعني أن الغريب يتعرف إلى ذاته وهو ينظر إلى غريب يجاوره دون أن يصل إلى ما يريد. فالغريب، كما يقال، لا تاريخ له، يرى الآخرون خارجه ويظل داخله مستترًا. كما لو أن أحوال الغريب لا يلمسها إلا الغريب.

يساوق التعرف إلى أحوال الغريب شيء من العَمَاء تضيئه شروطه ولا يتمثلها إلا هو، فهي تستدعي المعاناة والسياق، وهو ما يجعل من الرواية مرآة ضرورية تعكس أحوال الغريب، أكان ذلك غريب نجيب محفوظ في «اللص والكلاب»، أو لاجئ غسان كنفاني في «رجال في الشمس»؛ فالأول تطارده السلطة السياسية حتى ترديه قتيلًا، والثاني يطارده لجوؤه إلى أن يتبدّد، أو يقضي بعد سقوطه ويذهب إلى اتجاه جديد.

والسؤال: ما ماهية اللاجئ الفلسطيني، في وضعه الإنساني الاستثنائي؟ كيف يكتب الروائي اللاجئ غسان كنفاني عن شخصياته التي هي لاجئة بدورها؟ لا جواب إلا برؤية روائية تضيء الروائي وشخصياته. تناول غسان موضوعه بمقولة: العار الذي لاحق فلسطينيًّا «فرّ من أرضه»، استحق التوبيخ والعقاب. ولهذا أمعن غسان في العقاب، وحكم على شخصياته بالموت، ألقى بها على قارعة الطريق وتركها بلا قبور.

عَمَاء الوجود

بيد أن «عَمَاء الوجود» الذي يجعل لاجئًا يوغل في عقاب لاجئ آخر يطرح سؤالين: لماذا انتقل غسان من شكل روائي إلى آخر؟ وهل أخذ غيره من الروائيين الفلسطينيين بمنظوره؟ تضمن مسار غسان ما يشبه (النقد الذاتي)، فبعد العنف الشديد الذي تعامل به مع شخصياته الروائية في روايته الأولى، عاد وقال: أريد أن أكتب رواية فلسطينية مئة بالمئة، وانتقل مباشرة إلى شكل روائي مختلف، كما هي الحال في «ما تبقى لكم»، و«أم سعد»، و«عائد إلى حيفا»… راسمًا الشرط الفلسطيني في «وجوهه المختلفة» الذي يحتمل الفرح والحزن والنبل والخديعة والتكسّب والتضحية بالذات…إلخ. لم يكتفِ بفكرة العار أضاف إليها بُعد المقاومة في الرواية الثانية، وصورة الهامشي في الثالثة، والذاكرة وخطاب العدو الصهيوني في الرابعة. وما إن وصل إلى مطلع «برقوق نيسان» حتى اقترح شكلًا روائيًّا جديدًا، جمع فيه بين الحاضر والماضي… وصل إلى نتيجة تقول: إن هوية اللاجئ من فعله المقاتل ضد اللجوء، ومستعيرًا ما قاله أندريه مالرو عن معنى الإنسان الذي هو محصلة لأفعاله المختلفة، مدركًا أيضًا الفرق بين وضع اللاجئ الاستثنائي ووضع الإنسان المغترب الذي بقي في أرض له.

الأرض/ الوطن أو الموت، على الإنسان أن يموت واقفًا، وعلى اللاجئ أن يعود إلى حيث كان، والهامشي لا وجود له، والمنقسم لا يعرف معنى الكرامة، والمهاجر إنسان ضل الطريق… أدرج غسان في رواياته قصدية مقاتلة لا يتحملها «السياق الفلسطيني»، المحاصر بأكثر من حصار؛ لذا بدت مقولاته مزيجًا من الشعر والإرادة الحائرة، ذلك أن الاستثنائي لا يصبح قاعدة إلا إذا اخترع «وجودًا مستحيلًا» لا تقبل به إلا رواية مستحيلة لها شروطها العادية المعيشة وزمنها الذي لم تعبث به الأقدار.

الرواية الفلسطينية المستحيلة، مزيج من الرغبة والحنين، تؤالف بين ما كان وما سيكون، ولهذا كتب حسين البرغوثي، وهو مبدع قصير العمر، عن أطياف فلسطين الغاربة في روايته «سأكون بين اللوز». واجتهد إميل حبيبي في رواية «إخطيّة» في وصف فلسطين «أيام العرب»؛ ذلك الأمن الدافئ الذي تداعى. أما جبرا إبراهيم جبرا «في البحث عن وليد مسعود» فاحتفى بفلسطيني «طوباوي»، تستولده الذاكرة ويمنع تحققه الواقع.

اشتق جبرا إنسانه الفلسطيني من مدينة القدس، وعطف ابن المدينة المقدسة على السيد المسيح، وصاغ من الطرفين شخصية تُسلّم قيادتها إلى الخير والجمال وتستعصي على الأرواح الشريرة. احتضنت رواياته فلسطينيًّا مقدسيًّا وسيمًا ذكيًّا عاشقًا للشعر والموسيقا، متفوقًا يحاكيه غيره ولا يحاكي أحدًا، فهو «ابن ذاته» وسيد حياته. طرد جبرا مأساة الفلسطيني بالأحلام، واعتبر الأحلام قوة منتصرة.

كتب جبرا رواية حالمة «متوهمة»، ليس بينها وبين الرواية الممكنة علاقة، فالأخيرة لها فضاء مكاني موحد وزمن موحد ونهاية واضحة، خلافًا لرواية جبرا التي عبّرت عن بطولة الثقافة والجمال والانتصار الخالص، وأنجبت بطلًا أثيريًّا لا علاقة له بحياة العاديين من البشر الذين تمتزج فيها حياة المأساة والملهاة، وواقع الأمر أن المكان الفلسطيني بعد اللجوء جملة من الأمكنة، وأن زمنه جملة من الأزمنة. وأن الفلسطيني الموحد لا وجود له بعد الشتات.

الاغتراب المقاتل

ظلّلت المأساة الرواية الفلسطينية «الحقيقية»، وهي جملة من الاحتمالات الدامية، آيتها مدينة غزة التي لا تتقي البرد إلا إذا راهنت على وجودها، تنتزع بطولتها الإعجاب والتحية وتعامل مستقبلها بمنطق الرهان والاحتمال. تقاتل ولا تعرف إلى أين تسير، وتنظر إلى المستقبل وتكاد لا تتذكّر الماضي إلا كلحظة سعيدة لن تعود. لكأنها تلتبس بصورة «سعيد مهران» بطل محفوظ في روايته «اللص والكلاب»، الذي يسير إلى حيث يرغب وتعبث بخطواته الدروب الشائكة.

غزة في صورتها الأولى مرآة «للاغتراب المقاتل»، وهي في صورتها الثانية دمار وشرف، وفي بعدها الأخير «يوتوبيا الانتصار»، الذي يتبخر إن أشرقت الشمس. هويتها رغبة وموت ومقبرة ونشيد، أي مأساة تغرقها الأماني والدموع. بطولة مغتربة مسكونة بالانقسام تساوي نواياها ولا تجسد أفعالها المباشرة، كما أراد أندريه مالرو الذي قال: «صورة الإنسان من أفعاله»؛ ذلك أنها تبني صورتها مشرقة يمحوها الاغتراب، فعلى الإنسان أن ينجز ما يستطيع ويدع الرواية تسردُ معادلات واقعية وغير واقعية في آنٍ.

ما يجب التذكير به أن الغريب واللاجئ والمنفي، ولكل منهم اغترابه، تلاحقهم صفات ثلاث: الاستثنائي والاتهام والخوف الذاتي. فليس للغريب حقوق المواطنين الذين يعيش بينهم، فغير مقبول أن يحتل وظائفهم، ولا أن يتمتع بحقوقهم المدنية والسياسية، ولا أن يشاركهم احتجاجهم و«مظاهراتهم»: إنه داخل القانون وخارجه، يعاقبه إن أخطأ كالآخرين، ولا يسامحه إن سامحهم أو خفّف عنهم الأحكام. تغذي فيه استثنائيته الاجتماعية شعوره بالنقص وتملي عليه حياة إنسانية ناقصة. ألمح إلى ذلك جبرا إبراهيم جبرا في روايته: «صيادون في شارع ضيق»، حيث الوافد الفلسطيني موضوع للنقد والنكد والاستبعاد.

يأخذ اتهام اللاجئ شكل البداهة، فهو ليس في وطنه ولا حق له في وطن الآخرين وعليه أن يخفض رأسه ليتقي أشواك الاتهام. عالجت سميرة عزّام حيرة اللاجئ في قصتها القصيرة «فلسطيني»، حيث الضفة لا تشير إلى وطن مفقود أفقر اللاجئ إنسانيًّا ومعنويًّا، بقدر ما هي إعلان عن: النقص يدفع به إلى شراء هوية «لا تشترى»، فنقصه يلاحقه من الصباح إلى المساء. وقالها غسان في روايته «عائد إلى حيفا» التي استنكر فيها اللواذ بالذكريات، فهي حفنة من الصور المتقادمة، أكبر في عدوه استعداده للقتال، واتخذ منه «معلّمًا» جديرًا بالاحترام. ربما تكون هذه الرواية فريدة في جرأتها ومنظورها ووحيدة في حوارها الشجاع مع اليهودي الذي احتل فلسطين؛ ذلك أن معظم الروايات الفلسطينية اكتفت بتسخيف اليهودي دون الاعتراف بإمكانيته الإنسانية المقبولة والمرفوضة.

الغريب المسورة حياته بالخوف صورة يلتقطها الأدب مجزوءة، وتتضح أبعادها في الحياة كائنًا متهمًا تلاحقه الأسئلة، مشكوكًا في وجوده وإنسانيته، عليه أن يتذكّر أمام مخبر بليد اسم جدّه الخامس، والبيوت التي سكنها، والمواقع التي مرّ بها، وأسماء أصدقائه الأحياء والأموات والذين سيموتون قريبًا.

استولد كابوس الغربة وشقاء الاتهام وتهافت «الأجهزة الأمنية المتسلطة» صورة الوطن المفقود، وخلق «يوتوبيا» الغريب الراجع إلى وطنه. تعني «يوتوبيا» حرفيًّا المكان الذي لا وجود له، فهو أمنية ورغبة، وهو في الحلم متجانس وشامل ولا انقطاع فيه وغريب اللغة. وإذا كان القرن الثامن عشر في أوربا خلق اليوتوبيا من العلم والفضيلة والأنوار، فإن يوتوبيا الغريب/ اللاجئ/ المنفي، الذي سقطت عليه أكثر من مجزرة عالم لا تنقصه العدالة، يعرف القانون ويطبقه على الجميع، لا يحوّل البيوت إلى سجون ولا يملأ الشوارع بالمخبرين ولا يصيّر مدينة محاصرة فقيرة إلى «مقبرة للأطفال».

إذا كانت يوتوبيا عصر التنوير التاسع عشر مهجوسة «بالتقدّم»، فإن يوتوبيا اللاجئين مهجوسة بهواء نظيف لم تدمره القذائف والطائرات، تقدمه رحمة وأنواره عدالة مشتهاة.

لا غرابة أن يكون بين السعادة والرواية مسافة واسعة. فلا وجوه حقيقية تخفق في نهايتها رايات الانتصار منذ أن ابتلع «موبي ديك» البحار العصابي «إيهاب»، وصولًا إلى مصري فقير وشجاع يدعى «سعيد مهران» قتل قبل أن يداعب طفلته «سناء»، انتهاء بمتشائل إميل حبيبي؛ حيث التشاؤل مناورة متقشفة تسمح للوجه أن يبتسم شرط ألا يختلج، وللعينين التمتع بالربيع وهما مغلقتان، وتعد مدينة غزة الفلسطينية بشتاء لطيف القنابل.

نص الصحراء واللامفكر فيه عند إدمون جابيس وبلانشو ولفيناس

نص الصحراء واللامفكر فيه عند إدمون جابيس وبلانشو ولفيناس

يصف موريس بلانشو الأدب كمنفى في الصحراء، حيث يصبح الكاتب ضعيفًا تسكنه المخاوف مثل تلك المخاوف التي سكنت بني إسرائيل عندما قادهم النبي موسى، امتثالًا لطلب «يهوه»، في رحلتهم عبر صحراء سيناء إلى أرض كنعان؛ فالصحراء فضاء هندسي مناسب لاحتواء مفاهيم من قبيل العزلة واللاانتماء، المفهوم المركزي الذي يشتغل عليه معظم الفلاسفة اليهود، وهو ما يقابل مفهوم الأنارخيا An-archique أو اللاأصل عند إيمانويل لفيناس الذي أتى به لنقد مفهوم الأصل والمركز الغربي، ليتكلم فيما بعد عن قضية الهامش وذلك عندما طرح مفهوم الآخر اليهودي. والفضاء الصحراوي هو المناسب لكل كاتب يلجأ من خلاله إلى عزلته، فيلامس قلقه ويحدث أطيافه في صمت صاخب وخلوة منفتحة على الآخر بإطلاق.

أمَّا إذا حفرنا في جذور نصوص إدمون جابيس فسوف نتذوق إيقاع كتابة شاعرية تصف لنا خروج جابيس من مصر وعبوره صحراءها وهي لحظة تفككه الذاتي، وهذا ما يترجم لنا عنونته لكتابه المهم «الريبة في الصحراء». فتجربة التيه في الصحراء مهيمنة على كتاباته؛ لأن الكتابة عنده هي تجربة الحرق بامتياز، والرجوع إلى نص الصحراء هو رجوع إلى الهامش، على الرغم من أن كل ذاكرة العالم مختزنة في حبة رمل حسب تعبيره المجازي البليغ.

وعليه: ما المكانة التي تتخذها الصحراء في كتابات المفكرين اليهود؟ لِمَ تحيط بها هالة من القدسية؟ كيف صار الفضاء الصحراوي الأفق الإبداعي الملهم في أدب بلانشو وجابيس وفلسفة الاختلاف عند لفيناس؟ وهل يمكن أن ننتقل من لهيب رمل الصحراء الحارقة إلى لطافة جو الواحة المنتعشة؟

صحراء الكتابة

إذا أردنا أن نقدم وصفًا موجزًا للكتابة عند جابيس يمكن أن نصفها بأنها كتابة غرائبية وملغزة لا يمكن تصنيفها ضمن نمط كتابة معين؛ لأنها فريدة من نوعها، تأتي في شكل شذرات خارج كل الطرق التقليدية للكتابة، يمتزج فيها سحر الشعر ورونق البيان بقوة الفلسفة، كما أنها موقعة بنفس عبراني صوفي تتجاوز كل الحدود المعروفة للكتابة الكلاسيكية، سعى من خلالها جابيس حتى بلانشو إلى تفجير المسكوت عنه، فهي كيفية في الاحتراق والموت بالأحرف؛ لأنها لا تنبجس إلا من رمال أقاصي الصحراء الحارقة حيث تظهر معجزة المعنى والدليل.

فـ«للحرف المشتعل، نحن رضينا بحق الحرق. الكلمة عالم مشتعل. لا يمكن للنار أن تنطفئ في الكلمة التي تكتبها، أبدية الكتاب»(١).

موريس بلانشو

إنها كتابة ممحية تقع على حافة النص، فهي مغامرة تيه في الصحراء حيث يحجب غسق الليل النظر والحنجرة يحرقها العطش، ليسكت فيها الصوت ويصرخ الصمت فقراءتها دائمًا مرجأة؛ لأنها: «ما يحفر بأسود النار أبيض النار»، نار سوداء على نار بيضاء، نيران الكلمات ونيران النيران تموت بنقاء وتولد من موت مطهر؛ لتصبح الكلمةُ المقروءةُ مقروءةً لزمن موعود للقراءة «المرجأة،»(٢) إنها نيران الكلمات المكتوبة بالرمال الحارقة.

إن بلانشو يعطي أولوية للكلمة المكتوبة على حساب المنطوقة، كغيره من الفلاسفة اليهود التفكيكيين، على اعتبار أنهم من ديانة كتابية، والتفكيك عند بلانشو هو توالد لأعشاش من الحرائق، وهذا يرجع إلى تجربة الحرق التي اختبرها اليهود، وكذلك تجربة التيه في الصحراء الحارقة. والفلسفة الحقة تكتب لتخلد كما يقول بول فاليري، بين جنباتها يحوم الصمت والانمحاء لتقودنا إلى الماوراء خارج الحياة إلى تلك المناطق القاحلة، إلى المنفى(٣).

ذلك أن نص الصحراء هو النص المركزي في كتابات بلانشو وجابيس حتى لفيناس وجاك دريدا، ولا سيما جابيس الذي اختبر تجربة التيه والترحال في صحراء مصر. ومن هنا كانت الكتابة عنده هي تجربة الحرق بنيران الأحرف والكلمات المنبثقة من نص الصحراء الذي أسر جابيس شعرًا وفلسفةً وتصوفًا.

فالكتابة اليهودية لا تنبجس إلا من الخلاء لتُخط برماد الأحرف المحترقة، والفيلسوف هو ذلك الرحالة التائه بين الكثبان. أليست الفلسفة ترحالًا كما علَّمنا جيل دولوز؛ فنحن لا نتحرك، بل الأرض هي التي تتحرك تحتنا، والتفلسف الحقيقي يتحدد كحرمان أبدي من الإقامة لتحقيق إقامة الإقامة التي هي تيه أبدي(٤).

كما أن الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي استطاع أن ينصت لنداء بعيد، يرجع لماضٍ سحيق لا يتوقف عن التقادم والتباعد كصدى، إنه نداء الرب الذي يدعوني إلى أن أحب الآخر الغريب حبًّا غير مشروط، بلغة فرانز روزانزفايغ، أي أن أكون مسؤولًا عنه بلا حدود حسب تعبير لفيناس. فالصحراء هي الأفق الرحب لاحتواء الكلمة المقدسة، ففيها يسطع مجد اللانهائي؛ لذلك فرَّ إليها جابيس ليكتب بالرمل تجربته الصوفية الشاعرية. في الصحراء ستتخلى عن كل انتماء لأصل متحجر؛ لأنه في الوثنية فقط تنغرس في الأرض كأن هنالك عقد ملكية بين الأرض ومالكها، في حين أن البداوة تفر من سطوة قانون الملكية والتشبث بالأرض.

اللانهائي وأقاصي الصحراء

لذلك ثار لفيناس على سياسة الحشد وانتهاك الجسد ليؤسس لإتيقا الوجه؛ للرد على وحشية الحرب التي طالت آدمية الآخر التائه في الصحراء القاحلة الذي يسطع على وجهه مجد لا نهائي؛ ليصبح النفور منه رغبة وشوقًا إليه. لذلك يمكن استخدام مصطلح الشوق مقابلًا لمفهوم الرغبة اللفيناسي. يقول ابن عربي في الشوق: في الغياب يتملكنا الشوق، وفي اللقاء، لقاء المحبوب، يهلكنا الاشتياق، نتعذب من آلام الغياب، ونرجو الشفاء في اللقاء لكن الشوق والوجد يزيد،(٥) فالعلاقة مع الآخر تحكمها الرغبة كشوق لا يشبع؛ لأنها حفر مستمر ينخر نرجسية الذات ويفككها.

إن تجلي الآخر هو تكشف يتجسد في حضور وجهه في العالم المحايث، وهو ليس مجرد صورة أسيرة شكل؛ لأن هذا الوجه يفر من سطوة الشكل واللون فهو متعرٍّ باحتشام ليلقي خطابه الأول في صمت صاخب(٦). إن للوجه معنى خلف الملامح الفسيولوجية، وابتهالًا خلف الصمت، وتضرعًا خلف التعالي، لتتحد الوضاعة بالسمو(٧). وفي الأثر يقول جابيس: «لا يوجد أثر إلا في الصحراء، ولا صوت إلا في الصحراء. الفعل هو العبور، التيه. من المتعذر قوله إلى المتعذر قوله. هجران المكان المعروف، المعيش -المشهد، الوجه- من أجل المكان المجهول-الصحراء، الوجه الجديد، السراب؟ الوجه اللانهائي للاشيء، بثقله اللاشيء بكل الوجوه المختزلة في وجه واحد، وجهي، الضائع. إذن، العبور؟ ربما الذي لا نهاية له ولا بداية. المسطر غير المحدد، اللاأثر لأثر حارق»(٨).

إنه وجه فارغ وناءٍ كالصحراء، ففي صحراء وقفار الوجه نشهد معاناة اليتيم والأرملة والغريب ولغز اللانهائي؛ الذي يحرم فعل القتل أي العنف من خلال الكلمة الأولى للرب: «لن تقتل أبدًا»(٩). إنها مقاومة إتيقية منبجسة من الوجه غير عنيفة تشل الذات وتمنعها من تعنيف الآخر، فهناك نداء قداسة يحثها على مقاومة غواية القتل والحرب المتمثلة في فعل الكفاح للاستمرار في الكينونة التي تحولت فيها العلاقة بين الذات والآخر إلى علاقة اقتتال، فالحرب تفترض السلم المنبعث من وجه الآخرين واللا-حساسية Non-allergique نحوهم(١٠).

إيمانويل ليفيناس

وهنا نستطيع أن نلمس توجه لفيناس، الصوفي اليهودي، فهذه المفاهيم لا نعثر عليها إلا في المنظومة المفاهيمية للتصوف. فقد أراد لفيناس أن يعيد تأسيس الأنا من خلال فكرة اللانهائي الذي لن تصل إليه إلا من خلال المرور عبر معمودية الآخر؛ ليجعل اللانهائي ينبض داخلها من خلال مفاهيم من قبيل الحب والهذيان والألم حتى الزهد والتضحية والإيثار في سبيل الآخر، وهو ما يوضحه لفيناس بقوله: «العلاقة الإتيقية وجهًا لوجه، تتفرع بدورها إلى علاقة يمكن أن نصطلح عليها اسم تصوف»(١١).

لقد سيطرت تجربة التيه والاحتراق برمال الصحراء على أغلب كتابات المفكرين اليهود ولا سيما كل من بلانشو وجابيس. ومن المؤكد أن الاحتفاء بنص الصحراء هو احتفاء بالمهمش والمنسي واللامفكر فيه. في الصحراء نعثر على وجه الآخر بإطلاق حسب موقف لفيناس، ففيه يشع نور أثر اللانهائي الذي يحثنا على التبرؤ من الكينونة من أجل هجران المكان المعروف، للعبور الذي لا نهاية ولا بداية له إلى ما وراء الكينونة حيث اللغز.

نستطيع أن ننتقل من لهيب الصحراء الحارقة إلى لطافة الواحة المنتعشة، من خلال العمل على تكريس قيم كونية؛ مثل: السلام والتعايش المشترك والتسامح والضيافة التي لا تتحقق كلها إلا من خلال الانفتاح على الآخر وقبول المختلف والغريب الذي لا أرض ولا وطن له؛ لأنه يعيش شريدًا تائهًا في أصقاع الأرض كافة.


المصادر:

أ- باللسان العربي.

– إدمون جابيس، كتاب الهوامش، ترجمة رجاء الطالبي، دار الأمان، منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، الرباط، الجزائر العاصمة، بيروت، ط1، 2015م.

ب- باللسان الأجنبي.

– Emmanuel Levinas, En découvrant l’existence avec Husserl et Heidegger, Libraire philosophique, Paris, 4emeédition,j.Vrin, 2010.

-Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme, Fata morgana, 1972.

-Emmanuel Levinas, Totalité et infini, (Essais sur L’extériorité), Original edition: Martinus Nijhoff,1erédition, 1971.

-Maurice Blanchot,L’EntretienInfini, Gallimard, Paris, 1969.

2- المراجع.

باللسان العربي:

– بول ريكور، الذات عينها كآخر ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005م.

– محيي الدين بن علي ابن العربي، ترجمان الأشواق، اعتنى به عبدالرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت، ط1.


هوامش:

(١) إدمون جابيس، كتاب الهوامش، ترجمة رجاء الطالبي، دار الأمان، منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، الرباط، الجزائر العاصمة، بيروت، ط1، 2015م، ص48.

(٢) مصدر نفسه، ص ص 51-53.

(٣) إدمون جابيس، كتاب الهوامش، مصدر سابق، ص ص 53-55.

(٤) Maurice Blanchot,,L’Entretien Infini, Gallimard, Paris, 1969, p.185.

(٥) محيي الدين بن علي ابن العربي، ترجمان الأشواق، اعتنى به عبدالرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 2005م، ص204.

(٦) Emmanuel Levinas, En découvrant l’existence avec Husserl et Heidegger, Libraire philosophique, Paris, 4emeédition, j.Vrin, 2010,p.271.

(٧) Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme, Fata morgana, 1972, p.p.68-68.

(٨) إدمون جابيس، كتاب الهوامش، مصدر سابق، ص ص 167-168.

(٩) Emmanuel Levinas, Totalité et infini,(Essais sur L’extériorité), Original edition: Martinus Nijhoff,1erédition, 1971, p.217.

(١٠) Emmanuel Levinas, Totalité et infini, op.cit, p.p.217-218.

(١١) Ibid, p.221.

الرواية الأورُبية المتعلقة بالتأريخ السنغامبي ما بين القرنين (15 -- 18م): القراءة والتأويل

الرواية الأورُبية المتعلقة بالتأريخ السنغامبي

ما بين القرنين (15 -- 18م): القراءة والتأويل

يتفقُ الباحثون في الشأن الإفريقي، على أنَّ القرن التاسع الهجري قد شهد تحولات مهمة على مستوى تطور الرواية المصدرية المتعلقة بتاريخ منطقة السنغامبيا(١)؛ حيث بدأ الوهن يأخذ مأخذه من الشهادات العربية، وهو ما جعلها تفقد ريادتها التي امتازت بها على امتداد ثمانية قرون (1- 9هـ). في المقابل، أخذت الشهادات المصدرية الإيبيرية ثم الأوربية بعد القرن العاشر الهجري، تكتسب مواقع مهمة ومعتبرة ضمن اللوائح الببليوغرافية المتعلقة بتاريخ المنطقة. ويتوافق هذا التراجع مع بداية انكماش الحضارة العربية الإسلامية، وتدهور قوتها الاقتصادية، وهو الأمر الذي كان له تأثير سلبي ليس على قيمة المواد المصدرية العربية فحسب، وإنما أيضًا على وضعية الثقافة العربية الإسلامية في منطقة السنغامبيا.

بناءً على ما تقدم، يسعى الباحث في هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على السياقات التاريخية التي ساهمت في إنتاج هذه الروايات، إضافة إلى التركيز على القيمة المعرفية والمنهجية لهذه الروايات في كتابة التاريخ السنغامبي، وكذلك معرفة أهم القضايا والإشكاليات التي أثارت اهتمام أصحاب هذه الروايات، وأخيرًا، الوقوف عند أهم المميزات والخصائص التي انفردت بها الرواية الأوربية.

أما فيما يتعلق بالمنهجية المتبعة في دراستنا هذه، فقد عوَّلنا على المنهج السردي التاريخي، مع مقارنة المعلومات من خلال المصادر والمراجع؛ بُغْية الوصول إلى المعرفة التاريخية المنزهة، والبعيدة من الأغراض، والنيات المبيتة.

السياق التاريخي لإنتاج الرواية الأوربية

لو حاولنا النظر في عوامل صعود الشهادات الأوربية، لأمكننا تنزيلها في سياق التقدم الحضاري الذي عرفته أوربا إبان عصر النهضة، وما أفرزه من تطلعات جدية لتجاوز الوساطة التجارية العربية فيما بين أوربا والشرق الأقصى، من خلال الكشوفات الجغرافية. ونعتقد مثل كثير من الباحثين، أنّ البوصلة والسفينة الشراعية (الكرافيل)، شكلتا أهم الأدوات الأساسية التي ساعدت أوربا في تفوقها التقني والحضاري، وبالتالي، في نجاح عملية الكشوفات الجغرافية التي قادتها البرتغال وإسبانيا، وحينما اكتُشِفت الطباعة منتصف القرن (9هـ)، وأخصبت فائدتها الحقل الثقافي، ازداد حينها التفوق الأوربي رسوخًا وتمكنًا(٢).

وقد شاءت الصدف العلمية والجغرافية أنْ يُشكّل الفضاء الشاطئي، خاصة منه ساحل السنغامبيا الغربي، محطة مقصودة، وممرًّا أساسيًّا للرحلات الملاحية سواء في اتجاه الشرق الأقصى، أو في اتجاه الغرب: (الهند الغربية أو أميركا). وفضلًا عن التعامل التجاري مع الأفارقة المرتبط أساسًا بتجارة الرقيق، يظهر أنّ ضرورة توقف السفن الملاحية بالسواحل الأطلسية، كان يتيح للتجار الأوربيين إمكانية الاستراحة، والاستعداد لسفر طويل ومتعب إما شرقًا أو غربًا. ومن مقتضيات هذا الاستعداد متطلبات عدة، منها: التزود بالماء، والمواد الغذائية، أو الخشب لإجراء بعض الإصلاحات في السفينة إنْ وقع بها عطب، علاوة على الحاجة للمرشدين المحليين، الذين يستعان بهم لمعرفة أحوال المناطق المرتادة، واستكشاف عادات وثقافات شعبها. نتيجةً لهذا الاختلاط المحدود مع الأفارقة، أخذت تظهر تدريجيًّا منذ منتصف القرن (9هـ)، مجموعة من الكتابات الإيبيرية، مما خلَّفه أصحاب الكشوفات الجغرافية، ومن سار على هديهم، ثم تلتها في القرون الثلاثة الموالية، كتابات هولندية وإنجليزية، وفرنسية، ودنماركية، وألمانية.

ومعظم هذه الأعمال، عبارة عن يوميات وتقارير أو مذكرات، خلَّفها رُبّانو السفن الملاحية من المستكشفين أو غيرهم من المرافقين المنشغلين بأمر التجارة، أو بأمر التبشير بالمسيحية بين الأهالي الأفارقة (قساوسة ورهبان). وإلى جانب هؤلاء، يمكن أن نستحضر أيضًا، كتابات المغامرين المهووسين بالرحلة، أو المتطلعين للاستزادة المعرفية حول إفريقيا؛ جغرافيًّا، أو بشريًّا، أو أدبيًّا (المذكرات والسيرة الذاتية)(٣). وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير، بأن أغلبية هذه الروايات لم يتم الحصول عليها مباشرة من أصولها؛ بل تم الحصول عليها من طرف وسطاء، والقصد هنا أولئك التجار الأفارقة الذين كان الأوربيون على علاقة تجارية معهم، وأن مصدرها أفواه السكان المحليين، أي مصدرها رواية شفوية.

القيمة المعرفية والمنهجية للرواية الأوربية في كتابة التاريخ السنغامبي

لقد كان من بين نتائج الكشوف الجغرافية الأوربية في المحيط الأطلسي في القرنين التاسع والعاشر الهجريين، ظهور عدد من التقارير التي كتبها الرحّالون البرتغاليون عن السواحل الغربية لبلاد السنغامبيا. وتمثل تلك التقارير، سجلًّا حافلًا بالمعلومات عن القبائل الصحراوية، والسنغامبية القريبة من الشاطئ الأطلسي: تقاليدها، ومعتقداتها، وكيفية تعاملها مع التجار البرتغاليين، وغير ذلك من المعلومات ذات الصبغة الاقتصادية والثقافية.

ولا يعزب عن البال هنا، أنَّ الملاحين البرتغاليين لم يغامروا داخل بلاد السنغامبيا؛ لذلك فإنَّ المعلومات التي تطرحها تقاريرهم، لا تهم سوى القبائل السنغامبية المحاذية للشاطئ الأطلسي، وهي القبائل التي عرفها البرتغاليون وتعاملوا معها تجاريًّا(٤).

أمام هذه المعطيات، فإنّنا لا نستغربُ اعتماد تلك الكتابات البرتغالية على أقوال بطليموس وغيره من جغرافيي العالم القديم، وذلك حين كان كلامهم عن المناطق السنغامبية الداخلية. فليس من قبيل المصادفة إذًا، أنْ يُحدثنا الرحَّالة الشهير «فرنانديز»(٥) عن ممارسة أهل تنبكت(٦) للتجارة الصامتة في مطلع القرن العاشر الهجري (16م)، هذا مع العلم، أنَّ مثل هذه الممارسات قد انقرضت في منطقة الحوض الأوسط لنهر النيجر، قبل أكثر من ثلاثة قرون من ذلك التاريخ.

إنَّه لمن الضحالة الفكرية، أنْ ينكر أي باحث أو مهتم بالتأريخ الإفريقي، أهمية الروايات الإيبيرية أو الأوربية المتعلّقة بتاريخ السنغامبيا في القرنين (15-18م)، بمجرد أنّه مسلم، أو حاقد على الأوربيين بسبب الاستعمار، وما تركه من آثار وخيمة على المجتمع السنغامبي.

فوق هذا وذاك، يمكننا القول: إنّ المعلومات التي حصلنا عليها من الملاحين البرتغاليين، تفوق من حيث الكم والنوع، ما أفادتنا به المصادر العربية طوال ثمانية قرون (من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجري)، ناهيك عن أنَّ المعلومات التي وفرتها الرواية الأوربية في الحِقَب اللاحقة (1500- 1800م)، تمثل ذخيرة مصدرية لا تضاهى، ولا يستطيع أي باحث إنكارها، أو الاستغناء عنها، وتجاهلها(٧).

أهم الجوانب التي أثارت اهتمام أصحاب الرواية الأوربية

من خلال عشرتنا للنصوص الأوربية، يتبين لنا أنَّ أصحاب المذكرات من رباني السفن وغيرهم من الملاحين المرافقين، قد اهتموا بقضايا سبقت العناية بها من لدن أصحاب مصادرنا العربية؛ مثل إشارتهم إلى عدل سلاطين السنغامبيا، أو تشديدهم على انعدام العملة في بلاد السنغامبيا، وما يترتب على ذلك من ضرورة الاعتماد على التجارة الصامتة، التي تطورت فيما بعد إلى نظام المقايضة السلعية. ومن جهة أخرى، فقد عمل هؤلاء الرحالين، على وصف كل ما تعلق بالسواحل السنغامبية، وهي جوانب مهمة في المشهد الجغرافي، كما عملوا في الوقت ذاته، على جمع كل المعطيات المتصلة بالموارد الاقتصادية، والأنشطة السكانية.

وبالنسبة للجانب الاجتماعي، فقد لفتت اهتمام أصحاب الروايات الأوربية أهمية موقع المرأة في نظام المجتمع السنغامبي، وما يحتمه من تبعات سياسية واجتماعية، من قبيل إمكانية تقلدها أعلى منصب في حكم الإمارة أو الدولة. وعلى المستوى التجاري، فقد ركّز أصحاب مصادرنا من الأوربيين على تجارة الرقيق، وقيمة مقايضة العبيد بالخيول، على عكس الشهادات العربية، التي اهتم أصحابها بالمسالك التجارية، والعناصر الحافزة للمتطلع إلى الإفادة منها(٨). وبالنظر إلى الفوضى السياسية، التي كانت تعمُّ منطقة السنغامبيا فيما بين القرنين (10-12هـ)؛ فقد ألحَّت الروايات الأوربية على هذا الجانب، وحاولت تصوير الفسيفساء في المنطقة.

كما اهتمت بالصراعات بين الأمراء الأفارقة، وما كان ينتج من ذلك من مجاعات وأوبئة؛ غير أنَّ اختلاف اللغات أو اللهجات المحلية، علاوة على صعوبة أمر تتبع أو تحديد المجال السياسي للأمير، خاصةً عند رسم اسم أمير، أو موقع أو جهة سنغامبيَّة؛ جعل هذه المعلومات يشوبها الغموض والتشويش. وكما الشأن بالنسبة لأصحاب مصادرنا العرب، فقد تجاهلت الكتابات المصدرية الأوربية التعريف بالديانات المحلية(٩). فوق هذا وذاك، نلحظ أنَّ أصحاب الرواية الأوربية قد أفصحوا عن فشل تجربة التبشير بالمسيحية، بما لاقته من مقاومة لدى المسلمين الأفارقة هنالك. ومن العلامات البارزة الشاهدة على ذلك، عدم شيوع تجارة النبيذ والخمر في كثير من المناطق السنغامبية التي انتشر فيها الإسلام وترسَّخ، بينما نجح الأوربيون في تسويق هذه المادة بين مختلف «القبائل الهندية»، في أثناء المفاوضات التجارية، أو السياسية، بغرض الحصول على أكبر المكاسب منهم.

أهم الخصائص

عند انتقالنا إلى خصوصية الرواية الأوربية، ونزعاتها المختلفة، أمكن لنا تسجيل الملحوظات الآتية:

– تُشكّل الروايات الأوربية فيما بين القرنين (15 – 18م)، ذخيرة مصدرية غاية في الأهمية بالنسبة للتاريخ السنغامبي، سواء من حيث غزارتها وتنوعها؛ فهي تعد ولا تحصى، وأيضًا من حيث غنى مضامينها ومحتوياتها، لدرجة أضحت تشكل المصدر الأساس أو الوحيد، الذي نملكه عن مدة معينة، أو حدث جوهري يخصّ المنطقة المعنية بدراستنا.

– تكمن أهمية هذه الشهادات المصدرية الأوربية، في أنَّها جاءت نتيجة مشاهدات عيانية، فضلًا عن السماعات والقراءات الموازية، وهو ما أتاح -إلى حد ما- فرصة غربلة المعلومات السائدة، مما ورثته أوربا عن العصر القديم والوسيط. ونتيجة لتراكم هذه الكتابات، تشكَّلت وانبنت نظرة جديدة للأوربي بإزاء الرجل الإفريقي الأسود أو الزنجي، غير أنها نظرة لم تتخلص كليّةً من الأفكار التي تداولتها حِقْبة الحروب الصليبية، وترسبات العصر الوسيط.

– إنّ أغلبية المعلومات التي طرحتها الرواية الأوربية قبل نهاية القرن (18م)، كانت تهمُّ أهالي الساحل دون غيرهم؛ بينما كانت معلوماتهم عن المناطق السنغامبية الداخلية مشوشة، وبعضها يجترّ معلومات العصر القديم، أو الوسيط.

– معظم هذه الشهادات والمعلومات الواردة فيها، إنّما مصدرها رواية شفوية إفريقية؛ أخذها المؤلفون الأوربيون عن رواة أفارقة (القوالين)، أو وسطاء أفارقة يشتغلون بالتجارة مع الأوربيين. ولكن المهم بعين المكان، أنَّ أولئك المؤلفين الأوربيين أخضعوا تلك الروايات الشفوية لمقتضيات التدوين الجارية في الثقافة الأوربية.

– علاوةً على ما تقدّم، يمكن القول: إنّ ثلاثة أرباع المؤلفين الأوربيين الذين تركوا لنا تلك الروايات عن سواحل السنغامبيا، لم يكونوا من محترفي الكتابة، أو من المفكرين المتنورين؛ حقًّا، كانت لهم تجربة، أو دراية واسعة بتقنيات الملاحة، لكنَّهم لم يكونوا -في جُلِّهِم- من منتجي الفكر، والثقافة.

– على الرغم من التطورات الهائلة التي جرت في أوربا، ومست جُلَّ نواحي حياة الإنسان الأوربي فيما بين عصر النهضة، وعصر الأنوار (15-18م)، فقد ظلت معظم الكتابات الأوربية عن إفريقيا مهووسة بالنزعة الدنيوية تجاه شعوب وقبائل السنغامبيا. من ثمة، كبُر لديها شعور بالتفوق الحضاري، وتضخم عندها الإحساس بضرورة نشر المسيحية بين الأهالي الأفارقة، بُغْية تحقيق طفرة حضارية، أو تمدُّنيَّة لدى هؤلاء الكفار، أو الوثنيين(١٠).

– وأخيرًا، إنّ دراسة هذه النصوص التاريخية المتنوعة، ستفتح أمام الباحثين في الشأن الإفريقي، آفاقًا جديدة أكثر اتساعًا، خصوصًا للذين يشتغلون على تاريخ السواحل السنغامبية في العصر الحديث. هذا، وإنَّه لم يعد من المُجدِي هنا، إظهار مدى أهمية هذه المصادر في ميدان التاريخ السياسي والتجاري فحسب، ولكن أيضًا بالنسبة لدراسة تاريخ النباتات والحيوانات، والأمراض، وأخيرًا الطوائف المحلية. ولكن وجب على الباحث العربي التعامل مع هذه الشهادات بنوعٍ من الحذر والحيطة؛ لأنَّها -بطبيعة الحال- لا تخلو من المعلومات والأفكار، التي قد تحتاج إلى إعادة الغربلة والتمحيص، سواءٌ من الناحية المنهجية، أم الناحية المعرفية، لتنقيتها من الشوائب المعرفية المغلوطة، أو المنحازة إلى هذا الجانب (الأوربي)، ضد ذاك (الإفريقي).


الهوامش والإحالات:

(١) الفضاء السنغامبي: يشمل جُلّ المناطق الواقعة ما بين نهري السنغال وغامبيا؛ من منبعيهما بأعالي فوتاجالون إلى مصبيهما في المحيط الأطلسي. ويرجع الفضل في استعمال هذا الاصطلاح وترسيخه في حقل الدراسات الإفريقية إلى البحاثة الغيني الأصل بُبكر باري (B. Barry)، الذي سعى في معظم دراساته إلى توظيفه والترويج له.

-Barry (B.), 1988, La Sénégambie du XVe au XIXe siégle: Traite négriére, Islam et conquête coloniale, Paris, éd. L’Harmattan, p. 27.

(٢) أحمد الشكري، 2010م، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين إلى غاية القرن 18 (نموذج بلاد السودان)، الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية، ص 55.

(٣) الشكري، الذاكرة الإفريقية، ص 56.

(٤) أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني إمبراطورية مالي 1230- 1430م، أبو ظبي: المجمع الثقافي، 1999م، ص 46.

(٥) Fernandes (V.), 1951, Description de la côte occidentale d’Afrique (Sénégal au Cap de Monte, Archipels), 1506-1510, Centro de estudos da Guiné Portuguesa, p. 115.

(٦) تنبكت: تأسست على نهر النيجر الأعلى، كان لها دور كبير في الحركة الثقافية والتجارية في المنطقة. تأسست في القرن (5هـ) على أيدي الطوارق، وأصبحت تنبكت في القرن (10هـ) منارًا للعلوم والثقافة الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء.

(٧) Chaunu (P), L’expansion Européenne du XIIe siècle, Nouvelle Clio, Paris, 1969, p 396.

(٨) الشكري، الذاكرة الإفريقية، ص 68.

(٩) -Delafosse (M), Haut – Sénégal – Niger: Le pays, les peuples, les langues, (Paris: Maisonneuve et Larose, Nouvelle édition,1972), p 13.

(١٠) الشكري، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين، مرجع سابق، ص 64.