بواسطة أسامة الحداد - ناقد مصري | مارس 1, 2024 | مقالات
القدر الأكبر من الشعراء والكتاب يُخفون أعمالهم الأولى، وبعضهم يتهرب من ذكرها ويخشى الاقتراب منها، وإقدام شاعر له منجز مؤثر في المشهد الشعري العربي على نشر باكورة أعماله، بعد ما يزيد على ربع قرن، لا بد أن يستوقف المتلقي، بعيدًا من التنظير والموقف النقدي؛ فثمة إشكاليات عديدة تثير التساؤلات ما بين براءة وطفولية النص الأول وثوريته من ناحية وفي المقابل الانحيازات الجمالية والفكرية المتجددة بطبيعتها.
وبالتأكيد تتسم آليات الكتابة وتقنيات النص وإستراتيجيته بالديالكتيكية، وتتبدل من مرحلة زمنية إلى ما يليها، وإن حملت نصوص الشاعر/ الكاتب عناصر مشتركة. قد يعتني الناقد بمراحل الشاعر وتطوره زمنيًّا، والبحث عن مشتركات داخل التجربة، فيحاول اكتشاف بداياتها وتطورها، أما المتلقي فيبحث عن الإشباع الجمالي والمعرفي ويسعى نحو تذوق النص؛ فما هو إستاطيقي يعد أبرز تجليات النفس البشرية والمعبر عن خصوصيتها.
علينا أن نعترف بأن بعض الكتاب جاءت بواكير أعمالهم مشتعلة بجمرة الموهبة؛ لتتجاوز المفاهيم الراسخة في أذهان كثيرين عن الكتابات الأولى، والأمثلة لا تحصى، سواء عربيًّا أو عالميًّا. فهناك من قدموا أعمالهم الأكثر أهمية في سن مبكرة وأفلحوا في تجاوز حمى البدايات. ولا يمكن الوثوق في نظرة إستاتيكية نصوبها نحو العمل الأول؛ فالكتابة تتجاوز دائمًا فكرة الثبات.
مقدمة لا بد منها
هذه المقدمة أجدها مُلِحّة قبل الولوج إلى مجموعة الشاعر التونسي عبدالفتاح بن حمودة «أغنية لا تهدأ أبدًا» التي كتبها في حقبة التسعينيات من القرن الماضي ونشرها قبل أشهر بعد أن قدم منجزًا شعريًّا وضعه في مقدمة الشعراء، ليس في تونس فحسب وإنما عربيًّا أيضًا.
افتتحت المجموعة بإهداء إلى الشعر وإلى أصدقائه من الشعراء والنقاد من تونس وخارجها، وتبعت الإهداء مقدمة بدأت بما يثير الإشكالية الأولى البديهية بطبيعتها، «للبدايات مذاق خاص دومًا، فهي الأكثر التصاقًا بالشعر والأكثر حميمية وحرارة وطزاجة». وينتقل في الفقرة التالية باتجاه مغاير ومثير حول التفاعل مع النصوص الشعرية الأسبق زمنيًّا، وكيف أثرت في مسارات القصيدة وتاريخه مع قراءة نصوص الشعراء من الأجيال السابقة.
يكشف الإهداء والمقدمة عن رؤية الشاعر للتفاعل بين النصوص، من دون إغفال خصوصية التجربة وتباين الأصوات الشعرية وتنوعها، التي تعد جميعها من أبرز إيجابيات قصيدة النثر بجانب المفهوم الجديد للإيقاع، بعيدًا من الأجراس الصوتية. واستعرض الشاعر في المقدمة تاريخه مع القصيدة، وحقه في إعادة كتابة النصوص الأولى، ومن ثم كانت المغامرة التي يخشى الشعراء عادة الولوج إلى داخلها.
ويلح السؤال عن المسافة بين زمنين، هما: لحظة الكتابة الأولى وزمن تدوينها ثانية بعيدًا من الزمن بمفهومه الفيزيقي، أو بالأدق خارجه. ولا يمكن بالطبع أن نغفل مقالات الشعراء والنقاد عن تجربة عبدالفتاح بن حمودة، وكذلك عن نصوص المجموعة، وهي إضاءات كشفت عن تجربة شاعر صاحب منجز ثري وتجربة رحبة أضافت كثيرًا إلى المشهد الشعري العربي، كما كشفت نصوص المجموعة عن بدايات جيل تمسك أفراده، دون اتفاق، بقصيدة النثر لتصعد إلى واجهة المشهد الشعري.
من عتبة النص إلى متنه
جاءت نصوص المجموعة عبر أربع حركات شعرية: أولاها أجراس الوردة، وحملت مشتركات متعددة مع نصوصه، وبخاصة مجموعاته الأخيرة، «ممسكًا بريشة عصفور»، و«عشبة لكل فم»، و«سعادة العشب»، ولعل أول هذه المشتركات، القاموس الشعري والعلامات السيميائية، التي تأتي من الطبيعة وموجوداتها، فضلًا عن محاولاته المتواصلة بحثًا عن اللغة التخيلية المكثفة، والسعي لاكتشاف جوهر الشعر وجوهر الحياة، من توظيف المفارقة وتشكيل علاقات جديدة مع الموجودات. ولا يمكن إغفال الصور البصرية وتجاوز الطبيعة الاستعارية للقصيدة العربية التي قيدت الشعر طويلًا؛ وذلك بحكم الرغبة المُلِحّة في تطور الشعر المواكب لتطور الفنون والانتقال مما هو شفاهي إلى الكتابي؛ حيث تتعدد الأساليب ويتنوع المعمار الخارجي للنص ويتجاوز القصدية، نحو الموازاة الرمزية للعالم والصيرورة التأويلية، وهو ما يتضح منذ العنوان، عتبة النص الأولى، حيث المراوغة من خلال عبارة تبدو بسيطة «أغنية لا تهدأ أبدًا»، التي تشكل وحدة بنائية يلعب فيها اللفظ «أبدًا» الدور الأكبر بجانب العلامة السيميائية الأولى وهي الأغنية التي تفتح آفاقًا دلالية غير محدودة. فالجملة المكونة من مسند ومسند إليه وأداة نفي تنطلق بعنف مع اللفظ أبدًا، الذي أحدث توترًا دلاليًّا بإضافته إلى الجملة ليؤكد استمرارية الصراع مع العالم وتعقيداته، ومواجهته بما هو جمالي وبريء.
ومن عتبة النص إلى أقسام النص، وهي أربع حركات شعرية كشفت بوضوح عن القاموس الشعري لمنجز الشاعر، الذي تؤدي فيه مكونات الطبيعة دورها برؤى مختلفة ومتنوعة. فنسيج النص يتألف من كلمات مثل العشب والوردة والأغنية والشجرة، وجميعها من القاموس الشعري، وتظهر في مجموعات الشاعر بأشكال متنوعة، وتُوَظَّف وفق المحورين التتابعي والتبادلي ليكشف، من خلال التراكيب اللغوية، عن قدرته على كسر سلطوية اللغة وتجاوز اللغة المتسامية للشعر -التي كبلته طويلًا- ليقترب من لغة التواصل اليومي. ومن خلال هذه اللغة تتجلى وظائف اللغة التواصلية والأدائية والجمالية والتأثيرية، التي عبرها يعاد اكتشاف الموجودات البسيطة، وتكوين علاقات جديدة بينها وبين الذات والعالم، من خلال المفارقة بشقيها اللفظيّ والنصيّ.
وللمخيلة دورها في إعادة تصور الموجودات وتشكيل عالم يخص الذات الشاعرة، في بحثها عن الجوهر وصراعها الديالكتيكي مع التاريخ وشبكة العلاقات المعقدة، التي يخطو البشر في لحظتنا الآنية داخلها. ومن بين تلك العلاقات بين الأشياء نجد: «حجارة تتحول إلى خفافيش»، و«شاعر له أجنحة غزال»، و«صمغ تذروه الشمس»، و«تهمي ثلوج حمراء على خطواتي»، و«الأقمار صارت ثمرًا للنخلة»، و«تنمو أصابعه أعشابًا وأقواسًا سكرى»، و«الأصدقاء عيون تتأرجح تحت شجرة توت»، و«بعد أعوام تبدأ الشمس في محو خطواتهن»، و«الطريق أجنحة نشيد».
بمثل هذه العلاقات بين الأشياء يتشكل النص، بجانب المفارقة؛ حيث جمع المتناقضات وهي من الآليات التي ظهرت في نصوصه التالية زمنيًّا، وبجانبها تلك العبارات التي تبدو عادية ويومية ومتاحة. إنها لغة التواصل اليومي التي ظهرت بوضوح، خاصة في «عشبة لكل فم»، وتظهر بواكيرها داخل المجموعة مثل: «الشمس غائبة هذا اليوم»، و«سأنزل الآن هنا»، و«ألم تسمعي شيئًا؟»، و«لا أعرف تمامًا»، و«يجب أن يحدث كل شيء بلا انقطاع»، و«ماذا قلت لهم»، و«عندما كنت صغيرة».
خارج لغة الشعر
مثل هذه الجمل العادية ظلت طويلًا خارج لغة الشعر، لكنها جاءت من نسيج النص، وكشفت عن توجه نحو نص آخر يفجر الشعر مما هو عادي، ويسعى نحو سرد شعري تحقق في منجز له فرادته. وبجانب اللغة، المكون الأساسي للنص، وظَّف الشاعر الحكي والسيناريو بأشكال متعددة، أبرزها الحلم المرتبط بالأغنية وبالطبيعة وجمالياتها، التي لم يسقط في توظيفه لمفرداتها في براثن التعبيرية. وعلى الرغم مما في النص، ككل البدايات، من إشكاليات عديدة، فقد ظلت مجموعة «أغنية لا تهدأ أبدًا» مغامرة شعرية كشفت عن بواكير لتقنيات وآليات لكتابة نص شديد الخصوصية، يسعى لما هو جمالي، ويضع القواعد لخطاب شعري شديد الرحابة، ويكشف عن بدايات قصيدة النثر التي سطعت وتوهجت بقوة مع جيل يغامر بحثًا عن أغنيته التي لا تهدأ، وفي صفوفه الأولى يأتي عبدالفتاح بن حمودة بتجربة شعرية مختلفة، ويؤكد من هذه المجموعة أن الشعر مغامرة لا تنتهي أبدًا.
بواسطة عبدالحي طالبي - باحث مغربي | مارس 1, 2024 | مقالات
تروم هذه المقالة استكشافَ واحدة من أهم سمات القراءة النقدية عند «القارئ المحلل»(١) حسن المودن، وهي السمة التي نقترح تسميتها «القراءة المزدوجة»؛ حيث يتجاور النقد التطبيقي والنقد النظري ويتكاملان، وحيث تتبادل الأدوار بين أداة القراءة وموضوعها، بين النظرية والنص المقروء. ولما كان التحليل النفسي مرجعَ الباحث ومنهجه المفضل في القراءة، فإن القراءة المزدوجة، إذن، تعني: قراءة النصوص من خلال مفاهيم وآليات التحليل النفسي، ثم قراءة التحليل النفسي نفسه من خلال ما تقوله تلك النصوص. إنها قراءة تنقلنا من التفكير بالتحليل النفسي إلى التفكير فيه، ومن نقد النصوص إلى نقد أدوات النقد نفسه، ومن الإسقاط الكسول إلى التجديد الخلاق. هذا ما تدل عليه دراساته المتجددة، وهذا ما تعلنه بوضوح بعضُ العناوين الفرعية على غرار: «من أجل تجديد التحليل النفسي الأنثروبولوجي»، و«عقدة الأخوة أولى من عقدة أوديب»، و«قراءة نفسانية جديدة»…
تجديد التحليل النفسي؛ ملحوظات وهوامش
لم يمض وقت طويل على تأسيس التحليل النفسي حتى انطلقت الدعوات التجديدية مُطورة ما خطه المؤسس فرويد ومضيفة إليه، وناقدة ومستدركة عليه في بعض الأحيان. ولا نقصد هنا انتقادات خصوم التحليل النفسي، بل نقصد استدراكات المنتمين إليه والمؤمنين بجدوى علم النفس عمومًا، على غرار يونغ وأدلر ولاكان وميلاني كلاين وإريك فروم وبيلمان نويل ورونيه كاييس ولوري لوفير وبيير بيار… وإذا كانت حركة التجديد مُطردة في السياق الغربي فإن السياق العربي بقي مستثنًى منها، إلا ما كان من اجتهادات قليلة نذكر منها اجتهادات عبدالكبير الخطيبي وفتحي بن سلامة ورجاء بن سلامة ويوسف الصديق… وتبقى دراسات الباحث والمترجم حسن المودن فريدة ومتميزة؛ فهي شديدة المواكبة لما يجري في حقل التحليل النفسي، وهي دراسات بنفَس نقدي صريح؛ إذ لا تخلو من جُرأة ومساءلة للسائد من المفاهيم والنظريات. وفيما يلي بعض الملحوظات والهوامش حول هذا المشروع:
النقد النفسي مشروع لم يكتمل بعد
لا بأس أن نوضح، أولًا، أن قراءات المودن تجدُ مشروعيتها وقوتها من مصادر متعددة؛ فهناك، من جهة أولى، هذه الحاجة المستعجلة إلى «نقد تدخلي»(٢) يحرك المياه الراكدة في النقد النفسي الحديث والعربي منه على الخصوص، بعد نحو قرن من التراكمات، وهناك، من جهة ثانية، هذا الإبداع المتواصل الذي تحفل به الدراسات الغربية الحديثة في علم النفس واللسانيات والأنثروبولوجيا والفلسفة… وهناك تلك الحاجة المتجددة لاستكشاف مجاهل النفس الإنسانية وتقويم ما قيل ويقال عنها، وهناك، قبل هذا وذاك، هذه النصوص والمحكيات النابضة بالحياة والواعدة بتأويلات ومنظورات «أكثر تفسيرًا» (وربما أكثر إحراجًا!) مقارنة مع المكرَّس في التحليل النفسي بصيغته التقليدية؛ سواء تعلق الأمر بالنصوص الأدبية التأسيسية التي ولَّدت التحليل النفسي (تراجيديات سوفوكل، مسرحيات شكسبير، روايات دوستويفسكي…)، أو بالنصوص الأخرى المنسية أو الجديدة.
ولا بد أن نوضح، بهذا الصدد، أن تجديد التحليل النفسي عند حسن المودن لا يعني الخروج منه، ولا بالأولى رفض ما أنتجه من نظريات في مقاربة النصوص، وكذلك في فهم النفس الإنسانية. فالكاتب دائمُ التذكير بانتمائه إليه ودائم تأكيده أهمية ما تحقق فيه، ولكنه إذ يفعل ذلك، فإنه يحرص باستمرار على تذكيرنا بأن هذا التحليل «مشروع لم يكتمل بعد»؛ بمعنى أنه يظل ورشًا، مفتوحًا، يجري إغناؤه وتطويره، بما استجد في العلوم المجاورة له كاللسانيات والأنثروبولوجيا… وفي ضوء النتائج المحصَّلة من تفاعله مع النصوص. ومن هنا فإن التفكير في التحليل النفسي يعني، في الأساس، التفكيرَ في أفضل الصيغ الممكنة لجعله أقدرَ على تفسير ما يحدث في النفس الإنسانية الفردية والجماعية، ما يحدث في النصوص الأدبية والدينية والمحكيات الإنسانية… ولما كانت هناك طرائق حياة متجددة على الدوام، وهناك نصوص على الدوام، فمعنى ذلك أن هناك إمكانيات متجددة على الدوام لاستيلاد تنظيرات وتصورات نفسية جديدة.
إن التحليل النفسي وفق هذا المنظور ليس علمًا صارمًا ونهائيًّا وإنما هو، مثلما يؤكد جان بيلمان نويل: «فن يستند إلى نظرية، ويستند إلى ممارسة، بلا تقنيات إلزامية، وبلا شفرات شفافة، وبلا نماذج أصلية، وبلا تصورات أحادية، وبلا نقط استدلال ثابتة»(٣).
المجد للنصوص؛ لننصت إلى النص.. نروض النظريات
تأسيسًا على ما سبق، تدعونا دراسات المودن إلى استلهام تلك الروح العلمية المفعمة بالمرونة والحيوية، التي وجهت كبار النقاد المشتغلين بالتحليل النفسي؛ أولئك الذين لا يسمحون للنظريات، مهما بلغ اتساقها وإحكامها، أن تتحول إلى شرنقات قاتلة أو إلى أصنام مقدسة يُتقرب إليها بِلَيِّ أعناقِ النصوص وتقديمها قرابينَ على مذبح «العقد الجاهزة»… فلا تُقرأ ولا تؤول إلا بها؛ إذ كثيرًا ما كان هذا المنزع يتجاهل النص والقارئ وينصرف عنهما تمامًا، باحثًا في سيرة الكاتب وحياته الشخصية عما «يبرر» به الناقد النفسي هوسه بتصنيف «مرضاه» من المبدعين، فيتحول النص، إلى مجرد شاهد ويصبح الموضوعُ هو الكاتب و«أعراضه الباتولوجية»! وهذا خلافُ ما فعله فرويد نفسُه، القارئ الشغوف بالنصوص، وخلافُ ما يفعله المجددون من أمثال لاكان وبارت وبورخيس وبيلمان نويل وبيير بيار… (وفي كتاب «الأدب والتحليل النفسي» توضيحات دقيقة بخصوص قيمة إسهامات هؤلاء النقاد(٤)).
في مشروع المودن تذكير مستمر بأنَّ النصوص والمحكيات خلاقة وولادةٌ ولا يليق بالتحليل النفسي إلا أن يُحسن الإنصات إليها. لقد كانت هي المنطلق في تأسيس التحليل النفسي، ويُفترض أن تبقى هي المغذي الدائم له، وهي المحك الذي تُقوَّم به نظرياته. فـ«الأدب، لا التحليل النفسي، هو المصدر الأساس للتنظيرات والتصورات النفسية»(٥) وليس هو مجرد حقل للتجريب والتطبيق الأحادي الاتجاه. وقد كان هذا هو درس فرويد المحوري، إذ «اختار مبكرًا أن تكون (أرض الكتابة والتخييل) مسكنه الأبدي»(٦)، فكان دائم الإعلاء من شأن الشعراء والروائيين واصفًا إياهم بأنهم الخبراء والأساتذة في معرفة النفس البشرية.
هكذا يتبين أن التفكير في التحليل النفسي عند حسن المودن يعني أن نقرأ بعينين ونكتب بيدين؛ عين على النصوص والأخرى على التحليل النفسي، ويد تخط ما يمليه هذا التحليل وأخرى تتعقبها بالتقويم والمحو، إن لزم الأمر. هل ذلك ممكن؟ نعم؛ فتلك سيرة المؤسسين والمجددين على السواء، وذلك ما تقوله التطبيقات والمفهومات المستخلصة من النصوص المؤسسة للتحليل النفسي ومن النصوص المنافسة له أيضًا، كالنصوص الدينية.
تجديد التحليل النفسي؛ نماذج وآفاق
يقترح علينا مشروع المودن مباشرةَ القراءة وإعادة القراءة بـ«كامل وعينا» لما أُنجزَ في التحليل النفسي ولما أنجِزَ حول متونه ومصادره النصية من قراءات، كما يدعونا أيضًا إلى الانفتاح على نصوص ومتون جديدة، لا بغرض إضافتها إلى قائمة المواد التي اشتغل بها التحليل النفسي، بل بغرض استيلاد منظورات بديلة لإغناء هذا التحليل وتقويم بعض «انحرافاته» وتحيزاته أملًا في تطويره وتجديده.
في هذا السياق، نستحضر تلك الدراسات القوية و«الجريئة» حول أوديب وهاملت وحول قصة يوسف وحول المحكي الإبراهيمي وحول أولاد حارتنا والإخوة كرامازوف…؛ حيث نكتشف مفاهيمَ ومداخل مغايرة للمألوف، على غرار مفهوم «عقدة الأخوة»(٧)؛ هذا المفهوم الذي «ظل مستبعدًا أو ثانويًّا في الفكر النفساني»، على الرغم من وجود تصورات مبكرة حوله عند فرويد وميلاني كلاين وجاك لاكان(٨). وسنكتفي، في هذا المقام، بإبراز القوة التفسيرية الهائلة لهذا المفهوم في إعادة قراءة بعض النصوص المؤسسة للتحليل النفسي.
في إعادة قراءة النصوص المؤسسة (أوديب وهاملت)
في محاضرة «التحليل النفسي يلفق التهم للأبرياء…» يستثمر المودن دراسات بيير بيار، وبخاصة مفهوم النقد التدخلي؛ أملًا في تصحيح الصورة النمطية المشكلة حول هاملت وأوديب، التي شيّدها فرويد وكرسها من جاء بعده من المحللين. ولما كان «النقد التدخلي» مساءلةً للتأويلات والتفسيرات المتداولة، فإنه يبقى وفيًّا لطرح الأسئلة، وبخاصة تلك الأسئلة المهملة أو المقموعة، التي تستدرجنا -ببراعة الحكَّاء وبحنكة المُحقق- نحو إعادة تشكيل الحكاية من جديد، بعدما تكون قد زرعت من الشكوك واكتشفت من الثغرات ما يكفي لزعزعة الثقة في التأويلات السائدة. وحينها لا يكون هناك مناص من القبول بتأويل جديد وبالنتيجة بمنهج جديد وبرؤية جديدة وربما بمفاهيم جديدة وحكاية مختلفة! هل هو ضرب من التحايل على سلطة وهيمنة النقد السائد أملًا في تفكيك بنيانه الراسخ أم على العكس من ذلك، هو الخطة الأكثر إلحاحًا وضرورة لتجديد التحليل النفسي وإغنائه وتقويته؟ لنتأمل ما يمكن أن يصنعه هذا النقد التدخلي بخصوص محكيات مألوفة جدًّا وتأويلات «طاغية جدًّا»:
بالنسبة لأوديب: يتجه القارئ المحلل حسن المودن، في محاضرة: «التحليل النفسي يلفق التهم…» إلى مراجعة الحكاية في تشكلاتها الأولى وفي صيغها المتعددة، مقترحًا زوايا نظر جديدة ومثيرًا أسئلة مقموعة أو مهملة من قبيل: «ماذا وقع لوالد أوديب (لايوس) قبل أن يتزوج (جوكاست) وقبل أن ينجب وقبل أن يصبح أبًا لأوديب؟»، ماذا وقع لأوديب في صغره حتى صار يشكو من عيب في جسده؟ وهل كان قادرًا وحده، وبعلَّته الجسدية، على هزم ملكٍ وحرسه؟ من القاتل الحقيقي للايوس؟ من المجرم أو المجرمة؟ ولماذا بقيت اللعنة مستمرة بعد مقتل أوديب؟ ولماذا سيرفع الوباء بعد موت جوكاست بالضبط؟ ما الجريمة التي استنكرتها الآلهة؟ هل الجريمة هنا هي قتل الابن لأبيه أم هي على العكس من ذلك جريمة قتل الأب للابن؟ ما العقدة الحقيقية التي ينبغي أن تحُلَّ محل عقدة أوديب؟»(٩).
وفي مسرحية هاملت، تتناسل الأسئلة على النحو التالي: ما الجريمة الحقيقية الأولى التي تصدرت الأحداث؟ أليس هي قتل كلاوديوس لأخيه الملك هاملت، والاستيلاء على زوجته وعرشه؟ أليست الجريمة هنا هي قتل الأخ لأخيه وليس قتل الابن لأبيه؟ هل يكفي أن نقول كما قال فرويد: إن القتل كان موضوع رغبة هاملت الابن اللاواعية حتى نُحمله وزر الخطيئة؟ أو أن نقول كما قال لاكان: إن «دال القوة» هو موضوع الرغبة عند هاملت، وإن المانع من تنفيذها على كلاوديوس هو فكره المتردد والمحتقر في الآن نفسه لكلاوديوس… هل تكفي عقدة أوديب لتفسير ما جرى؟ ألا يتعلق الأمر هنا بعقدة أخرى «صريحة» هي عقدة الأخوة؟
بالعودة إلى مقالة: «مسرحية هاملت: أَهوَ قَتلُ الأَب أمْ قَتلُ الأخ؟ نَحوَ قراءة نفسانية جديدة»(١٠). نجد تدقيقات و«تحقيقات» تعيد بناء الحكاية من جديد، تستدرك ما فاتَ الدراسات والتحقيقات السائدة كدراسات فرويد ولاكان وتحقيقات بيير بيار نفسه، مستلهمة، على الخصوص، مفهوم «الرغبة المحاكاتية» لرينيه جيرار، ومستثمرة دراسة جون ديلوغ 1996م (C.Jon Deloge) : «كيف لقي هاملت الشيخ حتفه؟»، فتتجه إلى إظهار تلك «الحقيقة» المنسية والمطموسة تحت ثقل التأويلات «الأوديبية»، وهي: أن المشكلة الأساس هي قتل الأخ لأخيه (كلاوديوس لأخيه هاملت)، أن الإنسان يقتل أخاه الإنسان، وأن هذا القتيل يعود للانتقام بطرق جديدة؛ شبحًا، ابنًا، حفيدًا… فلا القاتل الأول ينعم بموضوع رغبته، ولا القاتل الثاني/ المنتقم يشفي غليله وينتزع ما سلب منه، ولا طرفَ قادر على تصحيح المعادلة أو حسم الصراع؛ إذ للقتيل الثاني ورثة وذرية جاهزون دائمًا للثأر… وهكذا تستمر التراجيديا الإنسانية صراعًا مستعرًا بين الإخوة… الجميع في الجحيم؛ كلٌّ حريص على الفتك بكلٍّ.. إلا ما كان من استثناءات قليلة جسدها أولئك «الإخوة السعداء».
في الحاجة إلى التحرر من عقدة «عقدة أوديب»
في هذه القراءة «التأزيمية» الجديدة، للنصين التأسيسيين القديمين، نكتشف: أن تراجيديات سوفوكل تقول أكثر، وربما غير، ما قوَّلها فرويد. نكتشف أن أسطورة أوديب حلقة ضمن سلسلة، وأنها لا تفهم إلا بالعودة إلى حلقاتها السابقة واللاحقة، ونكتشف أن الجريمة الكبرى في تلك الأساطير هي قتل الابن لا الأب. ونكتشف أن أوديب بريء من دم أبيه براءة الذئب من دم يوسف؛ ونكتشف، بالتبع، أن علاقة الابن بأبيه ليست بأولى من علاقة الأب بابنه؛ فكما أن الطفل يحمل مشاعر متناقضة تجاه أبيه، فكذلك يمكن للأب والأم أن يحملا مشاعر متناقضة تجاه ابنهما، يمكن أن يكرها أو يعاديا وقد يقتلا أبناءهما! ونكتشف في هذا الطريق أن العقد متعددة وأن عقدة أوديب قد تكون أضعفها تفسيرًا قياسًا إلى عقد أخرى كعقدة «جوكاست»، مثلًا، التي تفسر عدوانية الآباء تجاه الأبناء؛ هذا النزوع المستحكم الذي طالما كان موضوعَ استنكارِ الأساطير القديمة والأديان السماوية(١١)… فإذا ثبت هذا فمعنى ذلك أنه علينا التسلح بكثير من الشك بخصوص ما تكرس وترسخ من أحكام جائرة حول كثير من الأبرياء، ونتسلح أيضًا بكثير من سوء الظن بخصوص صكوك البراءة المتسرعة التي وزعت على كثير من الجناة و«المجرمين الطلقاء». لا بد إذن من «تحقيقات مضادة»، «لا بد من توسيع نظرية فرويد…»، و«لا بدَّ من إغناء الجهاز المفهومي عند فرويد بأن نضيف إلى عقدة أوديب مفهومًا تكميليًّا: عقدة جوكاست للدلالة على عدوانية الآباء، الواعية أو اللاواعية، تجاه أبنائهم: أي للدلالة على أن جزءًا مهمًّا من حياتنا اللاواعية يمكن أن يُوَجَّهَ ضد أقاربنا، وأطفالنا على وجهٍ خاصٍّ»(١٢).
ونكتشف أيضًا أن مسرحية هاملت لشكسبير يمكن أن تُقرأ قراءات مغايرة للسائد، تقلب التأويلات المستقرة رأسًا على عقب، وتفتح الباب أمام افتراضات جديدة تبتعد مِن «عقدة أوديب»، ومِن موضوعة الأب لـ«تستعيد تلك الموضوعة الأكثر حضورًا في السرديات الكبرى، الأكثر رسوخًا في النصوص الدينية والأدبية والتاريخية: الإخوة الأعداء؟ أيتعلّق الأمر بعقدة أوديب أم بعقدة قابيل؟ هل ألَّف شكسبير هذه المسرحية من أجل أن يكشف النقاب عن الجريمة المسكوت عنها، عن الحقيقة الأزلية التي لا تُقال: الإنسان يقتل أخاه الإنسان من أجل أن يستحوذ على ملكه وميراثه؟ هل ألَّف شكسبير هذه المسرحية من أجل أن يلفت النظر إلى أن هابيل الذي قُتل غدرًا لم يمت بعد، وأن شبحه يعود من خلال ذريته وورثته من أجل أن ينتقم من قابيل، أخيه المُجرم القاتل؟ هل ألَّف شكسبير هذه المسرحية من أجل أن يجعل من هاملت الابن رمزًا لهذا الاقتتال الدائم والمتواصل بين الإخوة الأعداء؟»(١٣).
خاتمة
هكذا يأتي مشروع الباحث حسن المودن منخرطًا بقوة في تجديد التحليل النفسي وتطويره بعد كشف حدوده. وقد كان من نتائج هذا التجديد اكتشاف منظورات ومفاهيم جديدة، على غرار مفهوم عقدة الأخوة؛ وهو ما ترتب عليه تصحيحُ أفكار وتصورات عمرت طويلًا، على غرار فكرة جناية كل من أوديب وهاملت… وترتب عليه أيضًا الانتباه إلى مكانة «الأخ» في الحياة الإنسانية.
يذكرنا هذا المشروع بأن مصادر معرفة النفس الإنسانية أكبر بكثير مما هو مكرس، وأنه وبقدر حاجتنا إلى قراءة النصوص «نفسيًّا»، فإننا بحاجة إلى مراجعة مستمرة للتحليل النفسي نفسه، في ضوء ما تقدمه النصوص من معرفة. غير أن جاذبية هذا الأفق ووعوده المغرية تثير أسئلة من قبيل:
هل نحول الأدب والدين والأساطير… إلى تحليل نفسي أم نحفظ المسافة بينهما؟ هل يمكن للأدب أن يكون تحليلًا نفسيًّا بالمعنى المتعارف عليه للتحليل النفسي؟ وماذا عن التعديلات المتلاحقة لمفهوم الإنسان؛ ماذا يمكن أن نقول عن هذه الأنفس الجديدة التي تبشر بها التقنية الحيوية؟ والتي سبق أن «بشَّرت» بها نصوص أدبية على غرار «عالم جديد شجاع» لهكسلي (1930م)، وماذا عن هذه الأنفس المعزَّزَة التي يعدنا بها دعاة «ما بعد الإنسانية»؟ ماذا يمكن أن تقدم المتون القديمة وكذا المناهج النفسية السائدة في هذا المجال؟
هوامش:
(١) تجد هذه الصفة (القارئ المحلل) مبررها في أعمال الباحث حسن المودن؛ حيث لا يكتفي بتحليل النصوص مطبقًا مناهج أو نظريات نفسية جاهزة، بل هو قارئ منخرط في حوار جدلي مع التحليل النفسي، وذلك ما سنتبين بعض جوانبه في هذه المقالة.
(٢) يحدد المودن وظيفة النقد التدخلي، في محاضرة أوديب لم يقتل أباه، قائلًا: «هو نقد لا يسعى إلى بناء معنى عن نص ما، بل إنه يتدخل من أجل تصحيح صورة أو معلومة أو حقيقة».
(٣) جان بيلمان نويل، التحليل النفسي والأدب، ترجمة حسن المودن، طبعة جديدة مزيدة ومنقحة، دار كنوز، عمان، الأردن، 2017م. ص19.
(٤) سبق أن كثفنا أهم مضامين هذا الكتاب المهم في مقالة لنا بعنوان: «قراءة في كتاب الأدب والتحليل النفسي لحسن المودن، ما معنى أن تكون ناقدًا نفسيًّا اليوم؟» مجلة نقد وتنوير، مركز نقد وتنوير، الكويت، ع12/ يونيو 2022م، ص ص: 326-334. (https://tanwair.com/archives/15186).
(٥) حسن المودن، «الأدب والتحليل النفسي»، وزارة الثقافة والرياضة ــ قطر، كتاب الدوحة رقم 99، أغسطس 2019م. ص10.
(٦) نفسه، ص135.
(٧) يعرف حسن المودن عقدة الأخوة كما يلي: «إن عقدة الأخوة هي مجموع منظم من التمثلات اللاواعية التي تتشكل انطلاقًا من علاقات تتأسس بين الأفراد والذوات، وفي داخل هذه العلاقات يحتل الفرد الواحد مكان الذات الراغبة؛ أي أن عقدة الأخوة هي تنظيم جوهري للرغبات العاطفية والنرجسية في علاقة بهذا الآخر التي تعترف الذات بأنه أخ أو أخت، وهو تنظيم ينتمي إلى بنية العلاقات التي تجري بين الذوات، ويحكمها التمثل اللاواعي للمواقع التي تحتلها الذات والأخ والأخت بالنظر إلى موضوع الرغبة الذي يتحدد في الأب، كما لاحظنا في القصص الديني». ينظر: حسن المودن، «قراءة نفسانية في قصة يوسف، عقدة الأخوة أولى من عقدة أوديب»، مجلة تبين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ع10/3، خريف 2014م، ص45-46.
(٨) حسن المودن، «المحلل النفسي روني كاييس: لماذا لا ينبغي تفسير مسألة الأخوة بعُقدة أوديب؟»، مجلة الفيصل (على الويب)، نشر يوم1 سبتمبر 2021م: https://www.alfaisalmag.com/?p=21858
(٩) حسن المودن، «التحليل النفسي يلفق التهم للأبرياء: أوديب لم يَقتلْ أباه، وهاملت بريءٌ من دَم أبيه»، نشر واقتبس يوم: يوم الإثنين 18 إبريل 2022م.
https://www.youtube.com/watch?v=Xy346NGkNQE&t=1963s&ab_channel=HassanELMOUDEN
(١٠) حسن المودن، «مسرحية هاملت: أَهوَ قَتلُ الأَب أمْ قَتلُ الأخ؟ نَحوَ قراءة نفسانية جديدة»، موقع عربي21، العدد الأول، 1 ديسمبر 2021م: https://naqd21.com/%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%87%d8%a7%d9%85%d9%84%d8%aa-2/181/
(١١) يشير حسن المودن إلى هذه المسألة موردًا نموذج النبي إسماعيل في القرآن الكريم الذي فداه الله بذبح عظيم، تلافيًا لحدوث «قتل الأب لابنه».
(١٢) حسن المودن، «أوديب، هل هو قاتلُ أبيه فعلًا؟ من عقدة أوديب إلى عقدة جوكاست»، مجلة الفيصل، يوم 1 نوفمبر 2022م:
https://www.alfaisalmag.com/?p=27689&fbclid=IwAR00uKtJVoiZbKbHu2Bik3fZNg-HmRVKgkOmx20NUSlzDhudGSYifjOPuRk
(١٣) حسن المودن، مسرحية هاملت: أهو قتل الأب أم قتل الأخ…
https://naqd21.com/%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%87%d8%a7%d9%85%d9%84%d8%aa-2/181/
بواسطة يوان مينغ هوي - باحث صيني | مارس 1, 2024 | مقالات
تُعرف الهوية على أنها مجموعة الانتماءات التي ينتمي إليها الفرد وتحدد سلوكه، أو كيفية إدراكه لنفسه. وفي سياق العولمة، فتح الارتباط الوثيق بين الهوية والسرد آفاقًا جديدة للبحث الأدبي، وقدم أفكارًا جديدة لفهم الإبداعات الأدبية للكتاب.
يعد الكاتب المصري إدوار الخراط من كتاب جيل الستينيات، وأحد رواد الكتابة التجريبية للروايات العربية. وعلى الرغم من أن إبداعاته الأدبية لم تتخذ الهوية موضوعًا مباشرًا، فإن اهتمام الكاتب المستمر بقضية الهوية يمكن العثور عليه في تفسيرات أعمق. تحاول هذه المقالة استخدام الهوية كلمة مفتاحية لاستكشاف كيف يعيد إدوار الخراط تشكيل الهوية المصرية المتنوعة والمرنة، وكتابة الإسكندرية المحلية، وبناء حداثة الأدب العربي.
الحوار بين الأقباط والمسلمين في الهوية الثقافية
يعمل إدوار الخراط على الحوار مع هويته القبطية والثقافة العربية الإسلامية المهيمنة، طوال الوقت تقريبًا، حيث يبني هويته الخاصة والهوية المصرية المتنوعة والمرنة عبر التفاوض على الاختلافات. في عام 2005م، نشر إدوار الخراط مقالة بعنوان «الأصالة الثقافية والهوية الوطنية»، حدد فيها نقده المزدوج للانفصالية والتجانس ولموقف التعددية الثقافية العربية. وفي هذا السياق، أكد إدوار الخراط أن الثقافة يجب أن تكون كلًّا عضويًّا، وعارض الميل إلى العزلة والانغلاق بين العناصر
الثقافية المختلفة.
يتجسد تركيز إدوار الخراط على التعددية الثقافية في وصفه للتنوع، ويعتقد أن التنوع عاملًا يساهم في الإثراء وليس عاملًا يقسم أو يُفرق. ومن وجهة نظره، الهوية الوطنية هي مجموعة من المكونات الثقافية الفرعية المختلفة، وتُعَرَّف على أنها التنوع في الوحدة. وعلى أساس هذا التنوع، دعا الناس إلى احترام الفردية، واحترام الاختلافات بين الشعوب والثقافات المختلفة، وتعكس هذه الهوية المتنوعة أصالة الثقافة المصرية لإدوار الخراط. استخدم الخراط وجهة النظر هذه لتوضيح فهمه لهويته الخاصة: «أود أن أعرف نفسي على أنني أنتمي إلى ثقافة فرعية، وهي ثقافة الأقباط المصريين، والتي أشعر في أعماق قلبي أنها لا تنفصل عن الثقافة العربية الإسلامية السائدة. ولا يمكن فصلها»(١).
تسلط تأملات إدوار الخراط حول الهويات القبطية والعربية الضوء على الهوية المصرية المتنوعة والمرنة. إن الهوية المصرية (القبطية والإسلامية) مرتبطة ارتباطًا وثيقًا، بطريقة منفتحة ومتكاملة. تسلط روايات الخراط الضوء على علاقات الصداقة بين الأقباط والمسلمين من خلال الهوية الإقليمية للإسكندرية. في رواية «ترابها زعفران»، لا ينعكس التفاعل بين عائلة بطل الرواية ميخائيل وجيرانهم المسلمين في علاقات الجوار فحسب، بل في التبادلات الدينية أيضًا. ويتذكر ميخائيل أن والدته كانت تتبادل الطعام مع المسلمين خلال أعيادهم، ويتذكر كيفية مرافقته لجيرانه المسلمين من منزل إلى منزل حاملًا الفوانيس في شهر رمضان. وكيف شعرت أم ميخائيل بالجو المتسامح بين الأديان خلال الحوار مع جارتها المسلمة وهيبة، التي قالت لأم ميخائيل: «إن نبيهم أوصاهم بنا، وإن عيسى نبينا هو أيضًا رسول من عند الله مثل موسى وإبراهيم»(٢).
في رواية «رامة والتنين»، يمثل بطل الرواية ميخائيل والبطلة رامة، على التوالي، هويتين مختلفتين. يعبر ميخائيل القبطي والمرأة المسلمة رامة عن آراء مختلفة حول بعض القضايا المهمة في النظرة العالمية، وقد ساعد هذا الاختلاف في المعتقدات في إلقاء الضوء على وجهات نظر إدوار الخراط على الهوية الوطنية المصرية. وكثيرًا ما أظهر البطل المسيحي ميخائيل موقفًا قوميًّا مسيحيًّا قبطيًّا. على سبيل المثال، كان يعتقد أن كل المصريين أقباط وأن المسيحيين هم أنقى المصريين. أما البطلة رامة فهي تدحض آراء ميخائيل وتفضل القومية العربية المصرية كما حددها عبدالناصر. لكن تجدر الإشارة إلى أن «رامة والتنين» لا تؤكد الفصلَ بين القبطية والإسلامية، بل تستخدم صورة المرأة المسلمة (رامة) للتوسع فيما يسمى بالهوية المصرية؛ لأنها «تجمع في نفسها شيئًا من كل نساء حياته»(٣). رامة موجودة في مختلف الثقافات والتقاليد الدينية، فهي مريم العذراء في الثقافة المسيحية، وإيزيس في الثقافة الفرعونية، وديميتر في الثقافة اليونانية القديمة، وعشتروت في الثقافة السامية. ولذلك أصبحت رامة رمزًا مجازيًّا للمصرية في نظر ميخائيل، فقد تجاوزت الاختلافات في المعتقدات الدينية، ومثلت وحدة واستمرارية الهوية الدينية؛ لأن الأقباط والمسلمين تربطهم علاقة مشتركة في أرض مصر التي تنصهر فيها الهويات المتعددة.
القطيعة مع الاستشراق في الكتابة الحضرية
أكد الكاتب البريطاني لورانس دوريل في مقدمة رواياته «رباعية الإسكندرية» عن مدينة الإسكندرية أن كل ما في القصة خيالي، فقط المدينة هي الحقيقية. ويمكن ملاحظة أن المدينة أصبحت عنصرًا مهمًّا في الإبداع الأدبي. الكاتب الطليعي إدوار الخراط، هو شخصية بارزة في كتاب جيل الستينيات بمصر، مهووس أيضًا بالكتابة عن المدينة، وقد كتب «ثلاثية الإسكندرية» عن مدينة الإسكندرية. إن مفهومه الفريد للإبداع الأدبي وأسلوب كتابته التجريبية يعيدان إنتاج الصورة الحقيقية للإسكندرية، حيث ولد ونشأ، ويفككان منطق الخطاب الاستشراقي في كتابات الكتاب الغربيين عن الإسكندرية من خلال الممارسة الإبداعية المحلية.
تحدث إدوار الخراط بصراحة عن كتابة دوريل حول الإسكندرية: «فالإسكندرية عنده أساسًا هي وهم غرائبي، كأنما كتب لكي يرضي نزعة لا تنتزع عند الكاتب وعند قرائه الغربيين، في اختلاق وابتعاث خرافة راسخة الجذور عن الشرق»(٤). يعتقد إدوار الخراط أن دوريل رأى فقط مظهر الإسكندرية، واعتمدت كتاباته عن المدينة فقط على وجهة نظر الدبلوماسيين الأجانب ورجال الأعمال والمراسلين وغيرهم من أفراد الطبقة العليا في قمة الهرم الاجتماعي للمدينة، حيث كانت القصور والشقق والمكاتب، التي ظهرت في الرواية، تقع جميعها في المدينة الجديدة. فالمدينة المنعزلة عن المجتمع العربي تشوه المظهر الحقيقي للبيئة المكانية للإسكندرية إلى حد ما. تستخدم روايات دوريل في كثير من الأحيان الانقسامات بين السود والبيض، والعرب والأوربيين لتسليط الضوء على المعارضة الثنائية للعرق والثقافة، وتصوير المجتمع العربي في الإسكندرية بطريقة قبيحة. إن وصف دوريل لقذارة المجتمع العربي مغلف بمنطق خطاب استشراقي قوي. إضافة إلى ذلك، أثار وصف دوريل للتنوع الثقافي للإسكندرية انتقادات شديدة من إدوار الخراط. بالنسبة إليه، الحذف النصي لكلمة «العرب» بدلًا من كلمة «المسلمين» هو دليل على انفصال دوريل عن الثقافة المصرية المحلية الأصيلة.
ومن أجل منافسة الإسكندرية المشوهة في نظر الغربيين، استخدم إدوار الخراط أساليب الكتابة المحلية، محاولًا مواجهة منطق الخطاب الاستشراقي. والإسكندرية في نظر إدوار الخراط مدينة الذاكرة والخيال، تحمل ذكريات طفولته وصباه وشبابه. وفي «يا بنات الإسكندرية»، عبر عن حبه لأرض الإسكندرية القديمة والمقدسة على لسان بطل الرواية ميخائيل: «عرشتْ أشواق عشقي في مدينتي العظمى الإسكندرية الثغر المحروس الميناء الذهبي رؤيا ذي القرنين وصنيعة سوستراتوس المهندس العظيم ولؤلؤة قلبطرة الغانية الأبدية»(٥).
وزعم إدوار الخراط أنه الكاتب الوحيد في العالم العربي الذي كان شغوفًا بالإسكندرية، التي وصفها بالمكان الحقيقي والمتخيل. بالنسبة له، المدينة هي امرأة أبدية ذات تغييرات لا حصر لها، وبالنسبة له، المدينة ليست فقط خلفية الرواية، ولكنها أيضًا قوة إيجابية وبطل الرواية مع إمكانية الفعل، وله علاقة خاصة بالإسكندرية. فالإسكندرية ليست موقعًا جغرافيًّا جميلًا فقط، وليست فقط ساحة الالتقاء واصطدام الناس الذين يعملون ويحبون ويموتون على أرض الحياة اليومية، وليست فقط مستودع ترسب ثقافات وحضارات تاريخية عريقة وراهنة، هي ذلك كله.
إضافة إلى ذلك، بنى إدوار الخراط الطابع العالمي للإسكندرية من وجهة نظر الكتاب الشرقيين، ولا ينتمي هذا الطابع العالمي إلى نخب المدينة فحسب، بل يجب أيضًا التعبير عنها في روايات الفئات المهمشة والمحرومة.
التفاعل بين الأصالة والحداثة في المفاهيم الإبداعية
يلتزم إدوار الخراط بالكتابة التجريبية والتعبير الحديث للأدب بصفته روائيًّا وشاعرًا ورسامًا وناقدًا أدبيًّا، وقاوم مختلف الخطابات الاستبدادية بما في ذلك المركزية الأوربية، وأعاد فحص الأدب الراسخ بإدراك شديد للقواعد الجمالية، وبنائه النظري الأدبي المتين. وقد فتحت ممارسته الإبداعية أفقًا جديدًا للحداثة الأدبية العربية.
يرى إدوار الخراط أن حداثة الأدب لا علاقة لها بحقبة تاريخية محددة، فهي تحظى بخاصية فوق تاريخية تتمثل في المقاومة والاستفزاز وكسر التقاليد. أما الحداثة فهي عنده قيمة في العمل الفني، هي قيمة التساؤل المستمر. الحداثة عنده مرادفة للأصالة. ويرى أن حداثة الأدب العربي والتراث العربي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، ويشمل هذا التراث عناصر من الأسطورة والفُلكلور و«ألف ليلة وليلة» والأنماط الزخرفية والمقامات والصوفية والهندسة المعمارية والخط. ويتناول إدوار الخراط عناصر الحداثة في شعر الشاعر العباسي أبي نواس، معتبرًا أنه عندما يندمج الوعي الحسي عند أبي نواس مع ما هو أبعد من الوعي الحسي، يصبح شعره تعبيرًا عن الزمن، وتساؤلًا متواصلًا. ولذلك يرفض إدوار الخراط تقليد الغرب ميكانيكيًّا، ويدعو إلى استخلاص العناصر من التراث المحلي لبناء شعرية حديثة في السياق العربي، وتحقيق نهضة أدبية إبداعية بتعابير فنية جديدة.
انعكست النهضة الأدبية الإبداعية لإدوار الخراط في «الحساسية الجديدة». وعلى النقيض من الصفات العابرة للتاريخ للحداثة الأدبية، اعتبر إدوار الخراط «الحساسية الجديدة» نتاجًا لحقبة تاريخية محددة. هناك فرق كبير بين «الحساسية الجديدة» و«الحساسية التقليدية». تتوافق «الحساسية التقليدية» إلى حد كبير مع النهج المحاكي للواقعية، التي تفترض أن هناك واقعًا خارجيًّا موضوعيًّا وثابتًا يمكن تقديمه من خلال الواقعية الاشتراكية للكاتب. يمكن إرجاع المرحلة الجنينية الأولى لـ«الحساسية الجديدة» إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وقد نضجت وتطورت بالكامل في أواخر الستينيات، وفي ذلك الوقت، قدمت مجلة «جاليري 68» بقيادة إدوار الخراط منصة مهمة للكتابة التجريبية.
يدعو إدوار الخراط إلى أدب حداثي لا يسعى إلى تصوير الواقع، بل إلى إيجاد حقيقته الشعرية الخاصة، معتبرًا أن السعي إلى الكتابة هو نوع من التساؤل المستمر والتعالي. تتخلى «الحساسية الجديدة» لإدوار الخراط عن منطق السرد الخطي، وتقدم المزيد من عناصر التجربة الإنسانية لتوسيع مفهوم الواقع، وتسعى جاهدة إلى إعادة الأحلام والأساطير والشعر إلى الواقع مع التفاعل مع النص من خلال التناص مثل الفُلكلور والأساطير وغيرها. فالنص يجعل السرد يحمل سمات عدم اليقين والواقعية السحرية.
يولي إدوار الخراط اهتمامًا بالغًا لاستكشاف التراث في الإبداع الأدبي، ويبني جسرًا بين الأصالة والحداثة من خلال إستراتيجيات سرد التناص. لا يهدف التنقيب عن التراث لإدوار الخراط إلى العودة إلى الماضي، بل إلى استخدام الأصالة موردًا لبناء حداثة الأدب العربي في سياق جديد، تنعكس إستراتيجيته في بناء الحداثة أيضًا في «الكتابة عبر النوعية» ضمن فئة «الحساسية الجديدة».
يرى إدوار الخراط أن «الكتابة عبر النوعية» هي علامة خاصة على الحداثة، فهي تكسر حدود الأنواع السردية المختلفة وتفتح تدريجيًّا البنية السردية. نصوص إدوار الخراط عبارة عن مجموعة من الأنواع المختلفة، بما في ذلك القصص القصيرة والروايات والسير الذاتية وقصائد النثر. وينعكس هذا الكولاج في عناوين النصوص، فمثلًا عنوان روايته «بنات الإسكندرية» مستوحى من أغنية شعبية، والعنوان الفرعي لـ«ترابها زعفران» هو «نصوص إسكندرية». ويعتقد أن «هذه النصوص كولاج قصصي يقارب التقنية التي يعرفها الفن التشكيلي؛ إذ تضم صورًا وشذرات شتى، قد تكون من خامات مختلفة ومن مصادر متنوعة، إلى بعضها بعضًا، فتعطي لوحة جديدة»(٦). إن سعي إدوار الخراط المستمر إلى «الكتابة عبر النوعية» يمنح النص توترًا غير مسبوق، ويجلب المزيد من الإمكانيات لتوقعات القراءة لدى القراء.
خاتمة
يستكشف إدوار الخراط الدلالات المتعددة الأبعاد لقضايا الهوية من خلال نظريته الأدبية المميزة وممارسته الإبداعية. وبما أنه كاتب مصري قبطي، فإن فهم إدوار الخراط للهوية الدينية لا يقتصر على هوية محددة ومنطق المعارضة الثنائية، بل إنه يعيد تشكيل الهوية المصرية التعددية والمرنة في الحوار بين الأقباط والعرب، بهدف بناء هوية دينية أكثر شمولًا. ولكونه إسكندريًّا وُلِدَ ونشأ في هذه الأرض، استخدم أسلوب الكتابة الموضعية لتفكيك أسلوب الكتابة الحضرية للكتاب الغربيين بمنطق الخطاب الاستشراقي، وإعادة بناء صورة الإسكندرية من منظور شرقي.
هوامش:
- Edwar al-Kharrat, Cultural Authenticity and National Identity, in Diogenes, May 2005, p.24.
- إدوار الخراط، «ترابها زعفران: نصوص إسكندرية»، دار الآداب، (بيروت، 1991م)، 10.
- إدوار الخراط، «رامة والتنين»، دار ومطابع المستقبل، (الإسكندرية، 1993م)، 224.
- إدوار الخراط، «إسكندريتي: مدينتي القدسية الحوشية»، دار ومطابع المستقبل، (الإسكندرية، 1994م)، 7.
- إدوار الخراط، «يا بنات إسكندرية»، دار الآداب، (بيروت، 1990م)، 81.
- إدوار الخراط، «إسكندريتي: مدينتي القدسية الحوشية»، 5.
بواسطة ماجد خطاب - كاتب سعودي | مارس 1, 2024 | نصوص
في غرة شهر آب حينما بدأت الشمس تلتهب وتذيب ما تحتها، اخترق ضوؤها زجاج أحد مقاهي مدينة الرياض واستقر على منضدة الشابين الجالسين للتو بمحاذاة الزجاج، وهما في هذا المكان الهادئ وحدهما؛ إذ إن الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا، ما يعني ازدحام الطرقات بخروج الموظفين الحكوميين وطلاب المدارس والجامعات من أعمالهم.
وهذان الشابان تنافرت طبائعهما وكان من المحال أن تتلاءم فيما مضى، بيد أن منعطفات القدر جمعتهما وقاربتهما وآلفت بينهما، وخامرهما ما يخامر الأصدقاء مستأنسين بالرفقة ونعيمها، وترسخت أواصرهما وابتهجا بقضاء الوقت معًا، متقاسمين الاهتمامات والهموم، ومتعاضدين في شؤون الحياة كلها، فكانا على شفا الذوبان في ذات واحدة.
وبمرور الأيام وتقادم عهدهما معًا، غشي سامر الشك، الماكث على يمين المنضدة في هذه اللحظة، وصاحب التقاطيع الحادة والرداء المتواضع، الذي آل به الحال إلى تمحيص أفعاله والتدبر فيها، عساه أن يبرئ نفسه مما أصاب صديقه عمر الجالس أمامه، ذا الوجه الطفولي المتزين بهندام راقٍ وسحنة هادئة، وفي الآونة الأخيرة أخرج نفسه من دائرة الاتهام، وطفق يوجه تفكيره إلى منحى آخر.
استهل عمر الحديث:
– أحتاج إلى التركيز فيما سيدور بيننا، وذلك يحدث بوجود مشروب على الأقل.
التفت للنادل وناداه:
– ماذا لديك؟
مشى النادل بخطى وئيدة وبيده القائمة التي جال بصر عمر بها، ثم رفع رأسه وسأل صاحبه:
– ما رأيك؟ بارد أم حار؟
– لا يعنيني ما تختاره، غايتي من الحضور هو النقاش.
– أرجوك، ركز معي قليلًا، بارد أم حار، أيهما أحتسي؟
استنشق سامر الهواء من أنفه إلى أن امتلأ صدره، وصدح قائلًا:
– كفاك تهربًا! طاقتي ضاقت من تسويفك.
– أعلمتك عن رغبتي في مشروب يجعلني متفاعلًا معك، تريث إن سمحت.
– ألم تحتقرني ثلاثة أشهر بتجاهل اتصالاتي ورسائلي؟ وفجأة تخطرني بأن أقابلك هنا، لقد أجبرتني على القدوم بملابس معيبة، وأيضًا انتعلت حذاءين مختلفين عن بعضهما.
– ذكرني أن نتحاور حول هذا الموضوع تحديدًا، ودعني أصارحك، هندامك ليس مخجلًا إلى هذا الحد، ولكن رجاءً ساعدني.
أجاب سامر بنبرة خافتة:
– الله المستعان، اختر أول ما تراه.
– اهخ، تسخر مني القائمة، إنها كعكة بالليمون.
– أستغفر الله، المشروب الذي تنظر إليه اختره.
– ما دمت تصر على مضايقتي، سأفكر بصوت عالٍ، بما أن الطقس في الخارج ساخن، ربما انتقاء ما هو حار يعد قرارًا خاطئًا، مع أن هناك دراسة علمية أوضحت أن المشروبات الساخنة يمكنها تبريد الأجساد.
– أظن أنك الزمهرير بعينه.
– ماذا تعني؟
– لا عليك. أكمل البحث.
أرجع عمر القائمة وطلب من النادل:
– قهوة مثلجة، كم ستستغرق في تجهيزها؟
– خمس عشرة دقيقة.
قاطعهما سامر مدهوشًا:
– إنه بلا ريب جنون واستخفاف بي.
– ماذا أصابك؟
– نعم. أيمكن أن يكون غير ذلك؟ يؤسفني افتقارك للهفة الرابطة بيننا، ويؤلمني حدسي كلما أطلعني على حقيقة ضجرك مني، أتتصور أنني استُهلكت بعدما أشبعت فضولك؟ على أقل تقدير بادلني الاحترام، وبجل السنوات والتجارب التي جمعتنا، أيمكنك فعلها؟
– حيرتني. ابتغيت القهوة لتمنحني النشاط، وبغتة أجدني مدانًا؟
– الموضوع أعمق مما تعتقده.
– كيف؟
– لاحظ فرارك المتكرر مني آخر ثلاث سنوات من أصل ست سنوات، وستعي…
– هل القهوة أنبأتك بهذا؟
– كفاك ثرثرة وأسئلة لا داعي لها، إنني سئمت من افتقارك للمروءة والنبل، ولعلمك… تحققت من أمرك، والتقيت إخوتك، وأكدوا لي ما كنت أتوجس منه، أنت غريب ولم أعد أفهمك؛ تارة تقضي أوقاتًا مع أصدقاء جدد صاحبتهم في الجامعة كما أطلعني أخوك الأصغر، المحترم واللبق، وتارة تمكث في حجرتك أيامًا… ما أغرب أفعالك! ومرة تلزم مرافقتي ولا تنفك عن إعلامي بأنك تسكن إلي؛ أرجو أن تصبح صديقًا ناضجًا، وتكف عن أعمالك القبيحة.
– أترى؟ إنه سيل جارف من التهم، ولا أستطيع مقاومته قبل مجيء الكافيين الذي سينعش قواي.
– لو ناقشنا الموضوع منذ البداية لانتهت المشكلة.
– أنحن هنا لأجل مشكلة؟ كان بإمكانك أن تتأنى ريثما أطلب وآنئذ نتحاور، لقد أهدرت الوقت وما زال المسكين يقف بيننا.
– دعه يذهب، ولكن لديه عشر دقائق لا غير، إنه حليب يمزجه بالإسبريسو… بمقدوري صنعه في ثلاث دقائق.
تبسم عمر في وجه النادل وأذن له بالذهاب، وعقبها تحسس شعر رأسه متأكدًا من تناسق تصفيفه. انتبه له سامر وأعاده إلى مبتغاه:
– هيا كلِّي آذان مصغية، قل لي ما دهاك؟
– ألم أذكر لك أنني سأنتظر القهوة ثم أتحدث؟
قهقه سامر، وحين انتهى أضاف:
– أنت من أراد سلوك الطريق الرديء… لست أنا، وليشهد الله على بذلي قصارى جهدي.
– في الواقع أنهكت من طريقة تعاملك معي.
– فكر بما تشاء.. ولكن فضلًا، كم الساعة الآن؟
نظر عمر إلى ساعة يده، ورد:
– الثانية والثلث وخمس دقائق.
– أستمكث في الخمس والثلاثين دقيقة المتبقية؟
– لا
– وما السبب؟
– نسيت إبلاغك عن الوقت المتاح لي، أنه نصف ساعة فقط؛ إذ دنا موعد الاختبارات النهائية ويتوجب علي مراجعة الدروس بتفانٍ لأحقق أعلى الدرجات، ما عليك إلا رؤية مقرراتنا… وتدرك ما أعنيه، لم أتوقع أن الهندسة صعبة الدراسة، إننا نغور في المواد وجزيئاتها، كما ستتعجب إذا أخبرتك عن الغازات المتطايرة في الهواء، كم هي أعجوبة.
– وتدرس كذلك عملية تشغيل المحركات وطريقة أدائها، وحساب كمية المواد التي تعلكها… أعرف ما ستقوله مسبقًا.
– صحيح… وعودًا على بدء، ها أنا نسيت وعليك تقدير ظرفي، وإن سألتني عما سأفعله، هو أن أحد الأصدقاء سيصطحبني للمذاكرة، وقد أشعرته بوجودي هنا وسيأتي في الموعد المقرر، إنه ضليع في الهندسة وانتفعت منه…
خيم الصمت، وفي أثناء ذلك استقر كوب القهوة بين يدَي عمر الذي شربها متلذذًا، أما سامر فأظلم وجهه، وخالجه ضيق في قلبه، وفراغ في روحه، وشعر بتلاشي المعاني من أمله، واعتصر قلبه من الوجع وعثا به الخذلان… وأخيرًا صفعه على وجهه، فأفاق مصعوقًا، وسرعان ما اندفع بتفكيره يبحث ويفتش عن طريقة يعامل بها البشر بمبادئ مختلفة، علّه أن يهتدي إلى آلية تمنعه من التفكير بإفراط، وتمكنه من السيطرة على نفسه حتى لا تُخيل إليه صفات مثالية بعيدة من البشر أيما بُعد، وإذا به يجاهد عقله لا سيما أن اليأس يتدفق في مناحي أحاسيسه، وبدوره يهاجمه بسلوك لم يعهده على نفسه.
وهو في وسط التفكير، قاطعه عمر:
– يا الله، ما أجملها! أتريد أن أطلب لك؟ أقسم لك بأن مسامات عقلك ستتفتح… لا أدري ما بك واجمًا، ربما عليك تذوق هذا المشروب. إن سمحت لي سأطل من تحت الستارة، من المحتمل أن يصل دون علمي. أوه! نعم. يا للصدفة! أليس أمرًا عجيبًا؟
لملم عمر أغراضه من على المنضدة، واستأذن ملقيًا كلامًا اعتياديًّا من باب الأدب.
بواسطة محجوب محمد آدم إسماعيل - أكاديمي سوداني | مارس 1, 2024 | مقالات
كم كان حزني عميقًا، ومراسلي من الخرطوم ينبئني بما حلَّ بداري من النهب في أحداث السودان، وأنهم ما تركوا لي شيئًا يذكر… فسألته بعفوية: وما حال مكتبتي؟! قال بامتعاض: ليس بها من بأس، غير أن بعض الكتب مبعثرة في الغرفة، فتنفست الصعداء حامدًا، فجاءني صوته مستفزًّا: ومن يحتاج إلى كتاب! لم أشأ أن أبيّن له أني لطول ما عاشرت كتبي، وأدمنت الجلوس بينها، قارئًا أو مقلبًا لصفحاتها؛ أراها أقيم ما في داري من مقتنيات جمعتها منذ طفولتي كتابًا كتابًا، وأعرف أحوالها، ونوع غلاف كل كتاب، وأكاد أذكر ما وضعت من خطوط في بعضها تحت نصوص وعبارات كنت أراها جديرة بمراجعتي لاحقًا، أو مفيدة في بحث أكتبه، أو محاضرة ألقيها.
بعض كتبي، أو قل أكثرها، اشتريتها مما كان يفرش على الأرض في وسط الخرطوم بغير قيمتها، أو مكتبات الكتاب المستعمل في مدينة الرياض، أو من باعة كتب الأرصفة في وسط القاهرة، ولا سيما أمام دار الأوبرا القديمة أو سور الأزبكية، وأظل الساعات الطوال أقلب في معروضات الكتب على تأفّف الباعة، وما أكثر ما أجد في هذه المعروضات من الكتب القديمة أو الحديثة كتبًا نادرة، ومفيدة لي جدًّا؛ وأوشكت بالخبرة أن أميز من يغلي لي السعر حسبما يبدو له من ملابسي أو أسلوبي في السؤال عن كتب بعينها، فإن لم أجد ما يغريني بشرائه انتقلت إلى المكتبات شاريًا، أو قارئًا في مكتبة الجامعة.
لم تكن مشكلتي منحصرة في غلاء أسعار الكتب في المكتبات مقارنة بكتب الأرصفة، أو بُعد المكتبات عن مكان سكني، وما يلزم الانتقال إليها من زمن ومال، بل إنك قد لا تجد في هذه المكتبات بعض ما تحتاج إليه؛ فتضطر إلى أن تنتقل إلى مكتبات الأرصفة لتجد أمامك سيلًا مما تبحث عنه أو مجموعة من الكتب النادرة؛ ذلك أن غالب مصادر كتب الأرصفة من مكتبات خاصة لبعض العلماء أو المثقفين الذين أنفقوا كثيرًا من المال في تجميع تلك الكتب، وتركوها بسبب موتهم أو فقرهم فتخلص منها الورثة بأقل من سعرها كثيرًا، وقد يكون بعض مصادر هذه المكتبات من طلاب علم استنفدوا حاجاتهم من مراجع مهمة؛ فتخلصوا منها ببيعها.
الكتاب في قيمته العلمية، ويغلو عندي بحسب حاجتي له، ولا أفكر إذا ما اشتريت كتابًا أن أزين به جدارًا في داري، بل إن زينة الجدار عند زوجتي الحبيبة أن يكون خاليًا من الكتب ونحوها. وهي تعرف، كما أعرف، أن لا حاجة لزوارنا مما نمتلكه من الكتب، قد يكتفي بعضهم بتقليبها، وقد يقرأ منها عنوانًا، ثم يسألك عن بعض أخبار السياسة أو السوق، ثم يعود إلى مقعده بعد أن ينفض يديه.
مهارات التحرير العربي
آلمني مرة أن وزير التعليم الإقليمي كان يزور محليتنا، فلما عرّفوه بي طلب مني أن أهديه كتابي «في مهارات التحرير العربي»، وأن أكتب له إهداءً مني له، ففعلت سعيدًا، فلما انفض الحفل وجدت كتابي حيث وضعته. من الجانب الآخر ظللت أبحث عن كتاب شرح العكبري لديوان المتنبي لرسالة كنت أعدها، حتى وجدته بحالة جيدة معروضًا على الأرض أمام الجامع الكبير في وسط الخرطوم، فضبطت نفسي حتى لا يشعر البائع مدى اهتمامي به، ونجحت الخطة إذ لم يساومني في سعره كثيرًا، ولو أغلاه لي لكنت اشتريته لحاجتي له. في تلك الأيام كنت قد نقلت بخط يدي «كتاب الصناعتين» لأبي هلال العسكري، ومجموعة ضخمة من النصوص الشعرية مشكَّلة من كتاب «يتيمة الدهر» للثعالبي، بأجزائه الأربعة؛ لما حوته من نصوص لمجموعة من شعراء القرن الرابع للهجرة، ولم أحزن كثيرًا لما بذلته من الوقت والجهد في نسخ كل ذلك؛ لما وافاني صديق بهذه المصنفات فيما بعد.
وقد تيسر لنا اليوم عدد هائل من المراجع الإلكترونية، ويصيبني النهم لكي أضيف مجموعة طيبة من المراجع يومًا بعد يوم إلى ما عندي من المراجع في الحاسب الآلي، ويسرت لنا المكتبة الشاملة، جزى الله القائمين عليها خيرًا، مجموعة بلغت رقمًا ما كنت أحلم أن أجده في مكتباتنا، وكذلك الشأن فيما يتوافر لنا في الشبكة العنكبوتية من مواقع الكتب والرسائل؛ لا من حيث السهولة في الاستفادة من أي كتاب فيها أو نسخ أي نص منها؛ ومع كل ذلك فإن هذه الكتب والأبحاث الإلكترونية لا تقدم لي ما كانت تقدمه النسخ الورقية من المتعة في التصفح، وتقليب الصفحات، وقراءة الفهرست ونقل النص، وحبذا إن وجدت فيما تتصفحه غبارًا؛ فإنك واجد حين تنفض عنه ما ران عليه منه، ما تشعر به من الحنو وأنت تنفض عن طفلك ما علق به من آثار اللعب.
وفي الوقت الذي حظينا فيه بما وفرته شبكات الإنترنت من الكتب والمراجع، ارتفعت تكلفة طباعة الكتب لارتفاع قيمة مواد الطباعة، وضعف العائد من الطباعة بالنسبة للكاتب ودور النشر، وعدم إقبال القراء لشراء الكتب إلا ما كان ضروريًّا في دراسة أو إجراء بحث؛ فاتجه كثير من الكتاب إلى النشر الإلكتروني مجبرين؛ فهل ستصبح المكتبات الورقية عبئًا ينبغي التخلص منها؟ وما مآلات ذلك على المؤلفين، وما يترقبونه مما يمكن أن يدر عليهم ماديًّا؟ وكيف لهم أن يتصرفوا في حقوقهم المالية من ريع مصنفاتهم؟ وغيرها من الأسئلة…