بواسطة أنيس الرافعي - قاص مغربي | مارس 1, 2024 | نصوص
«بُنيت هوية الشعوب البدائية على نشوة شامانية، على هذه العلاقة الافتتانية مع العالم الآخر، حيث يستطيع كل رجل، بفضل هبة الأحلام، أن يختلط بالدنيا الثانية».
جون ماري غوستاف لوكليزيو، الحلم المكسيكي أو الفكر المبتور، ص 164
في زاويتكَ المفضلة بمقهى «العَالَم» بساحة السراغنة، حيث تجلس يوميًّا لشرب قهوتك المركزة، استعرت الجريدة من أحد الجالسين، ثم قرأتَ خبرًا طريفًا عن عثور علماء مكسيكيين، بين أنقاض وأحفورات موقع أثري معروف، على قرص حجري يعود لحضارة المايا عمره ما يقارب ألف عام.
القرص ذاته، الذي يبلغ قطره قامة إنسان تقريبًا ووزنه تسعين كيلو غرامًا، كان منحوتًا بكتابة هيروغليفية مستعصية، تعج حوافها الدائرية برؤوس سهام صخرية مسننة، وعظام بشر مضحى بهم على المذابح، وهو يصور على نحو مبهرٍ معركة حربية غامضة، مقلوبة الأدوار بين محارب صياد صلب عتيد، وامرأة ضئيلة قصيرة القامة؛ إذ إن المحارب الصياد، المسلح بقوس، والمعتمر لغطاء رأس مزين بالريش، على هيئة عمامة أفعى ملكية مميزة لراقصي الطقوس الشمسية في الأزمنة الغابرة، انبطح مثل طريدة صاغرة على ظهره متلويًا منقبضًا من الألم، جراء إصابته بنصل حربة معدني مدبب في عظمة ساقه اليمنى، وعلى ما يبدو أن المرأة الملفوفة بوشاح من نمط زهرة الزنبق هي من سددت إليه هذا الرمح البليغ؛ لأنها تمسك بيدها الساق الخشبية المكسورة للرمح الغدار.
أعدتَ الجريدة إلى صاحبها، مخفورة بكلمة شكر وابتسامة، ثم نسيتَ أمر ذاك القرص الحجري العجيب، غير أنه سرعان ما عاد في اليوم نفسه إلى مهب حياتك على شكل حلم همجي، ثم تكرر في غضون الأيام التالية بدون هوادة، إلى درجة كنت تصغي فيها إلى أصداء الصرخة المُعَذبَة للمحارب الصياد، وإلى الصيحات الرهيبة لضحايا الولائم الشعائرية لآكلي لحوم البشر.
استعنت من الصيدلية القريبة من بيتك بحبوب منومة قوية، لعل كوابيسك المهلوسة تضمحل إلى غير رجعة، إلا أنك لما كنت تفيق من نومك عصر كل يوم ثقيلَ الحركة كقطعة صوان، تكتشف أن جسدك شرعت تغزوه من جميع الأنحاء نقوش ورُقوش هيروغليفية آبدة من الحيوان والنبات.
بل الأدهى من هذا، أخذتَ تعثرُ وسط فراشك على بقايا وفيرة ممزقة لريش وأوراق زنبق. تنظفها بصعوبة بالغة مستعينًا بمكنسة، بالنظر إلى ما صرت تُلاقيه من عنتٍ في المشي، كما لو أن ذاك القرص الحجري انتقلت عدواه ونقمته إليك عبر معراج الحقب، وتقمص بالكامل حجمك ووزنك، لتستحيلا معًا صنوين لدودين.
وفي الأسابيع التالية، ليلة بعد ليلة، برزت ندوب صغيرة على ظهرك كأنها جروح سنان السهام، وطفقت عظمة ساقك اليمنى ترسل لك صداعًا ووجعًا لا يحتملان. فشلتَ في السير تمامًا، وظللت ملازمًا سريرك، مقتنعًا تمام الاقتناع أن نصل حربة معدنية مكسيكية(*) صدئة، يعود إلى ألف عام، نفذَ عبر عظمة ساقك الجريحة جرحًا لا يبين ولا يتجلى، نفذَ بطريقة ما إلى شغاف فؤادك؛ كي يغدو هاتفًا غيبيًّا، وتحذيرًا إلهيًّا تلقيته من الماضي البدائي السحيق.
طوال شهرين كاملين، كان هاتفك الخلوي يئن مريضًا، ما بعد منتصف الليل، على وقع المكالمات الهستيرية للمرأة المزعجة سيئة الطباع، تلك التي تسللت إلى تربة حياتك كعشبة سامة ذات جذر شيطاني. نذرتَ على نفسك ألا ترد عليها. لم ولن ترد على الإطلاق برًّا بقسمك الجازم. وحين توقف الرنين العدواني لهاتفك، تخففَ وزنك، وغاضَت أوشامك في جلدك، واندملت جراحاتك، ثم انفرط إلى الأبد ألم عظمة ساقك!
(*) إحالة:
إنها «المكسيك» الشامانية، تلك التي يحدث أن نسافر إليها في أثناء النوم، أو الحلم، أو الغيبوبة، أو المرض، أو الكتابة، أو نشوة التخدير. الجغرافيا الوهمية المحاطة بسياج مصنوع من الأرواح. المكان البعيد تمامًا، الذي «يمكن أن نتكلم عنه، حتى وإن لم نكن قد زرناه من قبل»، إذا ما رغبنا في استعارة هذا القانون الأدبي الطريف من الناقد النفسي الفرنسي بيير بيار، الذي ألمح، تحديدًا، إلى العديد من علماء الأعراق، الذين وصفوا أمكنة وشعوبًا وعادات وتقاليد معقدة، دون أن يبارحوا بيوتهم، فمنحوا كثيرًا من الأماكن الخيالية أو غير الموجودة أبعادًا واقعية جدًّا، على طريقة ألبرتو مانغويل في «معجم الأماكن المتخيلة»، أو إيتالو كالفينو في «مدن لا مرئية»، وجيديون ديفوي في «أطلس البلدان المنقرضة».
انظر: مقالة الناقد حسن المودن المعنونة بـ«في الأدب، ما معنى أن تسافر إلى مكان بعيد؟»، ضمن كتاب «الأدب والتحليل النفسي»، صص117-126.
بواسطة نذير الماجد - كاتب سعودي | مارس 1, 2024 | مقالات
منذ أن شهد الفكر الاجتماعي بدايته المنهجية في القرن التاسع عشر تنامت النظريات الاجتماعية وتشعبت. لقد أنجبت المادية التاريخية الصراعية المحدثة، وكان ماكس فيبر مع كارل ماركس وضده في الآن نفسه. كان معه في تاريخيته وضده في محتواها المادي، مانحًا أهمية متزايدة للثقافة والقيم. أما وضعية أوغست كونت وأفكار دوركايم فقد أنجبتا البنيوية الوظيفية التي تُعَدُّ من أبرز النظريات السوسيولوجية المعاصرة.
تعود جذور البنيوية الوظيفية إلى نهايات القرن التاسع عشر، وقد كانت البنيوية الأنثروبولوجية مع كلود ليفي ستراوس رافدًا أساسيًّا في تكوين الأساس الإبيستمولوجي للنظرية؛ إذ يفهم المجتمع بصفته كيانًا مستقلًّا عن أفراده. لا تفهم الأجزاء إلا في إطار الكل. غير أن البنيوية لا تتسم بالكلية فحسب، بل هي ترتكز على مفهوم أكثر أهمية هو انحسار الذات، لصالح العلاقة والبناء المتصف بطابعه المتعالي، وما الذات إلا حصيلة عمليات تتجاوزها وتعلو عليها. البنية في ماهيتها نظام يتألف من عناصر مترابطة تتسم بالثبات النسبي، وبما أن للعلاقة بين العناصر أسبقية منطقية على العناصر ذاتها، فسيكون التحليل التزامني أكثر أهمية من التحليل التتابعي، وسيكون هو الأصل في كل عملية تحليلية.
على أن البنيوية الوظيفية لا تعالج البنى وحسب، بل تقرنها بالوظيفة، مقتفية خطى سبنسر ودوركايم؛ إذ «لا بناء من دون وظائف اجتماعية، ولا وظائف اجتماعية من دون بناء»، كما يقول رائد الوظيفية بارسونز. وهي إذ تفعل ذلك فإنها تقيم تناظرًا استعاريًّا بين الجسد والمجتمع، تمامًا كما فعل سبنسر ودوركايم. فالمجتمع جسد يتألف من مكونات مترابطة بنيويًّا ومتساندة وظيفيًّا، على أن يكون هذا النسق متعاليًا فوق إرادة أفراده وتأثيرهم.
صياغة نظرية شاملة
شاعت البنيوية الوظيفية بعد الحرب العالمية الثانية، في سياق تاريخي يسوده الصراع بين العالم الرأسمالي والعالم الاشتراكي؛ إذ ينظر إليها بصفتها النظرية السوسيولوجية التي بإمكانها أن تحل محل الماركسية، بوصفها نظرية نقدية تستهدف تفكيك المجتمع الرأسمالي ونقده، في حين شكلت الوظيفية محاولة لفهم هذا المجتمع وتحليل بناه وعملياته وآلياته. وقد بلغت الوظيفية أوجها في منتصف القرن العشرين، وبخاصة مع رائدها الشهير تالكوب بارسونز (1902- 1979م) إذ زوّد الوظيفية ببناء نظري متناسق، وشكل مدرسة شاعت في أوساط علم الاجتماع.
يعد بارسونز الذي جمع بين الفعل والبنية، محتذيًا دوركايم وماكس فيبر، واحدًا من أصحاب النظريات الكبرى. وصف ذاته بأنه «المريض بداء التنظير»، فلا غرابة أن يكون طموحه المعرفي صياغة نظرية شاملة تستوعب كلية الحياة الاجتماعية، وما علم الاجتماع في تصوره إلا ذلك «العلم الذي يسعى لتطوير نظرية تحليلية لأنساق الفعل الاجتماعي بالاستناد إلى سمة التكامل والإجماع القيمي المشترك».

ماكس فيبر
إن الفكرة المركزية التي تنتظم حولها البنيوية الوظيفية هي فكرة الاستقرار والنظام، وهي تشكل إجابة شاملة عن سؤال أولي مفاده الكيفية التي يكون بها النظام الاجتماعي ممكنًا: «لماذا يعيش الناس معًا دون أن يحطموا بعضهم؟». هذا السؤال يعيد الذاكرة إلى فكر الفيلسوف البريطاني «هوبز» الذي أقام عليه مفهومه للعقد الاجتماعي، وصاغه بارسونز على نحو تندمج فيه معايير المجتمع مع المعايير ذاتها داخل الفرد، حيث هناك توافق دائم بين قيم الفرد وقيم المجتمع، وهذه الصياغة هي اللبنة الأساسية في سوسيولوجيا بارسونز.
يتكون المجتمع عند بارسونز من وحدات الفعل الصغرى. ومن مجموع هذه الوحدات يتشكل النسق؛ إذ يرتقي التركيب السوسيولوجي من تحليل وحدات الفعل الصغرى نحو تكوين النسق. والفعل الاجتماعي بنية تتشكل من عناصر الفاعل ذاته والموقف الاجتماعي والقيم الثقافية الموجهة لفعله. لهذا فإن الفعل نسق يضم أنساقًا فرعية تبدأ من العضوي «الحاجات»، ثم الشخصي فالاجتماعي فالثقافي. ويتصاعد التحليل وصولًا للأنساق الرئيسة الماثلة في النسق السياسي والنسق الاقتصادي والنسق الثقافي والنسق الاجتماعي.
المجتمع أنساق، والنسق نمط ثابت من التفاعل؛ ذلك أن أساسه هو الفعل القصدي والنشيط والمبدع، والذي يهدف إلى إشباع حاجة ما؛ إذ يهدف كل فاعل إلى أقصى إشباع ممكن، وعندما يتحقق الإشباع يكون ذلك مدعاة لتكرار الفعل مدفوعًا بتوقع استجابات مماثلة، مؤطرة بمعايير وقواعد وقيم ثقافية تحظى بالإجماع. هذه القواعد الثقافية تشكل ضمانًا لاستمرار تلك الاستجابات، وتعزز توقعات الدور الاجتماعي، وهذا يؤدي إلى تنميط الأدوار الاجتماعية بصفتها حلقة الوصل بين الفاعل والمجتمع، لتشكل انتظامًا سلوكيًّا يدعى نسقًا، على هذا النحو تتطور شبكة من الأدوار المرتبطة بتوقعات سلوكية محددة فتنشأ المؤسسات الاجتماعية الأولية وتتكون منها الأنساق الفرعية والكبرى.
تدخل هذه الأنساق في علاقات ذات طابع وظيفي تساندي. وكل نسق محكوم بشروط وظيفية تتمثل في التكيف والتكامل وإدارة التوتر وتحقيق الأهداف. وسيقود كل تغير في نسق ما، بناءً على هذه العلاقة التساندية التكاملية، إلى تغير في الأنساق الأخرى. إن التغير واقعة تاريخية واجتماعية، لكنه يبدو في فكر بارسونز واقعة إشكالية، فبما أن المجتمع مكون من أنساق ثابتة محكومة بإجماع قيمي ثقافي ويتسم بالثبات والديمومة، فسيكون التغير واقعة استثنائية تعرف بصفتها «تكيفًا تطوريًّا مستمرًّا لمختلف الأنساق المكونة للمجتمع»، ليس التغير سوى تطور داخل البنية، وعليه ستستبعد احتمالات التغير الجذري والثوري الماثل في تغيير البنية ذاتها، وما ذلك إلا بغية التأمين النظري -حتى لا نقول الأيديولوجي- لوظيفة أساسية هي استقرار المجتمع ذاته.
الوظيفية الجديدة
من الواضح أن هناك، في المنظور الوظيفي، ميلًا دائمًا وحتميًّا نحو التوازن بين الأجزاء المكونة للنسق سعيًا نحو تثبيت حالة الاستقرار. وعندما يحدث تفكك اجتماعي ناجم عن أزمة ما، كالتضخم وارتفاع الأسعار مثلًا، فإن على مكونات المجتمع وعناصره التكيف على نحو يعيد الاستقرار والتوازن، من خلال إجراءات تقشفية مثلًا، أو خفض النفقات والأجور. على البنية أن تستقر. والاستقرار يجب أن يكون دائمًا وأبديًّا. ويعتمد تثبيت الاستقرار والتوازن على عمليات التنشئة الاجتماعية التي تؤدي وظيفة إعادة إنتاج الثقافة ونقلها بين الأجيال من جهة، ووسائل الضبط الاجتماعي من جهة أخرى كالقانون وأساليب النبذ العرفي وأجهزة القمع، وهو ما يصبغ الثقافة بطابع المحافظة والديمومة، ويعطل كل احتمالات المشاركة في إعادة بناء الثقافة أو تجديدها.
هكذا نلحظ كيف جعل بارسونز التكامل الوظيفي والإجماع القيمي في قلب نظريته، وهو ما جعلها قاصرة عن فهم وتفسير بعض الظواهر الاجتماعية كالتمرد والصراع، وهو الأمر الذي جعل الأبواب مشرعة أمام تلميذه «روبرت ميرتون» ليطور أفكار أستاذه.

تالكوب بارسونز
انتزع ميرتون وهو الذي يعرف بصفته مؤسس الوظيفية الجديدة، الطابع الإطلاقي من النظرية الوظيفية مضفيًا عليها طابعًا نسبيًّا. لقد كان الأستاذ مغاليًا ومتفائلًا وغامضًا، فكان على التلميذ الانخراط في مهمات نقدية، إبستمولوجية وسوسيولوجية. على النظرية أن تقترب من الواقع والحياة. لا بد لها أن تتسم بالواقعية والتواضع. يلزمها التخفف من أعبائها التجريدية بالدنو أكثر من تفاصيل الحياة الاجتماعية؛ لذلك راح ميرتون يستبدل بالنظريات الكبرى ما أسماه نظريات المدى المتوسط، تلك التي تقع بين الفرضيات الأمبيريقية الأقرب إلى الواقع، والنظريات الكبرى التجريدية.
إن ميرتون وظيفي، لكن الوظيفة لديه لم تعد أحادية الشكل وبسيطة شأنها عند أستاذه؛ إذ هناك وظيفة ظاهرة مقصودة من البناء الاجتماعي، ووظيفة كامنة غير مقصودة وغير معلنة. لكنه لم يكتفِ بذلك؛ بل نزع عنها صفة الإطلاقية عبر ما أسماه اختلالات وظيفية، حيث يمكن النظر إلى ما هو وظيفي في سياق ما على أنه إعاقة وظيفية في سياق آخر. وبذلك تبدو وظيفية بارسونز ساذجة وقاصرة عن بلوغ واقع الحياة الاجتماعية الأكثر تعقيدًا وتركيبًا وتناقضًا مما تخيل الأستاذ الحالم.
ليس المجتمع بهذه الصورة الحالمة وذلك التجانس كما تزعم سوسيولوجيا بارسونز. ثمة قدر تراجيدي يصيب فئات عديدة من المجتمع. يتوخى المجتمع من أفراده التكيف مع الأدوار التي يرسمها لهم، غير أنه لا يوفر لجميع الأفراد الوسائل ذاتها الكفيلة بتحقيق تلك الأدوار؛ لذلك نرى ميرتون يتوسع في تحليل أنماط التكيف والاستجابات مدخلًا إليها نمط التمرد إلى جانب أنماط الامتثال والانسحاب والطقوسية والابتداع. ونمط التمرد هذا يشكل مدخلًا إلى إعادة الاعتبار للمنظور الصراعي، في خطوة قد تُعَدّ تنازلًا من الوظيفية لصالح النظرية المنافسة. فالفئات المتمردة تشكل تعبيرًا عن تناقضات بنيوية وانكسارات في الإجماع القيمي المزعوم في التصور الوظيفي. المتمرد كائن ساخط لا يتبنى القيم السائدة وحسب؛ بل يسعى إلى تغييرها وقلبها. إنه الثوري الذي يشكل إحراجًا للنظرية. كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة دون مساءلة الوظيفية برمتها؟ كيف يمكن فهم ظواهر الصراع والتغير وبالتالي التاريخ دون تحفيز المجهودات النظرية لفتح أبواب السوسيولوجيا على فضاءات جديدة؟
من التجريد النظري إلى الواقع العملي
لقد تعرض بارسونز لهجوم شديد من أتباعه قبل خصومه. ليس من ميرتون وحسب، ولكن أيضًا من لدن أسماء بارزة في علم الاجتماع الغربي كألفن غولدنار ورايت ميلز. لحظ ألفن غولدنار أن السوسيولوجيا الغربية تواجه أزمة. رسم ملامحها في كتاب نشره عام 1970م بعنوان: «الأزمة المقبلة لعلم الاجتماع». يفصح الكتاب عن أن هناك اختلاطًا وتداخلًا مربكًا بين النظريات. صار كل شيء مشوهًا بنقيضه. تأثرت وظيفية بارسونز بصراعية كارل ماركس. وفتحت السوسيولوجيا الماركسية في الاتحاد السوفييتي أبوابها على الوظيفية. صارت السوسيولوجيا سديمًا مدوخًا. لم تعد النظرية نقية خالصة.
غير أنّ «رايت ميلز»، وهو عالم اجتماع وصف من بعض دارسيه بأنه «تروتسكي تكساس»، يعيد الأزمة إلى اعتبارات إبيستمولوجية، تمامًا كما فعل ميرتون. الولع بالنظرية جعلها لغوًا، تجريدًا متعاليًا على الواقع، ثرثرة لا تضيف شيئًا. لا بد من ملء البناء النظري بالمضامين الأمبيريقية، لتكون النظرية مفصلة على مقاس الواقع دون أن تشطح بعيدًا في سماء التجريد، كما فعل بارسونز. نقرأ في كتابه «النسق الاجتماعي» نصًّا مُعَبَّأً بكل ما هو غامض وحشو وبديهيات بأسلوب عسير يخفي التحيز الأيديولوجي لصالح الرأسمالية الظافرة في المجتمع الغربي.

توماس هوبز
يخبرنا «رايت ميلز» أن الرعب من الماركسية أصاب الوظيفية بالوهن التفسيري وضمور الحس التاريخي. بيد أن إنضاج النظرية مشروط باستحضار ماركس وتاريخية ماركس. التاريخ يمثل مدخلًا منهجيًّا مركزيًّا في كل سوسيولوجيا ممكنة. بتغييب الماركسية يغيب عمق وجوهر السوسيولوجيا ويهمل بعد أساسي في البناء الاجتماعي هو التاريخ والتغير. ليس ثمة سوسيولوجيا ممكنة إلا وهي «ماركسية بالضرورة». لا بد من الإصغاء لماركس لكي نتمكن من بناء مخيلة سوسيولوجية قادرة على الفهم والاقتراب من الواقع. هذا الواقع محك النظرية وفيه تمتحن. الواقع الاجتماعي المعاصر متخم بالمشكلات. ترد الوظيفية المشكلات إلى قيم الأفراد؛ إذ هي ناجمة إما عن عجز في التكيف أو انحراف عن القيم وانتهاك الإجماع القيمي المتخيل. يُفَسَّر الفقر مثلًا بعوامل شخصية؛ الفقراء مسؤولون عن فقرهم. ترد المشكلات دائمًا إلى السيكولوجيا، في حين تردها الماركسية إلى تناقضات بنيوية. فبنى المجتمع هي المسؤولة عن مشكلاته وليس الأفراد، إنها مشكلات بنائية اجتماعية لا نفسية أو شخصية، وعليه فالتغيير مقولة حتمية تقع في صلب الواقع والنظرية، وإهمالها يكشف عن قصور نظري أو انحياز أيديولوجي مسبق ومتعمد.
هل هو انحياز أيديولوجي لرؤية محافظة؟ هي كذلك في نظر نقادها. فالوظيفية رديف لتشكيل نظري مكون من التوازن والديمومة الأبدية للبنى الاجتماعية والإجماع القيمي والتناغم الرومانسي بين مكونات المجتمع، وبما هي كذلك فهي عضو جديد يضاف إلى جسد السوسيولوجيا المحافظة، منذ أوغست كونت ودوركايم، وهي كذلك رغم هيمنتها ردحًا من الزمن على الخطاب السوسيولوجي في المركز كما في الأطراف، عند المهيمن الرأسمالي كما عند التابع. هيمنة طالت العالم العربي كما يرى السوسيولوجي المصري عبدالباسط عبدالمعطي؛ إذ «العدد الأكبر من المشتغلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي ينتمي إلى الاتجاهات المحافظة»، ومن بينها الوظيفية التقليدية التي فقدت هيمنتها ووجاهتها المعرفية، وصارت جسدًا بلا ظلال.
بواسطة هويدا صالح - ناقدة مصرية | مارس 1, 2024 | كتب
رجل يخاف خوفًا مرضيًّا من صوت الغربان، يعاني قلقًا وجوديًّا من انتشار الأوبئة، حيث تكثر الجثث في الشوارع لتتخطفها الغربان. فرّ هذا الرجل من وباء «كورونا» تاركًا قريته قبل عقود من انطلاق السرد، وسكن مدينة أخرى بمرافقة ابنته وحفيديه، لكنه في لحظات قلق وجودية مشابهة، وبعد عشرين سنة من فراره من الوباء، يفتح دفاتر أحزانه، دفاتر يومياته؛ ليسرد لهذين الحفيدين حكاياته وحكايات أجداده عن الأوبئة. وفي أثناء ذلك يسرد طرفًا من سيرته الذاتية وسيرة قريته الصغيرة في صحراء المملكة العربية السعودية؛ لنتعرف إلى تفاصيل الحياة وسيرة الناس الديموغرافية، سيرة الإنسان في الزمان والمكان في رواية «رجل تتعقبه الغربان» للروائي يوسف المحيميد التي صدرت عن دار العين بالقاهرة.
مدينة بيضاء ميتة
إنها رواية أقرب إلى روايات الدستوبيا، حيث يعيش السارد في عام 2048م، وسط عالم فاسد بيئيًّا واجتماعيًّا. تبدأ الرواية من المستقبل، حيث يعيش سليمان الزارع مع ابنته وولديها، في مدينة «بيضاء ميتة» في إشارة لمدينة غريبة يغطيها الثلج والموات النفسي بعيدًا من الأوطان: «هل تحتفظ بالذكريات التي كتبتها آنذاك يا أبي؟ حين كنا محبوسين في منزلنا القديم في حي قرطبة؟ ليتك تقرأ عليهم شيئًا مما كتبت! تنحنح الجد، وقال لهما: تعاليا هنا أنتما بخير» (ص11). يتخذ السارد من طلب ابنته تكأة سردية ليبدأ الحكي لحفيديه إبراهيم وإسماعيل التاريخ الاجتماعي لعائلته البسيطة. لكن أية مدينة تلك التي لم يحشد السارد إشاراته الثقافية لنتعرف إليها إلا في موضع وحيد، حيث يقول: «صخب المتظاهرين بجدائلهم القصيرة وقبعاتهم الصغيرة المستديرة السوداء، وقد مروا أمامه حاملين لافتات وأعلامًا زرقاء وبيضاء، وهم يغنون احتفالًا باليوم الوطني المئة لبلادهم». فهل هي إسرائيل التي خرج العم ليحارب ضد نشأتها وضياع القدس قبل مئة عام من هذا التاريخ؟ فهل قصد الكاتب أن يحدث صدمة وعي للقارئ، بأن زمن الدستوبيا سوف يحول العدو إلى صديق؟ أم إنها مدينة لا تزال تعاديه كما عادت عمه والعرب جميعًا، ولو كانت العداوة ضمنية؛ فهي «مدينة بيضاء ميتة»؟
إن السارد يعاني غربة واغترابًا نفسيًّا، فقد فرّ من بلده هربًا من قضاء الله، إلى «مدينة بيضاء ميتة» ليعيش الغربة بعيدًا من الوطن، والاغتراب الذي لم يحققه بالاندماج مع الآخر الذي كان يومًا عدوًّا. يقول: «من أنت؟ أنا سليمان الزارع أو سليم كما يسمونني، يصغرون اسمي احتقارًا، فأنا مجرد رجل حقير، لم يستطع أن يحافظ على شيء، لا امرأة استطاع أن يخرسها حين تعصف به مجنونة كالريح، ولا أم رد عنها الأذى والموت، ولا أب استطاع أن يغسله ويكفنه، ويقبله، أو حتى يلمسه قبل دفنه، كل ما فعله أن تأمله من وراء زجاج سميك وهو يحتضر، حتى بلاده التي انفرطت من بين يديه بغتة كمسبحة في هاوية» (ص9).
يحاول السارد أن يبرر غربته واغترابه، لكن محاورة حفيديه لا تترك له فرصة للهروب من انثيال الذاكرة، يقول: «حين عاد الأب إلى غرفته، جعل يستعيد تلك الذكريات أيام حظر التجوال، وما تلاها من أحداث سريعة، وابتسم في عتمة غرفته، تذكر سؤال إسماعيل لماذا تركت بيتك وشجرة التوت التي تحبها يا جدي؟ قال: إن دراسة أمهما هديل هي السبب، فسأل إبراهيم: لماذا لم تعودا بعدما خلصت أمي من الدراسة؟ لم يجب، وإنما استمر يحكي لهما عن ذكرياته، فلا أحد غيره وهديل يعرف سبب هجرتهما… إنه الخوف المرضي الذي لازمه» (ص12).
لم يكن وباء كورونا هو الوباء الوحيد الذي أثار كل هذا القلق الوجودي في أرواح شخصيات الرواية، فها هو وباء آخر يقفز في الفضاء السردي من ذاكرة الجد صالح. إنه وباء الجدري الذي أصاب القرية قديمًا وأودى بحياة أحد أولاد الجد صالح الثلاثة، فقد غادر قريته إثر إصابة ابنه بالوباء إلى الرياض بحثًا عن علاج، لكن الزوجة تصاب بالعدوى، وتلحق هي الأخرى بابنها، ليظل الجد صالح وابناه في الرياض بمرافقة أخيه حمد. يسافر حمد ليشارك في الحرب في فلسطين، ولا يعرف عنه الجد صالح شيئًا، لكنه سمع أن كتيبة الجنود عادت إلى جدة، فقرر الذهاب للبحث عنه. وفي طريق الذهاب إلى جدة تنفتح ذاكرة السرد، سرد الوباء وما رافقه من مآسٍ إنسانية غير محتملة: «فوق جذوع الأثل على صناديق الشاحنة صوب الرياض، الصراع مع الجدري، وموت عثمان الصغير، ودفنه في مقبرة ضارج، ورحيل زوجته في ثليم، ودفنها في مقبرة شلقا، وإصابة محمد بالجدري» (ص151).
عتبات النص
عتبة العنوان تستحق تأملها بتروٍّ، فقد دأب الناس على تسمية سليمان الزارع بالرجل الذي تتعقبه الغربان نتيجة لخوفه المرضي منها. معروف عن الغربان أنها تحوم حول الجثث التي تخلفها الأوبئة. تشير الغربان إلى الأوبئة التي لم تقتصر على وباء كورونا الذي فرّ منه السارد 2020م، بل تعقب الكاتب تاريخ الأوبئة عبر تاريخ المنطقة، ما بين وباء الطاعون والجدري والكوليرا وكورونا. ويتجلى العنوان في أكثر من موضع في الرواية. يقول وهو يتذكر زميلًا له في عمله السابق: «لم تعد الغربان هي تلك الطيور التي تحلق وتنعب طول الوقت، بل حتى زميلي في العمل تضعف ساقاه وتحمران أحيانًا، ثم ينحني نحو الأرض شيئًا فشيئًا، وينبت حول ذراعيه ريش أسود، فتصبح مشيته في الممرات كمشية غراب يبحث في الأرض، أهرب منه من دون أن أفضي إليه بوساوسي، لكن الآخر… الغراب يلاحقني بصوت غير مفهوم، صوت غامض يشبه النعيب» (ص180).
أما الاقتباسات والعناوين الداخلية، فتكمل ما تحققه عتبات النص من تفاعلات نصية تخرج بالنص عن مجرد سرد الحكاية إلى جدل في الوعي وتفاعل للإشارات الثقافية؛ وهو ما يوسع منظور الرؤية. حيث يفتتح المحيميد روايته باقتباس دال من الشاعر العراقي عبدالكريم كاصد (1946م): «أيها الغراب / كف عن نعيقك / جنازة تمر»، وبالمقولة النجدية: «لا عيون إلا بعد جدري، ولا عيال إلا بعد حصباء»، وبقول جاك لندن (1876 -1916م): «الأنظمة المتوارية تنهار مثل رغوة. نعم، رغوة ومتوارية. كل كدح الإنسان على الكوكب كان مجرد رغوة». تتألف الرواية من تسعة فصول «مدينة بيضاء ميتة/ فبراير 2048»، «كيف أحرك يدي الحجرية/ مارس- فبراير 2020»، «تفاصيل منسية/ ضارج- الرياض 1939»، «سجين خلف زجاج نافذة في ملحق خارجي/ الرياض 2020»، «أوراق منسية في زمن بعيد/ الرياض- فلسطين 1945- 1950»، «يطرقون رؤوسهم كما السجناء/ الرياض 2020»، «الجنود في حقل الذرة/ الرياض- فلسطين 1948-1949»، «أعد المنظار الروسي إلى جرابه القديم/ الرياض 2020» و«الحكاية دائرة تتكرر، مايو 2048».
فلسفة الزمن
إن الاشتغال على الزمن وفلسفته رهان رئيس من رهانات الرواية، سواء زمن القصة أم زمن السرد. زمن القصة يتوزع ما بين النصف الأول من القرن العشرين وعشرينيات الألفية الثالثة وصولًا إلى نهايات النصف الأول من تلك الألفية، حيث ينطلق السرد عام 2048م. أما زمن السرد فقد فارق الكاتب الزمن التتابعي الخطي الذي يعد ثمة من سمات السرد الكلاسيكي إلى زمن يتوزع ما بين الفلاش باك أو الزمن الاسترجاعي وهو المهيمن فعليًّا على بنية الزمن السردي، والزمن الاستباقي الذي جاء، على قلته، ليكشف عن جِدَّة بناء الرواية ومعمارها.
منذ البداية يحرص الكاتب على توظيف زمن الاسترجاع، فحين يفتح دفاتره ويقرأ على أحفاده تاريخ أسرته، منذ الجد صالح، يضطر إلى أن يعود بالزمن مرة إلى زمن وباء كوفيد 19 وأخرى إلى زمن انتشار الجدري وثالثة إلى زمن انتشار الكوليرا، وقبل كل ذلك وباء الطاعون الذي أصاب قرى نجد قبل مئة عام. كان الراوي (سليمان) يقرأ من دفتر مذكراته بصوت يشبه تلاوة القرآن، فتعيده الذاكرة إلى حيث حياته الأولى، حين كان يسمع القرآن بصوت أبيه، فطريقة التلاوة قفزت من ذاكرة السرد لتحمل تفاصيل حياة مرّت، لكنها تثير النوستالجيا في روح الجد: «التلاوة ذاتها، والصوت العميق الذي أسمعه الآن في حوش منزلنا، زمن الوباء والعزلة، لتذرف عيناي خلسة، وتنتابني غصة بكاء مكتومة، كنت أرى الله ماثلًا أمامي حين يتلو أبي الآيات في العتمة بصوته الذي يجرح الروح، ويبث قشعريرة كالماء في الجسد» (ص30).
أما عن الزمن الاستباقي أو الاستشرافي، فهو يتكرر في الرواية؛ ليفيد منه الكاتب من شد انتباه القارئ للأحداث المتوقعة عبر الزمن السردي، فيأتي الاستشراف في النص لتهيئة القارئ نفسيًّا لما سيأتي من أحداث. عقب انتشار وباء الكورونا وخوف السارد الرئيس سليمان الزارع من كل ما حوله، حتى عواء ذئب في الجوار يجعله يفكر في مطاردته ببندقيته. يقول المحيميد على لسان سليمان الباحث عن الذئب العاوي: «كيف لي أن أستدرجه بأن أرمي قطعة لحم مقلي قرب الحاوية الصفراء، ثم أنثر أحشاءه بالبارود، أو أخرج باحثًا في الطرقات المحيطة، كيف أخرج في الشوارع حاملًا بندقية صيد بطول جسدي؟ كيف ستكون ردود أفعال الجيران؟ ستصيح امرأة تطل من نافذة غرفتها، وتهرول بحثًا عن زوجها… وقد يبادر الزوج الأحمق مرتبكًا، فيتصل بدوريات الأمن، ثم تأتي الشرطة على عجل فتقتادني» (ص137).
بواسطة حوار: هدى الدغفق - شاعرة وصحافية سعودية | مارس 1, 2024 | مسرح
أوضح الدكتور عبدالإله السناني، رئيس مهرجان الرياض المسرحي -الذي أقيم في المدة من 13 إلى 24 ديسمبر الماضي- أن قرار وزير الثقافة، بشأن ترخيص الفِرَق المسرحية، يُعَدُّ مكملًا للرؤية الثقافية التي أطلقها وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، باستقلالية الفرق المسرحية. وأكد السناني أن تطور المشهد المسرحي السعودي مرهون بانفتاحه على التجارب المسرحية الحديثة واستلهام أهم عناصرها، مضيفًا أن المهرجان يتطلع إلى خلق فضاء مسرحي سعودي متجدد يحقق تفاعلًا بين الجمهور والمسرح.
السناني أشار إلى أن المهرجان، الذي حضره عدد كبير من المهتمين، اشتمل على ندوات ناقشت موضوعات منها: المسرح والعولمة، والمسرح العربي وآفاق الكتابة الجديدة، والمسرح السعودي في ظل رؤية السعودية 2030، إلى جانب تقديم ورش عمل متنوعة عديدة، عن لغة الحركة والجسد وفن الممثل، والإخراج المسرحي من التصور الأولي إلى العرض الأول، والدراماتورجيا. وكانت هناك جلسات في النقد المسرحي انتظمت بعد كل عرض من العروض العشرة، وحظيت بنقاشات تحليلية عن قصص المسرحيات وأفكارها وحواراتها.
حول المهرجان وأهدافه كان هذا الحوار مع السناني:
أهداف المهرجان
● ما الهدف من تأسيس مهرجان الرياض المسرحي؟ وما تطلعاتكم، بصفتكم مسرحيين ومسؤولين، نحو هذا المهرجان مستقبلًا؟
■ الهدف من المهرجان هو السعي إلى معالجة جوانب متعددة من هموم المسرح السعودي. فالمهرجان يهدف إلى تنشيط الحراك المسرحي وتفعيله من خلال حزمة من العروض المسرحية السعودية، من أجل رفع مستوى الوعي بقطاع المسرح والفنون الأدائية لدى الجمهور المحلي، والنهوض بحركة النقد المسرحي، واكتشاف المواهب وتطويرها، ودعم الإنتاج المحلي. أما عن التطلعات فنحن نعمل على الخروج من بعض الأنماط المسرحية العربية المكررة إلى فضاء مسرحي سعودي متجدد، يحقق تفاعلًا بين الجمهور والمسرح.
● هل واجهتكم تحديات في أثناء تنظيم المهرجان، وكيف جرى التغلب عليها؟
■ لم تواجهنا أي تحديات، وذلك بسبب دعم وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة المسرح والفنون الأدائية، التي وفرت الإمكانيات كافة لتذليل أي عقبات.
أنشطة المهرجان
● ما المبادرات الخاصة التي تضمنها المهرجان واستهدفت دعم وتطوير المواهب الفنية المحلية؟
■ اشتمل المهرجان على ندوات تضمنت مناقشة موضوعات مهمة، منها: المسرح والعولمة، والمسرح العربي وآفاق الكتابة الجديدة، والمسرح السعودي في ظل رؤية السعودية 2030، إلى جانب تقديم ورش عمل عدة، حول موضوعات متنوعة، مثل لغة الحركة والجسد وفن الممثل، والإخراج المسرحي من التصور الأولي إلى العرض الأول، والدراماتورجيا: مفاهيم وإجراءات وتطبيقات. كما شهد المهرجان جلسات في النقد المسرحي، انتظمت بعد كل عرض من العروض العشرة، وحظيت بنقاشات تحليلية عن قصص المسرحيات وأفكارها وحواراتها، والنجاح في توظيف الأزياء والديكور والإضاءة والمساحة، بما يخدم التصميم الفني للمَشاهد، ويقوي تأثيراتها البصرية، وتقييم دور الكُتّاب والمخرجين والممثلين والمصممين في ذلك.

مستقبل المسرح السعودي
● كيف يمكن أن يسهم المهرجان في تطوير المشهد المسرحي السعودي بشكل أوسع؟
■ عن طريق الانفتاح على التجارب المسرحية الحديثة، واستلهام عناصرها المهمة لتطوير المسرح السعودي؛ إذ يمكن خلال المهرجان تبادل الخبرات بين المسرحيين السعوديين، والضيوف الأجانب الذين حضروا من كل مكان من العالم، هذه اللقاءات والنقاشات حول المسرح، تسهم في تطوير المشهد المسرحي، وهو أحد أهداف المهرجان.
● إطلاق المهرجان بهذا الزخم والدعم، إلى أي مدى يمكن أن يثري ذلك المسرح والمشهد الفني السعودي؟
■ المهرجان يعمل على تعزيز الوعي المسرحي، وتقديم جيل جديد من المسرحيين السعوديين، وهذا سوف يظهر تأثيره في السنوات القادمة من المهرجان، بما يوفره من تلبية لرغبات الجمهور من معرفة ومتعة، وهو ما يؤدي إلى وجود علاقة مستديمة بين المسرح والجمهور.
دورة استثنائية
● لحظنا أن أربعة عروض كتبها اثنان من الكتاب؟ فهل كان ذلك لِقِلّة النصوص المسرحية المقدمة؟
■ أولًا: أريد تأكيد أن هذه الدورة كانت استثنائية، وهذا الأمر لن يتكرر في الدورات القادمة. ثانيًا: قُدِّم للمهرجان أكثر من 80 عرضًا مسرحيًّا، ولكن لجنة المشاهدة والفرز هي من كان لها القرار في اختيار العروض المشاركة.
● ما تقييمكم الفني للأعمال المعروضة خصوصًا أن مدة المهرجان عشرة أيام، وهي مدة طويلة مقارنة بالمهرجانات المسرحية؟
■ أنا رئيس المهرجان، وأرى أن كل العروض التي شاركت كانت جيدة جدًّا، وامتازت بالتنوع في الموضوعات التي تناولتها؛ فهي احتوت على قضايا تهم الإنسان والمجتمع السعودي. أما بالنسبة لمدة المهرجان أريد التوضيح أن المهرجان لم يكن عشرة أيام فقط، بل ستة أشهر متواصلة، وعشرة أيام كانت تتويجًا لعمل متواصل في عدد من مناطق المملكة؛ لتعبر عن تطلعات انتظرها المسرحيون السعوديون طويلًا. وهو أكبر مهرجان في الوطن العربي، والوحيد الذي يستمر كل ذلك الوقت ما بين تصفيات وفرز، وغيرها.
● قام المهرجان بتكريم الكاتب المسرحي محمد العثيم، بينما كانت كتبه غائبة ولم يعرض نص من مسرحياته. لماذا؟
■ أولًا كان يوجد بالفعل عرض مشارك من تأليف الكاتب الراحل محمد العثيم في مرحلة التصفيات، ولكن لجنة المشاهدة وجدت أن العرض لم يكن بالمستوى المطلوب للصعود للمرحلة النهائية. بالنسبة لكتب الراحل لقد احتوى المهرجان على معرض خاص به، للتعريف بإنجازاته في مجالات الكتابة المسرحية والرواية والصحافة، واستعراض جوانب من مؤلفاته وأشعاره، وتوضيح رؤيته المسرحية، التي حملت هموم المسرح السعودي على مدى 33 عامًا.

الرؤية الثقافية وتأثيرها المتوقع
● كيف استقبلتم قرار وزير الثقافة بشأن ترخيص الفرق المسرحية؟ وماذا تتوقعون من انعكاس لذلك القرار على الحياة المسرحية؟
■ هذا القرار يستكمل الرؤية الثقافية التي أطلقها وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، الذي سوف يجعل هناك استقلالية للفرق المسرحية، وحوكمة لنظام الإدارة لكل فرقة.
● مع انطلاق الأكاديمية السعودية للمسرح في سبتمبر من هذا العام، لدراسة البكالوريوس في المجال المسرحي التطبيقي، ما أهمية الأكاديمية للمسرحيين السعوديين؟ وما الآثار الناتجة من ذلك في الواقع المسرحي السعودي مستقبلًا؟
■ هذه الأكاديمية سوف تقدم برنامجًا دراسيًّا لنيل درجة البكالوريوس في المجال المسرحي التطبيقي لمدة أربع سنوات. وتتضمن التخصصات الأساسية في التمثيل والإخراج والإنتاج، وهو ما سيمكن الخريجين من دخول سوق العمل مباشرة.
بواسطة محمد الوهيب - كاتب وأكاديمي كويتي | مارس 1, 2024 | مقالات
يستكشف هذا المقال آفاق حَلَّيْنِ كلاسيكيين للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وهما حل الدولة الواحدة وحل الدولتين. بدلًا من التركيز على الظروف التاريخية والأحداث التي أدت إلى ظهور هذين الحلين، سأحاول التركيز في هذا المقال على مزايا وعيوب كل منهما. أخصص الجزء الثاني من هذا المقال لاقتراح حنة أرندت لإنهاء النزاع، الذي يمكن العثور عليه في كتاباتها الأولية حول ما يسمى «المسألة اليهودية». سيستكشف هذا المقال اقتراح أرندت في ضوء واقع النزاع الحالي.
هناك حلان واسعان جدًّا كما أشرنا، يتخللهما كثير من التفاصيل، في التفكير الحالي بشأن حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، على الرغم من كون أحدهما أكثر شهرة من الآخر. الحل الأول، وربما الأكثر شهرة، هو حل الدولتين، بينما الآخر هو حل الدولة الواحدة. يعني حل الدولتين إنشاء دولتين مستقلتين، فلسطين وإسرائيل، وذلك بالنظر إلى أن كل الأطراف المعنية بهذه القضية ترغب بالفعل في قيادة وحكم دولتها الخاصة بطريقة مختلفة: الإسرائيليون يرغبون في دولة يهودية، ويرغب الفلسطينيون في دولة فلسطينية. وبالنظر للتناقضات الكثيرة بين تصورات كلا الفريقين، يكون الحل العقلاني هو توفير دولة مستقلة لكل منهما. نجد جذور هذا الحل في قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1947م.
حل «الدولة الواحدة»، من جهة أخرى، ينظر إلى إنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إنشاء دولة فيدرالية أو كونفدرالية تشمل النطاق الجغرافي لإسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. يتضمن هذا الحل بالضرورة فقدان الإسرائيليين لحلمهم بدولة وطنية لليهود، وفقدان الفلسطينيين لحلمهم بالاستقلال والدولة الوطنية. والحال هو أنه، وبالنظر للسياسات العنيدة والمستمرة التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية، ورفضها لتحديد حدودها، يبدو أن الحديث عن أي شكل من أشكال السلام مستحيل بالفعل. تقودنا تقريبًا كل تأملاتنا حول حل هذا الصراع الذي استمر لأكثر من 70 عامًا دائمًا إلى هذين الحلين، إلا أن المشكلة الحقيقية هي أن الواقع اليوم يجبرنا على إدراك مدى عدم جدواهما. انفصال هذين الحلين عن الواقع -هذا الواقع الذي خلقته إسرائيل على الأرض- كان أمرًا متوقعًا من حنة أرندت نفسها في أربعينيات القرن المنصرم، وربما توقعت ثبوته إلى حد كبير: فلقد تسبب تقسيم فلسطين في تدمير الكيان العربي الفلسطيني، أما ضم إسرائيل الفعلي للضفة الغربية فقد عرقل وشل سلطة الفلسطينية عن أداء دورها كدولة ذات سيادة مستقلة.

روبرت إتش سيري
الواقع الحالي أكثر تعقيدًا من ذلك التي شاهدته أرندت لاحقًا، فلم تتوقف إسرائيل قط عن الاستيلاء على أراضي فلسطين، وفي كل مرة تفعل ذلك، نجدها تطالب العالم بتأكيد حقها في الوجود، وتلغي هذا الحق بوعي وإصرار عن الفلسطينيين. تقلصت الحلول التقليدية إلى حل واحد: دولة واحدة، إسرائيل، بنيت بالكامل على أنقاض فلسطين المدمرة. كان هذا هو الحال البائس وبكل قبحه منذ عام 1948م حتى اليوم، وإذا استمر الحال على هذا النحو، ستمحى فلسطين من الوجود، وسيصبح الفلسطينيون بلا مأوى، محاصرين في قطعة جغرافية بلا هوية، بلا دولة، في دولة تمارس طغيانها المطلق برفض حقهم في الوجود. ذلك ما صرح به بالفعل من قبل روبرت إتش سيري، منسق الأمم المتحدة السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط في عام 2012م: بعد انتقاده بناء المستوطنات المستمر، قال سيري: «نحن قد نتجه فعليًّا نحو واقع الدولة الواحدة».
فحص سريع للأدبيات حول موضوع حل الدولتين يكشف أنه عندما يُرفَضُ عادةً، فإن ذلك يتم في الواقع للأسباب التالية:
أولًا– الصهاينة ومعظم الإسرائيليين اليوم ليس لديهم أدنى شك في أن ما يريدونه حقًّا هو كل فلسطين، وأن جميع تلك الحجج الضعيفة، التي تعطل التفاوض وتحوله إلى «عملية» مستمرة دون نهاية، هي مجرد مماطلة وعبث لشراء الوقت دون إجراءات فعلية. فشل «عملية السلام» هو إشارة واضحة لهذا النية.
ثانيًا– حل الدولتين هو حل تدميري لترابط البشر وتحطيم للجغرافيا؛ ذلك أنه يقسم الناس ويحول هذه المنطقة الصغيرة إلى ما يشبه الجبن السويسري.
ثالثًا– لن يتنازل الفلسطينيون أبدًا عن حق العودة لما يقرب من مليون لاجئ من الشتات، ولن توافق إسرائيل على عودتهم؛ لن يقبل الإسرائيليون أبدًا أن يكونوا أقلية أمام الفلسطينيين.
رابعًا– المسلمون والمسيحيون واليهود أو حتى العلمانيون الذين يهتمون بأي تمثيل في أي حكومة لن يتخلوا عن فكرة حكم القدس إما جزئيًّا أو كليًّا. ستظل القدس دائمًا مشكلة مركزية لجميع الأطراف.
خامسًا– يقيم أكثر من 400.000 مستوطن يهودي بشكل غير قانوني في الأراضي المحتلة، ويتمسكون بعدم مغادرة مستوطناتهم بأي ثمن. يمكن أن يكون هذا أحد أهم العوامل التي تعوق حل الدولتين.
سادسًا– تبدو إسرائيل اليوم كأنها ثكنة عسكرية، حيث يرفض جناحها العسكري السماح بأي شكل من السيادة للفلسطينيين كدولة جارة: فلسطين، الدولة الناشئة والجديدة، إذا سمح لها بالوجود، فلن يسمح لها بالحصول على مطار دولي أو مطار خاص؛ لن تتمكن من إنشاء أي قوة عسكرية يمكن أن تشكل تهديدًا لإسرائيل، ولا حقوق مائية ولا وصول إلى البحر بأي ثمن.
سابعًا– استقبال أي أمر، أو أي اقتراح، لإزالة أي مستوطنة اليوم، سواء كانت قانونية أو غير قانونية، يكون بقلق كبير وربما بالتشكيك من اليهود لأنه يذكرهم بالشتات والهولوكوست. وهذا ينطبق أيضًا على جميع اليهود في جميع أنحاء العالم.
ثامنًا– الوضع الحياتي اليومي في الأراضي الفلسطينية سيئ جدًّا، قاسٍ وصعب جدًّا، وهو وضع سيُفهم على الأرجح دائمًا من وجهة نظر الفلسطينيين كنتيجة للاحتلال الإسرائيلي. إن حل الدولتين، إذًا، هو على الأرجح مشروع هش، بالنظر للتهديد المستمر للوجود الفلسطيني.
واقع دولي شديد التعقيد
لماذا اقتراح حنة أرندت؟ قد يدفعنا الواقع المخيف لدولة فلسطينية من خلال حل الدولتين إلى التفكير «خارج الصندوق» قليلًا. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه مشروع الدولة الواحدة – ثنائية القومية، أعتقد أن إعادة النظر فيه قد يبدو أمرًا مستحقًّا. نواجه اليوم واقعًا دوليًّا شديد التعقيد، وهناك العديد من الإشارات إلى ذلك:
أولًا– المجتمع الدولي اليوم غير قادر على الاعتراف ناهيك عن القيام بأي عمل فعلي يوقف التدمير الممنهج لفلسطين، نقول ذلك على الرغم من أن مشهد النظام الدولي بدأ يظهر بعض علامات التغيير.
ثانيًا– هذا الصراع الذي نشاهده أمامنا هو صراع من نوع فريد: فمع تصاعد الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يدرك كل من الطرفين بشكل ضمني أنه من المستحيل أن يقضي أحدهم على الآخر؛ يعلم كل طرف في قرارة نفسه أنه يجب عليهما في نهاية المطاف التوصل إلى اتفاق.
ثالثًا– من جهة أخرى، أدى تصاعد الأحداث في السنوات الأخيرة وصولًا إلى أحداث غزة، إلى اعتقاد جميع الأطراف أن العنف هو الوسيلة الوحيدة، وللأسف، الوسيلة الشرعية لحل النزاع. العنف، كما نرى كل يوم، قد يؤدي إلى دمار كل الأطراف المتنازعة.

كارل ياسبرز
في هذا السياق لا بد لنا من أن نتذكر رصاصة الرحمة التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لعملية السلام الميتة تقريبًا والتي بدأت منذ نحو 30 عامًا. نحن أمام انهيار فعلي رسمي للتفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وازدياد للهوة بينهما وبين أي إمكانية للحوار مرة أخرى خاصة بعد الأحداث الأخيرة في غزة. في مثل هذه الأوقات، سنجد على الأرجح صدى لدعوة حنة أرندت إلى حوار جديد وحل جديد، أو بكلماتها الخاصة: بداية جديدة. بعد 30 عامًا من المفاوضات السلمية التي لم تفلح، تحول انتباه العديد من العلماء إلى كتاباتها الأولية في الأربعينيات، وتحديدًا إلى انتقاداتها للصهيونية واستماتتها لإقامة دولة يهودية.
حنة أرندت، لمن لا يعرف سيرتها الذاتية، سافرت بعقلها بين العديد من «الجزر» الفكرية. بدأت حياتها بأسئلة فلسفية محضة، وهذا ليس مفاجئًا بالنظر لخلفيتها الأكاديمية، فهي قد استمدت التقاليد الفلسفية الألمانية من خلال تعليمها في الجامعات الألمانية. كانت طالبة مميزة وعاشقة للفيلسوف مارتن هايدغر في ماربورج، ولاحقًا في هايدلبرج كانت تلميذة وصديقة لكارل ياسبرز مدى الحياة. تحت إشراف ياسبرز، كتبت أطروحتها الدكتوراه الأولى حول «مفهوم الحب عند القديس أوغسطين». في معظم الوقت الذي قضته في الجامعات، لم تظهر أرندت أي اهتمام بالمسائل السياسية. ولكن وبمرور الوقت، وبخاصة بعد هروبها من ألمانيا النازية في عام 1933م، تحولت حنة أرندت إلى الفيلسوفة السياسية الكبيرة في القرن العشرين. كان لها إسهام كبير في الفلسفة السياسية والاجتماعية بالقرن العشرين، وعملها ما زال يُدرس ويُقرأ في العديد من الجامعات حول العالم. رفضت حنة أرندت تصنيف نفسها في أي تيار فلسفي أو سياسي، ومن خلال دراستها وتأملاتها في النازية والتيارين الشيوعي والرأسمالي، والسيطرة والسلطة، قدمت نظرة نقدية وعميقة للطبيعة الإنسانية والمجتمع. كان صعود النازيين للسلطة في ألمانيا هو الحدث الذي حولها للفكر السياسي، أو بتعبير آخر، الحدث الذي جعلها قادرة على مواجهة حقيقة «يهوديتها»، كما أخبرتنا في لقاء متلفز معها. لقد كان الموقف النازي ضد اليهود، فضلًا عن الأقليات الأخرى، هو ما جعلها تولي اهتمامها شطر السياسة و«العمل». في وقت لاحق، شاركت بشكل مكثف في السياسة اليهودية والصهيونية كعضو فعّال ومتحمس. في منتصف كل هذه الأحداث، أعلنت أرندت انفصالها عن جميع أشكال التفكير الفلسفي التقليدي: «غادرتُ ألمانيا [هربًا من النازيين] تسيطر عليّ فكرة… لن أعود لها مرة أخرى! لن أتورط أبدًا في أي نوع من الأعمال الفكرية. لا أريد أن أتعاطى معها على الإطلاق». هذه المدة التي قضتها مشاركة في السياسة اليهودية أسفرت عن عدد من المقالات حول ما يسمى «المسألة اليهودية»، وأجزاء من عملها الشهير، «أصول الشمولية».
الكتابات الأولية
سأقوم بالتركيز هنا على هذه الكتابات الأولية حول المسألة اليهودية والصهيونية التي بدأت في عام 1937م، واستمرت لما يقرب من عقد كامل. كانت انتقادات أرندت للفكر الصهيوني تتجه في ثلاثة اتجاهات: أولًا- الرؤية الصهيونية لمعنى أو جوهر مصطلح «الشعب اليهودي». ثانيًا- رؤيتها للوجود الفعلي للعرب في أراضي فلسطين. ثالثًا- غياب سياسة يهودية مستقلة عن القوى الإمبريالية الكبرى في العالم. سأحاول أن ألقي نظرة تفصيلية على الاتجاهين الأول والثاني، فهما يتعلقان بموضوعنا بصورة أكبر. بالنسبة للرؤية الصهيونية لمعنى ومستقبل الشعب اليهودي، انتقدت أرندت مفهوم الدولة القومية الصهيونية وعدّتْها شكلًا فظًّا وبائدًا للدولة. بل وصفت أولئك الذين اعتنقوا هذه الفكرة بأنهم «الفاشيون الجدد»، مشيرة إلى أولئك الذين يلتزمون بإقامة دولة قومية يهودية/عرقية. ضد هذه الرؤية القومية، اقترحت أرندت إقامة فيدرالية أو كونفيدرالية عربية-يهودية في فلسطين، استنادًا إلى الاعتراف بتعددية الأفراد وضمان حقوقهم المتساوية.
كان التفكير في «دولة يهودية» من وجهة نظر الأيديولوجيا الصهيونية، بالنسبة لأرندت، رد فعل خاطئًا على معاداة السامية في أوربا؛ إذ إن مثل هذه الدولة اليهودية ستمارس العداء نفسه الذي عاناه اليهود ولكن ضد العرب هذه المرة. أرندت اعترفت بأن مثل هذه الدولة القومية يمكن إقامتها فقط من خلال القوة، وبحق، لأنه لا يمكن لأي شعب أن يقبل بسرقة أرضه، أو أن يصبح بلا وطن فجأة، أو على أفضل تقدير، مواطن من الدرجة الثانية. فرض دولة قومية يهودية بهذا الشكل سيؤدي فقط إلى استمرار العنف. تنبأت أرندت بأنه حتى مع فرض فوز اليهود في الحرب، فإنهم سيتحولون إلى: «واحدة من تلك القبائل الصغيرة المحاربة التي لطالما كتب التاريخ عنها وعن إمكانياتها وأهميتها منذ أيام إسبرطة… هكذا، يصبح واضحًا أنه في هذا الوقت وفي ظل الظروف الراهنة يمكن إقامة دولة يهودية فقط على حساب وطن لليهود».
لا تحتاج إلى كثير من الحجاج لتقنع نفسك بواقعية تنبؤات أرندت؛ كل ما تحتاج إلى القيام به هو المشي في أي شارع من شوارع إسرائيل لترى الجنود المسلحين في كل مكان. ثبتت أرندت في مواجهة مطالب الصهاينة بإقامة دولة يهودية على أراضي فلسطين، وبسبب إنكار حقوق تلك الشعوب الأصلية دعت إلى دولة ثنائية القومية. فكرة الدولة ثنائية القومية ليست جديدة، بالطبع، فلقد سبقها لها بعض الكتّاب اليهود مثل يهودا ليون ماغنس، جيرشوم شوليم، مارتن بوبر وغيرهم، إضافة إلى بعض الجمعيات مثل بريت شالوم. كانت هذه الفكرة، ثنائية القومية، بالنسبة لأرندت تعني فصل الدولة عن الدين والهوية الوطنية.
كتب يوسف منير في صحيفة النيويوركر، متأثرًا بتلك الفكرة الأرندية ومؤيدًا لحل بدولة واحدة: «الواقع الآن هو أن هناك دولة واحدة. المشكلة هي أنها تأخذ شكل الفصل العنصري. ما زالت المليارات تلو المليارات متدفقة باندفاع لمشروع الاستيطان الإسرائيلي، ويتم استغلال الموارد الطبيعية بشكل غير قانوني. يتم أخذ المزيد والمزيد من الأرض من الفلسطينيين، وخطط البنية التحتية الإسرائيلية تتسع. كل شيء في سلوك الدولة الإسرائيلية يشير إلى أنها ليس لديها أي نية لمغادرة الضفة الغربية».
وبالنظر إلى عدم جدوى حل الدولتين وعدم تقدمه على الإطلاق، يقترح منير أن نأتي إلى اعتراف عملي وعقلاني بأن ما لدينا في الواقع، هنا والآن، هو «مشكلة دولة واحدة»، وأن هذا الاعتراف هو «المفتاح إلى السلام» – كل ما نحتاجه في هذه الحالة هو تغيير للنظام القائم في هذه الدولة. وتمشيًا مع الروح الأرندية، نجده يؤكد أن الخطوة الأولى في هذا التغيير هي إنهاء التمييز القانوني بناءً على العرق أو الدين في جميع أنحاء هذه البقعة الجغرافية. يجب أن يكون الفلسطينيون جزءًا أصيلًا وأساسيًّا في صياغة شكل الدولة المستقبلية التي سيعيشون فيها، ويمكنهم القيام بذلك على قدم المساواة أمام القانون مع نظرائهم اليهود، وليس وهم تحت الاحتلال العسكري.
هناك مشكلة تتعلق بصعوبة تصور أو تخيل حل لهذا الصراع من خلال دولة واحدة ثنائية القومية. السبب الرئيس وراء ذلك هو أن الخطاب، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الأخير قد وصل إلى مستوى من التناقض أصبح معه من الصعب جدًّا الحديث عن تصالح أو تسوية. ربما كان استنتاجًا منطقيًّا لافتراضات صهيونية راسخة: فقد أُعمي الصهاينة عن حقيقة وجود شركاء آخرين على الأرض نفسها، ولم يُعَدُّوا مساوين لليهود على الإطلاق. شرحت أرندت ذلك من خلال بعض الأحداث التاريخية: البرنامج الصهيوني الأول في عام 1942م، الصادر في بيلتمور، دعا إلى إقامة كيان يهودي في فلسطين، أما برنامج أتلانتيك سيتي الذي تلاه، فقد أشار إلى تأسيس كيان يهودي حر يغطي كامل أراضي فلسطين دون تقسيم. في البرنامج الأول، مُنِحَتْ حقوقُ الأقلية للأكثرية العربية؛ في البرنامج الثاني، لم يُذكَر العرب على الإطلاق! كان هذا الإغفال للفلسطينيين، كما اعتقدت أرندت، عائدًا بشكل رئيس للطابع الأيديولوجي المتزايد للصهيونية الذي ترافق مع انفصالها عن العقلانية والواقع.
فكرة حالمة
ولكن يبدو أن المشكلة أعمق من مجرد مطالب فلسطينية وصهيونية؛ المشكلة هي مشكلة أرض، الأرض التي يزعم فيها كل طرف في الصراع أنها حقه. نعلم جيدًا أن أحد الأطراف قد خسر الحرب، ولكن الصراع لم ينته حتى اليوم. الحقيقة هي أنه بعد ما يقرب من سبعين عامًا من النزاع، لم تكن هذه الأرض أو الدولة المستقلة لليهود مستقلة تمامًا، وتجد نفسها يومًا بعد يوم محاصرة في شبكة كبيرة من غير اليهود. مشكلة الأرض مرتبطة بمشكلة أكثر تعقيدًا هي مشكلة الهوية: يرغب الفلسطينيون في الحفاظ على هويتهم العربية بأي ثمن، نظرًا لوجودهم في قلب المنطقة العربية-الإسلامية التي يرغبون في رؤية أنفسهم جزءًا منها، واليهود يرغبون في دولة يهودية كما تصورتها الصهيونية تمامًا. السؤال المركزي بالنسبة لأرندت، في اعتقادي، كبديل لحل بدولتين، هو الحاجة إلى التفكير في إطار دولة ثنائية القومية، في التفكير في إمكانية التعايش السلمي بين اليهود والعرب في شراكة تستند إلى المساواة في الحقوق. أعتقد أنها أرادت حقًّا تقديم بديل ربما شكل تحديًا لعقولنا، بديل يستند إلى استحالة التخلص من الآخر، بديل ينظر إلى بناء مؤسسات ديمقراطية وعدالة انتقالية ودستور جديد. أما عدم القدرة على التخلص من الآخر فلقد أصبح على أي حال قناعة متزايدة نلمسها بين الفلسطينيين والإسرائيليين يومًا تلو الآخر. الخبير في تاريخ اليهود في جامعة بن غوريون، أمنون راز كراكوتسكين، قد يكون محقًّا في عَدِّه هذه الرؤية الأرندية أن «لها خصوصيتها الزمنية المحددة التي لا تجد لها معنى أو أهمية خارج إطار ذلك التاريخ». وفي رأيه، فإن حل الدولة الواحدة لأرندت هو «فكرة حالمة لا تعكس الواقع… لا يمكن أن تكون أكثر من إسهام ثقافي». ومع ذلك، أعتقد أن استنتاجات كراكوتسكين متسرعة إلى حد ما، ففي الواقع يبدو أن هناك كثيرًا من الأمور التي ينبغي أخذها في الحسبان قبل التوصل لمثل هذه الاستنتاجات.

حنة أرندت
أولًا– هناك العديد من المثقفين والنشطاء الإسرائيليين والعرب اليوم الذين يشعرون بالاستياء تجاه التأثير القوي لبعض الأحزاب الأرثوذكسية والراديكالية في السياسة الإسرائيلية والعربية، وقد دفعتهم هذه الاعتقادات إلى التجمع حول فكرة مجتمع إسرائيلي علماني حقيقي تُمنح فيه حقوق المواطنة للجميع.
ثانيًا– هناك العديد من الإسرائيليين اليهود الذين يتحدثون ويكتبون حول أهمية الدخول في مرحلة «ما بعد الصهيونية»؛ فبعد ما يقرب من 70 عامًا من تاريخ إسرائيل، لم تقدم الصهيونية التقليدية حلًّا للفلسطينيين، ولم توفر وجودًا إسرائيليًّا مستقلًّا.
بروح أرندية، يكتب إدوارد سعيد: «لا أرى سوى البدء الآن في التحدث عن مشاركة الأرض التي حشرنا فيها معًا، مشاركتها بطريقة ديمقراطية حقيقية، بحقوق متساوية لكل مواطن. لا يمكن أن يكون هناك تصالح ما لم يقتنع شعبانِ، اجتمعا في معاناة تاريخية طويلة، بأن مسألة وجودهم هي مسألة علمانية، ويجب التعامل معها على هذا النحو».
البدائل بسيطة من وجهة نظر حنة أرندت ولكن بشكل غير سار: إما أن تستمر الحرب أو البحث عن مخرج يستند إلى السلام والمساواة، كما حدث في جنوب إفريقيا بعد نظام الفصل العنصري، على الرغم من العقبات الكثيرة. بمجرد أن نقر بأن الفلسطينيين والإسرائيليين هم هنا للبقاء، فإن الاستنتاج اللائق يكون ضرورة التعايش السلمي والمصالحة الحقيقية.
هوامش:
- https://dppa.un.org/en/security-council-briefing-situation-middle-east-special-coordinator-middle-east-peace-process-0
- http://www.arendtcenter.it/en/tag/gunter-gaus/
- Arendt, Hannah, To Save the Jewish Homeland: There is Still Time, Commentary Magazine, May 1948.
- Munayye, Yousef, Thinking Outside the Two-State Box, The New Yorker, September 20, 2013.
- Amnon Raz-Krakotzkin, Jewish Peoplehood, “Jewish Politics,” and Political Responsibility: Arendt on Zionism and Partitions, College Literature, Vol. 38, No. 1, Arendt, Politics, and Culture (Winter 2011), p. 62. Published By: The Johns Hopkins University Press.
- Said, Edward, The One-State Solution, The New York Times Magazine, Jan. 10, 1999.