البهجة بوصفها قوة قاهرة وتحقيقًا للحياة

البهجة بوصفها قوة قاهرة وتحقيقًا للحياة

يضعنا كِتاب «القوة القاهرة» للفيلسوف الفرنسي كليمون روسي (1939- 2018م) -في تعريبه الحديث من المترجم المميّز مصطفى صباني، 2023م، عن منشورات الربيع بمصر- أمام تأويل مستحدث ومغاير للرؤية النيتشوية، وأيضًا للعلاقة، التي قد تبدو غريبة، بين البهجة والمأساة.. بين الابتهاج والتراجيديا. ولأنه لا مهرب للكائن من الفناء المحتوم، فهو منذور للعيش في ظل اللحظة (أو اللحظات) الزائلة، خاضع لسلطان الوجود المنفلت، لهذا لا مناص من اعتناق «الوجود المؤقت» والإقرار بحتمية الموت.. ولا يتحقق الشفاء من هذا «القلق» الوجودي، والمأساة الناتجة عن تلك الحتمية، إلا بعيش حياتنا الوحيدة، في سيرورة وتحولات لحظاتها مثلما تبتغيه الضرورة.

البهجة جوهر الوجود

يجعلنا كليمون روسي أمام استرجاع فلسفي لمفهوم التراجيديا، من المسرح الإغريقي إلى فلسفة سيوران مرورًا بباسكال ولوكريتيوس وشوبنهاور -الذي أفرد له كتبًا- ويقف مليًّا وبخاصة إزاء فلسفة نيتشه، معيدًا النظر في تجليات المأساة في فكره ورؤاه، وذلك ضمن علاقتهما بمفهوم البهجة- الذي يعدّ جوهريًّا في فكر روسي؛ إذ إنّ «النظام الذي تديره البهجة- بالنسبة له- يكون شموليًّا أو لا يكون» (ص8). فالبهجة كاملة الحضور في صيرورات الزوال، فهي «تستمر رغم عدم وجود أي شيء تتعلق به، ورغم حرمانها من أي أساس تستند إليه» (ص17). بهذا تغدو البهجة عنقاءَ تقوم من رماد موتها، من اندثار الآني، إنها شبيهة اللذة إذن، بل أكثر. لهذا يتعذر التعبير عنها، مثلما يخبرنا روسي.

تتأتى هذه الاستحالة من عدم قدرة المبتهج على التعبير عن بهجته، وأحيانًا يقف حائرًا إزاء مسببات ابتهاجه وسروره. فتصير ذات تناقض رئيس؛ لأنها «غير قابلة للتصور العقلي» (ص42). ملزمة بأن تكون «كامنة في الرضا والقبول بالوجود الذي تعتبره مأساويًّا، وفي هذه الحالة فإن البهجة متناقضة لكنها ليست وهمية» (ص43).

وتغدو المفارقة أكثر تعقيدًا، إن نظرنا بتمعن إلى كوننا نشعر بالفرح ونبتهج على الرغم من الطبيعة المأساوية للحياة. سرعان ما تتحول جنازة ما إلى لحظة من السرور، نكاد ننسى تراجيديا الموت في دوامة الصيرورة الزمنية؛ إذ «لا وجود لبهجة حقيقية إلا إذا كانت، في الوقت نفسه، موضع تعارض وتناقض مع نفسها؛ ذلك أن البهجة تكون متناقضة أو لا تكون بهجة» (ص44). شبيهة بتمزيق ديونيسيوس لنفسه في أقسى حالات النشوة. لهذا فهي «لا تأبه بأي إحساس»، ولا يعني ذلك أنها خاضعة للسذاجة، بل إنها -يقول روسي- شرط ضروري للحياة على العموم، من دون حاجة لتسويغ نفسها. إنها جوهر الوجود، فبالقدر الذي لا نعي به السبب الذي من أجله نحيا، فنحن لا نستطيع الوعي بمسببات الابتهاج. وبالتالي، يسهل وصفها أكثر من شرحها أو تأويلها.

من المستحيل إذن، استحضار البهجة أو تحقيقها من خلال فعل معين، فهي «القوة القاهرة» -الوحيدة- في الوجود، تتحقق دونما شرط؛ غير أنه يمكننا التخلص من العقبات الذهنية التي تقلل من قدرتنا على الشعور بها. تتمثل إحدى العقبات في الاعتقاد الراسخ بأن عواطفنا مشروطة بالظروف الخارجية، وبالتالي يجب أن تكون متزامنة معها. إن البهجة، بهذا المعنى، تعدّ نبوءة تحقق ذاتها. فهي كامنة في الحياة وحدها، وفي تقلبات الوجود المنذور لزوال اللحظة لا ديمومتها. يقول روسي: «طعم الوجود هو طعم الزمن العابر والمتغيّر وغير الثابت وعديم اليقين وغير المتناهي، وفي هذه الحركة بالطبع أفضل وأضمن «دوام» الحياة» (ص36).

التملص من الأمل

كان روسي يفكر وهو مزودٌ بروح الدعابة، والمرح، التي ينشرها على صفحات كتبه الوجيزة، ولم يكن يبحث، يخبرنا المترجم في نص تقديمه، عن معنى الوجود؛ إذ عنده يعد الأمر فارغًا ومستحيلًا، وما نجهله حقيقة، مثلما يؤكد، هو ذاتنا وكذلك مصيرنا المحكوم بحتمية الزوال (ص6). يستند صاحب الكتاب لتأكيد أُسّ أفكاره، حول إعادة النظر في البهجة في علاقتها الجوهرية بالوجود، على قراءة مغايرة لفلسفة صاحب المطارق وفيلسوف الديناميت؛ إذ ركز روسي على مفهوم «الغبطة» béatitude، (مقابلًا للبهجة) مثلما صاغه هنري بيرو، عند نيتشه، أكثر مما ساد عند باقي الفلاسفة الذين تناولوا فلسفته، والذين ركزوا أكثر على مفاهيم مثل: «العود الأبدي»، و«إرادة الاقتدار» (القوة) و«الإنسان المتجاوز لذاته» (الأعلى). فهي تعابير فلسفية لصاحب الكتاب، وتنويعات عن الغبطة بشكل مباشر تقريبًا؛ ذلك أن المفهوم لا يستطيع أن يكون مفهومًا نيتشويًّا خاصًّا إلا إذا كان متعلقًا بالغبطة الشاملة ولا شيء غيرها (ص63)؛ في تصالحها مع الواقع والزائل اللذيْنِ ظَلَّا مَحَلَّ نُفُورٍ من جانب الكائن. فمنذ كتابه الأول «الفلسفة المأساوية»، يعارض روسي هذه الرؤية السائدة المرتبطة بالمأساة والبهجة، الباحثة عن ذلك المضاعف double الذي يمكنه أن يحمينا من الواقع. كون هذا الأخير يعدّ قاسيًا وغير قابل للوصف، لهذا يميل الناس إلى تفضيل بديل لهم، بكونه صورة خادعة وناعمة تشتت انتباههم عن الواقع. على وجه الخصوص، تستند الرؤية الأخلاقية للعالم، مثلما يخبرنا، إلى وهم هذا المضاعف. فيتكل الجُلُّ على الأمل؛ للنجاة من المأساة، من القدر المحتوم.

أساس ومكمن «القوة القاهرة» عند كليمون روسي يقع في البهجة، التي لا تظهر إلا بوصفها شاملة. أي في كونها «بهجة الحياة» والوجود. وبصورة أدق، فإن البهجة، مثلما في فلسفة نيتشه، تسمح لنا بالتفكير في الوجود بما يعتريه من تراجيديا، التي تعدّ محركًا له، لا لعنة ينبغي الانفلات منها، فهي حتمية وطاقة لديناميةِ الحياة، شأنها شأن الأزمة، لهذا فهي «العود الأبدي» ودافع الإنسان لتجاوز ذاته ومنبع إرادة الاقتدار. وبالعودة إلى النص نفسه، يكشف روسي دوافع هذه العودة الأبدية، والأولوية الممنوحة للموسيقا خاصة في فلسفة صاحب «ميلاد التراجيديا»، ويظهر أن كوكبة نيتشه المفاهيمية تنجذب حول مبدأ «الغبطة»؛ إذ إن «الابتهاج الموسيقي عند نيتشه مبدأ كل تجربة للغبطة» (ص85).

وتكمن قوة روسي الرئيسة، في جعل كتابه أو فكرته: «القوة القاهرة»؛ كتاب «طريقة»، تقدم نفسها مسلكًا فلسفيًّا (وسيكولوجيًّا) للتفكير في مفاهيم الفرح والسرور والابتهاج والغبطة، بوصفها جميعها مفاهيم غير خاضعة لأي منطق. لكونها غير عقلانية، لهذا تكاد تتعلق بالجنون عينه، ومنه اشتق تعبير «جُنَّ فرحًا». وإنها سُبل ذات جدوى لإدراك واضح للمأساة في كونها متلازمة وجودية عضالة. وعليه، وبعد الإيمان بهذا المعطى، لن يفرّ المرء من الواقع، ولن يبحث عن مضاعف سيمولاكري يقيه مأساته، التي سيحتضنها بأذرع مفتوحة وغبطة عارمة. وهذا الإقبال على قوة الواقع ومصيره المأساوي، هو القاعدة العظيمة والفريدة لمفهوم الحياة، والتشبث بها.

أهمية الفلسفة النيتشاوية

أثرت فلسفة نيتشه في جيل بأكمله، وما زالت تفعل، وألقت بظلالها الوارفة على فلسفات عديدة في القرن العشرين، وما بعده. وقد وقف كليمون روسي جليًّا على الامتداد النيتشوي، في فلسفة إميل سيوران، بوصفها توجهًا فكريًّا يجد جذوره في فلسفة صاحب «الإنسان المفرط في إنسانيته». يعود أول لقاء بين روسي وسيوران إلى عام 1968م، وقد نشأت عنه صداقة قوية ترتب عليها مراسلات ومناقشات مهمة. وقد كان الرابط المشترك بينهما يكمن في المفهوم المركزي للضحك والسخرية والمرح.

سيعجب روسي كثيرًا بفكر سيوران، الذي يعده كتابة وتفكيرًا بمشرط، مدركًا مكمن «معاناة الوجود في العالم» التي يعانيها مؤلّف «مثالب الولادة»، وكيف أن دولته لم تترك له سوى القليل من الراحة، وأنه في النهاية اعتراه وجود عبرته الهاوية وأقامت فيه المأساة، فكان في حاجة إلى المزيد من الهدنة مع الذات والعالم. وسيشترك كل منهما، في عدم التفريط في أي من كلماتهما لانتقاد الفلاسفة والكتاب الذين عاصروهما.

يتفق كل منهما على أهمية الفلسفة النيتشاوية، وعلى متلازمة الزوال التي تعتري الوجود، والتي تعدّ السمة البارزة له، بالنسبة لسيوران، بل لأنها مثلبة رئيسة. بالتالي، «إن هبة الوجود هدية مسمومة» وذلك لأن «الوجود تناقص متناقض بالنسبة للإنسان الذي منذ ولادته يريد أن ينال اللامتناهي المحتمل» (ص160).

اشترك الرجلان في السخرية اللاذعة من العالم الثقافي السائد، مؤسسين نظرتهما المشتركة على مرح مشترك، يحاولان إضفاء ابتهاج معين على الحزن الذي يعتري العالم. كل بطريقته. لقد تمتعا بمتعة الوجود معًا، صداقة بالمتناقضات، نابعة من فورة الضحك التي تعبر عن القدرة على عدم أخذ الأمور على محمل الجد والضحك عاليًا في وجه حماقات العالم. هذه الضحكات -المشتركة- هي أيضًا علامة أكيدة على القدرة على الابتهاج. وإن كان سيوران المتشائم وروسي المؤكد للبهجة لا يرتويان من أصل الابتهاج نفسه، لكن من المنبع النيتشاوي والشوبنهاوري عينه.

سكاكين على المنضدة

سكاكين على المنضدة

1

غريب،

غير مفهوم

هذا الغيب

وهذه الطرق وهذه الحقول

والسكاكين على المنضدة

وكذلك الكأس.

كل ما أراه،

أشعر بأنه

بعيني دبور

قد رأيته

متشبثًا بزهرة

ويحدق فيّ.

2

نذهب، فالفضاء شاسع،

نتجاور،

نريد التحدث.

لكن ما نقوله

الآخر يعرفه من قبل،

لأنه منذ البدء

الممحي والمنسي

هي نفس المغامرة.

في الأحلام نتلاقى

ونحن نحب بعضنا بعضًا،

ونحن الكمال لبعضنا الآخر

نحن لا نمضي أبعد

من الذهاب في الآخر وفي أنفسنا.

3

المحيط أيضًا

يكتب ويواصل الكتابة.

في كل مد وجزر

يكتب على الرمل.

يكتب كل يوم

ودائمًا نفس الشيء.

من الأكيد

أنه يقول نفس الشيء، ومع ذلك

من يهتم؟

لا تحسده:

إنه المحيط.

«العرّافة» لأحمد الزين… أنشودة الذاكرة بانتظار قطار المحطة الأخيرة

«العرّافة» لأحمد الزين… أنشودة الذاكرة بانتظار قطار المحطة الأخيرة

يكتب سهيل العطار في رواية «العرافة» للروائي اللبناني أحمد علي الزين، قائلًا: إن الحزن هو المطلق، وكل ما سواه نسبي. والعطار راوٍ ذاتي السرد، يضعنا في أجواء سيرتِه، وعكازُه الحنين. لكل كاتب قلقه ويقينه، وإذا كان وجود الرواية «وجودًا بالفعل»، بتعبير فلسفي، فإنها قبل هذا التحقق كانت سؤالًا في وجدان صاحبها، «وجودًا بالقوة». وفيما تخط للقارئ دروبًا لإجابات ممكنة، تتخذ ماهية «الوجود بالاختبار»، اختبار المعنى في وجوداتها الثلاثة. ويفصح العطار أن «العتبة هي مدخل المعنى». وعتبة النص هي صفة أطلقها على حبيبته نهلة الشهوب، أو ننسون. والحبيبة العرافة تنبئ بما سيأتي. وإذ تستبق الزمن، ترسم علاقته بخطوط اليد وبالقلب.

الزمن إذًا، هو عتبة المعنى، ومدخلنا للقراءة. وغالبًا ما تكون علاقاته مثلثة: ماضٍ حيث يسود التذكر، وحاضر يجلله الانتباه، ومستقبل فُطر الإنسان على التطلع إليه وترقبه وتوقعه. هذا تمامًا ما يقودنا؛ حيث البدايات تطوي النهايات، والوقت يسير القهقرى، في طرق ذكريات وحنين لا تفضي إلا إلى الذات، تؤثثها لازمة يكررها الراوي بتنويعاتها: «أنا هنا الآن في غرفتي»، معلنًا بذلك الإطار الزمكاني لوجوده، وانطلاقة بَوحه، من مستشفى «دار الفردوس».

بالحب يُبنى العالم، وبالفقد تُشيد عمارة الكتابة

تؤسس هذه الثنائية بنية الرواية: الحب بتجلياته الشخصية والعامة، والفقد مع ما يتبعه من حزن وحنين. بل الأدق قولنا: إنها ثنائية الإقامة والرحيل. من هنا، حيث يقيم سهيل في النهايات، تقيم الذاكرة في البدايات. للعطار، أستاذ الفلسفة القابع في المأوى منذ سبع سنوات، صديق فلسطيني، عادل الشوال، أستاذ التاريخ المنتسب لخسارتين: الأندلس وفلسطين. وما يجمع الأستاذين، وإنْ تُوُفِّيَ هذا الأخير، هو فائض الحنين والخيبات. فسهيل يعيش وحشتين: بفقدان سلمى زوجته القتيلة على خطوط التماس في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وباختفاء حبيبته نهلة؛ إذ لا يكاد يميل القلب في منتصف العمر حتى تغادر.

يقول عادل: إن حنينه سيقتله، ليجيب سهيل بالقول: إن حنينه لم يقتله بعدُ. غير أنه يرى الحياة سلسلة من الفقدان المولد للحزن. ومنذ الصفحة الأولى إرهاص بمصير الإنسان، حين يعبر سهيل -صغيرًا- عن رغبته لوالدته في أنه لا يريد أن يكبر. ويكرر أمنيته بعد حين: «وليتني لم أكبر». ويؤكد أن النهايات كلها مؤلمة؛ فليس من نهاية سعيدة إلا في الرغبات، وأن الهجر أقسى أنواع التعنيف للروح. نخاله يؤمن بلعبة الحياة التي تقود قصص الحب إلى الفراق في خواتيمها، أو أنه يسلم يقينًا بمصير مماثل حالما يقع، معللًا منطق الأشياء: «ما نبدؤه لتوه يؤسس لفقدانه».

وعلى طريقة الراوي الذي يحب اللعب، ويلحّ على رؤية أي حدث كما لو أنه لعبة، يتلاعب بالمصاير إلاها الحب والحرب، إيريس وإيروس؛ والسر يكمن في حرف واحد زيادة أو نقصان، يُحيي أو يُدمر، وبه يُكتب التاريخ الشخصي والتاريخ العام. أمام إشكالية عمرها عمر الزمن الإنساني عندما خط أساطيره الأولى، تطرح الرواية سؤال خلاصية الفن واستشفائيته. وإذا كان جلجامش قد بحث عن عشبة الخلود حالما فقد صديقه أنكيدو، وإذ وجد سرابية بحثه، فكر في تشييد المدينة. وعلاوة على فن العمارة خُلدت مآثره في فن منقوش في ملحمة، هو الأبقى والرد الأجمل على هشاشته أمام الموت.

هكذا، أخذ سهيل بنصيحة أمه بأنه لا يُكتب كتاب إلا بعد الفقد. وعلى الرغم من اعتقاده بوهم الكتابة، فإنه يراه وهمًا جميلًا. ويعترف بأن اختفاء مَنْ أَحَبَّ هَدَّدَ رغبته في مزاولة العيش، لكن ما يكتبه من رسائل وأجزاء من سيرته، يعيد إليه الرغبة في العيش: «يبدو أننا نحتاج دائمًا لأحد نروي له حكاياتنا». يأخذ أيضًا بنصيحة والده عندما يقول له ذات مرة: «حين يرحل الأهل أو من تحب، يتصدع الجدار الفاصل بينك وبين الموت، تسقط الدفاعات الأخيرة. تابع المواجهة كي لا تهزم».

تصادي النوافذ ويقظة الحواس في مواجهة المحو

كيف واجه سهيل إذًا، هذا الطريق الممتد من الرحيل؟ هل بمزيد من الحنين؟ ويحق لنا أن نسأل عما إن كان الحنين يشفي في إنعاشه الذاكرة وتحريكه جسدًا في حالة موات، أم إنه لا يقود إلا إلى مزيد من الحزن! إذا ما تتبعنا حركة الحواس في جسد النص، عثرنا على بنية حسية، مشمومة ومرئية ومسموعة وملموسة فاعلة في حضورها. تعين سهيل العطار الثمانيني، وهو في كرسيه المُدَولب، على اقتفاء أثر من مروا في شريط الحياة واستقروا في البال. ونضيف إلى لازمته المكرورة عنصرًا مهمًّا، لتغدو على هذا النحو: أنا هنا الآن في غرفتي، أحس لأتذكر، وأستحضر الذكريات مجسدةً محسوسة.

لم يكن العطار في غرفة مغلقة، إنما مشرعة بنافذة على معهد الموسيقا قبالته، يسمع ويرى ويلوح بيده لبعض طالباته ويراسلهن. ونافذة أخرى مفتوحة على زملائه في قسم الاضطرابات النفسية، وهي نافذة مجازية. وثالثة تنفتح على أيامه وفق تعبيره. فالنوافذ الثلاث ما هي إلا منافذ للروح ومفاتيح للماضي المتدفق في الحاضر حيث يسير الوقت وئيدًا. يقول سهيل: «أتنقل بين ما أشاهده وأسمعه مباشرة في محيطي، وبين ما تحول إلى صورة في الذاكرة». أما بالنسبة للصوت والنغم الموسيقي على وجه الخصوص فمقامه رفيع في حياة هذا الرجل المتأثر بفراقيات جدته، وبعزف زوجته التي علقت لوحة فوق آلة البيانو خاصتها على جدار البيت، دُونت عليها العبارة الآتية: «عندما تسكت الموسيقا تتصدع جدران المدينة».

ويرى أن الصوت إطاره الكون كله، وله سرعة الضوء في قدرته على حمل الإنسان إلى الأمكنة النائية. إلا أن العطر أيضًا لا إطار له. ولعلاقة سهيل بالعطور امتداد تاريخي يعود إلى جده الذي أورثه اسم شهرته «العطار» وعطر السلالة. أما اللمس فقصته معه قصة يد ومنعرجات في الكف حين تلمسها يد الحبيبة ينتعش القلب: «عظيم هو اللمس، حاسة أقوى من النظر. يمكن أن ترى من خلال يدك». والأهم أن بصفعة من يد ابنه زرياب، وهو عازف، وصل إلى حيث يقيم. بملاحظة بدهية لهذا التكثيف الحسي/ الشعوري، أنه يماثل «صرة» (كزاد الراعي المربوط على عصاه) من أصداء وظلال ونسائم لحواس لا تترك آثارًا لخطوها إلا في الوجدان، وتواصل رحيلها.

تتبدى أبعاد ثلاثة للنوافذ في قصدية اختيار فني جدير بالانتباه. بُعد واقعي محايث لنافذة تطل على يافعات يرسمن مستقبلهن الموسيقي، تتغذى حواس العجوز عليها من سماع ومشاهدة، إذ يستعيد زمانه معهن. وبُعد نفسي في تواصله مع مَن كان من أصدقاء الماضي وبات في هذا المصح، على غرار الشاعر زمان، ورياض أستاذ العلوم، إضافة إلى قناص خطوط التماس التي شطرت بيروت إبان الحرب الأهلية، وقد يكون هو قاتل سلمى زوجة سهيل.

أما البعد الثالث للنافذة فهو استعاري، يتخذ دلالته من رمزية الانفتاح على الآخر داخل النص، وتجاوزًا له. التراسل مع رلى عازفة الفلوت وريتا عازفة الكمان في المعهد، مع ما يحمل رسائله من بوح ومرويات من سيرته يعيد إليه شغفه بالعيش وتقديره لوجوده. والبعد الانفتاحي الآخر نستعير لوصفه عبارة «التنافذ» لشاكر لعيبي. فنوافذ المستشفى والمعهد لا تبتعد كثيرًا من نوافذ الشاعر راينر ماريا ريلكه، عندما يفصح سهيل بالقول: «النوافذ هكذا تؤطر ما نراه ويصبح أبديًّا في الذاكرة، تشبه نافذة الشاعر ريلكه». وريلكه يعرف النوافذ بأنها وعاء الانتظار ومخبأ الودائع والموادعات، وبث الأحاديث للغائبين، الشرود وتمحص الوجود. ويرى أن الموسيقا تتجاوز الموت. ولا يتسع المقال لذكر نوافذ الراوي (الذات الثانية للروائي) على الآخرين من ابن عربي، إلى صموئيل بيكيت وغيرهما.

الخروج إلى المدينة: ماذا فعلنا؟ وما فعلت بنا الأيام؟

حين نتوغل في القراءة تنبثق أسئلة أخرى عن مآلات المبدعين ومن ساهم في تشكيل وجه المدينة. فهل من أحد يذكرهم؟ أو يكرمهم؟ وما الذي يجعلهم يخشون التقدم في السن؟ قد نلمح لدى سهيل إجابة ما تشبه اليقين بأن الأمكنة تحفظ ما يتمكن الزمان من محوه. في كتابة سيرته أو سردها على قارئ ضمني، يستحضر سير الآخرين، بل إن سيرته ما هي إلا جزء من سير أصدقائه، ومن تاريخ الأمكنة التي وضع معهم حجرًا في زاوية من زواياها. وإذ يترك بصمته قبيل مغادرته، تكون الأمكنة وناسها قد حفرت وشمًا في ذاكرته وآخر في نفسه. «كل صحبتي قتلوا بالحنين أو بالحزن أو بالرصاص… أتأمل في باطن كفي… صار الحفر عميقًا واضحًا… هكذا تصبح راحة اليد حين تتعب من الوقت ومن التلويح، ومن مهماتها النبيلة والسافلة».

المستشفى هو صورة مصغرة عن بيروت. عته الماضي وعنفه أفرزا هذه التشوهات، وجمعا الضحية والقاتل معًا، المجنون والعاقل، وجميعهم في العجز والهشاشة سواء. عن مجموعة المضطربين نفسيًّا في هذا الفردوس -بتسميته الساخرة- نجد صدى لقصة «عنبر 6» لأنطوان تشيخوف. تضعنا القصتان كلتاهما أمام مسألة تعريف الجنون إزاء العالم وأحداثه، وإزاء السلطة الاجتماعية. ولعل ممدوح عدوان، في دفاعه عن الجنون، خير معبر في هذا المقام عما تريد هذه السطور قوله: «في حياتنا شيء يجنن، وحين لا يُجن أحد فهذا يعني أن أحاسيسنا متبلدة، وأن فجائعنا لا تهزنا. فالجنون عند بعض منا دلالة صحية على شعب معافى لا يتحمل إهانة… اجعلوا الحياة من حولنا معقولة كي نظل بشرًا».

الحياة مسرح ونحن اللاعبون، حين نحضر تحضر اللعبة. هكذا تنبئنا الرواية حين تسدل الستارة. «وأسدلت الستارة في لعبة بيكيت على إله لم يصل. هذا هو العالم. كل واحد منا ينتظر إلهًا أو مخلصًا أو أحدًا يخرجنا من دائرة السكون». لكن ما حدث جاء أعلى من سقف توقعات سهيل. وسط هذا الموات للجسد وانكسار الروح، بقيت النوافذ مشرعة، والحواس ظلت حية في حركة لا تهدأ، ترسم «المكان الطريقي» (وفق تعبير جان بول سارتر)، إلى أن حان الوقت، وقت الخروج، منبئة باستعادة المدينة والقدرة على المشي معًا، المكان الطبيعي لهذه الذات التي سُلخت عن تاريخها الممتد لتنزوي في مساحة بحجم غرفة.

لم يكن للذاكرة وظيفة استشفائية فحسب، ولا للموسيقا والصوت والمرئيات والتداعي للمرويات، والتراسل، والروائح، وجميع ما ومن يسكن الذاكرة واستُدعي بفعل الخيبة والحنين، لم تكن جميعها عوامل بقاء على قيد الحياة ومقاومة لركود الزمن وضيق المكان فقط، بل كانت رحمًا يضطرم، ويؤسس في كمونه وانتظاره للخروج، للحركة وأفقِها: «أفسحوا الطريق، إني أسير». عاد إلى شوارع يتشربها نظره وتعبها روحه. فبانسلاخ سهيل عن أمكنة باتت جزءًا من كيانه انسلاخ عن الذات. وملاقاة الأمكنة ملاقاة الذات، على الرغم من نبرته التشاؤمية بقوله: «اللقاء الذي سيحدث هنا ليس لقاء حبيبين هو لقاء النهايات».

في حضور الأشياء والأشخاص في العوالم المعيشة وليس في الخيال هذه المرة، اختفاء لما أدى دورًا ما في هذا الاستحقاق. أدى وظيفته وتوارى خلف ستارة المسرح في لعبة الحياة كما يحلو لسهيل العطار أن يسميها، مستعيرًا من ستانيسلافسكي قوله: «إن كل ما يحدث هو لعبة ممثلين أفرطوا في الاندماج وبلغوا الحقيقة في أدائهم». فقد اختفى الحارس والشاعر زمان. والممرضة منى وبيتر عادا إلى المستشفى، ومعهما الكرسي، وقد رافقوه في رحلة خروجه من المستشفى. وبقي سهيل وحيدًا في المقهى بغير عكازيه أو كرسيه أو ممرضته. وكأننا به يقول: إن فائض الحنين نادى عرافته نهلة شهوب، فاستجابت للنداء الخفي، أقبلت إلى المقهى، وقالت له: قم. فقام، ومشى! هي طاقة الحب حين يصل إلى حدود الشوق وأبعد.

«السماء تدخن السجائر» لوجدي الأهدل سوريالية الواقع

«السماء تدخن السجائر» لوجدي الأهدل

سوريالية الواقع

بمناسبة صدور رواية «السماء تدخن السجائر» (دار هاشيت أنطون – نوفل) لليمني وجدي الأهدل، فإن قارئ الرواية سيعود إلى مخيلته مجمل إصدارات الأهدل التي دشنها بقوارب جبلية، وحمار بين الأغاني، وفيلسوف الكرنتية، وبلاد بلا سماء، وأرض المؤامرات السعيدة. وليس مربط الفرس هنا، وإنما مربط الفرس في أن روايات وجدي الأهدل، من ذلك النوع الذي يحرك المشهد الإبداعي برمته، ويعيد الفن السردي إلى واجهة الفنون الإبداعية بقوة، وكلما فتش القارئ في كتابات وجدي الأهدل، شعر بأنه يرغب في المزيد، وأحس أن هذا ما يود الوصول إليه؛ لذا فإن كتابات وجدي تمد جسورها إلى القارئ فيجد مشتركًا حقيقيًّا بينه وبين ما يكتبه. ويعرف القارئ أيضًا كلما قرأ لوجدي أن لديه لغةً خاصةً ونفسًا أصيلًا عميقًا قادرًا على الجذب والتشويق، ولغة استفزازية أحيانًا- يحس أمامها أنه أمام تحدٍّ حقيقي ومعركة فكرية فلسفية تأخذه إلى أمكنة مجهولة، ولكنها ساحرة مثل مدينة ذهبية طمرها الرمل ولا أحد يراها سواه هو؛ لأنها لغة متفجرة بالرموز والطاقات والانحرافات التي يتقصدها الروائي من أجل خلق مناخ تفاعلي من نوع آخر مثير للجدل البنّاء.

الفن والصراع

وجدي الأهدل

إن الثيمة الرئيسة لرواية «السماء تدخن السجائر» هو الصراع؛ فالصراع هو أهم ما في الفن؛ إذ من خلاله تنبت المتعة ويتحرك الخيال، ودلالاته في الرواية متعددة: صراع على الهوية، وصراع على البقاء، وصراع على القيم والأرض، إلا أنه هنا يتجلى بشكل واضح في الحرب التي جاءت نتيجة لحروب صغيرة ضد الثقافة والقيم الاجتماعية، وضد الفن الذي جسده البطل المسرحي «ظافر»، وعدم تبني الدولة -بروافعها- للفن مثّل سببًا واضحًا في ذهاب المجتمع إلى حرب مدمرة أكلت ما تبقى من ملامح مدنية وسياسية واجتماعية واقتصادية. ظافر شاب تعرض في طفولته لدخول سمكة صغيرة إلى دماغه، رمزية هذه السمكة أنها حرفت مسار حياة ظافر، وأصبحت تتحكم بقناعاته واختياراته التي أحب، وتجلى ذلك في اختياره المسرح في وقت كان أبوه يريد له الانخراط في السلك العسكري. وبالفعل يذهب ظافر إلى المسرح ويقدم مسرحية ترفضها المؤسسة الرسمية؛ فيلجأ للمال الذي ورثه عن أبيه، يؤسس فرقة وينفق عليها لكن المجتمع الثقافي والسياسي لا يتقبلها فتفشل. ويكمن عنصر المفاجأة حين يستحسن الرواية ممثل إنجليزي، فيتبنى نشرها بدعم محلي، وتذهب حبيبته نبات مع الأجنبي كضحية لفساد المؤسسة الثقافية؛ إذ إنها تُعجب بالأجنبي وتتزوجه، هروبًا من متنفذ يسكن بحي حدة، الحي الذي يعيش فيه الأثرياء والمتنفذون، والرواية بذلك تنتقد بشجاعة كثيرًا من أمراض المجتمع.

أحداث تجذيرية

تبدو الرواية في المجمل وكأنها تتكون من فصلين: الأول يتحدث عن ظافر البطل المسرحي، والثاني يتحدث عن ظافر الذي لم ينحنِ للعاصفة، ولكنها كانت أقوى منه. يحسب للروائي كونديرا أنه قال: «وحدها الرواية تستطيع أن تقول كل شيء باقتضاب، وسهولة»، وهذا ما حدث في الانسيابية السردية الممتعة التي جسدها السارد -ضمير الأنا- في الرواية. وهو استخدام تقني سهّل حرية تفكير الشخصيات، وأبعد الملل والرتابة عن الحكي. وإذا كانت عتبة الرواية هي نقطة الدخول العام للفكرة الرئيسة، فإن الروائي هنا جسدها بصيغة تهكمية. أتحفتنا الرواية بشخوصها وأحداثها التجذيرية؛ فهذه خلفية ظافر: ولد في مدينة الحديدة داخل بيت متواضع كان يعتقد دائمًا أنه سينهار، كثرت فيه الاهتزازات والتشققات، وحين أبدى مخاوفه طمأنه والده، يقول: إنه بيت متصالح مع الفئران والجن والأفاعي.

والد ظافر كان لديه طموح ثوري، شارك في ثورة الستينيات من دون أن يطمح إلى أي مكسب فردي، في حين كانت الثورة للكثيرين مغنمًا ووسيلة نجاة، أب ملتزم دينيًّا وأخلاقيًّا فبعد مشاركته في الثورة انسحب ليعمل في الخياطة؛ لكنه وبسريالية مطلقة أولع بالتنجيم ومعرفة أخبار الكواكب وانعكاسات ذلك على مواطنيه الذين أخذوا يقصدونه. أنفق جزءًا كبيرًا من ثروته على شراء مخطوطات وكتب متعلقة بالتاريخ، كان يريد لابنه أن يذهب إلى الجيش ويسهم في بناء وطنه، فيما رأى ظافر أن الوطن يحتاج للمسرح أكثر من حاجته للبندقية، التي كان من المفروض أن تضع أوزارها بعد الثورة كما فعل والد البطل. أما جدّة البطل التي كانت تأتي من قرية بعيدة فهي أيضًا شخصية سوريالية، لديها وصفات سحرية لمعالجة الأمراض المستعصية، وقد عرضها السارد بطريقة بديعة. حضر الأب بقوة في تسيير دفة الحكي؛ فقد ترك بعد وفاته ست حكايات كلها تتحدث عن الإنس وعلاقتهم بالجن -لنلحظ هنا (واقعي مع ميتافيزيقي)- عدا واحدة فإنها حكاية عاطفية. وهنا وبشكل دراماتيكي احترافي ترتفع ديناميات السرد؛ إذ إن البطل يعزم على تحويل هذه الحكاية العاطفية إلى مسرحية، وبعيدًا من الرمزية المفرطة في الرواية وشخصياتها، يذهب السارد ويا للعجب إلى منحى جديد؛ لأنه يجدها فرصة لتطوير العملية السردية، وإفشاء قصة حبه مع الممثلة نبات، التي يريد لها أن تقف في دور البطولة أمامه على خشبة المسرح، بعد أن رفضت المؤسسة العامة للمسرح مسرحيته بحُجة أنه سرقها من مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير. ولقد ذهبت كل محاولاته -في ثني المسؤول عن رأيه- أدراج الرياح. والمفارقة أن الرواية مأخوذة من صندوق والده، ولكن هيهات أن يتفهم ذلك الرجل المتكلس خلف مكتبه.

ملامح ما بعد كولونيالية

من سمات مرحلة ما بعد الكولونيالية هيمنة الاستعمار بطرائق غير مباشرة، فقد استعانت الدول الاستعمارية؛ لكي تضمن ولاء الدول الفقيرة، بوسائل غير عسكرية جلها اقتصادية نفعية من طرف واحد. ويعد حضور الرجل الأوربي في الشرق ملمحًا من ملامح تلك الهيمنة، فسرعان ما يترنح المغلوب أمام غالبه على حد وصف ابن خلدون وتسيطر ثقافته، فعندما فشل ظافر في عروضه المسرحية داخل العاصمة وخارجها جراء تآمر محلي، استغل الممثل الإنجليزي ريغنالد «قلب الأسد» عرضًا أقيم في مدينة عدن، ليعرض عليه أخذ المسرحية والعمل على تدويلها، ليتضح أن الموظف ومسؤوليه يعانون عقدةً مرضيةً اسمها: الخواجة. تقول نبات: «أنا مدينة لريغنالد بسعادتي، إنه بطلي الذي أنقذ حياتي من الضياع، وأنقذ شرفي من مستنقع الرذيلة، الذي حاول رجال دولتنا الأشاوس جرجرتي إليه». بهذا القدر تذهب سوريالية وجدي إلى التركيز عما هو مهمل ومسكوت عنه، ربما يقول قائل: إن هذا عمل حُلمي تخييلي، ولكن الحقيقة أشار إليها مؤسس السوريالية أندريه بريتون حين تحدث عن أهمية الأحلام والغرائبية في الأعمال الفنية؛ لأن هناك أحلامًا نستطيع أن نلمسها.

استطاع وجدي الأهدل أن ينحت شخصية جديدة تضاف إلى عائلة السرد اليمني، وهي شخصية ظافر الذي ذهب بها إلى أبعد نقطة في اللاوعي باحثًا ومنقبًا عن خبايا عميقة؛ فبدت شخصية ظافر كما لو أنها حقيقية تتحرك في أفق سوريالي، وهو أفق حقيقي تجعلك في الحرب تعيشها وتتخيلها، وبخاصة إذا عرفنا أن السوريالية ظهرت نتيجة للحرب العالمية الأولى، وأمدتها بالاستمرار الحرب العالمية الثانية. وإذا ركّبت مشهدين بعيدين بعضهما من بعض، فهذا يعني أنك سوريالي، وهو ما حدث في التركيب العام للشخصية الرئيسة، وهو ما يعني انعكسًا للحياة اليمنية. يصبح ظافر المسرحي -في وضع خارج عن العقل- عاملًا في مصنع للشيبس. يتعرض المصنع للدمار، ويذهب العمال الأبرياء ضحايا يموتون ويتشردون. حتى الذين ينزحون من أحد الأمكنة تلاحقهم السماء بسجائرها إلى مكان النزوح. وإذا كانت السوريالية تهدف إلى ترجمة صمت العقل، فإن الرواية تحفل بمثل هذه الترجمة. ففي طفولة ظافر يحب امرأة في الخامسة والثلاثين بينما هو في الخامسة. وحين ذهب ظافر بمعية شقيقه أنعم مع الصيادين كاد يغرق، ولكن تلقفته سمكة صغيرة، تسربت من أنفه واستقرت في دماغه. في هذه الحادثة لحظة تكثيف سوريالية، عبر فيها السارد عن أدوات واقعية لحدث عجائبي. ولكن السمكة نفسها ستخرج من أنفه جراء عطسة. ولعل السؤال الذي تتركه النهاية ماذا لو كان شكسبير هو الذي سرق المسرحية من صندوق حكايات والد ظافر؟

«درب الحاجب 36» لأحمد المديني بين افتراضية الواقع وتجريبية النص

«درب الحاجب 36» لأحمد المديني

بين افتراضية الواقع وتجريبية النص

تتعدد تقنيات التجريب وتتنوع في رواية «درب الحاجب 36» للروائي المغربي أحمد المديني، الصادرة مؤخرًا عن «المركز الثقافي العربي للكتاب»، في الدار البيضاء وبيروت. والرواية هي حلقة جديدة في مسيرة روائية طويلة، باشرها صاحبها منذ نحو نصف قرن، وشكلت روايته «زمن بين الولادة والحلم» الصادرة عام 1976م، حلقتها الأولى، وتمخضت عن سبع عشرة رواية حتى تاريخه، إضافة إلى عشرات الكتب في حقول معرفية مختلفة. وإذا كان التجريب مسألة تتعلق بالخطاب الروائي الذي يشكل الكيفية التي يُقدَّم بها ماهية الحكاية، فإنه من نافل الفعل أن نخوض في الماهية قبل الكيفية، وأن نلقي الضوء على الحكاية قبل الخطاب الذي يشكل التجريب لُحْمته وسَدَاه.

في الحكاية، يتخذ المديني من الدار البيضاء عالمًا مرجعيًّا لروايته الأخيرة، وهو ما فعله في روايته السابقة «رجال الدار البيضاء»، الصادرة منذ ثلاث سنوات. وعلى وحدة العالم المرجعي في الروايتين، فإن الأسئلة المطروحة فيهما تختلف من رواية إلى أخرى؛ ففي حين يطرح في السابقة أسئلة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها الدار البيضاء في سبعينيات القرن العشرين، يطرح في هذه الأخيرة سؤال العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومتعلقاته، وهي علاقة تفتقر إلى التكافؤ بين طرفَيْها، عبر التاريخ، يستخدم فيها كلا الطرفَيْن أدواته، المشروعة وغير المشروعة، وتُدفَع فيها الأثمان الغالية، وتؤول إلى نتائج معينة، كثيرًا ما تكون في مصلحة الطرف الأقوى.

قرار المخزن

في هذا السياق، يشكل القرار الذي يتخذه المخزن (الاسم المرادف للحاكم في العالم المرجعي المختص، في بداية ثمانينيات القرن العشرين) بإزالة حي «درب الحاجب» في الدار البيضاء، (الاسم المرادف للمحكوم في الرواية)، نقطة تحول كبرى في مجرى الأحداث يكون لها ما بعدها؛ ذلك أن الدرب «الذي بناه الحاجب الملكي التهامي عبابو بعد أن أهداه السلطان مولاي يوسف قطعة الأرض، وباسمه تسمى وقطنه قسم من الوافدين، أغلبهم من أقصى الجنوب الشرقي للبلاد، إما مجانًا أو بثمن زهيد، وعاشوا فيه منذ ذلك الوقت وتناسلوا وصارت لهم حياتهم الخاصة» (ص 202)، يشغل موقعًا إستراتيجيًّا في المدينة بمجاورته قصر الحاكم، ويمثل الملاذ الآمن لأهله الذين توارثوه أبًا عن جد، وعاشوا فيه بأمانٍ واستقرار. من هنا، يأتي القرار المفاجئ بإزالته وترحيل سكانه إلى حي آخر ليشكل زلزالًا تكون له تردداته وآثاره المتمادية على شخصيات الرواية وأحداثها، ويؤذن باندلاع معركة بين طرفين غير متكافئين، يستنفر فيها كل منهما أدواته، ويستخدم الأسلحة المتاحة له، وتنتهي بانتصار الطرف الأقوى فيها، وهو المخزن. ويدفع الطرف الأضعف فيها، وهو درب الحاجب، الأثمان الباهظة.

ولعل الرواية هي هذه المعركة الطويلة بين الطرفين، بأدواتها وأسلحتها ونتائجها وآثارها المتمادية. على أن المفارق في هذه الرواية/ المعركة أن المسافة بين الحقيقي والخيالي، بين الواقع والحلم، بين المعيش والمتخيل، بين الإطار والمحتوى، كثيرًا ما تتضاءل إلى حد الإلغاء، فلا نعلم أين ينتهي الحد الأول، في كل من هذه الثنائيات، وأين يبدأ الحد الثاني. وهو ما يتناسب مع العالم المرجعي الذي تُشكل الغيبيات والخوارق والأساطير جزءًا من معتقداته وحياته اليومية.

الحلقة الأضعف

يمثل أهل «درب الحاجب» الحلقة الأضعف في المعادلة أدواتٍ وأسلحة؛ فالشخصيات التي تنبري لقيادة الحركة الاعتراضية على القرار مصابة بأعطاب، جسدية أو نفسية، تختلف ثلاث منها، على الأقل، إلى المصحة النفسية 36، بفعل فاعل، وتتعرض للحقن وتجرع الأدوية المهدئة، وتسقط في الهذيان والتهيؤات. ولعل إصابتها بهذه الأعطاب ناجمة عن الضرب أو الاعتقال أو الوقوع تحت ضغط معين، مما تستخدمه أدوات الحاكم. ومع هذا لا تتخلى عن رفع الصوت للدفاع عن حق طبيعي أو الدفاع عن حق مكتسب.

وعليه، ينخرط في هذه العملية حميدو بو فارس المتحدر من عائلة فقيرة تخفي فقرها عن الآخرين لتتمكن من الاندماج معهم، ويعمل موظفًا في شركة تأمين، ويسهم في طريقة عملية في تنظيم الاعتراض على القرار الجائر بإخلاء الحي، ويحث أهله على الدفاع عن حقهم، حتى إذا ما تم الإخلاء في غفلة من المعترضين وجرى إسكان الناس في حي آخر، وفقد مستنداته الثبوتية، يُعاقَب على موقفه بأن يُحرم من مستند يعرف به وبأسرته، ما يجعله دون اسم، ويحول دون تمتعه بحق السكن. وينخرط في العملية نفسها فاتح السكوري الذي يسهم بدوره في الاعتراض، ويتطاول على ساكن القصر، وينضم إلى المعتصمين عند مدخله، ويصرخ في وجه مندوبه، حتى إذا ما اعتُقل في ظروف قاسية وأُفرج عنه، يتوهم أنه جنرال ويأخذ على عاتقه حماية الجيران والأصحاب، ويحرض الناس على القرار، ويخرج عليهم عاريًا في خطوة احتجاجية جريئة، ويسهم في تنظيم حركة الاعتراض. وحين يُزَج به في المصحة 36 يتحايل على العاملين فيها وعدم تناول الأدوية ويحرض المرضى على التمرد، وهو ما يجعل الطبيب المركزي يتركه في حال سبيله. على أن اعتراض هذه الشخصية يبلغ الذروة حين تقوم بترويج نصوص لابن خلدون تحذر من مغبة الظلم، ما يزعج المخزن، فيأمر بالقبض عليه. وينخرط في تنظيم عملية الاعتراض أيضًا عبيقة، «أكبر فتيان درب الحاجب وأصغر الرجال سنًّا فيه، وهو ملاذ هؤلاء جميعهم، وقبضتهم ومِديتهم، كلما مسهم ضيم» (ص 211)، وهو الذي يدافع عن الحي ويحمي بناته ويؤدب المتطاولين عليه من الأحياء المجاورة، ويتزعم تظاهرة للفتيان ترفض الرحيل عنه وتندد بالتابعين الأذلاء.

إلى ذلك ثمة من ينخرط في الاعتراض، في مكان آخر، ومن زاوية أخرى، فعبدالواحد المهبول، العامل في سبيطار برشيد، يتزعم مجموعة من نزلاء المصحة، وينظم تظاهرة لهم إلى ضريح القاضي الحاج صالح في برشيد ليشكو له سوء الحال، ويقود وفدًا منهم إلى مصلحة تقييد النفوس التي يديرها ابن خالته للمطالبة بمستندات تثبت وجودهم على قيد الحياة، بعد أن احترقت ملفاتهم. وإذ يُسقَط في يده، لا يتورع عن السخرية من قريبه، وعقد محاكمة متخيلة له، واتهامه بالتلاعب بالأسماء والعناوين. وهذه الشخصية بدورها تعاني عطبًا بنيويًّا، فتهذي وتهلوس كما الآخرين. وهكذا، يصبح مصير الإنسان في العالم المرجعي الذي تحيل عليه الأحداث مرهونًا بورقة من السلطة المعنية التي بيدها إيجاده أو محوه من الوجود.

وإذا كانت أدوات الاعتراض على الظلم تتمثل في هذه الشخصيات المعطوبة وسواها من شخوص الرواية، فإن الأسلحة المستخدمة في العملية تتدرج صُعُدًا، بدءًا من الكتاب المفتوح، مرورًا بالمراجعة والاعتصام والتظاهر، وصولًا إلى نشر نصوص ابن خلدون بين ساكني الأحياء. أما الأثمان المدفوعة في هذه الحركة، فتُراوِح بين التهميش والانتظار الطويل على أبواب صاحب القرار والضرب والاعتقال والزج بالمعترض في مصحة نفسية وحقنه بالأدوية الضارة، والاقتلاع من الحي، في نهاية المطاف، وهو ما تنفذه السلطة، في غفلة من المعترضين، وبرغم أنوفهم.

الحلقة الأقوى

في المقابل، تتمظهر أدوات السلطة في مجموعة من الموظفين الإداريين والعسكريين، وبينهم مبعوث الحاكم والمقدم والخليفة والمخبر المحلي والطبيب والموظف في مصلحة تقييد النفوس وغيرهم، ولكل من هؤلاء دوره في تنفيذ القرار. على أن المفارق، في هذا السياق، أن أحمد المديني الذي يمنح حق الروي لتسع شخصيات من المهدورة حقوقهم، يكتفي بمنحه لثلاث شخصيات فقط ممن يدورون في فلك المخزن، هم: موظف تقييد النفوس حمدان لحريزي الذي يُسنِد إليه منفردًا روي 49 وحدة سردية، أي قرابة ثلث الوحدات التي تتألف منها الرواية، والمخبر المحلي ميلود العشاب الذي يُسنِد إليه روي 6 وحدات، والطبيب الكباص الذي يُسنِد إليه روي وحدتين سرديتين فقط، أي أن مجموع الوحدات التي ترويها جماعة المخزن يبلغ 55 وحدة سردية، ويبلغ مجموع الوحدات التي ترويها الشخصيات التسع من المهدورة حقوقهم 54 وحدة سردية. وبذلك، يتبين لنا أن انحياز المديني إلى أصحاب الحقوق، من حيث عدد الشخصيات الممنوحة حق الروي، سرعان ما يطيح به التوازن في توزيع الوحدات السردية على طرفي المعادلة، بحيث ينال أصحاب الحقوق 54 وحدة سردية في مقابل 55 وحدة لجماعة المخزن.

وبقراءة الشخصيات المخزنية الثلاث التي يُسنِد إليها مهمة الروي، يمثل حمدان لحريزي، العامل في مصلحة تقييد النفوس في عمالة الدار البيضاء، نموذج الموظف المخلص للجهة التي يعمل لديها، ينفذ الأوامر والتعليمات، يُدون أسماء الساكنة في المدينة وضواحيها وكل ما يتعلق بها من أخبار ملتوية ومشبوهة ويرفع التقارير إلى أهل الاختصاص، يتحول إلى مخبر للسلطة، يتخلق بأدبياتها في تعاطيه مع المكلفين، ولا يتورع عن ممارسة الحذف والإضافة والتلفيق والتزوير والتحوير وفقًا لمقتضى الحال. ويصدر عن نظرة عنصرية إلى القادمين من البوادي إلى المدينة، ويحول دون حصولهم على حقهم في المستندات الرسمية التي تثبت شخصياتهم. على أن هذه الممارسات تجعله يشعر بالذنب دون أن يبادر إلى التكفير عن ذنوبه؛ لذلك، كثيرًا ما يتحسس رأسه، ويشعر بالخوف من أن يصل الموسى إلى ذقنه، فممارسته دور الجلاد لا تجعله بمأمن من أن يكون هو الضحية التالية. ولعل تعرضه لحادث سير قد يكون مفتعلًا، بعد التقاعد، بهدف التخلص من المعلومات التي اطلع عليها بحكم وظيفته، يؤكد مخاوفه.

أما ميلود العشاب، صاحب الدكان ذي الموقع الإستراتيجي في الدرب، فيمثل دور المخبر المحلي الذي يراقب المارّة، ويُدون ما يرى ويسمع، ويرفع التقارير إلى خليفة المقاطعة. وهو لا يتورع عن الوشاية ببعض المحتجين ما يؤدي إلى اعتقالهم، ولا يخفي فرحه بالداء الذي يجتاح الدرب والأحياء المجاورة، وهو ما يجعل تجارته في الأعشاب تزدهر. على أنه رغم ما يُنسَب إليه من تواطؤ مع الجهة المهتمة بإزالة الدرب، فإنه لا يُعدَم أن يتعاطف مع الساكنة المتضررة من قرار الإزالة، وهو ما يشي بتضارب سلوكه مع مشاعره الدفينة بالانتماء إلى شريحة المهدورة حقوقهم.

إلى ذلك، يمثل الدكتور الكباص، العامل في المصحة، نموذج الطبيب الذي لا يحترم قَسَمَهُ الطبي، ويخفي عن المرضى حقيقة أمراضهم، ويجعل منهم فئران مختبر لتحقيق طموحات مَرَضية خاصة، وينصح بعضهم بالنسيان علاجًا لأمراضهم، ويصف لهم من الأدوية ما يفاقم حالاتهم المرضية، نزولًا على رغبات الجهة المقررة. وهكذا، يتبين لنا أن الأسلحة المستخدَمة من هذه الجماعة، في معركتها المفتوحة ضد أصحاب الحقوق، تُراوِح بين التبليغ والإحصاء والمسح والتنفيذ وإيصاد الأبواب والتهميش والاعتقال والتعنيف والحجر الصحي والتلاعب بالقيود وإخفاء المستندات وإصدار القرارات الجائرة وغيرها. ولعل القرار الأخير الذي تنتهي به الرواية والقاضي بمنح رقم لكل مواطن، يرافقه منذ ولادته حتى موته، وهو ما يجعل الناس مجرد أرقام في نظرها، يعكس طبيعة عمل الإدارة الحاكمة وزاوية نظرها إلى المحكومين.

تمظهرات التجريب

في الخطاب الروائي الذي تتمظهر فيه تقنيات التجريب، يضع المديني روايته في 151 وحدة سردية، ويعهد برويها إلى أربعة عشر راويًا بمن فيهم الراوي العليم، ويوزعها على خمسة أقسام، بوتيرة تُراوِح بين 20 وحدة سردية للقسم الواحد، في الحد الأدنى، و63 وحدة، في الحد الأقصى. على أن العلاقة بين الوحدات المتعاقبة ليست خطية، بل متكسرة إلى حد التشظي، وتوزع الواقعة الواحدة على وحدات سردية عدة. وهنا، ندخل إلى التجريب وتقنياته المستخدَمة في الرواية. وغني عن التعبير ما يستلزمه توزيع هذا العدد الكبير من الوحدات السردية على هذا العدد الكبير من الرواة من مهارة وخبرة وكفاءة، لا أظن أن المديني يفتقر إليها. أما التجريب الذي يقوم عليه الخطاب فيتمظهر في الوقوعات الآتية:

أولًا- استخدام الكاتب تقنية المرايا المتقابلة في السرد بتناول الواقعة الواحدة من منظورات متعددة، ويكون على المتلقي أن يتنكب أمر تركيب الوقائع المختلفة، واستطرادًا الحكاية. ولعل هذه التقنية تتيح تقديم صورة متكاملة للوقائع المختلفة.

ثانيًا- تنويع الأطر التي يُقَدَّم بها المحتوى الروائي، ومراوحتها بين الكابوس والحلم وحلم اليقظة والهذيان والهلوسة وغيرها، وهو ما نراه مع حمدان لحريزي وحميدو بو فارس وعبدالواحد المهبول بشكل أساسي. ولعل الكاتب يمارس من خلال هذه الأطر نوعًا من تقية روائية تحل صاحبها من المسؤولية عن المحتوى المروي، من جهة، وتجعل الواقع المرصود افتراضيًّا، من جهة ثانية.

ثالثًا- تدخل الروائي في توجيه القارئ من خلال ثلاثة نصوص تشكل ثلاث عتبات نصية لأقسام الرواية، يتناول فيها ظروف كتابة الرواية وطقوسها وآلياتها ومسالكها والمراحل المنجزة وتلك المتبقية منها.

رابعًا- احتكامه إلى القارئ في مسالك معينة، ومشاركته هواجسه في مسار الأحداث ومصيرها، وإعلامه بإستراتيجيته في الروي.

خامسًا- تدخله المباشر في أحداث الرواية، من خلال تحويل نفسه إلى شخصية روائية، تروي 10 وحدات سردية، يفصح فيها عن خططه، ويقتفي أثر شخصيات درب الحاجب لتدوين حكايته، ويقابل الشهود الذين ما زالوا على قيد الحياة.

سادسًا- تنازعه اتجاهات الروي مع سارده العليم، وتحويل هذا الأخير إلى شخصية روائية، ينخرط معها الكاتب/ الشخصية في جدال حول شراء الحكايات من أصحابها.

هذه التمظهرات وغيرها تعكس حرص أحمد المديني على ممارسة حريته في الكتابة إلى أبعد الحدود بمعزل عن الأنماط المكرسة والقوالب الجاهزة، ويثبت أن النوع الروائي عصي على التعليب، وأن ما يعلبه الواقع يحرره النص. وبهذا الواقع الافتراضي الذي يرصده بواسطة هذا النص التجريبي، يثبت أحمد المديني، مرةً أخرى، أنه قامة روائية عربية باسقة، كانت وتبقى وارفة الظلال.