عالية مارديني: تعجبني الأعمال غير المكتملة فكل شيء في حقيقته غير مكتمل

عالية مارديني: تعجبني الأعمال غير المكتملة فكل شيء في حقيقته غير مكتمل

نمرُّ في حياتنا بمراحل مختلفة من اكتشاف ذواتنا، وهناك انعطافات تغير مسار حياتنا بشكل كامل، تلك الانعطافات قد تبدأ بمشاعر تنتابنا مثل أننا فقدنا شعورنا بالانتماء نحو الأماكن، أو العالم الذي اخترناه لأنفسنا أو المجال الذي نعمل به. عاشت الفنانة السعودية عالية مرديني هذه الحالة من المشاعر بعد العمل لسنوات عدة في مجال التسويق، أخذتها إلى رحلة من البحث عن الذات، فالتحقت بدورات تدريبية في مجال التصوير، والخياطة والتصميم الغرافيكي، ثم دورات مختلفة في مجال الفنون البصرية. وهنا كانت قد وصلت إلى انعطافة مهمة في حياتها قررت بعدها أن تتخلى عن مجال التسويق وتتعمق في المجال الفني.

حصلت مارديني على دبلوم الفنون البصرية من معهد المهارات والفنون في الرياض. شاركت بعد ذلك في معارض عدة منها: معرض «تراثنا حبنا» في غاليري الفن النقي بنسخته الخامسة والسادسة، ومعرض الأسبوع السعودي للتصميم، ومعرض الإقامة الفنية الخامسة في صالة الأمير فيصل بن فهد. استطاعت مارديني أن ترسم خطوطًا عريضة لهويتها الفنية الخاصة، لكن هل أصبحت هذه الهوية جلية في عيونها، وكيف بدأت رحلة البحث عن هذه الهوية، وما أهم مراحل رحلتها، وما الرسالة التي تحملها لجمهورها وللفنان السعودي على وجه الخصوص، وما الدافع الذي يحرك الإبداع داخلها؟ سنعرف إجابات هذه الأسئلة وغيرها في هذا الحوار.

  حدِّثينا عن بداية مشوارك الفني ورحلة اكتشاف أسلوبك الخاص، مرورًا بالفنانين والمدارس الفنية التي تأثرتِ بها؟

  كنت دائمًا أحب زيارة المتاحف في البلدان المختلفة والقراءة عن الفن، كما حصلت على دورات عدة في رسم البورتريه بالفحم ودورات للرسم بألوان الأكريليك. كنت أعتقد في البداية أنها مجرد هواية، لكني ومع مرور الوقت لم أكن أشعر بالاكتفاء. أردت أن تكون أعمالي أكثر تميزًا وعمقًا، فقررت الالتحاق بمعهد المهارات والفنون في الرياض، وهناك اطلعت على المدارس الفنية المختلفة وتاريخ الفن. خلال الدراسة طلبوا منا أن نجري بحثًا عن المدرسة الفنية التي ننجذب إليها، أنا اخترت مدرسة الفن الحديث وخصصت بحثي عن حركة «minimalism» أو فن التبسيط، أخذتني هذه الحركة الفنية إلى عالم الفن الياباني الذي يعد التبسيط أحد خصائصه الجمالية. انجذبت أيضًا إلى فن «الأوريغامي» الياباني وهو فن طي الورق، سحرتني فكرة صنع أشكال زخرفية هندسية بالورق من خلال الطي والنحت، وكيف تضيف تأثيرات الظل والنور عمقًا لهذه الأعمال. كما تأثرت بأعمال فنانين عديدين؛ منهم الرسام والنحات الأميركي فرانك ستيلا، وأغنيس مارتن التي عُرِفَتْ بفنِّ التبسيط، والفنان التجريدي مارك روثكو وغيرهم. تخرجت من المعهد عام 2018م وفي مشروع التخرج ترجمت هذه الرحلة من البحث في أعمال عدة منها، عمل تركيبي بأسلاك الـ«wire mesh» ومجسمات من الورق، لوحات من القماش يظهر عليها فقط أثر ضربات الفرشاة، ولوحات من شرائح الورق، وجميعها باللون الأبيض. كنت أرغب من خلال هذه الأعمال في أن أضع المشاهد في حالة من التأمل والسكون.

  قدمتِ بعد ذلك أعمالًا عدة بتقنية التفريغ، كيف اخترتِ هذا الأسلوبَ؟ ومتى كانت البداية؟

  كنت أبحث عن فكرة عمل مستقاة من الثقافة السعودية لأقدمها في معرض «تراثنا حبنا» لعام 2019م، فاستلهمت الفكرة من أعمال الكروشيه التي تحيكها جدتي. بيت جدتي مليء بقطع الكروشيه المشغولة بالحرير. استلهمت التصميم من أحد هذه الأعمال، لكني لم أكن أريد أن أستخدم الخامة نفسها، ففكرت في أن أستقي من فن الأوريغامي خامة الورق، ومن هنا جاءت فكرة استخدام تقنية التفريغ على الورق. جربت الفكرة على قطعة ورق صغيرة وحين رأيت النتيجة تملكني شعور أن هذا هو بالضبط ما كنت أبحث عنه وأريد القيام به. عرض العمل في غرفة بأحد بيوت الطين في حي المربع وسط مدينة الرياض، وكان عبارة عن قطعة ورق بطول خمسة أمتار وعرض متر ونصف، معلقة ومنسدلة وكأنها مفرش طويل مزخرف.

قررت بعد ذلك أن أستمر في العمل بأسلوب التفريغ، ولكن أردت هذه المرة أن أقوم بتصميم العمل بنفسي، فاستخدمت الحروف والكلمات العربية وصممتها في طبقات عدة. التصميم النهائي يظهر مشابها للأعمال الهندسية أو الزخرفة الإسلامية.

مسار الخطوط وأثر الكلمات

  ما الدافع وراء قرارك أن تصممي أعمالك بنفسك، ولماذا استعنت بالكلمات في تصاميمك؟

  أردت أن تحمل الأعمال أسلوبي الخاص منذ الخطوة الأولى. فكرت بداية في الأشكال الهندسية، لكني قرأت عن أثر الكلمات في وعينا وكيف يمكن أن تتحول كلمات معينة سمعناها في طفولتنا إلى صورة ذهنية لأنفسنا، أو كيف يمكن لكلمات سمعناها في مراحل مختلفة من حياتنا أن تؤثر في معتقداتنا، وبالتالي في رأينا وتصرفاتنا بشكل سلبي أو إيجابي. من هنا قررت أن أستخدم كلمات تترك أثرًا إيجابيًّا داخلنا، حيث يتكون كل عمل من كلمة واحدة مكررة. وقد اختبرت أنا بنفسي كيف تترك الكلمات أثرًا داخلي وأنا أمرر السكين على حروف الكلمات، وهذا ما أريده بالضبط لكل من يرى أعمالي. لا أريد للذي يشاهد العمل فقط أن يقرأ الكلمة ويبحث عن شيء ملموس، وإنما أريده أن يدقق في العمل، أن يكرر الكلمة داخله وهو يحاول أن يستكشف مسار الخطوط، هذا التكرار سيخلف داخله شعورًا، مثل: الرضا، السكون، القناعة.. وحينها ستستقرّ هذه الكلمات داخله وتنعكس على حياته ونظرته لنفسه.

  هل ستعتمدين أسلوب التفريغ في أعمالك ويصبح هذا الأسلوب عنوانًا لمشوارك الفني؟

كل فنان يمر في حياته بمراحل مختلفة ترسم ملامح رحلته، وكل رحلة لها خصوصيتها وجمالها، ربما يتطور أسلوب التفريغ ليأخذ أشكالًا مختلفة، أو أستخدم وسيطًا مختلفًا غير الورق، لكني لا أعتقد أن المفهوم الذي أقدم نفسي من خلاله سوف يتغير. قد تؤثر حالتي النفسية، تفاعلي مع البيئة التي أعيش فيها أو التجارب التي أعيشها على الطريقة التي أريد أن أعبر بها عن نفسي. أنا في الحقيقة لا أدري إلى أين ستأخذني هذه الرحلة.

الجمال في الأعمال غير المكتملة

  كررت تقديم عمل يتكون من ثلاث نسخ لكن ليست كلها مكتملة، ما الفكرة التي تحاولين إيصالها من خلال هذه الأعمال؟

  عادة ما أصور مراحل تحضير أعمالي وأشاركها عبر وسائل التواصل، ثم أعود بعد مدة لأدقق في الصور وأفكر كيف يمكن أن أطور العمل؛ فأنا شخص يسعى دائمًا إلى الكمال في كل ما أقدمه، كما أني أصعب ناقدة لنفسي، أبذل جهدًا كبيرًا حتى أكون مقتنعة تمامًا أن العمل يظهر بأفضل شكل ممكن. ومع مرور الوقت بدأت تعجبني صور الأعمال وهي غير مكتملة، وبدأت أستشعر صحة مقولة «سر جمال الأشياء في عدم اكتمالها»، ثم أخذتني هذه المقولة إلى التفكير في أن كل شيء في حقيقته هو غير مكتمل، وهذا لا يعتبر عيبًا وإنما ميزة خاصة، حتى لو أسقطنا هذه الفكرة على أنفسنا، سنجد أن عدم اكتمالنا هو ما يميزنا وما يجعلنا أكثر جمالًا. وبالنسبة للأعمال الفنية فأرى في عدم اكتمالها بُعْدًا جماليًّا مختلفًا، ومن هنا قدمت أعمالًا مستوحاة من هذه الفكرة.

  تتمسكين باللون الأبيض في كل الأعمال التي تقدمينها، لماذا؟

  أحاول أن أعتمد التبسيط فيما أقدمه لكن أعمالي بطبيعتها معقدة وتعتمد على عناصر عدة منها، الظل والنور، كذلك العمل يتكون من طبقات عدة متداخلة؛ لذا قررت أن أتخلى عن عنصر اللون ليستطيع المشاهد أن يُسخِّر كل تركيزه على تتبع الخطوط. ومن ناحية أخرى فإن اللون الأبيض يساعدني على ترجمة الحالة الشعورية التي أريد أن يعكسها العمل، فهو لون يبعث على الراحة ويتركك في حالة من الصفاء النفسي والتأمل.

الفن أثر وتأثير

  الفنان يتأثر ويُؤَثِّر بأعماله الفنية، ما الأثر الذي تتركه أعمالك عليك، وما الرسالة التي تحملها أعمالك للجمهور؟

  أنا مهتمة من خلال الأعمال التي أقدمها بالعلاقة بين الفن والصحة النفسية، وهذا نابع من تجربة شخصية، فمنذ طفولتي تعلقت بالفنون اليدوية وإنجاز الأعمال الدقيقة التي تأخذني إلى عالم يسيطر على كل حواسي. وحين كبرت اكتشفت أنى كنت أعاني حالةً من القلق المستمر، والآن أصبحت أعمالي الفنية علاجًا شخصيًّا نفسيًّا، أفرغ من خلالها كل مشاعري السلبية بالتركيز العميق وأنا أحرك السكين بكل هدوء ودقة. وبالنسبة للمشاهد فأنا أستعين بتأثيرات النور والظل محاولة أن أتركه في حالة من الهدوء، وكأنه في جلسة تأمل تسرقه للحظات من حياته المزدحمة المتسارعة. ومن خلال التركيز والانشغال بتفاصيل العمل وتتبع تموجات الخطوط المتناغمة في حركات متشابكة متباعدة، يمكنه أن يكون حاضرًا في «الآن» أن يكون موجودًا في اللحظة الحالية بكل حواسه. وهذه رسالة لكي يحاول الجميع أن يحجم أفكاره ويسمح لنفسه بحالة من التأمل والهدوء ولو للحظات خلال يومه.

  هل كان للعائلة دور في اختيار عالية للمجال الفني؟

  أستطيع أن أقول: إني تربيت في عائلة فنية بامتياز سواء كانوا فنانين أو شغوفين باقتناء الأعمال الفنية. فوالدتي مصممة جواهر، وخالتي ترسم على الخزف، إضافة إلى جدتي التي كبرت وأنا أشاهدها وهي تحيك الكروشيه، وقد علمتني في طفولتي الحياكة بالكروشيه، وكنت أستمتع بهذا العمل الذي يخطف كل تركيزي.

  آخر أعمالك كان بعنوان: «السكينة في داخلك» وهو العمل الذي قدمته في نهاية الإقامة الفنية الخامسة لمعهد مسك للفنون 2023م، ما الذي أضافته إليك هذه التجربة؟

  كانت تجربة مميزة لكن الأثر الأكثر تأثيرًا من تجربة الإقامة الفنية كان إعادة البحث عن المفهوم الذي أقدمه في أعمالي، فمن خلال الحوارات مع الفنانين والمرشدين والقيميين الفنيين، والاطلاع على أعمال فنانين من خلفيات ثقافية مختلفة ثم مناقشة أعمالهم؛ كل هذه التجارب جعلتني أعيد اكتشاف نفسي من جديد، أصبحت الرؤية أكثر وضوحًا أمامي حول دوافعي وأسلوبي الخاص، كما أصبحت أُولِي البحثَ والاستكشافَ أهميةً أكبرً وعرفتُ ما الأسئلة التي يجب أن أطرحها على نفسي وأنا أسير في رحلة إخراج عمل جديد. باختصار أستطيع أن أقول: إن بوصلتي الفنية أصبحت الآن أكثر دقة.

أما العمل الذي قدمته في نهاية الإقامة فهو عمل يتكون من ثلاث طبقات بتقنية التفريغ، وفكرة المشروع جاءت من كلمة السكينة، فنحن الآن نعيش مرحلة انتقالية من عمر المملكة، تسارعت فيها وتيرة حياتنا، وأصبح التغيير عنوانًا لهذه المرحلة، وبطبيعة الحال فإن التغيير جزء لا يتجزأ من أي رحلة تطور؛ لذا اخترتُ أن أقدم رسالة بأن نسرق من وقت لآخر لحظات من حياتنا نتفكر فيها بهدوء وسكينة حول ثقافتنا، قيمنا والبيئة التي ننتمي إليها وكل ما يجعلنا متفردين؛ لأن هذه الأمور هي التي تشكل هويتنا، وهذه الهوية هي أمانة لدينا علينا أن نوصلها بكل حرص للأجيال القادمة.

أصابع تشتعل

أصابع تشتعل

١. ما تركناه وراءنا

لم يكن سوى ظل

ونور يعدوان إلى نافذة

ابتعدت مليون عام.

٢. هذه الشمس لا تبلغ صقيعي

ولا تأخذني إلى مؤونة

لا تفضي بسرها إلى أحد.

٣. فكرة صفراء

طارت من رأس امرأة

أصابتها تجاعيد

تسلقت في البعيد.

٤. ماضية نحو شتاء

لا يبتلع سخونته

إلا ثلجًا يتتبعني منذ الولادة.

٥. لحظة طالما تشبثت بها

طحالب

نوم وألف عام

كي أبقى حبيبتك.

٦. شمس في بركة موحلة

أدوسها بقدمي

تمايلت كأنها تسخر مني.

٧. سنواتي ملزوزة بعضها إلى بعض

أحن إلى ذلك الجزء من الثانية.

٨. لو آخذ وعدًا بألا يأتيني الموت وأنا نصف غافية

لو نبقى معًا ويفيض الماء.

٩. حبل أسحبه بالقدر الذي أريد

أحركه حيث أشاء

شيء يشير

إنه زمن.

10. أفكر في الإنسان الأول

أستعيد شغف ناره

أجد جرحًا واضحًا في الظلام.

11. صديقي الذي غادر منذ أكثر من ألف عام

يومئ في شجرة مخضرة يقول: عيناي مفتوحتان.

12. تنبهت أن شيئًا يجذبني من الخلف

يزحزح أسفل السلم

يجعلني نصف منتصبة، نصف مائلة

فأقع.

حفنة سنوات، أرفع رأسي

أسترجع المحاولة

فأقع.

عن طه حسين الذي لم يغادرنا… آخر أبناء العميد يروي الحكاية

عن طه حسين الذي لم يغادرنا… آخر أبناء العميد يروي الحكاية

صدر هذان الكتابان معًا، لا تفصل بينهما إلا أسابيع قليلة، على الرغم من أن ناشرهما ليس واحدًا. الأول «طه حسين.. ذكريات شخصية معه» عن منشورات سشات- 199 صفحة. والثاني «طه حسين الإنسان والمشروع» عن هيئة قصور الثقافة، 504 صفحات. وحسبما ذكر المؤلف الدكتور صبري حافظ، فقد ولد أحدهما من الآخر، في أثناء الكتابة نفسها. أما الدكتور صبري حافظ فهو أستاذ الأدب العربي في عدد من الجامعات الأوربية، وأصدر في رحلته الشاقة الطويلة 24 كتابًا بالعربية، و15 كتابًا بالإنجليزية، تشكل مشروعًا نقديًّا وفكريًّا وجد طريقه للتأثير الواسع في الجامعات العربية والأوربية، من خلال عمل حافظ المتواصل منذ سبعينيات القرن الماضي.

وإذا كان كتابه «طه حسين الإنسان والمشروع» يمثل صرحًا متينًا ومتماسكًا وشاملًا لمشروع طه حسين، فإن الكتاب الثاني يتضمن للمرة الأولى جانبًا من السيرة الذاتية لحافظ نفسه وعلاقته الشخصية بالعميد، فضلًا عن تفاصيل الصدمة الحضارية التي جرت له في بلاد الفرنجة، عندما غادر مصر وهو في الثلاثين من عمره، وألقى بنفسه في خضم ما زال يعيش فيه.

لا يقرأ حافظ ويحلل أعمال العميد الأدبية والفكرية فقط، بل يقرأ العصر الذي كان العميد أحد أهم صانعيه. معاركه الأدبية والفكرية التي خاضها على سبيل المثال، هي معارك مصر ذاتها في مواجهة التخلف والاحتلال والقصر. المعركة الأولى التي خاضها كانت مبكرة جدًّا عام 1926م، بعد صدور كتابه «في الشعر الجاهلي» وتوابعها في الصحافة والبرلمان، وانحياز النيابة العمومية للحرية والعقل، وإصدار محمد بك نور، رئيس نيابة مصر، قراره بحفظ القضية المرفوعة على طه حسين بعد تحقيق كان أقرب للمناقشة والسجال العلمي والفكري رفيع المستوى.

مشروع الأمة

وهكذا ناقش حافظ وحلل مشروع طه حسين بوصفه مشروعًا «ينبع من تحكيم العقل وتوسيع المعرفة والانحياز للتنوير والاحتفاء بقيم العدل والحرية والتسامح الإنساني»، حسبما كتب. وهو في الواقع مشروع الأمة منذ اندلاع ثورة 1919م وما أعقبها من المعارك التي انتهت بدستور 1923م، وهو دستور لدولة مدنية ديمقراطية حقيقية للمرة الأولى في تاريخنا الحديث.

وهكذا قرأ حافظ حياة طه حسين وأعماله الأدبية ومعاركه الفكرية والأدوار التي أداها في دولاب الدولة، ومن بينها توليه مناصب جامعية عدة، فضلًا عن تولي الوزارة، وأولى عنايته للأدوار التي قامت بها الرجعية الدينية ضده منذ وقت مبكر سواء في الأزهر (البلاغ الأول المقدم ضد كتاب الشعر الجاهلي كان من أحد مشايخ الأزهر) أو في الصحافة، وأفسح المجال أيضًا للمعارك والاتهامات التي لم يتوقف من ادعوا أنهم يدافعون عن الإسلام عن توجيهها له، وخصصوا كتبًا بكاملها للهجوم عليه باسم الإسلام.. وصاغ من هذا وذاك سبيكة واحدة ضخمة أشبه بجدارية شاهقة لقرابة سبعين عامًا من التاريخ الحديث.

وهكذا أيضًا قرأ «الأيام» و«الشعر الجاهلي» وكُتب طه حسين الأخرى، مثل كتابه عن المتنبي وعن المعري و«مستقبل الثقافة في مصر» و«الفتنة الكبرى»، وغيرها، وأعاد أيضًا قراءة صحافة ذلك الزمان، ليس فقط الصحف التي رَأَسَ العميد تحريرها أو كتب فيها أو حتى أصدرها من نفقته، بل أيضًا الصحافة التي هاجمته بضراوة وقسوة.

أما الدور الذي أداه طه حسين في إنشاء جامعة الإسكندرية فقد فصّله حافظ، إلى جانب إنجازات أخرى، منها: مجانية التعليم حتى المرحلة الثانوية، التي أقرّها ويعود الفضل له في فرضها، وكذلك تأسيسه لمجلة الكاتب المصري التي تعد في حد ذاتها أحد إنجازات الثقافة والأدب الحديث، وسلسلة الترجمات التي ارتبطت بها وأصدرتها المجلة. وفي هذا السياق يرد حافظ على الأكاذيب الرخيصة التي اتهمت العميد بالعمالة للحركة الصهيونية.

ويختتم حافظ كتابه بالإشارة إلى قصة الحب «الخارقة» على حد تعبيره بين العميد وسوزان رفيقة حياته، معتمدًا بشكل أساسي على كتابها الجميل «معك» الذي يشكل إضافة لا غنى عنها لسردية طه حسين بكاملها، والرحلة الشاقة التي قطعاها معًا على مدى نصف قرن.

ملامح من سيرة جيل الستينيات

أما كتابه الثاني الذي صدر متزامنًا تقريبًا مع الكتاب الأول فهو «طه حسين.. ذكريات شخصية معه»، فيقترب للمرة الأولى من السيرة الذاتية لكاتبه، ومن الجيل الذي ينتمي إليه. أي يقترب من حياته الشخصية وسنوات التكوين في أواخر خمسينيات ثم ستينيات القرن الماضي ومسيرته العلمية والفكرية. تأخرت شهادة صبري حافظ كثيرًا، لكنه كتبها في نهاية الأمر، وأظن أنه آخر أبناء طه حسين الأحياء؛ لذلك تكتسب شهادته أهمية خاصة بالنسبة لجيل الستينيات وآبائه المباشرين.

تعرّف حافظ إلى القاهرة مبكرًا بعد حصوله على الثانوية العامة من قريته، حيث عمل ودرس في مدرسة الخدمة الاجتماعية في الوقت نفسه، وبدأ في تلمس العالم المحيط به، بعد أن استقل بحياته. توسعت قراءاته، وبدأ في التردد على المنتديات الثقافية، فكان من أوائل من ترددوا على ندوة نجيب محفوظ التي كان يعقدها في كازينو صفية حلمي المطل على ميدان الأوبرا، وندوة أخرى أو جلسة ثقافية في مقهى في الدقي كان يتصدرها الناقد أنور المعداوي، كما عرف طريقه لندوات أخرى كانت تعقد في نادي القصة ورابطة الأدب الحديث والجمعية الأدبية المصرية، إلى جانب تردده على مقهيين شهيرين للمثقفين هما ريش وإيزافيتش.

كان هناك جيل جديد يتشكل على الرغم من القبضة الناصرية، وكُتاب جدد يبحثون عن طريق جديد، ولم تكن ماكينات الدعاية الناصرية الضخمة قادرة على أن تطوي الجميع، والأصوات الجديدة في الشعر والقصة القصيرة والمسرح وجدت مكانًا لها على الرغم من السيطرة المطلقة على وسائل النشر كافة. فعلى سبيل المثال كان مؤسس الملحق الأدبي لجريدة المساء هو الراحل الكبير عبدالفتاح الجمل، وكان يدافع عن القيمة ويرفض نشر الغث بجانب السمين، وآمن بالكتابة الستينية، وأفسح المجال لهذا الجيل، وخرج من معطف المساء الأبنودي وأصلان ويحيى الطاهر وأمل دنقل وغيرهم من الكتاب البارزين، وكان صبري حافظ أحدهم، ونشر أولى مقالاته النقدية في ملحق المساء، إلى جانب مجلة الآداب اللبنانية واسعة الانتشار آنذاك، ومجلة المجلة التي كان يرأس تحريرها يحيى حقي.

من جانب آخر، كان من بين زملائه في مدرسة الخدمة الاجتماعية عدد من الشباب الذين كانوا قد عرفوا طريقهم إلى الفكر الماركسي، وتطورت وتوثقت العلاقة بينه وبين صلاح عيسى وآخرين، وشكّلوا بعد ذلك تنظيم «وحدة الشيوعيين» الذي كان أقوى رد على مأساة الحل، بموجب القرارات الذاتية التي اتخذتها منظمات الحلقة الشيوعية الثانية بعد اعتقال دام لخمس سنوات في صحراء الواحات. لا مجال هنا لتناول مسألة أو مأساة الحل، لكنه كان قرارًا بالغ الخطأ ويراه بعضٌ جريمة، خصوصًا أنه ارتبط بما نادى به جانب منهم بدخول التنظيم الوحيد للسلطة فرادى -أي الاتحاد الاشتراكي آنذاك- وهو ما يعني تصفية الوجود المستقل والانتحار؛ لذلك كان تنظيم وحدة الشيوعيين رد اعتبار ومحاولة شجاعة لمواجهة التدهور. انضم للتنظيم عدد كبير من المثقفين والمشتغلين بالأدب مثل الأبنودي ويحيى الطاهر وغالب هلسا وسيد حجاب وصبري حافظ وصلاح عيسى وغيرهم، لكن التنظيم -حسبما أكد حافظ- كان أقرب لحلقة تشتغل بالفكر وساحة للنقاش، فلم يُصدر منشورات أو يشارك في أي عمل علني أو ما شابه، بل كانت له أهمية أخرى وحاسمة في دراسة المشروع الناصري، والتحرر من الأوهام التي نُسجت حوله. وظل حلقة فكرية حتى قُبِضَ على أعضائه وأمضوا شهورًا عدة، بين عامي 1966-1967م، في معتقل القلعة، ولم يُفرج عنهم إلا بعد تدخل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي زار مصر برفقة سيمون دي بوفوار، والتقى جمال عبدالناصر، وطلب منه وديًّا الإفراج عن هؤلاء الشباب الذين كانوا معروفين بوصفهم كتابًا وشعراء ونقادًا للأدب.

أين طه حسين؟!

حتى هذا الوقت لم يتخيل حافظ أنه سيلتقي طه حسين، وأن الأخير سيوجه له نصائح سيضعها في حسبانه، وأن المصادفات ستؤدي دورها، بحيث يتمكن من تنفيذ تلك النصائح في بلاد الفرنجة.

كيف حدث هذا إذن؟

كان حافظ قد عُيّن مختصًّا اجتماعيًّا بعد تخرجه، ثم انتقل للعمل موظفًا في «المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب»، وتحديدًا في أمانته العامة، حيث تُعقد اجتماعات أكثر اللجان، ويتردد أبرز الكتاب والمثقفين. وبدت الفرصة تلوح للقاء طه حسين الذي يحضر الاجتماع السنوي لاختيار الفائزين بجوائز الدولة. وبالفعل بذل جهودًا مُضنية ليُنقل في أمانة اللجان ليكون قريبًا، غير أنه اعتُقل في أكتوبر 1966م، ولم يتح له حضور جلسة المجلس الأعلى في ذلك العام، ثم جاءت هزيمة 1967م التي ألغت الاجتماع لعامين ونصف العام، وبسبب حالة العميد الصحية، تقرر عقد الاجتماع في بيته. ومن المتعين حضور أحد موظفي الأمانة العامة الاجتماع لقراءة جدول الأعمال وتسجيل محضر الجلسة. هنا فقط أتيحت الفرصة للقاء طه حسين فلم يكن الموظف إلا صبري حافظ!

صبري حافظ

يستغرق حافظ صفحات عدة وهو يصف بتأنٍّ وإسهاب بيت العميد وحجرة مكتبه، حيث عُقد الاجتماع، واصطحاب زوجته له والسير به حتى مقعده، وسكرتيره فريد شحاتة القريب منه على الدوام. كما يصف وقائع الاجتماع، وكيف انفرد العميد بأمين المجلس صبري حافظ ويمليه المحضر بنفسه وهو الأمر الذي تكرر مرتين. وكان العميد قد لحظ أن بعض الحاضرين يعرفون حافظًا ويتبادلون معه الحديث فسأله لما انفرد به، على نحو أبوي، عن عمله. ولنا أن نتخيل سعادة صبري لما شعر به من اهتمام العميد الذي تبادل معه الحديث واستمع له باهتمام، فقد كان يريد التعرف إلى اهتمامات الشباب بعد أن علم أن حافظًا يمارس النقد والكتابة، وعلى الرغم من إرهاقه إلا أنه قال له في نهاية اللقاء: «في المرة القادمة تعال مبكرًا قليلًا قبل موعد الجلسة؛ لأنني أحب أن أسمع شيئًا عن مشاغلك واهتمامات جيلك من الشباب».

وفي خريف عام 1972م عُقد الاجتماع التالي، وأتيحت له فرصة ثمينة خصوصًا أنه لم ينس وصية العميد وحضر مبكرًا، وتضاعفت سعادته لما علم أن الرجل لم ينس أيضًا، وبدا وكأنهما عقدا معًا اتفاقًا لم ينسه أحدهما برغم مرور عام. طال الحديث قليلًا عن النشر وعن حرية التعبير والرقابة. وتطرق الحديث إلى المناهج التي يدرسها حافظ في معهد الفنون المسرحية الذي كان قد التحق بقسم النقد فيه. وأوصاه العميد بضرورة إتقان لغة أجنبية.

إلى بلاد الفرنجة

لم يكن حافظ يتخيل أن وصية العميد ستجد طريقها لأن تتحقق وأن يتقن الإنجليزية؛ بل يُدرّس بها في جامعات العالم وفي بلاد الفرنجة! كانت هناك سلسلة من المصادفات وما يشبه تصاريف القدر. من بينها مثلًا أن حافظًا كان قد نشر ببليوغرافيا للرواية في مصر، وأن هناك دارسًا مصريًّا للدكتوراه في أُكسفورد قرأها واعتمد عليها، وعندما حضر إلى القاهرة ليحصل على المادة التي يحتاجها في دراسته التقى حافظًا، وبالمصادفة أيضًا كانت جامعة لندن تعتزم تنظيم أول مؤتمر عن الأدب العربي الحديث، وتقرر دعوة حافظ لحضوره ممثلًا للجيل الجديد من النقاد. وهناك قرر مركز دراسات الشرق الأوسط دعوته لفصل دراسي، فخصصت له غرفة للإقامة وتناول الطعام، كما خُصّصَتْ قراءة له مع طلاب مبتدئين في أكسفورد لقراءة كتاب «الأيام» -وهنا يتدخل طه حسين مرة أخرى!- حيث وفّر هذا العمل مبلغًا إضافيًّا مكّنه من العمل المتأني، وفي النهاية حصل على منحة لدراسة الدكتوراه لثلاث سنوات.

يخصص حافظ بقية كتابه للحديث عن دراسته في إنجلترا وحصوله بالفعل على الدكتوراه، وعندما عاد رفضت الجامعة المصرية تعيينه بحجة أنه لم يحصل على مؤهله الجامعي من الجامعة، وهي حُجة بالغة التفاهة، والأغلب بالطبع أن هناك تدخلات أمنية جرت. لذلك عاد إلى أوربا ودرّس في عدد كبير من الجامعات الأوربية والعربية، كما أصدر في رحلته تلك عددًا من الأعمال التي تعد مراجع نقدية لا غنى عنها، فضلًا عن عشرات الدراسات النقدية المنشورة في دوريات لم يتسنَّ له الوقت بعد لجمعها في كتب.

وأخيرًا.. تلك هي رحلة صبري حافظ مع والده وأستاذه طه حسين، ورحلة طه حسين مع الفكر والأدب والحرية في مصر.تمنى لمن لم يقرأه بعد أن يبادر بهذا على الفور، منتهزًا فرصة صدور طبعة جديدة عن دار المعارف.

أسير القدس في السجون الإسرائيلية

أسير القدس في السجون الإسرائيلية

في 24 نوفمبر الماضي، أفرجت إسرائيل عن 39 معتقلًا فلسطينيًّا (24 امرأة و15 طفلًا) كجزء من اتفاقية تبادل الأسرى مع حماس. 39 معتقلًا من بين 7000 سجين سياسي لا يزالون في السجون الإسرائيلية، من بينهم 62 امرأة و200 طفل، و2070 معتقلًا إداريًّا. في هذا السياق، من المهم التذكير بالدور الذي لعبه نظام السجون في المشروع الاستعماري الإسرائيلي: منذ عام 1967م، فقد سجن أكثر من ربع السكان الفلسطينيين لأسباب سياسية. وفي هذا الصدد، تأتي شهادة صلاح الحموري، الذي سجن ما يناهز عشر سنوات. في هذا السياق سجل المحامي الفلسطيني المقدسي، معاركه السياسية ضد النظام الاستعماري وسنوات احتجازه الطويلة في كتابه الصادر في 21 أغسطس 2023م.

ولد صلاح الحموري عام 1985م في القدس، وهو فرنسي-فلسطيني. أمضى أكثر من عشر سنوات في السجون الإسرائيلية، حيث أدانته محكمة عسكرية خطأً في البداية، ثم سُجن بموجب الاعتقال الإداري (بدون تهمة أو محاكمة). وفي ديسمبر/كانون الأول 2022م، وقعت الحكومة الإسرائيلية على أمر ترحيل صلاح الحموري إلى فرنسا، وهو ما يشكل سابقة مثيرة للقلق. في هذه القصة المؤثرة، يروي حياة السجناء الفلسطينيين في السجون ويسلط الضوء على أهمية التضامن الدولي.

رمز لمحنة جماعية

يشكل الشتات عن «الأرض الأصلية» الفلسطينية نقطة بداية السرد في هذه السيرة الذاتية، وهو النهج الذي دعمته المؤلفة أرميل لابوري سيفان، التي جمعت تصريحات صلاح الحموري بعد وصوله إلى فرنسا، في 18 ديسمبر 2022م. عقب طرد السلطات الإسرائيلية لهذا الأخير من مسقط رأسه القدس إلى فرنسا، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. في تلك اللحظة، بات يعيش في المنفى تمامًا مثل ملايين الفلسطينيين منذ عام 1948م.

صلاح الحموري

تقدم روايته سردًا صادمًا عن السجن كجزء من نظام المراقبة العسكرية والعقاب للفلسطينيين، ولكنه أيضًا يحكي عن الوضع المضطرب للسكان الفلسطينيين في القدس؛ إذ «يعتبرون أجانب» مقيمين «في مدينتهم، بدون جنسية»، «وثيقة هويتهم الوحيدة هي عبارة عن تصريح إقامة صادر عن السلطات الإسرائيلية التي يمكنها سحبه تحت ذرائع عديدة». وقد ألغيت تصاريح أكثر من 14643 فلسطينيًّا منذ عام 1967م، مع تسارع الاستيطان في القدس الشرقية. يستخدم إلغاء التصاريح كإجراءات عقابية ضد السكان الفلسطينيين في القدس، كما أن ذلك يخدم المعركة الديموغرافية التي تخوضها إسرائيل. وهكذا، يتذكر صلاح الحموري الهدف الإسرائيلي المتمثل في «جعل القدس مدينة إسرائيلية بنسبة 75٪ بحلول عام 2030م».

يقترح الراوي «سردًا في الزمن المضارع، ما دام من غير الممكن محو عشر سنوات قضاها في الاحتجاز، خاصة عندما نعلم أن رفاقه في الأسر لا يزالون في السجن». تكتب محررة الكتاب أرميل لابوري سيفان لاحقًا أن هذه ليست قصة اعتقال ونضال «بل هي كلمات إنسان لم يتوقف كفاحه والتزامه بحقوق الفلسطينيين، على الرغم من محاولات إسكاته».

«إن الاستجوابات والاعتقالات والنقل، كل شيء كان مصممًا بهدف التدمير النفسي للأسرى الفلسطينيين، فبمجرد إطلاق سراحهم، سيكونون مطيعين ويتوقفون عن النضال للمطالبة بحقوقهم. لكن هذه الحسابات كانت واهية سلفًا؛ لأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي كانت مخطئة تمامًا. بالنسبة لي، كما هو الحال بالنسبة للعديد من رفاقي، أصبح السجن تحديًا: فكلما حاولوا إجباري على الانحناء، ركزت قوتي على البقاء مخلصًا لقناعاتي».

لا يمكن اختزال خبرة صلاح الحموري في مسيرته الفردية. إنه يمثل محنة جماعية، كما يتضح من نسيج السجن. كتاب «تاريخ السجن في فلسطين» بقلم ستيفاني لات عبدالله، الصادر لدى (بايار، 2021م)، اعتمد على تحقيق ميداني طويل، تصف فيه المؤرخة والسياسية، بطريقة مفصلة، كيف «يساهم نسيج السجن في خلق مساحة معلقة، وبهذه الطريقة تكون غير محددة وغير مؤكدة»، «نظام استثنائي دائم»، وكيف أن «المرور عبر السجن قد طبع التجارب الجماعية والتاريخ الفلسطيني» في سياق يجرم فيه «أي شكل من أشكال الالتزام السياسي، النضالي، النقابي، الوطني والمدني». وبناءً عليه فإن هذا النص يوضح الوجود الكلي لعالم السجون، في حين أن الاعتقالات والاستنطاقات قد تزايدت باستمرار منذ 7 أكتوبر.

السجون، من داخلها

يقتفي سرد صلاح الحموري التسلسل الزمني. كما تجري أحداثه وفق إيقاع السجن، والإفراج، والسجن من جديد، والانتقال من سجن إلى سجن آخر، إلى أن يصل إلى مرحلة الترحيل إلى فرنسا. وفي خضم ذلك يكشف صلاح عن الآليات المختلفة التي جعلته «هدفًا» للسلطات الإسرائيلية، والضغوط وأساليب الترهيب المختلفة. «لتبين الاستخبارات أنها لا تنسى، وأنها تعرف كل ما نقوم به»؛ بهدف تثبيط أي مقاومة سياسية. بعد إطلاق سراحه في عام 2011م، خضع صلاح الحموري لاعتقالات إدارية جديدة والعديد من الاستجوابات. هذه الإجراءات تسمح بالاحتفاظ بالسجناء طوال ستة أشهر قابلة للتجديد، من دون توجيه تهم إليهم، ومن دون أن يتمكن محاميهم من الاطلاع على ملفهم. يوضح صلاح أيضًا كيف استخدمت عائلته للضغط عليه وزوجته، إلزا الحموري، كانت تتوفر على تأشيرة عمل صادرة عن القنصلية، لكن الكيان الإسرائيلي طردها في عام 2016م.

تعرف صلاح حموري على عالم السجن في طفولته، عندما سجن عمه بسبب أنشطته السياسية خلال الانتفاضة الأولى. وقد سجن بدوره لأول مرة في عام 2001م، في أثناء الانتفاضة الثانية، عندما كان في السادسة عشرة من عمره فقط، بتهمة وضع ملصقات بمبادرة من اتحاد طلبة مدرسته الثانوية. ثم نفذت السلطات الإسرائيلية «حملات اعتقال واسعة النطاق»، و«قمعت أدنى عمل من أعمال المقاومة». خلال هذا السجن الذي دام خمسة أشهر، «أدرك أهمية الالتزام السياسي» بناءً على «المعرفة والحجج والتفكير». وبذلك أضحى السجن، الذي يعدّه الإسرائيليون أداة للقهر، مكانًا لتعزيز إرادة المقاومة. فواصل صلاح الحموري دراسته وفي الوقت نفسه تابع مشاركته في الحركات الطلابية، وهو ما أسفر عن مزيد من الاعتقالات.

من خلال اعتقالاته المختلفة في مراكز السجون: عوفر، المسكوفيت، هشارون، كتزيوت، ميغيدو، الرملة، في سجن بئر السبع، في مركز الحراسة المشددة في حضاريم، «السجن الأخير المصمم على نموذج السجون الأميركية»، ولكن أيضًا من ريمونيم، جلبوع وشطا، يروي صلاح الحموري تفاصيل عن السجون، من داخلها وعن آليات تنظيمها والاختلافات بينها.

كانت تشكل الاستجوابات وعمليات التحويل من سجن إلى سجن آخر «أساليب تعذيب يتعرض لها السجناء من أجل إنهاكهم جسديًّا ومعنويًّا». ثم يتابع روايته عن «لحظات الاكتئاب العظيمة» التي يمر بها السجناء، وكذلك كفاحهم من أجل الحصول على الحقوق، ولا سيما لجوؤهم إلى الإضراب عن الطعام، والأساليب البارعة لتجنب المراقبة، و«تنظيم الحياة الجماعية» من أجل «تحمل الاعتقال والتغلب على الوقت الذي يكاد يسحقهم».

يحتل القانون مكانة مركزية في رواية صلاح الحموري. فهو يقدم، من جهة، عناصر لفهم القانون العسكري الإسرائيلي، «قانون بلا عدالة» المطبق في الأراضي المحتلة، الذي يُعَدّ «عنصرًا أساسيًّا في النظام الاستعماري». والواقع أن «التشريع العسكري المطبق على السكان المحتلين يحكمه نظام قوانين الطوارئ الذي يجدده الكنيست الإسرائيلي كل عام منذ عام 1948م». من جهة أخرى، فإن كل شيء يقود السجناء إلى الاهتمام بالقانون من أجل «معرفة القانون الدولي وإتقانه» ومن أجل «تحديد شروط كفاحهم والمطالبة بشرعيته» بشكل صحيح. ومن هنا جاء إصراره ليصبح محاميًا، كما أن القانون كان يشكل المبدأ التوجيهي لروايته، والرابط بين داخل السجون وخارجها.

تمثل السجون مكانًا مهمًّا للتعلم، وبخاصة إذا توافرت مكتبات جماعية قد تكون سرية في بعض الأحيان ووسيلة للتعلم الذاتي، فتعلَّم التاريخ والأدب والقانون، كما عزز معرفته بالفرنسية أيضًا. عند إطلاق سراحه في عام 2011م، بدأ دورة في القانون في جامعة القدس في مدينة أبو ديس، على الرغم من المحاولات الإسرائيلية المختلفة لمنعه، بما في ذلك القيود المفروضة على حقه في التنقل. أصبح أخيرًا محاميًا في عام 2015م ثم انضم إلى فريق منظمة الضمير غير الحكومية الفلسطينية.

وأخيرًا، فإن هذا النص يتميز بتقديمه شهادة حيّة عن التحولات المهمة التي حدثت في جغرافية القدس الشرقية منذ الانتفاضة الثانية ونتائجها على حرية تنقل الفلسطينيين. كما يستحضر صلاح الحموري الجدار الذي بدأ بناؤه في أثناء إقامته في السجن والذي يفصل حيه السكني، في ضاحية البارد، شمال القدس عن بقية المدينة: «لو لم يكن هناك، لكان منزلنا في الجهة المقابلة. كان علينا السير على طول الجدار، والذهاب إلى نقطة التفتيش لعبورها، ثم الرجوع مرة أخرى على الجانب الآخر للوصول إلى المنزل». وعلى الرغم من التجارب الموصوفة الصادمة، فإن السرد يتميز بتواضع وعزة نفس كبيرة، نبرته متواضعة وواضحة دائمًا، يشبه أيضًا نشيدًا وطنيًّا عن قوة التضامن الجماعي والدولي. وإذا لم يكن لدى صلاح الحموري «أوهام كثيرة حول الدبلوماسية الفرنسية» التي «تواصل معاملة إسرائيل كدولة فوق القانون الدولي»، فإنه يضع آماله في القانون الدولي والاعتراف بالظلم الذي ارتكب ضد الشعب الفلسطيني، ولا سيما أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي لها أهمية كبيرة، في حين أن ما يفوق 20 ألف مدني لقوا حتفهم تحت القنابل الإسرائيلية في غزة حتى الآن.


** صلاح الحموري / أسير القدس. سجين سياسي في فلسطين المحتلة. مقابلة مع أرميل لابوري سيفان. منشورات ليبرتاليا، 144 ص. 2023م

خوان دي باريخا والتاريخ المتشابك بين الفن والعبودية

خوان دي باريخا والتاريخ المتشابك بين الفن والعبودية

لقد تزايد تسليط الضوء على الشخصيات السوداء في العالم الفني بشكل كبير، وهو ما دفع بأمناء المعارض والعلماء والنقاد إلى الخوض في صراع مع إشكالية تمثيل هذه الشخصيات المنحدرة من أصل إفريقي داخل الفن، فقد انكب جلهم على تحليل الإشكاليات التفسيرية والإمكانيات التي تقدمها تلك الموضوعات الفنية والتي كانت تعدّ منذ وقت طويل مجرد أشياء أو بضائع أو سلع يتاجَر بها. وعُكس هذا الاهتمام في ظهور التحول التصويري للإنسان الأسود في الفن المعاصر، ففي السنوات الست الأخيرة أقام كل من كيهيندي وايلي، وميكالين توماس، وكيري جيمس مارشال، ووتويين أوجيه أودوتولا، معارض فنية فردية ضمن متاحف ضخمة تناولت جميعها في موضوعها الرئيس شخصيات سوداء.

اهتمت المعارض الفنية العالمية الكبرى بتقييم الحضور الجديد للشخصية السوداء في أعين الجماهير والزوار خصوصًا بعدما سعت المؤسسات الفنية إلى معالجة ظاهرة استحواذ العرق الأبيض على مجمل موضوعات الأعمال الفنية المقدمة إليها. وقد نهجت العديد من المتاحف المسار نفسه، وذلك عن طريق جرد وتقديم المجموعات الفنية المدخرة ذات الموضوعات السوداء، كما استُحدِث واستُخرِج كل تلك الأعمال الفنية من لوحات ومطبوعات ومنحوتات وزخارف في محاولة لتسليط الضوء على تاريخ العبودية والعرق والاستعمار، وقد استغرق هذا الاهتمام وقتًا طويلًا ليخرج إلى أرض الواقع الفني.

الفنان المستعبد

في متحف متروبوليتان للفنون بمدينة نيويورك، كانت الصورة التي رسمها الفنان دييغو فيلاسكيز نقطة انطلاق لمعرض، ودليلًا جديدًا يكشف عن التاريخ المتشابك للإنتاج الفني مع العرق والعمل الاستعبادي. تُظهر الصورة، التي اكتملت سنة 1650م، رجلًا يُدعى خوان دي باريخا، وقد رُسِمَ في هيئة سيد جليلٍ وهو يحدق إلى المتلقي بنظرات مرهَفة. لقد أطرت فرشاة فيلاسكيز على اللوحة بأضواء متلألئة ولامعة، انسابت على جبين باريخا مما أضاف وميضًا متلألئًا انبثق من عينيه السوداوين وهو يرتدي ثوبًا يعود إلى النبلاء الإسبان، وهو عبارة عن طوق دانتيلي واسع ووشاح وضع على صدره، إلا أن القوة التي يمتلكها فيلاسكيز على باريخا، تتجاوز تلك العلاقة النموذجية بين الفنان والموضوع، أو بين الرسام والمرسوم، على الرغم من أنه لا يوجد أي شيء في اللوحة يوحي بذلك. فــ«فيلاسكيز» السيد القديم هو سيد بمعنى آخر: إنه سيد الرجل الذي رسمه، أي أن باريخا عبدُه.

دييغو فيلاسكيز

تساءلت كل من أغنيس لوغو أورتيز، وأنجيلا روزنتال، في كتابهما الصادر عام 2013م بعنوان «صور العبيد في عالم المحيط الأطلسي» عن مدى إصرار التقليد البصري الغربي على تأكيد فن البورتريه للموضوع المتعلق به، فهل يمكن أن تكون هناك بالفعل صورة لعبد حقيقي؟ أم إن رسومات الشخصيات المستعبدة قوضت في جوهرها لمشروع العبودية التشييئي؟

يمثل الحضور الجليل لـباريخا في لوحة «فيلاسكيز» نقطة بصرية مضادة لما تظهره عادة القطع الفنية التي تناولت الشخصيات السوداء ضمن مجموعات فن الرسم الأوربي، التي كانت عبارة عن استحضار لرسومات أشخاص سود يرتدون ملابس رثة مبتدعة، وبأطواق وأغلال حديدية، وقد رُسِموا وهم يجثون تحت أقدام أسيادهم البيض، وهو ما يبرز مدى التباين اللوني بين البياض الأثيري والسواد الغامق وسط تناقض مفاهيمي بين القوة والخضوع والهيمنة والقهر. وعلى عكس هذه الشخصيات السوداء المجهولة فإن باريخا لديه تاريخ، فقد كان هو الآخر رسامًا. فبعد إعتاقه من العبودية، أَسّس باريخا ورشة خاصة به كرجل حر، كما ورسم لوحات عُرِضت داخل الكنائس والأماكن الفنية في مدريد.

تَظهر العديد من الأمثلة الرئيسة لأعمال باريخا في معرض متروبوليتان، وقد عُرِضَت جنبًا إلى جنب مع لوحات فيلاسكيز، وهو ما يعكس بشكل كبير مساهمات باريخا في إنتاجات سيده القديم. يتضمن المعرض أيضًا منحوتات متعددة الألوان إضافة إلى أعمال معدنية وسيراميكية فنية تكشف بشكل كبير عن اتساع هوة نطاق العمل الفني بين كل ما هو مستعبد ومتحرر في إسبانيا في القرن السابع عشر. تتيح لنا هذه الأعمال إلقاء نظرة خاطفة على البيئة التي عاش فيها باريخا، حيث كان عبدًا مساعدًا في بداياته ليتحول في نهاية المطاف إلى فنان حر.

وعلى الرغم من أنه لا يُعرف كثير عن حياة خوان دي باريخا، فإننا نعرف عنه أكثر مما نعرفه عن العديد من الفنانين الأوربيين الآخرين في أوائل العصر الحديث الذين لا يمكننا تسمية بعضهم إلا باستخدام ألقاب مثل سيد الأفيلا، أو سيد دراسات الأقمشة. لقد أشار ديفيد بولينز، وهو أمين معرض متروبوليتان للفنون، ضمن مقال إلى أن باريخا وُلد نحو سنة 1608م في أنتقيرة، وهي مدينة صغيرة تبعد نحو 90 ميلًا غرب إشبيلية. ربما كان ابن رجل إسباني مع امرأة إفريقية مستعبدة، أو موريسكيًّا سليل مسلمي شمال إفريقيا ضمن أولئك الذين حُوِّلُوا قسرًا من الإسلام إلى الكاثوليكية عقب نهاية الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية. لقد كان عضوًا داخل مجموعة كبيرة من الرجال والنساء والأطفال المستعبدين الذين كانوا يعيشون ويعملون ضمن المراكز الحضرية الإسبانية الكبرى، حيث كان من الشائع آنذاك أن تمتلك كل أسرة إسبانية عبدًا أو اثنين. لقد انضوى عمل باريخا على الاشتغال داخل ورشة الرسم الخاصة بـ«فيلاسكيز»، بحيث تمثلت مهامه في طحن الأصباغ وإعداد اللوحات القماشية، إلا أنه ساهم أيضًا في أعمال أكثر أهمية ضمن اللوحات التي ختمت باسم سيده.

أساطير أخرى حول حياة «باريخا»

ماذا يعني أن ينتج العبيد أعمالًا فنية خاصة بهم؟ وهل يمكن لشخص يُعتبر ملكية خاصة لشخص آخر أن يمارس العبقرية الإبداعية؟ قد نجد الجواب في قصة نُشرت سنة 1724م لأنطونيو بالومينو، وهو أول من كتب عن حياة «باريخا»، حيث كشف أنه كان يشتغل على لوحاته في السر وذلك في أثناء مدة عمله كعبد داخل ورشة الرسم الخاصة بـ «فيلاسكيز» نظرًا لأن «سيده لم يسمح له أبدًا بالمشاركة في أعمال الصباغة أو الرسم (من أجل شرف الفن)». ووفقًا لرواية بالومينو، التي تتكرر في العديد من المصادر الأخرى، فبعد نجاح «باريخا» في جذب انتباه القائم بأمر «فيلاسكيز» وهو الملك فيليب الرابع ملك إسبانيا، جثا «باريخا» على ركبتيه متوسلًا إلى الملك ليفك رقبته من العبودية، حينها قال الملك: إن الرجل الذي يتمتع بمثل هذه الموهبة لا يمكن أن يكون عبدًا، ليُقدم على تحريره. غير أن هذه القصة ليست حقيقية بشكل شبه مؤكد، فقد أُعتِق باريخا في روما سنة 1650م وذلك في أثناء سفره رفقة «فيلاسكيز» في رحلة خاصة لجمع الأعمال الفنية لصالح الملك.

ظهرت أساطير أخرى حول حياة «باريخا»، تزعم إحداها أنه تزوج ابنة «فيلاسكيز» بعد إعتاقه وتحرره. كما أن هناك رواية أخرى تفيد بأنه مات في مبارزة دفاعًا عن حياة ابن مالكه وسيده السابق. إن مثل هذه الاستحضارات التي تصور العبد الأمين الذي يرتبط بسيده بروابط الحب والامتنان هي محور شخصية الفنان المستعبد، وهي شخصية شعبية طغت في الأدب الغربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي لا تزال تحظى باهتمام كبير إلى حدود اليوم. وقد أسفرت استعارات مماثلة عن فهم مشوه لأعمال فنان مستعبد آخر وهو ديفيد دريك، من كارولينا الجنوبية، والمعروف أيضًا باسم «ديف الخزاف»، الذي صنع أواني فخارية ضخمة قبل أن ينقش قصائده على العديد منها. لقد قُرِئَتْ أعمال «دريك»، التي تعكس براعته الفنية وعلمه ومهاراته التقنية على أنها إحسان وطيبة من لدن ملاكه. إنها لحقيقة مؤسفة أن يصير الفن الذي أُنتِجَ في ظل ظروف العبودية الصعبة عرضة لمثل هذه التفسيرات المثيرة للجدل، فلم تخرج وسائل التواصل اليومية عن هذا النهج حيث أظهرت التواريخ والصحف والنشرات المؤيدة للعبودية استغلالَ أغاني ورقصات العبيد للدلالة على استقرار صحتهم وسعادتهم في ظل الحكامة الجيدة لأسيادهم من الطبقة الأرستقراطية البيضاء.

يكشف هذا المعرض عن القصص الخيالية المتعلقة بشخصية الفنان المستعبد كما أنه يتحدى أيضا أساطير السادة القدامى ولا سيما «فيلاسكيز». يُعَدّ الرسم اليوم ممارسة نبيلة وفنًّا راقيًا تعكس منتجاته أعمالًا فنية عاطفية تنم عن موهبة فذة للعبقرية الفردية. وعلى الرغم من ذلك، فلم يرقَ هذا الفن إلى هذا الوضع إلا منذ القرن الثامن عشر. ففي عصر فيلاسكيز، عُدّ الرسم ميدانًا مشحونًا، وقد تميزت مسيرته الفنية بمحاولات منه من أجل تأمين الفن على أنه مهنته الدائمة. ومنذ ذلك الوقت إلى الآن يعقد استحضار العبيد في الأعمال الفنية إمكانية التمييز الواضح بين العمل الفني والعمل اليدوي. لقد كشف لويس مينديز رودريغيزـ ضمن أحد أكثر المقالات تنورًا بالمعرض- عن الدور المركزي للعمالة الاستعبادية في إنتاج كل من الفنون الجميلة والسلع الفاخرة في إسبانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وفي الواقع، يكتب رودريغيز، كانت ورش الأعمال الفنية والحرفية السياق الأكثر شيوعًا للعمل الاستعبادي في بداية تاريخ إسبانيا الحديثة، وهي حقيقة لم يُعترَف بها في تاريخ الفن في العصر الذهبي للرسم. إن وجود خوان دي باريخا في ورشة عمل فيلاسكيز يمثل القاعدة وليس الاستثناء.

إعادة تقييم

إنّ عَدّ العمالة الاستعبادية شرطًا أساسيًّا لإنتاج اللوحات في تلك المدة قد يساعد على إعادة هذه الأعمال الفنية إلى عالم السلع والبضائع. في محاولة منه لتأكيد هذه النقطة، قدم المعرض العديد من القطع الفاخرة الصنع، وهي عبارة عن حوض فضي وإبريق مصقول إلى جانب أعمال «فيلاسكيز» و«باريخا» وغيرهما من الرسامين الإسبان. يُمَثِّلُ وضعُ هذه البضائعِ إلى جانب الرسومات مستوى عاليًا من المهارة التقنية والبراعة المادية، وقد جاءت هذه الأعمال إلى الوجود عن طريقة العمالة الاستعبادية؛ إذ أشارت إحدى مقدمات مقالات الدليل إلى أن صائغي الفضة كانوا من بين الأكثر احتمالًا لامتلاك العبيد المهرة بمختلف الحرف اليدوية. إن إدراج هذه السلع الكمالية التي يسهل عَدّها سلعًا يؤدي إلى تسوية التسلسل الهرمي الجاهز بين الفنون الجميلة والزخرفية، إلا أن وجودها إلى جانب لوحات المعرض يثير تساؤلات أخرى تتعلق بالتقييم، فكيف ينبغي إعادة تقييم أعمال فيلاسكيز في ضوء مساهمة «باريخا» فيها؟

جان ميشيل باسكيات

قد تقودنا مثل هذه التأملات إلى طرح أسئلة جوهرية حول قيمة أعمال «باريخا» وأسعارها. في سنة 1970م، حطمت لوحة «باريخا» لفيلاسكيز جميع الأرقام القياسية في عالم الفن بوصفها أول لوحة تباع بأكثر من مليون جنيه إسترليني، وبعد مرور عام أُعِيدَ بيعُها بمبلغ يتجاوز ذلك بكثير؛ إذ حصل عليها متحف متروبوليتان مقابل 5.5 ملايين دولار (ما يعادل 41 مليون دولار، بدولارات اليوم). من المؤكد أنه سترتفع قيمة أسعار الأعمال الفنية التابعة للقطاع الخاص بعد هذا المعرض. إن السوق مناسبة اليوم لعرض الأعمال والفنانين السود، ففي عام 2017م وبعد عقود من وفاته، أصبحت لوحة «جان ميشيل باسكيات» أغلى عمل فني أميركي حيث بِيعَتْ في مزاد علني بمبلغ 110.5 ملايين دولار. وفي هذا الوقت الذي يشهد عمليات إعادة التقييم الفني، كان هناك إقبال كبير على أوعية «ديفيد دريك» الخزفية، حيث حصل متحف «كريستال بريدجز» -وهو متحف يقع في أركنساس، أسسته وريثة «وول مارت أليس والتون»- على قطعة خاصة مقابل 1.56 مليون دولار سنة 2021م، وهو ما جعله رقمًا قياسيًّا في سوق بيع الخزف الأميركي ضمن مزاد علني. من المؤكد أن المتاحف مستعدة لدفع أموال ضخمة من أجل ضم أعمال الفنانين السود إلى مجموعاتها، وأن العديد من هذه الأعمال صارت تنفلت من أيادي القطاعات الخاصة لتدخل إلى قطاع المؤسسات الفنية العامة. يبدو أن استمرار العبودية في تحقيق أرباح مادية كبيرة حتى اليوم ليس بالأمر الغريب، فحقيقة استعباد الفنان تضيف الآن قيمة مادية كبيرة إلى عمله.

ماذا عن أعمال «باريخا»؟ وهل كان بالفعل رسامًا بارعًا؟ لقد علق كبير نقاد صحيفة نيويورك تايمز «جيسون فاراجو» على لوحات «باريخا» التي عرضت في معرض متروبوليتان قائلًا: «إنها نماذج رائعة رغم أنها لم تكن مهمة خلال عصر الباروك الإسباني». وأضاف: «برفقة فيلاسكيز سيبدو أي شخص آخر مواطنًا من الدرجة الثانية». ولكن ألن يكون هذا التقييم الجمالي في غير محله خصوصًا تحت ضوء الحقائق المترسخة في سيرة حياة «باريخا»؟ بالنسبة إلى القائمين على هذا المعرض الجواب هو لا. حتى هذه اللحظة نادرًا ما عُدَّت لوحات «باريخا» شيئًا آخر عدا أعمال فنية مثيرة للفضول، أي لوحات رسمها عبدٌ سابقٌ أو مجرد دليل على ممارسته الفنية، فيما يتوجب علينا الآن أن ننظر إليها بوصفها أعمالًا فنية متفردة في حد ذاتها.

باريخا في لوحتين

تعد لوحة «دعوة القديس ماثيو» عملًا عظيمًا حيث يبلغ ارتفاعها أحد عشر قدمًا، وعلى الرغم من أنه لا يعرف كثير عن ظروف وملابسات إنتاج هذه اللوحة، فإنه من المستبعد أن «باريخا» أنتج مثل هذا العمل الضخم تحت الطلب، أي أن شخصًا ما استأجره ليرسمها لأجله. لقد كانت سوق الفن الإسباني مفعمة بالحيوية في ذلك الوقت، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى تدفق الفضة من المناجم الاستعمارية بأميركا الوسطى والجنوبية. تعدّ اللوحة كثيفة من الناحية التركيبية كما لو أنها استعراض لنغمات متناوبة نابضة بالحياة تحاكي الجواهر والظلال الكئيبة للفن الإسباني.

يجلس «ليفي»، وهو جامع ضرائب مع زملائه من الإسبان وهم يرتدون ملابس فخمة، محاطين بوسائل الرفاهية المعاصرة في مدريد، وهم يجلسون حول عريضة مغطاة بسجاد فارسي ثمين جدًّا، فيما يدخل «المسيح» بيمين اللوحة، وهو يومئ إلى «لاوي» ويدعوه إلى أن يتبعه، وعلى أقصى يسار اللوحة تتطلع إلينا شخصية ترتدي ثوبًا أرستقراطيًّا إسبانيًّا. إنه «باريخا» وقد استحضر نفسه هنا ضمن صورة ذاتية متكاملة تحاول الانفلات من اللوحة التي رسمها سيده السابق. إن وجوده في هذه الغرفة بسلوكه المتزن والواثق إضافة إلى موقفه غير الرسمي في اللوحة هو تأكيد لتأليفه لمجرياتها بحيث يقف حاملًا بيده ورقة تحتوي على توقيعه وتاريخ إنجاز اللوحة، وهو ما يشير إلى أنه حصل أخيرًا على الحق في تمثيل ذاته وتصويرها.

ومما يزيد من الأمر تعقيدًا هي تلك الاستنتاجات التي قام بها الباحثون الذين خاضوا في دراسة هذا الأمر منذ سنة 1888م حيث قارنوا بين لوحة «فيلاسكيز» وصورة «باريخا» الذاتية ليتوصلوا إلى أن ملامح العبد السابق «باريخا» تبدو في اللوحة الأخيرة أكثر أوربية؛ فقد صار الأنف والشفتان أضيق مما كانت عليه في اللوحة الأولى، كما تغير شكل البشرة إلى لون فاتح. فهل يُعَدّ هذا الأمر أسلوبًا استيعابيًّا وعنصرية ذاتية من «باريخا»؟ أم إنه مثلما اقترحت الكاتبة الباحثة «كارمن فراكيا»، هو تمثيل للتحول والتغيير الذي يُعَدّ موضوع اللوحة، أي تحول اللاوي اليهودي إلى متى المسيحي.

عندما عرضت لوحة «فيلاسكيز» التي صورت «باريخا» لأول مرة في روما، كانت محط دهشة الجميع بسبب مدى مطابقتها للواقع. لقد طُلِبَ من معايني اللوحة الأوائل مقارنة الرسمة بشكل مباشر مع الشخصية الأصلية حيث أمر «فيلاسكيز» «باريخا» بحمل صورته الخاصة إلى المشترين المحتملين؛ إذ كلف العبد بالترويج لذاته خلال جل مراحل هذا المشروع. ووفقًا لمصدر معاصر فقد «حظيت الصورة بإشادة عالمية لدرجة أن جميع الرسامين العالميين أجمعوا على أنه إن كانت كل الأعمال تبدو رسمًا، فإن هذه اللوحة هي مطابقة للحقيقة». ومع ذلك، تبدو الصورة الذاتية التي رسمها «باريخا» مختلفة قليلًا حيث لا توجد أي تفسيرات واضحة عن السبب وراء ذلك.

إن أي ادعاء بأن العبد السابق حول ملامحه إلى ملامح أوربية من خلال الصورة التي رسمها لذاته ينضوي على المخاطرة بوضع سيده «فيلاسكيز» الرسام الأكثر شهرة على الإطلاق بوصفه مرجعًا أساسيًّا لمظهر «باريخا» بدلًا من «باريخا» نفسه، فمن دون وجود صور إضافية لـ«باريخا» لا يمكننا أن نجزم بأي قرار نهائي بهذا الخصوص. من خلال التعامل السطحي مع الجسد وشكله فنيًّا كوثيقة مقروءة يمكننا استخلاص معلومات مهمة حول الهوية، وقد كان هذا هو جوهر مشروع التمييز العنصري.

أرشيف الفن الأسود

لقد كان تمظهر الجسد الأسود ضمن الفكر العنصري دليلًا على الدونية، إلا أن أعمال الفنانين السود وظهور الشخصية السوداء في الفن البصري يعد أرشيفًا مضادًّا يُظهر الكرامة والجمال والموهبة والمهارة. لقد كتب «دبليو إي بي دوبوا» سنة 1926م: «لن يصنف السود كبشر عاديين حتى يُعترَف بفنهم»، فيتوجب إدراج كل من الفن التاريخي والمعاصر ضمن هذا الأرشيف المضاد.

في ستينيات القرن الماضي وفي خضم قيام حركة الحقوق المدنية، بدأ منقب القطع الفنية ورجل الأعمال الخيرية «جون دي مينيل» رفقة زوجته «دومينيك شلمبرجير دي مينيل»، بتجميع سجلات الأعمال الفنية الغربية التي تصور الشخصيات السوداء، وقد عُدّ أرشيفهم آنذاك مشروعًا مناهضًا للعنصرية من خلال عرضهم أمثلة على الشخصيات السوداء في مجالات الرسم والنحت والفن الزخرفي مقابل المشروع السياسي العنصري.

أرتورو الفونسو شومبور

إن مثل هذه اللحظات الفنية التاريخية هي توثيق للضغوطات الاستثنائية التي يُنتج الفن الأسود تحت ظلالها، فلا يمكن للأعمال الفنية الخاصة بالفنانين السود أو الشخصيات المرسومة السوداء أن تمر ببساطة؛ بل يجب أن تؤدي أحد الأدوار إما من خلال استخدامها حججًا للنضال ضد العنصرية، أو من خلال الإشارة إلى الطريق نحو المستقبل المتحرر. وإضافة إلى ذلك، يجب علينا أن نفهم أن الفن الأسود يُعَدّ مسألة تستحق التأمل الجمالي. في متحف متروبوليتان، تحاول المنسقة «فانيساك فالديس»، من خلال مقالتها في رواق المعرض تحقيق التوازن بين هذه المهام المزدوجة، وذلك من خلال دعوتنا لقياس شخصية وأعمال «باريخا» جنبًا إلى جنب مع مقالات المؤرخ وأمين أرشيف الثقافة السوداء «أرتورو شومبورغ» التي تناولت «باريخا» وتاريخ الفن العام ومدى أهمية الفن الأسود، وقد ناقش «شومبورغ» المقاربات الفنية لــ«باريخا» التي تشكل أرضية مشتركة بين مطالب الحركة السياسية للسود واستحالة كمالية فنهم.

ولد «شومبورغ» في بورتوريكو عندما كانت لا تزال مستعمرة إسبانية لينتقل بعد ذلك إلى نيويورك سنة 1891م حيث بدأ في تجميع الكتب والوثائق التي تشهد على التاريخ الفني والأدبي والسياسي للإنسان الأسود. لقد كانت أفكاره بالغة الأهمية؛ حيث أشار إلى أنه لا يكفي أن تُبسَط أسماء الفنانين والكتاب والقادة السياسيين السود القدامى والاحتفاء بهم فقط؛ فمثل هذه المحاولات كانت «تصحيحًا مبالغًا فيه مثيرًا للشفقة، وزيادة في الثناء بشكل يبعث على السخرية»، فقد «حُوِّلَت الاعتذارات إلى سِيَر ذاتية». وبدلًا من ذلك، سعى «شومبورغ» إلى إنشاء أرشيف من شأنه أن يمثل حجرًا أساسًا للتعامل مع الماضي الأسود بوصفه طريقًا نحو مستقبل متحرر.

لقد كان «باريخا» من بين الفنانين الذين ركز عليهم «شومبورغ»، فقد وصفه في مقالاته بأنه عضو مهم في مدرسة الفن، وناشط إبداعي يمتلك أسلوبًا له أبعاد وطنية وعالمية. ومن خلال التعامل مع مهنة «باريخا» بوصفها مسألة بحث جاد في التاريخ الفني، أكد «شومبورغ» أن حياة الفنان وعمله كان لهما القدر نفسه من الأهمية تمامًا مثل حياة جل الرسامين الغربيين الآخرين رغم أن بغضهم كان يحمل معاني ومواقف خاصة اتجاه الإنسان الأسود. يواصل متحف متروبوليتان للفنون بمدينة نيويورك العمل في هذا المشروع الجذري بهدوء، معتمدًا على أبحاث «شومبورغ» حيث يعرضها جنبًا إلى جنب مع أعمال «باريخا»؛ لكونها مصدرًا موثوقًا للتفسيرات المعاصرة التي تخوض في إنتاجات الفنان الأسود.

يعد دليل المعرض مدخلًا أساسيًّا للتقليد التاريخي الغربي لدراسة الفنانين، وهي نصوص مخصصة لحياة ومسيرة الفنان، ويعد هذا الدليل الأول من نوعه بتضمنه قائمة متكاملة لأعمال باريخا. تعدّ مثل هذه النصوص ضرورية لعكس التفاعلات الواردة بين الفن والفنانين وللبحث المعمق والدقيق الذي حظي به الرسامون على شاكلة «فيلاسكيز». تبقى مقاربتي النظرة البسيطة والانفتاح على التجربة الجمالية أمرين جوهريين في هذا المجال، وقد صبت مجهودات معرض متروبوليتان في هذا الصدد بشكل متكامل ومن مختلف النواحي.

عندما حصلت مكتبة نيويورك العامة على أرشيف «شومبورغ» سنة 1926م، استخدم الأخير جل عائدات هذا المشروع ليسافر عبر المحيط متوجهًا نحو أوربا ليصل إلى إسبانيا سعيًا وراء لوحة «نداء القديس متى» حيث أمضى وقتًا طويلًا في الجلوس والتمعن في عمل «باريخا».


المصدر: مجلة «ذي نايشن» The Nation الأميركية.