بواسطة إعداد: محمد الدحاني - باحث مغربي | مارس 1, 2024 | حوار
يتحدث عالم الاجتماع المغربي الدكتور مصطفى محسن عما يميز مساره النقدي من ترحال موضوعاتي، يصفه بأنه ضروري لحرفة عالم الاجتماع. ويوضح أن العمل الميداني يستوجب حذرًا معرفيًّا وخيالًا سوسيولوجيًّا نقديًّا، وتجنب الباحث ومُتلقي المعرفة الاجتماعية من الوقوع في شرك تصورات وقناعات يقينية محدودة الأفق. كما يشرح، في حواره مع «الفيصل» مفهومه للنقد المتعدد الأبعاد وشروطه وأهدافه، ويصفه بأنه نقد تكاملي، وحواري، وتواصلي، ودينامي ومنفتح على مختلف تجارب وخبرات النقد، وعلى الرؤى والتصورات المتعددة للذات والآخر والعالم. ويؤكد مصطفى محسن أن ما يهم في جهوده النقدية ليس «المنجز الفكري أو الثقافي أو التربوي» وإنما هي تلك السيرورة المتطورة المتجددة والمتفاعلة في مرجعياتها وميكانيزمات اشتغالها.
ويؤكد عالم الاجتماع المغربي أن الاشتغال بالمسألة الاجتماعية ينبغي ألّا يفهم منه تحول عالم الاجتماع إلى واعظ أو مرشد أو داعية إلى ثورة.
● المتتبع لإسهاماتك الفكرية، يلحظ أن السمة الأساسية المميزة له هي الترحال الموضوعاتي بدل الاستقرار. ألا يؤثر هذا الترحال في تعميق بعض طروحاتك؟ وما الهواجس المتحكمة فيه؟
■ إن ما وسمته في سؤالك بـ«الترحال الموضوعاتي»، الذي ترى أنه سمة مميزة لأعمالي الفكرية والبحثية، يُعَدّ، في إطار هذا الفهم الدينامي «المتعدد الأبعاد» بما يدعى «الظواهر الاجتماعية»، أمرًا طبيعيًّا ووضْعًا «محايثًا» لحرفة عالم الاجتماع وحقول عمله. فظواهر وقضايا اجتماعية مثل: الأسرة والمدرسة والدولة، والطفولة والشباب والمرأة، والتنمية والتحديث والديمقراطية، والتفاوت أو التراتب الاجتماعي الطبقي والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص… إلخ، ليست قصرًا على اهتمام أو شغل السوسيولوجي وحده، وإنما هي موضوعات بحث مشتركة بينه وبين مقاربات مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل: الاقتصاد وعلم النفس الاجتماعي، والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم السياسة، وغيرها… إلا أن ما يمنح المقاربة السوسيولوجية خصوصيتها المميزة يتمثل في منظومة متكاملة من القواعد والشروط، لعل من أبرزها ما يلي:
ضرورة تموقع هذه المقاربة في «نقطة تقاطع» منظورات وزوايا المقاربات الاجتماعية المتعددة الأخرى. وهكذا، فإذا كان الاقتصادي يهتم في دراسته للظاهرة المبحوثة ببعدها الاقتصادي بالذات، والمؤرخ بالبعد التاريخي (الزمني ومتغيراته المتطورة)، وعالم النفس بالبعد السيكوسوسيولوجي… إلخ، فإن عالم الاجتماع ينبغي أن يركز على ما يمكن توصيفه بـ(البعد المشترك) بين مختلف مقاربات التخصصات الاجتماعية المعنية هنا.

ألان تورين
على عالم الاجتماع أن يبذل، أكثر من غيره، جهدًا مضاعفًا ليعطي لهذا التموقع الرؤيوي دلالته ومعناه، أو كما يرى (ألان تورين)، على «أن ينتزع الوقائع السوسيولوجية من الظواهر أو الوقائع أو الأفعال الاجتماعية» موضوع البحث، أي استخلاص ما هو مطلوب من دراستها من محددات «معرفة علمية» مبنية على فهم سوسيولوجي دقيق لموضوعها الاجتماعي. وذلك في إطار تميز هذه المعرفة، وكذلك تمايزها وتواشجها في الآن ذاته مع المعارف المستنتجة من بحوث (العلوم الاجتماعية والإنسانية المتنوعة).
ولعل من أهم المقومات والشروط، التي يمكن أن تشكل «تمحيصًا» نظريًّا وعمليًّا لـ«الترحال الموضوعاتي» السابق ذكره، ما يفترض أن يمتلكه الباحث من «رؤية أو منظور أو بوصلة» مرشدة هادية لمجمل مسارات بحثه واشتغاله. والمقصود بذلك هو ما يطلب منه اعتماده من «منظومة» متكاملة من «البراديغمات الإرشادية والأطر النظرية والمنهجية الموجهة» مما ينتظر منه أن يجنبه مغبات السقوط في منزلقات أو التشتت أو التعثر أو الضياع، وهو يترحل أو ينتقل من موضوع بحث إلى آخر، وبلا مقصدية هادفة أو «وحدة منظورية» واضحة المعالم والتوجهات والأهداف، وهو الأمر الذي يمكن أن يجعل من هذا الترحال مصدر إثراء للجهود العلمية للباحث. إنها، في تقديري، نقطة مفصلية شارطة في تشكيل رؤية نقدية تقييمية أو تقويمية لهذا الترحال في تجارب بحثية وفكرية معينة، وتمييز وفرز الإيجابي المنتج منها عن المتهافت الذي لا ينتج عنه سوى ما سلف ذكره من تشتت في الجهد والفكر، ومن ضحالة في قيمة ومستوى المنتوج، ومن ضعف في «صدقية نجاعته المعرفية والاجتماعية والتاريخية» المطلوبة والمنتظرة.
وهكذا، فلا أخالني مجانبًا للصواب إذا زعمت أنني، في مجمل أشكال «الترحال الموضوعاتي» المميز لبعض جهودي الفكرية المتواضعة، قد حاولت جاهدًا وعلى قدر ما أستطيع، أن أعتمد على هذه التحوطات الإبستمولوجية والسوسيولوجية المشار إليها، وأن أهتدي بها نظريًّا وعمليًّا، وفي مختلف آليات التفكير والبحث والتحليل والفهم والتفسير والتأويل ومقاصد إنتاج الدلالة والمعنى. وذلك بمحاولة الالتزام بالتموضع في زاوية ومنظور عالم الاجتماع، معتبرًا ما اشتغلت عليه من موضوعات متنوعة بمنزلة «نوافذ» أسعى إلى الإطلال منها على الواقع الاجتماعي المتعدد الأبعاد. مع ضرورة الوعي بأهمية ودلالة هذا التعدد، وبما له من تأثيرات في سيرورات ومخرجات المعرفة في ميادين العلوم الاجتماعية المختلفة.
● هل يمكن عد هذا الترحال الموضوعاتي محاولة لموضعة ذات الباحث بين المسألة الاجتماعية والمسألة السوسيولوجية؟ كما قد يبدو من خلال مضامين أعمالك؟
■ لقد اهتممت بالفعل في مجمل أعمالي المتواضعة، بمحاولة الاجتهاد قدر الإمكان من أجل إيجاد صيغة تكاملية بين المسألتين المعنيتين هنا. ولعلي لا أجانب الصواب إذا أقررت بكونك من أوائل من نوه بذلك في قراءة تحليلية معمقة لهذه الأعمال. غير أن ما أريد تأكيده هنا هو أن هذا الاجتهاد المشار إليه فيما سلف قد كان موجهًا -في إطار اهتمامي بـ«المسألة السوسيولوجية»- باحترام قواعد وشروط الالتزام بدور وحدود مساهمة عالم الاجتماع في رفد وتطوير وإغناء سيرورات إنتاج المعرفة العلمية الموضوعية المدققة لواقع اجتماعي محدد في الزمان والمكان.
وبناء على ذلك، فإن اشتغال عالم الاجتماع على مكونات وقضايا هذه «المسألة الاجتماعية» يعد أمرًا طبيعيًّا، ما دامت عناصرها ومشكلاتها تحيل مباشرة إلى تخصصه وعمله: «الظواهر الاجتماعية» عامة. إلا أن هذا ينبغي ألّا يفهم منه تحول مهام عالم الاجتماع من موقع المساهمة في إنتاج المعرفة العلمية إلى مواقع الوعظ أو الإرشاد، أو الدعوة المباشرة إلى التغيير أو الإصلاح أو الثورة… إلخ؛ إذ تلك من المسؤوليات الموكولة إلى فاعلين وفعاليات وجهات أخرى. وبخاصة إذا كان المجتمع المعني مهتمًّا في ذلك بدعم «المعرفة العلمية»، سياسةً وخُطةً ومشروعًا وأسلوبَ مأسسةٍ وتنظيمًا وتمويلًا لمؤسسات البحث والتكوين والتوزيع والتداول العادل لـ«الرأسمال المعرفي»، بل استثماره الممنهج في مسارات وبرامج وتوجهات التنمية والتحديث، وتجديد مقومات وآليات اشتغال النسق
المجتمعي العام.
من الكلي إلى الجزئي
● كل متتبع لإنتاجاتك، يلحظ أنك تنتقل في التحليل من الميكروسوسيولوجي إلى الماكروسوسيولوجي، في الوقت الذي تقوم فيه أغلبية الإسهامات السوسيولوجية بعكس ذلك؛ كيف تُفسّر هذا «الانتقال المعكوس» الذي تقوم به؟
■ يبدو مفيدًا أن أذكّر، في مستهل الإجابة عن هذا السؤال، بأن الملاحظة التي تشير إليها لا تنطبق دومًا على أسلوب التحليل المعتمد في جُلّ أعمالي؛ ذلك أني أحاول جاهدًا أن أعالج كل إشكالية أو موضوع أو قضية ما، سواء في إطار بحث مستقل قائم بذاته، أو في محاضرة أو عرض أو درس أكاديمي أو حتى في حوار محدود أو مفتوح… وفق خصوصية الموضوع المبحوث، وكذلك مراعاة لشروط ومقتضيات «مطابقة الكلام لطبيعة المقام»، كما يقال.
ولعل من أهم ما تعلمته من الاشتغال في حقل التربية والتكوين، بحثًا وتدريسًا وتأطيرًا وتواصلًا بيداغوجيًّا محدد الأهداف، هو أن مجمل عمليات البحث العلمي وإنتاج الأقوال والخطابات، بل «كل عمل كتابي»، هو بشكل ما وبقدر معين ورؤية ما، «منتوج بيداغوجي». يُفترض فيه؛ كي يحقق مقاصده، أن يعتمد بعض قواعد تداول «الخطاب»، التي تقتضي التكامل والتناغم بين أطرافه الأساسية: مصداقية وموقع مُرسِل/ باعث الخطاب، والإرسالية التي يتضمنها، وضعيات المتلقي، فردًا أو جماعةً أو أوسع من ذلك.
وهكذا، واستئناسًا بخبرتي البيداغوجية السالفة الذكر، فقد اعتمدت في كثير من أعمالي «منطقًا استنتاجيًّا»، يقوم على الانتقال من الماكروسوسيولوجي العام إلى الميكروسوسيولوجي الجزئي الخاص، الذي يقوم الانتقال منه إلى الماكرو العام على «منطق استقرائي»، فقد بدا لي بناءً على تجاربي التربوية المذكورة، أن «المنطق الاستنتاجي» الذي يسير على نهج الانتقال من «الماكرو» إلى «الميكرو»، أي من الكلي إلى الجزئي، هو الأكثر ملاءمة لخطاب معرفي ثقافي يسعى إلى اعتماد «بيداغوجيا فعالة منتجة»، تستهدف أساسًا «جودة» التبليغ والتواصل التفاعلي بين المُرسِل والرسالة والمتلقي. وسواء كان المقصود بهذا الخطاب بحثًا أو دراسة أكاديمية (رسالة أطروحة…) أو عرضًا أو مقالة أو درسًا تلقينيًّا محدد المضامين والأهداف… إلخ.
ولتوضيح هذه المسألة بشكل تقريبي، نضرب لذلك مثالًا كالتالي: ففي مقاربتي السوسيوثقافية لـ«المسالة النسائية» في سياقنا المغربي والعربي، عملت على موضعة هذه المسألة، بداية في ظل أهم المتغيرات والمستجدات التي رافقت أبرز التحولات الثقافية والسوسيوقيمية والحضارية التي يعرفها المجتمع المعاصر على المستوى الكوني العام، ثم التركيز، بعد ذلك، على البعد الثقافي الذي يهمنا بالأساس في مقاربة المسألة، لِيُتَدَرَّجَ بالتحليل نحو ما هو خاص، أي أوضاع المرأة في مساق مجتمعاتنا العالمثالثية والعربية، ثم الانتقال إلى ما هو أخص، لِيَكُنِ المجتمع المغربي مثالًا. ويستحسن أن نذكّر، هنا، بأن كل مراحل وتدرجات المقاربة المشار إليها يجب ألّا يُنظَر إليها كوحدات أو مكونات مستقلة متفارقة بعضها عن بعضها الآخر، وإنما التعامل معها بما هي «منظومة نسقية» متفاعلة العناصر والمضامين، وذلك ضمن تكاملية خطوات المنطق المعتمد في التحليل.
ويبدو لي، من خلال تجاربي البيداغوجية المتواضعة -وهي ملاحظة لا ألزم بها أيّ أحد أبدًا- أن انتهاج الأسلوب «الاستنتاجي»، أي الانتقال من الماكرو إلى الميكرو، من العام إلى الخاص، تلقينًا وبحثًا وتلقيًا…، يساعد المعنيَّ في هذه الوضعيات على فهم الإشكالية أو القضية موضوع النظر والبحث في إطار سياقها العام، بشتى جوانبه ومكوناته، ويضمن له –ضمن حدود وعيه بذلك- ملاءمة الانتقال التدريجي في معالجتها مرتبطة بإطارها الشامل. مما يساعده ويُمكّنه من الوصول بهذه المعالجة: (الدرس/ البحث/ أي نص كتابي…)، إلى الجزئيات الخاصة المتفرعة عن مستواها العام.
في حين تدعو بعض الملحوظات المنهجية والبيداغوجية إلى أهمية التزام «حذر نظري وعملي» مضاعف عند اعتماد المقاربة «الاستقرائية» طريقة في التحليل. فقد يؤدي تناول قضية أو إشكالية ما، عبر التدرج بها من الجزء إلى الكل، إلى أن يقع الباحث هنا في منزلق السقوط أو الانحباس في شرنقة الجزئي المحدود، متجاهلًا أو متناسيًا -بقصد واعٍ أو من دونه- تلك الوشائج أو الروابط الجدلية التي تصله بالكل الذي ينتمي إليه، ويكسب من خلال هذه الصلات المركبة، طبيعته ومعناه وخصوصيته المتميزة. وهو الأمر الذي قد يُوقع التحليل في بعض أعطاب «التبسيطية والاختزال»، والنظر إلى الجزء المحدود، على عكس طبيعة معناه، أي كما لو كان هو الكل، يتضمن مجمل مكوناته، يُمثّله ويعبر عنه، وهو ما يتنافى مع الواقع المبحوث، وما ينتظمه من «تفاعلية مستديمة» بين الجزئي والكلي والخاص والعام، وفي إطار منظور تحليلي تفاعلي متعدد الأبعاد…
كما أن من أهم الملحوظات التي يمكن التشديد على أهميتها في السياق ذاته أيضًا هي أن مسألة الانتقال في البحث الاجتماعي من «الماكرو أو الميكرو»، أي من «منطق استنتاجي أو استقرائي» وفق التحديدات السابقة، ليست مسألة مفاضلة بين المنطقين أو الرؤيتين، أي لا تقوم -بالتالي، ومن الناحية المبدئية التي تستلزم تعاملًا حياديًّا مع مجمل القضايا النظرية والمنهج في هذا المجال- على أي دعوة إلى تفصيل اعتماد منطق آخر؛ لأن ذلك الأمر يتعلق هنا بـ«الاختيارات النظرية والمنهجية» للباحث، وبما يعتمده من تبرير علمي لها، في سياق معرفي محدد في الزمان والمكان… ذلك أن «المسألة المنهجية» في تقديري تعتبر مكونًا أصيلًا في سيرورة كل بحث علمي؛ إذ هي الدعامة المفصلية في إيصاله إلى «معرفة علمية» مدققة، ثم تحصينها عبر حالاته المتعددة بـ«عدة نظرية ومنهجية» من المفاهيم والمنظورات المنهجية، وأدوات وتقنيات البحث، ونماذج التحليل والتفسير والتأويل… وذلك في مقابل «المعرفة العامة أو العامية» أو «معرفة الحس المشترك»، التي تخضع في عمليات إنتاجها وإعادة إنتاجها وتطويرها وتبادلها إلى «آليات وميكانيزمات» تختلف في جوهرها عن مقتضيات وشروط المنهج العلمي.
غير أن الأهم عندي -إضافة إلى دور إجرائية وفاعلية وصرامة وعقلانية «المسار المنهجي» للبحث– هو عملية وصدقية «المخرجات والنتائج» التي يخلص إليها، وكذا نجاعتها المعرفية والاجتماعية. علمًا أنّ جُلّ خلاصات العلوم الاجتماعية والإنسانية تظل موسومة دومًا بـ«النسبية» وبكونها لا تستطيع –مهما اجتهد الباحث في تحصينها بالممكن من شروط ومعايير الموضوعية والحياد- تجاوز حدود «خطاطات معرفية» قابلة للنقد والتجاوز. أي «شبكة/ شبكات» بيانات ومعطيات، ينتظر منها أن تشكل «دليلًا علميًّا وعمليًّا» مرشدًا لتقريبنا من التعرف إلى الواقع المبحوث، وفهم تفاعلات بنياته وتحولاته المادية والرمزية المتعددة، في مختلف مكوناتها ومستوياتها وديناميتها
المسترسلة المجددة…
محذورات العمل الميداني
● يقول بعضٌ: إن السوسيولوجيا تبتدئ من الميدان وتنتهي عنده، فما رأيك في طبيعة وحدود علاقة السوسيولوجيا بالميدان عمومًا، وانطلاقًا أيضًا من جهودك وأعمالك الشخصية؟
■ فيما يتعلق بتجربتي الشخصية في ميدان الممارسة السوسيولوجية، بحثًا وتدريسًا وتأطيرًا وإشرافًا أو مشاركة «خبرية» استشارية أو بحثية ما…، فإني قد بقيت، منذ المرحلة الطلابية وما تلاها، كثير الاهتمام بالعمل الميداني، مقدرًا لجهود فاعليه، مُثمِّنًا لمعطياته ومخرجات بحوثه المتعددة. ولكن ذلك ظل دائمًا في إطار التحصن بالاحترازات النظرية والمنهجية المسوقة فيما سلف، أي بذلك «الحذر المعرفي»، الذي يستلزم «خيالًا سوسيولوجيًّا نقديًّا»، كفيلًا، ضمن حدود ومواضعات معينة، بأن يجنب الباحث، ومعه أيضًا مُتلقي المعرفة الاجتماعية، من الوقوع في شرك تصورات وقناعات أو فهوم «دغمائية وثوقية» محدودة الأفق التساؤلي النقدي، وهو ما يؤدي بالمتعاملين مع «مخرجات العمل الميداني» كما لو كانت تتسم بصلاحية تامة مطلقة. وهو موقف «مثالي» اختزالي وتبسيطي يساهم؛ إما بقصد ووعي أو من دونهما، في تدعيم تلك «الاختبارية التجريدية» التي انتقدها (رايت ميلز) وغيره من رواد المدارس السوسيولوجية النقدية المعروفة، والتي يفضي تبنيها، توجّهًا وممارسةً، إلى «إسقاط» اعتباطي مجاني لبعض مقتضيات الميدان على جوانب من الواقع الاجتماعي؛ لتجبره على الامتثال لمعطيات قد لا تتوافق، بل قد تتناقض معه تمام التناقض. إنها وضعية تتنافى مع النظر الموضوعي إلى المعرفة العلمية في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما هي معرفة «نسبية»، ومجرد محاولة للاقتراب من الواقع وفهم أبعاده ومكوناته، والتعامل معه وفق ما تستوجبه الشرطيات المعنية من مواقف وإجراءات وتدخلات مختلفة الأنماط والمستويات.

رايت ميلز
وارتباطًا بما ورد في سؤالك هذا، فإني أعتقد أن الناظر في أعمالي كلها، ميدانية كانت أو نظرية تحليلية، وكذلك في مضامين البحوث التي أشرفت عليها، وخصوصًا بـ«مركز التوجيه والتخطيط التربوي» بالرباط، التي كانت كلها «ميدانية تطبيقية»، سوف يلحظ تمسكي الشديد ببعض أهم المفاهيم والنماذج الإرشادية للتوجهات النقدية المنوه بها فيما سبق، ولا سيما أني لم أكن أنظر إلى مسؤولية الإشراف وتأطير البحوث كما لو كانت مجرد مواكبة تتبعية للبحث والباحث، وإنما كنت أحاول عيشها بما هي «معاناة فكرية وإنسانية» عميقة، أواكب فيها، على هذا المستوى المعرفي والوجداني، مجمل حالات البحث ومشكلاته وتعثراته وجوانبه الإيجابية، ومن لحظة التفكير فيه كموضوع للعمل إلى نهاياته المفترضة أو المنشودة. وهو ما شكل، بالنسبة لي، تجربة تربوية وبيداغوجية وعلمية وإنسانية فريدة؛ لذا، فهي تستحق، في تقديري، أن يفرد لها حوار موسع خاص، وذلك لمناقشة ظروفها وسياقاتها وأبعادها ودلالاتها وموجهاتها القيمية والتواصلية والتفاعلية والاجتماعية…، وبخاصة في ظل شروط الظرفية الراهنة، التي تعيشها مؤسساتنا التكوينية والأكاديمية والبحثية من شروط وأوضاع وقضايا على هذه المستويات الآنفة جميعها.
وهكذا، فإن أهم خلاصة يمكن استنتاجها من كل ما سبق هي أن سيرورة بناء المعرفة السوسيولوجية لا تبتدئ دائمًا من الميدان وتنتهي عنده، وإنما هي، في عمق مدلولها وطبيعتها «جدلية ديناميكية» متواترة بين الفكر والعمل، والعقل والتجربة والنظرية والممارسة. وذلك شرط أن ينظر إلى هذه الجدلية الحيوية المسترسلة اعتمادًا على «الحذر النظري والمنهجي» السالف الذكر، وعلى ذلك «الخيال السوسيولوجي» لـ(رايت ميلز)، الذي يمكنه -متى استُلهِمَ في إطار «حس نقدي معرفي مفتوح»- أن يجعل سيرورة بناء المعرفة العلمية الاجتماعية عملية إيجابية منتجة مبدعة، وواعية، في الآن ذاته، بحدودها النسبية، وبعوائقها الإبستمولوجية والسوسيولوجية، الذاتية والموضوعية المتعددة.
مسار نقدي متعدد الأبعاد
● نود مساءلتك عما تدعوه في إسهاماتك الفكرية بـ«النقد المتعدد الأبعاد». فهل هو رؤية أو منظور، أو نموذج إرشادي (براديغم)، أو مشروع فكري، أو غير ذلك؟ ثم لماذا وسمته بالذات بـ«التعددية»، وليس بأي خاصية أو توصيف آخر خلافًا لذلك؟
■ سؤالك هذا مهم جدًّا في أي حديث عن الأسس المعرفية، النظرية والمنهجية، لـ«منجزي السوسيولوجي» المتواضع. غير أنه بما أني قد سبق أن أَفَضْتُ في عرض كثير من ملامح ومكونات توجهاتي النقدية المنفتحة «المتعددة الأبعاد»، وذلك في كثير من مؤلفاتي، كما في بعض حواراتي، ودراساتي ومداخلاتي المتنوعة الأهداف والمحتويات والسياقات، فإني أفضل الآن، إجابة عن سؤالك القيم، أن أركز على ما هو أهم دلالة وتعبيرًا في هذه الإجابة، وأجمل ذلك في الملحوظات الأساسية التالية:
إن مفهوم «النقد المتعدد الأبعاد»، هو عندي في مضمونه العام، يستدمج كل المفاهيم الواردة في السؤال. إنه رؤية ومنظور وبراديغم إرشادي ومشروع بحث ونظر فكري. مع الأخذ في الحُسبان ما بينها من فروقات أو تمايزات دلالية، يختلف حجمها وتأثيرها من نسق فكري إلى آخر. وإذا كانت عبارة «مشروع» هي الأكثر تداولًا في هذا المساق، فإن ما أود أن يُفْهَم منها، في جهودي النقدية خاصة، ليس ذلك «المنجز الفكري أو الثقافي أو التربوي» المكتمل التام، وإنما هو تلك السيرورة المتطورة المتجددة، المتفاعلة، في مرجعياتها وميكانيزمات اشتغالها، مع غيرها من نماذج العمل الفكرية والتطبيقية التي تتجادل وتتنامى وتتكامل باستمرار، وعلى هذه الصُّعُد والمستويات كلها.
إن هذا النقد المعني هنا هو، في تقديري ومقصديتي، نمط من التجاوز النظري والمنهجي لبعض ما أمسى يكتسح ساحتنا الفكرية العربية تحديدًا من توظيف أو اعتماد مجاني ساذج للعديد من أفكار وتوجهات ونَزَعات ونُزُوعات التقليد والاتباعية الدوغمائية أو الإسقاطية ذات الطابع الاختزالي الضيق الأفق والرؤية والوعي النقدي الحذِر؛ إذ أصبحنا أمام كثير من نماذج الاستجلاب أو «الاستيراد» لمفاهيم ونظريات وآليات تحليل وتطبيق غربية المنشأ. وذلك بغرض الاستئناس بها في تجديد وتطوير وإصلاح أوضاع ومكونات واقع مغاير سياقًا وثقافة وآليات هيكلة وتدبير وتنظيم واشتغال. ومن دون وعي نقدي عميق بالمقومات السوسيومعرفية والتاريخية التي أفرزتها، ولا بخصوصيات النظام الاجتماعي الذي نُقلت إليه بهدف المساهمة في تنميته وعقلنته وتحديثه وترشيد مسارات تحوله نحو الأفضل. ولنا في مآلات هذا «النقل التبعي» في مجتمعنا خاصةً، وفي عجزه عن تحقيق ما كان منشودًا منه من إصلاح أو تجديد ما يقوم دليلًا قويًّا على بؤسه وتهافته. ولنستحضر هنا طبيعة ما استجلبناه من «عُدَدٍ نظرية وعملية» غربية في ميدان التربية والتعليم والتكوين وبناء الإنسان، وفي حقل العمل السياسي، وفي مشروعات وبرامج وخطط التنمية والتحديث، وفي ميادين الإدارة والحكامة وتدبير المقاولات والشراكات… إلخ، لنقف على مردوديتها الضعيفة على مستوى تطبيقها في الواقع المعني في سياق بلداننا العربية والنامية؛ ذلك أن هذا التطبيق لهذه «العُدَد» لم يتم في إطار «وعي نقدي» سليم بمجمل أهدافها ومضامينها، سواء في السياق السوسيوتاريخي الذي أنتجها، أو في السياق الجديد المغاير الذي نُقِلت إليه، والذي «أُسْقِط» جلها عليه في ظل غياب أو هشاشة هذا الوعي النقدي المذكور.
أما لماذا وصَفتُ هذا النقد بكونه «متعدد الأبعاد» وليس «أحادي أو ثنائي أو مزدوج البعد…» أو غير ذلك؟ فإن الهدف الرؤيوي والمعني يتمثل في محاولة تخطي مزالق وعوائق ما أُشِيرَ إليه من «نزعات اختزالية تبسيطية» مفقرة للواقع، وكذلك لأي نقد يتجه إليه. ولذا كان مقترحنا أن ينصب هذا «النقد المتعدد» على ما يلي:
أولًا- من ناحية موضوع اشتغاله، يفترض أن يكون:
نقدًا للذات/ الأنا/ النحن، ماضيًا وحاضرًا وتوجهات نحو المستقبل، وكذلك تراثًا فكريًّا ومعرفيًّا وقيميًّا وحضاريًّا وتاريخيًّا متعدد الأنماط والأفعال والفاعلين ومستويات التعبير والتطور والتفاعل والفعل والاشتغال.

هربرت ماركيوز
نقدًا «محايثًا» لنقد الآخر/ الغرب/ المختلف الثقافي والحضاري، وفي كل المكونات والأبعاد الآنفة الذكر.
نقدًا للحظة الحضارية بما هي «بوتقة» تاريخية، «تكْثيفية» لعلاقة الذات بالآخر. وذلك ضمن جدلية دينامية من سيرورات تبادلية للفعل والانفعال والتفاعل المتباين الخلفيات والأهداف والآليات والسياقات.
ثانيًا- من ناحية جوانب وآليات اشتغاله، فيُفتَرض أن يكون:
نقدًا إبستمولوجيًّا، يَنْصَبُّ تحديدًا على التحليل النقدي لمجمل الشروط والميكانيزمات والمساقات المعرفية والتاريخية، التي يُنتَج في حضنها ويُعادُ إنتاج مختلف العلوم والمنظومات المعرفية في فضاء مجتمعي محدد في الزمان والمكان.
نقدًا سوسيولوجيًّا وحضاريًّا، يستهدف الكشف المُمَنْهَج عن أهم السيرورات والتفاعلات الاجتماعية، التي تتولد فيها ديناميكيات تبلور مفاهيم وآليات وأوضاع ومكونات السلطة والنفود والهيمنة والحكم والتحكم… في مجمل تراتباتها ومؤسساتها وممارساتها ومستوياتها… إلخ، أي «المجال السياسي» في مدلوله العام… كما يستهدف، في الآن ذاته، كيفيات تشكل البنيات والهياكل والفئات والشرائح أو الطبقات والتراتبات الاجتماعية المختلفة… إلخ، أي «المجال الاجتماعي» عامةً… وهو نقد يتجه أيضًا، على هذا الصعيد، إلى معرفة تبلور نمط أو أنماط إنتاج وتوزيع واستهلاك الخيرات المادية وأشكال ومراتب الاستفادة المادية… إلخ، أي «المجال الاقتصادي» بمكوناته المختلفة… وأخيرًا، هو كذلك نقد يسعى إلى معرفة عمليات ومؤسسات ومصادر إنتاج القيم والمعايير والرموز والعادات والأعراف والتقاليد والمعتقدات الاجتماعية، التي تشكل مضمون «الثقافة» بمدلولها «السوسيوأنثروبولوجي» الشامل. وكذلك الوقوف على أساليب تداولها ونشرها وتبنيها وترسيخها مؤسسيًّا واجتماعيًّا في كيان مجتمعي متعين في الزمان والفضاء. ويقصد بذلك جل مكونات «المجال الثقافي» بالمعنى الشامل الآنف.

نيكوس بولانتزاس
إلا أنه من المفيد أن ننوه، هنا، بملاحظة محورية مفادها أن المدلول الذي نفهم به «العمل النقدي» ضمن هذا التوظيف أو الاستئناس، هو مدلول مختلف كليًّا عن بعض المدلولات والفهوم التي تمنحُ النقدَ، في إطار منظورات أو رؤى «انتقاصية»، يُدرك عبرها كما لو كان عمليات هدم أو نقض أو دَحْض أو تخريب أو ذم وانتقاصٍ وتجريح أو مواقف إقصاء واستبعاد وإلغاء… ذلك أن «النقد» الذي نتبناه هنا، دلالة واستعمالًا، هو ذلك «النقد المنهجي» الذي يتغيا، بالأساس، تناول موضوعه الذي يشتغل عليه بما هو مطلوب أو ممكن ومتاح من آليات وجهود التحليل والتفكيك، حتى هدم المتداعي والمهترئ من جوانب الموضوع ذاك. إنه ذلك الفعل «الشبيه بالحفر الأركيولوجي». ولكن ليس فقط من أجل النبش والتعرية وكشف المستورات والعورات والعيوب… وإنما كي يتجه إلى تلك المظاهر أو الجوانب المُعْتِمة في مكونات «المتن المنتقد» فيقاوم عتمتها، ويعيد صياغة بنائها لِجَعْلها مُتّسِمَة بما يمكنها من أن تغدو إيجابية منتجة جلية الدلالة. إنه أيضًا ذلك النقد، الإيجابي دومًا، الذي يتناول تلك «العناصر المضيئة» في ذات المتن فيُنافح كي يُثريها لتمسي أفضل إشراقًا، مظاهر تشكل ودلالة مضمون… هكذا إذن، يمكن أن نتلمس، فيما سلف ذكره، بعض عناصر الإجابة عما ورد في هذا السؤال من حوار، من تساؤل، عن مبررات نعت ما أعتمده من منظور نقدي بكونه «نقدًا متعدد الأبعاد، تكامليًّا، حواريًّا، وتواصليًّا، دينامي الانفتاح» على مختلف تجارب وخبرات النقد، وعلى الرؤى والتصورات المتعددة للذات والآخر والعالم… كما أوردنا ذلك، بتركيز شديد، في أهم الحيثيات الإبستمولوجية والسوسيولوجية والفكرية المسُوقة فيما سبق.
أما فيما يتعلق بالمقصدية التي تشكل خلفية اهتمامنا بالانخراط في مواصلة هذا المسار النقدي، فإنها ترتبط، إضافة إلى ما سلف، بهدفين أساسيين مؤسِّسَيْن هما:
الأول– ضرورة الاستفادة من «منجزات» التراث الفكري الغربي الحديث والمعاصر معًا. وذلك في محاولة جادّة وحافزة للتعلم، قدر المستطاع، من التوجهات الفلسفية الإبستمولوجية والاجتماعية النقدية التي عبرت عنها جهود رواد وأعلام مؤسسين مؤثرين؛ من أمثال: سان سيمون، وأوغست كونت، وكارل ماركس، وماكس فيبر، وإيميل دوركايم، وألتوسير، وهربرت ماركيوز، وموريس غوديليي، ونيكوس بولانتزاس، وتالكوت بارسونز، وروبير ميرتون، وكلود ليفي ستراوس… وصولًا إلى ريمون أرون، وألان تورين، وبيير بورديو، وأنطوني جيدنز، وغيرهم كثير.
الثاني– الاستفادة المماثلة، من موقع وضعية التعلم السابقة، من أهم مبادرات ومشروعات وجهود النهضة والتحديث والتنوير في التاريخ الفكري العربي الحديث والمعاصر أيضًا، التي تمتد منذ جذورها الأولى إلى ما يناهز القرنين، والتي تطورت لتتبلور راهنًا في نماذج رائدة من «الأنساق والمشاريع الفكرية» التي تؤثث الفضاء الفكري العربي الآن. وبمجرد غاية التركيز ليس إلا، يبدو مفيدًا أن نذكر هنا بأهمها تكاملًا وتداولًا وحضورًا، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: «نقد العقل العربي» لمحمد عابد الجابري، و«النقد التاريخاني» لعبدالله العروي، و«النقد المزدوج» لعبدالكبير الخطيبي، والطروحات النقدية لمحمد جسوس، و«النقد الحضاري» لهشام شرابي، و«نقد الاستشراق» لإدوارد سعيد، و«نقد الفكر الديني» لمحمد أركون، و«نقد الاستعراب» لحسن حنفي، إضافة إلى المشروعات والمنظورات النقدية لمفكرين كبار من عيار طيب تيزيني، وحسين مروة، وأنور عبدالملك، وسمير أمين، وفهمي جدعان، وعلي الوردي، وصادق جلال العظم…، وغيرهم ممن أثرَوْا الفكر العربي المعاصر بكثير من عناصر الجِدّة والجودة والإبداع.

طيب تيزيني
واتكاء على هذه الاستفادة التعلُّمِيَّة من فكْرنا وفكْر الآخر في آنٍ، نحاول، في اجتهاداتنا السوسيولوجية والفكرية والتربوية، تشكيلها وتنظيمها وبوتقتها أو بالأحرى «نَسْقَنَتها» في إطار رؤية أو منظور أو براديغم أو مشروع «نقد متعدد الأبعاد»، كما قدمنا بعض ملامحه ومقوماته فيما سبق. غير أننا نؤكد من جديد أن فهمنا لكلمة «مشروع» يقوم على ضرورة النظر إلى أي مشروع، فكريًّا كان أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا…، لا على أنه «عمل» مكتمل تمام الاكتمال، وإنما على أساس أنه «سيرورة جدلية ديناميكية من التطور والتنامي والتكامل والتفاعل المستديم». إنه، وكما يبدو من دلالة الكلمة نفسها، «نمط من الاستباق التوقعي، أو من الارتماء في أحضان الفعل المستقبلي». وهو الأمر الذي يبقيه مفتوحًا/ منفتحًا على آفاق/ احتمالات، ومصاير وإمكانات ومآلات مختلفة متعددة من مستويات الأداء والإنجاز.
غير أن الغاية الأساسية الكبرى الحافزة والمحركة لهموم واهتمامات وانشغالات جهودنا النقدية -وبعيدًا من أي تنطع أو ادعاء أي سبق أو تميز أو أي فرادة متخيَّلة، بل من موقع وأخلاقيات وقيم ومسلكيات المتعلِّم أو القارئ المجتهد، كما سبق الذكر- هي السعي المتواضع للبحث عن موطئ قدم ضمن ذلك «المنجز الفكري» المائز، مغربيًّا وعربيًّا، مما ننتظر منه أن يمنحنا التمكين المطلوب والفرص المواتية للمساهمة برْفدٍ فكري نوعي ذي قيمة جديدة مضافة لتلك المشاريع الفكرية والنقدية الرائدة المؤسسة المنوه آنفًا بأبرز أعلامها وعناوينها المشِعة، وطنيًّا وقوميًّا وعالميًّا، حتى لو كان ذلك ممهورًا –كما هو شأن أي معرفة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية- بالعديد من الشروط والمواصفات والحدود والمحدوديات النسبية لهذه المساهمة الفكرية النقدية المنشودة.
إلا أن ما يؤسف له حقًّا، ويبعث على كثير من مشاعر التذمر والإحباط، ومن الاستفهام وعلامات الاستغراب… هو أن هذه المشروعات الفلسفية والسوسيولوجية والفكرية العربية الراهنة، في الوقت الذي أَضْحَتْ فيه موضع عناية واهتمام، بل حتى ميدان دراسات وبحوث من طرف مؤسسات أكاديمية وتكوينية، ومراكز بحوث وخبرة واستشارة، ذات مستوى ومكانة ومصداقية عالمية معتبرة، فإنها لا تزال تعاني –في السياق العربي الذي أُنتِجَتْ وبُلْوِرَتْ فيه، من أجل معرفته وفهم آليات اشتغاله، وترشيد جهود ومسارات تنميته وتحديثه ودمقرطته وتنظيم مختلف مكوناته البنيوية وديناميكيات تطوره وتغيره… من كثير من أوضاع الإهمال والتهميش والتجاهل والتناسي، لتظل مركونة في رفوف المكتبات، تنالها آثار ومحدَثات وتنكيل الزمان والمكان والإنسان.
بواسطة محمد المسعودي - باحث مغربي | مارس 1, 2024 | مقالات
كثيرة هي الروايات التي تناولت موضوع الحرب، وتطرقت لتصوير بشاعتها وتداعياتها المختلفة، وأثرها في حياة الأفراد والجماعات. وتعد رواية «الحرب والسلام» لتولستوي أشهر الأعمال الفنية التي تناولت حروب نابليون بونابارت في أوربا وروسيا بالأخص، وتداعياتها الإنسانية العميقة، ومن أهم النصوص التي غاصت في كنه الإنسان وتفاعله مع أوضاع الحياة وتقلباتها في الحقبة القيصرية. تناول تولستوي في روايته لمحات من حياة الفارين من الحرب، غير أننا نجد في الأدب السوفييتي روايات تناولت نماذج من الجنود الفارين من ساحات المعارك، وما سببه فرارهم من آثار سلبية في أهاليهم وفي مصايرهم بشكل مفصل وعميق. ومن بين الروايات «السوفييتية» التي لفتت نظري بتناولها لموضوعة الهروب من الحرب وتداعياتها على الأفراد والجماعات، ثلاث روايات مهمة لكتاب «سوفييت» بارزين:
رواية «وجهًا لوجه» لجنكيز أيتماتوف، التي نشرها سنة 1958م في مجلة «أكتوبر»، ثم أعاد صياغتها ونشرها بعد ذلك في مجلة «قيرغستان الأدبية» العدد 3 سنة 1990م. ورواية «أرى الشمس» لنودار دومبادزه، الصادرة سنة 1960م. ورواية «عش وتذكر» لفالنتين راسبوتين، الصادرة سنة 1973م، وقد تُرجمت إلى اللغة العربية باسم الهارب.
فما الجامع بين الأعمال الثلاثة؟ وكيف صورت وضع الإنسان زمن الحرب؟ وما تداعيات الفرار من ساحة المعركة على شخصيات هذه الروايات؟ وما الرؤى التي تحملها هذه النصوص عن الإنسان الهارب وعن حالته النفسية؟ وما انعكاسات هذا الفرار على الشخصيات القريبة من «الهارب» ماديًّا ومعنويًّا؟ وكيف نجحت هذه الروايات في كشف دواخل الإنسان ومعاناته وهو تحت وطأة العار ووصمة الخذلان؟ هذه بعض الأسئلة التي فرضت ذاتها ونحن نقرأ هذه الأعمال الثلاثة، وهي أسئلة سنحاول الإجابة عنها قدر ما تتيحه هذه النصوص من إمكانات تحليلية وتأويلية.
وجهًا لوجه: الحس الإنساني وانتصار القيم
رواية «وجهًا لوجه» رائدة في تناول موضوعة «الهروب من الحرب». نرى عوالم أيتماتوف السردية تجري في قرية قرغيزية، مصورًا خصوصية هذه المنطقة من مناطق ما كان يسمى «الاتحاد السوفييتي»، ومهتمًّا بنقل ملامح من جمال البلاد وطبيعتها، وفي الآن ذاته مركزًا على جوهر المعاناة الإنسانية في مختلف تبدياتها بسبب الحرب. يعرض السارد أوجهًا عدة لمعاناة أهل القرية تحت وطأة الحرب، ومعاناة الهارب من الحرب وأسرته وهما يواجهان المجتمع، وما ينجم عن هذه المواجهة أو التلميح من إحساس فادح بالخزي والعار. ولعل هذه الأبعاد التي يتناولها أيتماتوف في روايته سنجد لها امتدادًا عند دومبادزه في «أرى الشمس»، وفي «الهارب/ عش وتذكر» لراسبوتين.
في رواية «وجهًا لوجه» تعمل البطلة «سيدا» وحماتها العجوز «بكسات»، بكل جهدهما، على أن يظل سر هرب «إسماعيل» مخفيًّا لا يعلم به إلا هما. وقد عانت «سيدا» كثيرًا من أجل الحفاظ على هذا السر، ومن أجل ألا يعرف أحد من أهل القرية بمكان اختفاء «إسماعيل».
ركز السارد على تصوير قلق الزوجة وخوفها المستمر من انكشاف السر، وبخاصة حينما كان يمر بها وبجارتها «طاطوي» ساعي البريد «كورمان»، أو يزورها قريب الأسرة ورئيس مجلس القرية/ الأيل «ميرزاقول» ليطمئن عليها وعلى العجوز «بكسات». وقد شك الرجل في أمرها، واستدعيت للحضور أمام المفوض الذي ألح في معرفة حقيقة هروب زوجها من الحرب، وهل تعرف عنه أخبارًا ما، غير أنها أصرت على إنكار معرفتها بمكان «إسماعيل» ومصيره. ولا يكتفي السارد بتصوير معاناة الشخصية من الخوف والقلق على زوجها فحسب، وإنما يمعن في تصوير معاناتها من تأنيب الضمير، وعدم الصدق، وممارسة الخداع والكذب، وبخاصة حينما تحضر في جلسات تأبين شهيد من شهداء الحرب، أو حينما تزور جارتها «طاطوي» التي أخفى عنها الأيل خبر موت زوجها حتى تتمكن من تربية أولادها ولا تتخاذل عن رعايتهم. كما يصور السارد شعور أهل الهارب بالخزي والذل في حضور الآخرين، يقول السارد مشخصًا حالة «سيدا»:
«ها هي تجلس في منزل ساقي البوزو، لا تجرؤ على رفع بصرها، كما لو كانت مذنبة أمام الجميع (…) جلست بعيدًا في الزاوية، وغطت فمها بمنديل، ملتزمة الصمت» (ص.32)
هذه حالة من حالات الشعور بالذنب، والإحساس بالعار في حضور الآخرين تعكس جانبًا مهمًّا من جوانب النفس الإنسانية، وتمثل بعدًا من أبعاد اشتغال رواية الحرب انطلاقًا من رصد تداعيات الهروب من الحرب على أهل الهارب، ووضعهم الاجتماعي، وحالاتهم النفسية المختلفة والمتناقضة. ومن جهة أخرى يهتم السارد بشخصية الهارب من الحرب مبديًا وجهة نظره في الحرب، وتعليل دافع فراره من ساحة المعركة. فها هو «إسماعيل» يقول: «إذا ذهبت ما الذي سيتغير؟ لن أتغلب على العدو بمفردي، وسيتدبرون الأمر من دوني» (ص.28)
بهذا المنطق المتخاذل يبرر «إسماعيل» فراره من ساحة المعركة ليختبئ في حقل القصب قريبًا من بيته، وليبرر عدم قدرته على فراق زوجته وأمه وقريته. ويمعن السارد في تصوير معاناة الهارب النفسية والبدنية. ولنأخذ على سبيل التمثيل رصد السارد للوضع المزري الذي تمر به الشخصية. بهذه الكيفية يصور السارد تحول شخصية «إسماعيل» الهارب من شخصية سوية تتسم بالطيبة والخُلق الحسن، كما كان عليه الأمر قبل الحرب، إلى شخصية قاسية شرسة فقدت حسها الإنساني بالتدريج، بسبب ألم الجوع وضراوته، وأثر العزلة والوحشة، وصعوبة العيش في البرية. ولعل هذه الظروف القاسية، إلى جانب فقدان أمه وعدم قدرته على المشاركة في جنازتها وطقوس العزاء المتبعة لدى أهل قريته، جعلت «إسماعيل» يتمرد ويكفر بقيم المجتمع، وهو ما دفعه ليُقدم على فعل شنيع اهتزت له القرية: ذبح بقرة جارتهم الأرملة «طاطوي»، وحرمان أطفالها من الحليب الذي ستدره عليهم.
وقد جعل هذا الحدث مجلس القرية في حالة استياء بالغة، واستنكار لهذا السلوك غير الإنساني البشع، وهو ما استدعى استنفارًا شاملًا بحثًا عن الجاني. وقد حدست «سيدا» أن زوجها هو السارق والمعتدي. وفعلًا حمل «إسماعيل» في أثناء زيارته الليلية كيسًا امتلأ بلحم بقرة «طاطوي» لها ولطفله. ولما واجهته «سيدا» بحقيقة بشاعة جريمته، وعدوانه، لم يُقر بفداحة ما قام به من فعل، ولم يُبدِ ندمه، بل عمل على تبريره بما يكشف عن تمرده على الأعراف الاجتماعية، وعن تزعزع إيمانه بالقيم الإنسانية، وهو ما جعل «سيدا» تحمل سلاح التحدي في وجهه منتصرة لقيم المجتمع وللأواصر الإنسانية التي ربطتها بجارتها «طاطوي» ردًّا على فقدان الإنسانية والرضى بالوحشية والعدمية، وكانت في طليعة الجنود الذين اقتحموا وكره في حقل القصب، وبخاصة بعد سقوط «ميرزاقول» وتعرضه لإصابة من طلق ناري رماه به «إسماعيل». وفي اللحظة التي كان الجنود يحذرونها من التقدم لاحتمالية تعرضها لطلق ناري مثلما تعرض له «ميرزاقول»، نراها تتقدم غاضبة مندفعة بعزيمة قوية. يقول السارد مصورًا
هذه اللحظة الدرامية:
«لم يعرف أنها سيدا السابقة؛ كانت امرأة أخرى غير مألوفة بالنسبة له: وقفت أمامه بلا خوف، تحمل ابنها بين ذراعيها؛ وفجأة بدت له أنها تقف عاليًا، عاليًا جدًّا، لا يمكن الوصول إليها في عظمتها الحزينة؛ بينما كان هو عاجزًا وبائسًا أمامها… ترنح إسماعيل، وألقى البندقية بقوة نحو الجنود المقتربين منه، رافعًا يديه للأعلى». (ص.161)
وبهذه النهاية التراجيدية والمواجهة بين الزوجين نرى كيف ستنهدم آمال «سيدا» في الحفاظ على أسرتها، وإنقاذ زوجها من المتابعة، وربما تعرضه للموت من خلال حكم عسكري بإعدامه، كما اغتيل حلمها في اللحاق بأخوال زوجها وأولادهم في الجبال بعيدًا من الحدود القرغيزية، وبعد عبور ممر «شاتكال»، وهو الحلم الذي طالما راودها واقتسمته رفقة حماتها الراحلة «بكسات» ووضعتا الخطط والاحتمالات لتحقيقه. وبهذه النهاية تصل الرواية إلى قمة تصوير الحس الإنساني، وانتصار قيم الخير والوفاء والمحبة الإنسانية بمفهومها الواسع على قيم الأثرة والأنانية والقسوة والتنكر لأعراف الرأفة والرحمة.
أرى الشمس: المأساة والسخرية واستحالة الغفران
ينسج الروائي الجورجي «نودار دومبادزه» في روايته «أرى الشمس» عالمًا متخيلًا يتميز بالحركية والغنى، وبامتزاج المأساة بحس ساخر لاذع. وهذه الرواية التي تجري، أيضًا، في قرية من قرى جورجيا تجعل من تداعيات الحرب وأثرها منطلقًا لتشكيل رؤى الشخصيات الروائية لما حولها وتفاعلها مع الحياة.
وإذا كانت رواية «جنكيز أيتماتوف» تحكي بضمير الغائب، وتجعل للسارد العارف قدرة على كشف دواخل شخصياته ورصد ما يجري حولها، فإننا نجد «نودار دومبادزه» في «أرى الشمس» يرصد ما يجري من منظور سارد/ «طفل» يحكي بضمير المتكلم عن ظروفه، وعن صديقته الأثيرة: «خاتيا» الفتاة الضريرة، وعن ظروف عمته معلمة القرية، وعن ظروف أهل قريته والقرى المجاورة لها.
في هذه الرواية نجد هاربًا آخر من الحرب يدعى «داتيكو»، وهو على صلة بالمعلمة «كيتو» عمة «سوسويا»/ الطفل: الشخصية المحورية في الرواية. وكانت «خاتيا» أول من أخبر العمة أنها سمعت صوت «داتيكو» عند الطاحونة، ولما أحست الفتاة بذهول العمة ووقوع الخبر ثقيلًا عليها، عادت فأنكرت أنها سمعت صوته، غير أن الأيام ستكشف أن الفتاة الكفيفة كانت صادقة، وكانت المواجهة بين «سوسويا» والعمة «كيتو» من جهة، وبين «داتيكو» من جهة ثانية لا تخلو من قسوة وسخرية، وهي لحظة درامية تصور نظرة المجتمع إلى الهارب ورفضه.
ومن خلال مشهد حواري درامي متصاعد (الرواية، ص. 32-33)، الذي سيتحول إلى مواجهة فعلية بين العمة و«سوسويا» من جهة، و«داتيكو» من جهة ثانية، يصور الروائي منطق الهارب من الحرب وتعدد العلل التي يلجأ إليها ليبرر جبنه وسر فراره، ولكن المجتمع الذي ينتمي إليه الهارب يرفض هذا السلوك ويدينه ويعده خذلانًا وجبنًا يوسم صاحبه بالنقص مدى الحياة، ومن ثم يُعَدّ عالة على أهله وأقربائه وسكان قريته.
تتتابع الصور التي تشخص بؤس الهارب وذله وحمله لعار الجبن والخذلان في هذه الرواية. نجد في رواية «أرى الشمس» تصويرًا دقيقًا لرفض أهل القرية لـ«داتيكو» الجبان الهارب من الحرب، ومواجهته بالسخرية والدعاء عليه، ورفضهم ذكر من مات من ذويهم أو أقربائهم في الحرب على لسانه. يقول السارد مصورًا مواجهة «داتيكو» بعض نساء القرية حين اقتحم طاحونة «بيغلار»، ومحاولته طحن ذرته قبل الآخرين عن طريق فرض قوته وتهديده، لكنه تعرض لسخرية النساء ودعائهن عليه. ويلخص المشهد الروائي مواقف أهل القرية من الهارب على لسان «ماترونا» التي تخاطب «داتيكو» قائلة: «نعم، مات، ولا أعرف حتى أين قبره، قبر ابني! لم يبق إلا قميصه الذي لا يجف من دموعي. ولكن أن يكون لي هذا القميص وحده خير لي من أن أرى ابني حيًّا، ولكن على شاكلتك! كيف تجسر على أن تذكر بلسانك القذر أسماء أبنائنا… وأرادت ماترونا أن تقول شيئًا آخر، إلا أنها لم تقدر، وانخرطت باكية بعد أن غطت
وجهها بيديها». (ص.107)
بهذه الشاكلة تختزن المواجهة السخرية، وبهذه الطريقة تنبثق الملهاة من رحم المأساة لتشخص رفض الهارب في المجتمع القروي وإدانته، ولتجسد عمق خذلانه وعاره. ولا نجد الرواية تقف عند مستوى السخرية من «داتيكو»، وإنما نلقى تصويرًا جليًّا لموقف أهل القرية منه والامتناع عن كل تعاون معه، كما نرى في موقف الطحان «بيغلار» الذي أبى طحن ذرة «داتيكو»، واضطراره إلى تعطيل الطاحونة حتى لا يقوم «داتيكو» بطحنها ليُشعره بمزيد من الذل والهوان؛ لأنه خان الوطن ورضي بالفرار من الحرب، ولأن الهارب لجأ إلى التهديد والقوة لمحاولة طحن ذرته، وأخذ حق الآخرين الذين سبقوه إلى الطاحونة من أجل طحن ذرتهم، والعودة إلى بيوتهم، وأسرهم مبكرًا. (ص.108-109)
تشترك الروايتان: «وجهًا لوجه» و«أرى الشمس» في تصوير حال الأرامل والأطفال، وخسة ونذالة الهارب الذي يحرم الصغار من غذائهم؛ فإذا كان «إسماعيل» قد ذبح بقرة جارته «طاطوي» وحرم أطفالها من الحليب الذي انتظروه طويلًا، فإن «داتيكو» كان يحلب معز أهل القرية ويستولي على النزر القليل من الغذاء المتبقي للعجائز والأطفال الصغار. ويصور «دومبادزه» هذه النذالة التي تميز الهاربين في مشاهد لا تخلو، بدورها، من سخرية أو كوميديا سوداء ترمي إلى رفض هذه الأفعال وإدانتها. (انظر على سبيل المثال: ص.62-63 وقبلهما ص.53)
ولا تقف السخرية عند حدود تصوير مواقف أهل القرية والشخصيات المحورية في الرواية من الهارب المدان، وإنما تمتد إلى إدانة الحرب ذاتها، والسخرية من وضع بعض الشخصيات وواقع حالها. وقد كان لمعتوه القرية «بيجان»، وسخريته المرة من «إديميكا» ومن ساعي البريد «كوتيا» (السكران دائمًا)، دور في مد الرواية بلمحات طريفة تضفي على السرد جوًّا من المرح وحسًّا ساخرًا، حوَّل النص من ثقل سرد الحرب إلى خفة الحياة وتشخيص مفارقاتها.
ومن خلال ما سبق يمكن القول: إن رواية «أرى الشمس» جعلت من موضوعة الهروب من الحرب إمكانًا سرديًّا يجلي موقف مجتمع القرية الجورجية من الهروب والفرار من ساحة المعركة، موظفة السخرية أسلوبًا في الإدانة والتصوير، مع انشغالها الواضح بالحس الإنساني وجعله البوصلة الأساس في تحقيق التفاهم، وإدراك هشاشة الكائن الإنساني وضعفه، ومن ثم ختمت أحداثها بتأكيد استحالة التسامح والغفران مع العنصر الشارد المدان «داتيكو» وصعوبة عودته إلى المجتمع، ورفعت من قيمة البطولة ورفض الخذلان، على الرغم من تصويرها لبعض جوانب هشاشة الإنسان وضعفه.
الهروب وذروة الحس المأساوي
في رواية «عش وتذكر» أو «الهارب» تجري الأحداث في قرية من قرى سيبيريا تقع على نهر «أنغارا»، اسمها «أتامانوفكا». وتبدأ الأحداث باختفاء فأس العجوز «ميخيتش غوسكوف» التي كان يخبئها تحت خشبة من خشب الأرضية جنب المدفأة الحجرية. وفي أثناء بحثه عن الفأس سيكتشف أن أشياء أخرى اختفت منها عدة «الاسكى» القديمة. وبذلك خمن أن اللص قدم من منطقة نائية وأنه لن يرى فأسه ثانية. علمت الكنة «ناستيونا» بالسرقة بعد عودتها من العمل، فحدست أن الغرباء لا يمكن أن يفكروا في رفع خشبة الأرضية، والمرور بالحمام لأخذ أشياء أخرى، ولهذا طافت بها هواجس جعلتها تعمل جهدها لكشف هوية السارق. وفعلًا عرفت أن المتسلل هو زوجها «أندري غوسكوف» الفار من الحرب، والجندي الذي ضاعت أخباره فجأة في صيف 1944م، ولم يظهر متخفيًا في ضواحي قريته إلا في شتاء سنة 1945م.
ومن هنا ستبدأ «ناستيونا» رحلة الرعب والخوف، والشعور بالعار والخذلان، وفي الوقت نفسه الإحساس بالفرح لعودة «الهارب». كما ستتسع دائرة الشكوك في «ناستيونا»، ومعاناتها داخل بيت زوجها وفي العمل وفي القرية. كان على الزوجة الوفية أن تداري عن زوجها وتخفي معرفتها بهروبه حتى تطوي عاره وتجنبه النعت بالجبن والخذلان، وكان عليها أن تساعده في محنة تستره ومعاناته من الجوع والبرد والخوف، وكل ما يتعرض له الهارب من الحرب من ذل وهوان. وفي الآن نفسه أن تحافظ على سرية علاقتها بالهارب، وحسن علاقتها بالآخرين في القرية. وقد كان «فالنتين راسبوتين» بارعًا في الغوص داخل نفسية بطلته وتناقض مشاعرها وتوزع أحاسيسها واضطراب أفكارها وخواطرها، بما يجعل المتلقي يحس بمدى فداحة فعل الهروب وآثاره المهولة في الشخصيات القريبة من الهارب، وبخاصة الزوجات.
وهكذا نرى الرواية تركز على شخصية «ناستيونا» في الأساس، تمامًا كما رأينا في رواية «وجهًا لوجه». لكن «راسبوتين» يمضي أبعد من الكاتبين السابقين في تشييد نص روائي درامي على إيقاع سردي هادئ. ومن خلال إثارة قضايا متنوعة تتصل بالحرب وتداعياتها على الإنسان. وهكذا نراه يصور حيرة «ناستيونا» وغرابة تصرفاتها، واتخاذها قرارات غير منطقية، وهي تواجه مجتمع قريتها، محاولة مداراة فضيحتها وزلة زوجها الهارب من الحرب.
تكشف مقاطع كثيرة من الرواية عن وضع ناستيونا القلق، وعن توترها، وسلوكها مسالك غريبة تثير ردود أفعال متباينة: ما بين رضا المفوض ورئيس التعاونية نسطور، واستغراب الحاضرين من أهل القرية. وهكذا نجدها تسعى إلى تبرير إقدامها على خطوة تبرعها بمال كثير بالشجاعة تارة، وبرغبة خفية في فدية زوجها الهارب بالسندات الحربية التي اشترتها بألفي روبل، وهي لا تملك هذه الأموال. وبهذه الشاكلة يرسم السارد أفقًا واسعًا لاحتمال تكرار مزالق «ناستيونا»، وانسياقها وراء مشاعر وأحاسيس غامضة ستحدد تراجيديا هذه الشخصية ونهايتها المأساوية. وبهذه الكيفية يُشكل الروائي أبعادًا أخرى في تصوير شخصية الزوجة، وهي تتفاعل مع الوضع الجديد الذي تجد نفسها أسيرة شرطه القسري. فإذا كانت بطلة «وجهًا لوجه» دارت فضيحتها وفضيحة زوجها، ولم تؤد ثمن هروب زوجها إلا في آخر الرواية، وهي تشهر البندقية في وجهه، فإن ناستيونا، تبدأ تراجيدية وضعها تتأسس منذ أن حل زوجها بالقرية، وأقام في الغابة القريبة بمنطقة «أندرييفسكويه»، في أحد الأكواخ المهجورة.
يمعن السارد في تصوير معاناة بقية شخصيات الرواية القريبين من «أندري»، وبخاصة والداه، كما يصور حالة أرامل القرية، وسكانها الآخرين، تمامًا كما رأينا في الروايتين السابقتين، ولكن المدار يظل مركزًا على الزوجين: «أندري» و«ناستيونا». ففي مشهد درامي من مشاهد الرواية (ص. 64) نرى كيف يوصي «أندري» «ناستيونا» بوالديه اللذين لن يستطيع الاقتراب منهما على الرغم من أنه قاب قوسين منهما. وبهذه الشاكلة نلمس كيف ينمي السارد صور السخط والاضطراب الوجداني والفكري في سرده الروائي مركزًا على الشخصيتين المحوريتين، لتبلغ المأساة ذروتها في نهاية الرواية تقريبًا. وتبدأ علامات هذه الذروة منذ أن حملت «ناستيونا» من زوجها الهارب، وعملت بكل جهودها أن تداري حبلها، وأن تكتم هواجسها وآلامها وآمالها عن كل من يحيط بها. وهكذا تزداد معاناتها، وتتطور علاقتها مع «أندري» ومع جميع من يحيط بها، في أفق يندر بالصراع والخلاف المستمرين.
وعبر الحوار العاصف بين «أندري» و«ناستيونا» يعري «فالنتين راسبوتين» إحساسات الهارب وطبيعة نظرته إلى المجتمع من حوله. وعبر هذه المواجهة نستشف مدى توجس الهارب من أقرب الناس إليه، وتفكيره في ذاته. وقد أمعن الكاتب في تصوير الحس المأساوي الذي كانت «ناستيونا» ضحيته الأولى. ويكشف أكثر من مقطع في النص مدى أنانية «أندري» وتفكيره المتمركز على الذات، وهو ما يعمق من الشعور المأساوي لدى زوجته. ترضى «ناستيونا» بكل ألوان الذل والعذاب من أجل زوجها لتداري فضيحته وذله وهوانه، لكنه على الرغم من كل تضحياتها ومعاناتها يصر على نعتها بالغدر والخيانة، وبذلك يزداد الحس المأساوي استغوارًا في نفس الشخصية حتى يدفعها إلى الانتحار.
من خلال ما سبق نتبين أن الحس المأساوي في رواية «الهارب» شكل محورًا أساسًا لبلورة الأحداث ولإبراز طبيعة العلاقة التي جمعت الزوجين «أندري» و«ناستيونا» إلى أن وصل إلى ذروته بافتضاح حمل الأخيرة بين سكان القرية، وتعرضها لمضايقات بعض سكان القرية، وبخاصة العجوز إينوكينتي إيفانوفيتش الذي كان عاملًا آخر من عوامل دفعها إلى رمي نفسها في نهر «أنغارا» وتخلصها بذلك من عارها ومخاوفها وخذلان زوجها لها ورضاه بذله من دون أن يحرك ساكنًا لإخراجها من مأزقها الاجتماعي ومعاناتها النفسية.
بناءً على كل ما سبق يمكن القول: إن رواية الهروب السوفييتية تناولت موضوعًا شائكًا من موضوعات الحرب وتداعياتها على الإنسان، واستطاعت عبر تصوير هذه النماذج المنتمية إلى بيئات مختلفة الوقوف عند عار الفرار من ساحة المعركة آثاره الفادحة في أقرب الناس إلى الهارب، وخصوصًا الزوجات والآباء والأقرباء الذين يتحملون تبعات نذالة الهارب وجبنه وأنانيته، من جهة. ومن جهة ثانية، يكونون ضحايا هذا الفعل الجبان وهذا التخاذل الإنساني في لحظة ضعف الهارب وتفكيره في حفظ بقائه.
وبهذه الكيفية نرى أن هذا النوع من الرواية بقدر ما يدين الهروب، فهو يقف عند بشاعة الحروب وتداعياتها المهولة على الأفراد والشعوب، وهو بذلك يختزن نوعًا من الرفض لهذه الممارسة الإنسانية مهما كانت دواعيها.
بواسطة رضوان السيد - كاتب لبناني | مارس 1, 2024 | جوائز
قبل أسابيع حصل الأستاذ محمد السماك على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام. وقد قابلته لأول مرةٍ فيما أذكر عام 1980م في ندوةٍ عن العلاقات الإسلامية المسيحية، ولفتتني طريقته في مقاربة الموضوع، فقد كان يرى كما أذكر أن علاقة الإسلام بالمسيحية والمسيحيين قديمةٌ ومتأصلةٌ في القرآن الكريم. ويضاف لذلك أن المسيحيين العرب صاحبوا المسلمين وشاركوهم في العيش منذ بزوغ فجر الدعوة، وأسهموا في الحضارة الإسلامية منذ القرون الأولى، وفيما بين الشام ومصر والأندلس وإلى الأزمنة الحديثة والمعاصرة. وقد كانت هناك ظروف في التاريخ والعيش ما كانت فيها العلاقات جيدة. بيد أن المسار العام ظل ودودًا في المديات الطويلة. وإذا كان التاريخ يحتمل التأويلات المتعددة؛ فإن الحاضر لا يحتمل غير تأويلٍ واحد وهو هذا «العيش المشترك» الذي أثبتته التجربة اللبنانية على الرغم مما شابها من شوائب ونواقص.
لقد اخترت هذا المدخل للحديث عن الأستاذ محمد السماك؛ ليس لأنه لم يكتب في الحوار والعلاقات المميزة بين المسيحيين والمسلمين؛ فقد كتب كثيرًا في الموضوع طوال ستين عامًا، وسأعود لكتاباته في هذه المقالة. اخترت هذا المدخل لأن سيرة محمد السماك كانت وعلى مدى عقودٍ عملًا دؤوبًا من أجل هذا «العيش المشترك» الذي نذر له حياته الفكرية والعملية، من البيئات اللبنانية إلى العلاقات مع الفاتيكان فإلى العمل منذ عام 2007م في مبادرة الملك عبدالله -رحمه الله- في حوار الأديان والثقافات، فإلى العمل إلى جانب مركز الملك عبدالله في فيينا مع منتدى تعزيز السلم والشيخ عبدالله بن بيه بأبوظبي، وفي مجلس الحكماء بالأزهر، ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة (وهو عضو مجلسها الأعلى). وقد حضرنا معًا المؤتمر الذي أعلن فيه رئيس الرابطة الشيخ محمد العيسى ميثاق مكة المكرمة عام 2019م.
في البيئات اللبنانية ظل محمد السماك طوال أربعين عامًا وأكثر رمزًا للحوار بين المسلمين والمسيحيين، ورئيسًا مناوبًا للجنة الحوار الوطني الإسلامي المسيحي. وكان دائمًا مفوضًا من كبار اللبنانيين السياسيين والدينيين، ولا أعرف مسؤولًا إلا كان يمحضه الثقة في كل حدثٍ يعرض لتلك العلاقة. وقد سمعتُ من الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ومن المفتي الشهيد حسن خالد، ومن الشهيد الرئيس رفيق الحريري، ومن البطريرك صفير العبارة نفسها: محمد السماك هو صاحب الكلمة الجامعة في الحوار. والأمر نفسه عرفه الجميع له في العلائق مع الفاتيكان منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد ذكر لي الأستاذ فيصل بن معمر الأمين العام السابق لمركز الملك عبدالله أن العاهل الراحل هو الذي نصح فيصلًا بالاستعانة بالسماك؛ لأنه يعرف كبار رجال الدين المسيحيين وأوساطهم. ومع المعمر وقبل ذلك كان قد أقام علاقاتٍ برجالات الكنائس الإنجيلية بأميركا وأوربا. ولهذه الجهة كانت شخصيته الجامعة ولا تزال (المقرونة بالمعرفة والاقتناع) هي التي وضعته في قلب الحدث المسيحي الإسلامي في سائر محطاته.
أربع مئة اجتماع حواري
شارك محمد السماك في أكثر من أربع مئة اجتماع حواري، وغالبًا كان هو صاحب الخطة، كما أن محاضراته كانت غالبًا ما تتحول إلى البيان الختامي للاجتماع أو للمؤتمر. لا يكل ولا يمل، ويعدّ هذه المسألة جوهر الحياة والعمل. لبنان عنده هو النموذج لهذه الشراكة، لكنني سمعتُه ومنذ عقدين أو أكثر يقول في محاضرة: إن الشراكة هي شراكةٌ عالمية، فهناك خمس مئة مليون مسلم يعيشون في مواطن أكثريتها غير إسلامية، وهكذا فكما كان هناك ارتباطٌ وثيق بين المسيحيين والمسلمين عبر التاريخ وتحول إلى تكامل حضاري أو Symbiosis بالأندلس ثم في لبنان؛ فإن مستقبل المسلمين في عالم اليوم والغد يفترض شراكةً لا تنقضي وهي مصلحةٌ كبرى للطرفين، كما ذهب لذلك شيخ الأزهر والبابا فرانسِس في وثيقة الأخوّة الإنسانية بأبوظبي (2019م).
حصل الأستاذ محمد السماك على جائزة الملك فيصل في خدمة الإسلام هذا العام. وكنت قد قرأتُ له قبل أربعة عقود في كتابه: مقدمة إلى الحوار الإسلامي المسيحي أن مجمع الفاتيكان الثاني (1962- 1965م) باعترافه بالإسلام ديانةً إبراهيمية، وفيما تلا ذلك من حوارات ومؤتمرات، قال بهذه الشراكة، ونداء القرآن الكريم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يقيم هذه الشراكة على أسسٍ إيمانية، وهكذا فإن المسيحيين هم الذين تأخروا وصار الماضي ماضيًا ولم يعد تاريخًا. والكلام نفسه يتكرر في كتابه: المسلمون في لبنان، فهو عميق التأثر بالتجربة اللبنانية في جوانبها الإيجابية على الرغم من كثرة المشكلات.
ولا يعني ذلك أن الأستاذ محمد السماك كان يتجاهل المشكلات؛ فقد نبّه لذلك في كتابه: الإسلام ومسيحيو الشرق، وكتابه: الفاتيكان والعلاقات مع الإسلام، وهما في الأصل محاضرات ألقاها في لبنان وفي السينودس بالفاتيكان في تسعينيات القرن الماضي. وفي كلا الكتابين ينبه إلى أن الشراكة والعيش المشترك يقتضيان واجباتٍ ومهماتٍ يتحملها الطرفان. ومن ذلك ما ورد في كتابيه: الأقليات بين العروبة والإسلام، والقدس قبل فوات الأوان. فالمسيحيون العرب شركاء المسار والمصير، إنما عليهم وعلينا التعاون والتضامن الفعلي في التأثير في الكاثوليكية العالمية، بعد بدء العلاقات الفاتيكانية مع إسرائيل عام 1994م.
الصهيونية المسيحية والموقف الأميركي
ولنلتفت إلى المحطة الثانية إذا صح التعبير في أعمال الأستاذ محمد السماك. فقد روعه كما روع كثيرين في الثمانينيات وما بعدها بروزُ جماعات إنجيلية صهيونية ساعدت رونالد ريغان بأصواتها في الفوز بالرئاسة الأميركية، فكتب بحكم ثقافته الواسعة عن الصهيونية المسيحية والموقف الأميركي. وتعرف إلى سيدة إنجيلية ملتزمة ضد صهينة المسيحية، فترجم لها كتابين هما: يد الله، والنبوءة والسياسة عن النُّذُر المزعومة ونهايات العالم والانتصار الخلاصي، ثم عاد فكتب عن الدين في القرار الأميركي.
وعاد إلى الموضوع متأملًا بعد ظهور أطروحة صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات عام 1993م فكتب عن موقع الإسلام في صراع الحضارات والنظام العالمي الجديد. وكان هنتنغتون يحضر بعض محاضراتي بجامعة هارفارد عندما كنت أستاذًا زائرًا هناك عام 2002م، وكان يعرض بأن نبوءاته تحققت، فلماذا الكتابات الكثيرة المستنكرة! فلما قابلته بالجنادرية بالرياض عام 2006م سألني وقد خمدت حماسته السابقة: هل تعرف محمد السماك؟ وقلت له: لماذا تسأل؟ فأجاب: لأنه يربط رؤيتي لصراع الحضارات بالنظام العالمي الجديد، وهو عالمٌ جديدٌ خائب، ولو لم يكن كذلك لما غزا العراق! فقلت له: عام 2002م كنت لا تزال على هذا الرأي وقرأت أنك كنت مع غزو العراق، وجيد أنك غيرت رأيك لكن بعد خراب البصرة! فقال: أعرف أن هذا مثل أو قول سائر عربي، لكن المصيبة أن الخراب ما اقتصر على البصرة بل خرب الشرق الأوسط كله!
ظاهرة الإرهاب والإسلام
وقد اهتم الأستاذ السماك كثيرًا بظاهرة الإرهاب ونسبتها إلى الإسلام، وكان يرى أن الإسلام مستهدَف (هل الإسلام هو الهدف؟) وأنه هو (الاستغلال الديني في الصراع السياسي). وعندما أصدرتُ كتابي: الصراع على الإسلام عام 2004م نبهني إلى كتابه هذا، وما كنتُ قد قرأته. لقد كان يستجيب للأحداث بسرعة؛ بسبب قراءاته الواسعة، ولأنه مارَس العمل الصحافي منذ الستينيات، ولا يزال يقرأ كثيرًا ويتابع كثيرًا دونما تسرعٍ ولا إملال.
في العقدين الأخيرين، صار الأستاذ السماك يعود كثيرًا إلى القرآن الكريم، وليس لأنه ما كان يعود إليه من قبل؛ بل لأنه صارت له نظراتٌ ووجوه تأويل ما كنت أقرؤها له من قبل: لماذا ظاهرة الإرهاب؟ وما هو موقع العنف والحرب في القرآن الكريم، وألا يقرأ المسلمون: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ﴾ فالحرب من خطوات الشيطان. ثم ما حقيقة تسميات الكفر والحاكمية والدولة، وها هو القرآن الكريم يقول لنا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. وهذا كله بعد الأمر بالتعارف، ولذلك فإن علاقاتنا مع الآخرين ليس أساسها الإيمان والكفر، بل التعارف والبر والقسط. ثم لماذا يظلم فريق من المسلمين هذا الدين العظيم ويشوهون وجهه الوضاء بالعنف والتأويلات الضيقة بعد التاريخ العظيم والحضارة الكبرى والإسهام في النهوض والتقدم الإنساني. إن الخدمة الأجلّ للإسلام هي في إخراجه من هذا الانسداد الذي أوقعه فيه بنوه مع مبادئه ومع العالم!

قال لي مرة: تصور أن فلانًا قال عني: إنني محترف حوار! فقلت له: هذا مدحٌ وليس ذمًّا. فالسوسيولوجي الألماني الكبير ماكس فيبر (1864- 1920م) يقول: إن السياسي الناجح هو الذي يمتلك أخلاق الاقتناع (= الرسالة) ويقرنها بأخلاق العمل (= الاحتراف)؛ قال ذلك في محاضرته عام 1919م بجامعة ميونيخ، بعنوان: السياسة بوصفها حرفة أو مهنة (Beruf).
إن أخلاق العمل عند الأستاذ السماك طوال حياته الغنية بالمسعى الدؤوب من أجل السلامة والسلام ودفع المفاسد وجلب المصالح هي أخلاق الود والطيبة والكرامة والتسامح والتفاهم. فأسأل الله -سبحانه- أن يجزيه على عمله في خدمة الإسلام والعيش المشترك ما يجزي به عباده المخلصين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
بواسطة محمد العزوزي - شاعر مغربي | مارس 1, 2024 | نصوص
نيويورك متعبة
وموسكو لم تعد تمطر
ليحمل العرب
مطرياتهم
وعباءاتهم
وشكواهم
معهم
أينما تشردوا
ولأن الغجري
لا شكوى له
ولا أشياء له
ليحملها معه
غير أغانيه
وحريته
التي تلازم قيثارته
كراقصة فلامنغو
تدعس على الأرض
بأقدامها
وبفرح
تنظر للبعيد
نكاية بالطالع
الذي قرأته
بابا فانغا
وحذرت فيه الطفل الغجري
من الدخول إلى غرناطة
حتى لا يتربص به الفاشيست
نيويورك متعبة
والأغاني الغجرية
التي كانت يفرح بها
كثيرًا الغجر
غاب عنها القمر
وغاب عنها
نفس الغناء الأندلسي العميق
والإحساس الشاعري
بالليل
بعد أن جاء الليل
وحده
من دون الغجر
نيويورك متعبة
لأن القيثارة التي كانت
تمرن أوتارها
على عزف أغنية بلوز
لم تجد أصابعًا
زنجية
تطاوعها
لترمي لحنًا
متمردًا
في سماء نيويورك
فكل ما في الأحلام
والحياة
والقصائد
متعب
ولأن بابا فانغا
صدقها كثير
من الغجر
صاروا يهربون
من قصائد
لوركا
لأنه لم تعد
هناك
متعة لليل
والغناء
أو سبب مقنع
لأن يتواجد شاعر
يحبه كثيرًا الغجر
في نيويورك
بواسطة محمد زروق - ناقد تونسي | مارس 1, 2024 | قراءات
للسرد عجائبية يبعثها القادر على تحويل مادة الأحداث إلى ما يعدل عن متصور الذهن، وإلى ما يخرج عن حدود المعاينة والملامسة، ليعانق التخييل والتجريد والتمثيل. العجائبي فعلٌ في السرد يُحولُ الأحداث عن الممكن توقعًا إلى حدود التوهم والمفارقة. ونعمل في هذا المقال على بيان عجيب السرد، الداخلِ بعضه في استثمار الأساطير الحافة بنا والمعتقدات التي واجه بها الإنسان ما لا يقدر على تفسيره، والداخلِ بعضه الآخر في النظر في الواقع المؤسس لعجيبه الخاص؛ ذلك أن العجيب لا ينحصر في استحضار نماذج عليا، يُوظفها الكاتب في كتابته، بل قد يُحول بفعل الرمز والتحويل ثِقل الواقع إلى عجيب، مثل سلخ الإنسان حيًّا أو تسميره، هي أساطير الحياة اليومية على حد عبارة رولان بارت في كتابه المميز «أسطوريات».
الأسطورة باب من أبواب العجيب، فهي عالم من «العوالم الممكنة» التي يلجأ إليها الكاتب، يجد فيها ملجأ للإشارة، ومأوى لتحمل التعبير عن واقع قد يفوق في وقعه اليومي والتاريخي خيالية الأسطورة. عالم الغيب، فضاء من الممكن الذي وسع رؤية الكاتب، ووجد فيه تفسيرًا لأسئلة الوجود الحارقة.
ولقد ارتبط السرد في الثقافة العربية بالعجيب، يظهر ذلك في صنوف من السرد بعضها معروف، وأغلبها مهجور ومجهول. يظهر ذلك في «ألف ليلة وليلة»، في «كليلة ودمنة»، في «حي بن يقظان»، في نسخه المتعددة لابن طفيل ولابن سينا، في قصص المتصوفة، في «الغربة الغريبة» للسهروردي المقتول، في «منطق الطير» لفريد الدين العطار، أو «رسالة الطير» للغزالي. ومن هذا الفضاء الكُتُبي، المعرفي يصدر سماء عيسى، ذلك أن عجيب السرد عنده يعسر إدراكه بعيدًا من هذه الأرضية العرفانية، ويعسر تلقيه دون إدراك هذه المرجعيات الممزوجة بواقعٍ عُماني محلي يمتلك مفاتيح غيبه.
جدل الواقعي والعجائبي
يدخل سماء عيسى في نصوصه ضمن هذا الفضاء العجيب الذي يَنطقُ فيه الطير والشجر، وتبوح فيه الأرض، وتعود فيه الأرواح المفارقة، ويتحرك فيه الجماد، يؤسس لنفسه لغةً للمكاشفة مرتَكَزُها الذات الرائية الراوية، الناظرة في عمق الوجود، وفي مصير الإنسان ومساره وقدره، يخرج عن رصد حركة الواقع المباشر في خطاياه اليومية ليكشف عجز اللغة عن البوح بما في النفس من أعباء ثقال. يساير في ذلك شيخه النفري، القائل: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». هي نصوص عجيبة غريبة، غير أنها لا تجعل السرد غايتها وقصْدَها، وإنما يُقيمها كاتبها على لحظات من المكاشفة والمصارحة، يقول فيها ما يتجنسُ حينًا وما يتعسر على التجنيس أحيانًا، ليدخل في حال من عبور الأجناس، واعتماد فعل الكتابة دون برنامج مخصوص.
اختار لهذه الكتابة عنوانًا «النصوص». هي نصوص؛ لأنها «مهملة»، أو كـ«المهملة»، تجمع نفحات الكاتب ونفثاته، مساحة حرة، بعضها منتسب إلى التقييد والتسجيل، وبعضها من لطائف الإشارة، وبعضها مشدود إلى قصدية القصص. «شرفة على أرواح أمهاتنا» و«الجلاد». وهي نصوص يجتمع فيها جدل الواقعي والعجائبي، هو جدل يُشكل قدرًا يواجهه المبدع أراد ذلك قصدًا أو حُمل ذاك قسرًا. لسماء عيسى فضاءات يصدر عنها، في تشكيل عالمه الأدبي، هي فضاءات عالقٌ بعضُها ببعض، تنسُج خطابًا متشربًا لخطابات عدة، متأصلًا في واقع يومي مقلق، وواقعٍ تاريخي مؤرق. ولذلك فهو لا يذهب إلى العبارة رأسًا وإنما وسيلته الإشارة، يُلقيها، وعلى متلقيها أن يكد الخاطر لبلوغ القصد المرجو. عوالم يغشاها سماء عيسى، في نثريات لا تتحدد بجنس مخصوص، وإن كانت إلى السرد أقرب، فيها نفثات الصوفي، يعالج الوجد، ويتوق بشوقه إلى الذوبان في المعشوق: «كان العاشق يخفي كل شيء ابتداء من عينيه حتى قلبه، وذلك كي لا يرى أحد ما حقيقة عشقه، أو يقرأ معشوقه الإلهي ويستدل عليه. أجمل فرضيات العشق الصمت والكتمان وعشق الجرح والحفاظ على أسرار المحبوب في ظلام الينابيع والجذور البعيدة» (الجلاد 35). وفيها أوراق من الذاكرة تسجل وفاء وتقييدًا، وفيها من طلب الحكاية الرامزة ما يبعث النفس على إدراك حقائق الموجودات.
لا يُبْدي سماء عيسى في نثرياته الأسطورة سافرةً بائنةً، بل هي لمْحُ قراءةٍ، ورؤيةُ بصير، هي عبارة الإشارة، يخفف بها المستعمل عجز اللغة عن حمل الوجد. بل هو يستعمل كائنات ووقائع تؤسس لفضاء من العجيب، إيحاءً ورمزًا، ويستعمل هذا العجيب لتقوية لغة الإيحاء، التي تُشكل جوهر الشعر، كأن يستعمل صورة الراحلة التي لا رأس لها، أو الطائر المعلم، دفنَ أخيه، أو الوحش المتحول تكرارًا ومرارًا، «أسير في ليل لا ينتهي. كنت أعمى، وكان طفل يقودني إلى الصحراء، وكانت راحلة دون رأس تسير بي إلى قبر يغوص وحيدًا عميقًا في الرمال» (الجلاد 57).

كتاب الأُم
تظهر الأسطورة في صُورة الأم، الهم الأكبر، الغالب على منثور الكاتب. هي ثيمة أساس، تتوزعُ منافعها، وأشكالها، وهيئاتها، يتخذها الكاتب بؤرة سرد، ومجال انصراف؛ إذ تفارق خِلْقتَها، بَشَرًا، وجنسَها امرأةً، ووضعها أمًّا، لتدخل أسطورةَ الخلق، تنشئ المبادئ والأعمال. تتداخلُ والأرْضَ في عطائها وصمْتها وخلْقها. الأم المهمومة بفعل الموت، المفقودة، الحاضرة، الغائبة، الصلبة، «أما أمهاتنا فما كن يبتسمن إطلاقًا» (الجلاد 55)، تلتبس بالأرض وتُضارعها. هي صورة مستقاة من رمزية الآلهة الأم. تُداخل عشتار في صورتها الأمومية، خصوبةً وتضحية وصبرًا، «وحيدةٌ في الحب ووحيدة في الموت، وحيدةٌ كتراب الأرض وكحجارة الوادي، وحيدةٌ كطير في السماء. ما هي قريبةٌ منك حريةُ الروح مثلما ألمُ الجسد الذي لن يفارقك إلا بالموت (…) أتأملك في الساعات الأخيرة لليل، وأنت في الغيب العميق لحياةٍ ما برحت إلا أن تغيب، ولشجرة ما برحت إلا أن تجف، السماء أطبقت جسدَها على الأرض فيبست الثمار وتكدست الجثث، وتصحرت الحياة» (شرفة 12).
تتأسس عبر هذه النصوص صورة نمطية للأم التي بِفَقْدها تنعدم الخصوبة، ويتوقف الكون، أما ملامحها، فهي مملوءة حزنًا: «كانت أمي صبية جاءت من القرى، وظلت كذلك القروية، حتى عندما غادرت المنزل، وأنا صبي كنت أحمل تلك الصورة العذبة عنها، الصبية الريفية الهادئة الخجولة، التي لا تتحدث إطلاقًا (…) كان صمتها مقدسًا هادئًا وبريئًا، حتى مع رغد العيش الذي عاشته في السنوات الأخيرة من عمرها، ظل الحزن هو ما يكسو ملامحها، كان مسيطرًا عليها منذ الطفولة، لم أجدها يومًا ما تضحك أو حتى تبتسم، إلا والحزن الدفين يغطي في عذوبة نادرة ملامح وجهها الريفي الهادئ» (شرفة 15). «لكنني التقيت عند النبع بأمي، وحيدةً تحمل جرة كانت عيناها -كالعادة- دامعتين من الحزن، وكان وهج الحياة قد انطفأ بقلبها منذ أمد بعيد» (شرفة 22).
وقد خصص سماء عيسى كتابًا بتمامه لهذه الأم، هو «شرفة على أرواح أمهاتنا»، وقد راوح في إنشائية معنى الأم بين عجيب الأحداث ومألوفها، بين شخصيات غائبة ملامحها وتقاسيمها وأحداث تأتيها تدخل عالم الغرابة الموصول بفكرة الضياع والبحث عن معنى للموت. الموت الذي سادت روحه تأملًا ومَوْلدَ أحداث، وكان معجمه غالبًا في النثر كما هي الحال في الشعر، يتحول فعل الموت إلى هاجس ملازم للذات الكاتبة، تُصرفه مناحيَ شتى، يُنهي الشخصيات أحيانًا ويُحييها أحيانًا أخرى، وهو داخلٌ في الفضاء العجائبي الذي غَلَبَ على المدونة، «مضى من أحب إلى الموت» (شرفة 17)، يتحول إلى فعل عجيب، بإحياء الجثث وبعثها، «كررت الطرق على الزجاج، وكررت الجثة الصراخ: من هناك؟ أما أنا فقد كررت الصمت، حتى علا الطرق على الزجاج، فآويت إلى ركن مظلم» (الجلاد 20)، أو بالتحاور معها، أو بإسناد أفعال إليها.
الموت والوحش
ثيمةُ الموت لاحقت أغلب الشخصيات بطرق مختلفة، حتى صارت قصدَ الكاتب: «لم يكن هناك ثمة أمل في صراع ما بين الجثث وهي تتراص في سكون عميق، كأنها أخيرًا تسكن بيتًا واحدًا مفقودًا، كأنها تتآخى أخيرًا وتعود إلى جذورها العميقة الأولى، جذور حب فطري أولي لا يدركه الأحياء، وبالطبع لا يدركه الموتى. لكن جذور الشجر وأوراقها. عتمة الليل وشمس النهار، وعصافير البهجة وهي تمرح بين القبور هي التي تدرك كل هذه الأسرار المعتمة. أسرار الغياب والأفول والشوق الدائم إلى عشق تراب الأرض وأعماقها». (الجلاد 63).
صور التحول، تأخذ بعدها العجائبي والغرائبي، في مظاهر متعددة، وتُقيم مناحي من السرد، ووجوهًا لشخصيات لا تُوصَل بالضرورة بعالم البشر. ولعل أهم تحول تكررت صورته، هو التحول إلى المسيح عليه السلام، عبر استلهام مشهد صلبه: «عندما صحوتُ من النوم وجدتني مُسَمرًا غير قادر على الحراك، تذكرتُ وجوهًا ملثمة اقتحمت غرفتي ليلًا ودقت المسامير في جسدي، حتى التصقت بالأرض. جاءت طفلة من الغابة تحمل وعاء من الحليب، عندما رأت المسامير تملأ جسدي، دمعت عيناها، تركت الوعاء ورحلت» (الجلاد 49).
وكذلك التحول إلى صورة الوحش، الذي يأخذ أبعادًا، ورموزًا، ويتحول إلى فكرة تقتضي تقصيها وتتبعها. فالوحش في الأساطير الموروثة هو رمز الشر ومعاداة الخير، وهو متخذ هيئاتٍ عدة. يظهر ذلك في مواقف عديدة يدعو فيها الكاتب صورة الوحش، أو يُغير جوهر الموجود لمدة من الزمن وجيزة، يؤدي فيها الوحش دوره ليعود بعد ذلك إلى عنصره: «أنا صديق لكل أولئك الذين رحلوا قبلي، والذين سيرحلون بعدي، صديق للطفل الذي تحول إلى وحش رماني في فناء الدار، بعدها عاد الوحش طفلًا، والطفل سكن الجرة الممنوحة لي من أمي» (شرفة 36). الوحش الذي لم يتخذ هيئة ولا وجهًا، يألفه الأطفال وينتظرون منه تفاعلًا وتواصلًا.
الطفولة رمز البراءة والانطلاق والنيات الحسنة، والخير، تُوضَع في مقابل صورة الشر: «كان باكرًا علينا ونحن نلعب بين الأشجار، معرفة أن وحشًا مختبئًا خلفها، وأنه يُراقبنا، يبتسم تارة ويغضب تارة أخرى. كنا نلعب وكنا نعتقد أنه حتى لو ظهر وحش ما فسيلعب معنا، أو على الأقل سيبتسم لنا ويمضي» (الجلاد 55). لكن الوحش يخيب هذا التوقع ويتوالد، ليتدرج الكاتب في تصوير مشهد جهنمي، له صلة مرجعية بأساطير نهاية الكون: «فجأة ونحن على الجسر أمامنا جبل وخلفنا جبل، وتحت الجسر هاوية عميقة تمتلئ أرضها بحجارة مسنونة وأفاع تنتظر سقوط أحد ما. فجأة أطلق الوحش صيحته وقفزت من فمه وحوش صغيرة باتجاهنا، نظرت إلينا شزرًا وقامت بتقطيع مقدمة الجسر ونهايته، ثم رحلت ووقفت على قمم الجبال تراقب سقوطنا إلى الهاوية واحدًا خلف الآخر» (الجلاد 56).
ذاك وجه من فضاء المعاني المتزاحمة في هذه النصوص التي خرج فيها سماء عيسى من جُبة الشاعر، ولم يخرج، وهو الممتلئ بعقود من الشعر ترسخ به عَلَما من أعلامه، لم يُفارق الناثر جوهر الشاعر، فبقيت روح الأعمال شعرية، في غلبة الذات المتكلمة، وسيادتها، وفي واحدية الرؤية، وفي انسيابية اللغة الرمزية التي طغت على النصوص.
وأخيرًا، يُمكن أن نوجز خلاصة القراءة في أن العجيب غالب على هذه النصوص التي يدخل أغلبها في باب السرد، وقد تأسست عجائبية السرد، على مبدأ التحويل والتشويه وعلى مبدأ الغرابة في الأحداث. وأن توظيف الأسطورة لا يظهر بشكل سافر، بل يُغيب الكاتب ملامحها قدر الإمكان، وإنما الأسطوري ذهني في كتاباته. يُمارس سماء عيسى دور الكاتب الحق الذي يصنع المعاني والأشكال ولا يتتبعها أو يحوك على أمثلتها، فهو لا يهتم بتحقق السرد؛ بل همه الأساسي أن يقول نفاثة صدره، وعلى ذلك وُجدت نصوص قصيرة مكثفة بالرموز، كان بالإمكان تفكيكها، وتمطيطها وبناء عوالم دلالية منها، غير أنه اقتصر على النوى يبسطها عرضَ شاعر.