علي عبدالله سعيد: لم أولد من أجل الكتابة، بل من أجل المغامرة

علي عبدالله سعيد: لم أولد من أجل الكتابة، بل من أجل المغامرة

عادة ما يصور الأدبُ القاعَ، حيث المكان المزدحم بالنفايات والمجرمين والمخربين وبنات الليل والمجانين والقتلة والمقتولين، إلا أن أعمال علي عبدالله سعيد ( 1958-) وإن كانت مكتظة بهذا كله، فإنها تستطيع أن تحفر أعمق في الطبقات لتصبح صدى لهذا القاع، إنها الدخول وراء ما يُظن -كخديعة أو مشاركة بالخديعة- أنها أجوبة محتملة، صناعة القلق الحميد وعدم الركون لأي عدسة عادية في قول ما يجب أن يقال.

في «اختبار الحواس» لم يرض أن يرى سجون الوطن وأقبيته المعتمة فقط، تلك المساحة الممزوجة برائحة البول الذليل والدم والمخاط والأمهات المصلوبات على جدرانه، اللائي يستحضرهن المعتقل كحل أخير، بل كان يرى الوطن سجنًا شاسعًا، ومصحة أمراض عقلية معطلة. وفي «براري الخراب» يكشف الجلد عن عظام تلك الفئة التي تورطت في وجودها أصلًا كأقلية، ثم تاليًا في كونها غطاءً بالمصادفة لمن خطفوا البلاد. ويقترح في «سكر الهلوسة» محاولة لفهم كل هذه الإمكانية في تحمل هذا الذل والخراب والموت المتقطع طوال عقود، كيف تتشكل خلايا جلفة تكسو جلودنا وتكسو العيون حتى الروح!

هنا حوار مع علي عبدالله سعيد حول تجربته.

  هل خرجت «سكر الهلوسة» التي صدرت حديثًا عن (محترف أوكسجين للنشر) بعد أربعة عقود تقريبًا من سجن كسلك ولا مبالاتك! أم حقًّا خرجت من بين مسننات آلة التغييب والمنع؟

  ما يقارب من أربعة عقود بعد الكتابة. زمن ليس بالأمر السهل أبدًا لغيري؛ يكتب لآخرين، يكتب لتحصيل شهرة، أو مال، أو أشياء أخرى. هذه أمور خارج حساباتي نهائيًّا. لا أستطيع أن أكتب وأنا أضع دكتاتورًا في رأسي، نعم.. الرواية كتبت في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. على إيقاعات متعددة. أهمها الإيقاع الفردي المزاجي، ثم الإيقاع الوطني المُرتكس والمنتكس البطولي والانهزامي، ثم الإيقاع اليومي للحدث السياسي كما يجري يوميًّا، أو كما سيجري مستقبلًا. تعرضت «سكر الهلوسة» لهجوم غير مسبوق من المؤسسة الثقافية الأمنية. ما أرعب الناشر السوري الذي يعمل وفق قوانين المؤسسة، بينما كان ردي إصرارًا على طباعتها داخل سوريا حتى لو استغرق الوضع عقودًا أخرى. وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة؛ إلا أن ما يوازن المعادلة الآن، هو أن ناشرها سوري مغترب لا يأبه بقوانين المنع أو التخويف، أو التخوين.

  يقول الناشر: إنها رواية عصية على الزمن، مكتوبة منذ عقود عدة، ومع ذلك كأنما كتبت الآن، هل هذا نوع من الإعلان التسويقي الذي يخص الناشر؟

  من ميزات الناشر أنه روائي، وضليع بفهم العمل الروائي نقديًّا، حتى بعد نصف قرن قادم ستبدو هذه الرواية كأنها كُتبت اليوم.. وما ذكره الناشر.. لا علاقة له بالتسويق. لو كان بقصد التسويق المحترف. كان اقتطع مقاطع مشوقة ومثيرة جنسيًّا، وهي كثيرة في الرواية، هذه الرواية خارج مدة الصلاحية الممنوحة لأي رواية على وجه الأرض.

  في السياق نفسه الذي يخص آنية روايتك «سكر الهلوسة» أليس قاسيًا جدًّا أن تبقى الأسئلة نفسها مطروحة على طاولة الوطن؟! أسئلة الواقع المجحف بالإنسان وبحياته، أسئلة الظلم والقهر والذل وبشاعة ما حصل ويحصل؟

  هنا علينا أن ننتقل من الرواية إلى السياسة كحالة في الرواية. إلى فهم الحالة الفكرية، أو الذهنية السائدة أيديولوجيًّا والمتحكمة بآليات الحياة بشكل عنفي، قهري، قمعي. حيث لا حرية للبشر خارج ما يرتئيه المستبد على الإطلاق لا بالمقاومة ولا بغيرها. حتى أنت ليس لديك خيارات فردية، إلا بعد وضع احتمال الموت غيلة، أو انتحارًا. نحن الكائنات البشرية سنكون دائمًا في مواجهة السؤال الأبدي في هذا الجزء البهيمي من العالم. متى سننتصر على القمع؟ على النظام الغاشم السائد بمنظوماته المتعددة. الأهم من ذلك.. كيف نعيد تشكيل أدمغتنا بشكل خلاق وحضاري؟

الرواية وفن المواربة

  ثمة من يوارب -عن قصد أو عن ببغائية- في تحديد مشكلتنا في هذا الشرق أو بالعموم في دول الجنوب، من حيث إن الدين هو المشكلة، مع إشارة منهم للاستعمار وألاعيب الرأسمال العالمي، متغافلين تمامًا عن أنظمة الدكتاتورية المتجذرة هاهنا. هل تدعي أنك قمت بفكفكة دقيقة توضح أسباب تخلفنا؟

  في الرواية، يمكنك أن تستبيح ما تشاء وعن قصد مسبق. الهيكل الأكبر في الرواية يُبنى على المواربة، على اللعب، على الهرب من السطحية والمباشرة. وهو تمامًا عكس ما تذهب إليه الرواية العربية التاريخية. كثير من الروايات التاريخية يُطبل لها على أنها فتح أو إنجاز روائي، وهي في الحقيقة كومة من التفاهات التي تتراكم يوميًّا وزمنيًّا، ما يؤسف له فعلًا أن الكتابة الروائية قد تحولت إلى تفاهات الموضة أو الموديل الذي يلقى قبولًا. في فهم آلية العلاقة مع الواقع الشائك المتعدد.. هل يمكن للرواية أن تخلق وعيًا بالدكتاتوري؟ بالديني؟ بالخارجي؟ هنا قد نتحدث بعيدًا من الرواية في التصنيف أو الترتيب، في هذه النقاط هناك تعميات وحروب حولها تصنيفيًّا. لكن بالنسبة لي.. لا بد أن الدكتاتوري أخطرها وهو الأكثر إجرامًا وفتكًا.

وظيفة المؤسسة الثقافية

  في عام 1998م اتهمك اتحاد الكتاب العرب في سوريا -واجهة الثقافة الرسمية للدولة- بالحرف وبنص تحتفظ به على ما أظن، بأنك عميل للصهيونية والموساد وأنك تقبض من أميركا.. إضافة إلى شتائم سوقية. كل هذا كان ردًّا على إرسالك مخطوطة «سكر الهلوسة» لتنال الموافقة على طباعتها ونشرها، ألم تكن مجازفًا أو متفائلًا أو حتى متهورًا إذ أرسلته آنذاك؟ هل كانت لحظة ثقة غير محسوبة مع آلة عمياء وأنت أكثر من أشار إلى ضرباتها الموجعة حيال الثقافة الحقيقية؟

  أنا شخصيًّا لم أثق بالمؤسسة الثقافية يوميًّا ولا بغيرها. ولن أثق يومًا لا بالمؤسسة الثقافية ولا بغيرها، المؤسسة الثقافية وظيفية فقط. وظيفتها إنتاج ثقافة سطحية لرعاية الدكتاتوري وتلميع صورته والدفع باتجاه تقديسها. بمعنى ما، هي مؤسسة ذات صفة أمنية بحتة هدفها تبرير الرعب الأمني الذي يمارسه المستبد في شبه الدولة. هنا… في أمور الطباعة، لا يمكنك تجاهل المؤسسة، المؤسسة الثقافية قانون جبري قهري خاضع لقانون الطوارئ، لا أحد يغامر معك لتجاوز قانون الطوارئ؛ لأن العواقب وخيمة، وبالعموم أن يكون لديك مشروع روائي مختلف ومتصادم مع السائد. لا بد أن تُصنف كعدو، في الكتابة الروائية، لم أفكر لحظة بالسير فنيًّا في الأماكن الآمنة. لا أحب أن أشعر بالملل في الكتابة. كان هذا مع الشعر أيضًا. حيث النزق على أقصاه. ربما صُنفت بناء على النزق كأسوأ الكائنات البشرية. لم أكن أكترث بالقطيع ولا بمدحه للنص المختلف. ولا بخوفه مني كمفارق للصيغة الودية في الوسط الثقافي. لم أكن عدائيًّا بالفطرة طبعًا.. إلا أنني عدائي تجاه النص الذي لا يقول شيئًا.

الشهرة والجوائز

  عادة ما نرى أن للشهرة طبقات، ثمة من هم شعبيون جدًّا، أو أقل شعبية، أو من هم عالميون وبشكل خاص بعد انفتاح الفضاء العالمي التواصلي. أنت تملك شهرة ذهبية لكنها ضيقة نوعًا ما، كنت تسكن مخيلة الذين تربوا على التمرد والرفض كذئب بأنياب ماسية عصي عن الرقابة وكاسر لكل مألوف ومحطم للمقدس بالعموم، هل تحلم بأكثر؟

  دعني أسرك بصراحة.. أنني لم أفكر بالشهرة يومًا، وحين كانت بين يدي أهدرتها بطريقة عبثية جدًّا ومقصودة جدًّا. لا أريد أن أكون ضحية، لا أستطيع العيش ضمن قالب تُفَصِّلُه لك المؤسسة. الشهرة.. مؤسسات، أكاذيب، تنازلات، نفاق كبير، يمنحها بشرٌ غير أَكْفَاء، تلفزيونات سوقية، نقاد حمقى يفهمون في كل شيء ماعدا آليات العمل الروائي، أو النقدي.

  فازت أعمالك بأكثر من جائزة أدبية عربية، هل تنتظر الفوز بالبوكر أو أي جائزة توازيها عالميًّا؟

  موضوع الجوائز لا أتابعه، لا يعنيني في شيء. حتى هذه اللحظة لم أفكر بالبوكر ولا أظنني سأفكر بها. منذ سنة وأنا أحاول أن أقرأ رواية من الروايات الفائزة بالبوكر وأفشل. دون الخوض في تفاصيل الجائزة التي لا تشرف أحدًا كما أعتقد.

الكتابة مغامرة ولعنة

  عشت مدة طويلة من حياتك ربما لم تنم على مخدة واحدة لأسبوع متواصل، جبت سوريا كاملة.. ماذا حصل وأنت -منذ سنين ليست قريبة- تعيش مثل وحش جبلي لا يبرح مكانه؟ هل أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي فضاء رحبًا لحركتك وحضورك في المشهد؟

  أعادتني إلى تلك الحياة الوحشية الفردية، الأكثر من رامبوية. حيث كنت أستمتع بالكتابة على هامش المتعة بالحياة. الحياة كمغامرة غير مأمونة، غير مضمونة. التي قد تضعك بمواجهة الموت وجهًا لوجه، وعينًا لعين، وابتسامة لابتسامة.

لدي في صدري (ضلعان حران) نتيجة العبث مع الحياة، ما أثار دهشة الطبيب المكتشف لتحرر الضلعين من القفص الصدري بالتصوير الشعاعي.. طبعًا بعد أربعين سنة من تحررهما، من انفلاتهما دون أن أشعر بهما. في الحقيقة أنا لم أولد من أجل الكتابة. بل من أجل المغامرة. الكتابة لعنة حلت بالروح على حين غرة. طموحي اليومي.. أن أتحرر من الكتابة، أن أتحرر من القلم، من الورق، من الطاولة، من الكثافة الذهنية المدمرة في الدماغ. خياران كانا أمامي.. إما حياة فردية غريزية إبداعية لا ضوابط فيها، وإما حياة قطيعية اجتماعية مقيدة على الآخر. أنا أقدس الحياة الفردية على ما يبدو.

  لو لم يكن علي عبدالله سعيد ابن هذه المقتلة الطويلة والرهيبة، ولو لم تكتب تشريحًا مبهرًا لفهمها، ماذا كان ممكنًا أن تكتب؟ هل تخجل أو تندم في لحظة ما كونك أهدرت عمرك في هذا التفكيك؟ ألم تتساءل يومًا ما هذه الحياة المكتظة بالجثث، والقتلى الذين ينبضون، وبالقتلة المحتملين في كل لحظة، وبالألغام من كل حدب وصوب؟ ألم تتساءل ما هذه الحياة التي عبرتها؟

  في الحقيقة.. هذه المقتلة غير المسبوقة، عشتها قبل أن تحدث، وكتبتها روائيًّا بعد أن حدث جزء منها في ثمانينيات القرن الماضي، وقبل أن يحدث منها الجزء الثاني المهول، في «اختبار الحواس»، في «البهيمة المقدسة»، في «سكر الهلوسة»، وفي كثير من النصوص القصصية التي نشرت في صحافة القرن الماضي.

ربما أدعي أنني لكوني سوريًّا أعرف هذه المقتلة وتنبأت بها للمستقبل أيضًا، ستحدث كجزء ثالث ربما بعد ثلاثين سنة وبطريقة بشعة أيضًا.. لا أزال مُصِرًّا وبالتطرف ذاته.. على أنني أعرف ما الذي سيحدث في سوريا من هنا.. إلى خمسين سنة قادمة وبدقة متكاملة. على ضوء ذلك.. بُني مشروعي الروائي كاملًا، غير أنني حقيقة لم أتساءل عن حياتي الشخصية قطُّ. ربما تساؤلًا جديًّا من هذا القبيل يضع نهاية فعلية، أو جوابًا أخيرًا.. رغم أنني لا أحب الأجوبة النهائية في الحياة. الأجوبة النهائية.. تجبرك أن تضع حدًّا لما هو مُنْتَهٍ يا صديقي…. أي طلقة.. أو كأس سقراط.

زيارة إلى الشاعر والمسرحي بشير القهواجي في عزلته القيروانية

زيارة إلى الشاعر والمسرحي بشير القهواجي في عزلته القيروانية

ظروف كثيرة، منها جائحة كورونا والمرض الذي فرض عليّ التردد على المصحّات على مدى أشهر طويلة، منعتني من زيارة صديقي القديم الشاعر والكاتب المسرحي بشير القهواجي، حتى الاتصال به هاتفيًّا. وكان ذلك يحزّ في نفسي كثيرًا لأن بشيرًا من أفضل أصدقائي، ومن أقربهم إلى نفسي، سواء على المستوى الروحي أو الأدبي.

تعود علاقتي ببشير إلى مطلع السبعينيات من القرن الماضي، أي إلى أيام الجامعة التي كانت تشهد في ذلك الوقت اضطرابات حامية يؤجّجها اليساريون. وقد تحمّس بشير في البداية إلى الأفكار اليسارية والتقدمية لكنه سرعان ما تخلى عنها، وغادر الجامعة حيث كان يدرس اللغة العربية وآدابها ليستقر في القيروان مسقط رأسه منصرفًا إلى القراءة والكتابة بعيدًا مما كان يُسمّيه «الصخب الأيديولوجي». وعلى الرغم من أن مواقفه كانت تثير غضب أهل اليسار بمختلف توجّهاتهم، فإن ذلك لم يكن يُخفف من تهجماته عليهم، ومن سخريته اللاذعة منهم. كان يقول: «هؤلاء -يعني اليساريين- يفلحون في الصراخ وابتكار الشعارات البراقة التي تفتن أصحاب العقول الصغيرة وتُهيّجُ الجهلة… لذلك ابتعدت عنهم لأني لا أريد ان أبدّد حياتي فيما لا يجدي ولا ينفع».

وفي تلك السنوات التي اختار فيها العزلة في القيروان، اكتسب بشير القهواجي ثقافة عالية ليصبح انطلاقًا من نهاية السبعينيات من القرن الماضي من أفضل كتّاب المسرح، ومن أشهر شعراء قصيدة النثر في تونس. والآن هو بصدد تجميع كل مؤلفاته آملًا أن تصدر أعماله الكاملة وهو على قيد الحياة.

حديث عن الشعر والترجمة

في منتصف الصيف الماضي كنت بصدد نقل قصيدة بديعة للشاعر الفرنسي بيار ريفاردي إلى اللغة العربية، وإذا ببشير يقفز فجأة إلى ذاكرتي. ولعل ذلك يعود إلى مطلع القصيدة الذي بدا لي وكأنه يُحيلُ إليه وهو متوحّد بنفسه في القيروان التي تشدّه إليها بقوة فلا يرغب في الابتعاد منها أبدًا. يقول المطلع: «حين تُمزّقُ الابتسامةُ الساطعة واجهات الديكور الهشّ للصباح، حين يكون الأفق لا يزال ممتلئًا بالنوم الذي يتأخر، والأحلام تتهامس في جداول الأسيجة. حين يَجْمَعُ الليل ثيابه الرثة التي تتدلّى من الأغصان الواطئة، أخرج، أهيئ نفسي، وأنا أشدّ شحوبًا وارتعاشًا من تلك الصفحة التي لم تُدوّن فيها بعد أية كلمة من كلمات المصير».

بعد أن أكملت الترجمة، هتفت له فجاءني صوته مُثقلًا بالحزن وبأوجاع المرض الطويل الذي أرهقه فبات عاجزًا عن التنقل حتى لو لمسافة قصيرة إلا مُستعينًا بعكاز. في نهاية المكالمة، طلب مني أن أزوره في أقرب وقت ممكن، فلبَّيتُ دعوته صباح يوم الأربعاء الموافق الحادي عشر من شهر أكتوبر 2023م.

استقبلني في مدخل الزقاق الضيّق الذي يقع أمام مسجد الزيتونة الذي يُعَدُّ من أقدم ومن أجمل مساجد عاصمة الأغالبة. تعانقنا بحرارة يقتضيها فراق مديد، ثم صعدنا مدارج تنفتح على شقته الصغيرة التي عكست لي من أول نظرة عالمه الخاص، عالم الفنان الذي يكتفي بلوحات وكتب ليُخفف عن نفسه وطأة العزلة وآلام المرض. أعدّ لي وله قهوة، ثم جلسنا في الشرفة التي نرى من خلالها جزءًا من سطوح القيروان العتيقة، وبدأنا الحديث.

جيرار دو نرفال

أخبرته أنني بصدد العمل على ترجمة مختارات من الشعر الفرنسي تبدأ من جيرار دو نرفال، وتمتدّ إلى أشهر الشعراء الفرنسيين في النصف الأول من القرن العشرين، مُركزًا بالخصوص على شعراء لم يحظوا بترجمة جيدة وبتعريف وافٍ بهم في اللغة العربية مثل: بول كلوديل، وبيار ريفاردي، وماكس جاكوب، وروبير دسنوس، ولوي سكوتنار، وفرانسيس جيمس، وبليز ساندرار… وقلت له: إني فضّلت أن أترجم نصوصًا نثرية تتميز بشاعرية عالية لستيفان مالارميه عوض ترجمة قصائده الموغلة في الغموض، والمكبّلة بألاعيب لغوية خاصة باللغة الفرنسية بحيث تكون ترجمتها إلى لغتنا عقيمة وغير ذات منفعة… وافقني على ذلك مُضيفًا: «ما تقوم به عمل جيد… الغربلة مهمّة للغاية… ليس علينا أن نترجم كل شيء، بل لا بد أن نختار قصائد ونصوصًا لا تفقد قيمتها وروحها في لغتنا؛ بل تظل متلألئة بتلك الجمالية التي تتميز بها في لغتها الأم… الترجمات السيئة يمكن أن تكون لها انعكاسات سلبية للغاية على شعرنا، وعلى أدبنا، وعلى ثقافتنا بصفة عامة… ومؤخرًا عدت إلى مجلة «شعر» لأجد فيها بعض الترجمات الرديئة التي قد تكون فرّخت كثيرًا من الشعراء السيئين مشرقًا ومغربًا لنقرأ قصائد بلا روح وبلا معنى باسم الحداثة والتجديد… والآن هناك كثير من الترجمات التي تسيء كثيرًا للغة الأصلية وللغة العربية لكنها تكتسح المكتبات من دون حسيب ولا رقيب… بل بعض هذه الترجمات تحظى بجوائز رفيعة… وهذا ما يرقى إلى مستوى الجريمة… لذلك أنا أحذر كثيرًا من الترجمات العربية الرائجة الآن، وأحرص على أن أقرأ النصوص والكتب في ترجمات فرنسية لأنها مُحترمة في غالب الأحيان».

مدينة بلا قلب

أحمد عبدالمعطي حجازي

صمت بشير قليلًا، ثم أضاف: «بالنسبة للشعر العربي الذي جاءت به حركة الحداثة انطلاقًا من منتصف القرن الماضي، أرى أنه من الضروري أن تكون هناك غربلة نقدية صارمة لكل التجارب التي حدثت لكي نميز ما هو جدير بأن ينتمي حقًّا إلى الشعر، ونهمل البقية حتى لا تجد الأجيال القادمة نفسها أمام ركام هائل يختلط فيه «الغثّ بالسمين» كما يقال في اللغة القديمة. وعملية الغربلة لا يمكن أن يقوم بها إلا نقاد كبار عارفون بخفايا الشعر والكتابة بصفة عامة. وهؤلاء غير متوافرين في الزمن الراهن الذي تحضر فيه بقوة المجاملات التي ترفع من قيمة شعراء نصف موهوبين أو بلا موهبة أصلًا ليكونوا في الواجهة، بينما يظل الشعراء الحقيقيون في عتمة الإهمال والإقصاء… وشخصيًّا أميل إلى بدايات من يُسمّون بـ«الشعراء الرواد»… مثلًا أنا أفضّل ديوان «مدينة بلا قلب» لأحمد عبدالمعطي حجازي على كل دواوينه اللاحقة. وأعُدّ قصيدة «مدينة بلا قلب» من أروع القصائد في الشعر العربي الحديث. وفي إحدى زياراته إلى تونس، قدّم لي الشاعر العراقي الراحل سعدي يوسف مجموعة من المخطوطات طالبًا مني أن أختار منها ما يمكن أن يصلح لمختارات شعرية تصدر عن دار تونسية. وقد قبلت هذا الطلب بكثير من السعادة؛ لأن سعدي يوسف من أحبّ الشعراء إليّ. لكن بعد تمحيص طويل، تبين لي أن «الأخضر بن يوسف ومشاغله» هو أفضل ما أبدع سعدي يوسف، وأن القصيدة التي هي عنوان الديوان: «الأخضر بن يوسف ومشاغله» هي من أروع قصائده… حتى هنا في تونس، أنا أفضّل قصائد المنصف الوهايبي في سنوات شبابه بالجامعة، على كل ما كتب من قصائد في العقود الماضية… والغريب في الأمر أنه لا يعترف بهذه القصائد، ويَعُدُّها دون قامته الشعرية الراهنة… إذن قضية الغربلة مُهمّة للغاية خصوصًا في الزمن الراهن؛ إذ إنه من دونها لن يكون بإمكاننا أن نؤسس لمرحلة شعرية وثقافية جديدة بالمعنى الحقيقي للكلمة… ومخطؤون أولئك الذين يتوهّمُون أن تأسيس المرحلة المذكورة يمكن أن يحدث من خلال ركام جديد من القصائد ومن الدواوين باسم المزيد من الحداثة والتجديد».

تجارب شعرية من جيل السبعينيات

سألته عن جيلنا، جيل السبعينيات، ففكر قليلًا مادًّا بصره باتجاه السطوح البيضاء، ثم قال: «خالد النجار شخص صعب ومتقلب المزاج ولا يُحتمل أحيانًا، لذلك أقول دائمًا: إن شعره أكبر منه… هناك قصائد لخالد النجار هي من أفضل ما كتب في الشعر العربي، وليس في الشعر التونسي وحده، منذ السبعينيات حتى هذه الساعة… وعند خالد النجار نصوص نثرية راقية جدًّا… لكن شخصيته المضطربة ومعاركه المجانية ضد الآخرين، حجبت تجربته الشعرية عن أحباء الشعر، وعن المتذوقين لموسيقاه الداخلية الرفيعة… هناك تجربة شعرية أخرى مهمة، أعني بذلك تجربة علي اللواتي التي هي فريدة من نوعها بحسب رأيي؛ إذ إن عليًّا نضج وحيدًا بعيدًا من كل التيارات الشعرية، سواء في تونس أم في العالم العربي. وهو عرف كيف يستفيد من التراث القديم من دون أن يصبح سجينًا له ولبلاغته وإيقاعاته. كما أنه استفاد من الشعر الفرنسي، ومن الشعر العالمي، خصوصًا الأنغلوسكسوني من دون أن يسقط في التقليد والمحاكاة.

خالد النجار

إضافة إلى كل هذا، هو متذوق بارع للفنون التشكيلية، ومُنفتح على فنون أخرى مثل السينما، والدراما التلفزيونية. وجميع المسلسلات التي أنجزها للقناة الوطنية التونسية كانت من أنجح المسلسلات، خصوصًا على مستوى اللغة والحبكة الدرامية. وما هو مثير للإعجاب في شخصية علي اللواتي هو أنه منجذب إلى كل ما هو جميل سواء في النثر أم في الشعر أم في مختلف الفنون الأخرى. وهو متوافق مع ذاته فلا يُزعجه أبدًا أن ينعته بعضٌ بـ«المحافظ» أو بـ«الرجعي»… الآخرون، وأعني بذلك أبناء جيلي أساسًا، لا يعيشون الشعر، بل يكتبونه انطلاقًا من وضعهم الوجودي البائس، ومن خوائهم الروحي والمعرفي ومن البلاغة الرنانة، وليس انطلاقًا من تجارب حياتية وروحية عميقة ومريرة… ومرة كنت مع واحد من هؤلاء في طهران… قرأت أنا بصوت خافت قصائد قصيرة جدًّا كتبتها من وحي جولاتي الليلية بالخصوص هنا في القيروان… وقرأ هو قصائد من وحي القيروان أيضًا لكنها كانت طويلة وثقيلة في لغتها، وفي معانيها. فعل ذلك بصوت عالٍ أزعج الحاضرين مُتوهمًا أن القراءة بصوت جهوري قد تجلب له الانتباه… وفي النهاية أحاط بي الجمهور الذي كانت تغصّ به القاعة ليطرح عليّ أسئلة كثيرة… أما هو فلم يعبأ به أحد… ومؤخرًا جمعتني قراءة شعرية بالمنصف الوهايبي هنا في القيروان… وقد تبين لي أنه ظل سجين الرنين البلاغي بحيث تكون قصيدته في النهاية مجرد لغو، وصدى لتراث شعري قديم مدفون في الكتب الصفراء…».

الثقافة في تونس بين الماضي والحاضر

وعن الوضع الثقافي في تونس راهنًا، قال بشير القهواجي: «الثقافة التونسية الرسمية، ولا أعني ثقافة الهامش، عرفت ثلاث مراحل مُهمّة: مرحلة التأسيس مع الراحل الشاذلي القليبي الذي كان له الفضل في بعث مهرجان قرطاج السينمائي والفني، وفي دعم الفرق المسرحية الجديدة التي ظهرت بعد الاستقلال، وفي نشر الثقافة في جميع مناطق البلاد عبر ما أصبح يُسمّى بدور الثقافة وبدور الشباب. المرحلة الثانية، مرحلة السبعينيات كانت مرحلة مهمة أيضًا؛ إذ إن وزير الثقافة آنذاك كان الكاتب الكبير محمود المسعدي الذي أسس مجلة «الحياة الثقافية»، التي لا تزال تحتضن إلى حد الآن كل تعابير الثقافة الوطنية. أما المرحلة الثالثة فكانت مع الراحل الآخر الكاتب البشير بن سلامة الذي اهتم بأوضاع المثقفين والفنانين العصاميين، وخصّص لهم رواتب دائمة، وأعاد الاعتبار لصورة المثقف والكاتب في زمن بدأت هذه الصورة تتهشم وتتفتت. وفي عهد ابن علي، رُفِعَت ميزانية وزارة الثقافة ليستفيد منها المقربون من النظام ومن المؤسسات الرسمية خاصة. وفي العقد الأخير، هُمّشت الثقافة وخُفِّضت ميزانية وزارة الثقافة لصالح وزارة الشؤون الدينية؛ ليكون المثقفون من أكبر ضحايا الأوضاع الصعبة التي تعيشها بلادنا راهنًا؛ لذلك استفحلت الرداءة بشكل لم يسبق له مثيل. مع ذلك أنا متفائل لأن تونس تزخر بطاقات كبيرة في جميع المجالات المعرفية والثقافية والفنية… وأنا على يقين من أن نهاية هذه المرحلة الرمادية
باتت وشيكة…».

زمن الصداقات انتهى

سألته عن وضعه… هل يزوره شعراء القيروان؟ ابتسم بمرارة، وأجاب: «لم يزرني أيّ أحد منهم، فكما لو أنهم لم يعرفوني ولم أعرفهم… والحقيقة أني لست في حاجة إلى عطفهم. زمن الصداقات والعلاقات المزيفة والمغشوشة انتهى… ما يعنيني هو عالمي الخاص… وهو كما ترى عالم بسيط، وفي ظاهره فقير لكنه في جوهره غنيّ بالروحانيات وبالشعر وبالفن وبأشياء بديعة أخرى… صحيح أن المرض أنهكني لكني أرفض أن يشفق بحالي أناس قلوبهم من حجر، ونفوسهم عفّنها البحث عن الشهرة والثروة…».

نظر إلى شجرة ياسمين صغيرة في وعاء، وقال: «تكفيني هذه لكي أكون سعيدًا… وكم أتمنى أن تكون لي نباتات وأزهار داخل الشقة وخارجها، لكنها تحتاج لمن يعتني بها حتى لا تذبل وتموت… وهذا ما لا أستطيع القيام به للأسف الشديد…».

لكن من يعتني بك؟ أجاب: «عندي ابنة أختي تعدّ شهادة دكتوراه تأتي مرتين أو أكثر في الأسبوع لتنظيف الشقة، وتطبخ لي بعض الأطباق التي أشتهيها… وأنا أحبها كثيرًا لأن لها ملامح أمي التي كانت امرأة جميلة لكنها لم تكن تهتم بنفسها، بل لعلها لم تكن واعية بجمالها؛ لأن ما كان يعنيها بالدرجة الأولى هو الاعتناء بأولادها وبناتها… وفي لحظة توديعها وهي تحتضر، انحنيت لتقبيل جبينها فأبهرني جمالها الذي لم يذبل حتى في اللحظات الأخيرة من حياتها…».

في نهاية اللقاء، رافقني بشير إلى الشارع لنأخذ صورًا… وعند توديعه قال لي: «المرة القادمة تعال ومعك شمعة نضيئها بيننا ليكون حوارنا أكثر متعة وعمقًا…».

الكتابة الذاتية بين عالمين وسيلة للخلاص أم انتقام من الماضي وإدانة للذات؟

الكتابة الذاتية بين عالمين وسيلة للخلاص أم انتقام من الماضي وإدانة للذات؟

تعد رواية «الخبز الحافي» من أشهر الروايات العربية المعتمدة على السيرة الذاتية للكاتب المغربي محمد شكري التي يحكي فيها عن طفولته في عالم الهامش، داخل حواري مدينة «طنجة». كُتبت «الخبز الحافي» في 1972م وتُرجمت للإنجليزية والفرنسية في العام التالي، لكن لحساسية طرحها وجرأتها، لم تنشر باللغة العربية إلا بعد مرور عشر سنوات. وهي واحدة من ثلاثية روائية لشكري مع «الشطار» و«وجوه» وتشكل فصولًا من حياته القاسية، وتسببت في النقد القاسي له.

من الروايات المهمة العربية الأخرى رواية «رأيت رام الله» للفلسطيني مريد البرغوثي التي يحكي فيها عن حياته في مدينة رام الله ثم انتقاله للقاهرة للتعليم، وقصة حبه للكاتبة رضوى عاشور التي تزوجها في النهاية. حين يدون الكاتب سيرته الذاتية يواجه خيارين: إما التدوين المباشر الناقل لحياته وماضيه بمنتهى الصدق، مهما كانت حساسيته وقسوته وكشفه للمستور في أسرته ومجتمعه بما يصطدم مع القيم المحافظة والمنغلقة والمتشددة التي تسود في بلادنا، أو يلجأ الكاتب لتدوين بعض فصول من حياته بضبابية وتمويه، فيعمد لتغيير الأماكن والأسماء والوظائف؛ ليهرب من المساءلة الاجتماعية ممارسًا رقابة ذاتية على نفسه قبل الآخرين.

الكتابة على خط النار

الكتابة الذاتية رسخت أقدامها بقوة منذ زمن في الأدب الغربي، وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات قد خطت خطوات نحو الحرية أوسع كثيرًا من مجتمعاتنا فإن لها أيضًا محاذيرها وحساسيتها. كثير من روايات السيرة الذاتية ترصد ظروفًا إنسانية وأزمات مرّ بها البطل/الراوي وأثقلت وجدانه، هي في صلبها قصته الذاتية.

تدور رواية «الأب» للسويسري «يورج أكلين» (1945م)، عن علاقة الابن «فالتر» بوالده المقعد. يتفاجأ «فالتر» ذات يوم باتصال من المصحة التي ترعى والده؛ لتخبره بقرار طرده؛ بسبب دأب الأب على إشعال الحرائق بواسطة أعواد الثقاب من دون سبب مفهوم! يزور فالتر والده، لكن الأب يعجز عن تقديم سبب لما يفعله. كانت وصية الأب أن يُحرق رماده وينثر من فوق تل. يحمل «فالتر» أباه المقعد على ظهره في رحلة للتل. هناك يتبادل الرجلان الحديث الذي يمتد عبر صفحات الرواية حتى النهاية. يحكي فالتر لوالده عن علاقته بصديقته، وخوفه من أن تتركه فيواجه الوحدة والمصير نفسيْهِما. يتناول يورج أكلين في هذه الرواية أزمة رعاية المسنين في سويسرا التي تعد من الدول الأغنى أوربيًّا. دق أكلين جرس مسؤولية الدولة عن المسنين، والمسؤولية الفردية للمواطنين المطحونين بين اللهاث وراء لقمة العيش والإحساس بالذنب تجاه المريض المسن الذي يوشك مشواره على الانتهاء ومغادرة أحبائه للأبد.

جون لوي فارنييه وآلام الأبوة

رواية «أين نذهب يا بابا»، للفرنسي جون لوي جون فارنييه، واحدة من أهم روايات الكتابة الذاتية التي ترصد تجربة الأبوة بعد الطلاق في الغرب الأوربي، وقد فازت بجائزة فيمينا. تعتمد رواية فارنييه على تجربة الكاتب الإنسانية؛ لكونه أبًا لطفلين معوقين، بعد هجران زوجته للبيت. الطفلان ماثيو وتوماس هما محور السرد. والسؤال: «أين نذهب يا بابا؟» يردده ماثيو طوال الوقت، وهو السؤال الوحيد الذي يستطيع نطقه.

يميل فورنييه لرؤية الجانب الإيجابي من تجربته ويجنح إلى السخرية من ذاته، محاولًا ألا يسقط في فخ القتامة. يشعر فورنييه بالحسد تجاه أطفال الآباء الطبيعيين، ولا يخفي ذلك في سرده لآلامه على القارئ، من دون السقوط في فخ البكائية. يقول: «كانت لي نظرة من مسابقات أجمل «بيبي»، فكنت لا أفهم لماذا نكافئ من لديهم أطفال أصحاء كما لو كان ذلك مسؤوليتهم! لماذا إذن لا نعاقب من لديه أطفال معوّقون»! «أين نذهب يا بابا» هي رواية الصراخ ضد المؤسسات المتسببة في إهمالها الطبي، في زيادة المعوقين وذويهم. السؤال نفسه طرحه المطرب الفرنسي ستروماييه في أغنيته «أين نذهب يا بابا»؛ ليعبر بها عن صرخة المجتمع الفرنسي المخنوق بمعاناة أفراده، وبأفق مسدود سياسيًّا وإنسانيًّا.

إيمان مرسال وأشباح الأمومة

تعددت الكتابات العربية عن الأمومة. فقد صدرت في الأعوام السابقة دواوين عدة، مفردة أو مشتركة، تتحدث عن تجارب الأمومة لشاعرات عربيات، وكاتبات، يختبرن أمومتهن للمرة الأولى أو لمرات لاحقة. من أهم هذه الكتب «عن الأمومة وأشباحها» للكاتبة المصرية «إيمان مرسال» وقد صدر عن سلسلة (كيف تـ). تتحدث فيه مرسال عن تجربتها الخاصة جدًّا في الأمومة التي تشبه تجربة «جون لوي فارنييه» في الأبوة التي سجّلها بكل ألم وصدق وعذوبة.

ترصد مرسال في كتابها التفاصيل الخاصة بظروف رعاية ابنها «يوسف» الذي يعاني حالةً مرضيةً خاصةً، سببت لها الخوف من إيذائه لنفسه أو الآخرين، وصعوبة السفر والانتقال به خصوصًا مع عملها الأكاديمي، واضطرارها للتنقل كثيرًا، مع صبي تجتاحه نوبات غضب عارمة. كما تحكي عن إحساسها بالذنب الذي تصفه بأنه يشبه «الديناصور». تقول: «الأم التي لا تشعر بالذنب تجاه أطفالها، هي تلك التي أتاها ملاك لحظة الولادة وشق صدرها واستأصل النقطة السوداء التي هي منبع الشر، حررها من هويتها السابقة، وشفاها من العدمية، أو الطموح، تمامًا كما يحدث مع الأنبياء في عملية تجهيزهم للنبوة».

خصصت مرسال جزءًا من الكتاب للحديث عن علاقتها بوالدتها، أما أغلب أجزائه فترصد علاقة البنوة والأمومة بين ثلاثة أجيال: الجدة، والبنت اليتيمة، والدة مرسال، والحفيد الذي نشأ في كندا حيث العالم الأول بكل صرامته وانضباطه. تُقدم الأم الشاعرة للمحاكمة، وتُسأل عن الكيفية التي تؤدي بها مهامها كأم وكيف توفق بينها وبين عملها الأكاديمي. تُقدم «مرسال» للمحكمة البراهين عن حبها لابنها: تحكي له «الحواديت» قبل النوم، عن قريتها البعيدة «ميت عدلان»، وتغني معه «توينكل توينكل» بصوت حزين، وهو ما يراه يوسف أجمل لحظات حياته، كما تقول في خاتمة كتابها، الذي أهدته للصغير.

وعن الهدف من كتابها تقول مرسال لـ«الفيصل»: لم أكن أهدف إلى إزاحة المتن العام الذي يكرس صورة الأم التقليدية، المضحية المؤثرة، وهو متن لا يمكن إزالته لكن يمكن زحزحته قليلًا. وقد أدهشتني النقاشات حول الكتاب. وأقول: إن تجربتي في الكتابة حول الأمومة ليست هي الأهم، بل توجد تجارب أخرى حتى لو لم يستطع الآخرون تدوينها كنصوص. كان من المهم تحديد مكاني في الكتابة عند اختيار لغة كتابي، نبرة الصوت، التي أردت بها أن أقول: إنني ليست عليمة بالأمور ولا أقدم دليلًا للأمهات الجدد. المهم هو الإخلاص لفكرة الكتابة نفسها، وإزالة الناتئ وغير المهم.

رغبتُ في نقد الخطاب النسوي العام، الغربي بالأساس. نحن لا نمتلك خطابًا عربيًّا في نقد الأمومة. ومن الجدير بالذكر أن الخطاب النسوي الغربي يتركز حول قضايا مهمة مثل المساواة في حقوق العمل بين الأُم والأب، وحقوق الأم المثلية، ونقد المجتمع الذي يضم «أمهات عازبات». إن كتابي «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» هو محاولة لإيجاد علاج لجرح شخصي، ومحاولة للتصالح مع الخوف من الفقد؛ فقد الأم في حالتي والخوف من فقد الابن، والكتابة هي وسيلتي الوحيدة لعمل هذه المصالحة.

في كتابتي ليومياتي مع ابني، في الفصل الثالث، أردت للقارئ أن يرى الخيط الرفيع الخاص بالصراع مع المرض من جهة ومع المؤسسات من جهة أخرى. أردت أيضًا خلق صورة للابن الذي طالما كانت صورته شبحية. شغلني أيضًا سؤال أخلاقي مهم: هل من حق الأم الكاتبة أن تكتب عن طفلها؟ هل من حقك ككاتب أن تكتب عن أمك المريضة بالزهايمر وتكشف كيف تتدهور حالتها؟ لكن لم أصل لإجابة «أخلاقية» بالرغم من نقاشات مطولة مع محررتي الكتاب!

الكتابة الذاتية النسوية تحت سطوة السلطات

خزائن آني إرنو وأقفاص فاطمة قنديل

كتبت آني إرنو، الحائزة على جائزة نوبل 2022م، عن حياتها بأسلوب صريح وصادم؛ بوصفها كاتبة صريحة، لا تساوم ولا تهادن. في ثمانينيات القرن العشرين تصدرت إرنو المشهد الأدبي بأعمالها المنتمية للسيرة الذاتية، مثل رواية «المكان» التي فازت عنها بجائزة «رينودو» عام 1984م. في هذا الكتاب تسرد إرنو علاقتها بوالدها بأسلوب تقريري صريح أقرب إلى التحليل. فتكتب محذّرة القراء: «لا ذكريات غنائية ولا عروض منتصرة للسخرية، هذا الأسلوب المحايد يحدث بصورة طبيعية». الماضي هو المادة الخام لإرنو لكنها أيضًا تعود إلى حاضرها، وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من أنها تعد كاتبة سيرة غير عادية، فإنها لا تثق في ذاكرتها، فتشعر أحيانًا كأنها تنظر إلى نفسها في صورة فوتوغرافية قديمة أو في مشهد من فِلْمٍ. إنها لا تتظاهر بأن بوسعها الوصول إلى الماضي بصورة مطلقة، بل تفرغه وتفككه. تتساءل إرنو في حوار للفينينشال تايمز، نشرته أخبار الأدب المصرية، وترجمته رفيدة جمال ثابت: «ما جدوى الكتابة إن لم تنبش في الماضي؟».

كتبت إرنو كذلك عن تجربة الإجهاض السرية، بعد تخرجها من الجامعة، في روايتها «الخزائن الفارغة» التي ترصد فيها تعرض جيل كامل من الفرنسيات لهذه العملية الخطيرة قبل الموافقة قانونيًّا عليها 1975م. ولأنها امرأة تكتب عن نفسها توصف اليوم بأنها «فوق النقد»، و«الأسطورة الحية» حتى إن بعض النقاد شبهها بمارغريت دوراس. «هذه المكانة اكتسبتها بعد عمر مديد من العمل الدؤوب في عملية التذكر واستكشاف مناطق جديدة في أدب السيرة الذاتية».

انتقالًا من باريس للقاهرة، صدر مؤخرًا كتاب «أقفاص فارغة» للشاعرة المصرية «فاطمة قنديل»، وقد فازت عنه بجائزة نجيب محفوظ (2022م)، التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة، وأحدث ضجة أدبية ولاقى احتفاء نقديًّا كبيرًا. بين «خزائن إرنو الفارغة» و«أقفاص فاطمة قنديل» الفارغة أيضًا، تمتد خطوط سحرية للتشابه. فإذا كانت إرنو قد كتبت عن تجربة الإجهاض فقنديل كتبت عن علاقتها بأخويها وأسرتها الصغيرة من خلال رحلة امتدت ما يزيد على ستين سنة، في ربوع القاهرة بين مجدها وقسوتها الشديدتين. هذه الخطوط تتمثل في الصراحة الشديدة والصدق المطلق في السرد، والكشف، من دون مواربة، عن أعمق آلام المرأة (الإنسان).

فاطمة قنديل

في «أقفاص فارغة»، تكتب الشاعرة المصرية فاطمة قنديل سيرتها الذاتية بشكل روائي ملحمي وإنساني وحميم. تقف فيه (الراوية/ الابنة) مع الأم في مركز دائرة الحكي، بينما يقف الأخوان على طرفيها. وتدور الكاتبة بين المركز والطرفين ونقاط أخرى أبعد، وتدور معها حياتها. الأم التي تعيش حياة هادرة من الألم والشقاء والمعاناة تكتب سيرتها الذاتية، فتنقح الابنة السيرة وتبدي رأيها. تصوب وتنقح، ولا تظهر سيرة الأم للنور. لكن الابنة تكتب سيرتها الخاصة وكأنها تحقق رغبة الأم في قول كلمتها وسرد حكايتها؛ لمقاومة النسيان والزوال، والحكايات المعاكسة لما تريد قوله عمن كانت ومن صارت إليه.

تقول فاطمة قنديل لـ«الفيصل»، معلقةً على فكرة البوح في كتابها: «أنا بطبيعتي شخص اعترافي. في دواويني، مثل «أسئلة معلقة كالذبائح»، كتبت نصوصًا أكثر اعترافية من كتابي «أقفاص فارغة». كنت أشجع نفسي على استمرار الكتابة طوال الوقت. الكاتب دومًا في انتظار القارئ؛ فلا كتابة بلا قارئ. يجب أن يكون هناك دائمًا آخر، والآخر هو مساحة كبيرة من القراء، وليس شخصًا واحدًا يجلس على حافة مكتبي. كنت أُسأل، حين تحدثت عن البيوت التي سكنت فيها: لمَ نر البيت؟ سواء البيت الأول في السويس أو في السعودية، ثم مدينة نصر، ثم مصر الجديدة. أقول: البيت عندي مجموعة من العلاقات، البيت عندي هو بالأساس البيت الشعري بتعبير باشلار».

وتضيف: «تحدثتُ عن الطبقة المتوسطة من خلال أسرتي التي انهارت خلال السبعينيات، وما حدث لها من سقوط. ليس بسبب التحولات السياسية والاجتماعية لكن أفرادها بذاتهم مسؤولون عنها. وكل من كتبت عنهم ماتوا سواء في الحقيقة أو في داخلي. فالكتابة ليست خلاصًا، كما يدعي بعضٌ، بأنها ليست «فضفضة»، بل انتقال للحكي عبر وسيط له شروطه وهي الكتابة؛ إذا كنت تريد أن تصنع أدبًا»!

وعن هدف البوح تقول فاطمة قنديل: «أحكي مثلما فعلت شهرزاد؛ للإبقاء على حياتها في مواجهة الموت. وحين اخترت عنوان روايتي شغلتني فكرة الأقفاص، التي تشبه السجون، العلاقات التي نسجن أنفسنها فيها وتنتهكنا. العلاقات تظل تنتهك حياتنا باستمرار ولا بد من التخلص منها، كما قالت دوريس ليسينغ هي «سجون نختار أن نحيا فيها»؛ لذلك، الانتقال من بيت لبيت هو محاولة لقطع العلائق مع العلاقات القديمة، لكن في الواقع لا يمكن أن يقطع الإنسان علاقته بماضيه كلية».

عزة رشاد: إما التحايل أو تقليم أظافر النص

عن رؤيتها في كتابة السيرة الذاتية تقول الكاتبة والطبيبة عزة رشاد: «لأن الماضي هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تغييره ولا يمكن محوه، فلمقاربته في رأيي مسالك وغايات عديدة. ربما نحتاج إعادة قراءته وتحليله لكي نفهم أكثر ذواتنا بالأخص، ثم يأتي بعد ذلك أن نفهم الآخرين ونحلل الأحداث. وهذا ربما يكون وثيق الصلة بالحاضر؛ لأن الزمن قماشة واحدة يصعب فيها فصل الماضي عن الحاضر عن المستقبل، فصلًا تامًّا أو متعسفًا. ربما أيضًا نتأمل الماضي بغرض التصالح معه، والتخلص من ثقل حمله فوق الظهر كَخُرْجٍ ثقيلٍ يجعلنا نسير منحنين وعاجزين عن التطلع نحو مستقبلنا. التصالح ربما يستلزم التحرر من فكرة الإدانة، إدانة الذات أو الآخر».

عزة رشاد

سألناها عن تقييمها للكتابات النسائية الذاتية وهل تعدُّها كتابات تحت مظلة خاصة، تحت سطوة عالم أدبي يحتكره الرجال ويسيطرون فيه على فكرة «القيمة» وعلى الجوائز والمحافل الأدبية؟

فأجابت قائلة: «أشعر بالأسف حقيقةً؛ لأننا ما زلنا نتناقش حول مكانة الكتابة الذاتية. الكتابة الذاتية هي كالواقعية والتاريخية وغيرها، من الكتابات التي تشكل أعمدة الكتابة الروائية والتي لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن النيل من مكانة أحدها لصالح الآخر، ولا من دور كل منها في التعبير عن الإنسان. المفاضلة يجب أن تكون على أساس واحد هو الجودة».

وعن كيف تواجه خوفها من الرقيب الاجتماعي والسياسي حين تشرع في كتابة عمل ما؟ تقول: بخصوص هذا الرقيب الذي أصفه بالضراوة، فإن الكاتب أمام خيارات بديلة محدودة: إما أن يقوم بتقليم أظافر النص، أي يخون الصدق ويضحي بالمصداقية، وإما أن يتحايل بطرق فنية ليقول كل ما يريده باستخدام الرمز مثلا، وهو الخيار الفني الأسهل، أو باستخدام التورية والمجاز وما شابه، لينتج نصًّا يصعب على فهم الرقيب، وهو ما يحتاج منه بذل جهود كبيرة، غير أنه، في الوقت نفسه، يصقل قدراته ويزيد مهاراته بدرجة هائلة».

علاء خالد وسؤال الكشف الكامل

الشاعر والكاتب علاء خالد من الكُتاب المعاصرين المهمين، وله أسلوب خاص في الكتابة يعتمد على مزج الشخصي بالروائي، والخاص بالعام. سجل فصولًا من حياته في كتابه «ألم خفيف كريشة طائر ينتقل بهدوء من مكان لآخر»، عن طفولته في الإسكندرية في حي «بولكلي» العريق. أما في روايته «متاهة الإسكندرية» فالبطل هشام يشبه «خالد» في السن، وعمله في الكتابة، والعيش في المدينة نفسها، وغير ذلك. وفي كتاب «أشباح بيت هاينرش بل»، الصادر عن الشروق، سجل تجربته الذاتية في السفر لألمانيا، في معتكف كتابي في بيت الكاتب الألماني «هاينريش بل» وعلاقاته بطاقم المنحة المستضيف، وبأصدقاء جدد من أنحاء العالم. كتب خالد عن ذاته وأفكاره ومشاعره الخاصة من دون التواري خلف بطل روائي يشبهه.

أما كتابه «مسار الأزرق الحزين» فهو الأخطر في الكتابة الذاتية، ويحكي فيه تجربته مع المرض. أصيب «خالد» بخطأ طبي جسيم، وضع حياته على المحك وجعله يعيد التفكير في الحياة والعلاقات، ويعيد تقييم الحياة والموت ذاتهما. الحياة على تخوم الموت، في المشفى، سجّلها بأدق تفاصيلها في الكتاب. وعلى الرغم من تطرقه للحديث عن الحب والفلسفة والسينما، فيبقى الكتاب شاهدًا على تجربة قاسية وحقيقية تمامًا، وهي وقت المرض والاقتراب من الموت.

عن الحدود التي يراها بين الواقعي والحقيقي والمتخيل في كتابته الذاتية يقول لـ«الفيصل»: «لا أفرق بين كتابة صريحة أو أخرى متخيلة عن نفسي، الاثنتان تخرجان من مكان واحد؛ فأي كتابة صريحة بها فراغات، أو تفتقد السياق الذي يمكن أن تظهر به، وهنا يظهر دور التخييل الذي يكمل هذه الفراغات بأحداث وربما بأسرار وسياقات مختلقة ليوفر السياق الجمالي للحقيقة. أعتقد أن أية تجربة مهما كانت متعددة وعميقة، فهي وحدها فقيرة، ليس لأنها فقيرة في ذاتها، ولكن لأنها تفتقد هذا «الآخر» الذي يمتزج بها ويجادل وحدتها؛ لذا التخييل داخل الكتابة بمنزلة «الآخر» لها، الذي يوسع من وحدة ذاتية الأفكار ويضعها في مكان التلقي العام، ولكن داخل إطار خاص، بل شديد الخصوصية، وهو ما يمنح الكتابة سريتها، أو بوحها، الذي يضعها في مكان «التصديق» بالنسبة للقارئ. حتى الآن لم أقل الحقيقة التي تعنيني. ربما عبرت عن بعض الحقائق التي سمح بها العقل أن تدخل في الكتابة، لكونها أصبحت من ركائز بنيانه، ولكن لا تزال هناك حقائق تقف في الظل، وتحتاج لمساحة شجاعة أكبر».

نافذة لطفولة الأعمى

نافذة لطفولة الأعمى

• ماذا ترى خلف الباب؟

– باب آخر.

• وخلف الباب الآخر؟

– بيت.

• ماذا في داخل البيت؟

– شجرة كبيرة.

• وماذا خلفها؟

– جبل بعيد.

• ماذا فوق الجبل؟

– قلعة متهدمة.

• هل نزل المحاربون من الجبل؟

– لا أرى محاربين.

• هل تركوا بنادقهم في زوادة التاريخ؟

– لا أرى شيئًا.

• وماذا خلف القلعة؟

– مدفع منسي.

• وماذا بعده؟

– هناك يتوقف الزمن، وربما أنني لا أرى شيئًا. أو أن رؤيتي إلى الأشياء لا تصل إلى البعيد.

• لكنني لم أسألك عن المشهد كاملًا، سألتك ماذا خلف الباب؟

– أنت سحبتني إلى فخ الأسئلة.

• وهل تعتبر الأسئلة فخًّا في لعبة الحكاية والمشهد؟

– وهل تبحث أنت عن مشهد ما، لكي تُغذّي به مخيلتك المتشظية؟

دعنا من كل هذا، لنعد ترتيب الأشياء، برغم أنني لا أرى الأشياء بوضوح وصفاء، أو لا أرى الأشياء بتاتًا؛ أو لا تعجبني الأشياء المرتبة والمصفوفة بعناية، ولكي أكون دقيقًا، فأنا وحيد هنا، أجلس بالقرب من المحراب. أشعر بالضوء يأتيني من الجهة المقابلة، لسنوات طويلة كنتُ أفكّرُ في الضوء، أدرك ببصيرتي بأنه قادم من الشرق، وأحببتُ أن أسألك. وبما أنك تذهب إلى المدرسة؛ فإنك تعرف الجهات جيدًا، ولكنني غير متأكد، هل تعرف الطريق جيدًا؟

• الطريق إلى أين يا جدي؟

– دعنا الآن من أسئلتك وطريقك. لنبدأ بترتيب الأشياء مرة أخرى، ونشق طريقًا مختلفًا إلى تفاصيل المشهد.

الجدار الذي أسندُ عليه ظهري، هو الجدار الغربي للمسجد الصغير الذي بنيته، في عام 1979م، لم تكن هناك جدران، كان المكان مفتوحًا كأرواحنا الصغيرة، والفضاء واسعًا، لا تحده سوى الجبال، ربما كانت خيامًا وعرشانًا من سعف النخيل، لم تصل الكهرباء بعد، أنا وأولادي كُنا نصلي هنا، تناثرت الأشياء، ركض الزمن بطفولة الأولاد، بعضهم سافر، وبعضهم الآخر ذهب إلى الحرب، ولم يعد، كبرت الجدران صارت بيوتًا، وأصبحت للبيوت أسوارًا وأسرارًا، وأغلقت نوافذ الطفولة مبكرًا، أصبح لي غرفة تحيط بها مزرعة صغيرة من جهة الجنوب، امتدت الكهرباء، شعرت بدوران المروحة في 1989م، ولكنني لم أبصر ضوء المصابيح. أيها الطفل، العميان هامش منسي في صفحة المبصرين المسرعين، والأعمى عكاز تُرك في الظلمة.

• ولكن يا جدي ما دخل الجدار بالباب، وفخ الأسئلة؟

– لكي تدرك بدايات الأشياء، يجب عليك أن تصنع ذاكرة وتاريخًا للأشياء.

لنعيد ترتيب المشهد مرة أخرى.

• ماذا أمامك الآن؟

– باب أبيض مفتوح.

• ماذا خلفه؟

– باب حديدي أخضر آخر.

• وماذا خلف الباب الحديدي؟

– بيت أبيض، يقف بالقرب منه صهريج ماء أزرق.

• ماذا ترى في جدار البيت الأبيض؟

– خط أسود، ينزل من المزراب إلى أسفل، وفي نهاية الخط تقف دراجة هوائية لطفل.

– لا عليك، فذلك حزن عميق، في ذلك البيت، حزن يحفر في أرواح أهله وأكبادهم.

• وماذا يدريك أنت أيها الأعمى؟

– العميان أكثر بصيرة منك أيها الطفل، ومن ثم قلت لك، دعك من الأسئلة، ودعنا نرمم الحكاية، فطين التعجل يفسد لذة الكلام.

– وهل علينا أن نغزر سهام الأسئلة في جسد الحكاية الهشة؟ من ثم ليس هناك ما تسرده، أنت فقط ترمم تفاصيل مشهد ضبابي، لا تراه في ذاكرتك، تحاول أن تمسك بجذور الأسئلة لتصنع حكايات هشة ومبعثرة.

– أيها الطفل، الأسئلة أعمدة تمسك سقف الحكاية، وجذور الكلام، أنت تبصر الأشياء أمامك، وأنا أخمّرُ تاريخ الأشياء في ذاكرتي. فلا حكاية من دون تاريخ، ولا تاريخ من دون بصيرة، ولا بصيرة دون ألم، وحدهم العميان والنساء والمجانين من يستطيعون القبض على الحكايات وجذورها وأنفاسها.

– يا جدي أنت تبصر الأشياء ببصيرة العميان، وأنا أحرّكها أعجنها بخيال الأطفال، دع سقف الكلام يطير، لا تحبسه في خيام الذاكرة. الذاكرة تفسد فرح الحكاية.

لنعد مرة أخرى، إلى البيت، وتحديدًا، إلى الجدار. ماذا ترى في الجدار؟

• خط أسود نازل من الأعلى؟

– لا فرق، إن كان الخط نازلًا من الأعلى، أو صاعدًا من الأسفل، فذلك كله يدل على حزن الجدار والبيت، فإذا كان نازلًا فهو حزن ينخر جذور البيت، وأما إذا كان صاعدًا، فالحزن ممتد إلى فضاءات البيت وأزمنته.

• هل تحزن الجدران، يا جدي؟

– كل الأشياء لها فرحها وحزنها، ولكن تحتاج من ينصت لها. يتأمل وجع الأشياء دون تعجل أو تطفل عليها، ودون تسوّل، فالأشياء تفتح ذاكراتها وعاطفتها وجنونها لمن يحسن صداقتها ولملاطفتها، ولمن يتقن قراءة ظلالها. الأشياء يا بني كقلوب الأمهات، أو كطيبة الجدات الذاهبات إلى الموت.

• وكيف تدرك يا جدي حزن الأشياء؛ وأنت لا ترى شيئًا؟ وكيف تتقن قراءة الظلال، وأنت لا تبصر الأشجار والأشياء.

– صحيح أنني لا أرى، ولكنني أشعر بها، حتى الزمن الذي لا تشعر به أنت، أنا أشعر بحزنه، وبفرحه الشفيف في الفجر، وبصمت الأشياء في منتصف الليل.

• وكيف تشعر به يا جدي؟

– لا تسأل أيها الطفل أعمى كيف يخترق عمق الأشياء بروحه، فداخل كل أعمى بصيرة لا يدركها المبصرون. أيها الطفل، لا تسأل الجبال عن شموخها وعزلتها، ولا تسأل الأرامل عن حزنهنّ، ولا تسأل الطيور عن فرحهنّ في الربيع، فكل الأشياء تبوح بجوهرها من دون السؤال.

– ولماذا تقول: إن الجدار في البيت الأبيض حزين؟ ربما يكون كحل فرح في عين الجدار.

– كلما رأيت أيها الطفل سواد في بياض الجدران، فتذكر حزن أهل ذلك البيت.

– للبيوت حزنها وفرحها يا جدي، الفرح يختلط بحزن عابر أو دائم.

– ماذا يفعل الصهريج الأزرق بالقرب من البيت؟ هل شعروا بالعطش؟ هل جفّتِ البئر التي حفرتها في بداية السبعينيات؟

• وهل تعتقد أيها الأعمى بأن كل سيارة زرقاء تبيع الماء أن أهل ذلك البيت حاصرهم العطش؟ أنت تتوهم الأشياء، ولا ترمم الحكاية؟ جعلت من الخط الأسود في الجدار الأبيض حزنًا مقيمًا في أكباد أهل ذلك البيت؟ وأن صهريج ماء أزرق يقف جانب البيت، يشير على عطش أهل ذلك البيت؟ ماذا لو كانت سيارة عابرة توقفت بالصدفة في هذه اللحظات قرب البيت؟ وما دخل توقف سيارة زرقاء ببئر حفرتها أو تخيلته أنت قبل نصف قرن.

– لا عليك، الأطفال عجولون دائمًا، وضجرون وعاجزون عن فهم جوهر الأشياء. ربما ستفهم لعبة الاحتمالات في الحكاية. لا تمضي في لعبة الحكاية من دون حبال الاحتمالات، لكيلا تسقط في حفر اليقين، وأفخاخ الواقعية.

– لا أفهم ما تقوله، أيها الأعمى. لكنني أرى صهريج ماء بالقرب من الجدار الأبيض.

– دع الصهريج يقف وحده، ثمة أغراض يتركها عادة سائق الصهريج عند الزجاج الأمامي.

• هل تستطيع أن تذهب، وتأتي بها؟

– ما جدوى تلك الأغراض، في الحكاية التي تريد أن ترممها في ذاكرتك. أو لعبة تريد أن تكملها في ملعب مخيلتك.

– أيها الطفل، الحكايات تحتاج دائمًا إلى جذور، وإلى التفاصيل الصغيرة والهامشية. التفاصيل هي ملح الحكايات، بدونها لا تستطيع تذوق طعم الحكاية.

في اللحظة التي خرج الطفل من الباب، إلى صهريج الماء، سقطت دمعة لم تصل إلى ملابس الأعمى، توغلت في لحيته البيضاء. امتدت يد الأعمى الذي يسند ظهره على الجدار إلى لحيته، شعر بشيء رطب، اختفت الدمعة في بياض الزمن وعتمة الذكريات.

في لحظة اختفاء الطفل، مرت ذكريات كثيرًا في ذاكرة الرجل، الذي يعرف الأشياء والأمكنة التي سأل عنها الطفل، دروب ورحلات ومجاعات وجبال وحكايات وسنوات عجاف وجفاف مرت بحياة الأعمى، وحروب وقبائل تناحرت، وقبل أن يمتد زمن التذكر طويلًا وبعيدًا. عاد الطفل وفي يده دفتر أزرق، وأوراق مبعثرة. جلس بالقرب من الأعمى.

فتح الطفل الدفتر الأزرق، سقطت بعض الأوراق القديمة، فواتير كهرباء، تدحرج قلم أزرق من الدفتر. سمع الأعمى صوت انفتاح الدفتر.

قرأ الطفل، بعض الأسماء، التي لا يعرفها، وأمام الأسماء أرقام.

ناصر بن عبدالله 15 ريالًا. سالم بن محمد 20 ريالًا. بيت أولاد الشرقي 10.

مطعم الملباري 10.

ضجر الأعمى من الأرقام، وقال للطفل، قلّب الدفتر، فبائعو الماء يدسون أسرارهم في دفاترهم؛ قبل أن تغرق في ماء النسيان.

ظل الطفل يقلب الدفتر الأزرق، يرى أسماء وأرقامًا. في منتصف الدفتر، رأى رسالة مكتوبة بحروف غير منظمة وخط مرتبك، حاول أن يتهجى الكلمات، الجد صامت، يسمع صوت حروف وهمسات الطفل، وهو يحاول نطق الكلمات.

«أبي وأمي العزيزان، أريد أن أرسل لكما، هذه الرسالة، وأنا الذي لم أكتب في حياتي أي رسالة، حتى عندما طلب منّا أستاذ اللغة العربية كتابة رسالة إلى صديق، كتبت رسالة عن الصداقة، فغضب الأستاذ، وعاقبني بكتابة الدرس خمس مرات. لم أكتب رسالة حب، أو رسالة وداع، أو رسالة للحكومة لأطلب أي شيء. فأنا لا أحب أن أطلب من الحكومة أي شيء، والحكومة تحب من يطلبها، لذا لم أكتب أي رسالة في حياتي.

هذه الرسالة أكتبها، وأنا أقف على الشارع -والشوارع تُوصل الناس إلى جهاتهم وبيوتهم- وقد اشتعل بداخلي الفقد والشوق لكما، أقف هنا على طرف الشارع، حتى لا يرى أطفالي دموعي، أفتقدكما كثيرًا، أفتقد صوت أمي في الفجر، أفتقد أبي في صلاة الفجر، وقهوة صباحاته. لا أدري ما جدوى الحياة بعدكما. كل شيء أصبح رماديًّا بعدكما، فقدكم ثقب أرواحنا.

كل الأشياء ذبلت بعدكما، حتى شجرة البيت، لا روح لها بعدكما، أشتاق لكما كثيرًا».

أخفى الجد الأعمى دموعه، تلعثم الطفل، لم يدرك سبب دموع الجد، وما علاقته بالرسالة، وبسائق صهريج الماء، الصمت دثر المكان، تأمل الطفل الدموع الساقطة على لحية الجد البيضاء. لا يدري سبب هذه الدموع، هل كانت إحدى الشخصيات يقرب له، الأم، الأب، سائق الصهريج، خاف أن يسأله، ويزيد من تدفق دموعه، فكر بأن يسأله عن الأبواب المفتوحة نحو البيت الأبيض.

• لماذا كل هذه الأبواب مفتوحة نحو البيت الأبيض؟

* * *

• لماذا الباب الثاني لونه أخضر؟

* * *

• هل رممت كل الحكاية يا جدي؟

– مسّد الجد لحيته، شعر برطوبتها، وقال: الحكايات لا يرممها الحزن، ولا الفقد، بل يكسرها يمزق حبالها، والأبواب تُفتح أيها الطفل لترى سهام الزمن كيف تنهش الأشياء، أما اخضرار الباب ليخفف عنك وحشية الإسمنت.

* * *

الرجل الذي كان يبكي في الصهريج الأزرق، دخل إلى المسجد، أقام للصلاة، وقف الجد وبجانبه الطفل، خلف الرجل الذي كتب رسالته.

ظلال الحكاية

• الشجرة الواقفة في السفح، أنصتت بحزن لحديث الطفل والأعمى، لكنها لم تدرك كل الحكاية، وعندما رأت دموع الجد، أوجعها حزنه؛ لأنها تعرف الجد منذ طفولتها، تراه في الدروب في الفجر، تسمع حكاياته على مواقد الشتاءات الباردة. ولكي ترمم شجرة السفح حكاية الأعمى والطفل، سألت الشجرة الكبيرة في وسط البيت، الذي سأل عنه الجد الطفل. أيتها الشجرة الحارسة لحزن البيت وفرحه، لماذا بكى الجد بكل هذه الحرقة، وكأنه طفل؟

– أيتها البعيدة، حارسة الفجر، وصديقة الظهيرات، لكل بيت سره وجرحه، أنتِ تعرفين الجد أكثر مني؛ لأنك رأيته طفلًا، وأنا ابنة هذا البيت الإسمنتي، وأدرك ما حلَّ بالرجل الذي يصلي الآن بالجد والطفل. والبشر هم أطفال أمام الموت، مهما كبروا وشاخوا. فقد والديه، في يوم واحد، يشعر الآن بأنه فقد كل شيء، كل أحلامه يرى أمه تناديه، أبيضّتْ عيناه من الحزن.

وقبل أن يسجد الرجل سجدته الأخيرة صمتت شجرة البيت.

خرج الرجل الذي كتب الرسالة، وحمل دفتره الأزرق دون أن يسأل من جلبه إلى هنا.

الفلسفة والناس… هل حقًّا أن كل إنسان فيلسوف؟

الفلسفة والناس…

هل حقًّا أن كل إنسان فيلسوف؟

ترددت في الكتابات الفلسفية الغربية الحديثة، وتابعتها الكتابات العربية، تلك المقولة التي تربط جميع البشر بالفلسفة، وتصور أن كل إنسان هو فيلسوف إما من جهة الطبيعة أو من جهة الدرجة. ومن ثم فإن الفلسفة ليست وقفًا على الفلاسفة، وليس التفلسف حقًّا خاصًّا بهؤلاء الفلاسفة، وإنما هو حق عام للناس كافة، لا يتقيد بفئة، ولا ينحصر بزمن، ولا يتحدد بمكان، ولا يمثل امتيازًا لعرق أو قوم أو سلالة من البشر.

هذه المقولة المقصودة جرت الإشارة إليها، والتعبير عنها، والتأكيد عليها، بصور متعددة من ناحية البيان، جاءت من مفكرين وأدباء ونقاد، مستندين في تحليلاتهم إلى خاصية الفكر والتفكير عند الإنسان، ونظرته إلى ذاته والحياة والعالم.

جذور المقولة

وبيانًا لهذه المقولة وتثبيتًا لها، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أقوال مختارة، انتسبت إلى أشخاص لهم وزنهم الفكري والفلسفي، وهي: القول الأول: أشار إليه الناقد الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891- 1937م)، الذي رأى أن «كل البشر فلاسفة… ولا نستطيع أن نتصور إنسانًا لا يكون فيلسوفًا ولا يفكر؛ لأن التفكير هو بالضبط خاصة الإنسان من حيث هو الإنسان».

القول الثاني: أشار إليه المفكر الألماني كارل ياسبرز (1883 – 1969م) في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة»؛ إذ رأى أن كل إنسان فيلسوف، لأن الفلسفة تتناول المطلق الذي يتشخص في الحياة الواقعية، ولكن ليس من اليسير على الإطلاق أن نضع قبضتنا على هذا المعنى بمتابعة التأمل.

القول الثالث: ذكره الكاتب الأميركي فروست في مقدمة كتابه: «التعاليم الأساسية للفلاسفة العظماء»؛ إذ رأى أن كل إنسان فلاحًا كان أم من رجال المال، كاتبًا أم قائدًا، حاكمًا أم محكومًا، هو فيلسوف بمعنى الكلمة؛ لكون الإنسان بما هو إنسان قد وهب دماغًا راقيًا، وجهازًا عصبيًّا، فلا بد له من التفكير، والتفكير مطية الفلسفة.

إلى جانب هذه الأقوال الثلاثة، أشار إلى هذه المقولة أيضًا الكاتب الأميركي رابوبرت في كتابه: «مبادئ الفلسفة»، وكذا الكاتب الأميركي ويل ديورانت في كتابه: «صروح الفلسفة» المترجم إلى العربية بعنوان: «مباهج الفلسفة». وفي الكتابات العربية أشار إليها الكاتب المصري أحمد فؤاد الأهواني في كتابه: «معاني الفلسفة»، إلى جانب آخرين.

فحص المقولة

أمام هذه المقولة فحصًا وتبصرًا، يمكن تسجيل بعض المفارقات المتعاكسة، وهي:

المفارقة الأولى: كان يفترض من هذه المقولة التي ربطت جميع البشر بالفلسفة، وصورت كل إنسان بوصفه فيلسوفًا، أن يكون من أقرب نتائجها وأوضحها ظهورًا، ما يتعلق بهيئة الفلاسفة عددًا ووجودًا؛ لأننا أمام مقدمة ونتيجة، فهل بينهما تطابق وتوافق أم تغاير وتخالف؟ وهل إذا صحّت المقدمةُ في هذه الحالة صحّت معها النتيجةُ، استنادًا إلى القواعد المنطقية؟

المقدمة تقول: إن كل إنسان هو فيلسوف سواء من ناحية الطبيعة أو من ناحية الدرجة أو في بعض لحظات حياته، وبناءً على صحة هذه المقدمة، لا بد أن يكون عدد الفلاسفة من ناحية العدد كبيرًا في جميع الأزمنة، وجميع الأمكنة، وجميع المجتمعات! وذلك بحكم الطبيعة القوية والاستعداد الذاتي الذي يربط الإنسان بالفلسفة.

لكن الذي نراه فعليًّا خلاف ذلك تمامًا، فعدد الفلاسفة ليس قليلًا فحسب وإنما ضئيل جدًّا، ويكاد يكون بحكم النادر، نلمس ذلك في جميع الأزمنة، وجميع الأمكنة، وجميع المجتمعات. الظاهرة التي ترتقي إلى درجة الحقيقة بلا خلاف عليها ولا نزاع، لشدة ظهورها ليس عند الفلاسفة خاصة، وإنما عند الناس عامة.

المفارقة الثانية: بحسب المقولة المذكورة، لا بد أن يترتب عليها نوع من القرب بين الناس والفلسفة، يصل إلى درجة الألفة والتساكن والتعايش. فما دامت الفلسفة بهذا الالتصاق بالناس، وتعدهم فلاسفة إما من ناحية الطبيعة أو من ناحية الدرجة، وتصور أن كل إنسان فيلسوف بدرجة أو أخرى، الأمر الذي يقتضي قربًا من الناس تجاه الفلسفة، لأن القرب يولد قربًا غالبًا، أو لا أقل يولد استعدادًا قويًّا للقرب. ومن ثم فإن قرب الفلسفة من الناس، يفترض أن يولد قربًا أو استعدادًا للقرب من الناس تجاه الفلسفة.

لكن الذي نراه فعليًّا غير ذلك تمامًا، فلا نلمس قربًا من الناس تجاه الفلسفة، بل نجد ابتعادًا يصل إلى درجة التنافر والنفور، وما زال الناس عمومًا يحملون صورة سلبية أو غير واضحة عن الفلسفة، وهذا ما يعرفه الناس عن أنفسهم، وما يعرفه كذلك أهل الفلسفة عن الناس.

ومثل هذا الانطباع السلبي تجاه الفلسفة، عبر عنه بوضوح كبير سنة 1948م، الكاتب المصري الدكتور أحمد فؤاد الأهواني (1908 – 1970م) في مقدمة كتابه: «معاني الفلسفة»، وأوضحه قائلًا: «كان التفلسف سمة الخارجين عن جادّة الطريق، حتى إذا شذ أحد عن الأفكار الدارجة، أو طلع برأي جديد قيل له: لا تتفلسف، كأن الفلسفة رذيلة من الرذائل، يتهم بها صاحب التفكير المعوج المنحرف، فرهبها الناس، وانصرفوا عنها، وظلت حبيسة الكتب، بعيدة من الأذهان، غريبة عن القلوب».

المفارقة الثالثة: استنادًا إلى المقولة السالفة، لا بد أن تكون الفلسفة واضحة ومفهومة عند الناس أو عند شريحة كبيرة من الناس، ما دامت تصور أن كل الناس فلاسفة، ولا يوجد إنسان يخلو بصورة من الصور من فعل التفلسف. الأمر الذي يعني أن الفلسفة ليست شيئًا غريبًا عن الناس أو منقطعة عنهم أو تنتمي إلى عالم غير عالمهم القريب لهم، وإنما هي متصاحبة معهم، تظهر لهم بلا توقف في حسهم التفكيري، ولا تغيب عن فعلهم التفلسفي الذي لا يفارق الفكر عند كل إنسان.

والسؤال: هل أصبحت الفلسفة بتأثير هذه المقولة، وبعد هذه السنوات الممتدة والطويلة واضحة عند الناس أو مفهومة عند شريحة كبيرة منهم؟ أم إن واقع الحال يخبرنا بغير ذلك وعلى خلافه تمامًا؟ وما نعرفه أن الفلسفة ما زالت في الانطباع العام عند مَنْ يتردد على ألسنتهم بنوع من البساطة والعفوية، أن الفلسفة أشبه بعالم يكتنفه الغموض والإبهام والتعقيد والتعصيب، وبحسب تصوير كارل ياسبرز في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة» أن الفلسفة «بلغت من الصعوبة حدًّا يجعل دراستها تبدو مهمة ميؤوسًا منها».

كشفت هذه المفارقات الثلاث عن أن هذه المقولة المذكورة، بحاجة إلى فحص وتدقيق بقصد التثبت منها، خصوصًا بعدما تكررت في الأدب الفلسفي الحديث، بشكل جاز لنا أن نعطيها صفة المقولة، ونتعامل معها بهذا الاعتبار.

وفي تقويم هذه المقولة، يمكن القول: إنها أقرب إلى أن تكون مقولة بيانية أكثر من كونها مقولة برهانية، بمعنى أنها مقولة من صنع اللغة والبيان اللغوي، ولا تستند إلى حقائق فعلية وخارجية تصلح أن تكون براهين عليها. ومن دون هذه البراهين الفعلية تخرج هذه المقولة من نطاق المقولات البرهانية، وتحسب على نطاق المقولات البيانية، والفلسفة قائمة على البرهان وليست على البيان، وأنها نجحت في ناحية البرهان، وفشلت في ناحية البيان، مع ما أصابها من تعقيد وتصعيب على مستوى اللغة والبيان.