الفلسفة والحكمة: تقاطع الدلالة واختلاف المنزلة

الفلسفة والحكمة:

تقاطع الدلالة واختلاف المنزلة

التقت «الفلسفة» و«الحكمة»، لفظًا ومعنًى، في فضاء العرب والمسلمين، بعدما عُرّفت الفلسفة وفقًا لمصدرها اليوناني القديم بأنها تعني «حب الحكمة» أو «محبة الحكمة». ومن ثم أصبح الترادف والاقتران بين الكلمتين، في ناحية اللغة، ممكنًا، وبات جاريًا في الاستعمال، بلا معارضة غالبًا، وظاهرًا في الكتابات وعلى ألسنة أهل الخاصة من الناس قديمًا وحديثًا. هذا الاقتران جاء ووسع هامش النظر إلى الفلسفة والحكمة معًا، وفتح أفقًا دلاليًّا تشاركيًّا مهمًّا بينهما، وأصبح من الممكن تفحص الفلسفة من زاوية الحكمة وحقلها الدلالي، وتفحص الحكمة من زاوية الفلسفة وحقلها الدلالي. مع ذلك ظلت وضعية العلاقة بين الفلسفة والحكمة في المجالين العربي والإسلامي موضع جدل وتجاذب، وبقي التناظر حولهما قائمًا. وتفحصًا لهما نتساءل: هل بينهما ترادف وتطابق؟ أم تشارك من جهة وتفارق من جهة أخرى؟

لتكوين المعرفة بهذه المسألة، وتبصرًا في أبعادها المتعددة، يمكن الإشارة إلى العناصر الآتية:

على مستوى اللغة

ظهر هذا الجانب اللغوي واضحًا؛ لأن «الفلسفة» كلمة يونانية قديمة، تحددت -مبنًى ومعنًى- في نطاق اللغة اليونانية، ودخلت إلى مجالنا اللغوي عبر حركة الترجمة في القرن الثاني الهجري، وظلت، وما زالت، تُعرف بهذه الصفة، وبهذا النسق اللغوي والتاريخي. وفي وقت مبكر أبان عن هذا الأمر، كبير فلاسفة المسلمين الفارابي (260- 339هـ/ 874- 950م) موضحًا أصل كلمة فلسفة ومعناها، قائلًا: «اسم الفلسفة يوناني، وهو دخيل في العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلاسوفيا، ومعناه: إيثار الحكمة».

في المقابل فإن «الحكمة» كلمة عربية قديمة، عرفت في اللسان العربي نثرًا وشعرًا، ثم وردت في النص الديني الإسلامي وتواترت قرآنًا وسنةً. وقد حضرت بتعريفاتها وتصريفاتها واشتقاقاتها وتعدد استعمالاتها، في جميع معاجم اللغة العربية، تقريبًا، القديمة والحديثة.

وبتأثير النص القرآني وفاعليته، تغيرت كليًّا وضعية كلمة «الحكمة»، ونالت شرفًا وتعظيمًا في الأدب العربي. فقد وردت هذه الكلمة وتواترت في آيات عدة، وعدت من الكلمات القرآنية الفريدة في حقلها الدلالي، واتصلت باقترانات أسهمت في لفت الانتباه إليها بدرجة كبيرة، وجعلتها في دائرة التبصر المستمر. حدث ذلك بعدما تكرر اقتران هذه الكلمة بكلمة الكتاب، وجاء أكثر استعمالات هذه الكلمة في سياق هذا الاقتران الذي تكرر في عشر آيات، وردت في خمس سور، جميعها من السور المدنية، وهي: «البقرة»، التي وردت فيها ثلاث آيات (129، 151، 231)، منها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة، آية: 129). وسورة «آل عمران»، التي وردت فيها أيضًا ثلاث آيات (48، 81، 164)، منها قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (سورة آل عمران، آية: 48). وسورة «النساء» التي وردت فيها آيتان هما: (54 – 113)، وسورة «المائدة» الآية (110)، وسورة «الجمعة» الآية (2).

هذا الاقتران وتواتره، وتحديدًا مع كلمة «الكِتَاب»، وضع كلمة «الحِكْمة» في دائرة التساؤل الدائم، والبحث المستمر، والتأمل الفاحص، وظهرت هذه الكلمة كما لو أنها الكلمة الثانية من ناحية المنزلة بعد «الكتاب»، أو أنها تتصل من ناحية المعنى بالكتاب، أو أنها وثيقة الصلة من ناحية العُلْقة بالكتاب؛ لذا فإن هذه الكلمة قطعًا ليست من نمط الكلمات العادية أو البسيطة، أو التي يمكن المرور عليها من دون التوقف عندها، أو التغاضي عنها وعدم التبصر فيها، أو التهاون بها وعدم الالتفات إليها.

وتأكيدًا لهذا الأمر، فقد اجتمعت حول هذه الكلمة وتراكمت العديد من التفسيرات والتأويلات والتأملات، وقد بقيت ممتدة من الأزمنة القديمة إلى هذه الأزمنة الحديثة. وما زالت هذه الكلمة إلى اليوم تثير الدهشة بدرجة عالية، وتبعث على التساؤل الجاد، خصوصًا من جهة علاقتها بالكتاب.

من جانب آخر، يمكن إدراج هذه العلاقة، التي يمكن وصفها بالفعالة بين كلمتي «الفلسفة» و«الحكمة»، في دائرة ما يعرف في حقل الدراسات الأدبية والنقدية بالتثاقف والمثاقفة، وفي حقل الدراسات الثقافية بنطاق ما يعرف بحوار الثقافات؛ لكون أن كلمة «الفلسفة» جاءت من الثقافة اليونانية وعدَّت من كلماتها العظيمة، وجاءت كلمة «الحكمة» من الثقافة العربية والإسلامية وعدَّت أيضًا من كلماتها العظيمة. وانتظمت هذه العلاقة بين هاتين الكلمتين وبقيت واستمرت، وضربت مثلًا رائعًا، وأصبحت كلمة «الفلسفة» تذكر دومًا بالثقافة اليونانية في فضاء الثقافة العربية والإسلامية، كما أصبحت كلمة «الحكمة» تذكر بالثقافة العربية وتواصلها في هذا النطاق مع الثقافة اليونانية.

مع ذلك، فحين المقارنة بين هاتين الكلمتين على مستوى اللغة، نرى أن كلمة «الحكمة» هي أكثر أصالة من كلمة «الفلسفة»؛ لأنها كلمة عربية وشريفة مبنًى ومعنًى، واكتسبت بفضل القرآن الكريم تشريفًا وتعظيمًا.

على مستوى الفكر

مثلت الفلسفة في تاريخ المسلمين الفكري إشكالية كبيرة ومعقدة، وتغايرت حولها المواقف قديمًا وحديثًا؛ لكونها عُدَّت من العلوم الوافدة من الثقافات الأجنبية، وتحديدًا من الثقافة اليونانية التي ترتدّ إلى عصور ما قبل الميلاد، وعُرِفَت بوصفها ثقافة بعيدة من الدين، واتصلت بالمسيحية في عصر متأخر يؤرخ له بعصر الدولة الرومانية، بعدما اعتنقت المسيحية في عهد الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع الميلادي؛ لذا فقد أعلن بعض علماء المسلمين القدماء، وخصوصًا طبقة الفقهاء والمحدثين، عن تحفظهم النفسي والفكري تجاه الفلسفة، واتخذوا موقفًا رافضًا لمحاولات التوفيق بينها وبين الدين، أو تقريبها إلى فضاء الثقافة الإسلامية، والاستناد إليها في مسائل العقيدة وأصول الدين وحقل الإلهيات عمومًا.

وتفاديًا لهذا الموقف الضاغط، وتخففًا منه، وجد بعضٌ في مفهوم «الحكمة» خيارًا بديلًا عن «الفلسفة»، وسبيلًا لرفع الحرج النفسي والفكري من الاقتراب والتعاطي مع مفهوم أجنبي ودخيل وغريب عليهم وعلى ثقافتهم وديانتهم. ولعل في تقدير هؤلاء أو بعضهم أننا من الأساس لم نكن في حاجة إلى تبنّي لفظ أو مفهوم أجنبي ودخيل مثل الفلسفة، ما دام لدينا لفظ أو مفهوم عربي وأصيل، وينتمي إلى ثقافتنا وتاريخنا وديننا مثل الحِكْمة.

وبناءً على ذلك، فإن دافِع الاضطرار في هذا المورد مرفوع، فلا يقال ولا يقبل في منظور هؤلاء أن التعاطي مع الفلسفة لفظًا أو مفهومًا حدث بدافع الاضطرار الذي لا مورد له مع وجود الحكمة لفظًا ومفهومًا. إضافة إلى أن هؤلاء أو بعضهم قد يرون في هذا الاقتران المستمر بين الفلسفة والحكمة، يمكن أن يؤدي إلى غَلَبة الفلسفة وتفوُّقها على الحكمة وإحلالها مكانها، وإمكانية العبث في محتواها ومضامينها. وذلك استنادًا إلى خلفية قوة الفلسفة وسطوتها وعراقتها وقدم تاريخها، وضخامة إرثها، وتآزر ثقافات العالم معها. ولأن هذا الأمر يندرج -بحسب منطق هؤلاء- في باب غَلَبة لفظ أجنبي دخيل على لفظ عربي أصيل، فلا بد من سد الطريق عليه حفظًا للفظ عربي وأصيل هو «الحكمة».

من وجه آخر، رأى الباحث المغربي علي بن مخلوف في كتابه «لماذا نقرأ الفلاسفة العرب؟»، أن الفلاسفة العرب القدماء تبنوا إستراتيجية، وصفها بالحاذقة، لتقبل الفلسفة، وتعزيز قبولها لدى المسلمين من بوابة الحكمة؛ لشطب أصلها اليونانيّ والوثنيّ، وجعل ممارستها مشروعة من قبل الدين.

على مستوى الغاية

يمكن نظم العلاقة بين الفلسفة والحكمة على قاعدة الغاية، بمعنى أن ننظر إلى الفلسفة من جهة تحصيل الحكمة وبلوغها، والتخلق بها، بوصفها درجة عالية تفوق الفلسفة رتبةً. وبهذا المعنى تصبح الفلسفة طريقًا والحكمة غاية، وهذا أصوب طريق تسلكه الفلسفة حين تكون بلوغ الحكمة غايتها، كما أنه أصعب طريق، وأطول سبيل في هذا الدرب، ليس من السهولة الوصول إلى هذه الغاية وبلوغها، وليس من المستحيل كذلك.

وبالتأكيد ليس كل من سلك طريق الفلسفة وصل إلى الحكمة وبلغها؛ إما لأنه لم يقطع الطريق إلى نهايته الطويلة ولم يتحمل مشقّته صبرًا وطاقة، وإما لأنه يقوى على الفلسفة علمًا ولا يقوى على الحكمة خُلقًا. وبهذا المعنى فإن الحكمة تجمع بين العلم والأخلاق بلا فصل بينهما ولا قطع، بطريقة يتم فيها تخليق العلم وتعليم الأخلاق.

ومن هنا جاز الفصل، وجاز القول: إنه ليس كل فيلسوف حكيمًا، لكن كل حكيم فيلسوف، فالأول بلغ الفلسفة ولم يبلغ الحكمة، والثاني بلغ الفلسفة والحكمة معًا. وبهذا الاعتبار فإن الفيلسوف أقل رتبة، والحكيم أعلى درجة. والفيلسوف الذي بلغ الفلسفة عليه مواصلة الدرب لبلوغ الحكمة التي تقع في طريقه لأنها كمال الفلسفة، ومن دونها تصبح الفلسفة ناقصة. هذه بعض وجوه العلاقة بين الفلسفة والحكمة.

إرنست كاسيرر والبحث عن معنى الإنسان

إرنست كاسيرر والبحث عن معنى الإنسان

في بحثه الجاد عن معنى الإنسان، رأى المفكر الألماني إرنست كاسيرر (1874- 1945م) أن هناك أزمة حقيقية أصابت المعرفة الحديثة أفقدتها وحدة الاتجاه في النظر إلى مشكلة الإنسان، ناقدًا تشتت البحث في فروع المعرفة؛ إذ أصبح كل فريق من العلماء لاهوتيين وطبيعيين واجتماعيين وسيكولوجيين وبيولوجيين ينفذون إلى معالجة هذه المشكلة كل من زاويته الخاصة، مصورًا أن هذا التشتت أو التخاصم بين الأفكار لا يمثل مشكلة نظرية خطيرة فحسب، بل هو خطر كبير يهدد في حالة اتساعه الحياة الأخلاقية والحضارية.

استنادًا إلى هذه الإشكالية، قدر كاسيرر أن المفكر الألماني ماكس شيلر (1874- 1928م) كان من أول من تنبهوا لهذا الخطر، راجعًا إلى كتابه «مكانة الإنسان في الكون» الصادر سنة 1928م، مستشهدًا بكلامه، ومظهرًا توافقًا معه، ناقلًا منه هذا النص: «ما كان الإنسان في فترة من فترات المعرفة الإنسانية كما هو اليوم في عصرنا مثار مشكلة لذاته؛ لقد أصبح لدينا أنثروبولوجيا علمية وأخرى فلسفية وثالثة لاهوتية، وما من واحد من هذه الفروع يعرف ما لدى الفرع الآخر؛ لذلك لم نعد نمتلك فكرة واضحة عن الإنسان، فإن ازدياد تكثر العلوم التي تنهمك في دراسة الإنسان قد زاد فكرتنا عن الإنسان فوضى وغموضًا بدلًا من أن يوضحها».

ذروة العبقرية الفلسفية

وبعدما عرض كاسيرر بإيجاز مختلف المناهج التي استخدمت في عصره بحثًا عن الإجابة لسؤال: ما الإنسان؟ وصل إلى المسألة التي ظل يحوم حولها، متسائلًا: هل هذه المناهج كافية وشاملة أم إن ثمة طريقة أخرى؟ وهل تبقى لدينا سبيل آخر نسلكه عدا طريق الاستبطان السيكولوجي والملاحظة والتجربة البيولوجية والبحث التاريخي؟ وسعيًا لمبتغاه حاول كاسيرر استكشاف سبيل آخر، متوصلًا إلى نظرية أفاض في بيانها وشرحها في كتابه الكبير الموسوم بعنوان: «فلسفة الأشكال الرمزية» المكوّن من ثلاثة أجزاء، والصادر ما بين (1923- 1929م)، الكتاب الذي رأى فيه الدكتور زكي نجيب محمود (1905- 1993م) أنه مثَّل ذروة العبقرية الفلسفية كلها لكاسيرر، وعده كتابه العظيم.

إرنست كاسيرر

هذه النظرية المقصودة رجع إليها كاسيرر مرة أخرى، مركزًا الحديث عنها، وجامعًا أشتاتها في كتابه «مقال في الإنسان.. مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية»، صدر قبل وفاته، وكان آخر مؤلفاته. أراد منه كاسيرر أن يعبر عن أفكاره بوضوح وبساطة قدر استطاعته، منبهًا النقاد إلى أن ما كتبه في هذا الكتاب إنما هو شرح وتوضيح لنظريته أكثر مما هو تطبيق وإبراز لها، داعيًا من شاء أن يدرس المشكلات المعروضة في شكلها التحليلي الدقيق، إلى مراجعة كتابه «فلسفة الأشكال الرمزية».

وقد تحددت هذه النظرية لدى كاسيرر في أن الرمز هو سبيل التعرف إلى طبيعة الإنسان، مصححًا -بحسب قوله- حد الكلاسيكيين للإنسان وموسعًا منه، ناقدًا قول القدماء في حد الإنسان إنه حيوان ناطق، مفضلًا حد الإنسان بأنه حيوان ذو رموز، بدلًا من حده بالنطق أو العقل، مبينًا أننا إذا فعلنا ذلك نكون قد ميزنا اختلافه الخاص عما سواه، واستطعنا أن نفهم الطريق الجديدة المهيأة للإنسان، ويعني بها طريق المدنية.

وتأكيدًا لنظريته في التفارق بين الإنسان وسائر الكائنات الحية الأخرى، واستنادًا إلى علم البيولوجيا، توقف كاسيرر عند رأي أشار إليه عالم البيولوجيا الألماني يوهان فون يوكسكل (1864- 1944م) من أن كل كيان عضوي يمتلك جهازين: جهاز استقبال وجهاز تأثير، ولا بقاء للكيان نفسه إذا لم يتعاون الجهازان ويتوازنا، فبجهاز الاستقبال يتقبل النوع البيولوجي المؤثرات الخارجية، وبجهاز التأثير يستجيب لهذه المؤثرات، وهما حلقتان في سلسلة واحدة يسميها يوكسكل الدائرة الوظيفية في الحيوان. بناء على هذا الرأي تساءل كاسيرر قائلًا: هل من الممكن أن نستغل هذه الخطة التي وضعها يوكسكل لنصف العالم الإنساني ونبين مشخصاته؟

الجهاز الرمزي

من الواضح لدى كاسيرر أن هذا العالم الإنساني لا يشذ عن تلك القواعد البيولوجية التي تحكم حياة كل الكائنات العضوية، مضيفًا إلا أننا في العالم الإنساني نجد مميزًا جديدًا يبدو أنه علامة تفرق الحياة الإنسانية عما سواها، متوصلًا إلى أن لدى الإنسان حلقة ثالثة، مطلقًا عليها تسمية الجهاز الرمزي، وهذه الأداة الجديدة التي يملكها الإنسان وحده تحول الحياة الإنسانية كلها.

لذا فإن الفكر الرمزي والسلوك الرمزي من أعظم الملامح المميزة للحياة الإنسانية، وكل التقدم الذي أحرزته الحضارة الإنسانية مبني عليهما، ومن ثم فإن الفكر الرمزي هو الذي يتغلب على القصور الذاتي الطبيعي لدى الإنسان، ويمنحه قدرة جديدة على أن يشكل العالم الإنساني من جديد وعلى الدوام.

ولمزيد من الضوء على خلفيات هذه النظرية، وعودًا إلى مرحلة ما قبلها، فقد كان كاسيرر كانتيا محسوبًا على ما يعرف بالكانتية الجديدة، استوقفته مبكرًا فلسفة كانت (1728- 1804م)، وتابعها دراسة ومطالعة في مرحلته الجامعية، مظهرًا تعلقًا بها، وتعمقًا فيها، وتواصلًا معها.

ماكس شيلر

وفي طور آخر لاحظ كاسيرر أن فلسفة كانت خصوصًا في كتابه الشهير «نقد العقل الخالص»، قد ركزت بصورة رئيسة على الجوانب العقلية، وأظهرت الإنسان كما لو أنه كائن عقلي صرف، مختلف معها في هذه الناحية، وملتفت إلى الأبعاد الأخرى التي تظهر متجلية في حياة الإنسان وسلوكه، معتبرًا أن الإنسان لا يعيش بعقله فحسب، ولا يتأثر بعقله فقط، وإنما هناك جوانب أخرى لا بد من الالتفات إليها، ولا قوام لحياة الإنسان من دونها، ويظل يتأثر بها دومًا، مثل: اللغة والفن والأسطورة والدين والتاريخ والعلم، التي تحاك منها -بحسب اصطلاحه- الشبكة الرمزية، ويعني بها النسيج المعقد للتجارب الإنسانية. تكمن أهمية هذه المحاولة الفلسفية لكاسيرر، كونها جاءت ومثلت امتدادًا لفلسفة عظيمة الشأن في ساحة الفكر الأوربي، هي فلسفة «كانت»، ولم تقف عند هذا الحد، بل أضافت إليها. ومن جهة أخرى أنها قدمت نظرية جديدة في تعريف الإنسان متفارقة عن بقية النظريات الأخرى القديمة والحديثة، ومن جهة ثالثة كونها محاولة لم تتسلط الأضواء عليها كثيرًا في الأدبيات العربية المعاصرة على الرغم من جديتها وعمقها.

ومن ناحية التقويم، يسجل لهذه المحاولة أنها تنبهت إلى الأبعاد المفقودة في النظريات الأخرى التي صورت الإنسان من زاوية أحادية؛ إما بوصفة كائنًا ناطقًا كما في فلسفة أرسطو، أو كائنًا عقليًّا كما في فلسفة كانت، أو كائنًا فطريًّا كما في فلسفة جان جاك رسو (1712- 1778م). واعتنت هذه المحاولة بالأبعاد الأخرى، مثل: اللغة والفن والأسطورة والدين والتاريخ والعلم، ونظرت إلى هذه الأبعاد بصورة مركبة وليس بصورة مفككة، وبوصفها تمثل شبكة رمزية لا يحسن استعمالها إلا الإنسان، وقدمت نسقًا تحليليًّا موسعًا ومستفيضًا عن هذه الأبعاد، أبان عنها كاسيرر وشرحها في كتابه «فلسفة الأشكال الرمزية» بأجزائه الثلاثة.

ملاحظات على نظرية كاسيرر

أمّا ما يسجل على هذه المحاولة، فإنها وقعت في الإشكال نفسه التي وقعت فيه من قبل محاولة أرسطو في الأزمنة القديمة حين نظرت إلى الإنسان من جهة التناظر مع الحيوان بوصفه الكائن المغاير له، بحثًا عن الحد الفاصل بينهما. فإن هذه الجهة ليست كافية وحدها في تكوين المعرفة بالإنسان حقيقته وماهيته، فهذه المعرفة إنما تتحقق من ثلاث جهات: من جهة الإنسان ذاته، ومن جهة التناظر مع غيره من الكائنات الحية، ومن جهة كونه كائنًا مخلوقًا، فالإنسان لم يظهر إلى الوجود بفعله الذاتي، وإنما جاء مخلوقًا، فلا تكتمل المعرفة به إلا بالعودة إلى خالقه، الله سبحانه.

من جانب آخر، فإن هذه المحاولة لا تخلو من تعقيد؛ بسبب تركيزها الشديد على فكرة الرمز والرموز والرمزية، فهذه التسمية ليست بذلك الوضوح، ولا تعطي وضوحًا كافيًا في تعريف الإنسان. فأول ما يتبادر إلى الذهن حين سماع أن الإنسان حيوان ذو رموز، هو التوقف والتعجب، ثم التساؤل: ما المقصود بهذه الرموز، وما علاقتها بتعريف الإنسان؟ ومع مجرد المطالبة بتوضيحها بهذا الشكل يجعل فيها نقصًا من جهة كونها لا تتصف بالسهولة والبساطة والمباشرة، ويظهر عليها الغموض والإبهام.

وتتأكد هذه الملاحظة، حين نرى أن كاسيرر قد توسع كثيرًا في استعمال كلمة الرمز وضمها إلى كلمات أخرى عديدة، مكونًا بها عبارات ثنائية التركيب تتصل بموضوعات عدة، وجميعها تقريبًا تحتاج إلى بيان وتوضيح. من هذه العبارات: العالم الرمزي، الماضي الرمزي، المستقبل الرمزي، الفكر الرمزي، الجهاز الرمزي، الأشكال الرمزية، الصور الرمزية، الشبكة الرمزية، المسافة الرمزية، وغيرها. كما لو أن الرمز بالنسبة إليه هو أعظم حقيقة يظهر متجليًا في عالم الإنسان، أو أنه النموذج التفسيري الصالح لكل التحليلات المتصلة بعالم الإنسان. ومن شدة هذا الاستعمال واتساعه وتفرده به، يمكن أن نصف كاسيرر بفيلسوف الرمزية؛ لكون أن هذه الكلمة من أكثر العلامات الدالة عليه سيميائيًّا.

يضاف إلى ذلك أن كاسيرر خصص فصلًا عن الدين في كتابه «مقال في الإنسان…» دمجه مع الأسطورة، موضحًا فيه مدى حضور الدين في حياة الإنسان، وعده من الجوانب الأساسية التي يستعين بها الإنسان في تكوين رموزه ومسالكه في الحياة إلى جانب اللغة والأسطورة والفن والتاريخ والعلم. لكن وجه الملاحظة هنا، أن كاسيرر حين جاء على ذكر الأديان الكبرى في العالم أشار فقط إلى اليهودية والمسيحية والبوذية والكونفوشية، ولم يأتِ على ذكر الإسلام الذي غاب كليًّا عن كتابه اسمًا ونصًّا وتاريخًا وثقافةً، ولم يعده من الأديان الكبرى في العالم. ولا ندري ما تفسير هذا الأمر، هل نعده جهلًا بالإسلام وحدثًا غير مقصود! أم نعده تجاهلًا مقصودًا لكون أن الخطاب كان متجهًا إلى المجال الغربي المسيحي!

وفي كلتا الحالتين تبقى الملاحظة قائمة، ومن الصعب التسليم الكامل بمسألة الجهل بالإسلام بالنسبة إلى شخص مثل كاسيرر المعروف بثقافته الواسعة، وهذا ما ميزه به زكي نجيب محمود حين أشار إلى كتابه «فلسفة الأشكال الرمزية» مادحًا سعة اطلاعه وغزارة علمه، مبينًا أنه إذا زعم لك زعمًا عن هذا الجانب أو ذاك من فطرة الإنسان الأصلية، ساح بك سياحة طويلة في كل ما قد شهده التاريخ من حضارات وثقافات، فكأنما الآداب كلها، والأساطير كلها، والديانات كلها، والعلوم كلها، والتاريخ كله، ملك يمينه ورهن إشارته. فأين هذا من التجاهل التام إلى الإسلام!

لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر

لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر

اشتُهرت عند الغربيين المنشغلين بحقل الدراسات الفكرية والفلسفية، مقولة: «لولا نيوتن لما كان كانط»، وقياسًا على هذه المقولة، مبنى ومعنى، يمكن توليد مقولة تطابقها في الصدق العلمي والموضوعي، وهي: «لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر». هذه المقولة لم تُعرف من قبل عند الغربيين بهذا النحت البياني واللساني، ولكن أظن أن لا أحد سوف يشكك في صحتها متى ما عرفت صورة العلاقة الفكرية بين الشخصين، وتحديدًا من جهة كارل بوبر.

وبهذا نكون أمام مقولتين يمكن المقاربة بينهما بطريقة المثاقفة التواصلية، ونرى بينهما من القرب الفكري وإمكانية التجاور بشكل يصبح بإمكان كل مقولة أن تذكر بالأخرى ارتدادًا وامتدادًا، ارتدادًا بالعودة إلى عصر المقولة الأولى في القرن الثامن عشر، وامتدادًا بالرجوع إلى عصر المقولة الثانية في القرن العشرين.

أثر نيوتن في كانط

من الواضح أن هاتين المقولتين جمعتا بين أربعة أسماء لهم إرثهم الكبير، وأثرهم البالغ في حركة تطور الفكرين العلمي والفلسفي. اثنان من هؤلاء يُحسبان تخصصًا على المجال العلمي الرياضي والفيزيائي، وهما: الإنجليزي إسحاق نيوتن (1642- 1727م)، والألماني الأصل ألبرت أينشتاين (1879- 1955م)، واثنان يحسبان تخصصًا على المجال الفكري الفلسفي والنقدي، وهما: الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804م)، والبريطاني الأصل كارل بوبر (1902- 1994م).

وبين هاتين المقولتين سياق من الاتصال الفكري والتاريخي الممتد من القرن الثامن عشر الذي ينتمي إليه نيوتن وكانط، وصولًا إلى القرن العشرين الذي ينتمي إليه أينشتاين وبوبر. ومتى ما اتضحت صورة المقولة الأولى، تكشفت تبعًا لها صورة المقولة الثانية، وتحددت من ثم وجه العلاقة بينهما. فقد أوضحت المقولة الأولى وجه العلاقة بين ما أحدثه نيوتن من تقدم في مجال العلم وما أحدثه كانط من تقدم في مجال الفكر، وأن التقدم العلمي الكبير الذي أحدثه نيوتن مثَّل من جهة مصدر إلهام شعوري لكانط، ومثَّل من جهة أخرى إطارًا علميًّا متينًا ارتكز عليه كانط في تبصراته الفكرية والفلسفية في تحليل نظرية المعرفة ونقد العقل.

الناحية الأولى ألهمت كانط شعوريًّا، حين رأى أن العلم وصل مع نيوتن إلى مراتب متقدمة لم يصل إليها الفكر في عصره، متسائلًا عن هذه القضية، ومندفعًا بهذا الشعور، متأملًا في أن يبلغ بالفكر ما بلغه العلم من التماسك والصرامة واليقين، متطلعًا إلى أن يكتشف قوانين العقل الكلية والثابتة كما اكتشف نيوتن قوانين الكون الكلية والثابتة، معادلًا بين قوانين العقل وقوانين الكون.

وفي الناحية الثانية، ارتكز كانط في تبصراته الفكرية والفلسفية على ما توصل إليه نيوتن من نظريات علمية أثارت الإعجاب والدهشة في عصره، ولفتت الانتباه إلى شخصه وتفوقه العلمي، وأصبحت لنظرياته موضع السيادة العلمية، وغيَّر بها وجهة العلم الحديث. وقد وجد كانط في هذه النظريات مرتكزًا علميًّا متينًا في تكوين تحليلاته عن المعرفة والعقل والزمان والمكان. وفي وقت لاحق عد هذا الربط العلمي والفكري بين الشخصين أحد أبرز جوانب النقد الموجه لكانط وفكره؛ لكونه تحدد بهذا الأفق العلمي لنيوتن، فإذا تغير هذا الأفق أو تعرض للنقد والاهتزاز انعكس ذلك في أفكار كانط ونظرياته.

أثر أينشتاين في بوبر

وبشأن المقولة الثانية التي جمعت بين أينشتاين وبوبر، فيمكن التثبت منها صدقًا من جهتين: الأولى لها علاقة بالعلم وتحولاته، والثانية لها علاقة بالفكر وتحولاته. الجهة الأولى تعلقت بالعلم، وتحددت تناظرًا بشخصين هما: نيوتن وأينشتاين، فقد التفت بوبر متبصرًا إلى أن نظرية نيوتن التي اكتسبت لقرون عدة صفة التعزيز العلمي مؤيدة بالشواهد والحقائق الكثيرة والمتراكمة، ونالت خاصية السيادة العلمية في مجالها، ثم جاء أينشتاين مطلع القرن العشرين وخطأ هذه النظرية، وأزاحها عن مكانها، وقدم نظرية جديدة متعارضة معها، أعلن عنها سنة 1905م مطلقًا عليها تسمية نظرية النسبية الخاصة، وتممها سنة 1915م بنظرية النسبية العامة، وأثبتت الشواهد والاختبارات الحديثة صحة هذه النظرية.

من هنا رأى بوبر أنه من المتعذر إثبات، بصفة نهائية، صدق أي نظرية علمية، أو إقامة العلم كله أو الرياضيات كلها على أسس مطلقة اليقين، متخليًا على ضوء هذه النتيجة عن نيوتن الذي انجذب إليه كانط من قبل، ومظهرًا التمسك بأينشتاين ونظرياته الذي قال عنه: إنه أصبح تأثيره فيه قويًّا جدًّا.

وفي الجهة الثانية المتعلقة بالفكر وتحولاته، فإن اقتراب بوبر من أينشتاين الذي استحوذت نظريته عليه، هو الذي قاده إلى تغيير مساره الفكري، وبتأثير هذه النظرية تشكل لديه في صيف 1919م شعور داخلي بعدم الارتياح إلى ثلاث نظريات كانط مثار اهتمامه آنذاك، وهي: نظرية ماركس (1818- 1883م) في التاريخ، ونظرية فرويد (1856- 1939م) في التحليل النفسي، ونظرية ألفرد أدلر (1870- 1937م) في علم النفس الفردي، وأخذ الشك يخامره حول ادعاءاتها لمنزلة العلمية، متسائلًا: ما خطب هذه النظريات؟ لماذا تبدو مختلفة جدًّا عن النظريات الفيزيائية، عن نظرية نيوتن، وبشكل خاص عن النظرية النسبية؟

وقد تملك بوبر شعورًا بأن هذه النظريات الثلاث وإن اتشحت بوشاح العلم، فإنها تشبه الأساطير البدائية أكثر مما تشبه العلم، وتشبه التنجيم أكثر مما تشبه علم الفلك، ناظرًا إلى أن أولئك المعجبين بماركس وفرويد وأدلر، من أصدقائه كانوا مأخذوين بعدد من الخصال المشتركة بين هذه النظريات، ولا سيما ما تتصف به من قوة تفسيرية ظاهرة، وأنها بدت قادرة على تفسير كل شيء يحدث ضمن نطاقها الخاص، وترى شواهد مؤيدة لها أينما نظرت، وبدا صدقها أمرًا ظاهرًا، وأي منكر لها بدا مكابرًا لا يريد أن يرى الحقيقة الواضحة، وأما بالنسبة إليه فإن ما يبدو مظهر قوة في هذه النظريات، هو بالضبط مكمن الضعف فيها.

في ضوء هذه المقارنة النقدية بين نظرية أينشتاين والنظريات الثلاث، التفت بوبر إلى معيار التمييز بين العلم واللاعلم، واضعًا نظرية أينشتاين في خانة العلم، وواضعًا النظريات الثلاث في خانة اللاعلم. وأضاف إلى منهجه مبدأ اللاعصمة، مبينًا أن جميع النظريات هي افتراضات حدسية وتخمينات مفتوحة دومًا للاختبار، وأفضل الحدوس هي التي صمدت في الاختبارات أكثر من غيرها، وعدها أن أصبحت أقرب إلى الصدق وليس الصدق نفسه. مرجحًا ضمن هذا السياق قاعدة التكذيب على قاعدة التحقيق، موضحًا أن من السهل الحصول على تأييدات أو تحقيقات لكل نظرية تقريبًا، وهذا ليس هو الطريق الأصوب لمعرفة صدق النظرية، بل المطلوب اختبار النظرية عبر فروض التكذيب، وإذا تجاوزت هذه الفروض وصمدت ثبت صدقها أو قربها من الصدق.

وبهذا يتكشف لنا أثر أينشتاين الواضح في بوبر ومنهجه ومساره الفكري، فقد حل بالنسبة إليه مكان نيوتن على صعيد نظريات العلم، ودفع به نحو التحرر من ثلاث نظريات كانت لها هيبتها وهيمنتها في عصره وبيئته وجيله، وهي: الماركسية في التاريخ والتحليل النفسي وعلم النفس الفردي، من هنا جاز القول: إن ما حدث لكانط مع نيوتن من قبل، يطابق أو يقارب ما حدث لبوبر مع أينشتاين.

الفلسفة والناس… هل حقًّا أن كل إنسان فيلسوف؟

الفلسفة والناس…

هل حقًّا أن كل إنسان فيلسوف؟

ترددت في الكتابات الفلسفية الغربية الحديثة، وتابعتها الكتابات العربية، تلك المقولة التي تربط جميع البشر بالفلسفة، وتصور أن كل إنسان هو فيلسوف إما من جهة الطبيعة أو من جهة الدرجة. ومن ثم فإن الفلسفة ليست وقفًا على الفلاسفة، وليس التفلسف حقًّا خاصًّا بهؤلاء الفلاسفة، وإنما هو حق عام للناس كافة، لا يتقيد بفئة، ولا ينحصر بزمن، ولا يتحدد بمكان، ولا يمثل امتيازًا لعرق أو قوم أو سلالة من البشر.

هذه المقولة المقصودة جرت الإشارة إليها، والتعبير عنها، والتأكيد عليها، بصور متعددة من ناحية البيان، جاءت من مفكرين وأدباء ونقاد، مستندين في تحليلاتهم إلى خاصية الفكر والتفكير عند الإنسان، ونظرته إلى ذاته والحياة والعالم.

جذور المقولة

وبيانًا لهذه المقولة وتثبيتًا لها، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أقوال مختارة، انتسبت إلى أشخاص لهم وزنهم الفكري والفلسفي، وهي: القول الأول: أشار إليه الناقد الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891- 1937م)، الذي رأى أن «كل البشر فلاسفة… ولا نستطيع أن نتصور إنسانًا لا يكون فيلسوفًا ولا يفكر؛ لأن التفكير هو بالضبط خاصة الإنسان من حيث هو الإنسان».

القول الثاني: أشار إليه المفكر الألماني كارل ياسبرز (1883 – 1969م) في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة»؛ إذ رأى أن كل إنسان فيلسوف، لأن الفلسفة تتناول المطلق الذي يتشخص في الحياة الواقعية، ولكن ليس من اليسير على الإطلاق أن نضع قبضتنا على هذا المعنى بمتابعة التأمل.

القول الثالث: ذكره الكاتب الأميركي فروست في مقدمة كتابه: «التعاليم الأساسية للفلاسفة العظماء»؛ إذ رأى أن كل إنسان فلاحًا كان أم من رجال المال، كاتبًا أم قائدًا، حاكمًا أم محكومًا، هو فيلسوف بمعنى الكلمة؛ لكون الإنسان بما هو إنسان قد وهب دماغًا راقيًا، وجهازًا عصبيًّا، فلا بد له من التفكير، والتفكير مطية الفلسفة.

إلى جانب هذه الأقوال الثلاثة، أشار إلى هذه المقولة أيضًا الكاتب الأميركي رابوبرت في كتابه: «مبادئ الفلسفة»، وكذا الكاتب الأميركي ويل ديورانت في كتابه: «صروح الفلسفة» المترجم إلى العربية بعنوان: «مباهج الفلسفة». وفي الكتابات العربية أشار إليها الكاتب المصري أحمد فؤاد الأهواني في كتابه: «معاني الفلسفة»، إلى جانب آخرين.

فحص المقولة

أمام هذه المقولة فحصًا وتبصرًا، يمكن تسجيل بعض المفارقات المتعاكسة، وهي:

المفارقة الأولى: كان يفترض من هذه المقولة التي ربطت جميع البشر بالفلسفة، وصورت كل إنسان بوصفه فيلسوفًا، أن يكون من أقرب نتائجها وأوضحها ظهورًا، ما يتعلق بهيئة الفلاسفة عددًا ووجودًا؛ لأننا أمام مقدمة ونتيجة، فهل بينهما تطابق وتوافق أم تغاير وتخالف؟ وهل إذا صحّت المقدمةُ في هذه الحالة صحّت معها النتيجةُ، استنادًا إلى القواعد المنطقية؟

المقدمة تقول: إن كل إنسان هو فيلسوف سواء من ناحية الطبيعة أو من ناحية الدرجة أو في بعض لحظات حياته، وبناءً على صحة هذه المقدمة، لا بد أن يكون عدد الفلاسفة من ناحية العدد كبيرًا في جميع الأزمنة، وجميع الأمكنة، وجميع المجتمعات! وذلك بحكم الطبيعة القوية والاستعداد الذاتي الذي يربط الإنسان بالفلسفة.

لكن الذي نراه فعليًّا خلاف ذلك تمامًا، فعدد الفلاسفة ليس قليلًا فحسب وإنما ضئيل جدًّا، ويكاد يكون بحكم النادر، نلمس ذلك في جميع الأزمنة، وجميع الأمكنة، وجميع المجتمعات. الظاهرة التي ترتقي إلى درجة الحقيقة بلا خلاف عليها ولا نزاع، لشدة ظهورها ليس عند الفلاسفة خاصة، وإنما عند الناس عامة.

المفارقة الثانية: بحسب المقولة المذكورة، لا بد أن يترتب عليها نوع من القرب بين الناس والفلسفة، يصل إلى درجة الألفة والتساكن والتعايش. فما دامت الفلسفة بهذا الالتصاق بالناس، وتعدهم فلاسفة إما من ناحية الطبيعة أو من ناحية الدرجة، وتصور أن كل إنسان فيلسوف بدرجة أو أخرى، الأمر الذي يقتضي قربًا من الناس تجاه الفلسفة، لأن القرب يولد قربًا غالبًا، أو لا أقل يولد استعدادًا قويًّا للقرب. ومن ثم فإن قرب الفلسفة من الناس، يفترض أن يولد قربًا أو استعدادًا للقرب من الناس تجاه الفلسفة.

لكن الذي نراه فعليًّا غير ذلك تمامًا، فلا نلمس قربًا من الناس تجاه الفلسفة، بل نجد ابتعادًا يصل إلى درجة التنافر والنفور، وما زال الناس عمومًا يحملون صورة سلبية أو غير واضحة عن الفلسفة، وهذا ما يعرفه الناس عن أنفسهم، وما يعرفه كذلك أهل الفلسفة عن الناس.

ومثل هذا الانطباع السلبي تجاه الفلسفة، عبر عنه بوضوح كبير سنة 1948م، الكاتب المصري الدكتور أحمد فؤاد الأهواني (1908 – 1970م) في مقدمة كتابه: «معاني الفلسفة»، وأوضحه قائلًا: «كان التفلسف سمة الخارجين عن جادّة الطريق، حتى إذا شذ أحد عن الأفكار الدارجة، أو طلع برأي جديد قيل له: لا تتفلسف، كأن الفلسفة رذيلة من الرذائل، يتهم بها صاحب التفكير المعوج المنحرف، فرهبها الناس، وانصرفوا عنها، وظلت حبيسة الكتب، بعيدة من الأذهان، غريبة عن القلوب».

المفارقة الثالثة: استنادًا إلى المقولة السالفة، لا بد أن تكون الفلسفة واضحة ومفهومة عند الناس أو عند شريحة كبيرة من الناس، ما دامت تصور أن كل الناس فلاسفة، ولا يوجد إنسان يخلو بصورة من الصور من فعل التفلسف. الأمر الذي يعني أن الفلسفة ليست شيئًا غريبًا عن الناس أو منقطعة عنهم أو تنتمي إلى عالم غير عالمهم القريب لهم، وإنما هي متصاحبة معهم، تظهر لهم بلا توقف في حسهم التفكيري، ولا تغيب عن فعلهم التفلسفي الذي لا يفارق الفكر عند كل إنسان.

والسؤال: هل أصبحت الفلسفة بتأثير هذه المقولة، وبعد هذه السنوات الممتدة والطويلة واضحة عند الناس أو مفهومة عند شريحة كبيرة منهم؟ أم إن واقع الحال يخبرنا بغير ذلك وعلى خلافه تمامًا؟ وما نعرفه أن الفلسفة ما زالت في الانطباع العام عند مَنْ يتردد على ألسنتهم بنوع من البساطة والعفوية، أن الفلسفة أشبه بعالم يكتنفه الغموض والإبهام والتعقيد والتعصيب، وبحسب تصوير كارل ياسبرز في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة» أن الفلسفة «بلغت من الصعوبة حدًّا يجعل دراستها تبدو مهمة ميؤوسًا منها».

كشفت هذه المفارقات الثلاث عن أن هذه المقولة المذكورة، بحاجة إلى فحص وتدقيق بقصد التثبت منها، خصوصًا بعدما تكررت في الأدب الفلسفي الحديث، بشكل جاز لنا أن نعطيها صفة المقولة، ونتعامل معها بهذا الاعتبار.

وفي تقويم هذه المقولة، يمكن القول: إنها أقرب إلى أن تكون مقولة بيانية أكثر من كونها مقولة برهانية، بمعنى أنها مقولة من صنع اللغة والبيان اللغوي، ولا تستند إلى حقائق فعلية وخارجية تصلح أن تكون براهين عليها. ومن دون هذه البراهين الفعلية تخرج هذه المقولة من نطاق المقولات البرهانية، وتحسب على نطاق المقولات البيانية، والفلسفة قائمة على البرهان وليست على البيان، وأنها نجحت في ناحية البرهان، وفشلت في ناحية البيان، مع ما أصابها من تعقيد وتصعيب على مستوى اللغة والبيان.

النقد الثقافي: تفارق الرؤية بين الغذامي والموسوي

النقد الثقافي: تفارق الرؤية بين الغذامي والموسوي

تبلورت تجاه قضية النقد الثقافي في المشهد النقدي العربي المعاصر محاولتان متفارقتان في ناحية الرؤية ومنقطعتان في ناحية التفاعلية. المحاولة الأولى جاءت من الناقد السعودي الدكتور عبدالله الغذامي متمثلة في كتاب «النقد الثقافي.. قراءة في الأنساق العربية»، الصادر سنة 2000م، والمحاولة الثانية جاءت من الناقد العراقي الدكتور محسن جاسم الموسوي، متمثلة في كتاب «النظرية والنقد الثقافي.. الكتابة العربية في عالم متغير» الصادر سنة 2005م.

وهذا يعني، استنادًا إلى هاتين المحاولتين، أن الاهتمام بقضية النقد الثقافي عربيًّا قد تأخر على مستوى التأليف إلى ما بعد نهاية القرن العشرين. ولعل قبل ذلك كانت هناك بعض الإشارات العابرة. ودل على ذلك بوضوح كبير أن مفهوم النقد الثقافي لم يدرج في كتاب «دليل الناقد الأدبي» إلا في الطبعة الثالثة الصادرة سنة 2002م، وجاء فيه عند الإشارة إلى النقد الثقافي في العالم العربي، اعتبار أن كتاب الغذامي «النقد الثقافي» يمثل المحاولة الوحيدة المعروفة حتى ذلك الوقت في تبني النقد الثقافي بمفهومه الغربي.

بين النقد الأدبي والنقد الثقافي

تفارقت الرؤية بين الغذامي والموسوي، في أن الغذامي أقام رؤيته على أساس القطع بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، داعيًا إلى التحول النظري والإجرائي من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي، معلنًا صراحة عن موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه، معتبرًا أن النقد الأدبي، بمدارسه القديمة والحديثة، قد بلغ حد النضج أو سن اليأس ولم يعد قادرًا على تحقيق متطلبات المتغير المعرفي والثقافي الضخم الذي نشهده عالميًّا وعربيًّا، وقد أوقعنا في حالة من العمى الثقافي التام، مستوثقًا بمقولة الشيخ أمين الخولي (1895–1966م) عن البلاغة العربية بأنها نضجت حتى احترقت، مقدرًا أن هذا الرأي فيه صدق وبصيرة.

بخلاف هذه الرؤية تمسك الموسوي بوصل العلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، مستبعدًا القطع بينهما، معتبرًا أن النقد الثقافي لا يمكن أن يتخلى عن النقد الأدبي لا بصفة الملازمة وإنما بصفة التمهر في قراءة النصوص، مقدرًا أن فائدة نظرية الأدب بالنسبة إلى النقد الثقافي لا تتوقف عند حد معين، وأخص فائدة لها تكمن في القدرة على تملِّي النص بأدوات متقصية، منتهيًا إلى أن النقد الثقافي لا يستقيم مفهومًا بدون فهم لمعنى النظرية.

هذا التمسك من الموسوي بوصل العلاقة بين النقدين الأدبي والثقافي، جاء مستندًا إلى ما تقرر عند النقاد الثقافيين الذين ينظرون إلى النقد الثقافي لا بصفته فرعًا من فروع المعرفة، وإنما بصفته فعالية تستعين بالنظريات والمفاهيم والنظم المعرفية لبلوغ ما تأنف المناهج الأدبية من الخوض فيه.

وبحسب هذا الرأي فإن النقد الثقافي ما زال في وضعية لم يستقل بذاته متفردًا بنوع معرفي يتمايز به بين فروع المعرفة من النواحي المنهجية والإجرائية والنظرية، ومن ثم فهو بحاجة إلى فروع المعرفة الأخرى، ومنها النقد الأدبي الذي تربطه به وشائج وطيدة.

وتفارق الغذامي عن الموسوي في ناحية التفريق بين ثلاثة مصطلحات هي: (نقد الثقافة والنقد الثقافي والدراسات الثقافية). فالغذامي يرى أن من الضروري التمييز بين هذه المصطلحات الثلاثة التي التبست، في نظره، على كثير من الناس فخلطوا بينها، واضعًا حدودًا تفصل بينها، معتبرًا أن «نقد الثقافة» يصدق على تلك المشروعات البحثية التي عرضت لقضايا الفكر والمجتمع والسياسة في ثقافتنا العربية، ويصدق مفهوم «الدراسات الثقافية» على عمليات إنتاج الثقافة وتوزيعها واستهلاكها، أما ما هو بصدده فيتحدد بتخصيص مصطلح «النقد الثقافي» ليكون مصطلحًا قائمًا على منهجية أدواتية وإجرائية تخصه.

هذا التفريق بهذه الحدود الفاصلة بين المصطلحات الثلاثة المذكورة لا نراه عند الموسوي، فمن جهة يرى الموسوي أن النقد الثقافي ظهر بعد الاهتمام بالدراسات الثقافية، واعتبر من جهة أخرى أن في تراث القدامى وفي كتابات بعض المعاصرين ما يمكن أن يندرج ضمن نقد ثقافي، متحدثًا عن هذا الأمر بطريقة تساؤلية قائلًا: ما المانع من العودة إلى تراث القدامى وقراءة متونه على أنها نقد ثقافي؟ وما الضير في قراءة رد محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس على كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لطه حسين على أنه نقد ثقافي؟ ولماذا لا تبدو كتابة طه حسين كذلك؟ مقدرًا أن النقد الثقافي يمثل وعيًا واسعًا يتجاوز الحدود التي تعارف عليها نقاد الأدب سابقًا.

ويتفارق الغذامي عن الموسوي كذلك في ناحية النظر إلى النقد الأدبي والنظرية النقدية سعة وضيقًا. فالغذامي ناظرًا إلى المجال العربي فإنه يرى أن النقد الأدبي أصبح محدودًا وضيقًا، يتعامل مع المجاز والخيال وليس مع الحقيقة والواقع، وليس له دخل في أي حقيقة أخرى دينية أو سياسية أو تاريخية، ولم يعد قادرًا على تحقيق متطلبات المتغير المعرفي والثقافي الضخم عالميًّا وعربيًّا.

في المقابل فإن الموسوي ناظرًا إلى المجال العالمي ومستندًا إلى الأدب الغربي نراه يصور النظرية الأدبية بالاتساع الذي لا حد له وكأنها من شدة سعتها تتميز بعدم الانتظام، معتبرًا أن النظرية سلكت مجموعة من المسارات والسياقات دون التوقف عندها، عائدًا إلى رأي للناقد الأميركي فنسنت ليتش، مؤرخ بسنة 2003م، يرى فيه أن النظرية في سياقها المعاصر تحيل إلى كيان من النصوص قديمة وحديثة معنية بالشعرية ونماذجه الثقافية، مضيفًا إليها السيميائيات ووسائل الاتصال والخطاب والشفرات الخاصة بالعنصر والطبقة والجنوسة وبالثقافة المرئية والشعبية، كما أنها تعني ضربًا من التساؤل المعني بالحكم والريبة والمنطق متأثرة بالتحليل النفسي وما بعد البنيوية والدراسات الثقافية. وبناء على ذلك صور الموسوي مستحسنًا أن النقد الثقافي يؤول إلى فعالية نشيطة.

أثر المحاولتين

أما الانقطاع من الناحية التفاعلية بين هاتين المحاولتين، فقد كشف عنه الموسوي الذي جاءت محاولته متأخرة بما يقارب خمس سنوات على تاريخ محاولة الغذامي، مع ذلك قدم كتابه مصورًا أن لا وجود لكتاب باللغة العربية يعنى بهذا الشأن، مبرزًا هذه الملحوظة، ومفتتحًا بها السطر الأول من توطئة كتابه قائلًا: «لم يظهر من قبل كتاب باللغة العربية يعنى تفصيلًا بالمكونات النظرية ولا بالنقد الثقافي».

وتأكيدًا لرأيه وجزمًا به يرى الموسوي أن القارئ العربي لم يزل، وكذلك المؤسسات الأكاديمية، بعيدين كثيرًا مما يجري اليوم من نقاش مطول حول النظرية الثقافية والأدبية بين صفوف المثقفين والأكاديميين وفي داخل مجموعة المنظرين، وتحديدًا منذ التغيرات المنهجية والفلسفية. وطالب في نهاية الكتاب بأهمية تفعيل الوعي على أصعدة الأفراد والجماعات لإدراك أن قضية النقد الثقافي عربيًّا هي مهمة كبيرة وشائكة، وليست ثانوية شأن الاختصاصات والممارسات الاعتيادية التي درج عليها الدرس الأكاديمي والصحافة الأدبية.

الأمر الذي يعني أن الموسوي لم يكن على دراية بمحاولة الغذامي، مع أنها عدت من أبرز المحاولات العربية التي أثارت جدلًا، وحركت نقاشًا في النطاق العربي ممتدًّا، مشرقًا ومغربًا. ويبدو أن متابعة الموسوي لهذه القضية في المجال الغربي كانت أوسع من متابعته لها في المجال العربي، وظهر ذلك متجليًا في كتابه الذي حضرت فيه بشكل واضح أسماء الغربيين أدباء ونقاد ومفكرين، وتكثفت نصوصهم، والإشارة إلى تأليفاتهم؛ لكونهم المؤسسين لهذه القضية مبنى ومعنى، بنية وتكوينًا في هذه الأزمنة المعاصرة.

بهذا الغياب انقطعت إمكانية التفاعل النقدي التزامني بين أهم محاولتين ظهرتا في وقتهما خلال مطلع العقد الأول من القرن العشرين. وتميزت هاتان المحاولتان في أنهما جمعتا بين الخبرة النقدية من جهة وبين الدراية الأكاديمية من جهة أخرى، وقاربت كلتاهما بين المجالين الغربي والعربي لتقريب قضية النقد الثقافي ونقلها من المجال الغربي الذي تنتسب إليه إلى المجال العربي الذي ينتسب إليه الناقدان.

أمام هاتين المحاولتين، تفريقًا وتمييزًا، يمكن القول: إن الغذامي أراد تقديم أطروحة تمثلت في الإعلان عن موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه، بينما أراد الموسوي تقديم معرفة عن النقد الثقافي مطالبًا الوعي بهذه القضية عربيًّا، ظنًّا منه أن القارئ العربي ما زال آنذاك بعيدًا مما يدور حول هذه القضية من نقاش في ساحة الغربيين: مثقفين وأكاديميين ومنظرين. لذا جاز القول: إن الوعي بفكرة الأطروحة وتقديم أطروحة هو أوضح عند الغذامي مقارنة بالموسوي.

من جانب آخر، تميزت محاولة الغذامي في أنها أثارت جدلًا وحركت نقاشًا، وعرفت على نطاق عربي واسع ممتدًّا مشرقًا ومغربًا مسجلة امتيازًا من هذه الناحية، بينما محاولة الموسوي جاءت هادئة، وغلب عليها الطابع البحثي والأكاديمي، ولم تتسم لا بالإثارة ولا بالدهشة، ولم تعرف على نطاق عربي واسع مسجلة ضعفًا من هذه الناحية.

لكن ما أثار الاستغراب في محاولة الغذامي، أنه أعطى نفسه الحق في الإعلان عن موت النقد الأدبي، وكأن لا حياة للنقد الثقافي ولا قيام له إلا بهذا الموت، بالشكل الذي أثار عليه حفيظة النقاد والأدباء في مشرق العالم العربي ومغربه، مختلفين معه ومعترضين. وكان بإمكانه الدفاع عن النقد الثقافي، والنهوض به، والانتصار له، بعيدًا من هذه الدعوة المثيرة للجدل.

وبدلًا من هذه الدعوة التي فيها ما فيها، وعليها ما عليها، كان من الأسلم للغذامي إعادة ترتيب العلاقة بين النقدين الأدبي والثقافي، بإعطاء الأفضلية في هذه الأزمنة المعاصرة إلى النقد الثقافي، وترتيب العلاقة بينهما بطريقة يتقدم فيها النقد الثقافي على النقد الأدبي، استنادًا إلى خلفية ترى أن النقد الأدبي أصبح نقدًا مستهلكًا ولم يعد بتلك الفاعلية المفترضة. ومن ثم فإن من الضروري الالتفات إلى النقد الثقافي بوصفه نقدًا ناهضًا ومتجددًا ومتسمًا بالفاعلية المؤثرة؛ لذا فإن الحاجة إليه تتقدم على النقد الأدبي بعيدًا من الدعوة إلى موته.