الموريسكيون… استعادة الذاكرة التاريخية

الموريسكيون… استعادة الذاكرة التاريخية

الاعتراف بحق الموريسكيين

مبادرة رمزية من أجل التوافق

أنطونيو‭ ‬مانويل‭ ‬رودريغث‭ ‬راموس‭*‬   ترجمة: آنا مارية سانشيز باحثة إسبانية

كتب بلاس إنفانتي: «أكثر من مليون من إخواننا، من الأندلسيين المطرودين ظلمًا من أرضهم منتشرون من طنجة إلى دمشق! أنا عشت معهم، وعانيت معهم، تطلعت معهم لأمل خلاصنا المشترك؛ لأن هذا الخلاص سيكون مشتركًا، أو لن يكون أبدًا».

مما لا شك فيه أن منح الجنسية الإسبانية للموريسكيين الأندلسيين ليس إلا آلية للحصول على الخلاص الذي تحدّث عنه بلاس إنفانتي. ومع ذلك فإن إنكار هذا الحق، عندما يتم الاعتراف به في حالات مشابهة، كما حدث مع اليهود السفارديم، يعد موضع تساؤل؛ لأنه يُعَدّ تمييزًا واضحًا، ودليلًا آخر على نفور الوطنية الكاثوليكية الإسبانية من البصمة الأندلسية، وبخاصة الإسلامية. وهي الإهانة نفسها التي تقع على الهوية الأندلسية القائمة عبر آلاف السنين على نموذج التنوع. ومن ثم فالقرن الحادي والعشرون يجب أن يكون قرن المطالبة بـ«الأرض والذاكرة… ثقافات متعددة وإنسانية واحدة».

ضرورة عاجلة

وبالتالي فقد بات ضروريًّا وعاجلًا الاعتراف بسلالة الموريسكيين الأندلسيين الذين يعيشون على ثلاث ضفاف، إحداها هنا في إسبانيا، والثانية على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، والثالثة في أميركا اللاتينية، وهم جميعًا منا ونحن منهم. هذه الضرورة ليست إحياء للصراعات القديمة ولا حنينًا إلى الماضي، ولا للمطالبة لبعضٍ بالعفو عن بعضٍ. لكنها على النقيض، كما يقول تودوروف: «فإن إعادة البناء المثالي للذاكرة تسمح باستخدام الماضي بنظرة على الحاضر، وأخذ العبر من الظلم الذي عانوه، مكافحة للمظالم التي تحدث في وقتنا الحالي، وتنحية للذات والذهاب باتجاه الآخر». وبناء على هذا الاعتراف يجب، على الأقل، إدماج مصطلح «الموريسكيين الأندلسيين» في المادة 22 من القانون المدني، إلى جانب السفارديم والمواطنين الذين ينتمون إلى ولايات مرتبطة تاريخيًّا وثقافيًّا بإسبانيا».

سيكون الأمر مثل النظر في المرآة ورؤية الهوية الكاملة للذاكرة الجماعية الإسبانية، وخصوصًا في إقليم الأندلس. ولذلك فإن إفادة شفشاون التي قدمتها في اللقاء الدولي الثاني للتربية والثقافة عام 2006م، حول تحالف الحضارات، ما زالت صالحة فيما يخص حق الأفضلية في الحصول على الجنسية الإسبانية، وذلك لمن يثبت أنه من سلالة الموريسكيين الأندلسيين، وقد قُبِلَتْ كاقتراح وليس كقانون من جانب برلمان إقليم الأندلس. وذلك على غرار مطالبتنا سنة 2010م بجائزة «أمير أستورياس للوفاق» لسلالة الموريسكيين، وذلك حفاظًا على ذكرى وروح الأندلسيين. لقد كررنا الطلبين في مناسبات متعددة، وبخاصة في اللقاءات التي عُقدت في طنجة والرباط في السنوات الأخيرة.

معاملة مماثلة

في سنة 2020م أرسلت مؤسسة «ذاكرة الموريسكيين»، وكان مقرها في الرباط، رسالة إلى رئيس الحكومة الإسبانية تطالبه فيها بمعاملة مماثلة لتلك التي اعتُرِفَ فيها بالسفارديم، أو على الأقل «برسالة الطبيعة» في المادة 22 من القانون المدني، الخاصة بالحصول على الإقامة. الأمر لا يزيد على مجرد بيان رمزي يتعلق بعدد المستفيدين وما سيترتب لهم من امتيازات. وهذا في رأيي هو المفتاح. فقد قال لي صديق أندلسي: إنه انتظر مدة طويلة، وإنه لا يهمه أن ينتظر أكثر، طالما أنه سيُمنح هذا الحق من القلب؛ لذا من المهم تذكّر القيمة الرمزية لهذه المادة، فكما قلنا في بيان شفشاون، ذلك تطبيق ضروري للعدالة والذاكرة، وهذا ما عبّر عنه خوسيه أنطونيو بيرث تابياس في عرضه للاقتراح في الكونغرس عام 2009م، حول «تفعيل الذاكرة وتطبيق المسؤولية مع السلالة والورثة الثقافيين لهذه المأساة، التي تمثلت في الطرد الوحشي للموريسكيين من إسبانيا، ومن ثَمّ استعادة الذاكرة التاريخية لشعب خضع للحرمان من التعايش، واستخلاص نتائج خاصة بالمستقبل، وتعزيزًا للوعي الوطني من عواقب التعصب وعدم التسامح والعنصرية الاجتماعية والثقافية، ومنعًا لانتشار التحيزات الخطيرة الجاثمة في الخيال الاجتماعي».

إن مجرد إضافة مصطلح «الموريسكيين الأندلسيين» إلى القانون المدني يعد ثورة أو بادرة لتعزيز العدالة التاريخية مع سلالة أجدادنا المنفيين، ومع ذاكرتنا الجماعية الخاصة.

* ناشط سياسي من أصول موريسكية، وأستاذ القانون المدني في جامعة قرطبة.


كيف ينظر الإسبان إلى الموريسكيين اليوم؟

صبيح صادق باحث عراقي جامعة أوتونوما – مدريد

في يوم الثلاثاء، الثاني من شهر يناير، 2024م، أحيت مدينة غرناطة -ضمن احتفالات ضخمة بإشراف بلدية المدينة، كما هي الحال في كل عام- ذكرى إسقاط آخر مملكة عربية في إسبانيا، عام 1492م، وبسقوطها أسدل الستار على الحكم العربي في شبه الجزيرة الأيبيرية، لكن الوجود العربي وتأثيره ظل مستمرًّا.

لقد استطاع الموريسكيون الإبقاء على دينهم ولغتهم وعاداتهم وممتلكاتهم وأعمالهم في الحقبة الأولى بعد سقوط غرناطة. لكن ذلك لم يستمر طويلًا، فسرعان ما بدأ التضييق عليهم وبدأت حملة لإجبارهم على ترك الإسلام وعدم استعمال اللغة العربية ومُنعوا من تداول الكتب العربية، وأُحرِقَت كثير من الكتب العربية والمكتبات، فاضطر بعضهم إلى مغادرة البلاد والاتجاه نحو الدول الأخرى وبخاصة شمال إفريقيا، بينما فضل آخرون البقاء في أرض آبائهم وأجدادهم، والقيام باحتجاجات وثورات ضد السلطة. وبعد صدامات عديدة، قرر الملك الإسباني فيليب الثالث طرد الموريسكيين عام 1609م من إسبانيا، وبدأت حملة مداهمات وملاحقات واضطر عندها الموريسكيون إلى الهروب بينما قرر آخرون التحول من الدين الإسلامي إلى الدين المسيحي، وبمرور الزمن ذاب الموريسكيون في المجتمع الإسباني، ولكن بعضهم استطاع الحفاظ على بعض آثار عائلته، اعتزازًا بكونه عربي الأصل، أما الذين غادروا إسبانيا فلم يكن حظهم أفضل من أولئك الذين لم يغادروها، فقد لاقوا مصاعب كثيرة، لكن كثيرًا منهم استطاع الاحتفاظ بالهوية الموريسكية التي عاشها أجداده.

وعلى الرغم من طردهم من الأراضي الإسبانية، فإن التأثير العربي استمر في إسبانيا ولا يزال، وما وجود مثل هذا الاحتفال المناوئ لمملكة غرناطة الذي يحتفي بسقوط مملكة غرناطة، إلا دليل على أن التاريخ العربي لا يزال ماثلًا أمام الإسبان.

في إسبانيا تثار بين حين وآخر مسألة منح المجموعات التي طردتها إسبانيا، مثل العرب واليهود، الجنسية الإسبانية، وقد تحقق منح أحفاد اليهود، الذين طردوا، الجنسية الإسبانية المزدوجة، بقرار صدر عن الحكومة الإسبانية عام 2015م، ولم يصدر قرار مماثل فيما يخص العرب المطرودين من إسبانيا، الذين أطلِق عليهم اسم «الموريسكيين». ولا يزال كثير من الشخصيات والتجمعات تطالب بمنح الموريسكيين المتفرقين اليوم في دول عديدة من العالم، وبخاصة في شمال إفريقيا، الجنسية الإسبانية، أسوة بقرار الحكومة الإسبانية الذي منح أحفاد اليهود المطرودين الجنسية الإسبانية مع الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية، لكن فكرة منح الموريسكيين الجنسية الإسبانية لا تزال تلقى كثيرًا من الصعوبات والعراقيل.

احتفال رسمي وشعبي بذكرى إسقاط مملكة غرناطة

كما هي الحال في كل عام جرت العادة أن تبدأ الاحتفالات في بلدية المدينة بين العاشرة والحادية عشرة صباحًا. يتوجه ممثلون عن البلدية إلى الكنيسة الملكية، وهم يحملون العلم الرسمي مع استعراض عسكري رسمي، يقطع شارع الملكة إيزابيل الكاثوليكية ثم شارع غران بيا، متجهًا نحو الكنيسة حيث يرقد جثمانا إيزابيل وزوجها فرناندو، مع حضور كبار شخصيات المدينة. ومن ثم يُعقد قداس تحت رعاية رئيس الأساقفة، ثم يوضع إكليل غار وباقة من الزهور على قبر إيزابيل وفرناندو، تخليدًا لهذه الذكرى، وهي سقوط مدينة غرناطة.

من جهة أخرى، هناك كثيرون يعارضون عدّ هذا اليوم يومًا لغرناطة، ولا يحبذون الاحتفال به، كالجاليات الإسلامية التي تعدّه يومًا لبداية انهيار الوجود الإسلامي في إسبانيا، ثم طردهم نهائيًّا منها عام 1609م. ويعارض الاحتفال بهذا اليوم أيضًا ناشطون في حقوق الإنسان، مثل جمعية غرناطة العلمانية، وجمعية «أوقفوا العنصرية». وفي عام 1995م تقدم عدد من المفكرين والفنانين ببيان أعلنوا فيه معارضتهم الصريحة لهذه الاحتفالات، ومنهم خوان غويتيسولو، وأنتونيو غالا، وروجيه غارودي، وأمين معلوف، ولويس غارثيا مونتيرو وغيرهم.

التصادم بين الرأيين

وفي احتفال هذا العام، 2024م، تجمهر الأهالي أمام بلدية المدينة لحضور الحفل بذكرى سقوط غرناطة، وفي الوقت نفسه كانت هناك مجموعة المعارضين للاحتفال بذكرى سقوط مملكة غرناطة العربية، وهي مجموعة «منصة غرناطة المفتوحة»، رافعة شعار «من أجل التعايش، لا للاحتفال بسقوط غرناطة».

وفي حفل هذا العام، قالت رئيسة بلدية غرناطة ماريفران كاراثو، وهي من الحزب الشعبي الحاكم في المدينة: «هذا يوم عيد، إنه المؤشر لتاريخ الغرناطيين. غرناطة يجب أن تزدهر وأن تنظر إلى المستقبل، ولكن لا يمكنها أن تترك الإشارة إلى تاريخها وإلى تقاليدها»(١).

وفي المقابل، هناك تجمعات تعارض الاحتفال بسقوط غرناطة وتعدّه إهانة للغرناطيين. في هذا السياق نذكر ما قالته الناطقة باسم تجمع «الأندلس إلى الأمام» تيريسا رودريغيث: «يحتفل اليوم المتطرفون باستعادة غرناطة. إن اليمين المتطرف يؤسس اتجاهًا ضد الإسلام وضد الأندلس… إنهم من الجهلة العنيدين من العنصر الأبيض والمسيحي الذي لا يوجد إلا في أحلامهم الغارقة في الفاشية».

وعلقت على دعوة حزب «بوكس» اليميني بعدم منح الجنسية الإسبانية للمسلمين: «إن عدم منح الجنسية الإسبانية بسبب أي مظهر من مظاهر الثقافة الإسلامية يعني إلغاء منارة الخيرالدا (في إشبيلية)، وقصر الحمراء (في غرناطة)، والمسجد (في قرطبة)، وكذلك الفلامنكو، وحلاوة بيستينيو، والتوابل والزيتون من الثقافة الإسبانية»(٢). في إشارة واضحة إلى أن كل هذه الأسماء التي ذكرتها هي من نتاجات الثقافة الإسلامية في الأندلس، وتشكل اليوم جزءًا من حضارة إسبانيا وتاريخها.

آراء تؤيد طرد الموريسكيين

بعد سقوط غرناطة عام 1492م، شاعت روح الفخر عند كثير من الإسبان بأنهم استطاعوا أخيرًا، بعد ثمانية قرون، إسقاط الحكم العربي وتوحيد إسبانيا. وقد عكست أغلبية آراء المؤرخين والكتّاب تلك الروح المعادية للعرب وضرورة الخلاص منهم، لكن هذه الروح بدأت تخفت، وأخذ بعضهم يعترف بالمظاهر الحضارية للأندلسيين، لكن الاتجاه العام كان يميل إلى ضرورة طردهم من إسبانيا. وفي القرن التاسع عشر بدأت بوادر لتيار يدعو إلى إنصاف العرب ويدعو للنظر في تاريخهم، نظرة بعيدة من التطرف العنصري أو الديني. وبمرور الزمن ازداد هذا التيار قوة عندما أخذ الكتاب والباحثون بالكتابة حول الحضارة الأندلسية يصفونها بأنها متميزة ولها تأثير حضاري ليس فقط على إسبانيا وإنما على أوربا أيضًا.

ومن بين شخصيات هذا التيار الذي أيد طرد الموريسكيين، تظهر أسماء لها شأن كبير في الثقافة الإسبانية. وهنا نعرض رأيين لشخصيتين مشهورتين حول هذه المسألة. الأول الكاتب مارثلينو منندث بلايو (1856- 1912م)، وهو سياسي ومؤرخ وباحث أدبي ولغوي مشهور في إسبانيا. كتب أنه يؤيد قرار طرد الموريسكيين من إسبانيا ومن أوربا:

«لا أتردد في الإعلان بأنني أتبنى الالتزام بإكمال الواجب فيما يتعلق بقانون تاريخي (طرد الموريسكيين)، وآسف لتأخرهم في القيام به. هل كان من الممكن وجود الطائفة المحمدية بيننا، وفي القرن السادس عشر؟ الجواب بكل وضوح لا، ولا في أي مكان في أوربا الآن»(٣).

ومثال آخر، للكاتب غريغوريو مارانيون (1887- 1960م) وهو عالم موسوعي، مؤرخ وطبيب مشهور، نراه يدافع عن فكرة إجبار الموريسكيين على ترك عاداتهم وتقاليدهم ودينهم، كتب يقول في كتابه «طرد وهجرة الموريسكيين الإسبان»: «لو أنه قد تم السماح للموريسكيين كي يختاروا بحرية دينهم، وعاداتهم، إلخ، لازداد تحطيم إسبانيا بشكل عميق أكثر مما كانت عليه»(٤).

إنصاف العرب

وفي المقابل، نرى أن كثيرًا من الباحثين أنصفوا الحضارة الأندلسية والموريسكية، ومن الصعب الوقوف عند جميعهم، ولكن سنتوقف عند ثلاث شخصيات إسبانية مهمة ومشهورة دافعت عن العرب والموريسكيين، وهم: أكبر شاعر في عصر الرومانسية الإسبانية، غوستابو أدولفو بيكر (1836- 1870م)، وفدريكو غارثيا لوركا (1898- 1936م) الشاعر ذو الشهرة العالمية الذي قتل في بداية الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936م، والفنان كارلوس كانو (1946- 2000م) الذي تغنى بالوجود العربي في إسبانيا.

وأول هؤلاء، غوستابو أدولفو بيكر، عاش في القرن التاسع عشر، وهو العصر الذي كان لا يزال فيه الإسبان يميلون إلى انتقاد السيطرة العربية على إسبانيا، فاعترض بيكر على هذا الاتجاه، وحاول الاستناد على بحوث مؤرخ معروف كان يوضح ويشرح حضارة العرب الأندلسيين، وهو أمادور دي لوس ريوس وكذلك مجموعة أخرى من الباحثين.

يقول غوستافو أدولفو بيكر: «إن السيد خوسيه أمادور ده لوس ريوس، وعددًا آخر من الكتـّاب معه، كما ذكرنا ذلك سابقًا، يأسفون بمرارة أن يستمر حتى اليوم التقليل من مكانة العرب، وبالذات من قبل أشخاص من ذوي المكانة العلمية المرموقة، فهم يزدرون بقايا الآثار الرائعة التي تعود إلى عصر السيطرة العربية… ومن بين هؤلاء الذين يحتقرون العرب العالم اليسوعي ماريانا، في كتابه تاريخ إسبانيا العام، فهو من الذين تأثروا بنظرة القلق والنفور السائدين في عصره من العرب إلى درجة أنه يطلق تعبير «أوغاد» على شعب كان له دور مشرق وثقافة وبطولة لم يقدرها أحد حق قدرها»(٥).

فدريكو غارثيا لوركا

أما فدريكو غارثيا لوركا، فهو من أبرز أدباء إسبانيا، وله شهرة عالمية، وكان معروفًا بحبه للعرب وللموريسكيين، ويفخر بأنه غرناطي ينتمي إلى الماضي العربي. جاء في مقابلة صحفية معه، عام 1931م، ما يلي: «لكوني من غرناطة فإنني أشعر بالميل المتفهم والمتعاطف مع الملاحقين: الغجر، السود، اليهود.. الموريسكي، فكل هؤلاء نحملهم في داخلنا»(٦).

كان اعتزاز لوركا بكونه من غرناطة شديدًا جدًّا، ولا بأس من ذكر حادثة رواها صديقه سباستيان كاش عندما كان لوركا في برشلونة عام 1927م، وفي عصر أحد الأيام صاحب كاش صديقه لوركا إلى مجمع برشلونة، وهناك قام كاش بتقديم لوركا إلى الأعضاء المتحدثين، وهم حسب تعبيره «الأكثر شهرة ورعبًا». يقول كاش:

«بعد التقديم المتقن وكلمات المجاملة الموجزة، سأل أحد المتحدثين لوركا باللهجة نفسها التي كما لو كان قد تقدم للحديث مع شخص غريب:

– من أين أنت، أيها الشاب؟

في تلك اللحظات، في وقت دكتاتورية الجنرال بريمو دي ريبيرا، كان الشعور القومي الكتلاني من التعصب بمكان. لوركا الذي لم يكن بتلك البلادة، التقط في الحال معنى النية المتعصبة للسؤال، فرفع ذراعه فقط، كما كان يفعل كعادته عندما يتعلق الأمر بمسألة مهمة، وأجاب محاوره بلهجة، بين التحدي والافتخار: «أنا من مملكة غرناطة»»(٧).

في إشارة إلى أنه ينتمي إلى مملكة غرناطة العربية.

الفنان كارلوس كانو

اشتهر الفنان كارلوس كانو بكونه عاشق الأندلس، وكان يكتب القصائد التي يغنيها بنفسه، متحمسًا إلى أن للأندلس تاريخًا عربيًّا مشرقًا، وعكس ذلك في كثير من أغانيه. ففي «على ضفاف النهر» يشير إلى زوجة المعتمد ملك إشبيلية المعروفة باسم «اعتماد الرميكية»:

«مَن زهرة الدفلى البيضاء هذه التي تغني على ضفاف النهر؟ شفتاها سمراوان، شمس تختفي خلف الخمار، يا رميكية يا مليكتي هلا تحبيني، انظري فها أنا أعيش حياتي كي أكون عبدًا لحبكِ، عربية عربية عربية. آه يا ملكتي العربية».

وتعلق كانو بشخصية عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة وعدّه رمزًا للحزن. يقول في «قصيدة لعبدالله الصغير»: «وجدتُ الحزن في قعر الصهريج، الحزن الذي قتل الملك عبدالله، وعلى ظلال شجرة اللوز تركته هناك على تلال وجار».

وكتب كانو مرة: «إذا كانت كلمة (الحزن) لم تأخذ شكل حروفها هذه، فإنها بلا شك كانت ستأخذ شكل الكلمات التي تُعبر عن الحزن وهي كلمة (عبدالله)».

اعتبر كانو اللغة العربية لغة أجداده، وبعد سقوط غرناطة لم يعد من حقهم الكلام بالعربية، ولهذا نسي هو وأجداده تلك اللغة، وفي إحدى جولاته في المغرب طلب الجمهور منه أن يغني باللغة العربية وهو لا يتكلم العربية، وهو الذي يشعر بأن غرناطة عربية، وأنه من هذه المدينة، فأجابهم: «عفوًا، لم أتكلم بهذه اللغة (العربية) منذ 500 سنة، لقد نسيت لغتي».

اهتمام الباحثين والكتاب بقضية الموريسكيين

إن اهتمام الباحثين والمؤرخين والكتاب والمترجمين في تصاعد مستمر، وبخاصة في المدة الأخيرة حول الموريسكيين، وهي ظاهرة مشكورة. ومن جملة من كتب عنهم: محمد عبدالله عنان، وصلاح فضل، وسلطان محمد القاسمي، ومحمد عبده حتاملة، وسرى عبداللطيف، وجمال عبدالرحمن، ومحمد محمد عبدالسميع، وإسماعيل سراج الدين، ومحمد أحمد خليفة أحمد، ومروة محمد إبراهيم، وعبدالعال صالح، وعائشة محمود سويلم، ووسام محمد جزر، ومولاي أحمد الكمون، وهاشم السقلي، وعبدالله جبيلو، وعبدالله محمد جمال الدين، وعبدالله حمادي، ومحمد حسن العيدروس، ومحمد الصاوي، وإدريس الجبروتي، ومحمد القاضي، وجمال عبدالكريم، وكنزة الغالي، وأريج طيب خطاب، ومحمد طيب خطاب، وأحمد حمروني، وعبداللطيف مشرف، ومحمد قشتيليو، وقاسم عبد سعدون، ونعيم ناصر، وصالح حسب الله، ومنصور عبدالحكيم، أحمد شهيد، وغيرهم.

وفي الوقت نفسه هناك اهتمام من قبل الإسبان بموضوع الموريسكيين، ومن ضمن تلك الأسماء التي درست الموريسكيين: داريّو كابانيلاس، ومرثيدس غارسيا أرينال، وأنتونيو مانويل، وسيرافين فانخول، وماريانو دي بانو أي رواته، وبيدرو لونغاس، وميغيل أنخيل بونس إيبارا، وغونثاليث بوستر، وميغيل دي إيبالثا، ودومينغيث أورتيث، وبرنارد فينسينت، وغييرمو غوثالبيس بوستو، وفرنثيسكو ماركيث بيانوبيا، وإميليا غارثيا بالديكاساس، وأنتوني دومينغيث أورتيث، وخوسيه باسكوال مارتينيث، وتوليو البرين، ولويس رودريغيث غارثيا، ومانويل فرناندث جابيس، ورافائيل بيريث غارثيا، ومانويل دابيلا أي كوجادو، وإنريكه سوريا، وأنتونيو لويس كورتس، ومانويل لوماس، وخورخه أنتونيو كاتالا، وسيرخيو أورثاينكي، وأنطونيو دومينقير، وباسكوال بورونات، ولويس بونس، ومانويل بيجار، وميغيل أنخيل سان ميغيل، ورودريغو ده ثاياس، وخوليو كارو، وغيرهم.

نشاط الروائيين العرب

من الظواهر التي تلفت النظر في السنوات الأخيرة ازدياد اهتمام الروائيين العرب بموضوع الموريسكيين، فبعد أن نشرت رضوى عاشور «ثلاثية غرناطة»، التي صدرت عامي 1994- 1995م، عن دار الهلال، أخذت مجموعة من الروائيين العرب بالاهتمام بتناول موضوع الموريسكيين. وفي عام 2019م قدم الأستاذ حسني مليطات رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة أوتونوما في مدريد، حول الـمـتخيل الموريسكي في الرواية المعاصرة، الإسبانية والعربية، وفيها درس وحلل روايات عربية وإسبانية عدة تناولت موضوع الموريسكيين، مثل: رواية «حصن التراب» لأحمد عبداللطيف، و«الموريسكي الأخير» لصبحي موسى، و«بيت الكراهية» لمحمد برهان، و«الحواميم» لعبدالإله عرفة، و«الأندلسي الأخير»، و«على أعتاب غرناطة» لأحمد أمين، و«رمل الماية»، و«حارسة الظلال- دون كيخوت في الجزائر»، و«المخطوطة الشرقية»، و«البيت الأندلسي»، و«جُملكية أرابيا»، و«سيرة المنتهى- عشتها كما اشتهتني» لواسيني الأعرج. و«جزيرة البكاء الطويل» لعبدالرحيم الخصار، و«الموريسكية» لحسنين بن عمو، و«سر الموريسكي» لمحمد العجمي. وكذلك روايات مكتوبة بالإسبانية لـ: ميغيل أنخيل سان ميغيل، وروسا مانويل بيجار، وخوسيه ماريا بيريث ثونيغا، ورودريغو ده ثاجاس، ومانويل ثيبريان إبيجان، ومونتسرات كانو. ورواية «الموريسكي» لحسن مريد، المكتوبة بالفرنسية وترجمها إلى العربية عبدالكريم جويطي.

في عام 2020م أصدر الدكتور مراد منصور الأستاذ في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء روايته عن الكاتب الموريسكي ألونسو دل كاستيو، وهي بعنوان: «ترجمان الملك، سيرة ألونسو دل كاستيو»، طنجة، دار سليكي أخوين، وفيما يخص الموريسكي ألونسو دل كاستيو، نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، عام 2023م، مخطوطة ألونسو دل كاستيو حول كتابات قصر الحمراء التي نقلها ألونسو بنصها العربي وترجمها إلى الإسبانية.

نشاطات أخرى

وفي عام 2023م عقد في إسبانيا مؤتمر حول الموريسكيين حضره عدد من الباحثين الأوربيين، ومن العرب شارك الدكتور أحمد شهيد تعبان والدكتور مرتضى كمال حريجة. ولا بد من التنويه إلى جهود الأستاذ عبدالجليل التميمي في تأسيسه مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، في تونس، وهو المركز الذي تحول عام 1995م إلى مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، وللأستاذ التميمي باع طويل في مجال الدراسات الموريسكية وتاريخ المغرب العربي.

نهاية الموريسكيين الحزينة

هناك أغنية موريسكية، وصاحبها موريسكي من مقاطعة أراغون، أرسلها إلى صديق له في طليطلة، يبين له قرب طردهم من إسبانيا إلى شمال إفريقية، تقول الأغنية:

«قالوا إنه وجب علينا أن نرحل/ نحن أيضًا من هذه الأرض/ نحو تلك الأرض الطيبة/ حيث الذهب والفضة الرقيقة/ يوجدان من جبل إلى جبل/ إنهم يهددوننا بالطرد/ لنذهب كلنا إلى هناك/ حيث توجد جماعات العرب/ وحيث توجد كل الخيرات هناك»(٨).

ويصف مؤلف مجهول اللحظات الأخيرة لطرد الموريسكيين بقوله: «فلما نظر الروم إلى المسلمين قد شرعوا في الجواز ورحل أكثرهم وما بقي منهم إلا القليل أظهروا لهم حسن المعاملة، فوعد الباقون من المسلمين أن يدخلوا في دين النصرانية عام أربعة وتسع مئة، فدخلوا كرهًا إلا من أخفى الإسلام، وضربت النواقيس في صوامعها ونصبت الصلبان في جوامعها وأكلت الجيف وشربت الخمور! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لمثل هذا فلتبك كل عين فياضة بدموع الدم»(٩).


إسبانيا والمسلمون وحروب الاسترداد…

آليات إنتاج الصورة

إدريس الكنبوري – باحث مغربي

إن التطرق إلى موضوع التصورات الإسبانية عن الإسلام والمسلمين في القرون الوسطى يتطلب أولًا البحث في علاقة الثقافة المسيحية الإسبانية بنظيرتها الأوربية خلال تلك الحقبة، ومعرفة حدود هذه العلاقة، وطرح تساؤل منهجي، وهو: هل كانت التصورات الإسبانية عن الإسلام والمسلمين حصيلة التجربة التاريخية مع الأندلس، أم تشكلت بتأثير أوربا في صراعها مع الإسلام ورؤيتها للمسلمين؟

مفهوم حروب الاسترداد في إسبانيا ومقدماتها العقدية

لم يظهر مفهوم «حروب الاسترداد» في الكتابات التاريخية الإسبانية -للإشارة إلى طبيعة الصراع بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا- إلا في القرن الثامن عشر الميلادي، كإطار تفسيري لفهم مرحلة القرون الوسطى في شبه الجزيرة الأيبيرية، بوصفها مسلسلًا شاقًّا وطويلًا لبناء «الذاتية» الإسبانية، واسترجاع ما يسميه المؤرخون الإسبان «إسبانيا الضائعة» أو «ضياع إسبانيا» (La pérdida de España).

لقد رأى المسيحيون الإسبان أن غزو/ فتح العرب لإسبانيا يشكل انعكاسًا للعنة إلهية حلّت بهم نتيجة عصيانهم وخروجهم عن جادّة الدين الحق في نظرهم، وهو ما دفع الرب إلى تسليط العرب عليهم وغزو بلادهم. وقد كان هذا التفسير العقدي للفتح العربي ممهدًا للتفسير العقدي لحروب الاسترداد التي يقول المؤرخون: إنها بدأت مباشرة بعد الفتح العربي عام 711 للميلاد. بل يرى المؤرخون الإسبان أن المرحلة الفاصلة بين الفتح العربي، وسقوط غرناطة وخروج المسلمين من الأندلس عام 1492م تشكل كلها مرحلة حروب الاسترداد وبناء الهوية الإسبانية المفقودة(١٠). إن حروب الاسترداد لم تكن سوى عمل لاهوتي ناتج عن خطط إلهية، ومن ثمة فإن هذه الحروب لن تنتهي إلا عندما يأذن الله بذلك. ويرى أحد رجال الدين المسيحي من الإسبان أن مكافحة المسيحيين للمسلمين والعرب ستنتهي فقط «حينما تقتضي عناية الرب طردهم دون رحمة من إسبانيا»(١١).

تشكل حروب الاسترداد مفهومًا تاريخيًّا يعود إلى مرحلة قديمة، عندما وضعه الملوك الكاثوليك الإسبان والمثقفون الذين كانوا يحيطون بهم من أجل إضفاء الشرعية على حروب استعادة الأراضي التي كان يحتلها المسلمون. وفي قرون لاحقة لم يكن لهذه الحروب طابع ديني، وإن كان لها طابع شبه مقدس، وكان الهدف منها هو إعادة توطين الكنيسة في تلك الأراضي لكونها، في نظرهم، أرضًا مسيحية. غير أنه بدءًا من النصف الثاني من القرن الحادي عشر للميلاد وقع تحول كبير في مفهوم حروب الاسترداد؛ إذ دخلته عناصر أيديولوجية نابعة من الحروب الصليبية التي كانت قد بدأت في أوربا، وهو الأمر الذي أغنى هذا المفهوم بمضامين جديدة وأعطاه طابعًا صليبيًّا. فقد بدأ المسيحيون الإسبان يعتقدون أن القتال لاستعادة الأندلس يشكل جزءًا من الحرب الصليبية في أوربا بدءًا من القرن الحادي عشر؛ إذ كانوا يريدون إدراج تاريخهم الديني الخاص ضمن التاريخ الديني العام لأوربا، بعد قرنين من الانعزال عن الكنيسة الرومانية بسبب رغبة ملوك القوط في الاستقلال بأنفسهم.

ويقول بعض المؤرخين: إن المسيحيين الإسبان الذين كانوا يتوجهون إلى الشرق الإسلامي للقتال إلى جانب المسيحيين الأوربيين في الحرب الصليبية، قبل تلك الحقبة، كان ينظر إليهم في إسبانيا نظرة احتقار إثر رجوعهم من ساحات الحرب، ويرجع الباحثون ذلك إلى أن تأثير البابوية في إسبانيا كان ضعيفًا؛ كما أن الإسبان كانوا يرون أن البابا لا يمكنه منافسة السلطة الملكية في إسبانيا. ويوضح باحث إسباني أنه بعد استعادة طليطلة عام 1085م أصبحت القيم المسيحية التي يدافع عنها الملوك الكاثوليك الإسبان منتشرة في العالم المسيحي كله(١٢). وبرز الاهتمام بحروب الاسترداد الإسبانية لدى روما المسيحية، وقد وجه أوربان الثاني بعد استعادة طليطلة إلى المسيحية رسالة إلى ملك إسبانيا يهنئه بذلك العمل، ويعترف فيها بأن العالم المسيحي أصبحت تحكمه سلطتان: روحية وزمنية. الروحية التي تقودها الكنيسة ورجال الدين، والمدنية التي يقودها الملوك الكاثوليك الإسبان، وكان ذلك أول اعتراف للكنيسة بسلطة الملوك الإسبان بحيث أصبح لقبهم بعد ذلك هو الملوك الكاثوليك، تشريفًا لهم بسبب الحروب التي يخوضونها ضد «الكفار» أي المسلمين.

وبدءًا من القرن الحادي عشر سعت روما إلى بسط نفوذها الروحي في إسبانيا عن طريق تحويل حرب الاسترداد إلى حرب صليبية تتم تحت السلطة الروحية للبابا، وقد سعى بعض المثقفين الإسبان منذ بداية حروب الاسترداد إلى جعلها تحت مظلة الحرب الصليبية حتى لا تبقى إسبانيا على هامش أوربا. والملحوظ أن هذه المسألة أثيرت في بدايات القرن العشرين لدى ظهور مدارس تاريخية تحاول البحث عن جذور الهوية الإسبانية، وربطها بالمسيحية ومحو أي صلة لها بالهوية الإسلامية للأندلس طوال ثمانية قرون. فقد كان الهدف من ربط حروب الاسترداد بالحروب الصليبية هو صهر تاريخ إسبانيا ضمن التاريخ الأوربي العام، ومحو أي حديث عن خصوصية التجربة الإسبانية في علاقتها بالإسلام.

وفي الحقيقة، مثلت إسبانيا لأوربا المسيحية في القرون الوسطى «حالة نموذجية» للعلاقة الصدامية بين الإسلام والمسيحية.

وفي المدة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر شكلت إسبانيا «نقطة جذب» للكهنة والعمال والمحاربين القادمين من أوربا في العصور الوسطى، وإحدى المناطق المفضلة لـ«انتشار الغرب»، كما كانت رمزًا لانتصار المسيحية الرومانية على الإسلام، وشكلت مختبرًا لمفاهيم «الحرب المقدسة»، و«الحرب الصليبية» لمسيحية أوربا. ويرى بعض المؤرخين، ومنهم الدكتور قاسم عبده قاسم، أن الحملة الكاثوليكية ضد مسلمي الأندلس شكلت ما يمكن وصفه بـ«السابقة الصليبية» على المستوى الأوربي، بيد أن غياب الدور البابوي النشط في هذه الحروب ينفي عنها صفة «الحملة الصليبية» الكاملة(١٣). ويوضح عبده قاسم أن مفهوم الحج التكفيري، الذي بدأت الكنيسة المسيحية تحث عليه أتباعها بدءًا من القرنين السابع والثامن الميلاديين وتحول إلى «مفتاح» لتفسير ميلاد الحروب الصليبية، قد استخدم لأول مرة في شبه الجزيرة الأيبيرية عنصرًا محرضًا في حروب الاسترداد ضد المسلمين.

ولقد أدت حروب الاسترداد في إسبانيا على المستوى الداخلي الدور نفسه الذي أدته الحروب الصليبية على المستوى الأوربي، فقد وحدت صفوف الإسبان والمناطق التي كانت متناحرة من قبل، وأصبحت تلك الحروب رمزًا لتحقيق الوحدة الدينية والثقافية والوطنية لإسبانيا؛ لأن الحرب ضد المسلمين صورت عقديًّا على أنها حرب لخلاص الكنيسة من الكفار والتصالح مع الذات المسيحية(١٤). وكان هدف البابوية هو ألا تظل إسبانيا بعيدة من سلطتها الروحية، ولذلك سعت أولًا إلى الضغط على الملوك الإسبان لإخضاعهم لنفوذ الكنيسة الرومانية، وثانيًا إلى دعوة المسيحيين المؤمنين إلى التوجه إلى إسبانيا للمشاركة في العمليات العسكرية ضد المسلمين.

الصورة العقدية للإسلام في إسبانيا في القرون الوسطى

يكشف المؤرخ الإسباني خوسيه خوان رودريجيز أنه مع بدايات الفتح الإسلامي لإسبانيا ظهرت أولى الكتابات الإسبانية عن الإسلام والمسلمين وكانت تتسم بطابع سلبي، وشكلت تلك الكتابات «نماذج» سرعان ما جرى تعميمها في القرون الموالية من دون أن تخضع للمراجعة أو النقد، فقد كانت تؤخذ على أنها كتابات علمية لا يرقى إليها الشك.

كانت الكتابات الإسبانية الأولى عن الإسلام عبارة عن محاولة لتأريخ مرحلة الفتح الإسلامي، وقد صورت تلك الكتابات المسلمين والعرب على أنهم أقوام غزاة ومتوحشون وقساة، وظلت تلك الصور النمطية هي الثابتة في العصور اللاحقة، بل شكلت نماذج أولية قِيسَ عليها من كتاب ومؤرخين آخرين تناولوا الموضوع نفسه، لكن بطريقة مبالغ فيها، بحيث كانت تُختلَق حوادث وهمية لنقل صورة سيئة عن المسلمين، والقول بأن الفتح الإسلامي تم بطريقة وحشية، ورافقته أعمال قتل ونهب وسلب واغتصاب، متناسين أن الفتح تم بطريقة سلمية من خلال إبرام الصلح مع السكان.

ويبدو أن الإسبان كانوا يجهلون كل شيء عن حقيقة الإسلام والمسلمين، وأن الصور التي نُسِجَت عنهم لم تكن إلا من إنتاجات الخيال. فقد صورت بعض الكتابات الأولى المسلمين على أنهم «عباد القمر»، كما كانت تلك الصور غارقة في العنصرية والازدراء، مثل القول بأن العرب والمسلمين «جنس نجس»، أو «عرق غير طاهر». كما يلحظ المؤرخ نفسه (خوسيه خوان) أن بعض الكتابات كانت تطلق على المسلمين أوصافًا وردت في التوراة للإشارة إلى أعداء بني إسرائيل، وتشبههم بالعموريين(١٥). وتمثلت الصورة الأكثر بشاعة في الحكايات الشعبية والحوليات التاريخية التي تتحدث عن المسلمين الذين يبترون الأجهزة التناسلية للمسيحيين المهزومين، وتتحدث في الوقت نفسه عن الشبق الجنسي الحاد لدى المسلمين، والإعراب عن التخوف من توجيه تلك الطاقة الجنسية نحو النساء المسيحيات.

من الواضح أن تلك الصورة كانت متأثرة بمناخ الحروب الصليبية وحرب الاسترداد. وقد ظلت تلك الصورة السلبية لمسلمي الضفتين الجنوبية والشرقية للمتوسط، أو لـ«المورو» عامةً، حاضرة طيلة القرنين السادس عشر والثامن عشر بسبب العداء القوي بين المملكة الإسبانية والإمبراطورية العثمانية من جهة، وبينها وبين الممالك المغربية من جهة ثانية. بل أضفيت عليها دلالات معينة طيلة القرون الثمانية التي استغرقتها حروب الاسترداد التي ظهرت وتطورت خلالها أسطورة «قاتل المورو» أو ماتاموروس: وهي أسطورة ظهرت في القرن السابع الميلادي تقول: إن هذا الأخير نزل مع الغيوم لنصرة مسيحيي إسبانيا ومساعدة الملك روميرو الأول في قتال المسلمين.


الموريسكيون في الرواية العربية
نقطة التقارب وتلاقي الأفكار بين العـــالم العربــي وأوربـا

آنا مارية سانشيز مدينة – باحثة إسبانية في الأدب العربي

لم يكن مجال ترجمة ودراسة الأعمال الأدبية عن اللغة العربية معروفًا، بصفة عامة في مجتمعنا الإسباني، حتى في نطاق العلوم السياسية، وخصوصًا في الروايات التي تعالج موضوع الموريسكيين. على الرغم من وجود دراسات وترجمات إلى الإسبانية لأعمال أدبية معاصرة قبل سنة 1988م، تلك السنة التي حصل فيها الكاتب نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب، فهذه الدراسات والترجمات كانت نادرة نسبيًّا وكانت مرتكزة عمومًا على مؤلفين بارزين جدًّا.

بعدها بدأنا نشهد اهتمامًا متزايدًا بترجمة ودراسة أعمال أدبية في إسبانيا، ولكن مع مرور السنوات بدأ يتراجع هذا الاهتمام. حتى اليوم هناك العديد من الأدباء المعاصرين في العالم العربي غير معروفين عند الجمهور بصفة عامة، بينما البحث لم يتناول بشكل كامل ومنهجي التدفق الكبير للأعمال الأدبية من كل الدول العربية منذ بدايات القرن العشرين حتى وقتنا الحالي.

تيار جديد

في هذا الصدد، اخترنا الكاتبين صبحي موسى وحسن أوريد لرسالتنا للدكتوراه؛ لأنهما يمثلان تيارًا جديدًا ابتكاريًّا وحديثًا. من جهة، قدمنا صبحي موسى وهو كاتب وصحفي من مصر، ومن جهة أخرى حسن أوريد أديب ومفكر من المغرب، كلاهما بارز ومهم. وجدنا فيهما قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي طالب بها الربيع العربي. وكانا يعالجان مواضيع ذات أهمية كبيرة، مثل الإرهاب الدولي، أو القضية الفلسطينية.

لقد اخترنا موضوع الموريسكيين لرسالتنا للدكتوراه؛ لأنه مثير ومهم جدًّا لبعض المستعربين والمؤرخين، وهو غير معروف كثيرًا في المجتمع الإسباني. يجب أن نقول: إن المعلومات التي لدينا حول هذا الموضوع متفرقة، وهي معالجة في مجلات علمية وكتب فقط وبشكل جزئي. لا يوجد كتاب أو حتى مجموعة من الكتب تجمع تاريخ الأندلس وآدابه بشكل موحد، ولا من مرحلة الأندلس الأخيرة، التي بدأت في ثورة البيازين سنة 1568م، والتي أدت إلى حرب غرناطة وطرد الموريسكيين من أرضهم في النهاية. ولكن هناك شيء مهم تعلمناه وهو أن الموريسكيين هم أجدادنا. لقد وُلدت الأندلس في أرضنا وهي تمثّل سحر اختلاط أجناس مختلفة في رقعة واحدة. ومن المهم أن نذكر أن الأندلس لا تُدرّس في المدارس الإسبانية، ولا اللغة العربية أيضًا، على الرغم من تاريخنا الإسلامي العربي.

صدمة استثنائية

أحداث 25 يناير سنة 2011م في مصر كانت صدمة استثنائية، سياسيًّا واجتماعيًّا، معروفة عالميًّا؛ لذلك من المهم أن نأخذ في الحسبان تأثير وحضور هذا الموضوع في الأدب. لقد استخدم صبحي موسى هاتين الثورتين في روايته «الموريسكي الأخير» لإيجاد أوجه التشابه بين الماضي والحاضر وفهم المشكلات التي نواجهها حاليًّا. في رأينا، ترتكب الإنسانية الأخطاء نفسها بطريقة دورية على مر التاريخ. مأساة الموريسكيين هي مأساة الشعب الفلسطيني وغيرها من الإبادات الجماعية التي سبقتها. ومن الضروري أن نتعلم من التاريخ؛ لأنه من دون وعي لا يوجد سمو روحاني للإنسانية.

يحكي الكاتب في رواية «الموريسكي الأخير» عن حقب متتالية في تاريخ إسبانيا حتى الوصول إلى المرحلة الانتقالية التي كانت الطريق إلى الديمقراطية في عقد السبعينيات من القرن الماضي.

بلاس إنفانتي، أبو الوطن الأندلسي، كان يشير إلى أهمية توحيد الشمال والغرب، الأندلس والمغرب أو إسبانيا والمغرب. ما يريده صبحي موسى وحسن أوريد هو أن إسبانيا تمثّل نقطة التقارب وتلاقي الأفكار بين الثقافة العربية والغربية، وأن تكون الممر الثقافي بين العالم العربي وأوربا، ومن خلالها يكون ممكنًا ترجمة وانتشار الأدب العربي في العالم، ويريان أن إسبانيا جسر لانتقال الثقافة العربية في العالم كما حدث في الماضي.

هكذا اكتشفنا أن البطلة في رواية «الموريسكي» مسيحية، وهي حساسة وذكية، وفي رواية «الموريسكي الأخير» البطلتان لهما صفات المرأة المتمكنة أيضًا. وبالتالي، العلاقة بين البطل والبطلة في الروايتين هي علاقة المساواة.

من وجهة نظرنا يستحق الموريسكيون حق الاعتراف والعودة، شريطة استيفاء الشروط السياسية والاجتماعية في إسبانيا.

«سر الموريسكي» محاولة للربط بين الشرق والغرب

محمد العجمي – روائي عماني

تحاول رواية «سر الموريسكي» مقاربة العلاقة المتشابكة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وذلك باستدعاء بعض أشكال هذه العلاقة؛ كالمطبعة العربية، والمخطوطات الإسلامية، وتجارة البحر المتوسط، والصراعات العثمانية الأوربية، والنهضة العلمية في أوربا. أزمة الموريسكيين أيضًا جاءت ضمن هذه المعالجة؛ كثيمة تتكامل مع بقية الملفات المفتوحة في العمل لتعكس الصورة العامة للصراع السائد بين الشرق والغرب في النصف الأول من القرن السابع عشر. حيث في هذه المدة تقريبًا سيُسدَل الستار الأخير على مأساة شعب الموريسكيين التي استمرت لأكثر من قرن ونيف؛ منذ سقوط غرناطة حتى قرار طردهم من إسبانيا في ١٦٠٩م. وفي هذه المدة أيضًا سيصبح التفوق الأوربي على العالم الإسلامي واضحًا تمامًا، مع الضعف الذي أخذ يدب في جسد الدولة العثمانية.

بداية الحكاية

هذا القرار هو الذي التقطته ليكون بداية الحكاية في «سرّ الموريسكي»؛ محاولًا استثمار العقود الأربعة التالية للقرار لبناء حبكة درامية لعائلة موريسكية مطاردة، ستكون شاهدة على عصر كان وعي أوربا بذاتها يتشكل بالتغذي على الفوارق التي تقيمها بالحديد والنار مع الآخر، الذي سيكون على طول القرون التالية موضوعًا للتحكم والسيطرة والاستعمار الممتد حتى اليوم، ونحن نشاهد ونعيش ونتلمس الازدواجية التي يتعامل بها بقايا الاستعمار الغربي مع القضية الفلسطينية، الذي تجلى بشكل فاضح في الحرب الإسرائيلية القائمة في غزة.

لقد كان مدهشًا لي وأنا أبحث في تاريخ شعب الموريسكيين ذلك الإصرار العجيب منهم على الحفاظ على هويتهم وتراثهم وثقافتهم؛ حتى على الرغم من تخلي القريب والبعيد عنهم. وتضافر هذا الإعجاب مع المقابلة التي أقمتها بين مرسوم طرد الموريسكيين ووعد بلفور الذي مهد الطريق لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم؛ في أن أجعل قضية الموريسكيين الموضوع الأبرز للقضايا التي أعالجها في الرواية. لم أكن ملتفتًا وقتها لحجم الحضور الأدبي لمأساة الموريسكيين عربيًّا، ولكن مع التقدم في العمل والاطلاع على المزيد من المشروعات الإبداعية التي استثمرت الموضوع نفسه؛ أدركت أن القضية مغرية للكاتب العربي لدرجة ربما تثير التساؤل فعلًا.

بين القضية الموريسكية والفلسطينية

بغض النظر عما يشكله التاريخ من ثروة ومعين لا ينضب يكون مثيرًا للأديب في اختيار موضوعاته، ويكون في الوقت نفسه مادة للكتابة؛ غير أنه في حالة الموريسكيين؛ فالشبه بين قضيتهم والقضية الفلسطينية شكّل دافعًا خفيًّا لدى معظم من كتب عن الموريسكيين. لا أظن أني كنت بعيدًا من ذلك، على الرغم من المسافة الزمنية بين التاريخ الذي تتحدث عنه «سرّ الموريسكي»، والزمن الذي بدأت نيات البريطانيين تتجلى أكثر تجاه تسليم فلسطين لليهود في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى. ولعلي لا أجانب الصواب لو قلت: إني فعلت ذلك من دون قصد. اللاوعي هنا يتحدث أكثر من الوعي. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو صراع عربي إسلامي مع بقايا الاستعمار الأوربي المتمثل في دولة الاحتلال، وهو لا يختلف من حيث الجوهر عن صراع الموريسكيين مع الإسبان.

إذا تجاهلنا المسألة الموريسكية فإننا ندعم النسيان لا الذاكرة

أحمد عبداللطيفروائي ومترجم مصري

تظل مسألة الموريسكيين قضية قائمة ويجب ألّا تنتهي؛ ذلك لأن الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من التاريخ (كما الطب) ألا نغلق الجرح قبل تنظيفه، وإلا دفعنا أثمانًا غالية قد تؤدي إلى البتر أو الوفاة. بنظرة بديهية، اعتذرت ألمانيا عن الهولوكست وأبدت دعمها الشامل والمطلق لدولة الاحتلال منذ البداية حتى الآن، تكفيرًا عن ذنب المحرقة. ومنحت إسبانيا اليهودَ السفارديمَ حقَّ العودة بعد مرور خمس مئة عام من الطرد. أما الموريسكيون فلا يذكرهم أحد، على الرغم من أن أثر المسلمين في إسبانيا سياسيًّا واقتصاديًّا وعلميًّا وفنيًّا ومعماريًّا، كان أكبر من أثر اليهود بشكل لا يمكن دحضه أو حتى مناقشته. وكانت محاكم التفتيش وأساليب الطرد أشد ضراوة مع المسلمين؛ لذلك لا يصح أن تُغلق هذه الصفحة أبدًا، حتى لو اعتذرت إسبانيا وأعطت الموريسكيين حقَّ العودة. فمن التاريخ نتعلم أن المجازر والقتل والدم والعنصرية أوبئة لا يجب أن تعود. وإن تجاهلنا المسألة الموريسكية فنحن ندعم النسيان لا الذاكرة، ونبني مستقبلنا على باطل.

لهذا السبب، ومن هذا المنطلق، كتبت رواية «حصن التراب» عن الموريسكيين. وكانت نيتي في الأساس تسليط الضوء على القضية في جو فني وجمالي لا يقتله الثقل التوثيقي والتاريخي، بحيث أمنح المظلومين صوتًا يتكلمون من خلاله عن اليومي والمعتاد، برواية تواجه الرواية الرسمية وتدحضها.

هدم التاريخ

من أجل هذا العمل، قرأت الأعمال المكتوبة بالإسبانية، وزرت أرشيفات تضم محاكمات التفتيش، ورأيت آلات التعذيب في كل من طليطلة وكوينكا. لكن ما كان يشغلني في العمق هو هدم هذا التاريخ الرسمي الذي تبنته السردية الإسبانية. فالتاريخ، في رأيي، مجرد حكاية قابلة للتصديق والتكذيب؛ لذلك استعرت الصياغة الإسبانية لأبني تاريخًا آخر مضادًّا، يرسم الموريسكيين بشرًا عاديين يتطلعون للحياة لا للموت، تشغلهم اليوميات لا التحالف مع الإمبراطورية العثمانية، وليسوا مضطرين لإثبات هوية ولا دين، غير أنهم اضطروا لفعل ذلك على مدار أكثر من قرن.

التاريخ الموريسكي، الذي بدأه المؤرخ كارباخال، أحد جنود محاكم التفتيش، بدا لي مغالطة بنيت عليها مغالطات أخرى، صححها مؤرخون إسبان انحازوا للقضية المسلمة، وأنا شعرت أني في حاجة لأكثر من التصحيح، أقصد الهدم. فلا الملوك الكاثوليك كانوا كهنة ولا كان هدفهم الحفاظ على كاثوليكية إمبراطوريتهم، كما لم يكن الصليبيون أبناء المسيح، ولا جاؤوا للشرق الأوسط للحفاظ على مهد المسيح. ببساطة، في الحالتين، كانت السياسة والاقتصاد ما يحرك الحكام، وكان التخلص من المسلمين هدفًا سياسيًّا لا دينيًّا في الأساس.

في النهاية، على الرغم من أن التاريخ يكرر نفسه بأشكال مختلفة، فإن الواجب الأخلاقي يفرض علينا أن نأمل بألّا يتكرر. وربما كان ذلك أحد أفكار الأدب.


الموريسكيون: التسمية، والطرد، والتوطين

حسام الدين شاشية – باحث تونسي

ليس من السهل تحديد الجماعة الموريسكية، لكن بدايةً أريد تعريف مُصطلح «الموريسكيون» أو «الموريسكيين»، الذي لا يعني بأي حال من الأحوال «المُسلم الصغير»، كما هو شائع في كثير من الكتابات العربية؛ بل إن أصل التسمية إسباني (Moriscos)، ويعني باختصار: المعتنقون للمسيحية من ذوي الأصول الأندلسية المُسلمة. وهو مُصطلح في أصله ليس تحقيريًّا، لكنه حمل معاني سلبية في المجتمع الإسباني المسيحي في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. هذا المصطلح وقع تعريبه في بداية القرن العشرين، في البداية إلى كلمة «موريسكوس» عن طريق شكيب أرسلان، ثم «الموريسكيون» ومُفردها «موريسكي» عن طريق عبدالله عنان. عمومًا، يُمكننا أن نُحدد أفراد الجماعة الموريسكية على أنهم الأندلسيون الذين بقوا للعيش في مدنهم بشبه الجزيرة الأيبيرية بعد سقوطها في يد المسيحيين، ثم أجبروا ما بين سنتي 1502م، و1526م على اعتناق المسيحية.

سياسات قاسية

اختلفت وضعية الموريسكيين قبل الطرد من منطقة إلى أخرى، نتيجة اختلاف التطور التاريخي للأحداث وسياسات الملوك الإسبان وحكام المُقاطعات ورجال محاكم تفتيش كل منطقة. على أنه يمكننا القول: إنه قد مورست على الموريسكيين طيلة القرن السادس عشر سياسات قاسية، تهدف إلى صهرهم دينيًّا وثقافيًّا بالقوة وبسرعة في المجتمع المسيحي الكاثوليكي الأيبيري، وهو ما جعلهم عرضة لملاحقات محاكم التفتيش ورجال الكنيسة. واجه الموريسكيون هذه السياسات أحيانًا بطرائق سلمية، عبر استعمال التقية وعيش حياة مزدوجة، أي إظهار التدين المسيحي في الفضاءات العامة والمحافظة على الإسلام في المنزل والتجمعات الخاصة، وأحيانًا أخرى من خلال القوة، أي بالقيام بعدد من الثورات المسلحة، التي لعل أهمها ثورة البشرات أو الألبوخارس التي كانت في الجبال القريبة من غرناطة ما بين سنتي 1568م و1571م.

في شهر إبريل من سنة 1609م اتخذت السلطات الإسبانية قرار طرد الموريسكيين، لكن صدور القرار الأول للعلن والخاص بموريسكيي جهة بلنسية لم يكن إلا في 22 سبتمبر 1609م. هنا أريد تأكيد أن قرار طرد الموريسكيين هو قرار طرد ثقافي وليس دينيًّا كما هو الأمر بالنسبة لليهود السفارديم سنة 1492م، فبالنسبة لأفراد الجماعة الأخيرة، كان يمكن تجنب الطرد من خلال إعلان اعتناق المسيحية الكاثوليكية، أما بالنسبة للموريسكيين، فحتى الأفراد والجماعات التي وقع تأكيد صدق إيمانها المسيحي، فقد أصرت السلطات على طردهم.

ثلاث مئة ألف

تواصلت عملية طرد الموريسكيين حتى بداية سنة 1614م؛ إذ طُرد موريسكيو منطقة الريكوتي بجهة مُرسية. تختلف تقديرات أرقام الموريسكيين المعنيين بقرار الطرد من جهة إلى أخرى، على أن الأعداد التي وقع توثيقها، تُقدر بنحو ثلاث مئة ألف موريسكي: بضعة آلاف تمكنت بطرائق مختلفة من تجنب الطرد، وبضع مئات استطاعت العودة بعد طردها، في حين طُرد نحو ثمانين ألفًا إلى المغرب، وخمسين ألفًا إلى الجزائر، وما بين ثمانين ومئة ألف إلى تونس، ووصلت عشراتٌ أو مئاتٌ أُخرى إلى فرنسا وإيطاليا وأميركا الجنوبية، ومثلهم إلى ليبيا ومصر وبلاد الشام والأناضول، وغيرها من المناطق.

تعرض المهجرون في أثناء الإبحار للقتل والنهب على أيدي رَبَابِنَة السفن الفرنسية والإيطالية، فقد كان هؤلاء يسرقونهم ثم يلقون بهم في البحر من أجل زيادة عدد السفرات. كذلك تعرض بعض المهجرين عند وصولهم للشواطئ للقتل والنهب والاغتصاب على أيدي الجماعات الخارجة على السلطات المركزية في المغرب والجزائر.

سياسة ناجحة

فيما يتعلق بتونس، فقد رحبت بهم السلطات السياسية والدينية، وخصصت لهم مناطق ليستقروا بها في الشمال، كتستور وسليمان ومجاز الباب وغيرها، وكانت متسامحة معهم، خصوصًا أن العديد من الموريسكيين الذين وصلوا البلاد لم يكونوا يعرفون جيدًا الإسلام واللغة العربية. هذه السياسة آتت أكلها، حيث ساهم المهجرون في تطوير العديد من القطاعات. ففي الفلاحة أُدخِلَتْ تقنيات وزراعات جديدة، أما على المستوى الحرفي، فتظهر مُساهمتهم أساسًا في الصناعات النسيجية مثل صناعة الشاشية، كما أدوا العديد من الأدوار المهمة على مستوى التجارة الخارجية. أما على المستوى الفكري، فقد ألف الموريسكيون في بداية القرن السابع عشر في تونس عددًا من المخطوطات الفريدة باللغة الإسبانية التي كانت في الأساس موضوعاتها الجدل الديني، والعقيدة والعبادات.

كيف تحايل الموريسكيون على محاكم التفتيش؟!

جمال عبدالرحمن – باحث مصري

إزاء تعنت محكمة التفتيش لجأ الموريسكيون إلى بعض الحيل؛ لكي يتمكنوا من أداء شعائر الإسلام من دون أن يكتشفهم أحد. كان الوضوء جريمة في نظر القانون، لكن الاستحمام لم يكن جريمة؛ لذلك كان الموريسكي يستحم في النهر بدلًا من أن يتوضأ. كانت الصلاة «جريمة» أخرى؛ لذلك كان الموريسكي إذا أراد الصلاة، يصلي في بيته ويكلّف صديقًا بالوقوف في الشارع، لكي يحذّره إذا رأى قسيسًا قادمًا، وبالطبع كان من يقف في الشارع يدّعي أنه جاء لتحية صديقه وأنه يناديه لكي يخرج.

صيام رمضان

من الذي كان يعلم بالشهور القمرية، وبالتالي بحلول شهر رمضان؟ موريسكيون قليلون. كيف كانوا يعلمون إخوانهم بحلول شهر رمضان (وبأخبار تخص الأمة الموريسكية: انتصارات الأتراك مثلًا)؟ ابتكر الموريسكيون مهنة البغّالين؛ يعني استخدام البغال لنقل البضائع مقابل أجر. كانت تلك المهنة مجرد غطاء لعمل سِرّيّ، فالبغّال كان يتحرك بسهولة بين القرى ويحتك بالناس من دون أن يعترضه أحد؛ ولذلك كان بإمكانه إبلاغ الناس بمقدم شهر رمضان، أو بأية أخبار تهم الموريسكيين. (سنرى لاحقًا كيف تمكّن البغّالون من إبلاغ الموريسكيين بموعد ثورة البشرات في سرية تامة بحيث فوجئ المسيحيون باندلاع الثورة).

في شهر رمضان كان على الموريسكي أن يستيقظ ليلًا لكي يتسحّر، وكانت هناك مشكلة في إيقاظ الناس، لكن أحدهم وجد الحل: سيكلّفون من يمر على بيوت الموريسكيين قبل الفجر بساعة، بحجة التحرك مبكرًا لرعي الأغنام. وإمعانًا في التخفي، اختاروا للقيام بالمهمة رجلًا مسيحيًّا أبًا عن جد، وكلّفوه بإيقاظهم «لرعي الأغنام» مقابل أجر، وظل ذلك المسيحي يوقظ الموريسكيين، فيتسحرون ويؤدون صلاة الصبح، ثم يسوقون أغنامهم إلى حيث المراعي. كانت هناك مشكلة أخرى في شهر رمضان: كيف سيبررون للجيران أنهم لا يتناولون طعام الغداء؟ بعض الأسر كانت تدّعي أنها ستبيت في الحقول لحراسة محاصيلها، وهكذا كانوا يمارسون حياتهم بحرية في الحقول، بعيدًا من الرقابة، فيصومون، ثم يفطرون بحلول المغرب، ويتسحرون قبل الفجر من دون عائق.

أما الحج، وهذه هي المفاجأة. هل يظن أحد أن يسعى الموريسكيون إلى الحج في تلك الظروف؟ لقد حددوا طريقًا يذهب الموريسكي عبرها إلى بيت الله الحرام ثم يعود، من دون أن تفطن السلطات إلى وجهته. لم يستسلم الموريسكيون للظروف، بل ابتكروا الحيلة تلو الحيلة؛ لكي يتمكنوا من أداء شعائر الإسلام، وهم يدعون الله أن يغفر لهم تقصيرهم.


الموريسكيون في التاريخ والأدب
الأندلسي والموريسكي

صبحي موسى – كاتب مصري مؤلف رواية «الموريسكي الأخير»

منذ سقطت الأندلس في أيدي الإسبان وهي كالفردوس المفقود في الثقافة العربية والإسلامية، فطالما كتب عنها الشعراء والروائيون، ومع بزوغ القضية الفلسطينية في الأفق أصبحت الأندلس المعادل الموضوعي في الأدب العربي لخروج الفلسطينيين من قراهم وبيوتهم، وتوالت الأعمال الإبداعية التي ربطت بين كلتا المأساتين سواء على نحو خفي أو مباشر، بدءًا من جورجي زيدان الذي كتب «فتح الأندلس»، وأحمد أمين صاحب «الأنشودة الموريسكية»، وصولًا إلى «ليون الإفريقي» لأمين معلوف، و«ثلاثية غرناطة» رضوى عاشور، و«ظلال شجرة الرمان» طارق علي، و«البيت الأندلسي» واسيني الأعرج، و«راوي قرطبة» عبدالجبار عدوان، و«حصن التراب» أحمد عبداللطيف، و«سر الموريسكي» محمد العجمي، وغيرهم كثيرون.

الأندلسي

لكن عادة ما يخلط بعضٌ بين مصطلحي «الأندلسي» و«الموريسكي»، فالحضارة الإسلامية في الأندلس استمرت 781 عامًا، وحين أخذت في الانحسار وتوالى سقوط مدنها واحدة بعد الأخرى، لم يحدث ذلك فجأة، فقد استمر الأمر نحو أربع مئة عام، بدءًا من سقوط طليطلة عام 1084م حتى سقوط غرناطة عام 1492م، وكلما سقطت مدينة كان الإسبان يخيرون أهلها بين تسليمهم بحكم الإسبان لهم، أو الهجرة إلى غيرها من مدن الإسلام، فكان بعضهم يهاجر سواء إلى المدن الأخرى مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية وبلنسية وملقة وغيرها، أو يعود إلى المغرب في الشاطئ الجنوبي للبحر، ومنها يرتحل إلى مدن المشرق العربي سواء في مصر أو الشام أو الجزيرة العربية، وبخاصة أن رحلة الحج تمرّ بهذه البلدان، وكان بعضهم يفضل الإقامة فيها، سواء لأن جذوره الأولى منها، أو لأنها كلها بلاد الإسلام، وهؤلاء يسمون الأندلسيين، ومنهم عائلات شهيرة مثل: التميمي، والشطبي، والقرطبي، والطرطوشي، ومنهم متصوفة وأولياء كبار مثل: المرسي أبو العباس، صاحب المسجد الشهير في مدينة الإسكندرية.

الموريسكي

أما الموريسكيون فهم الذين هاجروا بعد سقوط غرناطة، وتحديدًا هم الذين خُيِّروا بين التنصير الإجباري أو الرحيل عن الأندلس، وذلك بعد صدور قرار التنصير عام 1496م، ومن ثم ظهر لأول مرة مصطلح موريسكي، الذي يعني النصراني الجديد، أو المغربي قليل الشأن، والذي على إثره بدأت هجرات الموريسكيين نحو الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، التي استمرت نحو مئة وعشرين عامًا، هاجر فيها أكثر من مليون نسمة قسريًّا بسبب الاضطهاد الديني، وانتهت بالطرد الجماعي لهم؛ إذ لم يستطع ملك إسبانيا فليبي الرابع أن يحتمل مزيدًا من الثورات والقلاقل داخل بلاده، فقررت حكومته بعد ثورة الموريسكيين في بلنسية طرد الموريسكيين منها، ثم امتد القرار من بلنسية إلى كل الموريسكيين في مختلف أنحاء البلاد، فاستمر تهجيرهم القسري من 1609م إلى 1613م؛ لتمتلئ مدن المغرب العربي بهم.

اضطهاد معاكس

لكن الموريسكيين عانوا مرة أخرى اضطهادًا دينيًّا معاكسًا؛ إذ نظر إليهم كثيرون على أنهم نصارى وليسوا مسلمين، فكثير منهم كان يحمل أسماء مسيحية، ومن ثم ارتحل بعضهم من المغرب العربي إلى بقية البلدان الإسلامية، سواء في آسيا أو إفريقيا، وبعضهم فكر في العودة إلى شواطئ الأندلس من جديد، وقلة منهم تمكنت من الهروب عبر الجبال مع الغجر إلى فرنسا، وبعضهم حُكِمَ عليه بالتجديف مع العبيد على السفن الذاهبة إلى العالم الجديد، فقد اكتُشِفَت أميركا اللاتينية في العام نفسه الذي سقطت فيه غرناطة 1492م، ومع هؤلاء انتقلت الفلامنكو والموسيقا الأندلسية إلى أميركا اللاتينية، مثلما انتقلت العمارة وطرائق الري الأندلسية المتطورة إلى المغرب العربي، وصارت في كل مدينة أحياء لهم، وعرفت مدن كاملة باسمهم، مثل «تطوان»، و«شفشاون»، و«فاس» في المغرب، و«زغوان»، و«بنزرت» في تونس، و«القليعة» في الجزائر، تلك التي هاجر إليها نحو ثلاث مئة عائلة بحسب المؤرخ الإسباني لويس مارمول كارباخ. وفي مصر بحسب الدكتور حسام محمد عبدالمعطي في كتابه «العائلة والثروة » استوطن الموريسكيون شمال الدلتا، وخصوصًا في محافظتي الإسكندرية وكفر الشيخ، فأنشؤوا العديد من القرى التي حملت أسماء أندلسية مثل الحمراوي، وإسحاقة، وأريمون، ومحلة موسى، وسيدي غازي، وكفر الشيخ، وسيدي خميس، والناصرية، ومحلة دياي، وقطور، والشاطبي، والمنشية وغيرها. ومنهم عائلات نقيطة، وديلون، وجبريل، والحوني، والعادلي، والصباحي، والطودي.

جريمة إنسانية لم تنتهِ

عبدالقادر بوباية – باحث جزائري

تمكن المسلمون من إقامة دولة مترامية الأطراف امتدت حدودها من الصين شرقًا إلى البحر المحيط (الأطلسي) غربًا، ومن أواسط آسيا شمالًا إلى بلاد السودان جنوبًا، وكانت بلاد الأندلس من المناطق التي فتحها المسلمون عام 92هـ (711م) على يد طارق بن زياد الولهاصي النفزي، مولى موسى بن نصير، والي بلاد المغرب على عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، واستمر حكمهم للعدوة الأندلسية نحو ثمانية قرون، وتمكنوا من تشييد حضارة لا تزال آثارها تدل على العظمة التي وصلوها في تلك القرون التي كانت فيها بقية القارة الأوربية تعاني ويلات التخلف في المجالات كافة.

معالم حضارة الأندلس

ومن أبرز المعالم التي تدل على ذلك المسجد الجامع في قرطبة الذي بناه عبدالرحمن بن معاوية (756- 788م)، ووسّعه كل من عبدالرحمن الناصر، والحكم المستنصر بالله، والمنصور محمد بن أبي عامر، ومدينة الزهراء التي بناها عبدالرحمن الناصر لدين الله بداية من 936م، ومئذنة جامع إشبيلية التي شيّدها أبو يوسف يعقوب المنصور سنة 1197م لتخليد انتصاره على النصارى في موقعة الأرك سنة 1194م، وقصر البديع الذي شيده المعتمد بن عباد، وقصر الحمراء في غرناطة الذي شيّده أبو عبدالله محمد بن يوسف ابن الأحمر، وأشهر أجنحته «بهو السباع» الذي أنشأه السلطان محمد الغني بالله (1354- 1391م)، وغيرها من المآثر العمرانية التي لا تزال قائمة، وتجلب إلى إسبانيا أكثر من ستين مليون سائح سنويًّا، ويدر هذا العدد ملايين الدولارات على الخزينة حيث تعد السياحة المورد الرئيس لخزينة المملكة الإسبانية.

وفي أثناء وجود المسلمين في الأندلس، ظلت الروابط وثيقة بينهم وبين إخوانهم في العدوة المقابلة، كما استمر التأثر والتأثير بينهما في المجالات كافة، وعندما بدأت حركة الاسترداد المسيحي كان المغاربة في مقدمة المتطوعين لنجدة إخوانهم، وعندما فقد المسلمون ممتلكاتهم في بلاد الأندلس، كانت مختلف بلدان المغرب الملاذ الأقرب للفارين بدينهم من البطش الإسباني الصليبي.

شروط أهل غرناطة

من جملة الشروط التي شرطها أهل غرناطة على ملك الروم أن يُؤمِّنهم على أنفسهم وبلادهم ونسائهم وأبنائهم ومواشيهم وجنّاتهم ومحارثهم، وجميع ما بأيديهم وغيرها من الشروط، وقد كتب لهم ملك الروم بذلك كتابًا، وأخذوا عليه عهودًا ومواثيق في دينه مغلظة على أنه يوفي لهم بجميع ما شرطوه عليه، وفي يوم 21 من المحرم 897هـ/ 25 نوفمبر 1492م وُقِّعت معاهدة دولية بين سلطان غرناطة أبي عبدالله محمد بن علي بن سعد النصري (Boabdil)  وفرناندو وإيزابيلا ملكَيْ قشتالة وأراغون وليون وصقلية، وبموجبها التزم السلطان النصري بتسليم غرناطة للملِكيْنِ النصرانيين مقابل شروط عليهما احترامها، والسهر على تطبيقها.

وكان يُفترض على ملكي قشتالة وأراغون الالتزام بهذه الشروط، ولكن معظم بنود المعاهدة انْتُهكت من النصارى، الذين أعلنوا حربًا شعواء على من بقي من المسلمين في بلادهم، حيث تعرّضوا إلى الإبادة في البُشارات ووادي آش ومالقة وغيرها.

إن ما وقع لمسلمي مملكة غرناطة على يد جيش إيزابيلا وفرناندو ورجال كنيستهما ومحاكم التفتيش التي أنشئت لمعاقبة المسلمين، ومنعهم من ممارسة عبادتهم، والتمتع بممتلكاتهم لا يُضاهيه بتاتًا ما تعرّض له اليهود في الحرب العالمية الثانية على أيدي النازية الألمانية حسب الرواية المزعومة للحركة الصهيونية، ولا تزال متاحف كثيرة في إسبانيا تعرض وسائل التعذيب الجهنمية التي اخترعتها محاكم التفتيش لتعذيب المسلمين، وإجبارهم على التنصر.

بناءً على ما سبق ذكره؛ يمكن القول: إن الحديث في القضية الموريسكية كجريمة إنسانية لم ينتهِ، ولذلك فإن الخوض في الموضوع المؤلم لنا نحن المسلمين؛ وبخاصة المتخصصون في التاريخ الأندلسي ما زال قائمًا، ويجب التكتل من أجل مطالبة الحكومة الإسبانية بالاعتذار لهم، ومنحهم حق العودة إلى وطن أجدادهم على غرار ما حدث مع اليهود السفارديم على الرغم من أنهم كانوا أقل عددًا، وأقل إمكانات مقارنة بالمسلمين.

مفاتيـح البيوت الموريسكية

مــحـمــد أحمد بنيس – شاعر مغربي من أصول موريسكية

يصعب الجزم باحتفاظ بعض العائلات الموريسكية بمفاتيح بيوتها في الأندلس، التي يفترض أنها توارثتها على مدار القرون الخمسة الأخيرة. أعتقد أن هناك مساحة من الأسطورة في ذلك. وهي أسطورةٌ كان الخروج الدراماتيكي من الفردوس المفقود بحاجة إليها في لحظة تاريخية فارقة. هناك عائلات أندلسية احتفظت بمفاتيح بيوتها التي تركتها وراءها في مدن الأندلس وبلداتها، لكن هل يمكن أن تصمد هذه المفاتيح في انتقالها من جيل إلى جيل حتى الآن، وبخاصة أن الموريسكيين باتوا جزءًا من النسيج المجتمعي والأهلي والثقافي في البلدان التي هاجروا إليها؟ الاحتفاظ بهذه المفاتيح يتطلب قدرًا من الوعي الذي يفترض أنه ينتقل من جيل إلى جيل؛ الوعي برمزية هذه المفاتيح وقيمتها العائلية والتاريخية والثقافية.

بالتوازي مع ذلك، لا تمتلك مدننا العربية أرشيفًا أهليًّا ومجتمعيًّا يسمح بالتعرف إلى أسماء العائلات التي سكنتها أو التي وفدت إليها في أزمنة معينة، والأحياءِ والمنازل التي سكنتها وغير ذلك. طبعًا يُفترض أن تحفظ ذلك سجلاتُ البلديات ومجالس الأحياء والحارات والمستشفيات والمحاكم والإدارات المختلفة. وهذا أمر لم يكن متوافرًا في البلدان التي هاجر إليها الموريسكيون بسبب البنية الاجتماعية التقليدية آنذاك.

ترتيب الذاكرة الموريسكية

أمّا حق الموريسكيين في العودة إلى الأندلس (إسبانيا)، فأعتقد أن الأمر ينبغي النظر إليه من جوانب مختلفة؛ إذ يصعب النظر إليه بمعزل عن التحدي المرتبط بإعادة تركيب الذاكرة الموريسكية والمصالحة معها. وهو ما يتطلب قدرًا من الجرأة من الدولة الإسبانية، بمختلف مكوناتها، للإقرار بمسؤوليتها عما لحق بالموريسكيين من اضطهاد. وعلى الرغم من أنها فتحت هذا الملف منذ سنوات على درب إعادة الاعتبار لأعقاب الموريسكيين الذين طردتهم إسبانيا قبل قرون، فإن ذلك لا يكفي، فهي ترفض، أو بالأحرى، تتجاهل مسألة تقديم اعتذار لهم كما فعلت مع أعقاب اليهود السفارديم الإسبان الذي طردوا سنة 1492م. ذلك كله يلقي بظلاله على مسألة العودة، التي لا يمكن فصلها، كذلك، عن سياقاتها الاقتصادية والاجتماعية الراهنة المرتبطة بإشكالية الهجرة، فكل البلدان التي يوجد فيها أعقاب الموريسكيين توجد في الجنوب، بما يحيل إليه هذا المفهوم من دلالات اقتصادية وسياسية، بمعنى أن العودة ستكون لأسباب اقتصادية واجتماعية على الأرجح، على الأقل بالنسبة لأغلبية هؤلاء المنحدرين من أصول موريسكية.


هوامش:

(١) A B C, Guillermo Ortega: El 523 aniversario de la Toma vuelve a unir historia y tradición en Granada, Guillermo Ortega, 2, enero, 2004.

(٢) La Razón, Lorena Velasco: “Toma de granada: el día que Boabdil “El Chico” entrega la ciudad a los Reyes Católicos”, 2, enero, 2024.

(٣) MENÉNDEZ PELAYO, Marcelino: Historia de los heterodoxos españoles, Librería católica de San José, Granada, 1880, II, p. 632.

(٤) MARAÑÓN, Gregorio: Expulsión y Diáspora de los mariscos españoles, Taurus, Madrid, 2004, pp. 102-103.

(٥) BÉCQUER, Gustavo Adolfo: Historia de los Templos de España – Toledo-, publica y prologa Fernando Iglesias Figueras, 120-1.

(٦) BEBUMEYA, Gil: “Estampa de García Lorca”, Gaceta Literaria, Madrid, 15, 1, 1931, Obras Completas, VI, prosa, I, p, 509.

(٧) GIBSON, Ian: Federico García Lorca, Grijalbo, Barcelona, 1985, vol. I, p. 477.

(٨) كاردياك، لوي: «الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون، المجابهة الجدلية (1492ـ 1640م)»، ترجمة عبدالجليل التميمي، مطبعة الاتحاد العام التونسي للشغل، تونس، 1983م، ص 83.

(٩) مجهول: كتاب «نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر، تسليم غرناطة ونزوح الأندلسيين إلى المغرب»، ضبطه وعلق عليه الأستاذ الفريد بستاني، مكتبة الثقافة الدينية، 1423هـ/2002 م، الظاهر، ص 49.

(١٠) Miguel Angel Ladero Quesada: La “Reconquête”, clef de voûte du Moyen Âge espagnol. Actes des congrès de la Société des historiens médiévistes de l’enseignement supérieur public. Année 2002.Volume 33.Numéro 33.pp: 23-45.

(١١) فيسنت كانتاريو: «حرب الاستعادة الإسبانية، هل هي حروب كلونية مقدسة ضد الإسلام». ترجمة: الدكتور أبوبكر باقادر. مجلة الاجتهاد اللبنانية. العدد 29. السنة السابعة. خريف 1995م. ص 64-65.

(١٢) Carlos de Ayala Martínez: Las Cruzadas. Silex ediciones.2004. p 85.

(١٣) قاسم عبده قاسم: «ماهية الحروب الصليبية». سلسلة عالم المعرفة. الكويت. مايو 1993م.ص 43.

(١٤) Jean Flori:Guerre sainte, jihad, croisade. Violence et religion dans le christianisme et l’islam. Editions du Seuil, 2002. P: 209-210.

(١٥) José Juan Cobos Rodriguez: la visión del otro en la historiografia, aproximacion a los autores locales.Editorial vision net. Madrid. 2005. P 37.

بين الرمضاء والنار… عمَّ يجب أن يكتبَ الكاتبُ، وكيف؟

بين الرمضاء والنار… عمَّ يجب أن يكتبَ الكاتبُ، وكيف؟

ترعرعْتُ في كولكاتا في سبعينيات القرن الماضي، في أسرة بنغالية تقليدية من الطبقة المتوسطة. لم أفكر قط في أنني سأصير يومًا كاتبة. كانت حياتي عادية جدًّا على حد علمي، تمامًا مثل حياة الآلاف من الفتيات البنغاليات الأخريات، وكان لها مسار حدَّدَتْهُ عائلتي من قبل، هو: الحصول على درجة البكالوريوس، ويُفضَّل أن يكون ذلك في مجال الآداب الذي يلائم إحساس الشابات، ثم الزواج (التقليدي المدبَّر بالطبع) وتكوين عائلة. قبلْتُ الأمرَ إلى حد ما. فلم أكن من النوع المتمرد. إضافة إلى أن كل من حولي من الصديقات وبنات العمومة فعلْنَ الشيء ذاته، وبَدَوْنَ سعيداتٍ بما فيه الكفاية.

بيد أن القدر قرَّر خلافَ ذلك. فقد تسبَّبَتْ مجموعةٌ من الأحداث غير المتوقعة في أن ينتهي بي المطافُ في الولايات المتحدة، حيث درسْتُ الأدب الإنجليزي أولًا في جامعة رايت ستيت في أوهايو، ثم في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. كان الأمرُ مبهجًا ومرعبًا في آن واحد، ومختلفًا إلى حد كبير عن كل ما عرفْتُهُ حتى ذلك الحين. فعليَّ أن أعيد تعريفَ ما يعنيه أن أكون امرأة– امرأة صالحة، على وجه التحديد. وعليَّ أن أكتشفَ، وأتقبَّلَ، ما هو مسموح ومشجِّع في هذا العالَم، وما هو مستهجن. وما يُعَدُّ نجاحًا وإخفاقًا. وما يعنيه حقًّا أن أكون هندية.

عندما التقيْتُ زوجي (هو هندي أيضًا، لكنه ليس بنغاليًّا) وتزوجته وانتقلْتُ من أسلوب حياة الطالبة البوهيمية إلى أسلوب الحياة في الضواحي، صادقْتُ عددًا من النساء المهاجرات من جنوب آسيا، مثلي، كنَّ يحاولن اكتشافَ حيواتهن في أميركا. تزامن هذا أيضًا مع انخراطي الجدي في مجال العنف المنزلي، أولًا متطوعةً مع «شبكة دعم» «Support Network» في منطقة خليج سان فرانسيسكو، ثم واحدةً من مؤسسي منظمة مايتري (Maitri)؛ وهي منظمة تساعد نساء جنوب آسيا في حالات سوء المعاملة، وقد احتفلت بالذكرى الثلاثين لتأسيسها في فبراير من عام 2021م. تزامن هذا كذلك مع وفاة جدي في الهند. كان عزيزًا جدًّا عليَّ، فهو أول حكَّاء للقصص في حياتي، وخلق موته فراغًا كبيرًا في داخلي، وخوفًا من أن أفقد كل ما أحببت في الهند وعن الهند. إذ كنتُ أنساهم.

مزيج من كل هذه الأحداث هو ما جعلني كاتبة، وشاعرة في البدء. كنتُ أكتب لأفهم العالَم الذي وجدْتُ نفسي فيه، والعالَم الذي خلَّفْتُهُ ورائي، العالَم في الهند الذي شاهدته حديثًا بعدسة المسافة الواضحة ولكن المزعجة أحيانًا. كنتُ أكتب أيضًا للتعبير عن جوهر حياة النساء الأميركيات القادمات من جنوب آسيا، المهاجرات الجديدات مثلي، بأفضل وأصدق ما أستطيع، عبر إدراكي الذي أعترف أنه منقوص. كتبْتُ لنفسي في الغالب، غير واثقة من أن قصصي ستكون ذات مغزى لأي أحد؛ لذا فوجئْتُ عندما بدأت المجلات في نشرها، وعندما أعربت وكيلة أدبية معروفة عن رغبتها في تمثيلي، ووجدَتْ لي ناشرًا لمجموعتي القصصية الأولى، «زواج مدبَّر»،(١) التي فازت بعدها بجائزة الكتاب الأميركي.

عن جدوى الكتابة

كان أكثر ما أدهشني، عند صدور الكتاب، الاحتجاج الصاخب ضده في قطاعات كبيرة من الجالية الأميركية الجنوبية الآسيوية. اشتكى الناس من أنني أُصوِّرُ مجتمعنا– والممارسات التي يعتزُّ بها مجتمعنا، كالزواج المدبر– بصورة سلبية. اشتكوا من أنني كنتُ أُرضي رغبات البيض بتجسيدي الصور النمطية أو التحيزات التي يحملونها بخصوص هذه الممارسات. لقد شجبوا بصورة خاصة تصوير العنف المنزلي والاغتصاب الزوجي في عدد من قصصي. وغَضِبَ آخرون لأنني كنتُ أفشي أسرارًا ثقافية قد تؤثر في مكانتنا لكوننا «أقلية نموذجية» في الولايات المتحدة. لكنني بصراحة كنتُ فقط أقول الحقائق التي أعرفها، الحقائق التي لطمتني في قلبي وأجبرتني على البقاء مستيقظة حتى منتصف الليل -كنتُ أُدرِّسُ في أثناء النهار- أكتب وأشطب ما كتبْتُ وأعيد الكتابة.

ما جدوى الكتابة إن لم أكتب عن هذه الحقائق القاسية والواضحة جدًّا؟ إن لم ألفت انتباه الناس إليها؟ قال كافكا؛ أحد كتَّابي المفضلين: «على الكِتاب أن يكون الفأسَ للبحر المتجمد في داخلنا». كان هذا هو نوع الكتاب الذي كنتُ أطمح لكتابته. أدركْتُ، في الوقت نفسه، أن من يقرأ كتبي من فئة غير الهنود قد يحكم على كل الهنود بطرائق إشكالية بناءً على الشخصيات فيها. هل كنتُ حقًّا، بقولي الحقيقة، أُروِّج أيضًا، بطريقة تبدو عليها المفارقة، للتفكير النمطي عن الهنود؟ كانت تلك فكرة مقلقة. علقْتُ بين الرمضاء والنار: أن أكون صادقة ومركَّبة كفنانة، وأن أكون مخلصة لشعبي وأكافح التمييز العنصري والتحيز ضد الفئات المهددة بالخطر كالنساء الناجيات من سوء المعاملة. أجبْتُ عن هذه المعضلة بتذكير الجمهور في الفعاليات والقراءات بأن الثقافة الهندية معقدة دائمًا، وأن تصويري للأميركيين من أصول هندية ليس سوى جزء صغير من الموضوع. لم يكن هذا هو الحل المثالي؛ فكم عدد الأشخاص الذين سأصل إليهم بهذه الطريقة؟ لكنني كنت آمل أن يُحدث ذلك فرقًا. غير أن ذلك أغضبني لأن كتَّاب التيار السائد يمكنهم تصوير أي نوع من «الأبطال»، مهما كان سلبيًّا، دون القلق بشأن هذا النوع من رد الفعل الغاضب.

اشتكى بعضُ القرَّاء من أن قصصي قاتمة. فعندما يُثار هذا الأمرُ في فعاليات القراءة، أشير إلى أنه على الرغم من ابتعادي عمومًا من نهايات هوليوود/ بوليوود التقليدية، فإن العديد من كتبي تعرض علاقات إيجابية؛ وإن كانت معقدة، ونهايات تُصوِّر نموًّا محدَّدًا في الشخصية، ولا سيما من جهة البطلة؛ لأن النساء اللائي أكتب عنهن غالبًا ما يجدن أنفسهن في أرض غريبة، وهو الأمر الذي يدفعهن إلى أن يُعدن التفاوض على علاقاتهن، فهذا يُعَدُّ «إضاءة» أكثر واقعية من وجهة نظرهن.

لن أعتذر عن الحقائق القاسية التي أتطرق إليها، بما فيها صور العنصرية ضد شعبي في أميركا. أدرك أن هذا قد يقلل عدد قرَّائي، وبدوري تقبلْتُ الأمر. أعتقد أن الكاتبة تحتاج إلى الكتابة عمَّا يمنعها من النوم ليلًا؛ إذ كيف بمقدورها أن تكتب عن أي شيء آخر غير ما يُوقد حماستها؟ طالما أنها تعمل بجد لتجعل القصة دقيقة قدر الإمكان، وتصل إلى الموضوع راغبة في الاكتشاف، لا مدفوعة بأجندة جاهزة، فهذا كل ما يمكن أن يُطلَبَ منها. كنتُ أكتب، على مرِّ السنين، عن القضايا الاجتماعية، مرارًا وتكرارًا، في روايات مثل: «شقيقة قلبي»(٢)، حيث يصير إجهاض الأجنة واقعة كبرى، و«شيء واحد مذهل»(٣)، حيث تُظهر مقاطع منها ردود أفعال عنيفة ضد المسلمين من جنوب آسيا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ومجموعات قصصية، مثل: «الأخطاء المجهولة في حياتنا»،(٤) حيث تصور القصص العائلات المفككة بسبب المواقف السياسية كالحركة الناكسالية(٥) في البنغال، ورواية على شكل قصص بعنوان: «قبل أن نزور الإلهة»(٦)، تتناول تداعيات العائلات المفككة، والإجهاض، وإدمان الكحول.

قبل روايتي الأولى

ثمة جانب مختلف من ثقافتي أَعدُّهُ مهمًّا وددْتُ إدراجه في كتبي. كنتُ محظوظةً لأن جدي كان قاصًّا رائعًا. وامتلأت ذكرياتُ طفولتي به فيما ينادينا بأبناء العمومة لنتجمع حوله في المساء. ثم يقص علينا حكايات رائعة من ملاحمنا وحكاياتنا الشعبية وقصصنا الخيالية في البنغال. جعلني استماعي لقصصه أُومِن أننا عشنا في عالَم سحري مليء بالقوى التي لم ندركها بالضرورة، غير أن بعض الأشخاص قد يكونون على اتصال بها إن أسعفهم الحظ. وبعد مرور أكثر من نصف قرن، ما زلت أُومِن بذلك.

لذا، حين استعددْتُ لكتابة روايتي الأولى، أردْتُ أن أنسج فيها الحب في طفولتي مع مخاوف الكبار. أردْتُ أن أجعلها في الحال رواية عن المهاجرين وتحدياتهم، وعن السحر أيضًا. أردْتُ أن أعتمد على حكاياتنا الشعبية القديمة، حيث تعطي طبيبات مسنات علاجات نادرة لمن يأتي إليهن من الناس سرًّا طلبًا للمساعدة– الآن فقط يحتاجون إلى المساعدة في حل مشكلات المهاجرين: الزيجات المختلطة الأعراق التي أدت إلى تفكك العائلات الهندية، وتَشكُّل عصابات المراهقين ردًّا على الاعتداءات العنصرية. وددْتُ أن أحيك مساحات سحرية في رمال مدن أميركا الداخلية– في متجر تأسس يومًا ما، غير أن الناس اعتقدوا أنه كان ماثلًا دائمًا فيما كانوا ينظرون إليه.


رغبْتُ في أن يمتلئ خليجُ سان فرانسيسكو بالثعابين الناطقة التي أعطت النصائح الحكيمة لبطلتي التي أغرتها ملذات هذه الأرض الجديدة فجعلتها تنكث العهود. أردْتُ جزيرةً –ربما ليست من هذا العالَم على الإطلاق– تسكنها النساء فقط، وفيها تتعلم الفتياتُ ليصرن معالجات ثم يُبعَثْنَ لممارسة مهاراتهن. أردْتُ الحصول على بقَّالة هندية تقع في أحد أحياء مدينة أوكلاند الداخلية، في كاليفورنيا، فيها حجرة سرية معبأة بالتوابل السحرية، وتشغلها امرأة يمكنها بالنظر إلى قلبك، إن دخلْتَ متجرها، أن تعرف أكثر ما ترغب في الحصول عليه. تعجبني مؤلفات إيزابل أللينْدي(٧)، وأعتقد أن كلارا دِل بايه(٨) من رواية «بيت الأرواح»(٩) همستْ في أذني فيما كنتُ أكتب. وكانت النتيجة رواية «عاشقة التوابل»(١٠). حازت الرواية على عدد من الجوائز وأُدرجت في عدد من لوائح الكتب الكبرى. ولكل ذلك كنتُ ممتنة ومندهشة.

أدهشني أيضًا نوع مختلف من الاحتجاج ضد هذه الرواية– وروايات ساحرة أخرى كتبْتُها لاحقًا، مثل: «ملكة الأحلام»(١١). انحصر الجدلُ؛ الذي أتى في أغلبه من أكاديميِّي ما بعد الاستعمار هذه المرة، في أنني كنتُ أفرِّغ ثقافتي من هويتها، وبذلك أسترضي الجمهور الغربي. (ومن عجيب المفارقات أن مفردة «عاشقة»، المترجمة إلى عدد من اللغات المختلفة، كانت الأنجح في دول، مثل: إندونيسيا، واليابان، وروسيا، أي في جميع الدول ذات التقاليد الشعبية القوية التي تتضمن السحر). بيد أن النقاد أساؤوا فهم مشروعي، الذي كان مزدوجًا. أردْتُ الاستمرارَ في الكتابة عن الأشياء التي تهمني بشدة، والمشكلات التي واجهتها في عملي التطوعي أو وظيفتي في التدريس، كقضايا الهجرة، والعنف المنزلي، والأدوار الجنسانية، وانهيار التواصل بين الأجيال، وعنف العصابات بين الأطفال في سن المدرسة، كما فعلْتُ في رواية «زواج مدبَّر». ولكن أيضًا، أردْتُ في الوقت نفسه أن أُضمِّنَ الأشياءَ اليومية الصغيرة والثمينة التي أحببتها في كتبي، مثل: كم كان رائعًا أن تكون قادرًا على الإمساك بالتوابل التي استخدمَتْها والدتُك وجدتك بيديك في النصف الآخر من العالَم، ومن هذه التوابل تصنع طبقًا انتقل إليك بالوراثة! أردْتُ أن ألقيَ ضوءًا مغايرًا على هذين الأمرين عبر تقديمهما بواسطة حكاية سحرية– إنه شيء أحببته وقدَّرته وشعرْتُ بأنه جزء مهم من ثقافتي وأدبها.

أليس هذا من صميم ما يجعل معظم الكتَّاب يختارون موضوعًا، أو قصة، أو نسقًا معينًا؟ إننا نكتب عمَّا نحب، أو ما نشعر بالقلق العميق حياله، وأحيانًا يكونان الشيء نفسه. نكتب عمَّا يخيفنا وما هو معرَّض للخطر. نكتب عمَّا يميزنا بعمق منذ نعومة أظفارنا ويشكِّل فهمنا للعالَم. نكتب عمَّا يُغضبنا وما نأمل في تغييره. نكتب عن الأشياء الصغيرة والمبهجة التي تضيء حياتنا، وإن كانت شائعة وعادية واستحوذت عليها الثقافات الأخرى. (الاستحواذ في حد ذاته مسألة معقدة. ألا نتبنى جميعًا باستمرار أشياء كثيرة من ثقافات متعددة ونعتمدها في حيواتنا من أجل المواءمة والإثراء معًا؟ أوليس هذا نوعًا من الاستحواذ، أيضًا؟) وإذا تحقق الاستحواذ على شيء ما حقًّا، فأنا أريد المزيد لأستخلص منه.

قُولِي: لا، عند الضرورة

في النهاية، استحوذت عليَّ أصواتُ النساء. وعلى مر القرون، روى الرجال لهن قصصهن. وجرى تصويرهن في هذه القصص على أنهن طيّعات، وكيِّسات بالتالي، أو عنيدات وسريعات الانفعال، ولذلك فإنهن سبب الكارثة. لكن ثمة طرائق أخرى لتأويل هذه القصص– وهذا مشروع كبير بالنسبة لي. لهذا السبب كتبْتُ «قصر الأوهام»(١٢)، وهي إعادة سرد لملحمة مهابهاراتا من وجهة نظر دروبادي(١٣). حاولْتُ في هذه الرواية أن أجعل من دروبادي (تسمي نفسها بانجالي(١٤)؛ لأنها ترفض أن تُعرَفَ فقط باسم «ابنة دروباد») شخصية مركبة وخالدة. حاولْتُ أن أُظْهرَ أنه يمكن لامرأة أن تكون قوية وعنيدة وجديرة بالإعجاب كلها في آنٍ معًا. لهذا كتبْتُ «قبل أن نزور الإلهة»؛ وهي حكاية ثلاثة أجيال لعائلة مهاجرة، وتقلبات الدهر، حيث تتساءل النساء مرارًا وتكرارًا –فيما واصلْتُ الكتابة– عن معنى أن تكون ناجحًا، والثمن الذي يتعين علينا دفعه مقابل ذلك. وكيف أنَّ عليكَ أن تُسقط الدور الذي تسلمته لتكون صادقًا مع نفسك أحيانًا. لهذا السبب، أعدْتُ سرد حكاية «سيتا»(١٥)؛ التي تمثل تحديًا أكبر من بانجالي، في رواية «غابة السِّحر»(١٦)، بعد أن أُلِّهَتْ لصبرها وطول احتمالها. لا تزال الأمهات يخبرن أجيالًا عريضة من الفتيات –وأنا منهن– بأن يقتدين بسيتا، ويغمضن جفونهن على القذى، ولا يسببن المشكلات. العجيب أن سيتا لم تفعل أيًّا من هذا على الإطلاق، كما كشف بحثي في العديد من نصوص ملحمة رامايانا الشعرية بما في ذلك «أَدْبُتْ رامايانا»(١٧)، و«كامبا رامايانا»(١٨)، و«كريتيباسي رامايانا»(١٩)، والنص الأصلي لمؤلفه الشاعر فالميكي. اعتمدْتُ على الحقائق التي تُقدِّمها هذه النصوص (وإن حصل ذلك بإيجاز)؛ لأوضِّح قوتها وعنادها في تصويري لها. آمل أنه ذات يوم عندما تطلب الأمهات من بناتهن أن يصبحن مثل سيتا، فإنهن سيضفن عبارات مثل: دافعي عن حقوقك، لا تستسلمي، قُولِي: لا، عند الضرورة لذلك. وعندما ترتكبين خطأً ما، تَذَكَّري أن تلك ليست نهاية العالَم. ارفعي رأسَكِ عاليًا، وواصلي طريقك.

الكُتَّاب الذين علَّموني

أعتقد أنه من المقبول كليًّا أن تقول لكاتب: «عليك أن تكتب هذا بصورة أفضل». فهذا يختلف عن قولك، بصرف النظر عن السبب: «لا يجدر بك أن تكتب عن هذا الأمر، أو أن تُقدِّمه على هذا النحو».

على مر السنين، وفي وقت الأزمات، وجدْتُ القوة والنصح والإرشاد في كلمات لانغستون هيوز(٢٠) في مقاله الشهير عام 1926م الموسوم بـ«الفنان الزنجي والجبل العنصري». على حد تعبير هيوز: «يكافح الفنان الزنجي تيارًا من النقد الحاد وسوء الفهم من جماعته والرشاوى غير المتعمدة من البيض»(٢١). يرفض الشاعرُ، في نهاية مقاله، مثل هذه الدعوات في تأكيد مدوٍّ على الاستقلال الفني: نعتزم، الآن، نحن الفنانين الزنوج الشباب المبدعين، التعبيرَ عن ذواتنا الفردية وبشرتنا الداكنة من دون وجل أو خجل… ندرك أننا جميلون، وقبيحون أيضًا… نُشيِّد معابدنا للغد؛ لتكون قوية بالقدر الذي نعرفه، ونقف على قمة الجبل، أحرارًا من الداخل(٢٢).

ما شقَّ على الكتَّاب الأميركيين من أصل إفريقي، مثل: هيوز وزورا نيل هيرستون(٢٣)، منذ ما يقرب من قرن من الزمان، لا يزال يمثل تحديًا للنساء والكتَّاب من الأقليات العرقية حتى يومنا هذا. يَلُوح الخوف والعار مرة تلو أخرى ربما لأن كثيرًا منا يتعلم باكرًا أن هذه المشاعر تتماشى مع أن يكون الواحد امرأة أو فردًا منتميًا إلى خلفية أقلية معينة. غير أني ليس بمقدوري أن أستخدم ذلك ذريعة؛ لأن كثيرًا من الكتَّاب الذين أُجِلُّهم علَّموني، في أثناء ذلك، أن الأمر ليس كذلك؛ لذا، فأنا أواصل العمل عليه، بأن أكتب ما يجب أن أكتبه وكيف. أعتقد أن هذا ما يحاول جميع الكتَّاب الجادين فعله في جوهر الأمر، على الرغم من اختلافنا المميز بعضنا مِن بعضٍ.

تمضي كتابتي على نحو أفضل عندما أنكفئ إلى الداخل وألج عالَم كتبي. يجب أن أستمع جيدًا إلى ما تقوله بطلاتي وأدوِّنه. عندما ينجح الأمر، أصبح مجرد ناسخة (ومحررة فيما بعد). إنه أروع شيء أعرفه.

تعلمْتُ، على مر السنين، أن ثمة حيلة للعيش بنجاح في ذلك الفضاء الخلاق. لنستعر عبارة ت. س. إليوت من قصيدته «أربعاء الرماد»(٢٤) حيث يقول: إنه من المهم «أن نهتمَّ وألَّا نهتمَّ». لا بد أن أهتمَّ بموضوعي وشخصياتي؛ لأنهم حينها يصبحون أحياء بالنسبة لي. لا بد ألَّا أهتمَّ بآراء النقاد –أو حتى قرائي– بما أكتب. عليَّ أن أهتمَّ بتقديم الحقيقة بأفضل ما أعرفه، بلغة واضحة وفطنة، من دون أن أُحوِّلَ وجهي عن الألم فيها. عليَّ ألَّا أهتمَّ إن كانت مستساغة، أو دارجة أدبيًّا، أو مؤثرةً فكريًّا، أو إن كانت ستجعلني أحوز الجوائز.

هذا إذًا مشروعي في الكتابة. أدرك أنني عملٌ قيد الإنجاز، كما أنني أقدِّرُ القرَّاء، والنقاد، والمعلمين الذين أشاروا إليَّ بتحسين أدائي في مواضع معينة؛ لأنني أريد حقًّا أن أؤدي عملي على نحو أفضل. أحد اقتباساتي المفضلة على الإطلاق لمايكل أنغلو هو: «ما زلت أتعلم»(٢٥). لقد خطَّه على حدود رسم ابتدعه وهو في السابعة والثمانين من عمره.

هكذا أريد أن أشعر حيال فني حتى اليوم الأخير: ما زلتُ أتعلم.


المراجع: Hughes, Langston. «The Negro Artist and the Racial Mountain». Nation, Volume 122 (June 1926). Reprinted in Voices from the Harlem Renaissance, ed. Nathan Huggins (New York: Oxford UP, 1976, 1995), 306–309.


هوامش:

(١) Arranged Marriage.

(٢) Sister of my Heart.

(٣) One Amazing Thing.

(٤) The Unknown Errors of Our Lives.

(٥) حركة تمرد شيوعية قادتها جماعات عسكرية متمردة وانفصالية، جعلت العيش غير آمن، وبخاصة للفتيات المراهقات. (المترجمة – بتصرف من تقرير حالة التطوع في العالم 2022م، بناء مجتمعات متساوية وشاملة، ص 116).

(٦) Before We Visit the Goddess.

(٧) Isabel Allende.

(٨) Clara del Valle.

(٩) The House of the Spirits.

(١٠) The Mistress of Spices.

(١١) Queen of Dreams.

(١٢) Palace of Illusions.

(١٣) اسم البطلة صاحبة القصة المأساوية في الملحمة الهندوسية «مهابهاراتا.» (المترجمة).

(١٤) Panchaali.

(١٥) إلهة هندوسية. (المترجمة).

(١٦) The Forest of Enchantments

(١٧) «Adbhut Ramayana»؛ الإصدار الأكثر شعبية في شمال الهند لقصة «رامايانا». (المترجمة).

(١٨) «Kamba Ramayana»؛ ملحمة التاميل التي ألفها الشاعر كامبار في القرن الثاني عشر. (المترجمة).

(١٩) «Krittibasi Ramayana»؛ ملحمة شعرية ألفها الشاعر البنغالي كريتيباس أوجها في القرن الخامس عشر. (المترجمة).

(٢٠) Langston Hughes.

(٢١) Hughes, Langston. «The Negro Artist and the Racial Mountain,» in Voices from the Harlem Renaissance, ed. Nathan Huggins (New York: Oxford UP, 1976, 1995), 307..

(٢٢) المرجع نفسه، ص 309.

(٢٣) Zora Neale Hurston.

(٢٤) Ash Wednesday.

(٢٥) «Ancora imparo».

العمارة الشرقية في تصاميم لو كوربوزييه

العمارة الشرقية في تصاميم لو كوربوزييه

من بين العديد من المعماريين، الذين انتقلت أعمالهم خارج موطنهم وبيئتهم الأم، نال المعماري الفرنسي لو كوربوزييه (1887- 1965م) مكانة مميزة، حيث نستطيع تتبع بصمته المعمارية المميزة داخل العديد من البلدان؛ بداية من اليابان مرورًا بالهند، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى بعض المدن العربية مثل: بغداد وتونس والجزائر. وقد عُرف المعماري، الذي تحل ذكرى وفاته في السابع والعشرين من أغسطس، بأنه الأب الروحي للعمارة الحديثة، ورائد للمدرسة الوظيفية، التي كان لها التأثير الغالب في معمار القرن العشرين. كان لو كوربوزييه معاصرًا لفرانك لويد رايت؛ الأب الروحي للعمارة الحديثة. وعُدّتْ أطروحاته الأسلوبية وأعماله المعمارية بمنزلة أمثلة ناصعة للفكر المعماري الحداثي. وإضافة إلى كونه معماريًّا مجددًا، شارك أيضًا في عمليات تخطيط العديد من المدن، وله اهتمامات أخرى أبداها في فن الرسم والكتابة؛ وخصوصًا في مجال التنظير لفن العمارة. وعلى الرغم من أن الأبنية التي نفذها لو كوربوزييه في حياته قليلة نسبيًّا، فإن لكل واحدٍ منها مكانته في تطور مبادئ «العمارة الحديثة».

جماليات الهندسة الصارمة

ربما كانت السمة البارزة التي ميزت مبانيه، ذلك الحضور الواضح لمعايير الهندسة الخالصة المعتمدة على الأشكال الأساسية؛ المكعب، ومتوازي الأضلاع والأشكال الأسطوانية. وقد كتب ذات مرة: «إن المشكلات الكبرى للبناء الحديث يمكن حلها فقط عبر استخدام الهندسة المنتظمة. بمعنى أن يتجه مهندسو اليوم نحو إنتاج كتل ملتزمة بالخطوط الهندسية الصارمة، وعن طريق ذلك يمكنهم الكشف عن أشكالٍ واضحة وقوية التأثير، تريح الأبصار وتوفر للعقول متعة النظر». يتضح من عبارة لو كوربوزييه هنا أن التشبه بالآلة وبنتاج المهندسين الصناعيين، ليس الهدف منه تحقيق الوظيفية البحتة للبناء، بقدر ما كان يهدف إلى التعبير عن إنجازات مهندسي العصر الصناعي في تقنين نماذج رياضية، اعتمادًا على كتل هندسية بسيطة يسهل التعامل معها ضمن إمكانيات الصناعة الآلية، وفي الوقت ذاته تكون ذات مظهر جمالي جذاب.

إن الحقبة الحديثة، في رأي لو كوربوزييه، لا بد أن تعبر عن روح العصر الصناعي الذي يعتمد على التنظيم والنمذجة ضمن مواصفات ومقاييس معيارية تتوافق والأهداف المتوخاة من الأداة قيد التصميم. وكلما كان التصميم بسيطًا ومباشرًا وأقرب في طبيعته إلى الأشكال الهندسية، كلما اكتسب جمالًا رياضيًّا فريدًا من نوعه.

لو كوربوزييه

كانت السنوات الممتدة من عام 1925 إلى 1930م، أكثر السنوات إنتاجًا له. ففي عام 1926م، صمم لو كوربوزييه معظم مبانيه السكنية الشهيرة. وقد صاغ في هذه المدة ما عُرِف بعد ذلك بالنقاط الخمس في أصول تصميم المسكن، التي جاءت على النحو الآتي:

أولًا- رفع المبنى على الأعمدة الدائرية فوق مستوى الأرض، وهو ما يسمح باستثمار الحيز الذي يتوافر تحت المبنى. ثانيًا- المسقط الحر الذي يوفّره هذا النظام الإنشائي، من حيث توافر الاستقلالية التامة للقواطع الداخلية عن العناصر الإنشائية الداعمة للأسقف. ثالثًا- الواجهات الحرة التي يوفرها هذا النظام الإنشائي أيضًا، بفضل الاستقلالية التي يتمتع بها الجدار الخارجي أيضًا عن العناصر الإنشائية الداعمة. رابعًا- النوافذ الأفقية الطويلة المنزلقة أفقيًّا. خامسًا- حديقة السطح التي يمكن توفيرها كنتيجة طبيعية للأسقف المستوية.

قام لو كوربوزييه بتطبيق تلك المبادئ في كثير من المساكن المستقلة التي صممها في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات مثل فيلا ستاين في غارش عام 1927م، وفيلا بيزو في قرطاج بتونس عام 1928م، وفيلا سافوي في بواسي عام 1929م. كما قدم في معرض فايسنهوف الإسكاني في شتوتغارت عام 1927م تلك النقاط الخمس لزوار المعرض في الكاتالوج المرافق له، وهو ما حقق انتشارًا أوسع لأفكاره ومبادئه في أوساط المعماريين الألمان والأوربيين عامة. كان ذلك في مرحلة حاسمة من تاريخ العمارة الأوربية تميزت بالاهتمامات المتزايدة في موضوع تشييد الأبنية السكنية، ليس فقط للتعويض عن الدمار الذي لحق بكثير من المدن نتيجة للحرب العالمية الأولى، بل أيضًا بسبب دخول موضوع الإسكان إلى صدارة أولويات الحكومات الأوربية في ذلك الوقت، وخصوصًا في الاتحاد السوفيتي. حيث كان توفير المسكن الملائم لكل فرد من أفراد المجتمع أمرًا واجبًا وضروريًّا تلتزم به الدولة، كما اتضح في البيان الصادر عام 1924م عن الاجتماع الثالث عشر للحزب الشيوعي بوصف الإسكان أهم قضية في الحياة المادية للعمال.

مـشـروع مـديـنـة بـغـداد الـكـبـرى

قد لا يعلم كثير من سكان العالم العربي أن إسهامات لو كوربوزييه انتقلت إلى عالمهم، وأنه أسهم بنفسه في تخطيط بعض المدن وإنشاء أبنية عدة. فبـعـد تأسيس «مـجـلـس الإعـمـار» في بـغـداد عـام 1950م، تـبـنّـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة، التي كـان يـترأسـهـا نـوري الـسعـيـد، في يونيو 1955م مـشـروعًا لتـوسـيـع مـديـنـة بـغـداد وتـحـديـثـهـا. وقـد طـلـبـت مـن أهـم الـمـعـمـاريـيـن الـعـالـمـيـيـن وأشـهـرهـم في تـلـك الحِقبة الـمـشـاركـة فـيـه، وضمنهم لو كوربوزييه الذي عُهِد إلـيـه تـصـمـيـم مـديـنـة أولـمـبـيـة في بـغـداد تـضـم مـلـعـبـًا ريـاضـيـًّا مـفـتـوحًا (5000 مـقـعـد) ومـلـعـبـًا مـغـلـقـًا (3500 مـقـعـد) ومـسـبـحـًا أولـمـبـيـًّا يتسع لـخـمـسـة آلاف مـشـاهـد. غير أن حراك 14 تـمـوز (يوليو) انـدلـع في الـعـام الـتالي وأوقـف حـلـم تـحـديـث بـغـداد، الذي كـان في طـريـقـه لـيـتـحـول إلى واقـع.

وضـع لو كوربوزييه مـلـفات مـشـروعـه داخل مـكـتـبـه حتى وفاته سـنـة 1965م. وفي عـام 1980م قـررت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة التواصل مع الـمـعـمـاريـيـن الذيـن كـانـوا قـد عملوا مـع لو كوربوزييه لـبـحـث مـسـألـة تـنـفـيـذ الـمـشـروع من جديد. وقَبِل جـورج مـارك بـريـزنـتـيـه، أحـد شـركـاء لو كوربوزييه الـقـدامى، الإشرافَ عـلى تـشـيـيـد الـمـلـعـب الـريـاضي كما صممه لو كوربوزييه؛ وهـكـذا شـيد الـمـلـعـب بـعـد خـمـسـة عـشـر عـامـًا عـلى وفـاة مـصـمـمـه في شـرق بـغـداد. لمدة طويلة، لم يُثِر المشروع اهـتـمـامًا لدى الـغـرب. غير أنه في عـام 2005م، زارت الـفـرنـسـيـة سـيـسـلـيـا بـيـيـري بـغـداد، لِتُعِدّ أطـروحـة دكـتـوراه عـن الـمـعـمـار الـحـديـث فيها، واكـتـشـفـت وجـود هـذه الـبـنـايـة، والـتـقـطـت لـهـا صـورًا. كما أبدت دهشتها إزاء عدم معرفة الـمـخـتـصـيـن، والـمـسـؤولـيـن عـن الـمـؤسـسـة الـتي تـحـمـل اسـمـه، بـإنـجـازات لو كوربوزييه، أو أي شيء عـنه تـقـريـبـًا. وقد مـضـت سـت سـنـوات أخـرى قـبـل أن يـقـرر جـاك سـبـريـغـلـيـو، نـائـب رئـيـس مـؤسـسـة لو كوربوزييه الـسـفـر إلى بـغـداد في 2011م لـيـزور الـمـلـعـب ويـلـتـقـط لـه صـورًا. ثم نـشـر بـعـد رجـوعـه إلى أوربـا أولى الـمـقـالات عـن مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه. وفي عـام 2014م، صـدر في بـاريـس كـتـاب صـالـة لـو كـوربـوزيـيـه الـريـاضـيـة في بـغـداد، كما صدرت الترجمة العربية له في العام نفسه ليلقي مزيدًا من الضوء على هذا المنجز المعماري المهم.

تأثير العمارة الجزائرية في لو كوربوزييه

كان لو كوربوزييه قد تأثر بالعمران الجزائري على نحو جعله يعزف عن نموذج «الأسلوب العالمي» في البناء. وقد سعت الدولة الجزائرية فيما بعد للاستفادة من ابتكاره لمفهوم «الوحدة السكنية»، فتبنته، مُهملة سياقه التاريخي والعمراني، كحَلّ سحريّ سرعان ما كشف عن مشكلاته على أرض الواقع. انتبه لو كوربوزييه إلى الخصوصية العمرانية الجزائرية لدى قدومه إلى البلاد سنة 1931م بدعوة من جمعية «أصدقاء الجزائر»، ووضع مخططًا جديدًا للعاصمة. وعلى الرغم من أن تصوراته لم تنفذ؛ بسبب عزوف السلطات الاستعمارية، فإن نظرته إلى العمران الشرقيّ شهدت تحولاً جذريًّا بعد تلك الزيارة.

فوجئ لو كوربوزييه بالتصاميم الفريدة للقصبة، المدينة القديمة في الجزائر، وبهرته تقنيات البناء والاستغلال المثالي للضوء وتصيد منظر البحر؛ وهي التقنيات التي حرص عليها البناة الأولون لها. ونزولاً على نصيحة أحد المهندسين، زار المعماري مدينة غرداية، جنوب الجزائر، وهي الزيارة التي عدها مؤرخو العمارة بمنزلة «زيارته الثانية للشرق». في غرداية، هذه المدينة الألفية التي شُيّدت في منطقة وادي ميزاب، وهي منطقة صحراوية قاسية المناخ، كانت مواجهة الحر معضلة المؤسسين الذين ابتدعوا، بالاعتماد على الطين، طريقة فريدة في خلق تكييف طبيعي للهواء من دون التفريط في الإضاءة، وعملوا على تضييق الشوارع التي أصبحت أروقة تفاديًا لأشعة الشمس الحارقة. هذه التقنيات المصوغة بجمالية مُدهشة جعلت لو كوربوزييه يصف غرداية بأنها «مدينة متلألئة». وأثمرت زيارته هذه عن تصميم كنيسة «نوتردام ديهو» في مقاطعة «رونشامب»، شرق فرنسا، التي بها كثير من العناصر المشتركة مع العمران الميزابي.

«أغانٍ سيئة السمعة» لإبراهيم زولي رفع الغطاء عن المضمر المحذوف

«أغانٍ سيئة السمعة» لإبراهيم زولي

رفع الغطاء عن المضمر المحذوف

كتب ابن عربي في رسائله: «الحرفة حجاب على أعين الناظرين، وعلى عين المحترف، ولا يرتفع ذلك الحجاب حتى لا تتناول من كدك شيئًا». تذكرت ذلك في أثناء قراءاتي لمجموعة «أغانٍ سيئة السمعة» للشاعر السعودي إبراهيم زولي. فهذه المجموعة امتدادٌ مركز للاشتغال الفكري والذاتي على مركزية التجريب والتحديث في نصه الشعري، وهي كذلك ترسيخٌ مستديمٌ على الحفر الدؤوب وسبر ما وراء الملفوظات النصية، أو كما تقول المجموعة: «كعادتك في القراءة/ ترفع الغطاء عن المحذوف/ من الكلام، وتستحضر أنهار الأبدية/ لن تتأوّل أحاديث لزجة/ أو تلتقط إشارة كاذبة وتقفز مثل/ لاعب سيرك على السطور».

الوعي الفردي والفني

النصوص في المجموعة نتاجٌ ليقظات شعورية وعقلية تجاه الذات ومحيطها وعوالمها وواقعها. والنصوص قد تمرست عبر خبرات مسبقة وقدرات مكتسبة ومعايشات تجريبية على التفرد برؤيا مستندة على أساسات من الثقافة المتشعبة سواء الموروثة أو الآنية، وعلى قواعد واعية بالزمن الحاضر وبالعصر المحيط بالنص ومبدعه وبالظرف الوسطي المعيش. فالشاعر إبراهيم زولي تميز بالنص ذي الوعي الذاتي والمتفرد في رؤاه، وكذلك بقدر من الوعي بميزاته الشعرية، ولديه المعرفة التامة بحدود مقدراته الشعرية، ويدرك الفرص المتاحة للنص المرغوب، ويستبصر جميع العقبات التي تجابه النص الفردي الرؤيوي. وزولي مُلمٌّ بالفرص، وبالقوى النصية الفاعلة وبالمؤثرات المهيمنة في عصرنا الحاضر، بمعنى أن النصوص هنا مستشرفةٌ للمنحنيات والمنعطفات التي سوف تسلكها آنيًّا، أو قد طافت بها مسبقًا، وهذا ما تشي به المجموعات السابقة وختامها هذه. «ربما لن تخطئ هذه المرة، فالعالم/ ديوان خالٍ من الشعر، والمحبون/ يوقدون نيراهم على حياة رطبة/ لا تمنح الأيام فرصة لتتصدق عليك/ كن سريعًا كنعاس الشهداء». «أكتب عن جسد يكافح من أجل/ حقوقه المشروعة/ عن طير يلتقط قمحة بمتعة فخمة».

إبراهيم زولي

الوعي يُستحضر سواء في نموذجه الفني الجمعي الذي يُعنى بطرائق وعادات فنية في كتابة النص، أو في نموذجه الفردي الذاتي من خلال الرؤى الفنية الخاصة لإنتاج النص المبدع عبر التطلعات الذاتية الإبداعية. وهذا التفاوت بين الجمعي والفردي ومن خلال التضادات البينية المؤدية حتمًا إلى ابتداءات التجريب، وقطعًا سيؤدي التقابل بينهما إلى التطوير والتحديث الواعي والمنضبط ابتغاء الوصول إلى النص الفني المثال؛ إذ لو كان الوعي الفردي الذاتي متساويًا ومتماهيًا مع الوعي الفني الجمعي، فلن نجد في النصوص اهتزازات اللذة الفنية في التلقي، فلا كينونة عندئذٍ للنص الفني الكمال.

فالتطوير نابعٌ من فرادة الرؤيا في النصوص، والتجديد نتاج تباين التعاملات النصية مع الظواهر الآنية، وكل ما سبق من اختلاجات سيؤدي إلى انفراداتٍ مطلوبة تقصي النصوص عن أشباح الجمود وعن ظلام الثبات والسكون، وستجعل المجموعة في منأى من القولية الميكانيكية في حين أن عجلة الحاضر تتسارع باغية التحديث الموزون، والوعي الفردي بكل ما يمتلكه من أفكار ومفاهيم وصور ذهنية، فإنه يدرك الخصوصية الزمانية والمكانية في الحاضر. والوعي الذاتي للمجموعة مدرك تمام الإدراك للمتغيرات المعيشة والمتواصلة. فالظرف المحيط ليس كما قبل ثلاثين عامًا، وهذا يستدعي بالضرورة نصًّا واعيًا ملبيًا استجابات نصية فنية تتواءم مع المتغيرات الظرفية المتسارعة، ويستلزم وجوبًا نصًّا خبيرًا في تعامله لإدارة وتنظيم ردود أفعال تتواكب مع التحديات والعقبات، وعلى النص الشعري أن يكون في قمة عطائه تامًّا غير منقوص، ومتألقًا غير مشوش. «عليَّ أن أرقص مرة واحدة على الأقل/ أن أتتبع الهاوية، والذكريات/ الذكريات الماهرة في اغتصاب العزلة/ في فتح الشبابيك المحرمة». «أولئك الذين يعتقدون ما كتبناه حقيقة/ استطاعوا الإفاقة قبل سقوط الأمنيات/ التي صنعناها من رغوة الكلام/ قبل تهور الكاميرا في/ اصطياد شراسة الغيب/ لا حاجة لمراثٍ لا تشبه حتفي/ مراثٍ لا تنزل الطرقات/ العامة، ولا تستظل بأعمدة النحيب/ لا حاجة لأغانٍ/ لا تسترسل في الفتنة».

بصمات ذات خصوصية

وبما أن المجموعة أداء لفظي ابتداء، فإن الوعي الذاتي فيها سيستثمر طاقاته الصوتية من خلال المفردة المختارة بدقة، والتراكيب المنتقاة بعناية، والتناصات الدينية الحاضرة، والموظفة جميعها في لغة أنيقة وصياغة رائقة، ومن خلال التراكيب الجمالية للتعبير عن ثيمات مستقصاة ومسكوت عنها في الخفايا، مع إبقاء الباب مواربًا للتحرش بالمضمرات المختبئة بقدر الذكر والحذف والإطناب والإيجاز من الأساليب. وهي بذلك تتجاوز الخطاب الشعري الأحادي، وتتخطى فضاءات الذاكرة التي استأثر بها المسكون من الوعي الجمعي العام. والوعي الذاتي ظل بدوره منفتحًا على عوالم وآفاق للتعبير عن مقتربات تواصلية إنسانية في داخل النفس وخارجها، والملفوظات سعت في تراكيبها حاوية تاريخ كتابات نصية مسبقة؛ لأن لكل قصيدة أو كتابة تاريخًا نصيًّا سابقًا من إنتاجات المبدع ذاته، أو حتى عند غيره مما سبق. وبقدر الإزاحة وبمقدار الزحزحة عن السوابق تكون قوة النص الفردي بعد امتصاصه وهضمه لما كان، وعندئذ تحلُّ التجاوزات النصية المرتجاة، ويكون التخطي المبتغى. «لكل امرئ مقام يهرب البرق إليه/ نزفٌ يحرض الإثم الأُجاج/ يقينٌ تنزع الهداية أظلافه/ لليقين أفكار شاذة يضرب بعصاه/ الحكاية، فتنفجر اثنتا عشرة غربة».

تتجلى في النصوص الهيمنة اللغوية، ولا أقصد بها اللغوية التواصلية مع المتلقين وحسب، وإنما المقصود هو اتكاء النصوص على الاشتغال الجمالي في الأداء النصي. وهي الوظيفة التي أشار لها هابرماس، الوظيفة الدالة على الهويات سواء على المستوى الشخصي النصي، أو على مستوى الهوية المكانية. فنحن من خلال تقليب نصوص إبراهيم زولي نستطيع أن ندرك من خلال اللغة النصية المستخدمة، هوية صاحب النص، أو كما نقول الأسلوب دالٌّ على صاحبه. وإذا عملنا مقارنات بين نصوص المجموعة فيما بينها، أو شرعنا في مقاربات بين المجموعة والمجموعات الأخرى، نستطيع العثور على بصمات ذات خصوصية، مع تسليمنا بالضرورة أن النصوص الفنية لا تمثل مبدعها تمام الانطباق كثيمات، ولكن ستبقى الوظيفة الدالة على الهوية الشخصية أو النصية حاضرة ودامغة، فالمبدع يعيش خارج النص واقعيًّا، وليس قابعًا في كل حذافير النصوص بشخصيته الحقيقية والبيولوجية التي نعهدها في حياتنا الاجتماعية.