«بَاهَبل» لرجاء عالم… رواية تدرأ حدود الواقع بشبهات الخيال

«بَاهَبل» لرجاء عالم… رواية تدرأ حدود الواقع بشبهات الخيال

تعود الروائية السعودية رجاء عالم في روايتها الجديدة: (بَاهَبَل؛ الصادرة عن دار التنوير لعام 2023م التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر لعام 2024م) إلى بيئتها السردية المفضلة؛ ألا وهي مدينة مكة المكرمة، التي كانت قد رصدتها سابقًا في رواية أخرى بعنوان: (طوق الحمام لعام 2010م) وتكاد تنطلق الروايتان من الثيمة ذاتها التي تهمز خاصرة حصان السرد لينطلق؛ ففي طوق الحمام نجد جثة لامرأة، وفي بَاهبل نلقى جثة لرجل قد انتحر! فالموت بالنسبة لرجاء عالم يُولّد الانتباه.

يُفتتح السرد بالعويل المغنّى من قبل مغنية الفادو البرتغالية؛ وهذا الغناء ممتلئ بالمعاني، فكلمة (الفادو) بالبرتغالية تعني بالعربية: القدر. تكمن جوهرية هذا الغناء، بأنه يكشف عن الجدل بين الرغبات الصاخبة والإيمان بالقدر في عمق التجربة البشرية. وتتنوع أصوله بالقول: إنه يعود إلى العبيد الذين استُقدموا إلى البرتغال. وهناك من يقول: إن جذوره ترجع إلى أغنيات الرثاء الخاصة بالبحارة البرتغاليين الذين كان البحر يبتلعهم أو يبعدهم من وطنهم وهم يمخرون عبابه بحثًا عن آفاق جديدة.

هذا التعريف لغناء الفادو ينطبق على شخصيات رواية رجاء عالم، حيث الأقدار الخام التي ولدت فيها عمّات عباس سالم مصطفى السردار، ومحاولتهن تحويل هذه الأقدار إلى مصاير تتسع لأرواحهن وأجسادهن معًا، فيمنحهن القدر فتى أشبه بمغني الفادو، متعدد الهوايات والأصوات، بين الذكورة والأنوثة، بين العقل والجنون، يتنقل بين الماضي والحاضر والمستقبل، يُلبس ساعده ساعة مدمجة بكاميرا يجمع في ذاكرتها فيديوهات سيرة عمّاته خلف حجب عائلة السردار، وفي كل مكان آخر يمنع فيه التصوير، وصولًا للحرم المقدس.

بعد ذلك تشرع رجاء عالم في تعليل ولوجها حيوات عمّات عباس: سكرية، ونورية، وحورية؛ بعد أن تهمس لها نورية شيئًا من حكايتها، فتسأل عباس أن يزيدها معرفة بقصتها، فيجيبها عباس: «هي جَاتِك أنت كمان!؟»، وتتابع عالم بأن ما دفعها للكتابة هو: «الغضب تجاه صرامة العبودية المبطنة التي خضعن لها؛ عبودية تأتي باسم الحب والتكريم وصون العرض، لكنها تسحق وتطمس الهوية والوجود بجدارة». ثم تقدّم اعتذارًا لعباس عن قراءتها الخاصة لسيرة عمّاته، وللقراء أيضًا؛ لأنها وجدت في اللهجة المكية الحامل اللغوي المناسب لإيصال سرديتها والمعاني الخاصة لمجتمع مكة.

كان عباس السردار الدكتور في العمارة في جامعة الملك عبدالعزيز قد بنى فيلّته الخاصة في جدة، جاعلًا منها متحفًا لرواشن وشبابيك ومقابض أبواب بيوت مكة التي هدمت في إحدى توسيعات الحرم المقدس، مجسّدًا في بيته ذاكرة مكة المعمارية، والأحرى ملاعب طفولته، فقد ولد في بيت جده مصطفى السردار الحادي عشر في سلسلة من الأجداد كان لهم دور مهم في تاريخ مكة. كان البيت يطل على الحرم في حي المُدَّعى حيث يتزاحم الحجاج لأجل زيارة بيت الله. لم تكن ولادة عباس سهلة، فقد كان رافضًا الخروج من رحم أمه، على الرغم من صراخها وأدخنة البخور والعطور وقراءة الآيات الكريمات، لربما احتجاجًا على قرارات جده الذي وقف في وجه أية محاولة لأخذ أمه إلى المشفى، فالأفضل أن تموت، على أن يقال: إن إحدى نساء بيت السردار شق بطنها، لكن في النهاية تتوصل العائلة لحل وسط، بأن يأتوا بالقابلة الملقبة بــ(أنيسة القردة) التي ولد على يدها أكثر أطفال حي المُدَّعى في مكة.

ابتلاع التوأم

أخيرًا ولد عباس بن سالم، الابن الأكبر لمصطفى السردار، لكن هذا الوليد الجديد ابتلع توأمه، أو أنه اختفى من بطن أمه، بينما كانت القابلة أنيسة القردة والعمّات مشغولات باستقبال الوافد الجديد عباس، فذهلن عن توأمه! عاش عباس بين أحضان أربع أمهات؛ واحدة منهن بيولوجية، والثلاث الباقيات أعطينه أرحامه الأخرى: الواقعية والفكرية والخيالية، فسكرية منحته رحم الجنون والثورة، فيما حورية وهبته الفكر والتأمل، بينما نورية أشعلت به العاطفة المشبوبة. كل واحدة منهن أرضعته من سيرة حياتها. فيما هو قسّم شخصيته لتناسب عمّاته؛ فمع سكرية كان عباس. ومع حورية كان عباس/ نوري. ومع نورية كان نوري فقط؛ توأمه الذي اختفى في رحم أمه وأصبح قرينه الذي يلجأ إليه كلما ضاق به الواقع.

يتأمل عباس فيلّته ويتساءل بينه وبين نفسه عمن خوله أن يُبعد تلك المشربيات ومقابض الأبواب من مجاورة الحرم إلى مدينة أخرى. ومن ثم يقوده تفكره فيما آلت إليه حياته إلى عائلته، حيث الاختلاف الكبير بين اهتماماته ورغبات زوجته وأبنائه؛ ليجد نفسه غريبًا عن كل ما سعى إليه طوال حياته. وأمام هذا الواقع غير المتجانس يركب سيارته ويقود من جدة إلى مكة ليصل إلى بيت عمته نورية التي تُوفيت منذ سنوات، كعادته في الالتجاء لحضن إحدى عماته عندما تقبض عليه الحياة بمخالبها، وفي بيتها يضع رسالتين: «إلى من يهمه الأمر، وإلى كبار العلماء!»، ثمّ يشنق نفسه بإحدى تلك الثريات التي ألقت أضواءها عليه وعلى عمته نورية في ماضٍ قريب. وكما يقال: إن الإنسان في لحظة الموت يسترجع كامل شريط حياته، تبدأ عماته بالظهور من قمرية ابنة الجارية فرح التي حاولت أن تحرقها بالجاز لتنجو من عدم اعتراف مصطفى السردار بها، فتنقذها حورية، ليتبدل بعدها اسمها إلى سكرية التي زارت مصر وعادت ببدعة الأكل بالشوكة والسكين، التي زوجها أبوها من رجل يميل إلى أبناء جنسه، لتعود مطلقة بعد عدة أشهر.

فيما كانت نورية متزوجة من رجل تبين أنه عقيم لا ينجب، لكنها أحبته بجنون لينتهي منتحرًا، أما حورية التي غُمر بيت السردار بالورد عندما عشقها قنديل صاحب حدائق الورد في مكة، فقد دبّر أبوها مقتله في يوم عرسها لتمضي حياتها عانسًا. لقد تحجرت مصاير سكرية وحورية ونورية تحت سطوة أبيهن السردار الكبير، لكن ما إنْ ولد عباس بن سالم أخوهن الأكبر، حتى وجدن فيه نافذتهن الخاصة نحو العالم، فتنازعنه كل واحدة منهن تريد الاستحواذ على شخصية من شخصياته العديدة، وتنازعه الحرم المقدس معهن أيضًا؛ وذلك في تداعيات الحادثة الإرهابية عام 1979م حيث سيطر جهيمان على الكعبة والحرم معلنًا ظهور المهدي!

بَاهَبل: أي الأهبل! هذا كان لقب عباس في صغره من قبل جده، لربما بسبب الفتق الذي كان يعانيه في سرّته، الذي أثّر في تصرفاته وأفكاره. ومن هذا الفتق ولد قرينه الآخر نوري الذي كان يرتق ما تمزق في شخصية عباس نتيجة الحدود الكثيرة التي لم يكن من الممكن تجاوزها إلا بشبهات الخيال. هكذا كلما تقدم عباس في العمر وزاد تمرده على واقعه نال لقبًا جديدًا إلى أن أصبح عباس الزيبق على اسم الشاطر علي الزيبق في التراث.

بين شخصيتي عباس ونوري يكبر طفل آل سردار، مختلفًا عن أقرانه في طموحاته وأفكاره وآرائه التي كانت في نظر ذكور العائلة مخالفة لكل التقاليد التي عهدوها. وأمام رفض تقاليد الذكور لهذا الذكر الناشز أخذ الطفل يوزع حياته بين عباس ونوري، حيث يهرب عباس من الحدود الكثيرة في بيت السردار إلى نوري الذي يمنحه أجنحة الخيال ومحبة الفن والتوق إلى الحرية والإبداع، ويمكّنه من الوقوف في وجه جده ثم أبيه. بينما كان نوري يلجأ إلى عباس عندما تتكسّر أجنحة الخيال أمام صلادة الواقع.

لقد كان هذا الأهبل هو الروشن النافذة التي أطلت منها عماته على الحياة بعد أن سلبها منهن الأب بحجة الحب والحماية؛ لذلك أراد تسجيل حياتهن على شريط سينمائي. ولأن لحظة الموت تعيد شريط الحياة من بدايته إلى نهايته كان على عباس أن ينتحر ليحكي قصة عماته، فالموت يخلق الانتباه إلى ما هو مخفي وراء حجب العادات والتقاليد، فهل كان أهبل أم شبيهًا آخر للحلاج الذي قال: «اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي»؟ أليس المعنى المضمر لكلمة القتل: معرفة كنه الشيء وجوهره!

لقد كان انتحار عباس اللحظة التي ضغطت فيها رجاء عالم على زر التشغيل/play فبدأت الصور تتسارع، حتى استقام التاريخ عام 1946م في مكة على سطح بيت السردار والجارية فرح تحاول حرق ابنتها قمرية بالجاز؛ لتنقذها من عار عدم اعتراف أبٍ من عائلة السردار ببنوته لها مشرّعة أبواب الكلام لحكاية العمات.

الواقعية السحرية

إن العقل والحواس محدودان، ولا يمكن أن يكونا مطلقين في إدراكهما للوجود. هذه المعضلة التي لا تفك عُراها، قد حُلِّتْ –على الأقل نسبيًّا- عبر الخيال الذي ينطلق من اللمسة أو الفكرة متجاوزًا القصور الذاتي في كينونة الإنسان في الإحاطة بوجوده، مانحًا إياه آفاقًا جديدة. وإذا كان لنا أن نسبّب مذهب الواقعية السحرية الذي ينطلق من اعتلال إدراك الإنسان للواقع بسبب القصور الذاتي في كينونته، فإن تطعيم هذا الواقع بالخيال يسمح لمعرفة الإنسان نحوه أن تتضاعف، فلا يعود محكومًا بتتابعية الزمن الخطي، ولا بالأبعاد الثلاثة للمكان، فتصبح حواسه متراسلة، فالعين تشمّ، واليد تتذوق، والعقل يتكعب بأوجهٍ ستة، والشعور يدخل العوالم المتوازية، فالحزن هنا، فرح هناك.

لقد لجأت رجاء عالم إلى الواقعية السحرية من أجل مقاربة تاريخ مكان مقدس جدًّا: مكة المكرمة، حيث واقعية المكان المقدس المطلقة تعري النقصان الكامن في وجود الإنسان، فلا ينفع ترميزه لقول المسكوت عنه، فسطوة المقدس تستغرق أي ترميز وتثبطه. من هنا كان تعويل رجاء عالم على الواقعية السحرية، فهي نظرة خيالية/ واقعية تمكن الكائن البشري من التحرر من معوقات وجوده ومحدداتها الأسرية والمجتمعية والدينية، فكانت شخوص روايتها تستحلب الواقع بأسلوبها الخاص، تأملًا، حلمًا، خيالًا، هلوسة، جنونًا، سواء في تفسيره أو تأويله، مشكلة من تلك المعاني العامة والخاصة سيرها الذاتية وتاريخ المدينة المقدسة.

تنتهي الرواية، عودًا على بدء، في السنوات الأولى للألفية الثالثة من حيث انطلقت، بعد أن تصل رسالة للكاتبة من عباس عبر حسابه على الفيس تشي بأنه لم ينتحر! فهل انتحر توأمه نوري/ خياله؟ أم إن نوري/ الخيال تلبس عباس/ الواقع وأوهم الجميع بانتحاره؟ ستتعذر الإجابة! لكن هذا يعني أن الشريط السينمائي الذي أعده ليعرض في مهرجان البندقية السينمائي وكان قد روى فيه حياة عماته، ودمرته عائلته، بحجة فضحه لأسرار العائلة، لم تزل هناك نسخة أخرى منه! لم تكن رجاء عالم مهتمة بالأسئلة والإجابات بقدر ما كان تركيزها على سرد حيوات عمات عباس كما عشنها، وشاهدها عباس، وتخيلتها هي، لتمنح كل ذلك لقارئ شغوف بالبحث عن التاريخ في التفاصيل المخفية.

ساتيا جيت راي… أفلام تنظر إلى واقعها، أو معنى أن تكون هنديًّا

ساتيا جيت راي… أفلام تنظر إلى واقعها، أو معنى أن تكون هنديًّا

بالنظر إلى مسيرته الإخراجية التي تجاوزت 30 فِلمًا، قلما نجد مخرجًا مارس مهنته بتحكم مطلق في كل مراحل صناعة الفِلم مثل «ساتيا جيت راي». لقد كان مهتمًّا بكل تفاصيل أفلامه؛ لم يمنعه تأثره بالواقعية، أن يجد طريقه الخاص للتعبير عن واقع يشغله، وتعلم أن الجمال لا يوجد بعيدًا، بل يكمن في كل تفصيل نراه ونعيشه.

السؤال الضمني في العديد من الأفلام الهندية هو «ماذا يعني أن تكون هنديًّا؟»، ليُجيب غاندي عن هذا السؤال، لجأ إلى التقليد حيث قال: «الهند تعيش في قُراها». تخيلَ غاندي الأمة بوصفها مجتمعًا في أوضح صورِه. شجعت حركة الصناعة المحلية (سواديشي) التي قادَها غاندي الهنودَ على مقاطعة السلَع الأجنبية وشراء المنتَجات المنزلية المصنوعة في القرى بدلًا منها؛ فقد كان ينظر إلى المدن الكبرى والتقنيات بشك وريبة عادًّا إياها موصلات خطيرة للحداثة التي سلبت الناس إنسانيتهم. وقد أدرك فالك، «أبو السينما الهندية»، أن تقنية السينما يُمكِن أن تكون أداة قوية لتغذية الشعور الوطني. يقول فالك: «أفلامي صناعة محلية؛ بمعنى أن رأس المال والمِلكية وفريق العمل والقصص كلها إنتاج محلي»[1]. وعلى الرغم من أن السينما الهندية التجارية استفادت من هذا التصور، فإن أفلام ساتيا جيت راي، كانت محدودة التأثير داخل الهند؛ لأنها تستدعي الواقع بطريقة مختلفة عن الفِلم الهندي. لقد نضج وهو يتأمل الواقع أمامه.

بالنسبة لساتيا جيت راي فالأمر أعمق من الوعي بالانتماء والانتساب إلى الهند، لقد نضج وهو يفكر فنيًّا في الواقع، وساعدته مصادفات كثيرة في وضعه على هذا الطريق. في طفولته (في عمر ست سنوات) زار بمرافقة والدته، شاعر الهند الأعظم طاغور الذي كان يبلغ الستين، الطفل أحضر معه دفتر مذكرات من أجل الحصول على توقيع، لكنه سيحظى بأكثر من ذلك، سيعيد له طاغور دفتر مذكراته في اليوم التالي مع قصيدة جميلة، من أبياتها:

«فشلت في الرؤية بعيني.. على بعد خطوتين فقط من منزلي..

في حزمة من حبوب الأرز، قطرة ندى.

يجذبنا ما هو واضح- الجبل أو المحيط

غالبًا ما نفشل في ملاحظة الجمال في المعتاد..»[2]

من غير الوارد أن يكون الطفل قد فهم معنى هذه الأبيات حينها، لكن معانيها كانت تكبر مع راي بمرور الوقت، معنى أن تفهم واقعك وتعبر عنه بطريقتك الخاصة؛ لذلك انتبه راي إلى الواقع المتغير أمامه بحرص شديد، كان يعلم أن خلف هذا الواقع المتبدل قصصًا وحكايات وعذابًا، أراد أن يعبر عن ذلك بطريقته التي تأثرت بواقعية غربية لكن مع الاحتفاظ بهويته الهندية. ثمة إشارة أخرى تحفزه على النظر إلى الواقع. يروي، في كتاب عن «السينما»، أن جان رينوار قال له ذات يوم في أثناء مساعدته في إيجاد أماكن تصوير فِلمه «النهر» (1951م)، في ضواحي كلكتا: «انظر إلى الزهور إنها غاية في الجمال». يجيب راي: «لكن أنت تحصل على زهور في أميركا، البوينسيتياس تنمو في برية كاليفورنيا، في حديقتي الخاصة حتى. لكن انظر إلى كتلة الموز، والبركة الخضراء عند سفحها. لا تحصل على ذلك في ولاية كاليفورنيا. يضيف رينوار، هذه هي البنغال، رائعة. رينوار استخدم المفردة الأخيرة كتعبير على الموافقة الصادقة».[3]

هذه الملاحظة التي التقطتها عين مخرج عظيم، كانت تشكل في الحقيقة عقيدة إبداعية لدى طاغور الشاعر العظيم، ومن بعده المخرج ساتيا جيت راي عبْر قصص ثم عبر أفلامه العظيمة. إنها الطريقة التي أدخلته قلوب البنغاليين مثلما حصل مع طاغور. ولا يمكن أن ننسى في هذا السياق تأثير فِلم «سارق الدراجة» (1948م) لفيتوريو دي سيكيا، الذي شاهده في لندن.

من الميلودراما الهندية إلى الفِلم الواقعي

قبل فِلم «أمنا الهند» (1957م) لمحبوب خان، الذي يُعَدّ علامة نضج للفِلم الهندي وأحد الأعمال التي صنعت العصر الذهبي للسينما الهندية، كانت الإنتاجات السينمائية محتارة بين الانحياز لواقعها الطافح بقصص وحكايات بعد توحيد الهند وظهور طبقات اجتماعية مختلفة… وبين رؤية أخرى تريد صناعة فِلم تجاري بدأ بتقليد أفلام هوليوود، ثم وجد طريقه عبر التعبير بمفاهيم جمالية خاصة. وضمن المجموعة القليلة التي كانت تريد أن تعبر عن هذا الواقع الجديد وفق تقاليد أخرى أوربية تحديدًا، تأتي تجربة المخرج «ساتيا جيت راي»، الاسم الذي جعل العالم ينتبه إلى السينما الهندية مثلما جعله كيروساوا ينتبه إلى السينما اليابانية.

لقد أخرج راي فِلم «أغنية الطريق الحزين» (Panther panchali) (1955م)، في وقت كانت فيه صناعة السينما في الهند تتبع نهج هوليوود في صناعة الأفلام بلمحة محلية، التي تحولت جميعها تقريبًا إلى تقليد لأسوأ أفلام هوليوود. ساعتها كان تصوير فِلم بالكامل في الهواء الطلق مع قطع المعدات المتوافرة في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي فكرة غير واردة، لكنه تجرأ على تصوير فِلمه الأول في الهواء الطلق، في ريف البنغال، وهو الفِلم الذي سيعلن للعالم عن السينما الهندية.

صحيح أن الأعمال التي حملت اسم راي إلى العالم، والحديث هنا عن ثلاثية «أبو»، كانت واقعية وهو تأثير مباشر بالواقعية الأوربية، السينما الإيطالية تحديدًا عبر الفِلم التحفة «سارق الدراجة» لفيتوريو دي سيكا، لكن الواقعية كانت تتخذ معه بعدًا تأمليًّا خاصًّا بالبيئة التي تعبر عنها. فإيقاع أفلامه الذي يرتهن إلى التوافق التام بين الصور والأصوات وحركة الشخصيات يتدفق مثل أي قطعة حياة في البنغال؛ لذلك فأسلوبه خاص جدًّا. هذه الخاصية بالضبط أذهلت مارتن سكورسيزي، الذي تحدث عن أسلوب راي في مقال تكريمي عنه: «لقد كنت مندهشًا. تلك الصورة المقربة الرائعة لعين «أبو» في «أغنية النهر» الطريقة التي يعمل بها القطع مع الاندفاع المفاجئ لموسيقا رافي شنكار بالنسبة لي، كانت تلك واحدة من لحظات الوحي الثمينة التي مررت بها في السينما، وكان لها تأثير عميق وتأثير دائم عليَّ كمخرج»[4]. حتى مع سير الشكل الفِلمي في أوربا نحو تيارات جديدة، أصبح معها الموضوع أحيانًا ذا قيمة ثانوية، كان راي يُبدي قلقه من إهمال الموضوع على حساب الشكل، المسألة لديه مختلفة تمامًا، يأتي الموضوع أولًا ثم الشكل؛ أفلامه تؤمن بالمشاعر الإنسانية وتدفقها، ثم تأتي مهمة التفكير في الشكل الأنسب لها.

وطوال حياته المهنية، أكد ساتيا جيت راي أن أفضل تقنية في صناعة الأفلام هي تلك التي لا تكون ملحوظة. لم تعجبه فكرة الفِلم الذي يثير الانتباه إلى أسلوبه بدلًا من موضوعه. هذا هو السبب في أن أفلامه تلامس الإنسان بوصفه وحيًا للفن. في الوقت نفسه، يكشف عن موقفه، وتعاطفه، ونظرته إلى العالم بطريقة خفية، من خلال التلميحات والاستعارات. لا توجد رسائل مباشرة في أفلامه، لكن معانيها واضحة بفضل التماسك الهيكلي لأفلامه.

شخصيات معذبة في واقع متغير

فِلموغرافيا راي الشخصيات منحوتة بعمق شديد، على الرغم من أن الممثلين كانوا في الأغلب أناسًا عاديين من غير محترفي التمثيل، كما هو الحال في ثلاثية «أبو». تتبع الشخصية وتحولاتها سمة مميزة لأسلوبه، كان هذا النهج يستفز المتفرج ويدعوه للبحث عن الأسباب وتفسير سواد الواقع وتغير أحوال الناس؛ لذلك تَبني أفلامه الظروف المحيطة بالشخصيات بعناية كبيرة، إيقاعها متمهل وحركة الكاميرا تفضل اللقطة، وغالبًا ينتهي فيها سياق الحكي بالموت أو الحرمان، ولفهمه الشديد لواقعه كان يحاكي ذلك بأن يضع كل أنواع الصعوبات في طريق شخصياته، استنادًا إلى واقع يُعذب الناس، كان من النادر أن تسلم شخصية ما في أفلامه من أمر جلل؛ هي إما معذبة أو شاهدة على عذابات شخصيات أخرى. يخرج عن هذا الاستثناء أفلامه التلفزية ومسلسلاته الموجهة للأطفال.

في ثلاثيته الشهيرة «ثلاثية أبو» نشاهد صراع عائلة بنغالية من أجل البقاء، في الجزء الأول، «أغنية الطريق الحزين» (1955م)، يضطر الأب -على الرغم من موهبته الفنية- إلى كسب لقمة العيش من أجل طفله وزوجته، في العمل محصل إيجارات. لقد كافح مدة طويلة من أجل تربية الأسرة في منزل العائلة، بعد وفاة أخت أبو، تنتقل العائلة للعيش في مدينة بيناريس. في ثاني أفلام الثلاثية «الذي لا يقهر» (1956م) يعود أبو ووالدته إلى قريته في البنغال ويحصل على فرصة تعليم جيدة، ويصبح طالبًا واعدًا، ثم ينتقل إلى كلكتا لمتابعة تعليمه، ثم يحاول قطع صلاته بجذوره وبأمه، وبعد موت والدته يعيش وحيدًا. وفي آخر أفلام الثلاثية «عالم أبو» (1959م) يحاول أبو أن يكتب رواية، تُلقي به تقاليد محلية إلى تعويض ابن عمه في الزواج بعد أن تبين أنه مختل، تموت زوجته يوم الولادة، يهرب من طفله محملًا إياه وفاة أمه، يجول في الهند قبل أن يقرر العودة إلى ابنه ويعودا معًا إلى كلكتا، ليس كأب وابنه، بل كأب وصديق.

لا تختلف الكيفية كثيرًا في ثلاثيته الثانية «كلكتا». في «العدو» (1970م) مثلًا، يضع شخصية «سيدهارتا» أمام قدَر تندر معه فرص النجاة، يضطر للتنازل عن دراسة الطب بسبب وفاة والده، فيبحث عن عمل، في أثناء مقابلة عمل وحيدة، يُطلب منه أن يذكر أهم حدث عالمي في السنوات العشر الماضية. كان متوقعًا أن يذكر بلوغ رجل إلى القمر، لكنه بدل ذلك ذكر الشجاعة الفيتنامية في حرب الفيتنام. لا يحصل على العمل. وتتفكك علاقته بأخيه وأخته، وعندما يقع في حب فتاة يحصل على عمل بعيد منها…

وفي «شركة محدودة» (1970م)، مع الإقلاع الاقتصادي ودخول الشركات الأجنبية إلى الهند، أصبحت مدينته من دون هوية وصار الإنسان مهددًا في قيمه، عادات جديدة ظهرت، ونمط الاستهلاك جلب معه الصراع الطبقي. تدور الأحداث حول مندوب مبيعات «شايمال»، الذي عُرف بطموحه وسعيه نحو الترقي، لكنه كان مستعدًّا للتنازل عن أي شيء كي يبلغ غايته. أما «الوسيط» (1976م)، آخر أفلام ثلاثيته، وأكثرها سوادًا، يبدو الفساد مستفحلًا أكثر من ذي قبل. نتعرف إلى شخصية أخرى «سوماناث» متعلم ولا يجد وظيفة، ثم يتحول إلى وسيط يعمل لحسابه الخاص، يتطور به الحال إلى أن يصير وسيط جنس، يطلب منه زبون فتاة، وعندما يستقدمها بمساعدة وسيط آخر يكتشف أنها أخت صديقه، عندما يكشفان بعضهما يصير الأمر حصة عذاب نفسي لهما.. تبحث هذه الأفلام عن الاتجاه الذي كانت تتطور فيه الهند، الواقع الجديد الذي يعوض فيه المال كل شيء آخر. إنها صرخة في وجه الواقع ما زالت تثبت صدقها حتى الآن.

حكايات عن الحرمان

تسير أفلام ساتيا جيت راي نحو فرض سياقات تنتهي بالفقد والحرمان، وهو منحى قاسٍ يغلف ثلاثية «أبو» كلها: فقدان الأخت، ثم، الأب، فالأم والزوجة. إنها، إن شئنا، ثلاثية مميتة حرمت أبو من كل أفراد عائلته، جلعته يواجه العالم وحيدًا، ثم يتضح في أفلام ثلاثيته «كلكتا» حرمان الشخصيات من فرصها في النجاة، وتحقيق حلمها، يُحرم «سيدهارتا» من دراسة الطب أما في «شركة محدودة» فتتنازل «شايمال عن مبادئ» من أجل الترقي، ثم أخيرًا في «الوسيط» يصبح سوماناث وسيطًا في توفير كل شيء مقابل المال، ضد مبادئه. وفى «شارولاتا» (1963م) تعاني زوجة صحفي إهمالًا وسخرية زوجها، وعندما يقيم ابن عم زوجها معهما، تعود لها الحياة، لكنها تكتشف أن غايتها مستحيلة التحقق. في المدينة الكبيرة (1963م)، يعاني موظف بنك بعد أنْ أُغلِقَ البنكُ، فيصبح عاطلًا عن العمل فتضطر زوجته للعمل مندوبة مبيعات ويرفضها الجميع، حتى المتعلمون، منهم والد زوجها الذي قضى حياته في مهنة التدريس. وتتحول القصص إلى رحلة سيزيفية للشخصيات لا تنتهي محنتها إلا لتبدأ أخرى.

على الرغم من النجاح الباهر لسينما راي خارج الهند، فإن تأثيرها ظل محدودًا في الداخل باستثناءات قليلة. الطريق الذي اختاره لم يكن يسير سير السينما الهندية التي اكتمل فيها شكلها الخاص؛ ميلودراما وعاطفة، وغناء ورقص. إنها ملامح الفِلم الهندي التجاري؛ لذلك كانت أفلامه تخاطب، كغيرها من السينما المستقلة، جمهورًا محدودًا ونخبويًّا، كما أن ثلاثيته «أبو» قدمت صورة مختلفة ومنكسرة بين الابن وأمه، وهي صورة مرفوضة لدى كل من شاهد فِلم «أمنا الهند».


هوامش:

  1. «السينما العالمية من منظور الأنواع السينمائية»، ويليام ﭬﻲ كوستانزو، ترجمة زياد إبراهيم مراجعة مصطفى محمد فؤاد مؤسسة هنداوي للنشر، ص: 228.
  2. Understanding Satyajit Ray Through The Prism Of His Writings , t.ly/lZDK.
  3. Ray, Satyajit, et al. «NATIONAL STYLES IN CINEMA.» Satyajit Ray on Cinema, edited by Sandip Ray, Columbia University Press, 2011, p. 3.
  4. Martin Scorsese’s tribute to Satyajit Ray: ‘The Apu trilogy took my breath away’, indianexpress.com, t.ly/byzT.
الحركة النسوية الروسية في مواجهة الكرملين والكنيسة

الحركة النسوية الروسية في مواجهة الكرملين والكنيسة

لكن واقع الحال مختلف تمامًا، والعلاقة في روسيا بين الحركة النسوية من جهة والسلطة الحاكمة والكنيسة الأرثوذكسية الموالية لهذه السلطة من جهة ثانية ليست قطعًا علاقة وفاق. وهذا ليس وليد اللحظة الراهنة، ففي عام 2012م، مثلًا، وصفت لاريسا بافولوفا، المحامية الممثلة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، النسوية بأنها «خطيئة مميتة»(١). وقد تفاقم الأمر مؤخرًا بالارتباط مع الحرب الروسية ضد أوكرانيا التي تعارضها الحركة النسوية عمومًا، ووصل الأمر إلى حد أن أوليغ ماتفيتشيف، نائب رئيس لجنة مجلس الدوما لسياسة المعلومات وتقنية المعلومات والاتصالات في روسيا، قدم في بدايات إبريل من العام الماضي مشروع قانون لتصنيف النسوية كـ«أيديولوجية متطرفة»(٢)، وهذا ما كان سيؤدي إلى حظرها.

فما خفايا هذه المسألة؟! هذا ما سوف تتناوله هذه المقالة، التي ستتطرق إلى هذا الجانب من الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية الراهنة في روسيا، ولكن قبل ذلك يجدر بنا تسليط بعض الضوء على تاريخ الحركة النسوية في روسيا.

الحركة النسوية الروسية في لمحة تاريخية(٣)(٤)

للحركة النسوية في روسيا تاريخ طويل ومعقد، وتعود بدايات ظهور هذه الحركة إلى أواخر القرن التاسع عشر، مع أن جذور النشاط النسوي في روسيا أقدم من ذلك بكثير، ويمكن إعادة جذورها إلى القرن الثامن عشر. وعلى نحو عام يمكن تقسيم تاريخ تطور الحركة النسوية في روسيا كما هو مبين في الفقرة التالية.

النسوية المبكرة في روسيا: ظهرت الموجة النسوية الأولى في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتأثرت بالحركات النسوية الأوربية الأوسع في ذلك الوقت. وقد لعبت ناشطات نسويات بارزات مثل: ناديجدا ستاسوفا، وآنا فيلوسوفوفا، وألكسندرا كولونتاي أدوارًا مهمة في الدفاع عن حقوق المرأة، بما في ذلك حق الاقتراع والتعليم وفرص العمل، كما ركزت الحركة النسوية المبكرة في روسيا على قضايا مثل تعليم المرأة، والوصول إلى مؤسسات التعليم العالي، والإصلاحات القانونية لتحسين حقوق المرأة.

الحقبة السوفييتية: تعرضت الحركة النسوية في روسيا لتغييرات مهمة في الحقبة السوفييتية (1917-1991م)، حيث وعدت الثورة البلشفية عام 1917م، بالمساواة بين الجنسين. وبعد ثورة أكتوبر، تعاون البلاشفة في البداية مع الحركة النسائية ونفذوا الإصلاحات التي كانت النسويات تطالب بها وتروج لها منذ عقود، لكن في الوقت نفسه، لم توافق الدولة السوفييتية على وجود حركة نسائية مستقلة، معتبرة أنها حركة برجوازية؛ لذا نفذت الدولة السوفييتية مشروعها الخاص الهادف إلى التعبئة السياسية والاقتصادية للمرأة لصالح هذه الدولة، فطبقت سياسات تعزيز حقوق المرأة، مثل منح حق الاقتراع، وتوفير الوصول إلى التعليم والعمل. ومع ذلك، حافظت الدولة أيضًا على بعض الأدوار التقليدية للجنسين، مؤكدة دور المرأة العاملة والأم، وهذا ما يعده بعضٌ حدًّا من حرية المرأة واستقلاليتها. وفي بدايات هذه المرحلة استمرت الناشطات النسويات مثل ألكسندرا كولونتاي في الدفاع عن حقوق المرأة داخل النظام السوفييتي، وركزن على قضايا مثل إجازة الأمومة والأجر المتساوي.

ومع ذلك، بقيت المساواة موضع شك ومساءلة في النظام السوفييتي، وكتبت النسوية السوفييتية إيكاترينا ألكسندروفا في مقالها «لماذا تريد المرأة السوفييتية أن تتزوج»: «تعمل المرأة السوفييتية في أكثر الوظائف تنوعًا، وكثير منهن متعلمات جيدًا، ولديهن مهن، ومستقلات ماليًّا عن الرجال، ومع ذلك، في هذا المجتمع خاصة بين هؤلاء النساء، يزدهر النظام الاجتماعي الأبوي وعلم النفس الخاص به».

حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي: أدى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م إلى تغييرات مهمة في الحركة النسوية في روسيا، حيث شهدت التسعينيات ارتفاعًا في النشاط النسوي، فركز نشطاء حقوق المرأة على قضايا مثل العنف الأسري، والحقوق الإنجابية، وعدم المساواة بين الجنسين، وأخذت المنظمات النسوية والمنظمات غير الحكومية في الظهور، مثل الرابطة الروسية للمحاميات، ونساء روسيا، ومركز دراسات النوع الاجتماعي. ومع ذلك، واجهت الحركة النسوية تحديات صعبة بسبب صعود القيم المحافظة والتقليدية، فضلًا عن تصور النسوية على أنها مستوردة من الغرب. وفي السنوات الأخيرة، واجهت الناشطات النسويات ضغوطًا متزايدة، بما في ذلك القيود الحكومية على المنظمات غير الحكومية والحملات المناهضة للنسوية.

النسوية المعاصرة

في السنوات الأخيرة، اكتسبت الحركة النسائية في روسيا زخمًا كبيرًا بفضل جيل الشباب من النشطاء الذين يستخدمون الشبكات الاجتماعية ومنصات الإنترنت. ويشمل النشاط النسوي المعاصر في روسيا مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي، والحقوق الإنجابية، وفجوة الأجور بين الجنسين، والتمثيل السياسي، وسواها. وتواصل المنظمات النسوية والنشطاء النسويون العمل من أجل تغيير الوعي الثقافي وتغيير السياسات وتحدي الأعراف الجنسانية التقليدية. وقد أدت شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا في تعزيز الأفكار النسوية وربط النشطاء في جميع أنحاء البلاد.

ومن الشخصيات النسوية المعاصرة البارزة في روسيا ماريا أليوخينا وناديجدا تولكونيكوفا والمجموعات النسوية مثل فرقة موسيقا الروك بانك، وسوى ذلك. لكن من المهم التنويه إلى أن الحركة النسوية في روسيا متنوعة، وأن الجماعات والأفراد المختلفين فيها قد يكون لديهم أهداف ومقاربات مختلفة، وأن هذه الحركة تستمر في التطور والتكيف مع السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية المتغيرة في روسيا.

ومع ذلك، كما سلف التنويه، تواجه الحركة النسوية في روسيا تحديات كبيرة، مثل: الحماية القانونية المحدودة، والأعراف الاجتماعية المحافظة، والموارد المحدودة. وتصور النسوية على أنها حركة دخيلة جاءت من الغرب. وغالبًا ما تواجه الناشطات النسويات معارضة شديدة، بما في ذلك القمع الحكومي وردود الأفعال العنيفة من المحافظين والمعارضين للأفكار النسوية. وغالبًا ما تصور وسائل الإعلام، التي تسيطر عليها الدولة، النسوية على نحو سلبي، كما تواجه الناشطات أيضًا التهديدات والمضايقات والعنف عبر الإنترنت وخارجه.

الدولة والكنيسة

عن العلاقة بين الدولة والكنيسة في روسيا، يقول المؤرخ قسطنطين أكينشا في صحيفة «روسيا تايمز» المستقلة: «في عام 1994م، بعد ثلاث سنوات من انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأت عملية إعادة بناء الكنيسة، وقد كان هذا المشروعَ الأيديولوجي الرئيس للرئيس بوريس يلتسين، الذي اكتمل في عام 2000م، الذي كان يهدف إلى التراجع الرمزي عن سنوات الحكم الشيوعي وإحياء الماضي الروسي. مع ذلك، فالكنيسة القديمة المجددة لم تستطع العودة بالزمن إلى الوراء، لكنها أصبحت رمزًا في روسيا البوتينية الجديدة، بمزيجها الذي يجمع بين القومية الشوفينية ودين الدولة. وهكذا أصبح أي هجوم على أي نصب يجسد وحدة الكنيسة والدولة في عهد بوتين لا يمكن أن يمر من دون عقاب»(٥).

وعن هذه العلاقة يرى بعض المفكرين السياسيين أن الكنيسة الأرثوذكسيةَ فيها قد شغلتْ في نظام بوتين الموقعَ نفسَه الذي كان يشغله سابقًا الحزبُ الشيوعي في النظام السوفييتي، أي أن الكنيسة الأرثوذكسية قد تحولت إلى ركيزة أيديولوجية قومية لنظام بوتين(٦).

وبهذا الموضع الذي تموضعت فيه الكنيسة في تبعيتها لنظام بوتين، جعلت من نفسها موقع نقد حاد، بل هجوم، من جانب معارضي بوتين، وهذا ما جعل إحدى الفرق النسوية تقتحم في أثناء الحملة الرئاسية الدعائية لبوتين في 12 فبراير 2012م كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو وتقيم فيها «صلاة عابثة» تعبيرًا عن رفضها لبوتين، وفي هذه الصلاة غنّت عضوات الفرقة أغنيةً تتهم البطريرك كيريل (رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية) بالخضوع للحكومة وتنصحه أن يؤمن بالله وليس ببوتين(٧).

أثارت هذه الحادثة غضب الكنيسة والدولة، وعدَّتها الكنيسة تجديفًا وتدنيسًا للمقدسات، وعدَّها بعض المتطرفين مؤامرة عدوانية ليس فقط ضد الكنيسة الأرثوذكسية، بل ضد الدولة الروسية؛ لأن كاتدرائية المسيح المقدس تُعَدُّ رمزًا وطنيًّا، حيث شيّدتْ نصبًا تذكاريًّا للانتصار على نابليون عند غزوه روسيا. وفي محصلة كل ذلك اعتُقِلَتْ ناشطات الفرقة ناديجدا تولكونيكوفا وماريا أليوخينا ويكاترينا ساموتسيفيتش، وحكم عليهن بالسجن لمدة سنتين بتهمة ارتكاب «أعمال شغب بدافع الكراهية الدينية»، ولاحقًا، بعد استئناف المحاكمة، أُطلق سراح ساموتسيفيتش وعلقت عقوبتها، فيما أُكِّدَت الأحكام الصادرة على المرأتين الأخريين(٨).

وقد أثار اعتقال ومحاكمة تلك النسويات والحملة التي أثيرت ضدهن من ناشطي الكنيسة والمحافظين الروس في تلك الآونة؛ موجةً تضامن واسعة معهن داخل روسيا وخارجها، وجعلت فرقتهن ذات شهرة عالمية، وعَدَّ المتضامنون معهن الحكم صوريًّا ومسيَّسًا(٩). وبالطبع، فالعلاقة الخصامية بين الدولة والكنيسة والحركة النسوية في روسيا لم تكن مقتصرة على فرقة بعينها، ولم تكن محصورة بحادثة اقتحام كاتدرائية يسوع المخلص، فقد استمر هذا الخصام وتَنامَى لاحقًا ليصلَ ذروته مع الحرب الروسية ضد أوكرانيا، التي تعارضها النسويات عامةً.

تُتهَم النسويات عمومًا من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والمحافظين والقوميين الروس ومؤيدي فلاديمير بوتين بأنهن يُرَوِّجْنَ ثقافةً دخيلة غريبة على المجتمع الروسي تتناقض مع القيم والتقاليد الأخلاقية والأسرية الروسية. ويأتي في طليعة ذلك تأييد المثلية، التي ترفضها الدولة والكنيسة والمحافظون الروس، ويزدرون من يمارسها؛ لذا فهم يطلقون على البلدان الأوربية التي سمحت بالمثلية التسمية الاستهزائية «غايروبا» المركبة من كلمتي «gay» أي «مِثْلِيّ» و«Europe» أي «أوربا»(١٠)، وقد اعتُمِدَ في روسيا لأول مرة القانون الذي يحظر «دعاية المثليين» على المستوى الفيدرالي في عام 2013م، وفي عام 2022م، صدر قانون جديد يحظر نشر أي معلومات ترى السلطات الروسية أنها «تُرَوِّجُ للعلاقات الجنسية غير التقليدية أو البيدوفيليا أو تغيير الجنس بين الأشخاص من جميع الأعمار»(١١).

وفقًا للدعاية الروسية الراهنة، فإن أحد أهداف الغزو الروسي لأوكرانيا هو محاربة «الفساد الأخلاقي للغرب» و«الانحلال الجنسي». ويكثر السياسيون والإعلاميون الروس المؤيدون للكرملين الحديث للجمهور عن «الفجور» في الجيش الأوكراني، ويقدمون أنفسهم على أنهم مقاتلون بطوليون من أجل «مستقبل طبيعي». وفي حفل التوقيع على عمليات حول ضم الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها روسيا، ركز بوتين على هذا الأمر، فقال: «هل نريد حقًّا في روسيا أن يكون لدينا أحد الوالدين هو رقم 1، والآخر هو رقم 2، هل هم مجانين تمامًا، أم ماذا؟ هل نريد أنْ يُخْبَرَ أطفالنا بأن هناك أجناسًا أخرى غير الأجناس الطبيعية؟ وهل نريد حقًّا أن تنتشر في مدارسنا الانحرافات التي تؤدي إلى التدهور والزوال؟»(١٢).

وفِعليًّا، بعض الفرق النسوية يُعلِنَّ على نحو صريح دعمهن لمجتمعات الميم(١٣). لكن مع ذلك فهذا الموقف لا ينسحب عامةً على كل الحركة النسوية الروسية. وبهذا الشأن تقول الصحفية لارا ستوبينا، ردًّا على سؤال، ما موقف النسويات من المثلية؟ بأن النسوية تنقسم إلى تيارات لها مواقف مختلفة من هذا الأمر، ولكن الغالب فيها هو الموقف الإيجابي من المثليين؛ لأنها حركة مساواة، في رأيها(١٤).

وفيما يخص الحرب ضد أوكرانيا، تباينت مواقف النسويات الروسيات أيضًا، ولكن على نحوٍ عام، عارضت النسويات الروسيات الحرب إلى حد كبير، وفي الآونة الأخيرة، وعلى خلفية الاجتياح الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022م، ومعارضة أكثرية النسويات الروسيات لبوتين تصاعد توتر العلاقة بين الحكومة الروسية والحركة النسوية الروسية، حتى وصل الأمر في أوائل إبريل الفائت، كما سلف الذكر، إلى حد تقدم فيه أوليج ماتفيتشيف(١٥)(١٦)، بمشروع قانون يَعُدُّ النسويةَ أيديولوجيةً متطرفةً، وهذا ما كان ليؤدي إلى حظر النشاطات النسوية فيما لو تم. وقد أشار ماتفيتشيف إلى قيام «لجنة التحقيق في التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لروسيا» بتقويم مشروع القانون.

وعن تسويغ ذلك، قال ماتفيتشيف: إن معظم المنظمات النسوية الروسية، في رأيه، زُرِعَتْ في روسيا في التسعينيات، فظهرت وعملت بفضل المنح الأجنبية، وأضاف أن النسوية هي شبكة عنكبوتية، أُلْقِيَتْ في روسيا من جانب الغرب؛ لكي تُدَمِّرَ القيم التقليدية، وهو ما تؤكده تقارير وكالة المخابرات الروسية. وقال أيضًا: إن جميع قيادات المجتمعات النسوية في روسيا تقريبًا هم ضد العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وتعمل مجموعات عديدة على الشبكات الاجتماعية لنشر معلومات مزيفة عن القوات المسلحة الروسية، وأن النسويات في الغرب جميعهن ضد بوتين، وضد روسيا، والنسويات في أوكرانيا عمومًا يرون أن النسوية الحقيقية هي أن تخدم النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال ضد الروس. وفي رأيه، النسويات في روسيا مجرد وكيلات للغرب، وهن منخرطات في تدمير القيم التقليدية، وأنشطتهن تتعارض مع المرسوم الرئاسي بشأن دعم القيم التقليدية، وهن يؤيدن الطلاق، وعدم الإنجاب، والإجهاض، ويعملن ضد السياسة الديمغرافية للاتحاد الروسي(١٧)(١٨).

كما ركز ماتفيتشيف على مسألة أن داريا تريبوفا، المتهمة باغتيال المدون العسكري فلادلين تاتارسكي في 2 إبريل 2023م، هي ناشطة نسوية، وأصرّ على أن ما فعلته هو عمل إرهابي. وفي هذا الصدد ذكرت بعض وسائل الإعلام أن تريبوفا كانت، حسب ما يُزعم، تتحرك في الأوساط النسوية(١٩). وفي المقابل، فقد وصفت نينا أوستانينا، رئيسة لجنة مجلس الدوما للأسرة والمرأة والطفل، مبادرة ماتفيتشيف بأنها «هراء كبير»، وقالت: إنها لم ترَ قانونًا أكثر غباءً منها قطُّ(٢٠)!

وبدوره نعتَ المحامي ألكسندر فاليافسكي مشروع قانون المساواة بين النسوية والتطرف بأنه «قانون داريا تريبوفا»، المتهمة بالقيام بهجوم إرهابي، وقال: إن مساواة الحركة كلها بالتطرف، أمر غير مقبول على الإطلاق(٢١). وفي المحصلة، وبعد الجدل الكبير الذي أثارته مبادرة ماتفيتشيف، وعلى الرغم من وجود العديد من النواب وكبار المسؤولين الروس المعادين للنسوية، لم يُتَّخَذْ أيُّ إجراءٍ لتجريم الحركة النسوية، ولم يوافق مجلس الدوما على عَدِّ الحركة النسوية في روسيا حركةً متطرفةً. لكن هذا لا يَعْنِي أن القضية قد انتهت، بل يمكن عَدّ ما جرى نوعًا من الإنذار الرسمي وغير الرسمي للحركات النسوية في روسيا بأن العديد من نشاطاتهن مرفوضة، ويمكن إنِ استمرّتْ أن تكون وخيمةَ العواقبِ.

كيف ستتطور الأمور لاحقًا في روسيا بين النسوية والدولة والكنيسة؟ هذا ما لا يمكن التكهن به. لكن الأوضاع المضطربة في روسيا اليوم يمكنها أن تدلّ على أن البلاد كلها تَمُرّ بمرحلة حرجة جدًّا ومتعددة الصعد، وخصوصًا بعد التورط في حرب أوكرانيا، وقد تتصاعد المواجهة بين الحكومة وأنصارها من جهة ومعارضيها من جهة أخرى، بما فيهم النسويات، وأنصار النسوية، وهذا سيتضح جيدًا في قادم الأيام.


هوامش:

(1) Konstantin Akinsha, Putin’s Kulturkampf , The Moscow Times. https://urlz.fr/mMCd

(2) Павел Астахов, В Госдуме подготовили законопроект о признании феминизма экстремистской идеологией,04 апреля 2023, https://urlz.fr/mMCD

(3) Feminism in Russia, Wikipedia, https://tinyurl.com/2owhl7qb

(4) История феминизма в России, https://urlz.fr/mME7

(5) Konstantin Akinsha, Putin’s Kulturkampf , The Moscow Times. https://is.gd/Z4i8SE

(6) The Church Has Replaced the Communist Party, https://is.gd/7N45th

(7) Феминизм в России, Википедия, https://is.gd/0GxHs8

(8) Пу́сси Ра́йот, Википедия, https://urlz.fr/mMIr

(9) Пу́сси Ра́йот, Википедия, https://urlz.fr/mMIr

(10) Гейропа, Википедия, https://urlz.fr/mMGJ

(11) Закон о запрете пропаганды ЛГБТ в России , Википедия, https://ibit.ly/7C0pU

(12) Никаких гомосексуалистов в этой стране нет,https://ibit.ly/BWWT9

(13) Пу́сси Ра́йот, Википедия, https://urlz.fr/mMIr

(14) Как феминизм относится к гомосексуалам , Яндекс Кью https://yandex.ru

(15) Госдума рассмотрит законопроект о признании феминизма экстремистской идеологией – Афиша Daily, https://urlz.fr/mMDa

(16) Закон о признании феминизма экстремизмом уже в Госдуме, https://urlz.fr/mMHx

(17) Госдума рассмотрит законопроект о признании феминизма экстремистской идеологией – Афиша Daily, https://urlz.fr/mMDa

(18) Закон о признании феминизма экстремизмом уже в Госдуме, https://urlz.fr/mMHx

(19) Будешь феминистом, теперь держись , https://ibit.ly/9oupn

(20) Будешь феминистом, теперь держись , https://ibit.ly/9oupn

(21) Краснодарские юристы назвали идею приравнивать феминизм к экстремизму «законом Дарьи Треповой», https://www.kommersant.ru/doc/5914905

صيف إنجليزي… مشاهد مستعادة من الذاكرة

صيف إنجليزي… مشاهد مستعادة من الذاكرة

من المعهد البريطاني في بغداد رُشّحْتُ عام 1978م لدورة صيفية للغة الإنجليزية في بريطانيا. تُقامُ الدورات كل عام في كلية غولد سمث- جامعة لندن في منطقة لويشام- نيو كروس، وهي كلية عريقة معنية بالدراسات الإبداعية والثقافية تتبع جامعة لندن.

مبنى الكلية الجميل، من الطراز الإنجليزي، مشيّدٌ بالآجُرّ الأحمر، وقد طُلِيَتْ أُطُرُ النوافذ باللون الأبيض، وتحيط المبنى مروجٌ خضراء زمردية، كجميع المروج الإنجليزية التي تسرُّ الروح، وتمنح المرء فرصةً الاغتسال من الجو الرمادي المكفهرّ في المدينة. يكسو المبنى بطوابقه الثلاثة نباتُ اللبلاب الإنجليزي؛ فيصبح المرء في عالم نضر من الخضرة اليانعة التي تكتمل فتنتها بوجود المروج الشاسعة وأشجار الكستناء العملاقة على مسافات متباعدة. كنّا نفترش المرج في أوقات الراحة أو نلعب الكرة الطائرة، أو ننفرد لقراءة رواية لِـ(آيريس مردوخ) أو (وليم غولدنغ) أو نناقش أحد الدروس أو نختلي في مكتبتها العريقة.

شملت المحاضرات الأدب والنحو والمحادثة، وكان من ضمن مناهج الدورة أن نناقش مسرحيات لـ(توم ستوبارد)، وقد ألقى علينا ستوبارد محاضرة ممتعة في فن الدراما، ومن مقررات الدروس توجّب علينا قراءة رواية دوريس ليسينغ «العشب يغني» ومعها «الأمير الأسود» لآيريس مردوخ، و«سيد الذباب» لوليم غولدنغ ومقاطع من «الأرض اليباب» لإليوت، وبعض قصائد وليم بليك وشكسبير.

كنّا طلابًا من أعمار مختلفة: كُهول وعجائز وشباب ومن متوسطي الأعمار، ومن جهات الدنيا كلها: من أميركا اللاتينية والمكسيك واليابان والهند وصقلية وفرنسا وألمانيا. وكم كنا نشبه أبطال مسلسل (Watch Your Language)؛ فاليابانيون مولعون حدّ الإدمان بكاميراتهم التي تتدلى على صدورهم، والإيطاليون منشغلون بإغواء الفتيات الجميلات، والأفارقة- وبعضهم أبناء وزراء وقادة دول- معنيون بإبراز ثرائهم وتقاليدهم في الثياب والحلي والطعام، أمّا الهنود فكانوا منشغلين بتعديل نطقهم المتماوج للغة الإنجليزية، في حين كانت السيدات القادمات من كولومبيا وصقلية والبرازيل حريصات على الدرس وتعلّم المزيد من لغة شكسبير.

ليس مِنْ مدينة أوربية مثل لندن عاصمة الإمبراطورية التي ما غابت عنها الشمس، مدينة أحلام سكان المستعمرات، هي المدينة الأكثر ألفة وحميمية -على الرغم من كآبتها العريقة- من بين مدن القارة؛ فلا تماثلها باريس ولا بون ولا بوخارست أو بودابست أو فيينا، ربما لانعدام حاجز اللغة. لندن الكئيبة العتيقة المزدحمة المضببة الحنون والقاسية تخرج من تعاليها الكولونيالي، برهة براغماتية؛ لتحتضننا نحن أبناء المستعمرات القديمة وسوانا من قارات الأرض كلها، بدت في تلك البرهة الكريمة أُمًّا رَؤُومًا تغدق علمها وآدابها على عُشّاق لغتها.

كان الانتماء إلى جامعة لندن مثل معجزة سحرية؛ فقد احتفت إدارة كلية غولد سمث بنا وعرّفتنا إلى أهم موائل الثقافة في بريطانيا: جامعة كمبردج ومدينة ستراتفورد أبون آفون حيث منزل شكسبير ومسرحه الملكي، كما زُرنا مبنى البي بي سي وكنيسة وستمنستر. العالم يمنحنا -نحن الغرباء- بعضًا من هبات البلاد الكولونيالية؛ إذ صادف الاحتفال بذكرى الكاتب والشاعر العظيم توماس هاردي الذي دُفِنَ رماده في ركن رواق الشعراء والكُتّاب الإنجليز العظام ممّنْ حُفِرَتْ أسماؤهم على قطع رخام تمتد على أرضية الرواق المهيب تحت الثريّات العملاقة في الكنيسة العتيدة. قيل لنا: إن قلب توماس هاردي دُفِنَ في كنيسة القديس مايكل في ستانفورد مع زوجتيه إيما وفلورنس. رقد جسده بلا قلب مع رفاقه العظماء؛ تشوسر، وتشارلز ديكنز، وروديارد كبلنغ، وإيرفينغ، وتينيسون، وأودن، ووليم بليك، وشارلوت برونتي وآخرين. تساءلت: كيف سيحيا الشاعر في خلوده دونما قلب؟

كان يوم الاحتفال بذكرى توماس هاردي مميزًا؛ لكونه يُقامُ في «ويستمنستر آبي» وقد احتشد أعضاء جمعية أصدقاء هاردي ومحبوه ووزّعوا على الحضور كتيبات صغيرة عن حياته وأعماله مع شارات بدبابيس عن الذكرى، ووضعوا أكاليل الزهور على نصبه التذكاري في ركن الشعراء. بعد الاحتفال اشترينا بعض روايات هاردي بطبعات أنيقة تناسب الذكرى المهيبة للروائي الكبير.

منزل شكسبير في وارويك شاير– ستراتفورد أبون آفون

قبل يوم من زيارة ستراتفورد أبون آفون، مدينة شكسبير، أمضينا دروس الصباح ومناقشات المساء مع سونيتات شكسبير. كانت المس غريتشن، المتخصصة في أعمال شكسبير، قد أحضرت أوراقًا استنسخت فيها أشهر سونيتات شكسبير عن الجمال ووزّعتها علينا وحدّثتنا بأسلوبها الشائق عن أصل السونيت الذي يعود إلى بترارك الإيطالي، ثم جعلتنا نقرأ السونيتات الأولى ورافقتنا بالعزف على البيانو وهي تؤكد أن السونيتا هي الأغنية الصغيرة. عندما قرأنا السونيتات المختارة عادت المس غريتشن لتحدّثنا عن أهمية السونيتات بين أعمال شكسبير المسرحية؛ فهو شاعر عبقري قلّد سونيتاته عددٌ كبير من شعراء القرون اللاحقة: ميلتون وجون دَنْ، وغيرهما. حينها كانت تستعصي عليّ مفردات كثيرة من اللغة الشكسبيرية؛ فهي إنجليزية القرن الخامس عشر الكلاسيكية. عند انتهاء الدروس، وقد تشبّعْنا بالسونيتات/ أعلنت السيدة غريتشن أنّها ستصحبنا في الغد إلى ستراتفورد أبون آفون- مدينة شكسبير. طوال الطريق كانت تسهب بالحديث عن أعمال شكسبير لكني كنت منشغلة عنها بالتمتع بمناظر الريف البريطاني المبهرة وأنا أبرّرُ لنفسي أن الجمال العابر في اللحظة المُغادَرة أثمنُ من قراءة نص شعري سيكونُ في متناول أيدينا متى شئنا.

الريف هنا منفتحٌ ومضيء، يكلّله ضبابٌ رقيق أشبه بفستان موسلين أبيض لعروس لا مرئية. ثمة في المروج أبقار مبقّعةٌ وبوّابات مزارع موصدة وظلال سخية تحتضن الطرقات.

كان علينا مجتمعين أن نزور مسرح شكسبير الملكي ومسرح البجعة ومؤسسة شكسبير التي تضمُّ مخطوطات شكسبير وأعماله، ولكننا لم نحظَ بزيارة معهد شكسبير؛ فاليوم عطلة.

فتحوا باب منزل شكسبير، تجوّلْنا في غُرَفِهِ وردهاته مع صرير الأرضيات الخشبية ورائحة زيت التربنتاين والإضاءة الخافتة، وما أدهشني أن سرير شكسبير كان صغيرًا جدًّا حتى لكأنه يصلح لصبي في العاشرة من عمره. يبدو خلال الستمئة عام الماضية أن حجوم البشر قد تغيرت، ومعها تغيّرت سحناتهم ومصايرهم وأحلامهم أيضًا، وكان لا بد أن نشتري زهورًا لنضعها على قبر شكسبير في باحة كنيسة الثالوث المقدس قبل أن نختتم المزارات المهمة بمتحف ناش.

لم تبهرني المنازل ذات الطراز القروسطي البريطاني ولم تعنِ لي شيئًا أنواعُ التذكارات التي يعتاش على تجارتها نصفُ سكان ستراتفورد من باجات وقمصان ومطبوعات لملخصات المسرحيات وبوسترات العروض الشكسبيرية والخواتم والأكواب والأطباق التي تحمل صورة شكسبير وأبطال مسرحياته. ما أبهرني أكثر من سواه مبنى مسرح شكسبير الملكي المطلّ على حدائق «بانكروفت» مثلما سحرني نهرُ «آفون» الذي وجدته نهرًا فردوسيًّا كتلك الأنهار التي تتوسط لوحات تيرنر وجورج فروست وفريدريش والفنانين الرومانتيكيين.

لا ترى في نهر «آفون» سوى أسراب الإوز الأبيض تسبح جيئة وذهابًا وعلى ضفافه ثمة قصائد منسوجة من آلاف الزهور: الزنبق والنرجس والورد. اشترينا فطائر التفاح الإنجليزية التقليدية المعطّرة بالقرفة، وتناولناها مع أكواب الشاي التي تُباعُ في الكافيهات الصغيرة المحيطة بالساحة، وواصلنا استكشاف العوالم الشكسبيرية؛ إذ وجدتُ دكانًا يعرض ملابس المسرحيات الشهيرة: أردية الليدي مكبث وعباءة هاملت، وتيجان هنري الثامن ومجوهرات كليوباترا ووشاح جولييت وصدار عطيل الجامح وقلادته.

في اليوم التالي استعادت المس غريتشن معنا سونيتات شكسبير وهي تعزف على البيانو:

أيها الجمال الذي خبت فتنته، علام كنت مسرفًا

حين أنفقت على نفسك ميراث حسنك؟

الطبيعة لا تورِثُ أحدًا شيئًا لكنها تزيد وتضفي

ولكونها كريمة معطاء فهي تضفي زادها على أولئك الكرماء..

كان معنا تلميذٌ في الثلاثين من سانتياغو تشيلي محط أنظار الجميع لغرابته وهشاشته وكأنه شبيه الفتى اليافع في رواية «الموت في البندقية» لتوماس مان؛ كان تجسيدًا للجمال الهش الفاني الذي تحدّث عنه شكسبير وترنّمت به معلمتنا.

كمبريدج

تسحرني المدن التي تغفو على همهمات نهر وتنعكس على نهرها زرقة السماوات وتشكّلات الغيوم ورعشة النجوم. ها هو وسط مدينة كمبريدج العريقة يتماوج نهر «كام» الرقيق الحنون المحاط بالمروج الخضراء وأنواع الزهور، تمرق فيه القوارب الصغيرة بالمِجْذافيْنِ المتناغمي الحركات، ومِن بُعْدٍ تطل عليه مباني جامعتها العتيدة شبيهة الكاتدرائيات. استقبلنا أحدُ أساتذة (كلية الملك) واجتمع بنا في إحدى القاعات التابعة لكنيستها. رهبةُ القاعات الواسعة واللوحات العتيقة، وسقوف القاعات المرتفعة وقناديلها الزيتية القديمة وأبراجها الشبيهة بأبراج كنيسة ويستمنستر تحيلك إلى القرون الخوالي يوم تأسست أول بذرة للجامعة منذ أكثر من 800 سنة.

كانت القاعة فيما مضى تابعة لأحد الأديرة، مصاطبها من الخشب الخام غير الصقيل صنعه الرهبان وتركوا آثار صلواتهم وآهاتهم ظلالًا على الجدران وها هي تُستخدَمُ الآن قاعة للطعام يؤمها طلبة الأقسام الداخلية لكلية الملك.

رافَقَنا مدرّسُنا لمادة النحو المستر كامبل: النسخة الأصيلة للشخصية الإنجليزية المنضبطة التي ترى في إنجلترا سيدة العالم وثقافتها هي الأرقى. كلّ برهة كان المستر كامبل يبدل نظارتيه ويقرأ الإرشادات. أخذَنا إلى غرفة نيوتن حيث كان العالِمُ الفيزيائيّ يعمل ويجري تجاربه، وثمة غرفة اللورد بايرون أيضًا. قادنا تحت زخات المطر الناعم إلى بوابة «نيفيل» لندخل إلى أجمل وأعرق كليات كمبريدج (كلية ترينتي) واستقبلَنا موظفُ العلاقات أو الاستقبال وكان فخورًا وهو يحدثنا عن تاريخ الكلية والجامعة. قال بزهو كبير: إن معظم الحائزين على جائزة نوبل في العلوم -الفيزياء والكيمياء خاصّة- هم من خريجي وأساتذة جامعة كمبريدج.

من بين الطلبة كان ثمة عاشقان اقترحا على أستاذ النحو، مستر كامبل، أن يصحبنا إلى جسر التنهدات، تبين أنهما إيطاليان وشاءا أن يخبرانا أن الجسر الجميل على نهر كام ما هو إلا تقليدٌ لجسر موجود في فينيسيا، ثم علمنا أنّه جسر كان يعبر عليه المحكومون بالإعدام في محكمة سنت جون، وعلى هذا الجسر كانوا يطلقون تنهدات خسران الأمل والحياة معًا. شتان ما بين تنهدات العشاق في فينيسيا وتنهدات الذاهبين إلى حتوفهم، جسر للعشاق وجسر للموت، تنهيدة عاشق وحسراتُ رجل موشك على مغادرة الحياة.

لم تُتَحْ لنا فرصة زيارة متحف كمبريدج؛ فقد هطلت أمطار غزيرة وقرر المستر كامبل العودة بنا إلى لندن قبيل الغروب لكنّ هيبة ورهبة جامعة كمبريدج وتنهّدات البهجة رافقتنا طوال طريق العودة إلى كلية غولد سمث، فتوزّعنا على مروج حدائقها وبين شجر الكستناء المعمر في فنائها الخلفي استعدادًا لتناول عشائنا المملّ في قاعة الطعام المشبعة بروائح المقليات وزناخة اللحوم المقددة. وها هو العشاء التقليدي البارد: قطعة الستيك نصف الناضجة التي تنضح دمًا مع البطاطة المهروسة وقطع الجزر وقطعة خبز أبيض باهتة.

كان اليوم الأخير مخصصًا لصورة جماعية يصوّرُها مصوّرٌ محترف استطاع أن يجمع نحو أربعين شخصًا في لقطة واحدة فيها أناسُ القارات كلها تحت شمس لندن الخجولة والناسُ وقوفٌ في مرج كلية غولد سمث تؤطّرُهُم جدران المبنى العتيق المكسوّة باللبلاب الإنجليزي وحسرات المغادرين إلى بلدانهم.

إنسانيتنا تفضحنا

إنسانيتنا تفضحنا

أي شيء هو الإنسان؟

يبدو أن العالم يسير من سيئ إلى أسوأ، اضطرابًا وترديًا في أحواله ومآلاته. تشهد على ذلك المشكلات المستعصية والأزمات العاصفة على غير مستوى وصعيد؛ وهو ما يجعل السمة الرئيسة لسياسات الدول هو التخبط والتورط، وعلى نحو يفضي إلى تواطؤ الضد مع ضده واجتماع العدو مع عدوه على خراب العالم.

وكان العام المنصرم مسرحًا لأحداث جسام هي ثلاث حروب مهولة انفجرت في ثلاث قارات: أوربا وإفريقيا وآسيا. هناك الحرب التي اندلعت منذ عامين، بين روسيا وأوكرانيا، دولتين شقيقتين أو حليفتين في الاتحاد الروسي أو في المنظومة السوفييتية، وتلك هي عاقبة الاتحادات التي تبنى بالقوة والقهر، مآلها أن تنتظر ساعة الانفجار. وهناك الحرب التي نشبت في السودان، في إبريل الفائت (2023م)، بين الجنرالين اللدودين، لتسد الأفق وتقضي على الأمل أمام الشعب السوداني الذي انتفض وثار غير مرة، ليحسّن مستوى عيشه ويتحرر من نير الاستبداد.

وحرب السودان ليست أقل فتكًا من حروب إسرائيل ضد الفلسطينيين؛ ذلك أن حرب الشقيق ضد شقيقه الذي ينشق عنه، هي دومًا الأشرس والأكثر دموية. ولكن الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة أعمت العقول عن رؤية الواقع البشع، وهو أننا العرب لسنا أقل شراسة ضد بعضنا الآخر من شراسة إسرائيل ضدنا.

وبالطبع هناك الحرب الدائرة في غزة، بين إسرائيل وحركة حماس. وهذه الحرب، التي هي منطلق الكلام في هذه المقالة، هي فصل من فصول الصراع بين الفلسطينيين واليهود، الذين أقاموا دولتهم بتهجير قسم كبير من أهالي فلسطين من ديارهم، ليقيموا في المخيمات، إما داخل فلسطين أو في البلدان العربية المجاورة. أو في بلاد الله التي كانت واسعة، فإذا بها تضيق، يومًا بعد يوم، بسبب الحروب والهجرات.

ومن المفارقات أن إسرائيل التي كانت ضحية للنظام النازي في ألمانيا ولمعاداة السامية في الدول الغربية عامة، عملت على حل مشكلتها بتحويل الفلسطينيين إلى ضحايا. وهذا مثال على أن الضحية، أو من يدعي أنه كذلك، سرعان ما يتحول إلى جلاد عندما يتمكن ويسيطر.

والصراع بين الجانبين يتعدى النزاع على الأرض؛ إذ هو صراع وجودي يتغذى من تاريخ العلاقة بين ديانتين تنتميان إلى الأصل الإبراهيمي التوحيدي نفسه، اليهودية والإسلام. من هنا يتخذ طابعه الرمزي والثقافي، بقدر ما يتغذى من الهوية الموتورة بعقدها والتواءاتها، ومن الذاكرة المترعة بانتصاراتها أو المثخنة بانكساراتها، وكما تشهد عناوين المعارك، مثل «عناقيد الغضب»، أو «طوفان الأقصى».

الديانات، كما يُفترض، قد نشأت لخدمة الحياة لا لوأدها. ولكن الآية هي دومًا معكوسة لدى الإنسان، الذي لا يحسن سوى انتهاك ما يدعو إليه. وإلا كيف نفسر، أنه بعد كل هذه العهود من التعليم الخلقي والإرشاد الديني والتنوير الفلسفي، وهي المصادر الثلاثة لإنسانيتنا المفلسة، نتقهقر إلى الوراء من حيث علاقتنا بالمثل والقيم. يا لها من آخرة، بعد كل هذه المزاعم حول الرقي والتقدم، أن تصنع البشرية مآزقها لتشهد على عجزها!

غزة ضحيتنا

وما يجري في غزة من التدمير المنهجي للحياة والعمران، للبشر والحجر، هو غير مسبوق من ناحية فظاعته وبشاعته. ربما مارَس الإنسان الفظائع في كل الأزمنة. ولكن مع عصر الشاشة والصورة يعجز المرء عن الوصف، وهو يتلقى المشاهد الحية لتلال الركام وأشلاء الجثث. لقد تحولت غزة إلى ممر إنساني، كما يقولون، ولكنه ممر قاتل وغير آمن؛ لأن من نجا ولم يمت بالقصف الهمجي تحت أنقاض منزله، يطارده الموت من كل حدب وصوب؛ إذ لم يعد يوجد مكان آمن في غزة، بما فيها المستشفيات والمدارس ومقرات الأمم المتحدة.

إنها إنسانيتنا التي تفضحنا. ولذا فالمشكلة تتعدى انقسام الهويات الثقافية وصراع المعسكرات الأيديولوجية. إنها مشكلة الإنسان مع نفسه بالدرجة الأولى:

فأي شيء هو هذا الإنسان الذي يرتكب كل هذه الفظائع ويخلّف كل هذه الآثار الهمجية؟!

والدرس المستخلص هو إعادة التفكير فيما كنا نفكر فيه ولا نزال، بحيث نعيد النظر في المفاهيم والقيم التي نستخدمها نحن البشر في إدارة شؤوننا، وفي ترتيب علاقاتنا بعضنا مع بعض.

الأصوليات الأربع

ثمة أكثر من لاعب فاعل على مسرح الصراع الدائر في غزة؛ أبرزهم أربعة: دولة إسرائيل وحركة حماس، أميركا حامية إسرائيل، وإيران قائد محور المقاومة. نحن إزاء أربع أصوليات متواطئة: أميركا الإنجيلية، وإسرائيل التوراتية، حماس الإخوانية، وإيران الحسينية الكربلائية.

هذه الأصوليات ذات المعتقد الاصطفائي العنصري، هي مصدر ما نشكو منه من الفساد والخراب أو التطرف والإرهاب، بأجنداتها المشبوهة ودعواتها المستحيلة، ببرامجها المدمرة وإستراتيجياتها القاتلة.

ولا نظلم الأصوليات وأصحابها إذ نقول إن غزة المنكوبة، هي واحدة من ضحاياهم، كما هي حال لبنان المنكوب والمقهور. هل هي لعنة القدر، أم انتقام التاريخ أم حيل العقل؟ الأحرى القول: إنها أفخاخ العقائد ومآزق الهويات، نرجسية النخب وتكالب البشر على المال والسلطة والمتعة، إلى الحد الذي يجعل الأرض غير صالحة لا للإقامة ولا للوراثة.

التراث والمتراس

أصحاب المشروعات الدينية على اختلاف فرقهم وأحزابهم وحركاتهم، والمثقفون العاملون في خدمة محور المقاومة، يعدون معركة الطوفان نصرًا مبينًا على أميركا وإسرائيل، يؤذن بأفول الحضارة الغربية، ويفتح الإمكان لعودة الحضارة الإسلامية وتصدّرها الواجهة على المستوى العالمي. ليفق المثقف العربي، المصفق لمحور المقاومة، من سباته الديني التحرري، فما نحسبه الحل هو المشكلة.

أصحاب المشروعات الدينية يشهدون على أنفسهم وعلى الضدّ من أطروحاتهم. لم يستطع أي منهم بناء نموذج ناجح وجذاب للحياة والعمران أو للنمو والتقدم. بل هم حيث حكموا أو سيطروا ازداد معهم الفقر والتخلف والفساد أو الاستبداد والإرهاب. ولا تظنن أن الحل هو في تجديد الفكر الديني أو الخطاب الديني. ثمة محاولات كثيرة بذلت في هذا الخصوص منذ محمد عبده ومحمد إقبال.. والحصيلة كانت صعود الأصوليات على المسرح. والمخرج من المأزق هو الخروج من هذا الفلك، بالاختراعات والإبداعات في مختلف الميادين والحقول.

وهو الأمر الذي يقتضي أن يبتكر كل بلد عربي أو مسلم صيغة حضارية جديدة لحداثته وتقدمه وازدهاره؛ لكي يشارك عبرها في صناعة الحضارة العالمية. وهذا ما ينتظر خاصة من إيران: أن تتحرر من الاستعمار العربي، اللغوي والديني، بابتكار صيغتها الحضارية، بدلًا من محاولاتها السيطرة على المنطقة العربية واستعمارها، عبر ميليشياتها الطائفية، إلى الحد الذي جعل المسؤولين الإيرانيين يتباهون بأنهم باتوا يملكون خمسة جيوش في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة. وكانت النتيجة تفكيك هذه البلدان بتمزيق مجتمعاتها وتخريب عمرانها. ولبنان كان الضحية الأولى؛ لأن المقاومة لم تكن أداة للتحرير كما يُفترض. لبنان كان هو الأداة والوسيلة، أي الرهينة، بقدر ما عومل كملعب ومسرح أو كساحة ومنصة.

وحماس بوصفها حليفة إيران أو حلقة من حلقات محور المقاومة والممانعة، إنما لها قسطها من المسؤولية في خدمة إستراتيجية إيران الإمبريالية التوسعية. وفي هذا شاهد على أن الإنسان ينتهك ما يدعو إليه أو يصنع النماذج التي يدعي محاربتها. فالذي يريد إزالة الاحتلال الإسرائيلي لا يستبيح لبنان أو يتغاضى عن احتلاله، بذريعة وحدة الساحات، بخاصة أن لبنان البلد المنكوب والمفلس أو المحتل والمقهور، قد دفع الأثمان الباهظة، دماء ودمارًا وحروبًا أهلية؛ بسبب ما توالى عليه من المقاومات، بنسخها الفلسطينية والقومية أو اليسارية والإسلامية. وكل واحدة منها لعنت أختها واستجمعت مساوئها.

نحن والغرب

إن الغرب ليس حديقة أو فردوسًا. وإنما هو ككل المجتمعات البشرية له نجاحاته وإنجازاته ومعجزاته، كما له مساوئه وسقطاته وفضائحه. من ذلك أنه يتهم البلدان التي لم تتقدم بالتخلف. ولكنه يخشى منها عندما تنهض وتحرز تقدمًا، ويعمل على عرقلة مشروعاتها. ومع ذلك فنحن ما زلنا بحاجة إلى الغرب لنتعلم منه؛ ذلك أن الحضارة الغربية ليست صنيعة الحكام والجنرالات بقدر ما هي صنيعة الفنانين والأدباء أو العلماء والفلاسفة. صحيح أن الغرب لا يعمل بقيم الديمقراطية في تعامله مع الخارج، بل يغلب مصالحه على منظومة القيم التي يتباهى بها. ولكن البلدان الغربية المسماة ديمقراطية، هي دول قوانين ومؤسسات؛ إذ لا وجود فيها للإجماع، بل تمارس حرية النقد والتفكير، ويحترم مبدأ تعدد الآراء والمواقف، وبخاصة في الشؤون الخطيرة والقضايا المصيرية. والشاهد تقدمه المواقف من حرب الطوفان، حيث انبرى مثقفون كبار، فنانون وأدباء وفلاسفة، ومنهم يهود أو ذوو أصول يهودية، يدافعون عن حريات التعبير، أو يخرقون الإجماع في مناصرتهم للقضية الفلسطينية.

إن حرية التفكير والتعبير عن الرأي المخالف أو المعارض، تفتح الإمكان لرؤية الوجه الآخر للمسائل والقضايا، أي لما خفي واحتجب، أو لما استبعد وطمس، أو لما استعصى إدراكه وفهمه. وهذا ما يفعله صاحب الفكر المركب. إنه يرى إلى الواقع بمختلف وجوهه وأبعاده وأطواره.

ما يجري عندنا هو العكس، حيث يسود الفكر الأحادي. والمثال يقدمه المثقف الذي هو صنيعة الثقافة الغربية في معارفه ومفردات خطابه وألقابه، ولكنه يسيء إلى ما أخذه من الغرب، من القيم كالحرية والتنوير وحقوق الإنسان.

يا لها من مفارقة فاضحة أن المثقف، الذي يصنف نفسه بين أحرار العالم، إنما يصطف مع الرأي الواحد والخط الوحيد أو مع الزعيم الأوحد والبطل المنقذ والنصر الخادع، على غرار ما تجري الأمور في الأنظمة الشمولية والحكومات الدكتاتورية، حيث يقمع كل رأي مخالف أو موقف ناقدٍ معارض؛ لكي يتهم صاحبه بالتنكر لأصوله وهويته، أو لكي يوصم بوصمة الخيانة والعمالة. إنها الفاشية تطل برؤوسها، بعد معركة الطوفان، كما تتجسد في تقديس القضايا وتأليه الأشخاص، في استبداد السلطة والقمع المنهجي للحريات الديمقراطية.

لنحسن قراءة واقعنا. نحن لا مصداقية لنا فيما نتهم به الغرب.