بواسطة عبدالله عبيد - شاعر ومترجم يمني | مارس 1, 2024 | فضاءات
إن أي قراءة في المشتركات الإنسانية الكبرى ستكون عرضة في دراستها إلى مستويات عدة من الأحكام، التي ستكون النسبية فيها حاضرة بشكل كبير، فأي قياس لشكل من أشكالها يستوجب قياسها بمثيل لها يلتقيها أو يخالفها في الظروف. وهذا الأمر سينطبق بشكل من الأشكال على ما تعارف الناس على تسميته «الحب». وقبل شروعنا في الحديث عن الحب سيكون من المهم أن نحاول ضبط الأمور. وعليه من المنطقي أن نحاول تعريفه، وتعريف الشيء كما نعلم لا يتأتى لنا بشكل واضح إلا إذا استطعنا كشف هذا الشيء والقبض عليه.
سأحاول أن أستعرض معكم مجموعة من التعاريف لفكرة الحب من ثقافات مختلفة، وتواريخ متباعدة لنرى مستويات إدراك الإنسان لهذا المفهوم الكبير. ولكن الحديث عن صعوبة تعريف الحب، أو المحبة، تحدث عنها كثيرون في التراث الإنساني عامة، ولعلنا نستحضر (سمنون المحب)(١) ذلك العاشق البغدادي المتوفى تقريبًا سنة 298هـ؛ إذ قال: «لا يعبر عن شيء إلا بما هو أرق منه، ولا شيء أرق من المحبة، فما يعبر عنها؟!»، وهذا يؤكد أن إدراك استحالة القبض على فكرة الحب كان اعتقادًا قديمًا وراسخًا.
تاريخية الحب
إن المتأمل في التاريخ البشري وتطور أخلاقياته سيلمح أن الفعل البشري كان رهن محركين أساسين بحسب «سيغموند فرويد» وهما غريزة «الإيروس» أو الحب، وغريزة «الأنوناكي»(٢) أو الهدم، فالأولى هي التي تحض على البناء وتحفز الخلايا على الارتباط والاكتمال والاتساق فيما بينها، وبالتالي هي التي توجه الأضداد باتجاه بعضها الآخر. ونستطيع أيضًا أن نصفها بأنها غريزة التجمع والإعمار وهي علة تكوين المجتمعات والتجمعات البشرية. أما الثانية فهي مضادة لغريزة «الإيروس» وهي تتمثل في اندفاع الفكري نحو الموت وهي تحض على الانفصال، والتوحد، والانطواء وبالتالي تشكل دائمًا نقطة تحلل في المجتمعات. وهي أيضًا تعبر عن شهوة الصراع، والحرب، والنزاع.
ومن المهم أن نشير إلى أن الوحشية التي عُرف بها الإنسان شكلت بحسب علماء الأنثروبولوجيا 99% من تاريخ البشر وتسمى مرحلة «ما قبل التاريخ» و1% لكل هذه الثقافات التي نشأتْ، ثم الحضارات. وأقول ثقافات لأننا لا يمكن أن نطلق على مجرد تجمع بشري ما لفظة حضارة، حتى وإن ظهرت بعض الممارسات لذلك. وهو ما يعني أن كل تاريخ الأخلاقيات، وكل ما قيل عن قيمة النوازع الباطنية للإنسان كالضمير، والعدالة، والإيثار هي لا تمثل إلا هذا الـ 1% من تاريخ الإنسان بما في ذلك فكرة الحب. ولكن الغريب في الأمر أن بعض هذه القيم لم تتقدم تلك الخطوات الهائلة التي كان يجب أن تتقدمها استنادًا لكل هذه الحقبة الطويلة. ولعل هذا ما حدث مثلًا للحب.
والحقيقة أن موضوع الحب شغل الحكماء، والمعلمين القدامى منذ عصور ما قبل اختراع الكتابة. نقرأ مثلًا في كتاب مهم في أنثروبولوجيا الحب والجنس.. كتاب يدعى «الحب الأسود» لـ«بوريس باراتي» يُرجع فيه انشغال المفكرين بتدوين عادات وتقاليد الحب والجنس، لما قبل الألف الرابعة قبل الميلاد، بل يقول في مقدمة كتابه: «إن الموضوع أقدم مما قد يتخيل البعض. فعاطفة الحب هي التي أدت لوجود القبائل، وليست الطواطم المعبودة، كما قد يتخيل البعض وبالتالي هي التي خلقت النواة الأولى للمجتمعات القديمة وهي القبيلة». وتأكيدًا لكلامه يمكن أن نقرأ شواهد ونصوصًا لما كُتبَ في العصر الحجري الحديث «النيوليثي» (Neolithic) 9000-4500 ق.م ونجد فيها أفكارًا وتصورات عن العشق، والغيرة، واشتهاء الجسد، تمامًا وكأنها كُتبتْ الآن.
وهناك ميثولوجيا شهيرة ومهمة تنتمي لحقبة ما بعد «النيوليث» وهي قصة «إيزيس» و«أوزوريس». وهي لا شك قصة حب جميلة، وتثري المخيال الجمعي، وتجمع أفكارًا مهمة عن أبدية الحب، وقيم الإخلاص، والوفاء، وأن الحب مهما واجهته مصاعب وعثرات يمكن له أن ينبعث من جديد كما يحدث لطائر الفينيق. ويمكن أن نلخص القصة بالتالي: أن أوزوريس كان يحكم مصر وكانت زوجته إيزيس، وكانت بينهما علاقة حب قوية جدًّا وحدث أن اغتال «ست» شقيقَه «أوزوريسَ»؛ ليستولي على العرش، وأخفى جثة «أوزوريس» عن إيزيس، ولم تمل إيزيس من البحث عن جثة زوجها التي وجدتها في مدينة «جبيل» اللبنانية، وأفلح «ست» بعد ذلك في سرقة الجثة وتقطيعها اثنين وأربعين جزءًا وتوزيعها في أماكن مختلفة في مصر. وتحكي الأسطورة أن إيزيس استطاعت أن تجد هذه الأجزاء، بل تحبل منها في بنية خرافية واضحة للقصة لتنجب بعد ذلك «حورس».

ويمكن لمن أراد الاستزادة أن يعود لما كتبه «جيمس هنري بريستد» في كتابه «فجر الضمير». ولكن لنقرأ بعض هذه النصوص معًا ونتأمل التعابير التي وردت فيها. تقول الحبيبة في بردية هاريس: «كما يذوب الملح في الماء، كما يختلط الماء باللبن، حبك يتخلل كياني، يسري في وجداني، فلتسرع إليَّ كصقر ينقض من السماء، كجواد يركض، أو كثور هائج، لتسرع إليَّ فمحبوبتك في انتظارك». فيجيبها حبيبها الذي يشبه نفسه بالطائر البري: «شفتا حبيبتي برعم لوتس، ونهداها ثمرتا رمان، وذراعاها كرمة، وعيناها توت أسود، وحاجباها فخ، أنا الطائر البري، يلتقط طعم شعرها الفاحم، مجذوب إلى فخها دون تردد».
ونقرأ أيضًا ما يقوله عاشق مصري قديم في مجموعة من ورق البردى الموجودة في متحف القاهرة: «حبيبتي على ضفة النيل الأخرى، وبيني وبينها النهر والتماسيح، ولكني سأخوض الماء وأتحدى التماسيح، فحبك يمنحني القوة والشجاعة. أنتظرك يا معبودتي في شوق عارم، وعندما أسمع خطواتك، يقفز قلبي بين الضلوع. عندما يضمني ذراعك وتحتضنيني، يصيبني الخدر، وأهيم في عالم آخر، في حديقة فواحة بالزهور، بعيدًا، في البلاد أتمنى لو كنت مجرد خاتم لإصبعك الصغير، حتى يتسنى لي ملامسة أناملك في خلسة من الآخرين». وفي إحدى برديات «تشستر بيتي» يقول الشاعر العاشق: «حبيبتي بلا نظير أجمل النساء، مضيئة إذا أهلت كنجمة براقةٍ في ليل عيد، عيناها آسرتان، وشفتاها ياقوتٌ أحمر، والشعر جواهر سوداء تبرق في ضوء النيل، وحديثها منمق أثير»، ويمكن الاستزادة لمن أراد الاطلاع على كتاب «أشعار الحب في مصر القديمة» لفكري حسن.
اللحظة اليونانية
بهذه الطريقة نرى النصوص الأولى للحب وكيف أنها لم تتغير كثيرًا عن مثيلاتها الآن. وإذا حاولنا أن ندفع قليلًا عربة الزمن، فمن المهم أن نتوقف في اللحظة اليونانية، وهي لحظة فارقة ومهمة. وقبل ذلك يهمني أن أشير إلى أن الاعتقاد الواضح للفروقات بين الحب المتعالي عن فوران الجسد لدى القدماء لم يكن في مصر القديمة فقط. فمثلًا نقرأ هذه المقولة المهمة لفيلسوف وحكيم صيني مهم هو «لاوتسه » 604 ق.م؛ إذ يقول: «لن يكون الحب شرًّا إلا إذا وجهه الجسد وتجاهل إثراء الروح». نتحدث عن اللحظة اليونانية التي ألصقت صفات مادية كثيرة بالحب -أثرتْ في كل من التفت لمعالجة موضوعات الحب فلسفيًّا أو أدبيًّا- ويعزى لها ابتكار مصطلح «إيروس» الذي استخدمه فيما بعد «فرويد» في أعماله.
ولعلنا نستحضر عملًا مهمًّا لشاعر روماني هو «بوبليوس أفيديوس» وأعني كتابه «آرتس أماتوريا» أو «فن الهوى» وهو كتاب في حقيقته موغل في مادية فكرة الافتتان بالآخر، ولا يمكن تجاهل تأثير مفاهيم الإغريق المادية عليه. وبالعودة لليونانيين نجد أن بلوتارك (بلوتارخوس 45-120 م مؤرخ يوناني) يرى أن الحب «عَتَه» ويضيف «أن البعض ظنه داءً.. وهكذا يجب الصفح عن العشاق لأنهم مرضى». ولذلك سنقرأ تعريفًا لاحقًا لابن حزم بأن الحب داء. ولا يمكن أن نتجاهل تأثير مثل هذه المفاهيم على تعريف ابن حزم للحب. وهنا نلحظ أن الحب في اللحظة اليونانية، بدأ يأخذ شكلًا آخر، ومساءلة لدوره ولحالاته، وسنجد في الأسطورة اليونانية حالات ذهبتْ بالحب إلى أقصى حدوده، وعندما أقول الأسطورة هذا ليس تقليلًا منها، وإنما هي جزء من أدبيات تلك الحقبة، وسنجد أيضًا تلك الاتهامات التي تحاول النيل من جوهر الحب وأن تصفه بالعته والداء، وتدعي الشفقة على من أصابه، على عكس اللحظة المصرية التي كانت تغني للحب والتي أصبحت شعارًا للرومانطيقيين في مختلف الفنون، وهو ما جعل الناس تتطبع بهذه المفاهيم.
أيضًا عن اللحظة اليونانية:
يتحدث أفلاطون في محاورتين شهيرتين هما «المأدبة» و«الفيدورس»، وهما بعد محاورته الشهيرة «الجمهورية»، عن تلوث يصيب النفس، جراء تأثير الجسم فيها، لكن هذا التأثير هو تأثير مغاير أشبه ما يكون بالجنون، وهو لا ينشأ إلا عن تعلق بالماوراء، ولا يتخلق في داخل هذه النفس، بل إنه يأتي من الخارج ويصفه مثلًا «دينيس دي ريجمون» بالهيام والتعلق الرباني، واستخدم «دي ريجيمون» مصطلح «الجنون الرباني»(٣)، ولمن لا يعرف «دينيس دي ريجيمون» هو باحث مهم في تاريخية الحب.
وفي هذا الموضع لا يمكن لنا تجاهل تلك العينية الشهيرة لابن سيناء التي يظهر فيها التأثر الواضح بالنزعة الأفلاطونية؛ إذ يقول قاصدًا النفس:
| هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَل الأَرْفَعِ |
وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَززٍ وَتَمَنـــعِ |
| مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُل مُقْلَةِ عَارِفٍ |
وَهْيَ التِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ |
| وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبمَا |
كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجعِ |
| أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَما وَاصَلَتْ |
أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـعِ |
الموقف الديني من الحب
هناك من حاول أن يقارب استحالة تعريف الحب بتعبيرات شتى تسمح بها اللغة، وما لا تطيقه اللغة كثير. وهذا يخالفنا فيه من يرى الوجود من نظارة اللغة، بوصفها قالبًا للوجود برمته. ولئلا نذهب بعيدًا خارج الموضوع نقرأ مثلًا ما تقوله شخصية أندلسية كبيرة مثل ابن حزم عن الحب، فيقول: «الحب مرض عضال، دواؤه منه، هو حالة لذيذة وداء نشتهيه، فمن نجا منه ود لو يُصيبه، ومن ابتلي به وشفي منه لا يجد لذة في شفائه». فهنا نجد أن ابن حزم يحاول التعبير عن الحب باجتماع النقائض، فالدواء هو ذاته المرض، وهو ما جعله يصفه بحالة من التلذذ بهذا المرض؛ إذ هو الداء الذي نشتهيه، وكلما نجونا من شركه وددنا لو أن هذا الشرك جرنا له من جديد، وما من شيء في الحياة تجتمع النقائض في وصفه إلا كان الإمساك به محالًا تمامًا كالسراب.
ونستعيد قول شخصية أخرى مهمة من المتصوفة الكبار وهو الإمام القشيري المتوفى (465هـ)؛ إذ يقول وهو من المتصوفة الكبار: «لا توصف المحبة بوصف، ولا تحدد بحدٍّ أوضح، ولا أقرب إلى الفهم من المحبة. والاستقصاء في المقال عند حصول الأشكال، فإذا زاد الاستعجام والاستبهام سقطت الحاجة إلى الاستغراق في شرح الكلام».
إننا إذا ما اطلعنا على النظرة الإسلامية لمفهوم الحب واقترانه بالجسد، سنجد موقفًا سلبيًّا خصوصًا إذا ما كان هذا الحب خارج إطار مؤسسة الزواج، كغالب الديانات الأخرى. فإلى جانب النصوص المقدسة التي تشير إلى ذلك، يهمنا أن نشير إلى كتاب طريف للعلامة أبي الفرج عبدالرحمن بن أبي الحسن الجوزي والشهير بـ«ابن الجوزي» ألا وهو كتاب «ذم الهوى» وهو مصنف اشتهر شهرة واسعة في عصره. وهو في الحقيقة يكاد يخرج عن النمط الوعظي، ويقدم مقترحات تكاد تكون فلسفية للشباب، لذم الافتتان بالجسد، على النقيض تمامًا لما فعله صاحب كتاب «فن الهوى» كما ذكرنا سابقًا. ويتخيل بعضٌ أن ابن الجوزي قد هجم على الحب وهذا ليس صحيحًا، بل هو يسوق لنا عيوب العشق والهوى، الذي ينطوي على نوازع جسدية متأججة، فهو يحذر من الوقوع في مغباتها، ويسرد عددًا من القصص التي تؤكد أن قصة الحب هي قصة تراجيديا في الأساس، وهذا ما سنراه في قادم هذه الورقة.
شكل الحب في الجهة الأخرى: القرن الثاني عشر حتى القرن العشرين
«أيها الأسياد، أيروق لكم أن تسمعوا قصة جميلة عن الحب والموت؟»، نقرأ هذه الافتتاحية في بداية قصة «تريستان وإيزولده» في أوبرا شهيرة ألفها «فاغنر» عام 1859م. ويمكن لنا أن نتساءل عن ذلك الربط بين الحب والموت الذي يحضر أيضًا بشكل كبير في تعابير الحب لدينا اليوم «أحبك موت»، وغيرها من التعابير المشابهة التي يكتظ بها التعبير الشعري العربي أيضًا، وهو ما يحيل إلى أن القصة الأساس للحب هي قصة تراجيدية، ولا تكاد قصة الحب السعيد أن تكون موجودة، وإن وجدت فهي لا تملك أي تأثير مقارنة بـ«روميو وجوليت»، مثلًا أو بـ«ديك الجن الحمصي» (عبدالسلام بن رغبان الكلبي) أو بعذابات قيس بن الملوح، أو بما قاسته إيزيس في حبها لأوزوريس.

رولان بارت
ويؤكد كلامنا هذا، تقسيم «رولان بارت» للمغامرة العشقية إلى ثلاث مراحل: الافتتان والتوله المفاجئ، فمرحلة الزمن السعيد، ثم زمن التعاسة(٤). وبطبيعة الحال لا يمكن أن نغض الطرف عن قصة مهمة جدًّا في «التراث الغربي»، وأقول التراث الغربي مجازًا للإشارة للمكان الذي ظهرت فيه هذه القصة، وهي رواية «آلام فارتر» للأديب الألماني «غوته» التي نشرت للمرة الأولى في عام 1774م وقد أثرت هذه الرواية ذاتها في «حركة العاصفة والإبداع»(٥)، وكان لها أيضًا تأثير كبير في حركة الرومانطيقية في الأدب عامة. ولعل أكثر التراجيديات المعاصرة شهرة قصة ملك بريطانيا «إدوارد الثامن» وحبيبته «واليس سمبسون»؛ إذ كلفه حبها أن يتخلى عن العرش بعد أن خُيِّرَ بينها وبين عرشه، لم يشعر بالحيرة ولم يتردد، فأعلن تخليه عن عرشه في خطبة ألقاها في 11 ديسمبر عام 1936م، مقررًا البقاء مع حبيبته، ومؤكدًا لجميع المواطنين البريطانيين أن حُبه لتلك المرأة هو السبب الوحيد في قراره، حتى سُمي «الملك العاشق».
مستقبل الحب
يقدم لنا عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان في كتابه المهم «الحب السائل» ما يشبه الهجاء لفكرة الحب في الوقت الآني؛ إذ يرى في تحليله أن: «الحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، وأما الرغبة فبطبيعتها تهرب من قيود الحب». وهنا يهمنا أن نطرح السؤال التالي: إذا كان في الوصول إلى الجسد منتهى صورةٍ من صور الحب، ألا نلمح أن تأخير اللذة في هذه الصورة هي حيلة من حيل الشهوة؟ وفي هذا لا شك تكرار ديالكتيكي عفوي لفعل الغريزة.
يرى باومان أيضًا أنه لا معنى لوعود الحب على المدى الطويل في هذا الوقت، الذي أصبح فيه امتداد الزمن، آخره.. الآن وهنا. ويطلق عليه «زمن القطع غيار»، فشريكك قد يستبدل بك فرصة أفضل، وقد تستبدل أنت فرصةً أفضل به، وهنا لا معنى لتلك الوعود الكلاسيكية التي تربط الحب بالوفاء، والارتباط الأبدي؛ فلا أبد في الحب الحاصل الآن كما يرى باومان. ويلتقي مع باومان فيلسوف جدلي مهم آخر هو «آلان باديو» الذي يتحدث في فقرات عديدة من كتابه: «معنى ساركوزي» The Meaning of Sarkozy وفي كتابه الآخر «في مدح الحب» عن أن هناك نوعًا من عدم الأمان في علاقات الحب المعاصرة تقترحها النظم الاجتماعية وتداعياتها، وهي إلى حد ما تشبه عدم الأمان الذي تقوم عليه الرأسمالية تجاه الموظف. فالرأسمالية تتنصل من مسؤولياتها تجاه الموظف، وكذلك الحب الآن يتنصل من تبعاته القديمة. نوعًا ما يبدو هذا وكأنه فعل متوازٍ؛ أي أنه يحدث من الطرفين بالتساوي، ولكن ظاهرة عدم الأمان هذه، أو الحب المهدد تُعَدّ معضلة الحب الحقيقية الآن.
تقدم التقنية الآن شكلًا مهمًّا من أشكال العلاقات في مختلف أبعادها، ولن يكون من الصواب إغفالها؛ فهي تساهم بشكل ما في تأكيد ما ذهب له كل من باومان، وباديو، فهي تقترح نوعًا من العلاقة التي تحاول التخفيف من المخاطرة باقتراح مزايا جسدية معينة، رغبات مشتركة بين الطرفين، زوايا رؤية معينة يريدها كل طرف من الآخر. وبالتالي هذا يحيل الحب من فعل إنساني، يتأثر بما تتأثر به حالات المرء وظروفه، إلى ما يشبه المنتجات التي تصطف على أرفف السوبر ماركت. وفي الحقيقة أن إطلالة بسيطة على نوعية هذه المواقع، والتطبيقات التي تقدم خدمات الحب واللقاء بالشريك المناسب يمكن أن تكشف لنا إلى أي مدى يبدو الأمر جادًّا. إن الخطورة في مثل هذه الطريقة في بناء علاقة الحب تكمن في أن فكرتي التعلق والتخلي هما رهن زر واحد، يمكن لأحدهما أن يضع النقطة، ويغلق حكاية حب حدث فيها كل ما يمكن أن يحدث بين اثنين يحب أحدهما الآخر. وهذا يمحو بلحظة واحدة الأنساق الوجدانية المشتركة التي اعتمدت عليها المدونات الكبرى في تاريخ الحب البشري، فلم تعد «أمر على ديار ليلى» مقنعة في حب يأخذ هذا الشكل السريع في تبلور المشاعر وبلوغها ذروتها وانطفائها تمامًا كالوجبات السريعة.
هوامش:
- من أبياته:
وكان قلبي خاليًا قبل حبكم
كان بذكر الخلق يلهو ويمزحُ
فلما دعا قلبي هواك أجابهُ
فلستُ أراه عن فنائك يبرحُ
رُميت ببين منك إن كنتُ كاذبًا
إذا كنتُ في الدنيا بغيرك أفرحُ
وإن كان شيءٌ في البلاد بأسرها
إذا غبتَ عن عيني بعيني يُلمحُ
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل
فلستُ أرى قلبي لغيرك يصلحُ
- الأنوناكي: اسم يطلق على مجموعة من الآلهة السومرية القديمة ذات الطبيعة الدموية، وقد أحدث تطرق الكاتب المشهور «زكريا ستيشن» لها بوصفها حقيقة ضجة كبيرة، تفاعل معها كثيرون، ومن ضمنهم سيغموند فرويد.
- الحب والغرب، دينيس دي ريجمون، ص 14، ترجمة: د. عمرو شخاشيرو.
- شذرات من خطاب العشق- رولان بارت.
- العاصفة والاندفاع هي: حركة أدبية تمتد من عام 1767-1785م، أخذت هذه التسمية من اسم مسرحية فريدريش ماكسيميليان فون كلنجر. ويتميز عصر العاصفة والاندفاع بتمجيد العاطفة البشرية الجارفة والقلب المتأجج بالشعور، وبعدم الاهتمام بالعقل الذي كان سائدًا في عصر التنوير.
بواسطة مسقط - "الفيصل" | فبراير 29, 2024 | تقارير
أعادت مجلة نزوى، في الأيام القليلة الماضية، السجال حول أهمية المجلات الثقافية، وضرورة وجود مجلات تتسم بالرصانة، وتنفتح على أسئلة الراهن الثقافي العربي والإنساني. مجلة نزوى التي احتفلت بثلاثين عامًا من الإنجاز الثقافي، وهو تاريخ انطلاقتها في عام 1994م، فتحت باب النقاش على أحوال المجلات الثقافية اليوم، وما تواجهه هذه المجلات من انسحاب من المشهد الثقافي، لأسباب كثيرة، ليس أقلها انعدام الدعم واكتساح الثقافة السائلة مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا النقاش أكد أن المجلات الجادة لا تزال تحظى بالاهتمام، من قطاع واسع من المثقفين والمهتمين، وأن هذا النوع من المجلات لا بد أن يبقى، ويواصل حضوره، ما دام هنالك حراك ثقافي وحيوية أدبية وإبداعية. لقد تحولت احتفالية نزوى، التي نظمتها وزارة الإعلام العمانية واستمرت يومين وشارك فيها عدد من الكتاب والمهتمين، إلى منبر للنقاش الحيوي، واستعادة لافتة لمجلات طبعت المشهد الثقافي العربي، طوال حقبة مهمة، بطابعها وخصوصيتها. كما جرى الكلام حول رؤساء تحرير، ارتبطت أسماؤهم ارتباطًا عميقًا وجوهريًّا بالمجلات التي أسسوها، وطوروها وحافظوا على انتظام صدورها، وكانت أشبه بجواز عبور للكتاب إلى شريحة واسعة من القراء عربيًّا.
تطرقت الاحتفالية إلى قضايا مثل الدعم وصحافة المؤسسات، والدور الريادي الذي لعبته المجلات طوال تاريخها ولا تزال تلعبه، فضلًا عن موضوعات تخص مجلة نزوى والأدوار التي لعبتها، على الصعيدين العماني أو العربي. مرور ثلاثين عامًا على انطلاق مجلة نزوى، بدا حدثًا ثقافيًّا يستحق فعلًا الاحتفاء، في خضم موجة الاختفاء للمنابر الثقافية الرصينة أو تعثرها. فأن تثابر مجلة ثقافية رصينة على حضورها، وانتظام صدورها من دون انقطاع، مع المحافظة على قوة المادة وعمقها وتنوعها، مقاومة كل عوامل الاندثار، وفي مواجهة محتدمة للسيولة الثقافية، التي تطبع معظم المنابر الثقافية اليوم؛ لَهُوَ إنجازٌ حقيقيّ يجب صونه بالمحافظة عليه، واتخاذه أنموذجًا لا يتكرر كثيرًا هذه الأيام.
في الوقت الذي انطلقت فيه مجلة نزوى كان المشهد الثقافي العربي يعرف مجلات ثقافية مهمة ورصينة، تواصل حضورها، إلا أن نزوى استطاعت أن توجد لنفسها مكانة مميزة منذ أول عدد صدر منها، وبقيت تحافظ على هذه المكانة، في أثناء العقود التي مضت وشهدت مراحل من التطوير، سعيًا إلى مواكبة المشهد وتعزيز وجود مادة حيوية ومتنوعة وجادة، بتوقيع عدد من أبرز الكتاب والمترجمين والنقاد والفنانين والمبدعين. وبلا شك شكلت افتتاحية رئيس التحرير الشاعر الكبير سيف الرحبي، أحد أهم مواضيع العدد ومن أكثرها متعةً ومعرفةً، وتطوافًا حرًّا في فضاءات وحالات وثقافات وأمكنة واستدعاء أشخاص وشظايا من حكايات إنسانية منسية وحاضرة، وطرح أسئلة وتساؤلات، على مقدار من الأهمية، فيما يخص الشعر والتاريخ والكتابة والوجود ومأزق الإنسان المعاصر. افتتاحية تذكر بكبار شعراء العالم، الذي يجيدون كتابة النص الشعري المتجاوز، إضافة إلى الكتابة الحرة المتفلسفة والمتأملة في أحوال الانسان ومأساته المعاصرة.

التراكم والانفتاح والتنوع
تناولت الاحتفالية التراكم والانفتاح والتنوع، ومجلة نزوى والفلسفة، علاقة التفكير والتأثير، واللغة وأثرها في تلقي الثقافات. ومحور الترجمات والأدب في مجلة نزوى: وجهة نظر من ناحية التنوع والفكر. ومحور الدراسات التاريخية: وجهة نظر في التأثير والتلقي. ومحور مجلة نزوى: المستقبل والمأمول. وتحدث المشاركون في عدد من الجلسات عن الدور المحوري الذي لعبته مجلة نزوى في أثناء مسيرتها الحافلة طيلة السنوات الماضية في خدمة الثقافة. وأكد المشاركون أن مجلة نزوى فتحت أبوابًا من الأسئلة في الفلسفة والتواصل البشري.
وناقشت الجلسات دور المجلات الثقافية بوصفها فكرًا بشريًّا حاول التصدي لكثيرٍ من الأفكار والتحولات في المجتمع العربي. فمشروعها التنويري أهّلها لأنْ تواكبَ كل المراحل والتطورات التي يمر بها الشارع العربي وسياقاته المختلفة، بدءًا من الحياة اليومية والتفكير الجمعي لبعض القضايا، ومناقشاتها معضلات التراجع الذي يظهر على السطح بين حين وآخر.

وناقش المشاركون أيضا أثر وسائل التواصل الاجتماعي في إيجاد جيل مختلف، مع تأكيد إيجاد مسار حقيقي للتعامل معه بالطرائق التي توجد تواصلًا حقيقيًّا بين الأجيال وفي زمان مختلف ومغاير، يختلف كليًّا عما كان عليه المثقف والقارئ في سنوات سابقة. وتوقف المشاركون عند تراجع المجلات الثقافية، بسبب هيمنة مفردات التقنية، أو انحسار فعل القراءة، إضافة إلى تأكيد الحاجة إلى المجلات الثقافية؛ لكونها مرتبطة بديمومة حاجتنا للتفكير والسجال والكتابة. وأكد المشاركون أن ازدهار المجلات الثقافية يعود إلى الوعي بأهميتها من المشتغلين عليها أو أصحاب القرار على وجه الخصوص. وناقش المشاركون عدم صمود أغلبية المجلات العربية، وطرحوا جملة من الأسئلة ومقترحات من شأنها، إذا تُبُنِّيَتْ، أن تخرج الثقافة من طابعها المهمش إلى الصدارة مجدّدًا.
وزير الإعلام العماني الدكتور عبدالله الحراصي، الذي نشرت له نزوى مواضيع وترجمات منذ أول أعدادها، شاء ألا يتحدث في كلمته بصفته وزيرًا فحسب، إنما بصفته أحد كتاب المجلة، التي تحولت في رأيه منارة عربية ثقافية. وتحدث الدكتور الحراصي عن بداياته مع نزوى، كما أشار إلى الدور الطليعي الذي اضطلعت به، منوها بـ«كتاب نزوى»، مستعرضًا أهم التحديات التي تواجه المجلات، وتوقف عند الخطوات التطويرية التي بدأت نزوى فعلًا في اتخاذها، في مواكبة للمستجدات، ومنها «الإنتاج المرئي الضخم؛ إذ دشنت مؤخرًا الجزء الأول من سلسلة أفلام «بيت العجائب» مع الشركة العالمية دي ماكس، يستعرض الحضور العماني في شرق إفريقيا».
تجربة مكثفة بالزمن والمعرفة
في كلمته قال رئيس التحرير الشاعر الكبير سيف الرحبي: «ثلاثون عامًا مضت ونحن الآن مع نفر من طليعي أهل الثقافة والفكر، مع الأصدقاء الذين شرفونا من أنحاء مختلفة من العالم ومن عُمان؛ لنتأمل جوانب من هذه التجربة المكثفة بالزمن والمعرفة بتجلياتها المختلفة، ونصغي ونسمع منهم ليضيئوا بعض ما خفي من سؤال معرفي وثقافي قد طرحته المجلة منذ بداياتها مشتبكًا مع أسئلة المعرفة بشمولها…». أما الناقد السعودي الدكتور معجب الزهراني، الذي تلا كلمة الضيوف، فعاد إلى الثمانينيات الميلادية، عندما التقى سيف الرحبي في باريس، متوقفًا عند الدور الذي قامت به المجلة، وأحد وجوه هذا الدور «تصدير الأدب العماني إلى الخارج بعدما ذاع صيت المجلة على مستوى العالم العربي». ولفت الدكتور معجب إلى الخلط الحاصل بين الثقافة العابرة والثقافة التي تصنع الفكر، مؤكدًا أن نزوى مجلة ثقافية تصنع الفكر؛ لذلك يجب الحفاظ عليها».
في حين استعرض الأكاديمي العماني الدكتور محسن الكندي، ثلاثة أجيال من الشعراء العمانيين، أفردت نزوى مساحة جيدة لنصوصهم وكتاباتهم. وتحدثت الروائية هدى حمد، مدير تحرير مجلة نزوى، في كلمة لها عن الانفتاح الذي تتوسله نزوى منذ أعدادها الأولى، على حقولٍ شاسعةٍ من الدراساتِ والآدابِ والفنون، «متمتعةً برؤيةٍ ثاقبةٍ من رئيسِ تحريرِها الذي خاضَ المغامرةَ في غمرةِ ظروفٍ لم تكن مُواتية». الروائي والناقد المغربي الدكتور أحمد المديني، تناول في ورقة رصينة المشروع الفكري والنقدي والإبداعي للمجلة، من ناحية المفاهيم والأنساق والأدوات، إلى جانب التبلورات التدريجية التي حصلت على مدى ثلاثة عقود، وذلك في إطار المرجعيات الثابتة لسلطنة عُمان، وطموح نخبها للتجديد في المجال الثقافي ضمن الفضاء الثقافي العربي الشامل.
أما الناقدة الدكتورة فاطمة الشيدي، فتطرقت في ورقة بعنوان: «الشعر العماني في مجلة نزوى الملامح والثيمات.. قراءة أسلوبية»، إلى حضور النص الشعري في نزوى من ناحية الكم والكيف، خلال ثلاثين عامًا من عمر المجلة، ملاحظة أن نزوى لا تزال الحاضنة الأهم للنص الشعري الجديد في عُمان. وتحدث الدكتور أحمد برقاوي عن الأنا وسلطة الآخر، الفلسفة التي استوعبتها نزوى ضمن مواضيعها، واصفًا المجلة بأنها أرشيف العقل العربي في صوره المختلفة؛ الأدبية والنقدية والفكرية والفلسفية. وقدم عبدالرحمن المسكري ورقة بعنوان: «مقاربات التراث العربي في مجلة نزوى.. الشعر أنموذجًا».

فكر عربي ذهب إلى العولمة
أما الشاعرة الإماراتية ظبية خميس، فقالت: إن نزوى نتاجُ فكرٍ عربيّ ذهب إلى العولمة ولم تأتِ إليه، واشتغال مثقفين ذهبوا إلى الآخر ليدهشوا بما لديه ويأتوا بالتجديد. وأضافت قائلة: «قبل 30 سنة زرت عمان وكان الوسط الثقافي ينظر إلى مجلة نزوى نظرة فيها نوع من السخط، ولسان حالهم يقول: ما هذا النوع من الأدب الغريب، وبعد 30 عامًا أثبتت المجلة القدرة على الاستمرارية على نفس الروح، وعليها أن تتواصل مع الجيل الجديد مقارنة بما كان حديثًا قبل 30 عامًا». في حين رأى الروائي الجزائري أمين الزاوي أن مجلة نزوى «قامت بعمل مثير؛ انفتحت على الأجيال الجديدة في المغرب الكبير بل في العالم الآخر الغربي، وقامت بلملمة أطراف هذا العالم الواسع. المجلة اليوم منارة عربية ومنبر مفتوح، حافظت على الحداثة والكلاسيكية في آنٍ، على الفلسفة والدين، وغيرها من المجالات، هذا ما صنع القوة في مجلة نزوى».
الدكتور ديفيد هيرش أمين مكتبة فخري في جامعة كاليفورنيا، المهتم بالأدب العربي، قال: «وصول مجلة نزوى إلى مكتبة جامعة كاليفورنيا كان له الأثر الكبير في التعريف بالأدب العماني والعربي، وعكست مدى اهتمامها بالترجمة والاطلاع على الأدب الآخر. حقيقة هي من المجلات القليلة التي كانت تصلنا من الخليج العربي مقارنة بما يصلنا من الشام ومصر، ولكنها كانت ذات طلب عال من قبل الطلاب العمانيين والعرب والأجانب». ويرى الروائي اليمني الدكتور حبيب سروري أن نزوى لعبت دورًا كبيرًا في التعريف بالآخر والتعريف بنفسها، ممثلة بالأدب العماني والعربي، ويقول: إنها حققت هدف الانتشار بين أوساط البسطاء.

ويذكر الأنثروبولوجي الفرنسي الدكتور فرانك ميرميه أن نزوى، بمنزلة مختبر في العديد من المجالات، بما في ذلك الترجمة. والترجمة المحكمة، في رأيه، «هي نتيجة عمل تراكمي بخبرة طويلة تفتح أفق المترجم على الثقافات الأخرى والمصطلحات والمجازات والتشبيهات؛ حتى تصل إلى المتلقي الآخر كما أراد كاتبها الأصلي». الدكتور ميرميه يرى أن مجلة نزوى قامت بهذا الدور في بناء العمل الترجمي، «وهذا المختبر دفعني حقيقة لكي أخوض في مجال ترجمة العلومِ الاجتماعيةِ العربيةِ خاصةً إلى الفرنسية، ومما لفت انتباهي أن المجلة زادت من إدراك المتلقي بأهمية الأدب المهمش، مثل الأدب البوسني، وغيره من الآداب».
وتحدث كل من عبده وازن، الشاعر والروائي اللبناني، والدكتورة بروين حبيب، الشاعرة البحرينية، وأحمد زين، الروائي اليمني، ومنصورة عز الدين، الروائية المصرية، وهدى حمد، الروائية العمانية، وبدر الحمود، من منصة معنى، وريم الكمالي، الروائية الإماراتية، ولوركا سبيتي، الشاعرة اللبنانية، عن المجلات الثقافية والدور التنويري والمعرفي الذي لعبته في مجتمعات تموج فيها أطياف من الردة الظلامية. وتطرق المشاركون إلى ما تمر به المجلات الثقافية في الوطن العربي من أحداث وتوجهات شتى، بما فيها الخاصة والرسمية، وكيفية تعاملها مع الأزمات التي عصفت بالثقافة والمثقف في آنٍ واحد.
بواسطة الرياض - الفيصل | يناير 11, 2024 | جوائز
أعلنت جائزة الملك الفيصل مساء أمس أسماء الفائزين في مختلف فروعها لعام 2024. وفي كلمة قصيرة، أكد الأمير تركي الفيصل، مؤسس وعضو مجلس أمناء مؤسسة الملك فيصل الخيرية، رئيسُ مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، دَعْمَ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للجائزة ورعايته السنوية لها، مشيرًا إلى ما حققته جائزة الملك فيصل من حضور عالمي. وقال الأمير تركي في حفلة إعلان الفائزين في فروع الجائزة التي أقيمت في القاعة الكبرى بمؤسسة الملك فيصل الخيرية، وسط حضور كبير: إن الجائزة «تشرف باهتمام الأمير محمد بن سلمان ولي العهد -أيده الله- ومتابعته لجهود الفائزين، والاستفادة منهم علميًّا واقتصاديًّا، وربطهم بمؤسسات المملكة المختلفة».
بعد ذلك، تلا الأمينُ العام للجائزة الدكتورُ عبدالعزيز السبيل بيانَ الأمانة العامة، الذي تضمن ما توصلت إليه لجان الاختيار من قرارات جاءت على النحو الآتي:
في جائزة خدمة الإسلام، قررت اللجنة منح الجائزة لهذا العام بالاشتراك لجمعية مسلمي اليابان، وذلك لِمُسَوِّغاتٍ منها: عنايتها بشؤون المسلمين في اليابان، ورعايتها والدفاع عن مصالحهم، ورعايتها للنشء المسلم تدريسًا وتثقيفًا، وابتعاثها لكثير من الطلاب إلى البلاد الإسلامية للدراسة والتحصيل العلمي، إضافةً إلى تقديمها للصورة الصحيحة عن الإسلام من خلال الكتب والمطبوعات، وتنسيقها لتأدية مناسك الحج والعمرة لمسلمي اليابان.

محمد السماك
كما منحت اللجنةُ جائزةَ خدمة الإسلام بالاشتراك، للدكتور محمد السماك، اللبناني الجنسية، وذلك لمُسَوِّغاتٍ منها: إسهاماته المبكرة والمتواصلة في تعزيز الحوار الإسلامي المسيحي، وعمله الدؤوب في تعزيز علاقات الحوار والتواصل مع الآخر، ومشاركاته الفاعلة في المؤتمرات الحوارية بشأن العلاقة بين الإسلام والمعتقدات الأخرى، إضافةً إلى رئاسته وعضويته الفاعلة في العديد من المؤسسات والهيئات والجمعيات التي تُعْنَى بالتسامح والسلام، وكذلك عمق كُتُبه وبحوثه، وارتكازها على المنهجية الموضوعية والرصانة العلمية.

وائل حلاق
أما جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية، فقد قررت اللجنة منحها للأستاذ في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأميركية الدكتور وائل حلاق، الأميركي الجنسية، وموضوعها «النظم الإسلامية وتطبيقاتها المعاصرة»، وقد فاز بها لمسوغاتٍ منها: تقديمه مرجعية علمية موازية للكتابات الاستشراقية التقليدية المؤثرة في الجامعات العالمية؛ وقد تجلى ذلك في أعماله الكثيرة التي تُرجمت للعديد من اللغات، فضلًا عن نجاحه في بناء دليل لتطور التشريع الإسلامي عبر التاريخ.
فيما قررت اللجنة في جائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب، وموضوعها «جهود المؤسسات خارج الوطن العربي في نشر اللغة العربية»، حجب الجائزة لهذا العام، نظرًا لأن الأعمال المرشحة لم تحقق معايير الجائزة.

جيري روي ميندل
وفي جائزة الملك فيصل للطب، وموضوعها «علاجات الإعاقات الطرفية»، قَرَّرت اللجنة منحها للأستاذ في جامعة ولاية أوهايو بالولايات المتحدة الأميركية الدكتور جيري روي ميندل، الأميركي الجنسية، وقد منحت له لمُسَوِّغاتٍ منها: عمله الرائد في الفحص والتشخيص المبكر، وعلاج المرضى الذين يعانون ضمورَ العضلاتِ الشوكي(SMA) والحثل العضلي من نمط دوشين، والضمور العضلي لحزام الأطراف، فضلًا عن كونه أول باحث يوضح سلامة وفاعلية الجرعات العالية من علاج نقل الجينات بوساطة الارتباط بالفيروس الغدي (AAV) لمرضى ضمور العضلات الشوكي من النوع الأول؛ وهو علاج وُوفِقَ عليه عالميًّا.

هاورد يوان – هاو تشانغ
وأخيرًا في جائزة الملك فيصل للعلوم، وموضوعها «علم الحياة»، قررت اللجنة منحها للأستاذ في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأميركية الدكتور هاورد يوان-هاو تشانغ، الأميركي الجنسية، وقد مُنح الجائزة لمُسَوِّغاتٍ منها: إسهاماته الرائدة في تفسير الدور الذي يلعبه الحمض النووي الريبوزي غير المشفر (RNAs) في تنظيم وعمل الجينات، وتطويره لوسائل مبتكرة للتعريف بالمواقع المنظِّمة داخل الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA)؛ وكان لهذه الاكتشافات أثر بالغ الأهمية في تخصص الأحياء الجزيئية وعلم الوراثة، ولها دور مهم في فهم الأمراض البشرية المعقدة.
وهنأت الأمانة العامة لجائزة الملك فيصل الفائزين، وثمَّنت الجهود التي بذلها عضوات وأعضاء لجان الاختيار والخبراء والمحكمين.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يناير 1, 2024 | مقالات
لعل النتيجة البحثية التي خلصت إليها الباحثة الأميريكية راشيل ماكليري، وهي (أن الدين يغير السلوك الاقتصادي للناس) أسهمت بشكل أو بآخر في النظر من زاوية مختلفة لعلاقة التدين بالاقتصاد، ولكن ليس بالضرورة تصنيف النظم الاقتصادية على أساس ديني، كأن ننظر لمصطلح «الاقتصاد الإسلامي» على سبيل المثال من منظور ديني فقط، فالصحيح أن المصطلح لا يعني التصنيف الديني بقدر ما يعني تأكيد وجود رؤية إسلامية للمفهوم الاقتصادي، أو المعاملات الاقتصادية التي تنظم العلاقة بين البشر والمجتمعات والمؤسسات، وتقودها نحو أفضل النتائج المحققة للعدالة الاجتماعية، وإلا سيكون لدينا اقتصادات مرتبطة بالأديان الأخرى السماوية والأرضية.
ربما يكون السياق الأصح لفهم جوهر المصطلح في عالمنا الإسلامي متمثلًا في تقنين الحدود التي وُضِعَتْ للمعاملات الاقتصادية وفقًا للقرآن الكريم والسنة النبوية، مع الأخذ في الحسبان ما نتج عنها من تطوير في مراحل لاحقة بدءًا من المتغيرات التي حدثت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والأوضاع الاقتصادية التي دفعته في حينها إلى إعادة تنظيم الضرائب باستحداث ضرائب لم تكن موجودة من قبله، وصولًا إلى الوقت الحاضر، وهو ما يؤكد أن النظام الاقتصادي في الإسلام يتطور وفق المتغيرات الزمنية من دون التفريط في ثوابته التي ترفض المعاملات المحرَّمة رفضًا قاطعًا، ويؤكد أيضًا أن السياق الديني أو الإنساني أو الأخلاقي في أي دين وفي أي مجتمع لديه القدرة على صياغة الوعي الاقتصادي بما يسهم في تنظيم التعاملات بين البشر على نحو عام، وليس بين المسلمين وحدهم، وهذا يعني أن القيم الدينية بما تشتمل عليه من قيم أخلاقية وإنسانية تسهم في الحد من الفساد والجشع والغش وما شابه ذلك من الأمور التي تُحدث خللًا واضحًا في النظم الاقتصادية.
من هذا المنظور قد لا تكون العلاقة بين الدين والاقتصاد علاقة علمية بمفهوم علم الاقتصاد المبني على الرياضيات، ولكن المؤكد أنها علاقة حاكمة لعمليات الانضباط والتنظيم والتقنين المبنية على القيم الدينية والأخلاقية العادلة والمعتدلة، ولذلك يمكن التسليم بأن الاقتصاد في كثير من جوانبه يرتبط بعلاقة وثيقة مع القيم الدينية، وفي المقابل يبدو تصنيف النظم الاقتصادية على أساس ديني يفتقد إلى الدقة في تحديد المصطلحات، وربما يكون اللَّبْس الحاصل في هذا الأمر ناتجًا عن وجود قصور في فهم المصطلح الذي يقدم تصنيفًا دينيًّا للاقتصاد، فنقول على سبيل المثال: «اقتصاد إسلامي» للتفريق بينه وبين مصطلحات وتصنيفات أخرى سياسية أو أيديولوجية.
ولأهمية النظر في هذه القضية ومناقشة أبعادها من وجهات نظر مختلفة، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة العلاقة بين الدين والاقتصاد؛ إذ طرحنا القضيةَ على عدد من المختصين والمثقفين؛ للتعرّف إلى رؤيتهم في محاولة لإزالة اللَّبْس الذي يعتريها.
بواسطة وجدان الصائغ - ناقدة وأكاديمية عراقية تقيم في أميركا | يناير 1, 2024 | مقالات
متى تقرر الكاتبة أن تكتب سيرتها الذاتية وتفتح صُرّة عالمها الخاص؟ متى تقرر أن تنتقل من خارج اللغة إلى داخلها ومن هامش النص إلى متنه، أن تكون موضوعًا لا ذاتًا لغوية؟ هل قبل أن تكتمل مسيرتها الإبداعية التي ما زالت تطرح ثمارها يانعة على المشهد الإبداعي؟ أم بعد أن تكتمل؟ وهل كتابة السيرة هي الرغبة العارمة في مكاشفة الذات وتأمل ما فات للانتقال إلى مرحلة حياتية أخرى؟ أم هي الرغبة في فتح حوار مع القارئ على اختلاف مشاربه وتنوعها بحثًا عن المساحة المشتركة بينهما من خلال تكريس تفاصيل اليومي الذي بقي مهربًا في ترميزات النص الإبداعي؟
كل هذه الأسئلة وسواها قفزت إلى ذهني وأنا أتأمل كتاب «حين يبوح النخيل» للقاصة القطرية الدكتورة هدى النعيمي. يفتح العنوان في أفق التلقي سيلًا من التساؤلات المرتكزة إلى تركيب الجملة الدالة على التوقيت المبهم (حين) بمفردتيها: الأولى، مكتنزة بالبوح (يبوح) رغبة في عقد ميثاق يؤكد مصداقية الأماكن والأحداث، والأخرى (النخيل) المفعمة بالانتماء والهوية. زد على ذلك أن الكاتبة تفصح صراحة عن الاشتباك الدلالي بين البوح والنخيل من جانب وبين التماهي النفسي الحاد بينها وبين النخلة حين تقول صراحة: إنها تحكي «حكاية نخلة من هذه البلاد. نخلة راقبت، واختزنت الأحداث والمنعطفات بما حملته، بدأت بتحية العلم في الصباح، وقرأت حكمة اليوم في الطابور الصباحي. نخلة انتظرت حتى أنبأتها حكمة السنين بأن وقت البوح قد آن أوانه».
بل إن المتن يؤكد هذا التماهي الدلالي بين الأنا الساردة والنخلة حين يرد: «الكتاب اليوم بين أيديكم للقراءة والاستظلال بسعف نخلة شذبها الزمن، وزارتها الفصول وبلَّلتها الأمطار لتزودها بسرِّ البقاء والعطاء، إنها النخلة المتقشفة المكتفية بزخات مطر قد يزورها في الشتاء، لتعطي ثمارها لعام أو لأعوام، إنها النخلة التي وددت لو أنني أشبهها في ظلِّها وسعفها وثمرها، إنها رمز للعطاء». ويشكل القارئ بؤرة اهتمام المتن الذي يتمحور حوله، وهو قارئ مفترض يتحرك من اللحظة الراهنة إلى عمق المستقبل. تأمل المقتطف التالي، ولحظ كيف واشج المتن بين فعل الكتابة بالنبرة الخاصة للكاتبة وعلى وجه الخصوص الصوت «شكرًا لمن ينقل صوتي لهذا الجيل، وربما لأجيال كثيرة تأتي بعده».
السيرة كمتن كتابي
يزيح المتخيل السيري النقاب عن قلق الكتابة عند الأنثى إزاء المتن السيري -بوصفه أدبًا محفوفًا بالصورة النمطية عنه- وحركتها المناوبة بين أن تكتب نصًّا روائيًّا تهرب في حقائبه تفاصيل اليومي المعيش أو أن تكتب نصًّا سيريًّا تواجه فيه القارئ نازعة عنها ترميزات الإبداع ومنتقلة من الهامش اللغوي إلى المتن. وهو القلق الذي جعلها تغير موقعها لتأخذ مكانًا قريبًا من القارئ لتبوح له بما يخالجها وكأنها تهمس في أذنه مباشرة: «أن أشارك الآخر في قصتي، أمر ما حسبت له حسابًا يومًا! فكرت في الرواية، رواية أضمنها بعض مشاهداتي وبعض تجاربي في الحياة، كتبت أكثر من بداية وأكثر من مدخل للرواية، وتوقفت لسبب أو لآخر، فالانشغال بالأمور الحياتية بدا أكثر أهمية في وقتها، ولم أفكر يومًا بضمير الأنا».
إذن هو القلق من أن تكون (الأنا) محور المتن الذي نجح المقتطف التالي في استبطانه وتسجيله بدقة؛ فالسيرة كفعل كتابي ليست سجلًّا لفردانية الذات، بل إنها نص محمل بتجارب وفضاءات أَنَوَاتٍ تَحرّكَتْ على أرض الواقع. تأمل الآتي: «فكان لا بدَّ أن أعيد رأسي للوراء، وأغمض عينيَّ، وأراهم جميعًا وأسمع أصواتهم وأستمزج آراءهم. لست وحدي في هذه «الأنا» وهذه الحكاية؛ سمعت نعم، وسمعت لا، وأسمعت نفسي كلمات القبول والرفض، إلى أن قلت «نعم» وتوكلت على الله». لكن المتن يعيد الأنا الجمعية إلى فردانيتها مرة أخرى حين يرد «وهكذا صرت أروي حكايتي بنفسي دون وسيط أو دخيل، سمعت الأغاني من العالم، وتنشقت روائح من بلاد بعيدة وقريبة، وتذوَّقت نكهات حتى تشربتها وأحببتها كثيرًا. تجارب عشتها بكل حواسي، حتى صرت أنا التي كتبت هذا الكتاب». لتتكشف المكابدة الجمالية والوعي الفني في تحويل السيرة الذاتية إلى نص أدبي سردي إنساني يرتكز إلى تواريخ وأحداث وأمكنة حقيقية تشذر طباعيًّا إلى عشر شذرات وعلى التوالي: «بدايات، في رحاب الجامعة، بين أروقة المستشفى، من القاهرة إلى مومبلييه، غزو الكويت، 9 شارع دمشق، عود على بدء، نيويورك قصة أخرى، حول العالم مع الفيزياء، أمَّا بعد»؛ لتنعكس على مراياها أهم المحطات المكانية المتنوعة ثقافيًّا وجغرافيًّا، تلك التي انتخبتها الأنا الساردة فتجعلك في مرات عديدة تتساءل: أأنت أمام سيرة ذاتية أم قبالة نص من نصوص أدب الرحلات؛ لما حوته من تفاصيل مهمة مفعمة برؤى الكاتبة إزاء الكون والحياة!
ولكي تدخل إلى رحاب هذه السيرة الأنثوية عليك أن تكون مُلمًّا بما أضافته كتابات هدى النعيمي إلى المكتبة السردية العربية من مجاميع قصصية شكلت علامة فارقة في المشهد الإبداعي العربي الأنثوي بدءًا بمجموعتها القصصية «أنثى» (١٩٩٨م) مرورًا بـ«أباطيل» (٢٠٠١م) و«المكحلة» (٢٠٠٦م) ووصولًا إلى «قمط» (٢٠٢١م) فضلًا عن «عين ترى- قراءات في الشعر والسرد والمسرح» (٢٠٠٢م)، أضف إلى ذلك دورها المتميز في تصدر المشهد الإبداعي القطري من خلال رئاسة القسم الثقافي في صحيفة الراية القطرية وتأسيسها «الجسرة» للفتيات فضلًا عن دورها في تأسيس وزارة الإعلام القطرية. كما عليك أن تعرف دور النعيمي في مجال الفيزياء الطبي؛ فتلك المعرفة المسبقة تكشف عن أهمية هذه السيرة، ويمكن أن تدخل رحاب السيرة بوصفها نصًّا أدبيًّا متقنًا يحكي قصة سيدة من قطر، كما يحلو للكاتبة أن تضعه عنونة إضافية للكتاب.
عالمة الفيزياء وكاتبة القصة
أما التقنيات التي وظفها المخيال السيري لصياغة سيرة مُشوقة فهي متعددة، أهمها توظيف تقنية تيار الوعي للتجوال في رحاب الذاكرة بدون قيد أو شرط، بل إن هذا التوظيف اخترق طبيعته المألوفة ليتحكم في مساراته الوعي الجمالي، فتجد الأنا الساردة تحرك هذا التيار صوب محطات بعينها لتنثال الذكريات بكامل شخوصها وأمكنتها؛ لذا فهي تنتقي وبمهارة ترميزية مفتاحًا دلاليًّا يجمع بين شغفين وبين عالمين تنتمي إليهما الأنا الساردة: الأول عالم الفيزياء بكامل تفاصيله، والآخر عالم السرد القصصي الذي برعت في صياغة فضاءاته. وهو مفتاح لا يمكنك من دونه فك مغاليق ما بين السطور؛ لذا فإن الأنا الساردة تخفيه بمهارة فلا يظهر في عنوانات الشذرات السردية وإنما يتحرك برشاقة من محطة حياتية إلى أخرى.
تأمل مثلًا السطور الأولى للاستهلالة التي تحولت إلى عتبة سردية ضاجّة بأصوات الشخصيات المتحركة على مسرح النص، ولاحظ كيف تسلل صوت الساردة إلى مسامع القارئ واضحًا قويًّا منذ الوهلة الأولى، وكيف مُهِّدَ لأداة البوح (كرة الزئبق): «ويرى وفد بلادي أن التعديل المقترح من شأنه أن يجعل اتفاقية استخدام الزئبق ومشتقاته، ووسائل التخلص من مخلفاته، غير قابلة للتطبيق على نطاق عالمي واسع، وشكرًا.. أقفلت مكبر الصوت الذي بثَّ صوتي في أرجاء القاعة الكبيرة في مبنى الأمم المتحدة في العاصمة الكينية نيروبي».
تتضمن هذه الاستهلالة بعدين: الأول دلالي يضيء مقطعًا سيريًّا مستقطعًا من الواقع، والبعد الآخر غاطس، يضيء طغيان صوت الأنا الساردة على بقية الأصوات. وقد شاء المتخيل الإبداعي أن يكون صوت البوح عاليًا ومثيرًا للدهشة والانتباه، كالدهشة التي أثارها تصريح الساردة والتي أردفتها بالآتي: «التفتت الأعناق نحوي تتابع سيري على منصة ضخمة ارتصَّ عليها عدد من العلماء والمختصين في الاستخدام السلمي والآمن للمواد الكيميائية الخطرة والسامة، مثلما صُنف الزئبق قبل سنوات». يشكل هذا المشهد نافذة أولى نبصر من خلالها التقنية التي انتظمت المتن وفتحت كوة باتجاه مسكوتاته التي تحيل إلى صوت الكاتبة المختلف بدلالة «التفتت الأعناق نحوي» وحركتها الواعية باتجاه منصة البوح «تتابع سيري نحو منصة ضخمة». إذن، فالكاتبة تصوغ من المشاهد الحياتية رموزًا لفك شفرات المتن الغاطس، فأنت إزاء العالمة في مجال الفيزياء الطبي وفي المتن الغاطس إزاء الكاتبة التي تبدع في مجال القصة.

وقد تكون كرة الزئبق مرايا سحرية نبصر من خلالها تفاصيل حياة الكاتبة المنوعة الزاخرة بالأحداث العلمية والثقافية على حد سواء. تأمل المشهد التالي، وتحديدًا استهلالة الفصل التاسع، «حول العالم مع الفيزياء»؛ إذ يرد «لم تتوقف كرة الزئبق الصغيرة عن الدحرجة أمامي عبر السنين. لم تتوقف عند مكتبة القاهرة، في القاهرة الكبرى، وطافت بي سكن الطالبات في شارع دمشق ثم عادت بي إلى الناشر الذي نشر مجموعتي القصصية «أباطيل» التي اختلفت في أسلوبها الأدبي على مجموعاتي السابقة. ثم تدحرجت كرة الزئبق حتى عادت بي، أو عادت معي، إلى الدوحة. في البدء كانت هنا، تتدحرج بين أروقة المستشفى حيث أتبختر في الرداء الأبيض، وظللت أراقبها حين تبخترت في القاعة الكبرى في المبنى الأممي في العاصمة الكينية نيروبي، متحدثة باسم فريق بلادي عن الحفاظ على الصحة والسلامة العامة عند استخدام الزئبق، وما تزال تتدحرج».
من اللافت أن كرة الزئبق تتحرك حركة دلالية دائرية تشد أطراف السيرة، فمن طاولة القاعة الكبرى في المبنى الأممي في العاصمة الكينية نيروبي، في الاستهلالة، وإلى الطاولة نفسها في خاتمة السيرة. بل إن المتن يكرس صيرورتها مفتاحًا للبوح حين يرد: «عادت كرة الزئبق لتتدحرج أمامي وتضحك قليلًا، ثم تعاود القفز من سطح إلى آخر، ومن مستوى إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، فأتابع المسير وإياها حول
‑العالم مع الفيزياء».
أنت قبالة مشهد قصصي لتقنية البوح التي فتحت بوابة الذاكرة، فانفلتت من أقفاص الوعي إلى اللاوعي باشتباك الماضي بالحاضر بالمستقبل لحظة السرد، فوقفت متحدية الكاتبة لحظة الكتابة «تتدحرج أمامي وتضحك قليلًا». وما إنْ تصل السيرة إلى سطورها الأخيرة حتى تجد أن كرة الزئبق التي يخالها القارئ في بعض منعطفات السيرة يتضاعف حجمها لما تحمله من تفاصيل زاخرة بالحياة والناس والتجارب فتبدو ككرة الثلج يتضاءل حجمها، فتعود كما بدأت خرزة زئبق. تأمل الخاتمة التي هي خاتمة السيرة أيضًا: «عادت خرزة الزئبق في التدحرج عائدة إلى مكانها القديم، من دون أن أساعدها. وعادت بي من مركز عبدالسلام في إيطاليا، من تلك الربوة التي تضرب أمواج البحر صخورها دون ملل، وأخذتني إلى نيروبي، عاصمة كينيا، حيث القاعة الأممية الواسعة والوفود الرسمية من شتى الأمم».
خلاصة القول، فقد نجحت كرة الزئبق في «حين يبوح النخيل» أن تمظهر تيار الوعي عبر تدفق المونولوج الداخلي الذي واشج بين تفاصيل الماضي والحاضر، إلا أن المتخيل السيري أخضعها للوعي الجمالي فنظم المشاهد وسلسل الأحداث.