بواسطة شهلا العجيلي - روائية سورية وناقدة أكاديمية | يناير 1, 2024 | مقالات
تروي السينمائية الروسية فيرا تولياكوفا، حبيبة الشاعر التركي ناظم حكمت، وزوجته منذ عام 1957م إلى حين وفاته عام 1963م، مذكراتهما معًا. وتعد هذه المذكرات وثائق غير رسمية، وحميمة، وكاشفة عن الحقبتين اللينينية والستالينية في العهد السوفييتي، وهي تحمل كثيرًا من تفاصيل الحياة الثقافية، والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية لحقبة مهمة من تاريخ العالم، تمتد جغرافياتها إلى كل من أوربا وأميركا اللاتينية والعالم العربي. ويمكن من خلالها قراءة أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي منذ عهد برجينيف، عبر مؤشرات المسرح، والرواية، والرسم، والعمارة، ودكتاتورية القيادة، وبيروقراطية الرفاق وانعدام الحس الأخلاقي لديهم.
لم تكتب فيرا تولياكوفا حكمت كتابها «الحديث الأخير مع ناظم» (دار المدى)، استعادة لذكريات عاشقين، بل ليكون استمرارًا للتواصل مع من نحب بعد الموت. أخذ الكتاب صيغة حوارات وأسئلة، واستذكارات؛ إذ تسرد الأحداث مرة، وتسأل أخرى مستنطقة ناظم ومدونة إجاباته حسب الوقائع التي شهدتها، وذلك في محاولة لإنكار الفقد؛ إذ تشير إلى أنها لم تجد وسيلة لتعافيها من ألمها سوى الكتابة. وقد بدأت فيرا الكتابة بعد مرور ثلاثة أسابيع على رحيله، واستمرت على مدى عامين من 1963م إلى 1965م. كانت تكتب كل ليلة، مثلما نعود إلى البيت مساء، لنقضي وقتًا مع أحبتنا نتحاور فيه، ونتذكر، ونعطي ملخصات لبعض الأحداث، ونتحدث عن مخططات قادمة، ثم نخلد للنوم، وهكذا نبقي أحبتنا أحياء، ونتعافى من ألم الرحيل. فقدت فيرا حبيبها الذي يكبرها بثلاثين سنة، وهي شابة على عتبة الثلاثين من العمر، وتبدو قد اكتفت بالسنوات الثماني التي عرفته فيها من كل من الحياة، ومن الرجال، فناظم حكمت، كما تصفه في ثلاث مئة وخمس وستين صفحة، أوقعها في ورطة المقارنات، فهو رجل مكتمل بحيث لا يمكن استبداله، وقد تحول بالنسبة إليها من بشري إلى فكرة عقائدية أو أدلوجة يصعب قراءة العالم بعيدًا منها.
سيرة معقدة
ترك ناظم حكمت إسطنبول في مطلع عشرينيات القرن العشرين بعد تخرجه ضابطًا في المدرسة البحرية، وذلك إثر وقائع فوضى عسكرية، والتحق بجامعة موسكو لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، ولم تكن فيرا قد ولدت بعد، بل لم تكن أسرتها التاتارية قد وصلت موسكو. عاد إلى تركيا بأفكاره الثورية التي اعتقل من أجلها لسبعة عشر عامًا، وبعدها استقبل ثانية في موسكو استقبال الأبطال، وقضى حياته فيها، وفيها دفن. وبذلك يكون قد عاش الماركسية في وجهيها اللينيني والستاليني، ويطرح الكتاب المفارقة بين النظرية والتطبيق، أو بين اليوتوبيا اللينينية والديستوبيا الستالينية. حين خرج ناظم من السجن عائدًا إلى موسكو كانت الحرب العالمية الثانية قد قامت وانتهت، وهو بلا كتب ولا جرائد، كان يحلم فحسب كما يشير دميترييف كاتب مقدمة الطبعة الروسية، ولم يعرف التحولات التي حصلت في الاتحاد السوفييتي مهد الثورة والنضال، وحين وصل عام 1950م إلى موسكو لم يصدق ما رآه من فقر، ومن مظاهر بائسة للحياة، واعتقالات تعسفية للمثقفين، وقدرة المسؤولين على تزييف الحقائق والوعي. وحين سأل عن صديقه المسرحي ميرخولد، قالوا له إنه يعالج في منتجع جبلي، في حين كان قد أعدم رميًا بالرصاص قبل عشر سنوات من تلك اللحظة.
قصة حب تشبه اللعنة
تخرجت فيرا في معهد السينما الحكومي في موسكو، الذي صارت عميدته فيما بعد، حيث درست كتابة السيناريو، وعملت في اتحاد أفلام الرسوم المتحركة، وهناك كان لقاؤهما في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 1955م، كان ناظم حينها في أوج شهرته كاتبًا مسرحيًّا وشاعرًا تتحدث عنه الصحف، وتتصدر صوره ملصقات العروض المسرحية في الشوارع. كان الاتحاد يعمل على فِلْم مقتبس عن أسطورة ألبانية، وكان على فيرا كتابة السيناريو، ولم يكن أحد على دراية حصيفة بالتفاصيل الأنثروبولوجية للألبان، فاقترح أحدهم مقترحًا يثير مفارقة ثقافية حول مفهوم الاستعمار: استدعوا ناظم حكمت فهو تركي، وتركيا استعمرت ألبانيا ثلاث مئة سنة. وهكذا حصل اللقاء. تقول فيرا كان الوصول إليه مثل الوصول إلى شخصية كبيرة في الكرملين، فهو غير متاح ومحاط بالسرية، لكنها استطاعت تدبر رقم الهاتف ووصلت إليه. بعد قليل سيقع ناظم حكمت في غرامها، وسيناورها لسنتين، مثل درويش مرة، ومثل سلطان تركي أخرى؛ إذ سيفعل كل شيء لإخضاعها: الاتصال المستمر في الأستديو، وقوالب الكعك الضخمة، وعلب الشوكولاتة، وباقات الورد، والعطور، والأحذية الفاخرة، وتقول: إنه شن عليها هجومًا كأبطال ألكسندر دوماس، وقد جعل كل من حولها من أصدقاء، وزملاء في العمل، وجيران في البيت المشترك الذي تسكنه يتعاطفون مع قضيته، وكانت هي تتعذب بهذا الحب فهي متزوجة برجل محترم ومحبب، وأم لطفلة.

ناظم حكمت
غير الحب ناظم فأصبح شابًّا على مرأى من الجميع، ولم يوفر جهدًا لينجو من هذا الحب، فهرب مرارًا، واختفى أشهرًا، لكنه عاد، كما لم تجرؤ فيرا على مقاومة البذخ المتعالي في العواطف والهدايا واللغة: فـ«في سنوات الخمسينيات عاش الناس بتواضع، هذا إن لم نقل بفقر». كان يصرح بمعضلته بلا مداراة: «أنت امرأة شابة وأنا رجل عجوز»، ثم يغريها بمستقبلها الأدبي، فيكتب معها مسرحية، ويلاحقها بالهاتف من وارسو، برلين، لايبزيغ، براغ، باريس في مرحلة كانت الاتصالات فيها كلها مراقبة ومسجلة في الاتحاد السوفييتي، خصوصًا لموظفة كبيرة في القطاع الثقافي الحكومي، وكانت فيرا تقاوم، وتدافع عن زواجها:
«أنت تطلب المستحيل. لدي عائلة، ابنة، زوج طيب حميم… هو الوحيد الذي عاش بين ثلاثتنا بصدق… كان يزعجني أن أراكما معًا: شخصان جيدان عرف كل واحد منهما كل شيء عن الآخر. أحدهما أراد السرقة، والثاني يسأل أحيانًا بنظرات عينيه: ألا تلاحظين أن بطلك إنسان غير شريف؟» كانت فيرا تهرب منه إلى المصيف، إلى البحر في أرخيب أوسيبوفك، لتصلح حالها مع زوجها، فيأتي بعد أيام بسيارته الفارهة بطيش مراهق، ليفسد الإجازة على الجميع، ويضغط بنقاط ضعفه، فيهددها بقلبه المريض، ويتجاهل الألم وأوامر الأطباء في سبيل ملاحقتها، ويغار عليها مثل شرقي مسلم، من ملاحة جسدها، ومن صغر سنها، ومن زوجها، ومن ملابس البحر، ويحرضها على ترك زوجها: «إنه شاب سيتماسك، أما أنا فسأموت، أنا لا أبتزك لكني أقول الحقيقة… أنت تشفقين وتخونين في الوقت نفسه ولا شيء أسوأ من هذا!». يقول: إنه عرف عشرات النساء لكنه لم يكتب فيهن الشعر، وكان يرسل لها قصائده بالتركية من كل مكان، فيترجمها صديقه ومترجمه باباييف، ويلقيها تحت أقدامها، ويرسل لها البرقيات على طول الطريق، وفي كل محطة من موسكو إلى براغ، ومن ستوكهولم إلى باريس، حتى انهارت واستسلمت عندما فصلت من عملها بسبب علاقتها به، وذلك حين انقلبت ضده سلطة خروتشيف؛ بسبب مقال نشر ضده في صحيفة رسمية لدفاعه عن صديقه المسرحي ميرخولد في صحيفة فرنسية.
عرفت فيرا وقتها أن لا مناص من هذا القدر، حتى إنْ كانت مخطئة به في حق نفسها وفي حق الآخرين، وحين استشارت صديقًا مقربًا، أجاب بأنها لن تكون خطوة صحيحة، فالفرق في العمر وفي التجربة الروحية هائل، «لكن أنت بالنسبة لزوجك زوجة محبوبة، لست تحفة، بينما بالنسبة لناظم أنت العالم كله، وهو يكتشفك لنفسه». وهكذا حسمت قرارها بصعوبة، فوقفت في مساء شتوي عند حافة الرصيف مع حقيبة صغيرة بانتظاره، ورسمت فيرا هنا مشهدًا يدعو للأسى والكآبة لا للفرح.
الترجمة والسياقات الثقافية
في كتابها تتتبع حركة السرد لدى فيرا الجغرافيات التي تحرك فيها ناظم سواء وحده أو بمرافقتها، فتروي أحداثًا حدثت في موسكو ولينينغراد وفرنسا وبولندا ومصر والنمسا وتركيا وجورجيا وكازاخستان، نتعرف من خلالها إلى تفاصيل حياة الناس خلال الحقبة الشيوعية، ورؤيتهم لأنفسهم، ورؤية الآخر لهم، كما نتعرف إلى الحالة الثقافية، وأوضاع الكتاب وطبقاتهم حسب قربهم وبعدهم من الكرملين، ومن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، والامتيازات الهائلة التي تحوز عليها النخبة. وفي المقابل سنقرأ عن الإقصاء الوحشي والسجن والإعدامات للمغضوب عليهم من المثقفين، ليس في الحقبة الستالينية فحسب، بل في إرثها الذي امتد إلى نظام خروتشيف. وعلى مستوى الخط السردي الشخصي، سنتعرف إلى رؤية فيرا لحياتها في هذا السياق الثقافي الاجتماعي الصعب، ولحياة ناظم حكمت المعقدة. فهو بوصفه شاعرًا شيوعيًّا رومانسيًّا سيلاحق طيلة حياته دائمًا خطين دراميين من أجل الإبداع: خط الحرمان من الوطن وفقدان الجذور من أجل قضية عادلة، وخط المأساة في الحب بسبب إدراكه لقصر لقائه مع حبيبته، فهو محكوم بالموت بسبب المرض، وقد كان هاجسه الدائم الرجال الذين سيعرفونها بعده.
لقد استطاعت فيرا بسبب تخصصها في كتابة السيناريو السينمائي، أن تصنع مشهدية حية وآسرة، لكن ما جعل هذه الحيوية تنتقل إلينا وتتدفق هو الترجمة البديعة لعدنان مدانات. وهذا ما يحيل إلى علاقة المترجم بالسياقات الثقافية للغتين، اللغة المرجع واللغة الهدف. فالمترجم عدنان مدانات هو مخرج سينمائي، وأستاذ للدراسات السينمائية، عاش في موسكو، ودرس في معهد السينما الحكومي فيها، وحصل على الدبلوم العالي عام 1970م، أي في الحقبة ذاتها التي كانت فيها فيرا تولياكوفا أستاذة في المعهد. إن التجربة الحية للتفاعل مع المكان واختبار حيثياته تصنع اللغة، وقد امتلكت الأخيرة شعريتها من تاريخ المرحلة، ومن مقاربات الـ(تابوه)، والسجن، والمسرح، والصورة المتحركة، وأفق العلاقات الإنسانية.
وضع المترجم مقدمة قصيرة لكنها مؤثرة وسينمائية، تتأتى بلاغتها من حكايته الشخصية مع مشهد النهاية في حياة ناظم حكمت، كما أشار فيها من جهة أخرى إلى أن المتلقي «سيقرأ ما بين السطور مقدمات الأسباب التي جعلت المجتمع الروسي يتقبل بسهولة وسرعة انهيار النظام السوفييتي وكأنه تحصيل حاصل».
الفن والثقافة والأصدقاء
يمثل «الحديث الأخير مع ناظم» مدونة مهمة عن الفن بوصفه مؤشرًا للحياة الاجتماعية السياسية، وعن العلاقات الثقافية التي تحفز الإبداع لدى الفرد، وتصنع الحراك الثقافي في المجتمع. وسنتعرف، من خلال حركة حياة حكمت، إلى شخصيات من الثقافة العالمية من الشيوعيين في رحلاتهم، ويومياتهم، وعلاقاتهم، وخذلانهم، بعيدًا من نماذجهم الكتابية التي عرفناها: باسترناك، ونيرودا، وأراغون مع صاحبته إيلزا طبعًا، وبولغاكوف، وقبل ذلك ماياكوفسكي المؤهل للانتحار في كل لحظة. سنجد دفاع ناظم وشجاعته في الوقوف مع أصدقائه مرة، ووقوفهم إلى جانبه أخرى في شبكة علاقات إنسانية وشفافة ضمن نظام متوحش، يدفع المرء فيه حياته مقابل كلمة لم يحسب حسابها، ويمكنه في لحظة أن يُقصي ضيف اللجنة المركزية العليا في الحزب، ليجرده على الأقل من امتيازاته كلها، وليمنع شعره ومسرحياته ومقالاته بعد أن تكون إحدى مقررات الثقافة الرسمية، كما حصل مع مسرحيته «هل وجد إيفان إيفانوفيتش؟».

ميخائيل بولغاكوف
لم يمنع ذلك ناظمًا من تصريحات نارية يتحدى فيها السلطة، فهو قادم من عهد لينين وقد عبر عهد ستالين بكل من السجن والحرية، ولم يعد بعد ذلك للخوف معنى لديه، فظل يدافع عن الأصدقاء وعن الإبداع ضد البيروقراطية. ففي حديث إلى الجمهور في أمسيته في متحف موسكو في الثامن عشر من يناير عام 1961م في قاعة ماياكوفسكي قال: «يعتقد البيروقراطيون أن الموهبة شيء تافه، وأن ظهورها يتكرر كثيرًا بحيث لا داعي للاحتفال بها. غير أن هذه جريمة الجهلاء! يجب مساعدة الموهبة بحب وأمل، فبدون ذلك ستضيع. لا فائدة من الغضب على الموظفين وعلى السلطة… أحضرت لي زوجة بولغاكوف روايته «المعلم ومارغريتا» لكي أقرأها، الآن أيضًا لا يسمحون بالعديد من مخطوطاته الأخرى، لكني متأكد من أن أولادكم سيقرؤون حتمًا كتبه الرائعة، وسيدرس الأحفاد في المدرسة بوشكين أو دستويفسكي». وهذا ما حصل مع حكمت شخصيًّا؛ إذ بعد أن منعت قصائده في الاتحاد السوفييتي، قرأ مذيعو التلفزيون المركزي القصائد كلها في الأول من أيّار/ مايو أثناء بث المسيرة الاحتفالية في الساحة الحمراء، وكان ذلك بعد موته.
قدمت المدونة رؤية فريدة حول الفنون، فيذكر حكمت أن الشعر عمومًا قضية غير مرحة، ويروي حكاية من الحرب الثانية تشير إلى أن الحياة بكل وجوهها تنبض بالفن، ففي «زمن الحرب كان فولبين وإديرمان يحفران الخنادق حول موسكو، وطائرات الألمان تحلق فوقهما. تذمر فولبين: يا له من عمل شاق! قال إديرمان: لكنه رغم كل شيء أسهل من كتابة القصائد فأيده فولبين: أسهل بما لا يقاس». أما الرسم فيجد أنه أكثر أنواع الفنون عالمية؛ إذ «يحتاج الشاعر إلى مترجم، ويمكن أن تكون الترجمة جيدة أو سيئة، والرسم لا يحتاج إلى ترجمة، لدينا الكثير من الرسامين الشبان الموهوبين جدًّا ممن ليست لديهم إمكانية عرض أعمالهم، ليس فقط لأن معارض العالم مغلقة بالنسبة لهم، بل إنهم محرومون من رؤية الكتب حول الفن المعاصر في الغرب، وبعض منهم يجوع! هذا مرعب يا رفاقي». وأما العمارة فيقارن فيها الرؤية الدينية التي ترغب في إشعار البشر بصغرهم أمام الإله عبر بناء الكاتدرائيات الضخمة، بالرؤية الستالينية التي تفوقت عليها في إظهار الانسحاق: «إن القديسين الكاثوليك كانوا أكثر تسامحًا مع البشر من المعماريين الستالينيين».
نقد العمى الأيديولوجي
لم يتجاهل حكمت نقد العمى الأيديولوجي في الفن الذي يحوله إلى مقولات نظرية، وهي لا يمكن أن تكون ندًّا للموهبة الحرة، فيوجه نقده لغوركي في حوار مع زوشينكو الذي تعرض للإدانة من جانب اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وكان من كتابه المفضلين بعد موليير وغوغول، ويلومه على تقريظه لغوركي، مفندًا هذا التقريظ. فهو بوصفه معتقلًا سابقًا في السجن التركي، لا يستطيع أن يتقبل أن هذا الكاتب الحكيم ابن الطبقة العاملة، زار أحد أكثر السجون رعبًا ولم يفهم شيئًا، وصار يشيد بنعيم السجن السوفييتي! ويقول: إن قصة واحدة بمشاركة غوركي ثقيلة على النفس جدًّا. يجيبه زوشينكو: بالتأكيد فهم كل شيء، عرف كل شيء، وأزعم أنه ارتعب، لكنهم شحنوه بالأمل، ولا شك في أن هذا الأمل هو نقطة ضعف الرفاق.
في السياق ذاته، لم يتورع حكمت من أن يوجه نقده لمواقف أصدقائه الحميمين حين يفضلون التقاليد على الإنسانية، كما فعل قبل موته بعشرين يومًا مع أراغون وإيلزا في حادثة تتعلق بجنازة صديق مشترك في باريس، فقال: «أكره كل أنواع النفاق، لكن نفاق الشيوعيين وأيضًا الشعراء، ما لا أستطيع احتماله».
الأممية مقابل الجذور
كان السوفييت في الستينيات يرون تركيا، عدوهم القديم، عدوًّا جديدًا، فهي أرض الانتشار الأميركي والمآذن على حد سواء. وكانوا بين الهزل والجد يشيرون إلى ناظم حكمت بذلك التركي المدلل الذي سيفترس النساء، ويسعى وراء الشابات منهن. ولا بد من سؤال سيراودنا خلال هذا التطواف الممتع، فيما إذا استطاعت الأممية أن تعوض الشاعر عن الوطن!
ظل ناظم يمثل تركيا رغم عدم حمله لجواز سفر الدولة. لقد صرح مرة في مؤتمر عالمي بأنه يحق له تمثيل تركيا ما دام يكتب بلغتها، ويعبر عن قضايا الناس فيها. وعلى الرغم من أنه يحظى بتسهيلات أممية استثنائية، ويمتلك بدائل جغرافية، ونفوذًا، فكان يحنّ إلى هناك، وقد صعد الغرام بامرأة من ذلك الحنين، وكان يعرف أنه سيستعيد علاقته بوطنه مثل كل الخارجين على السلطة، بعد الموت: «ستتحقق المصالحة بيننا بعد موتي. يجب أن أموت كي أعود إلى الوطن. من المؤسف أنني لا أستطيع اصطحابك مرة واحدة، أن آخذك إلى هناك مرة واحدة، كنت سأريك إسطنبول، أقسم لك إنها واحدة من أروع مدن الكرة الأرضية… لو كنا موجودين في إسطنبول لأريتك المدينة القديمة، لأريتك المدينة عند الفجر، التي أراها في أحلامي منذ سنوات».

يشير حكمت إلى ارتباط الوطن بالأصدقاء، وبالمثقفين منهم تحديدًا، وكأن وجود الكاتب، مهما كان انتشاره واسعًا، لا يتحقق إن لم تكن أعماله فاعلة بين قرائه في الوطن: «كنت سأعانق أورخان كمال وأتحدث معه حتى الصباح، كنا سنذهب لزيارة يشار كمال ونشرب عنده الشاي الثقيل بوجود تيلدا… تعرفين كم ساعدني، فقد تصرف بشجاعة بزيارته لي في باريس، بالتحدث علنًا بدون خوف، طوال اليوم وفي كل مكان، بالتمشي في المدينة برفقتي كل تلك الأيام من الصباح الباكر حتى آخر الليل، مما جعلني أكاد أجن من السعادة، فأنت تعلمين أنه يخيل لي من وقت لوقت أنهم في تركيا نسوا قصائدي! آمنت بتركيا مجددًا من خلاله، آمنت بشعبي، بمستقبلي».
لا ينفي ذلك الحنين الفطري التعلق الواعي والمختار بموسكو، وهو يستطيع أن يحدد أفضالها، ويمتن لمباهجها ولا سيما في العشرينيات، في يوتوبيا لينين: «أنا درست في موسكو، وأمضيت أروع سنوات شبابي في موسكو. أحببت للمرة الأولى في موسكو. سكرت كما يجب لأول مرة أيضًا في موسكو. وفي موسكو تعرفت إلى تعاليم ماركس ولينين. ثم في موسكو شاهدت الأوبرا لأول مرة، والكثير الكثير من الأشياء عرفتها في موسكو، لأول مرة تعرفت إلى ماياكوفسكي في موسكو، وعلى إدوارد باغريتسكي أول مترجم لقصائدي؛ لذا أعتبر نفسي مواطنًا موسكوفيًّا عريقًا».
يصل ناظم حكمت بذلك إلى تعريف للوطن، فهو ليس فقط مقابر الأجداد وأشجار البتولا والسرو، كما يصعب التعايش مع فراقه، لكنه ممكن، غير أن روح الشعب تدخل في مفهوم الوطن. كل شيء بدءًا من أصغر أحلامه إلى هدفه الكبير، وإذا كنت قد خرجت من شعبك ولم تتمكن من تسريع حركته من الحلم الصغير إلى الهدف الكبير، فأنت شخص تعيس! وبما يخص الكاتب فإن معرفة الجذور الثقافية قضية فارقة، فإذا «لم يهتم الكاتب بكيف كان يعيش أسلافه، فهذا يعني أن الجيل الذي رحل عنا هو مجرد سماد للأرض».
بواسطة عز الدين عناية - أكاديمي تونسي يدرس في جامعة روما | يناير 1, 2024 | مقالات
في السنوات الأخيرة، تحوّلت بلدان الخليج العربي، من دول منكفئة على أوضاعها الداخلية إلى دول حاضرة ضمن خريطة الفاعلين في الشرق الأوسط. لم تعد المنطقة محطّة للتزوّد بالطاقة فحسب، كما ساد على مدى عقود، بل غدت مصدر انبعاث لنهضة واعدة، وبالمثل عنصرًا فاعلًا في السياسة الشرق أوسطية، وشريكًا موثوقًا في التحالفات الدولية.
يروي كتاب «دول الخليج العربي.. مركز ثقل جديد في الشرق الأوسط»، لشينسيا بيانكو وماتيو ليغرينسي (الناشر: إيل مولينو، مدينة بولونيا، إيطاليا 2023م)، قصّةَ هذا الصعود الواعد في المنطقة، والمرشَّح لمزيد من التطور في السنوات القادمة. فدول الخليج التي أضحت محطة محورية في ظل نظام العولمة، تمد العالم بخُمس حاجته من الطاقة الحيوية، وتضطلع بدور فاعل في التوازنات المالية الدولية، وكذلك في التأثير في خريطة السياسات الإقليمية، من الشرق الأوسط مرورًا بالمتوسط وبشرق إفريقيا وإلى جنوب غرب آسيا. لقد باتت دول الخليج العربي محطّ أنظار أطراف دولية عدة، تتطلع إلى بناء مصالح إستراتيجية، وهو ما جعل تلك البلدان في قلب التحالفات المؤثرة، على المستويين الإقليمي والدولي.
يتناول الكتاب ستّ قضايا أساسية، وهي: تداعيات «الربيع العربي»، قطر والأزمة الخليجية، محور الرياض أبوظبي الصلب، سلطنة عمان ودولة الكويت.. قوة الوساطة الخليجية، الخليج العربي والأوضاع الليبية، إيران من منظور دول الخليج العربي. ويحاول المؤلفان- شينسيا بيانكو وماتيو ليغرينسي- التركيز على مختلف الديناميكيات التي تميز تلك البلدان في التاريخ الراهن، استنادًا إلى معطيات وإحصائيات ودراسات منشورة. نشير إلى أن المؤلفين كليهما من إيطاليا، يدرّسان العلاقات الدولية ويشتغلان بالبحث العلمي. شينسيا بيانكو، وهي جامعية وباحثة ملحقة بالمجلس الأوربي، معنية بمتابعة ملفات الخليج العربي، وأما ماتيو ليغرينسي، فهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة «كا فوسكاري» بمدينة البندقية وباحث في دراسة السياسات الشرق أوسطية.
التأثير في سوق الطاقة
يستهل المؤلفان كتابهما حول بلدان الخليج العربي بحديث عام، يتناولان فيه تقييم موقع جزيرة العرب ضمن جغرافية العالم الراهن السياسية، وتداعيات أوضاع العولَمة على المنطقة. حيث يشكّل موقع الجزيرة العربية، بحسب المؤلفين، ملتقى محوريًّا أَملته العولمة بين أوربا وآسيا وإفريقيا، وهو ما خوّل المنطقة حيازة موضع إستراتيجي طبيعي في عصر الاقتصاد المعولَم؛ إذ تبقى بلدان الخليج العربي همزة وصل في الاقتصاد العالمي تربط بين قارات ثلاث. وبالفعل تُهيمن الجزيرة العربية، بفعل امتداد سواحلها الهائلة، على البحر الأحمر، وهو البحر الذي يصل المتوسط ببحر العرب وبمنطقة الفضاء الهندي الهادي؛ إذ يشهد ذلك البحر سنويًّا عبور عُشر أنشطة التجارة العالمية، وهو مرشّح للتضاعف في ظل مخططات تجديد الموانئ وتطويرها التي تحرص عليها دول المنطقة. إضافة إلى ذلك تمر عبر البحر الأحمر أسلاك وخطوط الاتصالات الإعلامية التي تربط أوربا بآسيا، ناهيك عن أن المنطقة تحوي ثلث احتياط الطاقة العالمية (المملكة العربية السعودية: الثانية عالميًّا على مستوى إنتاج النفط والسابعة على مستوى الغاز؛ البحرين: المرتبة 66 على مستوى إنتاج النفط والمرتبة 57 على مستوى الغاز؛ الإمارات العربية المتحدة: المرتبة 6 على مستوى إنتاج النفط؛ الكويت: المرتبة 5 على مستوى إنتاج النفط و20 على مستوى الغاز؛ عمان: المرتبة 22 على مستوى إنتاج النفط و28 على مستوى الغاز؛ وقطر: المرتبة 9 على مستوى إنتاج النفط و3 على مستوى الغاز).
وفي تأكيد هذا الدور المؤثر لتلك البلدان، يورد المؤلفان، على سبيل الذكر، المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، وهي من بين كبار منتجي البترول والغاز الطبيعي في العالم، ولها تأثير فاعل في سوق الطاقة العالمية وما له من أثر على نطاق عالمي. بدا ذلك جليًّا مع تفجر الحرب الروسية الأوكرانية من العام المنصرم، وهو ما كشف أيضًا عن معنى أن تكون دولة قوية عالميًّا على مستوى إنتاج الطاقة، وأظهر جليًّا الوزن الإستراتيجي الذي باتت تؤديه دول الخليج. صحيح أن تلك البلدان شهدت في السنوات الأخيرة تطورات مهمة، على مستوى الحضور الجيوسياسي، حوّلها إلى لاعب فاعل في ديناميكيات السياسة في المتوسط والشرق الأوسط؛ ولكن الحرب الروسية الأوكرانية أبانت بوضوح تعاظم هذا الدور على حسب ما يورد الكتاب. وقد كان لدولة الكويت وسلطنة عمان، اللتين انتهجتا سياسة تنأى عن الاستقطاب في المنطقة، دور رئيس ومؤثر في الوساطة بين القوى المتصارعة في العديد من المناطق في العالم وحالتا دون تفاقم الأوضاع.
غلب على الكتاب التركيز على التحولات في الشأن الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي، وصعود دول الخليج العربي في الحقبة الراهنة من دول ثانوية في الشرق الأوسط إلى مركز ثقل صاعد وعنصر حاسم في التوازنات الدولية. ولكن فات المؤلفين الاهتمام بالتحولات الثقافية الهائلة في دول الخليج، سواء في تصنيع المنتوج الثقافي، أو في إنشاء المؤسسات المعرفية، أو في زخم التكوين العلمي والمعرفي الذي تشهده المنطقة؛ إذ يبدو أن ذلك الرأسمال الرمزي هو الضامن لإحداث التغيير الحقيقي في البناء الاجتماعي العام لدول الخليج. فدول الخليج لم تحصر دورها في التزويد بالطاقة، بل عوّلت على إحداث نهضة معرفية وثقافية في فضائها العربي العام، وحرصت دولها على الاستثمار في توطين المعارف. وربما مثال المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في هذا الجانب لافت، فقد أقدمتا على استثمارات هائلة في مجال التعليم العالي، من بينها إرساء شراكات علمية مع جامعات أميركية وفرنسية وبريطانية وفتح فروع جامعية في بلديهما.
من الظل إلى الدور القيادي
يرى الكتابُ دولَ الخليج مركز الثقل لمنطقة تُراوِحُ من المغرب الأقصى إلى مشارف أفغانستان. كما يَرى منطقة الخليج المحور الرئيس في الشرق الأوسط في العقد الثالث للقرن الحالي، وقد بدا ذلك جليًّا من خلال تنافس القوى الكبرى: أميركا والصين وروسيا، على خطب وُدّ دول المنطقة والتدافع على الفوز بإرساء تحالفات إستراتيجية معها. وما يخلص إليه الكاتبان هو أن بناء شراكة طاقية إستراتيجية مع دول الخليج، سواء من جانب الصين أو روسيا أو أميركا، هو ملف في غاية الحساسية والدقة، في ظل السياق العالمي الجيوسياسي الجديد متعدد القطبية، ومن جراء ما جرى في الساحة الدولية من خلط للأوراق، فيما يخص إنتاج الطاقة وترويجها، على إثر الحرب الروسية الأوكرانية. مثّل الخليج العربي عنصرًا فاعلًا في المستجدات الحاصلة منذ اندلاع الحرب، وهو الأمر الذي جعل بلدان الخليج تحضر بشكل مؤثر في تداعيات معركة الطاقة العالمية. كما يذهب الكاتبان إلى أن الخليج مرشح إلى أن يبقى مصدرًا أساسيًّا للطاقة البديلة، وأن التخلي التدريجي عن الطاقة التقليدية أو استبدالها، لن يفقد المنطقة دورها الإستراتيجي المستقبلي، بل سيدعم حظوظها.
لقد كشفت مواقف دول الخليج، من الحرب الروسية الأوكرانية، خروج المنطقة من ظل التابع للسياسة الأميركية لتلوح مرحلة شقّ دول الخليج نهج الحياد على مستوى سياسي، واعتماد براغماتية عملية على مستوى اقتصادي، وهي مستجدات مهمة في الخيارات الإستراتيجية الخليجية. ويدعم الكاتبان رأييهما بأن بريطانيا نفسها، الحليف والراعي التاريخي لبلدان الخليج، ما كانت تتصور تحول الخليج العربي إلى مركز ثقل في السياسة الاقتصادية العالمية بهذه السرعة والتأثير.
يرى المؤلفان أن المهمة الأساسية هي الفهم العميق للديناميكيات التي جرت في المنطقة ما بين عامَيْ 2011م و2021م، وهو الهدف الرئيس الذي يتمحور حوله الكتاب، بوصفه يمثّل أول مؤلف إيطالي جاد يتوخى التحليل الأكاديمي منهجًا، ويتابع آثار نمو دول الخليج وحضورها كفاعل ومؤثر في التوازنات الجيوسياسية والجيواقتصادية داخل الفضاء المترامي بين المتوسط ومنطقة جنوب غرب آسيا. عبر مسعى المؤلفين إلى تقديم تحليل مفصّل، يتوجه إلى جمهور القراء من جانب، ويتيح من جانب آخر أدوات قراءة للطلاب والمتخصصين من منظور دولي.

صِيغَ الكتاب بشكل علمي وأكاديمي، وتوخى فيه المؤلفان الدقة والراهنية في متابعة التحولات والتطورات الحاصلة. فإضافة إلى المصادر والمراجع الإنجليزية والإيطالية التي يستند إليها الكتاب في توصيف الحالة الخليجية وتحليل تطوراتها وأبعادها، على مستويات عدة، سياسية واقتصادية، إقليمية ودولية، أردف المؤلّفان الكتاب بالجداول والخرائط التوضيحية؛ ناهيك عن استعراض لأهم الشخصيات المؤثرة في الساحة الخليجية المعاصرة، تخلّلتها نبذات تستعرض مساراتها وحضورها. هذا إضافة إلى شرح لجملة من المصطلحات والمفاهيم، ذات الصلة بالواقع الخليجي والعربي، التي غالبًا ما تتكرر في وسائل الإعلام الغربي وفي الأدبيات والخطابات السياسية.
مستقبل الخليج العربي
يحاول الكتاب أن يأتي على عرضٍ بشأن تقييم علاقات الدول الغربية مع بلدان الخليج، عادًّا الحضور الإيطالي في خضمّ هذه التحالفات سطحيًّا، ويفتقر إلى التجذر، وهو يحتاج إلى مقاربة تكتيكية وبراغماتية تُجاري التحولات الجارية. انعكس ذلك الدور الإيطالي في سلبية مضرة مقارنةً بما تشهده المنطقة من صعود متنوع الأشكال. فقد ساد في أوساط الرأي العام الإيطالي، في مرحلة سابقة، موقف سلبي تجاه بلدان الخليج افتقر إلى الواقعية، ولعل الانبهار في السنوات الأخيرة بالإنجازات الخليجية، في أوساط الرأي العام الإيطالي، مثّل تصحيحًا ضروريًّا ولازمًا.
يختتم الكتاب بعنوان: «نظرة إلى المستقبل.. الخليج العربي عام 2030». يرى الكاتبان التحول الحاصل في الخليج قد انطلق منذ عام 2011م، على إثر أحداث ما يُعرف بـ«الربيع العربي» في الأدبيات السياسية. شهد الخليج في أثناء تلك العشرية حضورًا جيوستراتيجيًّا لافتًا، هذا إضافة إلى تعاظم دوره الاقتصادي، وليستمر مسار التحولات في العشرية التالية مع تزايد حدة الصراع بين القوتين العظميين روسيا والولايات المتحدة، وبروز الخليج كعنصر فاعل وحيوي في مجال الطاقة العالمية. فعلى إثر المقاطعة الشاملة لروسيا من جانب دول أوربا الغربية، بدا عامل الطاقة عنصرًا حيويًّا في العملية، وهو ما دفع الدول المقاطِعة إلى البحث عن مزوّدِين جدد. ساهمت تلك العوامل في إحداث ارتباك في سوق الطاقة عامةً. ولم تجد جملة من دول أوربا الغربية من سبيل لتَخَطّي العَقَبة الروسية سوى التحول صوب الخليج بنظرة جديدة.
بدت الشراكة الغربية الخليجية بحسب المؤلفين متحررة في خياراتها مع الطرف الأخير، وهو الأمر الذي جعل دول الخليج تجني مغانم مضاعفة وبما عزّز لديها فرص التخطيط لتغييرات جذرية في نوعية الطاقة، تكون بموجبه مصدرًا واعدًا ومقتدرًا للطاقة المتجددة، ولا سيما للهيدروجين الأخضر. يُنهي الكاتبان هذه الحوصلة بقولهما: يبقى إنشاء شراكة طاقية إستراتيجية مع دول الخليج ملفًّا في منتهى الحساسية، في ظل الوضع السياسي متعدد الأقطاب الذي يسير نحوه العالم، حيث يُطل الحضور الصيني بقوة في المنطقة من حيث التعاون الإستراتيجي الاقتصادي مع دول الخليج. فما يميز الشراكة الصينية هو غياب التدخل في الشأن الداخلي، والتعامل بشكل اقتصادي صرف، وهو ما يلتقي مع تطلعات دول الخليج حول إمكانية التحول إلى محطة تجارية عالمية رابطة بين آسيا وأوربا، إضافة إلى دورها التقليدي في مد قوى اقتصادية عالمية بالطاقة.
بواسطة فيصل دراج - ناقد فلسطيني | يناير 1, 2024 | مقالات
يحتمل المثقف، كما تصوره الكتابات المتعددة، صفات متنوعة: فهو المرشد والهادي والمتعلم والمعلِّم النوعي والثوري والناقد، وغيرها من صفات ممتدة، كما لو كان «كاتبًا» لا تعريف له يُختصر، ضرورة، في بعدين: الكتابة والمعرفة؛ إذ في الكتابة ما يوحي «بمهنة» وفي المعرفة ما يحيل على اختصاص… بيد أن البعدين لا يأتيان بتعريف بقدر ما يؤكدان «هشاشته»؛ ذلك أن المهن متعددة والاختصاصات كثيرة.
كتب إدوارد سعيد في «صور المثقف»: «لكأن في أقدار المثقفين ما يشبه خصائص الأنبياء…». وخصائص الرسل تنطوي على الإصلاح والهدى والإرشاد والتهذيب وتوليد أرواح جديدة، كما لو كان عالم المثقفين آية على عالم القيم والأخلاق الكريمة.

مهدي عامل
أما المفكر القومي ساطع الحصري فذهب إلى فضاء القيم من باب أكثر تحديدًا حينما كتب: لا تقوم القوميات إلا بمثقفين نوعيين. يشرحون معنى القومية ويكشفون عن ضرورتها ودلالتها، فالشعوب بلا قومية واهنة مريضة، والقوميات بلا مثقفين جماعات ضائعة. أعلن الحصري عن ذاته مثقفًا قوميًّا صريحًا يبشر بتاريخ عربي جديد، قوامه الوحدة والتضامن واستلهام أرواح الأجداد وتفعيل الذكريات البعيدة المنتصرة. المفكر الماركسي اللبناني مهدي عامل، في كتابه الكبير «نمط الإنتاج الكولونيالي»، اطمأن إلى مصطلح: «المفكر الثوري»، الذي ينحاز إلى طبقة اجتماعية صاعدة، ويندد بطبقة أخرى تأتي بالتبعية والاضطهاد. نسب الحصري إلى مثقفه دورًا محددًا، يتجاوز الطبقات جديدًا ويلتزم «بروح الأمة التليد»، واكتفى عامل بمثقف وطبقة وأسبغ عليهما صفة: الثورية، التي تنقل المجتمع من مرحلة «ما قبل التاريخ» إلى ما بعده وتستولد تاريخًا غير مسبوق.
المثقف الجمعي
تقاسم مثقفو إدوارد سعيد والحصري ومهدي عامل صفة عامة مشتركة، تقوم على عارف، يرشد غيره، وآخر -«أقل مرتبة»- يحتاج إليه ويختلف عنه في الغاية والهدف. وإذا كان في المثقفين ما ينسبهم إلى «الأنبياء»، بلغة سعيد، فإن دورهم، الصريح والمضمر الارتقاء، «برعيتهم» من طور إلى آخر أكثر علوًّا… يخالط الدور، على رغم نبله، سلب يثير الارتباك؛ ذلك أن هذا الرسولي والقومي والثوري يكتفي بفرديته، ما يجمع بين المثقف و«الفرادة»، على اعتبار أن «الفردية» في ذاتها، قيمة إيجابية أكيدة.

إدوارد سعيد
ولعل الاحتفاء بالفرد العارف، المتميز عن الذين يتوجه إليهم، يفرض الانتقال من صفة الفرد إلى معيار أكثر اتساعًا هو: الثقافة الاجتماعية التي تستدعي «الجماعة». كتب الإنجليزي ريموند ويليمز في بحث طويل: الثقافة نمط شامل من الحياة يأخذ به أفراد المجتمع جميعًا. يُشتق المثقف، والحال هذه، من ثقافة مجتمعه، ولا يكون مفردًا، تصوغه ممارسات المجتمع الذي يعيش فيه، التي تتضمن القراءة والكتابة والإقبال على الفنون الحديثة، والتعرف إلى الحياة السياسية وإلى الفرق بين الدكتاتورية والديمقراطية والانفتاح على الثقافة العالمية…. وكما يربّي المجتمع مثقفه، فهو ينتج مثقفين تخرجهم الجامعات وتدعم ثقافتهم المجلات والكتب وإصدارات دور النشر ويشاركون في حوار اجتماعي، مجتمعي، يسهمون فيه ويوسعون آفاقه، ولذلك تتصف المجتمعات المتطورة بظواهر ثقافية متنوعة، يقترحها أفراد، وتشارك فيها ممارسات اجتماعية واسعة: المسرح، السينما، معارض الفنون… ومن هنا جاء قول أشبه بالقاعدة؛ يتذوق الفنون فرد تربى في مجتمع شهد تربيات فنية…
يفضي الحوار الثقافي المجتمعي، في «المجتمع المفتوح»، إلى ظاهرة: مثقفون كبار لهم مشروعات اجتماعية، «يشاركون فيما يتجاوز اختصاصهم»، ويمثلون أنواعًا متعددة من المثقفين «محددي الصفات»: المثقف العضوي عند غرامشي الذي يدافع عن مصالح طبقة وينقض مصالح أخرى وينتهي، في الشروط الديمقراطية، إلى «المثقف الجمعي» الذي يوحد بين الثقافة والسياسة وينفتح على مشروع اجتماعي. دعا جان بول سارتر إلى «المثقف السياسي». الذي يأخذ موقفًا نقديًّا من الظواهر الاجتماعية جميعها، ويتدخل فيما يتجاوز اختصاصه. ودعا إدوارد سعيد إلى «المثقف الهاوي»، البعيد من المثقف ذي الاختصاص المغلق، القريب من السلطة… كان الفرنسي هنري لوفيفر قد تحدث عن «المثقف النوعي» الذي يتكئ على معرفة تدعم المصالح الجماعية المدافع عنها، وتسهم هذه المصالح في تطوير ثقافته وتجديدها.
تميل الثقافة التبسيطية البعيدة من التحديد إلى مثقف مجرد الصفات: تدعوه: المثقف الثوري، التي لا تعني صفته شيئًا، أو المثقف الطبقي التي لا تأتي بمفيد، وكذلك المثقف الحزبي الذي صلاحه من «حزبه»، وهو كلام أجوف. تنوس هذه الصفات بين الاختراع و«الأيديولوجيات الفقيرة». فالثورة مشروع اجتماعي متخيل لا يوكل إلى فرد يحسن القراءة والكتابة، والطبقات الاجتماعي محض لغة مستحيلة التجسيد: فلا وجود «لثقافة عمالية» إلا في الإنشاء الفقير، وقيم الرأسمالية لها وجود في الاقتصاد لا في غيره وفي مدارسها المختصة… والبرجوزاية الصغيرة، التي عاشت بالكلام ردحًا من الزمن ظهرت في الدعاوي السياسية العارضة ودفنت خارجها.
وبسبب استبداد البداهة التي تساوي بين الكلمات والموضوعات، ارتاح تلاميذ محمد عابد الجابري إلى مصطلح: «المثقف الهادي» حيث «الإبستمولوجيا» تنير «طريق الثوار» على اعتبار أن المثقفين «البرَرَة» من الثوار، يشير إلى الانتصار بيد ويحمل مراجع المعرفة بيد أخرى. ولكأن التزود «بالنظرية» «يسوغ» وجود الفقر ويحقق الكرامة المنشودة ويسيس جموعًا من المضطهدين حرمت طويلًا من الحرية والسياسة وعفوية الحركة والتنظيم. ينتهي هذا الزعم الفاسد، في النهاية، إلى قول مستبد يمحو مبادئ السياسة ويحتفي بالانضباط والعقول المنضبطة، يستعيض عن المتسلط التقليدي بمتسلط دقيق الكلام يؤمّن «للمخْضَعين» سبل الرشاد والهداية. ومع أنه يزجر «العفوية الشعبية» رافعًا رايات المعرفة، فهو يكرر، بشكل مختلف، قولًا قديمًا زهيد التكلفة: «من لا شيخ له شيخه الشيطان»، ألمح إليه طه حسين في كتابه «الأيام»؛ إذ المثقف الهادي، الشيخ الجديد، مرتبة معرفية- اجتماعية «تبجّل» الثورة العارفة وتدعو الخاضعين إلى الالتحاق بالأساتذة و«الأكاديميين».

هنري لوفيفر
ارتضى «بعضٌ» مصطلح «المثقف الهادي»، حيث الهداية من الثقافة والثقافة من الهداية وممارسة الحياة لا معنى لها، و«التجربة اليومية»، تاليًا، لا تفيد الإنسان في شيء. تتلاشى في الهواء بداهة معروفة: «شخصية الإنسان من أفعاله»، ويتداعى قول أندريه مالرو الشهير: «يساوي الإنسان مجموع أعماله»، الذي يعتبر الفعل المشخص للإنسان المشخص بداية المعرفة، وأن الإنسان البنّاء يتعلم البناء وهو يبني، تاركًا «جمالية الكتب» لأصحاب الاختصاص، الذين هم افتراضيًّا «جنس كتابيّ من البشر» يسترشد بالنظرية ومشتقاتها. يعلم «تلاميذ الفقراء» القراءة والكتابة والبناء والمظاهرات منطلقًا من النظريات المتعالية.
بعض آخر من مثقفي الاختصاص ينادي «بالمثقف الإيماني»، محتفلًا بالثقافة القلبية، حيث المعرفة الحقة تتكون في «القلب المؤمن» ولا تحتاج إلى الفعل واليدين. تنتقل المعرفة الصالحة، والحال هذه من «النظرية» إلى القلب، الذي يصبح، أحيانًا، «قلبًا ثوريًّا» لا علاقة له بالحاجات المادية والتجريب. وقد يصدر عن هذا القلب «إيمان ثوري» مغلق، لا يفيد الأغراض اليومية ولا تفيده في شيء أيضًا.
المثقف بصيغة المفرد
ولعل في توزع المثقف على وجهات نظر مختلفة ما يعفيه من التعريف، ويمنع عنه صيغة الجمع، ويضع تعريفه في الناظر إليه، اتكاءً على عمومية: العمل اليدوي والعمل الذهني، التي تصلح للأفكار الكتبية وتتعثر في الحياة العملية. فلا وجود لعمل يدوي متحرر من «تفعيل الذهن» حتى لو كان هامشيًّا، كما أن العمل الذهني، الذي يشتق منه: «المتذهّن» يصطدم بالمعيش اليومي حتى لو لم يسعَ إلى ذلك. وواقع الأمر أن بين «صفات المثقف» والسياق الاجتماعي التاريخي علاقة عضوية، كما أن السياقات المتعددة تقترح «صفات متعددة». فللمثقف «الثوري» سياقه الأيديولوجي الأكيد، فلولا سياق ساطع الحصري لما طلع بمثقفه القومي، ولولا صعود «اليسار» في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لما تكاثر «المثقف العضوي»، ولولا تراجع الطرفين لما ظهر ثالث يستضيء بالمثقف المصري «سيد قطب». ولو لم تنطفئ النزوعات الأيديولوجية المختلفة لما غدا المثقف العربي أثرًا من الماضي.
قلنا اتكاءً على ما سبق: لا وجود للمثقف بصيغة الجمع، فهو كلمة يأتي معناها من «القائل بها»، يستدعيها سياق ويطردها سياق آخر. ويمكن مراجعة القول في أحواله المتحولة، عربيًّا، الوصول إلى نتيجة أخرى: كل الناس مثقفون لا انطلاقًا من المساواة التي احتفى بها غرامشي إنما لأمر آخر مرآته: تراجع القراءة والكتابة وانطفاء السياسة و«التحزّب» الفاعل؛ ذلك أن كل ما يعمم الجهل يجهض معنى الكلمات. فكل الناس أميون في مجتمع كل الناس فيه متعلمون، وكل الناس مربون في مجتمع حسن التربية.
تتأتى من مستويات التعليم المتفاوتة مقولة: تبادلية العلاقات المعرفية؛ إذ المعرفة الأرقى تفعل في معرفة محدودة التطور، وكذا الأمر في العلاقات الثقافية المختلفة المراتب التي تضع «المثقف» في سلسلة تاريخية «متنوعة». فقبل المثقف يأتي «الفقيه»؛ إذ حقل الأول الموضوعات الدنيوية، يقرؤها وينقدها ويتخذ منها موقفًا، وإذ الثاني يقرر ويشرع وينشغل بالأحكام الدينية، مع فرق أساسي بين الطرفين: يتعين المثقف بموقفه من السلطة السياسية، يقومها، ويقترح بديلًا، بينما يظل الفقيه مشدودًا إلى السلطة. يظل الفقيه قائمًا بين حدين: السلطة كما يقبلها الناس والناس كما تريدهم السلطة وترضى عنهم. بيد أن هذين الحدين يضطربان في زمن «السديم الاجتماعي»، فلا الفقيه جليّ الصورة، ولا أتباعه واضحو القيم. آية ذلك ما ازدهر في عقود أخيرة وأخذ صفة: الداعية.

محمد عابد الجابري
إذا كان زمن خطاب الداعية سلطويًّا، يتداخل فيه الحاضر والماضي بلا تمييز، يفيد منه الداعية والسلطة، فإن زمن المثقف، تاريخيًّا، يرنو إلى المستقبل ينشد، نظريًّا، مصالح «الشعب» ويدافع عنها. المثقف مقولة حديثة، والداعية وما يشبهه لا زمن له، حده الأول مصلحة «متدينة» أو «تأويل ديني» نفعي النزوع.
ظهر المثقف العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وما تلاه، وتوالد الفقيه في جميع الأزمنة. ارتبط مسار الأول، صعودًا وهبوطًا وتجددًا وتداعيًا، بالحوار الاجتماعي ومساحة الحرية الاجتماعية والقول الحر، وحايثت حركة الثاني اتجاهات السلطة التي تمجد الثبات وتميل إلى «التأبّد».
هل على المثقف أن يعترف أولًا بعلاقات القراءة والكتابة، أم إن عليه قراءة الظواهر الاجتماعية المعيشة التي هي قوّامة على المجردات الثقافية؟
بواسطة فاطمة عبدالحميد - روائية سعودية | يناير 1, 2024 | نصوص
لا بد أن في الجنة قِبلةً تشبههُ، يعجز المرء عن وصفها. كمالٌ لا نهاية له، فأمامه تتقلص جاذبية كل ما سواه، يبدو وهو متاخم هكذا لليابسة، كسيف منذور في يدها للبطولات، وفي الوقت نفسه متداخل معها وفيها، كمحرمتين من ورق يصعب فصلهما بعد أن تبللتا. في داخله أستطيع أن أكون في سلام نادر، برغم كل تلك الشائعات التي تنال من أمانه على الدوام، وتصفه كأداة لغضب الرب؛ لأنهم لا يفهمونه، يصبون عليه نقمتهم، فقد كبُر مثاليًّا بخلافنا.
في قلبي نافذة زرقاء تنعم بإطلالة دائمة على البحر، تجعله في متناول يدي، مهما باعدت بيننا المسافات، ففي الغوص لا أشغل بالي بغير تلك اللحظة، أقول لنفسي إنما أغوص الآن في سريري، ولا خير في سرير يفسد الخوف لذة الاسترخاء داخله.
لا تكن جبانًا بلا داع وأنت في البحر، فالوقت لن يزداد إلا متعة، ما إنْ تبدأ بالتسلل إلى أعماق ذلك السرير الأزلي، فليس في الكون شيء يليق به اسمه كما يليق بالبحر هذا الاسم! لذا مهما قطعت من شوط في عمرك بعيدًا عنه، انزع ساعة معصمك الآن، ضعها جانبًا مع كل ريبتك وقل: لم يفت الأوان بعد على بدء الثقة بالبحر، ثم سلم نفسك للموجة التالية.
منذ زمن بعيد، ربما لو نطقتها بسرعة هكذا «اثنعشسنة»، وبقليل من التبجح، لن يبدو زمنًا بعيدًا إلى هذا الحد… منذ ذلك الزمن، حسمتُ مسألة الحياة والموت بإيماءة تنم عن دراية تامة، وبطرفة عين مبتسمة واثقة بأن جسدي ليس هو الذي يغوص، بل جوهري، والجوهر خالدٌ… فممّ أخاف! أعيش لحظة الماء لحظة بلحظة، مؤمنة بمقولة الفيلسوف ويل ديورانت حين سُئل عن الكون، فقال: «إنما نحن قطرات ماء صغيرة تحاول أن تفهم البحر». أسمع حولي صوت نمو النباتات، أراقب صدر الماء يعلو ويهبط، ليطمئنني أنه حيٌّ ويتنفس معي أيضًا، وأن كل من يدخله يتساوى عنده: إناثًا وذكورًا، فاسدين وطيبين، أغنياء وفقراء، الحواتين الأوائل والغواصين حديثًا، وكل الذكريات، كلها تتحول إلى هباء في البحر، لا ذكرى متعجرفة، لديها الجرأة لتفرض نفسها على البال، ولا هموم أستنشقها كدخان يستقر ثقله في عمودي الفقري؛ لأنه ما من شيء أهم من الآن، ومما أرى وأنا محمولة على أكتاف البحر الواثقة عاليًا كالأبطال.
أمضي على تلك الطريقة اليابانية التي تدعى: «شينرين يوكو» والتي تعني الاستحمام في الطبيعة، لمن حمل الجحيم في صدره، ويطمح أن يتخفف منه. ألمسُ بعض سكان البحر، لمسة استمتاع وتأمل للكائنات بلطف، بغية فهمها لا السيطرة عليها. على التواصل أن يكون بكل الحواس مع مخلوقات المكان، فلكل منها سره، اللمسة هنا تأتي من الأعلى، كالغيوم تختار القمم لتحتشد فوقها ثم تنهمر. تمر سمكة «كنف» لها رأس كالدمعة، وعينان متباعدتان، تلكز كتفي لأمتدح ألوانها، ثم تمضي ما إن تتأكد أنها لفتت انتباهي، فهي ليست بارعة في المحادثات الطويلة. سمكة «حريد» تجعل الجنون مرئيًّا بمنقار ببغاء بطول عشرة سنتيمترات، تقترب من وجهي، تتأرجح مع الماء يمينًا ويسارًا، محجبة بغطاء الطحالب، تهمس متباهية: هل في وسعكِ أن تتسخي وأنت هنا؟ هي سمكة لا تطرح في العادة الكثير من الأسئلة؛ لذا سرعان ما تنظر للاتجاه الآخر. أظنها كانت تعيّرني بغبار اليابسة، فأنا ابنتها وورثت كثيرًا من طباعها! سمكة «مرجان» برتقالية بشفاه عريضة وقبعة كقبعة الريش في عالمي الجاف، شامخة مع انحناء طفيف وكأنها تسترق السمع لحركة تنفسي، لتتأكد بودٍّ أني حية فقط، فتريح نفسها بنظرة صمت معاتبة أيضًا لوجودي هناك، فمهما كان حضوري أليفًا ومسالمًا، فأنا دخيلة على تلك الكائنات الخالية حياتها مما نسميه في عالمنا هواية. هذا الآخر من نوع «طراد» يمر مسرعًا خلف عشائه، يبدو كمن استرد شهيته للتو، ومع ذلك لا ينسى الواجب: يتوقف قليلًا، ليلقي التحية بكحة خفيفة تنم عن الكياسة، أو بنقرة رأس لرأس، هكذا هي التحية في البحر، ثم يمضي متلويًا بلا تناغم.
غالبًا لا يكون العالم لطيفًا… أرى ذلك بوضوح حين تمر سمكة «ناجل»، بثوب أحمر مرقّش وأنياب بارزة، وهي شاردةُ الذهن، دون أن تلحظ وجودي. تبدو بطيئة، كما لو كانت في سباق تحمل فيه كوبًا من الماء فوق رأسها وتخشى أن تسقطه، ربما هي غارقة في دين ما، فهكذا تكون ملامح المدِينين في كل مكان على هذا الكوكب الهش. من حين لآخر يمر سرب أسماك في حيوية وديعة، لها مظهر طفولي لا يتصف بالأذى، تسرف في تجنبي أكثر مما أفعل أنا، وتتصرف كدبابير في مهمة عاجلة، مئات منها ولكنها تبدو كفرد واحد صامت، تستكشفني بنظرة سريعة، وبنظرة أخرى تتجاهل وجودي، تبدو وكأنها وجدتني بالصدفة أمامها، ومع ذلك يتعين عليّ في كل مرة ألتقيها، أن أشكرها على ذلك الاستعراض المفرط في المرح.
يدور الوقت بهدوء في البحر، قد يبدو التسلسل الزمني لتاريخه مملًّا قليلًا، لكنه وقت مهم؛ لأنه يدور حول عجلة صبر مغرقة في القدم. تراكمت آثار كل مخلوق، حتى صنعت لكل كائن سمعته، فلا يمكن لأحد هنا أن يتنازل عن صفة من صفاته، ولا يحتاج أن يقدم برهانًا على ذلك، فطباعها وعاداتها بخلافنا لا تتغير، وبالمناسبة لا شيء من هذا محرج، حتى بالنسبة لتلك الفصائل التي تتخذ من عدم المقاومة وسيلة للدفاع عن نفسها.
لا يقال عن صدفة اللقاء إنها صدفة، ما لم ينتبه إليك الآخر أيضًا… وهذا يحدث كثيرًا في أثناء الغوص، تنتبه لمخلوقات تجدد إيمانك بالعجيب والغريب، في كوكب توقف عن إدهاشك منذ زمن طويل. تسقطك في هوّة سحيقة من الشعور اللذيذ، ومع ذلك لا تلحظ وجودك حتى! لذا ستبقى لحظة بلا صفة، لحظة ذاتية، كالضوء العابر إذا ما تسلق ثيابك من سيارة عابرة مرت سريعة قربك، ولم يلحظه أحد غيرك. لا أخشى الغدر في أعماق البحر، فكل أهل المكان قدموا أنفسهم بوضوح منذ زمن طويل. أغوص عميقًا، تعزز عزلتي تلك الأسطورة الهندية التي تقول: سأل براهما القوة يومًا؛ من هو الأقوى منك؟ فأجابت: المهارة.
بترف المتحدي الواثق من نفسه، أتنقل من مكان لمكان في خشوع عميق، فأنا في برية ماء شاسع بلا حدود. مجدي تصنعه عينان تغمضان كلما امتلأتا بالجمال، كيف لا، «ومن عنصر الظلمة خلق لبُّ الإنسان»، كما تأمل أحدهم بصوت عال ذات يوم. يدان تحني الماء لتصنع لي الطريق، وقدمان تطيران بي، مع يقين بأن أمنا الأرض واحدة، تفرقنا على السطح ربما لنتعارف ونتآلف هنا في الأعماق، فهل يكفي هذا لرد بعض الجميل لها؟!
سلسلة براميل طافية على سطح الماء الأملس، تحدق بتروٍّ باتجاه الأسفل لتذكرني أنني مجرد خشبة ناتئة، سيسري الإعياء في أطرافها بعد قليل، وأنني أضعف من أن أكون من آل البحر. تُطلق صافرة مرور الساعتين، فقد انتهت الزيارة وسأعود لسجني، للعزلة الموحشة. ترافقني للأعلى سمكة «كنعد» لها حسيس نار تشتعل بين الأمواج، توازي في عالمنا دور الشرطي، صارمة مع شيء من التساهل الخاضع لمزاجها اليومي. يبدو أنه اختلط عليها الأمر، فالغسق تدفق مصقولًا جاعلًا كل شيء على الشاطئ أقل وضوحًا، فظنتْ أن إنارة عمود الكهرباء شمس هزيلة يعتريها الصدأ، وتتحلق حولها الحشرات. تسلمني لليابسة وتعود للأعماق، حين تدرك أن الشمس هذه ليست كتلك الشمس التي يصل ضوؤها لعمق مئتي متر تحت الماء، تقول لنفسها مصححة، لربما الشمس في الأعلى كالفاكهة الموسمية، تتغير قوتها وشكلها بحسب الفصول! هكذا تُحل الأمور ببساطة في البحر، لكل كائن يقينه الخاص ولن يجادله على صوابه أحد.
أتقدم باتجاه البر، محاطة برغوة بيضاء تلتف حولي مثل تاج. كلما اقتربتُ من الشاطئ أكثر، ينسلّ في الماء جدول ذو رائحة كريهة، وأشياء أخرى تصعد وتهبط متثاقلة طافية تهم بالغرق، فوق ماء تجعد موجه ولونه وتبلدت حركته لكثرة ما رُمِي به من مخلفات العجلى المتحصنين بكتل الأسمنت، المصابين بوهم المكان الفسيح الآمن، الذي لن يقتص من حماقاتهم المتناسلة منذ أول البشر. إنه تقليد قديم يعود لأول فاقد بصيرة، حين رأى أنه من الأسهل أن يقدم نفسه رسميًّا للبحر برميه لقطعة حجر مشبعة بالشتائم، ثم تتالى الأمر، وثقلت الأحجار، فصار الحمقى يرمون بأي شيء في طريقهم كبطاقة تعريف بأنفسهم، تجعل اهتراؤهم
أكثر وضوحًا.
على بعد عشرين مترًا، رصيف بحري صغير يتغلغل نصفه في الماء، قربه صخرة مظلمة انطوت على نفسها، كقطعة أثاث قديم، فقد نشأت مثلي على الحافة بين عالمين. لو قُدر لها أن تختار، فستختار بالطبع أن تكون مغمورة بالماء. على الرصيف رجل مشغول بهاتفه، يُضيّق عينيه ويحدق بتركيز، يرفعه ويُقرّبه من أُذنه ليلتقط الكلام من الجهة الأخرى، فهذا حال الجميع على اليابسة. يتكئ على باب سيارة تنم عن أزمة منتصف العمر، ولشدة لمعانها تبدو كمرآة أستطيع أن أرى نفسي عليها وأنا أخرج من البحر، فيما انعكاسي مصقول على أبوابها الزيتية، أبدو فيه على هيئة المد المرتفع الذي يجرف في طريقه كل الزوارق.
بواسطة سعيد بوعيطة - كاتب مغربي | يناير 1, 2024 | كتب
يسهم الفضاء السردي في رسم معالم النص الروائي وتحديده، وبناء الشخصية السردية من خلال علاقتها بذاتها وبغيرها من الشخصيات، وبمختلف العناصر التي تشكل عوالم النص. سواء من حيث الاتصال أو الانفصال المادي أو المعنوي. لعل هذا ما يؤشر عليه العمل الروائي الأخير للروائي السعودي خالد اليوسف «ارتحالات يعقوب النجدي»، الصادر في طبعته الأولى عن مؤسسة الانتشار العربي، الشارقة، 2023م، في 241 صفحة، من القطع المتوسط؛ إذ يتحدد فيه الفضاء على نحو بارز، ويعرف نوعًا من التحول من خلال الارتحالات المتعددة للشخصية المحورية (يعقوب النجدي). سواء كانت هذه الارتحالات إلى الفضاءات الجديدة المتعددة، أو إلى مخزون الذاكرة من خلال العديد من الاسترجاعات. منحت هذه الارتحالات دينامية خاصة للشخصية (الشخصيات)، وامتدادات عدة للفضاء. فيزج السارد (شخصية يعقوب النجدي) بالقارئ في دوامة هذه الارتحالات التي يتدرّج فيها بصعوبة نحو مدارج الحدث السردي وطبقاته، والفضاءات التي تتفتح منذ عتبة النص الرئيسة/ العنوان حتى آخر صفحة في المتن السردي للرواية.
الفضاء بين الانفصال والاتصال
حين استعار غريماس مصطلحي الانفصال/الاتصال من المنطق الرياضي، برهن من جهته على أن كل من المستويين، يحدث في مجال الشخصية والفضاء؛ لهذا، رأى أن وظائف الرحيل/ الانتقال، ترتبط بالانفصال. أما وظيفة العودة فعَدَّها شكلًا للاتصال بين الشخصية والفضاء. لكن في المقابل، نفى ميخائيل باختين العلاقة العضوية بين الفضاء والزمان، وعَدَّها علاقة تقنية ميكانيكية محضًا، وهو ما يجعلنا نستنتج أن الاتصال والانفصال، يمكن أن يحدثا في آنٍ واحد عبر حذف الزمن. لهذا، فإن الرحيل من زليفات (عطوة/ عقلة الطين) لشخصية يعقوب حمود إلى المدينة الكبيرة (الرياض)، لا تقابله العودة من هذه المدينة الكبيرة إلى الفضاء الأصل (عطوة/ زليفات)؛ لأن كل هذا خاضع لأي الفضاءين يمكن أن يشكل المكان البؤرة في نص «ارتحالات يعقوب النجدي». وذلك في محاولة للاقتراب من قانوني الطاقة السردية العزلة/ العلاقة، عبر مفهومين شكليين، هما الانفصال/ الاتصال. الانفصال عن فضاء قرية عطوة/ زليفات، والاتصال بفضاء جديد (فضاء الرياض، الكويت، العراق، القاهرة) بوصفها فضاءات حسية، تتحول إلى فضاءات إيحائية.
إنه تحول من العزلة/ الانفصال عن عالم ثابت، إلى حالة من الاتصال بالفضاء الجديد؛ ذلك أن قيام الوظيفتين في آنٍ واحد (على نحو مزدوج)، يؤدي إلى اختراق التضاد الواقعي لهما، وهو ما يجعل الأشياء (مكونات الفضاء) تحصل على رمزيتها وهي تملأ فضاءها/ مجالها بالتأثير. فإذا كان فضاء مدينة الرياض، مسرحًا للعمل (التجارة)، فإنه في المقابل كان ضمن زمن الرواية مسرحًا للتوقع والانتظار والترقب، وهو ما يجعل المتلقي يواجه (ضمنيًّا) تساؤلات السارد (الروائي الضمني/خالد اليوسف): هل يكتب الروائي عن الفضاء المرئي، أم يكتب عن فضاء آخر (خفي، استعاري)؟ هل تسعى الشخصية للعيش فيه، أم يجب أن تحلم لكي تعيش فيه وتعيش من خلال الذاكرة المرتبطة بالفضاء؟ وإذا كان المبدع يحيا في الفردوس الخفي، في اللامكان، فما طبيعة هذا الملكوت؟ أين يتموقع هذا اللامكان، في رقعة الوجود المرئي؟ هل لهذا المكان ملامح الوجود في العالم المحسوس، أم إن مكانه الحقيقي في العالم الذي يقع وراء المكان، ووراء الوجود المحسوس؟

خالد اليوسف
بهذه الرؤية الفنية المنبثقة عن هذه الأسئلة، يحيك الروائي خالد اليوسف نسيجه النصي الهجين؛ ليرسم السرد في هذا النص الروائي، شوارع المدينة التي تحملها الشخصيات السردية معها في حلها وارتحالها (شخصية يعقوب). كما أن تكرار رموزها، يرسم بيان الرحلة المحرض على الكتابة في التواتر وفي التوارد، وهو ما يجعل كل بصمة فضاء جديد، تمهر زوايا كل صفحة من هذا النص السردي. متحسسة خط طوافها وطواف الكاتب المتعهد بنسخها.
وإذا كان نص الروائي خالد اليوسف لا يكتفي بارتياد المجتمع السعودي المعاصر (الرياض، الخفجي،… إلخ) فحسب، بل يمتد إلى مجتمعات عربية أخرى (الكويت، العراق، مصر)، فإن وجه المدينة الأول/ العتيق (بلدة عطوة/ زليفات)، لا يتجلى في هذا النص الروائي إلا بوصفه بناءً محفورًا في ذاكرة السارد/شخصية يعقوب النجدي (البيوت الطينة/عقلة الطينة)، صحارى نجد الشاسعة، بلدة عطوة، أراضي آل رضيع ونخيلها،… إلخ. تشكل هذه العناصر وهي مجتمعة، العالم السردي الحقيقي والمتخيل لهذا النص السردي. فكل مواقع الانقطاع والارتحال والعزلة، تنبثق عن قالب النشوء البدئي لشخصيات الرواية. كما أن كل آفاق البحث عن بناء الذات بالتماس الفضاء الطوباوي (الممكن)، هي أصيلة لبؤر مؤمكنة. سواء بمعية شخصية الأب أو الإخوة؛ لذلك، فإن فضاء المدينة للشخصية عبارة عن فضاء (التمثيل المركب. المدينة فيه ما هي إلا صدى لمدن أخرى، وهي لا تحيا إلا إذا تنفست حضورها الكلي الذي يميزها من مكانها الوجودي).
تتفلّت عوالم الارتحال في هذا النص السردي، على شكل خيوط دلالية، تنساب وتنسدل من جوف وتخوم وإيقاع عتبتي العنوان «ارتحالات يعقوب النجدي» على نحو تشكيلي بطيء ولافت. تضع القارئ أسير فضاء قرائي بالغ التحول واللامحدودية الفضائية والتحفّز والخوف وسرعة التواصل مع الحراك الزمني السردي في الحدث الروائي، بحيث يجد نفسه محددًا ومقيدًا بمواجهة كل شيء في العمل، وعليه بإزاء ذلك أن يتهيّأ لمواجهة قرائية يشوبها الترقب ويغطيها الضباب؛ لأن الاتصال بفضاءات جديدة من جانب السارد/ شخصية يعقوب النجدي، تضع آفاق انتظار المتلقي أمام احتمالات عدة.
دينامية الشخصية وامتدادات الفضاء
تتميز رواية «ارتحالات يعقوب النجدي» بخريطة شخصيات نوعية فرضتها طبيعة المادة المسرودة، وتشتغل شبكة الشخصيات في سياق تكاتف شخصاني ملتحم على نحو شبه دائري، تتحرّك ضمن بؤرة مكان تدعم هذا التكاتف وتسوّغه وتجيب عن معظم أسئلته. وتعدّ شخصية «يعقوب النجدي» مركز هذه الشخصيات ومحورها ومحرق حراكها السردي وتجلياتها المشهدية، أما الشخصيات الأخرى المؤثثة لفضاء الشخصيات المتعددة في الرواية في نطاق التجاور والتعاضد والتوازي والتخالف في سياق الروابط العلائقية بينها، فتتميز بسكونيتها، باستثناء الشخصيات المرتبطة على نحو وثيق بالشخصية المحورية/ شخصية يعقوب النجدي (موسى البرق/ موسى المطوع/ موسى الرملة/ شخصية الأب/ شخصية فضيلة)؛ لكونها تدور في وضعها وتتشكل تبعًا لحركة وحضور الشخصية الرئيسة «يعقوب النجدي»، التي تبدو كأنها بؤرة الفعل السردي بوظائفه كافة.
لهذا، فإن الفضاء هو الآخر شهد قدرًا واسعًا وعميقًا من الكثافة المكانية المحتشدة في بؤرة معينة، واتسم بعدم محدوديته في البناء والتصوّر والوصف والعمل؛ ليعرف نوعًا من الامتداد تبعًا لدينامية الشخصية الرئيسة وباقي الشخصيات التي تدور في فلكها، وهو ما جعل الأماكن المعلنة والمسمّاة في النص الروائي بأسمائها، وذات الطبيعة المرجعية الواقعية المعروفة، والموسومة بـ«زليفات وقراها/ الرياض/ الخفجي/ الأسواق (السعودية)»، تشهد الحركة الدائرية للسرد الروائي في فاعلية استدراج المحكي واسترجاع تاريخيته ومضمونه على نحو بالغ القصدية. حيث يذهب بالرواية أحيانًا إلى منطقة تعبير وتشكيل خاصة يتحول فيها هذا النص السردي إلى «رواية سيرة مكانية/ سيرة شعب» في الوقت نفسه.
لهذا، تشتغل رواية «ارتحالات يعقوب النجدي» في تبئيرها السردي على شبكة آليات حداثية تلتئم في سياق واحد من أجل احتواء تجربتها والتعبير عن مقولتها؛ لكونها ترصد فضاء الانفصال/العزلة والحنين بوصفه الفضاء الأول للشخصية المحورية (شخصية يعقوب) المتجلّي في فضاء قرى زليفات وبيوتها الطينية، من خلال الوصف والسعي إلى تكثيف الأمكنة وتركيزها وترسيخ وجودها التاريخي والجغرافي والإنساني والرُّوحي.
وعلى الرغم من السياق الخطي السردي للحكاية أحيانا، فإن السارد العارف بكل التفاصيل الحكائية لهذا النص السردي، حسب تزفيتان تودروف، اعتمد على المشاهد السردية بصورة مونتاجية، تؤلف بين الوصف والحوار، كما تجلى في مشاهد حركية الأسواق (سوق المقيبرة/ ص:51، سوق البطحاء، ص: 73) وبيوت الضيافة (بيت شخصية موسى الرملة، ص: 84)، بكل ما تنطوي عليه هذه المشاهد وما تعكسه وما توحي به من حساسيات ورؤى وأفكار وقيم وحالات. لكن هذه الرؤى التي تتنوع بتنوع الفضاءات، تجعل الشخصية المحورية (شخصية يعقوب النجدي) حبيسة هذه الفعالية السردية لهذا النص السردي الكثيف. لهذا، تبدو أحيانا كأنها رهينة مركزية من رهائن الترحال وتغيير الفضاءات.
تكشف رواية «ارتحالات يعقوب النجدي» للروائي خالد اليوسف، من خلال سياق طاقاتها التشكيلية المعبّرة، عن روح الفضاء والزمن والحدث والشخصية، وعن توظيف فعّال ومثمر سرديًّا لجماليات السرد الروائي الحديث، الذي تجسد أساسًا في تحول الفضاءات وحكاية الشخصية (من خلال الارتحال) على نحو أصيل داخل الوحدات السردية والوصف الروائي. حيث شكلت حكايات الرواية، وامتداداتها في الفضاء النصي التخييلي منه والواقعي، جذورًا غائرة في أعماق الذاكرة والتاريخ على السواء.