هل عرف السرد العربي البطل التراجيدي؟

هل عرف السرد العربي البطل التراجيدي؟

لماذا سُمّي موت البطل أو جنونه أو هزيمته في التراجيديا الإغريقية والشكسبيرية سقوطًا؟  هل هذا يعني أن التراجيديا تخضع لتعريف أرسطو مثلًا، وهو القائل: إن أبطال التراجيديا هم الملوك والأمراء والأرستقراطيون والنبلاء وما إلى ذلك؟ وهل يعني السقوط التراجيدي إذًا مأساة انحدار كائن فوقي إلى درجة مساواته بالناس العاديين، وبأقدارهم التي نراها كل يوم، كلازمة حياتية ضرورية؟ وهل ثمة تراجيديا من دون بطل تراجيدي؟ وهل هذا البطل فرد بالضرورة، أو ربما يكون جماعة ما؟

ليس من السهل أن نحيط بهذا الموضوع، بعد أن كُتبت فيه عشرات، أو مئات المؤلفات، من دون أن يكون هنالك اتفاق واضح على التفاصيل.

وفي أي حال، فإن مقولة أرسطو، التي حدد فيها البطل التراجيدي، لم تعد قائمة في الدراما الحديثة. ويعزو أكثر من ناقد هذا التحول إلى التحولات البنيوية التي أصابت المجتمعات الحديثة، حيث لم يعد الملك أكثر من رمز للدولة، ولم تعد الدكتاتورية تمتلك أي حق في احتكارها السلطة بأمر الله، كما كان الوضع أيام الإغريق. ولكن المبادئ العامة في التراجيديا لم تتغير، وإن طرأ على تفسيرها بعض الاختلافات والتباينات. فتداعت مقولة: إن الشرير لا يكون بطلًا تراجيديًّا. وهي مقولة كانت مثار شك منذ البداية، حيث لا يمكن اعتبار شخصية مثل (آخيل) مليئة بالخير، وهو ما ينطبق أيضًا على (آغاممنون) و(ميديا) و(باريس) و(مكبث) و (آنا كارينينا) و(إيما بوفاري) وآخرين.

بمعنى آخر، إن الجوهر الأخلاقي للشخصية ليس معيارًا للبطل التراجيدي، بمقدار ما لمعايير أخرى أهمية كبرى في تكوين هذا البطل، وأهمها: السقوط المأساوي، في دويّه المرعب في النفس. ومدى انغماس المشاعر الإنسانية في هذا السقوط، والتأثير الجمعي الذي يمارسه علينا، كالتفكير في مصايرنا وحاضرنا وآثامنا وحماقاتنا.

البطل التراجيدي في الكتابة العربية

لقد عرف الغرب هذا الفن منذ الإغريق، وطوروه، بحيث لم يعد للآلهة ذلك الدور الذي كانت تلعبه من قبل، نظرًا للقطيعة المعرفية التي عرفتها أوربا بين الدين والدولة، ونظرًا إلى تطور العلوم والاكتشافات والاختراعات البشرية المرعبة، وهو الأمر الذي أدى إلى التقليل من تأثير الغيبيات في الحياة والناس.

أما العرب، فقد عرفوا هذا النوع عبر التاريخ، لا من خلال الكتابة الدرامية. ولكن الكتاب العرب لم يلتفتوا إلى هذا السقوط التراجيدي المدوي في التاريخ العربي، وإلا لكانت لدينا العديد من الأعمال الدرامية التراجيدية، ولربما فاقت في تأثيرها ما كتبه العديد من رموز الإغريق والغرب عمومًا. إن مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء، يشكل سقوطًا تراجيديًّا مذهلًا في دويه وتأثيره وتفاعله مع المشاعر الإنسانية عبر التاريخ. كما يشكل مقتل عبدالله بن الزبير، وصلبه على جدار الكعبة سقوطًا تراجيديًّا مدوّيًا آخر. والأمثال كثيرة، لا نستثني منها سقوط البرامكة، الذي ربما يتفق إلى حد كبير مع تعريف أرسطو سالف الذكر. ولا ننسى مقتل حمزة في أُحد، والآثار التي خلّفها.

وما يهمنا الآن، هو البحث عن البطل التراجيدي في الكتابة العربية المعاصرة، بوصف هذه الكتابة حديثة نسبيًّا، إذا ما استثنينا البطل التراجيدي في الشعر العربي، بدءًا من طرفة بن العبد، وصولًا إلى مالك بن الريب وابن زريق البغدادي، من دون أن ننسى دويّ السقوط في شعر الصعاليك العرب. ثمة خلط أحيانًا بين الميلودراما والتراجيديا، وهو ناجم عن إشاعة مناخ عام من الحزن والأسى في الميلودراما، وهو الأمر الذي يشير إلى تقاربها مع التراجيديا في عدد من تعريفاتها وتمظهراتها الوافرة. ولكن الفارق الجوهري الذي ينبغي لنا الالتفات إليه، هو أن الميلودراما لا تنطوي على ذاك الدويّ الهائل الذي تنطوي عليه التراجيديا. كما أن الميلودراما لا تنتهي عادة بسقوط تراجيدي، بل على العكس من ذلك، فهي تعمل على انقشاع مناخ الحزن والأسى الذي أشاعته في البداية. بينما التراجيديا تقوم بما هو مختلف تمامًا.

فقصة الحب بين روميو وجولييت مثلًا، كانت تسير في شكل طبيعي، وربما كان ممكنًا انتهاءُ هذه التراجيديا على نحو آخر، فتنتفي عنها صفة التراجيديا التي نعرفها. أي أن التراجيديا تسير في العادة -ظاهريًّا- في شكل طبيعي، وربما لا يعكر صفو مسارها سوى حدث عابر أو مفاجئ يؤدي إلى هذا السقوط التراجيدي. إن تدخُّلَ إلهةٍ في إفشاء السر المتعلق بوتر (آخيل) غير المعمد في ماء النهر المقدس، هو الذي يغير المسار الذي لم نكن نتوقعه. وكذلك الحال في وشاية (ياغو) التي جاءت في شكل عابر، وكان يمكن أن تُعالَج لولا أن الوقت لم يسعف (عطيل) أو زوجة (ياغو)!

بالكاد نعثر على التراجيديا

وإذا استدرنا إلى الأدب العربي المعاصر، فإننا بالكاد نعثر على التراجيديا أصلًا، وهي الحاضن الرئيس للبطل التراجيدي. لقد حاول عبدالرحمن الشرقاوي في مسرحية «الحسين ثائرًا وشهيدًا»، لكنه لم يقم إلا بتوثيق تاريخي ممسرح. أي أنه لم ينطلق من الواقعة أو الشخصية كي يبني بناءً آخر جديدًا، كما فعل كُتّاب الإغريق مثلًا، الذين انتقوا شخصيات عدة من ملاحمهم وأساطيرهم، وقاموا بتأليف تراجيديات تخص هذه الشخصيات في شكل مغاير عما ورد، أو في شكل لم يكن موجودًا في الأصل، إلى الحد الذي جعل المؤرخين والباحثين يعيدون النظر مثلًا في أسطورة (بروميثيوس) إثر ما كتبه (آسخيلوس) عنه. كما تمكن عدد من هؤلاء، وعلى رأسهم (آسخيلوس) و(يوروبيديس) و(سوفوكليس)، بتتبع ذاتي/ إبداعي لمصاير بعض شخصيات الإلياذة مثلًا، وهو ما فعله الكاتب المتميز جمال أبو حمدان في مسرحية «الخيط» التي تابع فيها حياة (عوليس) و(بينيلوب) في شيخوختهما، من دون محاولة بناء تراجيدي في النص، اللهم سوى إشاعة مناخ تراجيدي عام!

وإذا كانت ثمة ملامح تراجيدية في الأدب العربي المعاصر، فإننا نعثر على شيء منها في الكتابة الروائية تحديدًا. وهذا ليس استثناءً عربيًّا، بعد أن انتهت الأشكال الملحمية الأولى، والمأساة اليونانية والتراجيديا الشكسبيرية، وبعد أن اختفت الأساطير في أشكالها الأولى من حياة العالم كله، وإن ظلت مظاهر الأسطورة قائمة في العالم الحديث في أشكال مختلفة، كما أشار (مارسيا إلياد) أكثر من مرة.

أي أن الرواية هي التي ورثت هذا الإرث كله، وكان عليها أن تتفاعل مع المجتمع البورجوازي الجديد، والارتقاء بقيمة الفرد، والمواطنة، والقانون، بعد أن كان الفرد كل شخص في الجماعة.. أي بعد أن كان صورة عن الآخرين، الطبقة والشريحة والمرتبة والمجتمع كله في المجتمع القبلي والشمولي. وليست مصادفة أو اعتباطًا ألا يكتب الأديب في الغرب قصة قصيرة أو رواية إلا باسم واضح، بينما لا نزال هنا نكتفي بالضمير (المتكلم والغائب والمخاطب)، وهو ما يحتاج إلى كتابة مستقلة.

سيرة الأظافر

سيرة الأظافر

أظافرك التي قصصتها بالأمس

لم تعد تجمعها في منديل

وتدفنها في التراب..

كان جدك يلكز الأرض بعصاه لتواصل أنت الحفر،

يشجعك على دفن الأظافر

يعلمك ثقافة التشييع

ودفن كل الأدلة.

الفرشاة تحكُّ ظهرك بأظافرها المسنونة

وأنت تتذكر كل الأمثال التي تمجِّد الظفر!!

ظفرك في أنفك

في أذنك،

يستطيع الظفر أن يفعل أكثر من هذا

لو تم توجيهه جيدًا..

أعرف ظفرًا بإمكانه إضاءة النخاع الشوكي

بينما هو يعدُّ الفقرات.

تتذكر أظافر جدتك،

لم تكن تستخدمها سوى لــ«قَصْع» القمل

الذي يملأ رأسك

ويتمشَّى على ياقة ثوبك،

وأنت تظن أظافر جدتك الـمُحنَّاة احمرت من دم القمل.

أظافر أمك القصيرة كانت تتلون كل يوم..

تقف على سجادة الصلاة فتختفي كل ألوانها..

كانت تسميه «سِبَاغْ»،

وزوجتك أخبرتك أن اسمه «مناكير».

أظافر زوجتك تتلوَّن كحرباء،

تضع أظافرَ لاصقةً

تعتني بها كما يعتني القناص ببندقيته،

ترصِّعها بالخرز اللامع

ترسم عليها علم اليمن

تكتب أول حرف من اسمها

ترسم عيونًا صغيرة لمواجهة الحسد.

قلَّامة الأظافر كانت وقفًا لكل شجرة العائلة،

لا أحد يعرف معنى «خصوصيات»

لأنهم يؤمنون أن «الظفر لا يطلع من اللحم»

وأنت تقضم أظافرك مثل أرنب مستعجل.

أظافر السجين هي قلمه الوحيد

لكتابة ذكرياته.

الفلسفة وتجربة الرؤية عند موريس ميرلوبونتي

الفلسفة وتجربة الرؤية عند موريس ميرلوبونتي

ينتسب موريس ميرلوبونتي إلى قبيل فلسفي يرمي إلى تخلية الفلسفة من ألبستها الدغمائية التي تزدري الحس والجسد، وتحبس دفقة الحياة في نسخ عقلية وتمثلات تضع العالم في خطابات ساكنة. بخلاف هذا النزوع إلى تقييد العالم بقيود التجريد، تسعى فلسفة ميرلوبونتي إلى تحقيق المشروع الفينومينولوجي الهوسرلي الذي يقتضي توضيح التجربة، وتركها تعبر عن معناها الخاص بها، لا عن الأحكام المسبقة للمعرفة العلمية والفكر المثالي((Edmund Husserl, Premières Recherches logiques. Prolégomènes à la logique pure, tome 1, trad. par H. Elie, éd. PUF, Paris, 1990, 3ème édition, p.171)).

ولعل مأتى هذا السعي عائد إلى أن ميرلوبونتي يطمح إلى استبانة الشروط التي تمكن الإدراك والرؤية من النفاذ المباشر إلى عالم الأشياء والأحياء، كما يتقدم للإدراك في عريه الأول. والواقع أن فينومينولوجيا ميرلوبونتي قد بادرت- استنادًا إلى أعمال هوسرل- إلى التعبير عن هذا الطموح عبر حكمتها الشهيرة: العودة إلى الأشياء ذاتها؛ إذ انتهى الرجل في تنقيباته عن الصور الابتدائية للوعي القصدي إلى مطابقة الفلسفة بتجربة الرؤية، طالما أن الفلسفة، عنده، ما كانت إلا تجربة وقد طالها التوضيح، وأن «الفلسفة الحقة تدعونا إلى تعلم رؤية العالم وتجديدها»((Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, éd. Gallimard, Coll. « Tel », Paris, 1945, p.21.)). بهذا المعنى، تنتقد فلسفة ميرلوبونتي تقليدًا فلسفيًّا يمتد بجذوره إلى أفلاطون، وهو تقليد يجد له صورًا حديثة (ديكارت وكانط بالخصوص) ومعاصرة (عند فلاسفة من طراز ألان وسارتر). إن ما يميز هذا التقليد هو مطابقته للفلسفة بفكر الرؤية، متناسيًا بذلك تجربة الرؤية التي يقوم عليها هذا الفكر.

لذا نتساءل، إذا نهضت الفلسفة، حسب ميرلوبونتي، على تجربة للرؤية محلها الإدراك، فبأي معنى تكون هذه الفلسفة نقدًا لفكر الرؤية الذي يرى العالم بمنظور الفكر؟ وما أوجه الاختلاف بين «فكر الرؤية» و«تجربة الرؤية»؟ وإذا كان فكر الرؤية يذهب بنا نحو عالم الشيء في ذاته، فكيف تلتقي تجربة الرؤية بعالم العيش بما هو عالم الأشياء ذاتها؟

بين الفلسفة والرؤية

طغى على تاريخ الفلسفة- منذ أفلاطون- تصورٌ رأى فيها حوارًا داخليًّا بين النفس وذاتها((Platon, Théétète, tr. Émile Chambry, éd. Flammarion, Paris, 1967, p. 136.))، إذ عوض أن يدفع هذا التعريف الضيق بالفلسفة إلى النظر في عالم الأشياء والأحياء، اتجه بها عكس ذلك إلى ترسيخ القطيعة مع علائقنا الطبيعية بالعالم الحسي من جهة كونه عالم الظلال والضلال((Platon, La république, tr. Georges Leroux, éd. Flammarion, Paris, 2002, p. 350.)). فإذا كانت الفلسفة تعلمًا للموت، كما جرى تعريفها عادة، فإنها لن تكون سوى حوار للنفس مع ذاتها، وبالتالي يغدو الجسد والحس عائقين يتعين على الفيلسوف أن يتخلص منهما.

يقول أفلاطون: «يفصل الفيلسوف نفسه، ما أمكن، عن كل ارتباط بالجسد، وبكيفية تميزه عن الناس كافة»((Platon, Phédon, tr. Émile Chambry, éd. Flammarion, Paris, 1965, p. 113.)). يبدو أن ثمة تعارضًا بين الفلسفة والموقف الطبيعي من حيث كونه موقفًا أعمى، لا موقع له إلا في الكهف الأفلاطوني حيث لا يرى المرء من العالم سوى مظاهر مستمدة من الحواس التي ما تلبث تخدعنا، فتعوق وصولنا إلى رؤية الوجود الفعلي للأشياء. أكثر من ذلك، توشك أولية الرؤية (العقلية في الأغلب) أن تكون مسلمة في تاريخ الميتافيزيقا، بحيث يكون العقل في العرف الفلسفي الحديث نورًا طبيعيًّا، في مقابل النور الخارق للطبيعة (الوحي مثلًا). وبالنتيجة تكون العين وسيلة هذا العقل من أجل بلوغ أفكار واضحة ومتميزة((وفي اجتهاد متميز عملت الباحثة شانتال جاكي على إعادة الاعتبار للحواس، لا سيما حاسة الشم، وتبين الدور الأساسي لهذه الحاسة في عمليات الذاكرة وبناء الهوية، ولقد استفادت الباحثة في عملها من اجتهادات تيار فلسفي حيوي انطلق من أمبادوقليس وديموقريطس إلى نيتشه، وهو التيار الذي خلصت معه الباحثة إلى القول إن التفلسف معناه أن نمتلك أنوفا تميز بين رائحة الحقيقة والكذب. ينظر: Chantal Jaquet, Philosophie de l’odorat, éd. PUF, coll. « Hors collection », 2010.)).

يبدو أن ثمة علاقة وشيجة بين الفلسفة والرؤية، ولربما هذا ما تنبه إليه كثرٌ من فلاسفة العصر الحديث، وعلى رأسهم ديكارت الذي لم يتردد في ربط الرؤية بفعل التفلسف ذاته. يقول ديكارت في رسالته إلى مترجم «مبادئ الفلسفة»: «أن نعيش بلا فلسفة، أشبه بإغماض العينين دون الإقدام على فتحهما أبدًا»((René Descartes, Principes de la philosophie, préface :« Lettre au traducteur », éd. Félix Alcan, Paris, 1886, p. 32.)). لكن، ماذا نقصد هنا بالعين؟ هل نقصد بذلك أن الفلسفة تتأسس على رؤية حسية فلا يكون ثمة من مبرر للتمييز بين فكر الرؤية وتجربة الرؤية؟

بالعودة إلى الحركة التأملية التي يعبر عنها كتاب «تأملات ميتافيزيقية»، نستطيع أن نجيب بالنفي؛ لأننا نكون أمام ذاتية تنفلت من انغراسها الابتدائي فيما يسميه ديكارت بـ «تجربة الحياة»(( ذكرته جونيفييف روديس لويس، ينظر: Geneviève Rodis-Lewis, Descartes. Textes et débats, Paris, Librairie Générale Française, pp. 365-367.))، لكي تحدد وجودها بالفكر، إذ من الصحيح أن تأملات ديكارت تنهض على أساس «تجربة الحياة» من جهة كونها الوضعية الواقعية للكائن، إلا أنها ما تفتأ تحلق بعيدًا من التجربة صوب عالم النسق والتمثل والخطاب. هكذا، تنتقل «التأملات الميتافيزيقية»، بحركة صاعدة من المعيش إلى الفكر، من صمت التجربة إلى كلام الفكر، من الواقعة إلى البداهة، لتنتهي إلى أولية لا تصح إلا في نظام التجريد والفكر، وهي أولية الكوجيتو بما هي أولية فكر الرؤية على تجربة الرؤية((Emmanuel de Saint Aubert, Le scénario cartésien. Recherche sur la formation et la cohérence de l’intention philosophique de Merleau-Ponty, éd. Vrin, Paris, 2005, p. 28.)).

عودة إلى العالم المعيش

يرفض ميرلوبونتي تحديد الفلسفة بفكر الرؤية، ويرى أن مركز الفلسفة لا يمكن أن يكون ذاتية متعالية، مستقلة، تحتل كل مكان ولا مكان، على شاكلة رؤية الإله((Eric Matthews, The Philosophy of Merleau-Ponty, edited by McGill-Queen’s University Press, Montreal, 2002, p-p. 23-24))، بل إن مركزها لا يكون إلا في «البداية الدائمة» للتأمل، أي في رؤية وحركة وتوجه الجسد الذي يشكل النقطة التي تشرع فيها كل حياة فردية في التأمل في ذاتها((Maurice Merleau-Ponty, op. cit., p-p. 89-90.)). باختصار، لا تمتلك الفلسفة بوصفها تجربة للرؤية بداية ثابتة، على شاكلة يقين ذاتي أو بداهة عقلية صلبة (الكوجيتو)، بل إنها بداية متجددة، وذلك بمقتضى وجودنا في العالم، أي وجودنا الإدراكي الذي يحيل إلى انفتاح دائم للذات على العالم.

وبالنتيجة، يتعين على الفعل الفلسفي أن يكون عودة إلى العالم المعيش الذي يرد إلى الأشياء هيئتها الملموسة، وإلى الذات تجذرها التاريخي، ويسعف باكتشاف الظواهر، وإبراز طبقة التجربة الحية((Ibid, p. 83.))، حيث يكون بوسعنا أن نفهم كيف تتم الرؤية دون أن تنغلق في زاوية نظرها، ودون أن تكون مجرد إغلاق للمشهد الطبيعي من أجل النظر إليه بحسبانه موضوعًا((Ibid, p. 95.)).

إن الفلسفة هنا طريقة في الرؤية، تشق أسلوبًا للنفاذ إلى العالم، يتخطى النظر الشفاف والمفتقد للآفاق، نحو رؤية ما تلبث تتوسع وتتجاوز آفاق المكان والزمان، فالنظر العادي أو العلمي لا يتجاوز حد التقاط موضوعه على الهامش أو تثبيته، إنه يفتقد للآفاق التي يحيل إليها الشيء في التجربة المعيشة؛ إنه نظر يجتث الأشياء من انغراسها الطبيعي، فيهمل إحالاتها الصارخة إلى تعالقات ابتدائية تكون شرطًا لبناء أي معرفة حول الأشياء في واقعها وتعقيداتها. على النقيض من ذلك، تكون الرؤية الملموسة الملقى بها في محيطها، أكثر وفاء لواقعها بوصفها رؤية منظورية، وللأشياء في رحابة ظهورها سواء على مستوى البعد المكاني أو البعد الزماني، لأنها رؤية مفتوحة على حضور عطاء لا يمكن استنفاد خزائنه اللامرئية. إن المعرفة هنا ليست تفسيرًا أو برهنة بقدر ما هي رؤية تتوسع باستمرار، فما تنفك تبتدئ وتستأنف نفسها.

يبدو أن ميرلوبونتي يقطع مع اعتبار الفلسفة نظرًا تجريديًّا في العالم، لأنها تصير هنا تعلمًا ورؤية ملتزمة توجد سلفًا في خضم محيطٍ ليس عليها أن تؤسسه بقدر ما عليها أن تصفه، وتحكي عن تعالقاتها الابتدائية معه. لكن، يبدو أن تقليدًا فلسفيًّا بالكامل قد أخفق في تحقيق هذا المطلب المنهجي المتمثل في الوصف، وذلك حينما ذهب هذا التقليد إلى القول إن حقيقة العالم لا توجد إلا فيما زرعه العقل، أو إنها توجد في صورة متمثلة عن عالم ناجز ومكتمل، حيث ركن هذا التقليد إلى الاستعانة بإستراتيجيات ميتافيزيقية من قبيل الحديث عن التوازي بين النفسي والفيزيائي أو عن التناغم القبلي (لايبنتز)، أو مذهب المناسبة (مالبرانش) حيث لا نكون سوى فرص لتحقيق الإرادة الإلهية((Pascal Dupond, La réflexion charnelle :La question de la subjectivité chez Merleau-Ponty, éd. Ousia, 2004, p.15.)).

المتعالي والأرضي

لا توجد الحقيقة، في نظر ميرلوبونتي، إلا في العالم الذي يفتح عليه الإدراك، ويميط عنه اللثام النظر المتسائل. وبما أن الرؤية لا تسائل سوى الإدراك، فالحقيقة تولد، إن جاز التعبير، في مهد الحسي، فما على الفيلسوف إلا أن يولدها أو أن يرصد تفتحها آنَ تحققها، قبل أي قسمة معرفية بين الذاتي والموضوعي، أي في لحمة العالم ونسيجه. إن توليد الحقيقة بهذا المعنى لا يكون إلا عن طريق مساءلة الرؤية وتوسيعها، بكيفية مستمرة ودائمة. هكذا، ينبه ميرلوبونتي إلى أن الطريق الذي سلكته الفلسفة، ممثلة في المثالية، أي طريق التطابق بين العقل والشيء، والذات والموضوع، هي طريق غير أرضية، وإنما هي سبيل التحليق والمفارقة والتعالي، سبيل التحليق الذي لا يبالي برؤية الأشياء في وقائعيتها. خلافًا لهذه الطريق، يصرح ميرلوبونتي بأنه لا يمكن أن ننظر إلى الشيء والعقل في انفصال عن بعضهما بعض، ثم نبحث فيما بعد عن حل متعالٍ لاهوتي أو مفارقٍ، بغرض البرهنة ميتافيزيقيا على تطابقهما، بل إنه لا يمكن للعقل والشيء، للذات والموضوع، أن يكونا منفصلين تمام الانفصال((Ibid. p.16.))، لأنهما ينتميان ابتداءً إلى النسيج نفسه المكون للعالم، واللحم نفسه.((Maurice Merleau-Ponty, Le visible et l’invisible, éd. Gallimard, coll. « Tel », 1979, p.309.))

هكذا، وإن بدا أن الفلسفة بوصفها رؤية تلتقي مع تاريخ الميتافيزيقا الذي يعلي من قيمة فعل الرؤية؛ فإن الأمر خلاف ذلك، وهذا من وجوهٍ عدة: أولها، أن الفاعل في الرؤية، في نطاق الفلسفات الثنائية (الميتافيزيقية)، هو النفس وليس الجسد؛ وثانيها أن فلسفة ميرلوبونتي لا تنحبس في مدار «فكر الرؤية» فقط، وإنما هي تساؤل جذريٌّ بشأن «تجربة الرؤية» عينها؛ وثالثها أن تجربة الرؤية متقدمة على المعرفة، لأن التعلم هو الذي يسمح، في نظرها، بتراكم المعرفة والفعل؛ ورابعها أن هذه الرؤية تتم في عالم العيش، أي في «العالم الذي يسبق المعرفة»، وليس في عالم الذات الإبستيمولوجية. لم تعد الرؤية مع ميرلوبونتي محمولة على النفس، بل صارت رؤية إدراكية جسدية، إنها رؤية ذات جسدية تعيش في عالم طبيعي واجتماعي يضمها ابتداءً، بالتالي، فالرؤية بوصفها تجربة إدراكية جسدية تتم في عالم قبل موضوعي، بل إنه لممكنٌ اعتبار «الوجود في العالم» مقولة رديفة لعبارة: «الرؤية قبل الموضوعية»، في حين يرادف «فكر الرؤية» عبارة «الرؤية الموضوعية المعرفية».

قصيدتان

قصيدتان

من أنا حتى أحتقر سكّينًا لها نصل

تلك الأشياءُ المصنوعةُ لأغراضٍ جادّة

التي لا تعرفُ دربًا للهزار

حتى وإن رُصّعت غالبًا بأسلاكٍ رفيعةٍ من النُّحاس

أو الفضّة

إلا أنّها تكتفي بالحدّ الأدنى من الزّخارف

دون ما يشتّتُ الانتباه

ودون ما يثقلُ الوزن

وذلك ليُسهّل عليها أداء مهامها المُحدّدة

تافهةً كانت أم خطيرةً

استجابةً لاستغاثة

أو تلبيةً لنداء الواجب

أو فقط انصياعًا كاملًا للأوامر.

نعم أستطيعُ أن أتخيّل سكّينًا تصلُحُ كنوعٍ من التُّحف، كما أنّي أعلمُ أنّ هناك سكاكين تجمعُ وتُستّفُ على الرفوف، كالصّمديّات، هناك مهووسون لديهم هوايات بجمع أيّ شيء، وإنشاء مجموعاتهم الشخصية منها، كالكتب التي لا يقرؤونها. والمجلّات التي يجمعونها عددًا عددًا، تبعًا لأرقامها المتسلسلة، حريصين على ألّا يفوتهم رقمٌ واحدٌ من أعدادها، وإلّا لا قيمة للمجموعة كلّها، والطوابع التي تحتلُّها رؤوسُ الملوك والملكات المقطوعة، المتآكلة من هذا الطرف أو ذاك، والسليمة ذات الأسنان المنتظمة، منها ما هو مختومٌ بالأحبار الكحولية، ومنها ما ليس عليه ختمٌ أو توقيع، وهذا هو الأفضل. والنقود المعدنية التي لا تصدأُ أبدًا، وكذلك العُملات الورقية بمختلف أشكالها، الصغيرة منها بحجم راحة كفّ طفل، والكبيرة بحجم الخرائط الميدانية، وأخيرًا وليس آخرًا، زجاجات المشروبات الروحية الفارغة وأغطيتها، مع أنّهم لم يذوقوا طعم ما يحتويه أيُّ نوعٍ منها، ولن أنسى عُلب الثقاب الأجنبية، جيّدة الصنع ذات الأحجام المتطاولة، والمحلية ذات الشعارات الوطنية، ونموذجي المفضلُ عن هؤلاء المهووسين، صديقي الشاعرُ الراحلُ مُحمّد سيدة الذي دفعتهُ قصصُ حبّه الفاشلةُ، فتاةً إثر فتاة، لمحاولة أخذ حياته بيده، كما يفعلُ العشاقُ الحقيقيون، على حدّ قول، المغنّي الأميركي (دون ماكلين) في إحدى أشدّ أغنياته شهرة: (الليلة ذات نجوم كثيرة)، عن الرسام الهولندي الشهير الذي كان يشكو من الصرع (فنسنت فان كوخ)، فراح يحزُّ رسغهُ بواسطة شفرة حلاقة، قديمةٍ ومثلّمةٍ على ما أعتقد، وقد أدهشتهُ قسوةُ جلده وسماكتُه، فراح يصرخ: «أنا تمساح، أنا تمساح». تابع بعدها انتقامهُ من الحياة، بممارسة هواياتٍ مُتعدّدة، منها إنشاءُ مجموعاتٍ كبيرة، من أغلب ما ذكرت، راح يقايضُها ويتاجر بها، كأفضل المرابين، أمّا الحصى والحجارةُ فقد كان كريمًا بإهدائها للجميع؛ لأنّها تبقى أبدًا بلا ثمن، إضافةً لطيور الكناري التي وجدوها، عند اقتحامهم لقبوه، بعد وفاته بعشرة أيام، في قعر أقفاصها، ميتةً من الجوع والعطش. وكذلك شاعرٌ آخرُ مصابٌ بذات الأعراض، كان يحلو لهُ أن يأخُذ صوره، مستعرضًا عضلاته، وهو يرتدي القمصان الداخلية من دون أكمام، ما يطلقُ عليه أهلُ الشام اسم (شيّال)! لتبدو خلفهُ خمسُ سكاكين معلّقةً على الحائط بترتيبٍ زكزاكيٍّ مُنتظم، كلُّ سكّين، يقولُ لضيوفه عنها:

«أحضرتُها من هذا المكان في سوريا

أو من قبرص

أو من هنا في السويد

أو من مكانٍ ما في العالم

لا أذكرُ ما قادني يومًا إليه

ولكلّ سكّينٍ من هذه السكاكين التي ترونُها قصّة

وذكرى خاصّةُ عالقةٌ بها

منها ما طعنني الآخرونُ به في ظهري

نعم صدقوا!

ومنها ما نزعتُهُ

بصعوبةٍ شديدةٍ من كتفي»

* * *

دون أن يجد داعيًا

لأن يُريهمُ مواضع الندب التي خلّفتها كلُّ تلك الجراح.

أتكلمُ هكذا بخفّةٍ عن السكاكين

ولكن من أنا حتى أحتقر

سكّينًا

أو أيّ شيءٍ آخر في الوجود

لهُ نصل؟

سؤالُ (باربرا ووترز) الضائع

«يا لهُ من سؤال!» صاحت الممثلةُ الراحلةُ صاحبةُ المواقف السياسية المُحرجة (جين فوندا) ابنةُ العملاق الراحل بدوره منذ سنين (هنري فوندا)، في مقابلتها الأخيرة مع الراحل (لاري كينغ)، بنظّارته الدائرية ذات الإطار العظميّ الأسود، وحمّالة سراويله العريضة الحمراء، ترى ماذا كان يعنيه بجعلها علامةً فارقةً له: (رجلٌ لا يثقُ بسرواله)!

أرجوك لا تقُل لي: إنّهما لم يرحلا بعد

فأنا أوّلُ من يعلمُ هذا!

لكنّي أكتبُ هذه القصيدة على أمل

أن يأتي يومٌ ما ويقرؤها أحدٌ ما

وذلك بعد رحيلهما

ورحيلي أيضًا

بزمنٍ يطولُ أو يقصُر.

وكأنّ السيدة (فوندا) وجدت أنّهُ حان الوقتُ، بعد كلّ هذه السنين، لتُبدي ندمها على تلك الصورة التي نُشرت لها، وعُمّمت على نطاقٍ واسع، وهي تمتطي ظهر دبابةٍ أميركيةٍ تم الاستيلاءُ عليها من قبل قوات الفيتكونغ، خلال زيارتها التاريخية لفيتنام، أيام فورتها الثورية في عقد الستينيات: «شكّل ذلك إهانةً إنسانيةً للأميركيين» قالت ذلك بتأثرٍ زائد. ولكن،

عن أيّ صورةٍ مهينةٍ تتحدثين يا سيدتي؟

مقابل صورة طفلة النابالم العارية حتى من مزقة قماشٍ تغطي عورتها

تركضُ صارخةً بظهرها المشتعل

هربًا من قذائف (النابالم) الأميركية

التي شكّلت إهانةً

ليس للأميركيين فحسب

بل للبشرية جمعاء.

أمّا أسئلةُ الصحافية الأميركية المخضرمة (باربرا ووترز) للرؤساء الذين كانت تهرعُ لإجراء المقابلات معهم، وهم على حافة السقوط، كصدام حسين، ومعمر القذافي، وعيدي أمين، أرجو ألّا يأتي أحدٌ الآن، ويتظاهر بالفهم، ليقول لي: إنّ باربرا لم تجر مقابلةً مع هذا الأخير! وذلك لأنّهُ من الواضح، أنّي أوردتُ هذه الأسماء، على سبيل المثال لا الحصر، فالسيّدةُ صحافيةٌ احترافيةٌ بامتياز، وأسئلتُها البارعةُ، باعتقادي، تُحضَّرُ من قبل طاقمٍ من المُختصّين في محطّة (ABC). ولكنّها، مهما أبدت من جرأةٍ، قد تصلُ لحدّ الوقاحة في بعض الأحيان، جرأةٍ مجانيةٍ بأيّ حال؛ لأنّهُ لن يقوم أحدٌ من أتباع هؤلاء الرجال القُساة باقتياد سيدةٍ عجوزٍ خرفةٍ تجاوزت الثمانين، إلى أحد الطوابق السفلية لقصورهم الرئاسية، وتلقينها درسًا عمليًّا في أصول مخاطبة الرؤساء العظام، لمجرد سؤالٍ طائشٍ مهما بلغت وقاحتُه، فأسئلتُها على كثرتها دائمًا ناقصة. ناقصةٌ بسبب افتقادها لحسّ الدعابة الذي كان يتمتّعُ به السيدُ (كينغ)، كبقية المهرّجين اليهود العظام الذين اكتسبوا عن استحقاق، تلك الشهرة الواسعة، أمثال العباقرة: (شارلي شابلن) و(غروشو ماركس) و(ميل بروكس) و(جين وايلدر) وآخرهم (جيري سينفيلد) و(آدم ساندلر) و(بن ستيللر)… ما هذا! ألم يخلُق الله، من يريدُ أن يرسُم البسمة على وجه العالم، إلّا أبناء عمومتنا، اليهود؟ أذكرهُ في مقابلته للثلاثة الباقين أحياءً من فرقة الرولينغ الستونز، (ميك جاغر) و(كيث ريتشارد) و(شارلي وات)، أنّهُ رحّب بهم صائحًا: «أهلًا وسهلًا بالأولاد». وكانوا قد تجاوزوا السبعينات من أعمارهم بالعديد من السنوات.

ذلك أنّهُ كان خليقًا بها أن تختتم مقابلاتها الثلاث بسؤالٍ واحدٍ، يصلُحُ أن توجّههُ للتماسيح الثلاثة، دون استثناء، بغضّ النظر عمّا يقالُ عن التباينات والاختلافات الشديدة فيما بينهم، بما يتعلّقُ بالشكل الخارجي، وعدد النجوم والنسور والتيجان، التي يضعونها على أكتافهم، على وجه الخصوص:

«والآن، سيدي الرئيس، اسمح لي في خاتمة حوارنا الشائق هذا، أن أسألك سؤالًا لا علاقة له بالسياسة، كما أنّهُ لا علاقة له بالحبّ والحياة العائلية، إنما بالنظام الغذائي الفعّال الذي تعتمدونه للحفاظ على الوزن، على النحو الذي يسمح لمؤخرتكم بالالتصاق على كرسيّ الحكم زمنًا طويلًا يقاربُ نصف القرن، وهو:

هل تفضّلُ سيادتُك تناول الشعب

كعصيرٍ

أم

كمسحوق؟».

«أسير الشمس» لحميد عبدالقادر.. الفن بين الرؤية الاستشراقية والأيديولوجيا الاستعمارية

«أسير الشمس» لحميد عبدالقادر.. الفن بين الرؤية الاستشراقية والأيديولوجيا الاستعمارية

مَثّل الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م حدثًا تاريخيًّا بارزًا، طبع بثقله وتداعياته السياسية مجريات القرن التاسع عشر وما تلاه؛ إذ أسهم في إسدال الستار على حقبة تاريخية طويلة هيمنت فيها الدولة العثمانية بأسطولها البحري على البحر الأبيض المتوسط، كما أدى إلى تزايد أطماع الدول الأوربية في اقتسام ثروات القارة الإفريقية، التي فتحت أبوابها على مصراعيها لاستقبال أنوار
«الحضارة الغربية».

حميد عبدالقادر

اختار الروائي والصحفي الجزائري حميد عبدالقادر في رواية «أسير الشمس: أيام أوجين دولاكروا في الجزائر»، الصادرة عن دار ميم سنة 2022م، العودة إلى السياقات التاريخية التي أحاطت احتلال الجزائر، في مسعى لإعادة كتابة الحدث على ضوء تفاصيله الغائبة، فاتخذ من لوحة أوجين دولاكروا «نساء الجزائر في مخدعهن»، التي رسمها عقب زيارته للجزائر سنة 1832م، موضوعًا لاشتغاله؛ محولًا إياها إلى مدخل لترميم الحكاية ورسم التفاصيل التي أسقطتها، وفق منظور ما بعد استعماري؛ لذا يمكن وصف هذا المتن الروائي بأنه أشبه بالنص الإطار المغيب، في مقابل نص آخر كلي الحضور، أنتجه الغازي المنتصر وفق ما يتلاءم ورؤيته، فارضًا من خلاله إستراتيجيات الهيمنة والإزاحة.

نموذج شرقي متخيل

يفكك هذا النص العلاقة التراتبية القائمة بين الغرب والشرق، معيدًا النظر في أبعادها، كاشفًا خضوع الرؤية الغربية، ممثلة في الرسام دولاكروا، لنموذج شرقي متخيل، ومتمثل في «ألف ليلة وليلة». وهذا ما يجعل المتلقي أمام ثلاثة نصوص تَوَلَّدَ بعضُها عن بعض، تجمعها صلة قرابة بالنص الأصلي المستعاد وهو «ألف ليلة وليلة» في نسخته العربية، الذي يمكن وصفه هو الآخر بأنه الأصل المفقود، الذي لا يحضر إلا بغيابه.

وتتمثل هذه النصوص في: «ألف ليلة وليلة» في نسختها الغربية، ولوحة «نساء الجزائر في مخدعهن»، ورواية «أسير الشمس»، التي تستعيد صداه لترسم هي الأخرى مسارات مختلفة للعلاقة بين الجلاد والضحية/ المهيمِن والمهيمَن عليه، سواء تعلق الأمر بالعلاقة بين فرنسا والجزائر، أو الشرق المتخيل وأوجين دولاكروا، أو الكونت دومورني (الضابط النابوليوني) وعشيقته في الرواية. فقد راح هو الآخر يستعيد صدى مزدوجًا لكل من شهرزاد وشهريار؛ فمن ناحية مكنه الحكي من الاستحواذ على عشيقته «السيدة دومورني» مستعيرًا صوت شهرزاد، ومن ناحية أخرى دفعه إرث الرجولة المهزومة، ممثلة في نابوليون، إلى البحث عن فتوحات جديدة، كانت قلوب نساء النبلاء ميدانًا لها؛ لذا أحيت رحلته الفعلية إلى عوالم الشرق هواجس الخيانة التي تهدد بسلبه هيبته وهالته؛ ليغدو طيفًا من أطياف شهريار.

أحجم الروائي عن تقديم تفاصيل الرواية بلسان الشخصية (دولاكروا)؛ بل اختار سردها بصوت الراوي العليم؛ الذي يبرز كشاهد يكمن دوره في استعادة التفاصيل التي أحجمت عينا الفنان عن التقاطها، وهو ما يوحي بإستراتيجية نصية قائمة على استبدال الأدوار والمواقع؛ فبينما تولى هذا الأخير في يومياته تسجيل تفاصيل الرحلة، بوصفه الفاعل المركزي الذي عايش الحدث وفرض رؤيته الخاصة عما جرى؛ تحول في هذا المتن إلى موضوع للرؤية من قبل من اختزل وجوده في الشرق المنمط.

تعذر الرؤية البديلة

يندر حضور الحوار في هذه الرواية مقارنةً بالمقاطع السردية الوصفية التي أتاحت مجالًا أوسع لرؤية الحدث من أبعاده المتعددة، فيما يوحي بغياب الرؤية الجماعية؛ وكأن كل شخصية تسعى خلف تحقيق أهوائها وصنع أمجادها الذاتية، من دون أن تقيم اعتبارًا للآخرين. كما ينعدم الحوار بين الغربيين والشرقيين من دون أن يكون مؤطرًا بتراتبية المواقع والأدوار، في ظل انعدام أي أفق للتواصل الحضاري بينهما، لكنه؛ وعلى الرغم من ذلك، كان محوريًّا في موضعين أساسيين: تمثل أحدهما في الحوار الذي دار بين دولاكروا والصحفي «بيغاليا» (نموذج الشخصية الفرنسية المعتدلة والمحايدة) الذي انتهى بامتناع الرسام عن الإنصات إلى صوت الحقيقة، بعد أن أطلعه على جريمة إبادة «قبيلة العوفية» من قبل الدوق «دي روفيغو»، مفضلًا البحث عن شرقه المشتهى، الذي طالما راوده في أحلامه.

أما الحوار الأهم فقد كان بين نساء اللوحة أي «الحريم»، فبعد خضوع الوالي العثماني لتهديد القائد الفرنسي بسلب أرضه وممتلكاته، يقايض ذلك بالسماح لدولاكروا برسم مجلس نسائه؛ وهو ما يجعل الطرف الفرنسي يبالغ في إذلاله وانتهاك ما اتفق عليه؛ لتنتهي جلسة التصوير بمرارة بالغة: «ردت زهرة توبوجي قائلة، وهي ترمق دولاكروا بنظرة قاسية: «أشعر أنهم قتلوني ثانية، بعد أن قتلوا شقيقي بجامع كتشاوة». فردت عليها موني بن سلطان، وهي تستعد لمغادرة المخدع: «أنا في الحمام، أريد التخلص من نجاسة نظرات هذا المشؤوم» (ص100).

سعى الروائي في هذا المقطع إلى تمرير نقد مزدوج للوجود العثماني والاحتلال الفرنسي على حد سواء، عبر إبراز الامتهان الذي يحكم نظرة كل منهما للمرأة الشرقية (التي تمثل بوصفها متاعًا يتملك)؛ إذ دفعه ذلك إلى إحياء الوجود المتشيئ لنساء لوحة دولاكروا، فمنحهن وجودًا إنسانيًّا متعينًا من خلال التسمية، ومسح عنهن رتابة الصمت والحزن الذي طبع ملامحهن، محولًا ذلك إلى احتجاج هادر في وجه الغازي الذي نُعت من قبلهن بالنجاسة والشؤم، بعد أن انتهكت نظراته شرفهن الذي عجز الرجل العثماني (الزوج) عن صونه، وهو ما يجعلهن المقابل الموضوعي لأرض الجزائر التي تتجاذبها مصالح الغزاة، إلا أنها تظل متمردة وعصية على الخضوع. لكن وجودهن ضمن السياق الروائي يبقى وجودًا منفعلًا، عديم الأثر (رد فعل)، مرتهنًا بحضور المركز، وكأن الغاية من هذه المقاربة تقتصر على معارضة رؤية دولاكروا التي أثث بها يومياته ولوحته الفنية، ونفي مزاعمه حول دور الفن في بث الحياة في الأشياء.

لكن التأسيس لرؤية بديلة ظل متعذرًا؛ لعدم توافر الإمكانات الجمالية التي تتيح التحرر من الرؤية الاستعمارية، ولعل أبرز ما يحيل إليها في هذا النص ارتباط الرؤية بالتجربة الاستعمارية حصرًا والانطلاق من خطابها بوصفه خطابًا مؤسسًا (إعادة كتابة اليوميات من منظور شرقي)، والاستمرار في إنتاج صورة الأصلاني الضحية المجرد من القدرة على المقاومة الفاعلة، فضلًا عن هيمنة صوت الراوي العليم، وتوظيف المعرفة (التأويل النقدي للوحة الذي تضمنه التقديم) كسلطة تصادر حق المتلقي في تشكيل رؤيته الخاصة عن الأبعاد الجمالية للرواية؛ وتصرفه إلى تتبع حضور شخصية دولاكروا، والتقاط ما يثبت تحيزاتها، ليقتصر دور الرواية على رسم خلفية مستعادة للوحة، هي أقرب -وفق منظور الكاتب- إلى الحقيقة منها إلى الخيال؛ ليضيع بذلك سؤال الفن بين الرؤية الأيديولوجية ونقيضها.