المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين: لا بد للحوار بين الأديــــان أن يكون جادًّا وحقيقيًّا وليس لأغراض شكلية أو لتوظيف سياسي

المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين: لا بد للحوار بين الأديــــان أن يكون جادًّا وحقيقيًّا وليس لأغراض شكلية أو لتوظيف سياسي

جاء المؤتمر الدولي في ميلانو الذي عقد في مايو الماضي لتكريم المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين، تتويجًا لجهوده بوصفه واحدًا من المستشرقين الذين كرسوا جهدهم العلمي لخدمة حوار الثقافات والحضارات. عكف سكاتولين على دراسة الحضارة الإسلامية والتصوف الإسلامي واضعًا أكثر من 66 بحثًا بين كتب ومقالات مكتوبة باللغات العربية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، منها: مختارات من النصوص الصوفية، الإسلام والعولمة، الله والإنسان في الإسلام، التصوف الإسلامي، الإسلام والحوار الديني، ديوان ابن الفارض- قراءات لنصه عبر التاريخ، التجليات الروحية في الإسلام، تأملات في التصوف والحوار الديني.

المؤتمر الذي عقد بالتعاون بين قسم الدراسات الدينية، الجامعة الكاثوليكية بميلانو، وكلية الآداب، جامعة بورسعيد، جاء احتفاءً من الباحثين المشاركين من الشرق والغرب بباحث بذل حياته من أجل إيجاد ذلك الغزل الروحاني الذي يشكل بساطًا من التعاون والتفاهم بين الثقافات على اختلافاتها.

جوزيبي سكاتولين راهب كاثوليكي إيطالي الجنسية، من مواليد عام 1942م، حصل على دبلوم الدراسات العربية من جامعة القديس يوسف ببيروت عام 1971م، ونال الليسانس في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب جامعة القاهرة (فرع الخرطوم) في عام 1978م. وفي عام 1987م حصل على درجة الدكتوراه برسالة تحت عنوان: «التجربة الصوفية عند الشاعر عمر بن الفارض»، من المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية بروما. وفي عام 1992م حاز درجة الأستاذية من جامعة ييل بالولايات المتحدة الأميركية ببحوث متخصصة في التصوف الإسلامي. ويقيم إقامة شبه دائمة في القاهرة منذ عام 1979م، كما أنه حاليًّا عضو مراسل لمجمع اللغة العربية بالقاهرة. بعد تكريمه في مؤتمر ميلانو، كان لنا معه هذا الحوار:

  ما الذي دفعك وأنت راهب كاثوليكي إلى التبحر في أعماق التصوف الإسلامي حتى أثمر ذلك الجهد؛ 66 بحثًا بمختلف اللغات؟

  يمكنني القول: إن الأسباب كثيرة، فحينما أنظر إلى حياتي أرى أن هناك دافعًا داخليًّا إلى الاهتمام بالأمور الفوقانية أو المتعالية. بمعنى أنني دائمًا ما أردت البحث عن الأسباب الغامضة وراء كل المظاهر. ومن ناحية أخرى كوني راهبًا كاثوليكيًّا فقد دفعني ذلك إلى دراسة الروحانيات في الديانات الأخرى؛ لذلك عندما بدأت دراسة الحضارة الإسلامية ركزت على مجال التصوف الإسلامي؛ لأنني أرى أنه يمثل الحياة الروحية في الإسلام. ويمكنني القول أيضًا: إن هناك شخصية مهمة جدًّا في التصوف الإسلامي جذبت انتباهي منذ زمن إلى التصوف وهي شخصية «الحلاج»، شهيد الصوفية وصاحب التجربة الفريدة في الحب والعشق الإلهي. ومن ناحية أخرى ساعدتني خبرتي راهبًا في الوصول إلى آفاق أعلى في دراسة وفهم التصوف الإسلامي، حتى إنني عشت مع دراسة التصوف الإسلامي نصف قرن من الزمان.

  كنت مصرًّا عبر رحلتك البحثية على قراءة النصوص الصوفية من مصادرها الأصلية، وأيضًا كتابة بحوثك باللغة العربية، وهو أمر نادر الحدوث في الدراسات الاستشراقية، فإلى أي مدى مثّل الأمر صعوبة بالنسبة لك؟

  من المهم حينما نقرأ أي نص أن نقرأه في لغته الأصلية التي كُتِب بها، وبما أن أغلب النصوص الصوفية كُتِبَت باللغة العربية، فكان لزامًا عليّ أن أتعلم اللغة العربية على الرغم من صعوبة الأمر؛ لأن الترجمات الأوربية قد لا تنقل المعنى الكامل للنصوص الصوفية. وبعد ذلك تعمدت الكتابة باللغة العربية؛ كي أخاطب القارئ والمثقف العربي مباشرة، محاورة إيجابية، خصوصًا أنني أحاوره من نظرة داخلية لذات الثقافة العربية الإسلامية، فلستُ أكتب من منطلق أحكام غربية بعيدة من الثقافة العربية، بل أحاوره من خلال قراءة النصوص العربية الأصلية.

سلطان العاشقين والرومي وابن عربي

  عمر بن الفارض، سلطان العاشقين، أكثرُ المتصوفة الذين شغلوا وجدانك؛ فعملت على تحقيق ديوانه في مهمة محفوفة بالأخطار لتباين القراءات الخاصة بالديوان عبر ثلاثة قرون من الزمان، فما الذي كشفه لك التحليل الإبداعي الدلالي للديوان؟

  يتميز عمر بن الفارض بخصائص عدة يصعب أن نجدها عند غيره من الصوفية؛ فهو صوفي وشاعر في الوقت ذاته، أسلوبه الشعري متميز جدًّا، وخبرته الروحية عميقة أيضًا. يصعب أن نجد ذلك التكامل بين الشعر والخبرة الروحية العميقة عند غيره من شعراء الصوفية العرب، زد على ذلك أنه صاحب أطول قصيدة شعرية في التراث الصوفي العربي وهي قصيدة «التائية الكبرى» وعدد أبياتها 761 بيتًا شعريًّا. وقد عملت على تحقيق ديوانه من خلال أقدم نص مخطوط له في مكتبة قونية بتركيا. ولقد حققت الديوان وأثبت في المتن نص مخطوطة قونية، وفي الهوامش التي أخذت نصف حجم الصفحة تقريبًا أثبت مختلف القراءات لديوان ابن الفارض عبر التاريخ، وهو ما جعلني أضع عنوانًا فرعيًّا للديوان وهو «قراءات لنصه عبر التاريخ». طبعًا كان عملًا صعبًا استغرق ست سنوات على الأقل من العمل الجاد، لكنني كنت أرى ذلك مفيدًا للدراسات الصوفية.

أما من ناحية المنهج فلقد اعتمدت في دراسة الديوان على المنهج الدلالي، الذي كشف لي نقاطًا جديدة فيه، منها: أن اللفظ المركزي في ديوان عمر بن الفارض هو اللفظ (أنا) ومعناه أن الشاعر في ديوانه الصوفي يصف رحلة البحث داخل ذاته. كما أن مصطلح (الأنا) لدى عمر بن الفارض يأتي على ثلاثة مستويات؛ الأول: الفرق الذي يصف فيه حالة الثنائية بينه وبين محبوبته، الثاني: الاتحاد الذي يصف فيه حالة اتحاده مع المحبوبة، الثالث: الجمع، حيث يصير هو في الكل، ويصير الكل فيه.

ومن الملحوظ هنا أن هناك تطورًا ديناميكيًّا في الانتقال من مستوى الفرق إلى الاتحاد وإلى الجمع. ومن المفيد الإشارة إلى أن اعتمادي على المنهج الدلالي مهم جدًّا لفهم مصطلحات وبنية القصيدة دون عمل أي إسقاط من طرفي؛ لأن المنهج الدلالي ساعدنا في اكتشاف المعنى الموجود في النص دون إسقاط من طرفنا.

وهنا أيضًا أود الإشارة إلى أن أغلب الشروح التي قدمت لديوان عمر بن الفارض كانت من طرف مدرسة الشيخ الأكبر عند الصوفية «محيي الدين بن عربي»، فقد حاول تلاميذ ابن عربي شرح أشعار ابن الفارض بمصطلحات وفلسفة ابن عربي الصوفية، وقد أدى هذا الأمر إلى حجب خصوصية التجربة الصوفية عند ابن الفارض الذي يختلف شكلًا ومضمونًا عن ابن عربي.

  لماذا اكتسبت أشعار جلال الدين الرومي وابن عربي من دون سائر أشعار الصوفية شهرة عالمية ما جعلها جسرًا روحيًّا بين الشرق والغرب؟

  أظن أن السبب الأول لانتشار أشعار جلال الدين الرومي خاصة، أن المستشرقين الأوربيين كانوا في اتصال مع المسلمين أولًا من خلال الأتراك العثمانيين والإيرانيين في حقبة متأخرة من التاريخ، مثلًا المفكر الألماني غوته كتب الديوان الشرقي الغربي حيث تأثر بحافظ شيراز في بداية القرن التاسع عشر، ومن هنا بدأ الاستشراق بترجمة مؤلفات جلال الدين الرومي إلى مختلف اللغات الأوربية، ووجدوا معاني روحية عميقة تركز على تجربة المحبة والوحدة والسلام في شعر ونصوص جلال الدين الرومي.

أما ابن عربي فقد بدأ الاهتمام به في القرن الماضي مع المستشرق الإنجليزي نيكلسون«1868- 1945م» وهو نفسه الذي ترجم ديوان جلال الدين الرومي، وكذلك الدارس الإسباني آسين بلاسيوس «1871- 1944م» الذي درس ابن عربي، ومن المحدثين نجد المستشرق الأميركي وليم تشيتك «1943-» الذي كتب كثيرًا عن محيي الدين بن عربي.

  التجربة الصوفية في الإسلام- مختارات من النصوص الصوفية، واحد من أهم دراساتك التي ترجمت إلى الإيطالية؛ ما المعايير التي اتبعتها عند انتقائك تلك النصوص عند مختلف الصوفية؟

  حاولت قدر الإمكان أن أعرف القارئ الإيطالي بالخبرة الصوفية في الإسلام، فأقدمت على اختيار مجموعة من النصوص الصوفية، وبالطبع لم يكن اختيار هذه النصوص بشكل عشوائي، وإنما راعيت اختيار أهم النصوص لشخصيات مؤثرة في التصوف، من أمثال: النفري، الطوسي، المكي، القشيري، الغزالي، وغيرهم. وهذه الشخصيات مهمة ومركزية ولها دورها التأسيسي في التصوف.

  قدمت في كتابك «التجليات الروحية في الإسلام» أكثر من 54 صوفيًّا من القرن الأول الهجري حتى نهاية القرن السابع الهجري. أعقبه اكتشافك شخصية صوفية مجهولة هي «عبدالملك الخركوشي»، هل تعتقد أن المخطوطات العربية البكر في مكتبات العالم قد تفاجئنا بأسماء صوفية لم نكن نعرفها؟

  نعم أعتقد ذلك؛ فربما تكشف لنا الأيام عن كتب ورسائل ونصوص صوفية غير معروفة لأنها غير منشورة، لذلك فإن البحث في المخطوطات الصوفية مفيد جدًّا، وأنا شخصيًّا عثرت على أقدم مخطوط لديوان عمر بن الفارض في مكتبة يوسف أغا بمدينة قونية بتركيا بمحض المصادفة. فعلى سبيل المثال أغلب مؤلفات الخركوشي ما زالت مخطوطة وغير منشورة حتى يومنا هذا، ونتمنى أن تشهد المرحلة المقبلة أجيالًا جادة من المحققين الذين يهتمون بتحقيق ونشر النصوص الصوفية.

ذو النون المصري.. الطريقة الشاذلية

  ثناء أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على كتابك المهم «التجليات الروحية في الإسلام» وجلوسك على مقعد الخطابة في المسجد الكبير بأسوان له مؤشرات مهمة على تبدل الموقف من حركة الاستشراق في العالم العربي بعد أن لاحقتها الاتهامات بفعل حركة الاستشراق السياسي التي احتضنتها الإمبريالية في القرن التاسع عشر.. حدثنا عن صدى دراساتك عن التصوف في العالم الإسلامي أكاديميًّا ورسميًّا وأيضًا عمليًّا بين الطرق الصوفية، وكيف أفادتك جولاتك في العواصم الإسلامية في فهم التصوف؟

  هذا الأمر مهم جدًّا بالنسبة لي؛ لأنه يجب أن نميز بين الاستشراق السياسي الذي كان في خدمة الاستعمار في القرن الماضي، وفق أجندات سياسية، وبين الاستشراق الأكاديمي الذي خدم الثقافة والدراسات العربية والإسلامية. وأرى أن الخلط بين الاستشراق السياسي ونظيره الأكاديمي خطأ ضار وفادح. بالنسبة لي الاستشراق الأكاديمي العلمي مهم ومفيد كجسر للتواصل بين الحضارات الشرقية والغربية، ومهم كذلك لدراسة التراث العربي.

والحمد لله أجد رد فعل إيجابيًّا تجاه أعمالي البحثية في دراسة التصوف من العلماء والباحثين المسلمين والعرب. وهذا أيضًا يعني أنهم يفرقون بين الاستشراق الأكاديمي والسياسي. استفدت كثيرًا من زيارة مدن وبلدان إسلامية مختلفة، فهذه خبرة وجودية مهمة، أما بالنسبة لتجربتي وخبرتي مع الطرق الصوفية، فلدي خبرة خاصة مع الطريقة الحامدية الشاذلية المشهورة في مصر، حيث قرأت الإنتاج الصوفي للشيخ سلامة الراضي، واستفدت من الحكمة الروحية التي تملأ كتبهم، وكثيرًا ما أزورهم لحضور الحضرة الصوفية بمسجدهم، وقد أسعدني ذلك.

وهنا يكون من المفيد أن ندخل في علاقة مباشرة مع الناس من الطرق الصوفية، ففي دراسة التصوف نحن لا ندرس موضوعات جامدة، بل ندرس تجارب إنسانية وروحية من المفيد والمهم للباحث أن يقترب منها قدر الإمكان. وكذلك كان مفيدًا جدًّا لي التعاون البحثي مع تلميذي بالماضي وزميلي الآن دكتور أحمد حسن أنور وهو أستاذ التصوف الإسلامي المساعد بكلية الآداب جامعة بورسعيد، فقد تعاملنا معًا ما يقرب من عشرين سنه من الزمان، وبالتالي الإقامة في مصر تحديدًا كانت مفيدة جدًّا بالنسبة لي على المستويات: الشخصي والوجداني والأكاديمي.

  نظرًا لوجودك الطويل في مصر: هل تعتقد أن التجربة الصوفية جزء من التركيبة الروحية المصرية، وأن لها أبعادًا تتجاوز ذا النون المصري إلى أخناتون وما قبل ترانيمه في النصوص الدينية لدى المصري القديم؟

  نعم بكل تأكيد الخبرة الروحية موجودة منذ القدم في مصر؛ ففي الحضارة المصرية القديمة نجد نصوصًا لأخناتون، وكذلك نجد خبرة روحية في كتاب الموتى. وفي العصر المسيحي كانت مصر ملجأ للعائلة المقدسة، المسيح والسيدة العذراء، والروحانيات المسيحية انتشرت في مصر بشكل كبير خصوصًا في البيئات الرهبانية. أما في العصر الإسلامي فقد ظهر التصوف في مصر في لحظة مبكرة وتحديدًا في القرون الهجرية الأولى مع شخصيات عديدة من أمثال ذي النون المصري، ولا ننسى أن القرن السابع الهجري قد شهد تطورًا ملحوظًا للتصوف في مصر؛ ففي ذلك القرن نجد عمر بن الفارض «سلطان العاشقين»، ومن بعده قليلًا نجد شخصيات صوفية مصرية أخرى، منهم على سبيل المثال: ابن عطاء الله السكندري صاحب «كتاب الحكم العطائية»، وكتاب تاج العروس، وكتاب التنوير في إسقاط التدبير.

ولا ننسى أن أهم الحركات الصوفية قد استوطنت مصر خصوصًا في القرن السابع وما تلاه، ومن هذه الحركات نجد الشاذلية التي نشأت وتطورت في مدينة الإسكندرية مع أبي الحسن الشاذلي والمرسي أبي العباس وابن عطاء الله السكندري وياقوت العرش. وفي النهاية يمكننا القول: إن التصوف جزء مهم من وجدان المصريين. والأمر نفسه نجده في العراق حيث ظهرت مدارس البصرة والكوفة وبغداد.

الحوار الديني

  الحوار الديني احتل مساحة كبيرة في أبحاثك، فما أهم منطلقاته وما المعوقات التي قد تمنع حدوثه؟

  نعم احتل الحوار الديني مساحة كبيرة من أعمالي خصوصًا في كتابي «تأملات في التصوف والحوار الديني»؛ لأنّي أعتقد أنه لن يكون هناك سلام بين الأديان ما لم يكن هناك سلام بين الشعوب، لذلك ركزت في جانب كبير من كتاباتي على قضية الحوار الديني بشكل عام، والحوار المسيحي الإسلامي بشكل خاص. ومن المفيد الإشارة إلى أن قضية الحوار قضية حياتية مهمة، تتخذ أبعادًا وأشكالًا مهمة جدًّا منها: حوار الإنسان مع الإنسان وهناك عدد من الفلاسفة المُحدَثين، من أمثال الألماني مارتن بوبر والفرنسي إيمانويل ليفيناس، ركزوا اهتمامهم على الدور الذي يؤديه الحوار في حياة البشر، فطوروا ما عُرف بـ«فلسفة الحوار». فقد أَثبت هؤلاء الفلاسفة أن خبرة الـ«أنت» هي خبرة جوهرية أصيلة للإنسان؛ لكي يبلغ الوعي بذاته الخاصة كـ«أنا»، أي كشخص-فاعل بمعنى الكلمة. فالحوار هنا يمكن وصفه بأنه مرتبط بفعل «التأمل الانعكاسي»، الذي سيؤدي إلى «إدراك الذات بشكل أفضل»، حيث يكمل الآخر الأنا، فمن خلال قيام الأنا بفهم وتأمل الآخر، تكتمل معرفتي أكثر بنفسي وذاتي.

وهناك أيضًا حوار الإنسان مع الطبيعة؛ فالكائن البشري يأتي في علاقة حوارية حيَّة مع نفسه، ومع الآخرين، ومع الكون حوله، وأخيرًا مع أساسه الأول والأخير للكل: هو الله. والواقع أن الإنسان يستطيع أن يجد تناغمًا وسلامًا مع نفسه ومع الكل من خلال هذه العلاقة الوجودية- الحوارية العميقة فحسب. وبتحقيق ذاته في هذه الأبعاد يختبر الكائن البشري تناسبًا أصيلًا وتجاوبًا عميقًا بينه وبين الطبيعة، فهو ينعكس فيها كما أنها تنعكس فيه؛ إلا أن الحوار بين الإنسان والطبيعة في عصرنا أصبح في خطر جسيم بسبب المُخاطرة التقنية العلمية المتغطرسة المفروضة على الطبيعة من طرف البشر. وهناك أيضًا: حوار الإنسان مع الله. إن الله أراد أن يدخل كطرف أساسي في الحوار الإنساني، أو بالأحرى البين- إنساني. وليس بصورة قوةٍ فوقانية، بل على العكس من ذلك، فإن الله أراد أن يدخل في التاريخ البشري كطرفٍ مشارك فيه؛ كي يقود كلَّ كائنٍ بشري أفرادًا وجماعاتٍ إلى كماله، أي إلى ملء الشراكة في الحياة الإلهية. وهذا لأن الله أراد أن يحقق مشيئته مع مطلق احترامه لحرية الإنسان؛ لأنه هو بذاته المصدر الأول والأصل المتين والسند الأساسي للحرية الإنسانية التي كَتَبَ على ذاته احترامها. ولو بحثنا عن الإطار التطبيقي للحوار فسنجد: أربعة أشكال أو قل مستويات من الحوار الديني، وهي على النحو التالي:

أ- حوار على مستوى الحياة: حيث يحاول المُنتمون إلى أديان مختلفة أن يتعايشوا على نحو مفتوح وخيِّر مع جيرانهم، مشاركين في أفراحهم وأحزانهم ومشكلاتهم ودواعي قلقهم وآمالهم اليومية.

ب- حوار على مستوى الأعمال: حيث يتعاون أصحاب الأديان المختلفة في عملِ تطوُّر وتحرُّر من أجل الخير العام، وخصوصًا المستضعَفين من الناس.

جـ- حوار على مستوى الفكر الديني: حيث يحاول علماء الأديان المختلفة تعميق فهم تقاليدهم الدينية الخاصة والعامة بهدف تفاهم عميق وتقدير متبادَل للقيم الروحية المشتركة.

د- حوار على مستوى الخبرة الدينية: حيث يتشارك أصحاب الأديان المختلفة الراسخون في تقاليدهم الدينية الخاصة في تراثهم الروحي وخبراتهم الروحية، مثل الصلاة والتأمل والإيمان، وكذلك في طرق البحث عن الله أو المطلق مستهدفين تبادلًا روحيًّا واسعًا ينير مسيرة الإنسان نحو الله.

  هل تعتقد أن وثيقة الإخاء بين شيخ الأزهر والبابا فرنسيس الثاني قدمت دفعة قوية لمسيرة الحوار بين الأديان وكيف تقيم محاولات بعض المؤسسات الثقافية العربية التي تأسست لدعم هذا الحوار خاصة؟

لويس ماسينيون

  وثيقة لها أهميتها بكل تأكيد؛ لأنها تؤكد المبادئ المشار إليها في السؤال السابق. أما المؤسسات الخاصة فأرى أن بعضها يأتي في إطار ما يمكن أن نسميه بالموضة المعاصرة. في حين أن هناك مجموعة من المحاولات العربية الجادة في هذا الإطار، منها: جماعة الإخاء الديني التي تأسست في القاهرة في القرن الماضي، وكانت تضم بعض مشايخ الأزهر الشريف وبعض المستشرقين الأوربيين ومنهم لويس ماسينيون «1883-1962م».

وبعدها نجد وثيقة جادة مهمة في طريق الحوار الديني وهي الوثيقة المسماة بـ«كلمة سواء»، التي كتبها مجموعة من مفكري الإسلام، وكذلك نجد وثيقة أبوظبي عام 2019م الموقعة من طرف بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر. ولديَّ أمل كبير أن يكون هناك اهتمام أكبر بقضية الحوار بشرط أن يكون هذا الاهتمام جادًّا وحقيقيًّا، وليس لأغراض شكلية أو اقتصادية أو لتوظيف سياسي. كما ينبغي للمفكرين في الشرق والغرب، الإعلان والتأسيس لفلسفات جديدة تتبنى الحوار مع المؤسسات الرسمية والمدنية، وهو ما يؤدي إلى السلام الشامل للكل.

  هناك من يرى أن الحوار بين الأديان لن يتأتى إلا بعد الاعتذار عن الأخطاء السياسية التاريخية التي ارتكبت باسم الأديان، فكيف ترى تلك المسألة؟

  نعم، أوافق على ذلك، فقد أعلنت ذلك بصراحة في كتبي، وفيها قلت بأنه لا يوجد شعب بريء من العنف، فكلنا في الماضي مارسنا العنف، مارسنا العنف باسم الدين، لكن الأخطر من ذلك أننا مارسنا العنف لأسباب أيديولوجية دينية وغير دينية. وأذكر في هذا الصدد أن الحربين العالميتين الأولى والثانية التي لم تكونا لأسباب دينية على الإطلاق، وإنما كانت لأسباب قومية وأيديولوجية، وهذا هو الأخطر فيما أرى. وفي جميع الأحوال: أرى أنه من الشجاعة الإنسانية أن نعترف جميعًا أننا في الماضي قد مارسنا العنف، وعلينا أن نعتذر عن ذلك بشكل صريح.

التعددية الدينية والهوية

  في كتابك «تأملات في التصوف والحوار الديني» وضعت أسس فلسفة دينية جديدة، ذهب بعضٌ إلى أنها تعتمد على تفسير جديد لظاهرة التعددية الدينية، انطوت على رؤية جديدة مهمة لكل الأديان، سميتها بمستقبل الدين، ما السمات والخصائص المطلوبة لمستقبل كل دين في عصر العولمة؟

  التعددية الدينية من أهم السمات الإنسانية عبر التاريخ، فهذا المبدأ واقع تاريخي مرتبط بالبشر عبر التاريخ الإنساني كله، وتتوافق هذه التعددية بالوعي والهوية الخاصة لكل دين. كما أن التعددية الدينية واحدة من معطيات واقعنا البشري التي لا تقبل الشك أو الجدال وهي أننا عبر التاريخ البشري الطويل لا نعثر على «الدين»، أي دينٌ واحدٌ موحَّدٌ، مطلقُ الوضوح والبداهة، ومعترفٌ به عند الجميع، بقدر ما نعثر عبر التاريخ البشري على «أديان عدة» مختلفة. إذن، فالتعددية الدينية واقع تاريخي واضح لا مفرَّ منه. هذا الواقع (التعددية الدينية) صادر عن وحي حقيقيٌّ، صادرٌ من الأصل الأول أو الأساس الأخير لكل الوجود، وهو الله ذاته. كما أن التعددية الدينية تأكيد لمبدأ «محبة الله الشاملة المطلقة» للبشر.

وليس باختزال الفوارق بين الأديان يُقْبَلُ مبدأ التعددية الدينية، بل إن مبدأ التعددية الدينية من الضروري أن يحترم مبدأي «الهوية والغيرية»، فعلى سبيل المثال، كيف يمكن للهندوسية أن تعرف نفسها دون مرجعيتها الأصلية إلى كتب الفيدا التي في اعتقادها هي مصدرها الأول والأساسي؟ وكيف للبوذية أن تعرف نفسها دون مرجعيتها الأساسية إلى خبرة بوذا وأقواله، فهو مؤسسها ومنبع إلهامها؟ وكيف للمسيحية أن تعرف نفسها دون مرجعيتها الجوهرية إلى الفردية المطلقة لشخص المسيح؟ كيف للإسلام أن يعرف نفسه دون مرجعيته الأصلية لنبيه المرسَل وكتابه المُنَزَّل، وهو القرآن الكريم؟ وهلم جرًّا. على العكس، فبأخذ «الفوارق» الدينية على محمَل الجد وبكامل معناها الخاص نضع أنفسنا على طريق التلاقي الحقيقي فيما بين الأديان.

ومستقبل الأديان في عصر العولمة يتوقف على متطلبات أساسية، منها: معاودة الرسالة الأصلية لكل دين. فلنفكر على سبيل المثال، في اللقاء مع شخص المسيح بالنسبة للمسيحيين، أو الوحي القرآني بالنسبة للمسلمين. إن تلك الخبرات الدينية الأصلية ظلت ولا تزال تمثِّل عنصرًا قويًّا ومعنًى عميقًا لحياة الملايين والملايين من البشر؛ لأنها توفِّر لهم المعنى الحقيقي والأساس لوجودهم. إلا أنه على مدى التاريخ فإن تلك الرسالات الدينية الأصلية قُرِئَتْ فأُوِّلت وطُبِّقت بأشكال مختلفة جدًّا. ولا شك أن هذه الأشكال يمكن أن تكون تطورات وتعمقات صحيحة للرسالة الأصلية الأولى. إلا أن كثيرًا منها صارت، وبالفعل حدث هذا مرارًا، انحرافاتٍ وتنازلات، بل تعتيمات عن معناها الأصلي.

ومن ثم، فهناك سؤال أساسي وحتمي يفرض نفسه على كل تقليد ديني: ما تلك الخبرة الأساسية المؤسِّسة لهذا الدين، أو ما هي رسالته الأصلية الأولى؟ ماذا يتبقَّى من تلك الرسالة حيًّا وفعالًا الآن لذلك الدين في عصرنا الحالي؟ إن سؤالًا كهذا لا يمكن تجنبه، ولا سيما في سياقنا الحاضر لإنسانيتنا المُعولَمة. من ثمَّ نجد أن كل دين يحمل في طيَّاته بلا شك نواة أصيلة مميِّزة ونابعة من الخبرةِ المؤسِّسة له. إلا أن هذه النواة الأصيلة يجب استعادتها ومعاودتها وعصرنتها بمقاربة جديدة ونقدية لها عبر كل التقلبات التي قد طرأت عليها على مرِّ الزمان.

وأيضًا من المتطلبات، ما يتعلق بمواجهة الحداثة المعاصرة وألا يُنظَر إليها على أنها شرٌّ مطلق، يجب محاربته بالطرق كافة، كما لا يزال يقال في كثير من البيئات الدينية الأصولية المعاصرة. إن الحداثة تعني في المقام الأول «بلوغ العقلِ البشري أَشُدَّه ونضجه»، وهذا في حد ذاته يمثل نموًّا إنسانيًّا إيجابيًّا، بل ضروريًّا في مسيرة الكائن البشري عبر التاريخ. وبالرغم من ذلك نحذر من خطورة تنصيب العقل البشري كمبدأ مطلق مسيطر على الكل، خصوصًا أن المواقف العقلانية المتطرفة قد أدت إلى اندلاع حركات «غير عقلانية» دفعت البشرية إلى كوارث مُفزِعة. ولعل الحربَيْنِ العالميتَيْنِ في القرن المنصرم أبرز دليل على ذلك. ومن هذا المنطلق كل دين في عصرنا ما بعد الحداثي مطالب بلا شك أن يحقِّق توازنًا حقيقيًّا ومُقنعًا بين الإيمان والعقل، وإلا فلن يكون له مستقبل مفيد للبشرية. وزيادة على ذلك: إذا كان الرومان القدماء قد قالوا قولهم المشهور: «العقل السليم في الجسم السليم»، فأكمله بقولي: «الإيمان السليم في العقل السليم»، فإذا فسد العقل، فسد الإيمان.

ومما لا شك فيه أن الحوار مع الأديان الأخرى أصبح الآن أمرًا مهمًّا بل ضروريًّا لكل دين يريد أن يكون عاملًا إيجابيًّا في قريتنا العالمية. ومن هذا المنطلق فإن دين الغد إما أن يكون دينًا قادرًا على حوار حقيقي إيجابي مع الأديان الأخرى أو لن يكون البتة؛ ربما لأنه يكون في هذه الحالة قد تحوَّل إلى أيديولوجيا بشرية بحتة، أو اختزل في طائفة دينية قبليَّة محدودة في دائرة مغلقة من البشر. ومتطلب آخر، يتجسد في الالتزام بمبدأ العدالة بين البشر لأمر مكتوب بكلمات واضحة ليس في الديانات الإبراهيمية (المعروفة أيضًا بالسماوية) الثلاث، وهي: اليهودية والمسيحية والإسلام فحسب، إنما له دعم واسع وأصيل في تقاليد كبرى الأديان العالمية الأخرى. خلاصة القول: إنه على كل دين في وقتنا الحاضر أن يلتزم حقَّ الالتزام بالعمل الجادِّ من أجل العدالة في العالم على مستوياتها كافة من أجل خلق «أنسنة عالمية» للإنسان كإنسان فردًا وجماعةً.

الاستشراق الإيطالي

  إلى أي مدى ساهم الاستشراق الإيطالي في دراسة الشرق عامة والتصوف الإسلامي خصوصًا.. وهل يمكننا القول: إن العلاقات التاريخية بين روما والشرق جعلت الاستشراق الإيطالي الأكثر قدرة على فهم العالم الإسلامي؟

  العلاقات المصرية الإيطالية وطيدة جدًّا منذ القدم، ومرت بمراحل تاريخية مختلفة، ولو حاولنا تتبع العلاقات المصرية الإيطالية في القرن العشرين، فهناك كتاب شائق بهذا العنوان: «العلاقات المصرية الإيطالية» تأليف الدكتور مرسي قطب.

وفي القرن الماضي كانت الجالية الإيطالية كبيرة في مصر، وكان لها دور ملموس في الحركة الثقافية والسينما والمسرح والنحت وفنون أخرى. كما كان هناك أساتذة إيطاليون يقومون بالتدريس بجامعة القاهرة، ولعل أشهرهم المستشرق الإيطالي الشهير كارل ألفونسو نللينو «1872- 1938م»، ومن المعروف أنه كان أستاذًا لطه حسين وعبدالرحمن بدوي وغيرهما من كبار المفكرين المصريين.

أما القول: إن الاستشراق الإيطالي لديه قدرة أكثر على فهم العالم الإسلامي فلا يمكنني الجزم بذلك. صحيح أن عددًا كبيرًا من المستشرقين الإيطاليين لديهم خبرة جادة حقيقية بالعالم الإسلامي من أمثال: ماسيمو كامبنيني «1954- 2020م»، وباولو برنكا «1957-»، وغيرهما كثر، لكن الأمر نفسه موجود في دول أوربية أخرى. ربما يكون الفارق أن إيطاليا من بلدان المتوسط، وهناك بعض الأمور المتشابهة بين بلدان البحر المتوسط.

  بعد تكريمك الأخير في المؤتمر الدولي بميلانو، هل ترى أن رحلتك عبر نصف قرن من الدراسات والبحوث قد آتت أكلها؟

  صعب بالنسبة لي الإجابة عن هذا السؤال؛ فالأوراق البحثية الكثيرة التي قُدِّمَتْ عني وعن أعمالي حقًّا أسعدتني، خصوصًا أن أغلبها من أساتذة مصريين من جامعة بورسعيد. كما أن هذه الأوراق البحثية التي قُدِّمَتْ في مؤتمر ميلانو قد تناولت أغلب أفكاري وتحاورت معها بشكل إيجابي جدًّا. وهنا اسمحي لي أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم في هذا المؤتمر وكذلك للباحثين الجادين الذين تفاعلوا مع أفكاري. وفي النهاية أقول: تقع علينا مسؤولية كبيرة تجاه الإنسان المعاصر، لتحقيق الحوار الجاد بين البشر، وللعمل من أجل العيش المشترك والسلام الثابت، لقد حاولت القيام بذلك على مدار نصف قرن من العمل الأكاديمي، وأتمنى أن يكمل الآخرون هذه الرسالة الإنسانية.

آيريس مردوخ: الكتاب البارع يحمل في طياته اضطرام لا وعي المؤلف

آيريس مردوخ: الكتاب البارع يحمل في طياته اضطرام لا وعي المؤلف

آيريس مردوخ (1919- 1999م) أديبة وفيلسوفة إنجليزية من أصول أيرلندية. تتمحور أعمالها حول موضوعات الخير والشر، ونظم الأخلاق، وقوة اللاوعي. ومن بين أبرز مؤلفاتها «البحر، البحر»، التي فازت بجائزة البوكر في عام 1987م، و«الأمير الأسود»، و«الكتاب والأخوية»، و«الفارس الأخضر»، و«رأس مقطوع»، و«الفتاة الإيطالية»، و«سطوة الخير». في هذا الحوار، المنشور في مجلة (Literary Review) عدد إبريل عام 1983م، وأجراه جون هافندن، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة شيفيلد بإنجلترا، تطرقت آيريس إلى روايتها «تلميذ الفيلسوف» المنشورة وقتذاك، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، وإستراتيجيات عملية الكتابة.

  «تلميذ الفيلسوف» رواية قوية عن عاطفة وهوس مبهمين. وتعد أول رواية تسلطين فيها الضوء على الفيلسوف، كأنك تتحدين وصف النقاد لكِ بالروائية الفيلسوفة.

  تركز الرواية على العلاقة بين التلميذ والأستاذ، التي انخرطت فيها طيلة حياتي في كلا الدورين. إنها علاقة مهمة ومؤثرة. على الرغم من أنني أكتب عن الفلسفة الآن، فإن الشخصية في «تلميذ الفيلسوف» تتحدث عن الفلسفة عرضًا وليست باعتبارها جزءًا من القصة.

  لم يكن هدفك أن تكون الرواية عن فيلسوف بعينه؟

  كلا، لكني أعتقد أن الفلسفة موضوع يدفع بعض الناس إلى القنوط. إنها في غاية الصعوبة للعقل البشري. لو كنتَ مؤرخًا للتاريخ القديم أو عالم لغات ستمارسُ دائمًا شيئًا هو جزء من وظيفتك. غير أنك لو لم تمارس الفلسفة بصورة سليمة فإنك لا تمارسها البتة.

  هل تقصدين أن الفلسفة تتطلب ذهنًا منظمًا وصارمًا، أو عقلًا بمقدوره التعايش مع حقيقة أن المسعى النهائي للفلسفة الأخلاقية لن يكتمل أبدًا؟

  من المستحيل ممارسة الفلسفة الأخلاقية من دون إبراز القيم الذاتية، ومثلما ذكرت أن الفضيلة بعيدة المنال. إنه موضوع بعيد الغور، لا يسعه أن يكون موضوعًا ميتافيزيقيًّا، وهذا ما يزيد من اهتمامي به.

  ثمة فقرة في الرواية قد تكون صعبة على القارئ الذي لم يطالع أعمالك الأولى، عندما دارت محادثة طويلة ومهمة بين الفيلسوف وبين الأب برنارد، الذي تنتابه شكوك موجعة.

  أجل، أظن أنه حوار مهم، يطرح مسائل واقعية، لكنه -بلا ريب- غير حاسم. إنه ضروري للشخصيات، وإلا ما كنت أدرجته في القصة.

  ثمة تماثل بين جون روبرت وشخصية بروسبيرو، في هيمنته على الشخصيات الأخرى وتقرير مصيرها، ولا سيما هاتي وتوم، الشخصيتين المترعتين بالأمل والبراءة. بينما يلعب جورج، تلميذه السابق صاحب المزاج الغاضب والمتخبط، دور كاليبان. إلى أي مدى تستخدمين مسرحية «العاصفة» أساسًا أسطوريًّا للرواية؟

  لطالما كانت «العاصفة» في ذهني، مثلما كانت معي في «البحر، البحر»؛ فكرة التخلي عن السحر، والعلاقة بين الدين والسلطة، إلخ. إن جون روبرت يتمتع بشخصية قوية، ولا يسعه إلا أن يمارس السلطة. لا تركز الرواية على طبيعة الفلسفة، بل على طبيعة السلطة في العلاقات البشرية. يتصف جون بشخصية نافذة وربما مدمرة. وبالطبع يخطئ في حق جورج، فكان ينبغي له أن يدعه، ويتصرف بلطف معه، ويكون أقل قهرًا. لكنّ هناك نوعًا من العقل الفلسفي يكون مطلقًا جدًّا فيما يتعلق بالفلسفة، ويطغى هذا على الحياة الواقعية متمثلًا في شعور أنه لا بد من أن يمتلك الحقيقة المثالية ولا يراوغ الأمور. يكره جون روبرت المواقف الفوضوية والعاطفية. بينما يتصرف جورج بالطريقة ذاتها لإثارة غضبه، وهو ما ينشده بصورة جزئية، إنه يريد دراما الانفعالات التي ستربط بينهما.

  تكتبين مسودتين -على الأقل- لكل رواية. اشرحي لنا كيف شرعتِ في كتابة هذه الرواية.

  أكتب المسودات بعدما أنهي الرواية. إن الابتكار هو الأمر الأشق، وكل شيء ينتهي حالما أفرغ من الابتكار؛ لأنه يقتضي تفصيلًا دقيقًا. لذا أكتب المسودات بعد مرحلة متأخرة نسبيًّا من العمل في الرواية.

  أعلم أنكِ شعرت بالصراع بين تحديد شكل الرواية والسماح للشخصيات بالحصول على حياة ممكنة وغير مقيدة.

  لا أخشى أن يطغى عليّ أسلوب كاتب آخر؛ فالأمر لا يتعلق بأن يهيمن عليّ شكسبير أو غيره. بل متعلق بالخوف من أن تستحوذ عليّ ذاتي وأساطيري القوية. ومن المستحسن أن هذه الرواية تتسم بالتشعب وتعدد الشخوص. كما أظن أنها تطرح موضوعات عدة، جادة ومهمة. وأتمنى أن توجد الشخصيات بالطريقة التي تحلو لها.

  يتصل ذلك بمسألة التعبير عن الذات؛ بمعنى أن الكاتب قد يولي الآخرين اهتمامًا مفرطًا أو يستخدم الرواية منبرًا لمخاوفه وهواجسه الشخصية.

  إن الأمر ينبع من الاهتمام بالآخرين. لكن الكاتب سيستعين حتمًا بمخاوفه ورغباته. إن الكتاب البارع لا بد من أن يحمل في طياته اضطرام لا وعي المؤلف.

  عطفًا على إجابتك، ما المخاوف والرغبات التي تحملها هذه الرواية؟ وهل لها علاقة بالصراع بين الفلسفة والفن؟

  كلا، لا أشعر بوجود هذا الصراع، عدا أن كلا المسعيين يستغرقان الوقت. إن هذه الرواية تنصب أكثر على السلطة، والعزلة المترتبة عليها، وإساءة استخدام جون روبرت لنفوذه، بالإضافة إلى قنوطه الفلسفي. إن آلامه تنبع من شعوره بأن الفلسفة تلامس المستحيل. ويتراءى لي أنه إحساس يستشعره جميع الفلاسفة. وأنا على ثقة من أن أفلاطون وكانط قد شعرا به. يستحيل على العقل البشري التغلب على الأشياء التي تقضُّ مضجعه. إنه الشعور باستحالة أن تكون إنسانًا صالحًا، فالبشر محكوم عليهم بأن يكونوا طالحين، بل حتى أشرارًا، وكذلك استحالة التعبير عن أسس الأمور.

متعة الخلق الروائي

  هل ينشد الفيلسوف السلطة؟

  نعم. يريد أن يكون إلهًا، ويود أن يرى كل شيء.

  هل تعد كتابة الروايات وقت راحة لكِ؟

  كلا، كتابة الروايات هي شغلي الشاغل، وأراها مهمة جادة. لطالما أردت أن أكون روائية، لكني تمنيت أيضًا أن أغدو عالمة آثار ومؤرخة فنية، حينما كنت في أُكسفورد. ولم أستطع استكمال مساري في تاريخ الفن لأنني عملت في وزارة المالية بعدما أنهيت الجامعة. وأخذني الدرب بعيدًا من العالم الأكاديمي. لكن مع نهاية الحرب تملكتني رغبة قوية في أن أكون فيلسوفة. وددت أن أصير مؤرخة فنية لعصر النهضة، وفي وقت آخر أردت أن أكون رسامة. كنت أرسم أحيانًا لكن لم أتلقَّ تدريبًا؛ لذلك كان مجرد حلم يقظة. إنني أحسد الرسامين، وأعتقد أنهم سعداء. إن الرسامين ينغمسون في مهنتهم طيلة الوقت؛ فالعالم المرئي الذي أعشقه، ماثل دومًا أمامهم، وبوسعهم التفكير في عمل يستلهمونه من الضوء، إلخ. إنهم يقضون وقتًا لطيفًا مع أعمالهم.

  هل تقضين وقتًا لطيفًا في كتابة الروايات؟

  نعم، إنني أستمتع كثيرًا بكتابة الروايات. بيد أن بداية الرواية يكون وقت تعذيب رهيب؛ لأنك تتعامل مع قطع عديدة ميتة، ويتحتم عليك الانتظار طويلًا لأي حركة.

  تتم عملية الكتابة أيضًا في عزلة وانزواء، وتمنعك من ملاحظة الآخرين ومرافقتهم.

  يدفعني هذا أحيانًا إلى كتابة المسرحيات، فمعها أجد الصحبة! إنني أستمتع بمهنة التدريس في الجامعة. لكني لا أتعاون مع أي شخص في كتابة الروايات.

  تقصدين أنكِ لا تناقشين أعمالك في أثناء كتابتها مع أي شخص، حتى مع زوجك؟

  نعم، إنه يقرأ الروايات حينما أفرغ من كتابتها تمامًا.

  هل تظنين أنكِ تأثرت بعمله ناقدًا؟

  لا أظن أنني تأثرت به في عملي روائية. لكن حينما تقضي سنوات طوالًا مع شخص، سيرتبط ذهناكما ارتباطًا وثيقًا. غير أنه لا يقوم بأي عمل نقدي في رواياتي.

  لا بد أن عملك في إدارة الأمم المتحدة للإغاثة والتأهيل في نهاية الحرب كان عذابًا.

  أجل. كان عملًا غير عادي. كان يتعلق بالنازحين اليوغسلافيين والبولنديين. وكنا نقضي معظم الوقت في توفير الطعام للناس.

  ما الانطباعات التي تركتها فيكِ هذه التجربة؟ هل يغلب عليها شعور العناء والقلق؟

  نعم، الفوضى وحزن العجائز. لقد ساعدت كثيرًا من الشباب على المجيء إلى إنجلترا. لكن المشكلة كانت ضخمة حتى إن المرء لم يستطع تقديم الكثير، عدا الطعام وحسن المعاملة. كان هناك انهيار تام للمجتمع.

  تتسم رواياتك بتصوير الشخصيات المكبوتة أو المثبتة بسبب حيواتها السابقة، أو أحداث معينة، أو مواقف يصعب الهروب منها، مثل هيلاري بورد في «طفل الكلمة»، وتشارلز أروبي في «البحر، البحر».

  من السمات الجلية في البشر أن يتملكهم الندم أو تسيطر عليهم خطة لتسيير حياتهم، وربما تبوء بالفشل. وأظن أن ذلك من بين الأشياء التي تحول بينهم وبين أن يكونوا أخيارًا. لماذا لا يكون الناس أخيارًا؟ ولماذا يقترفون أفعالًا ذميمة، وهم ليسوا بأشرار ولا يضمرون نوايا خبيثة؟ إن شوبنهاور، الذي أقدره كثيرًا، بارع في هذا الموضوع التراجيدي. يعجز بعض البشر ممن ليسوا سيئين عن منع ذواتهم من ارتكاب أكبر أذى في حق الآخرين. إن امتلاك حيوات خيالية وسرية خصيصة مميزة للنفس البشرية. والسرية عند البشر أمر جدير بالاهتمام، والروائي يغالب هذه السرية محاولًا الفهم. يخبرنني القراء أحيانًا أنني أصور شخصيات غريبة. والحقيقة أن الأفكار السرية للآخرين وهواجسهم وخيالاتهم هي التي تثير الدهشة، لكن الناس لا يبوحون بها. وربما يُعزى هذا لشعورهم بالخجل والعار، أو لكون السرية حالة طبيعية ومناسبة.

الروائي وشخصياته

  ذكرت في موضع آخر قصور التحليل النفسي؟

  أجل، لكن ليس بصورة نظرية. لا أقصد أنني درست أعمال فرويد ووجدتها دون المستوى المطلوب، على الرغم من أنني طالعت كثيرًا منها. استمتاعي بقراءة فرويد مردُّه حصولي على أفكار شتى منه. فضلًا عن أنه مفكر عظيم وجدير بالاهتمام. ولكن إحدى تبعات التحليل النفسي هي تركيزه بصورة أكبر على النفس، والتفكير مليًّا فيها. بينما أفضل علاج للبؤس هو مساعدة الآخرين. وفي ظني أن التحليل النفسي يمكن أن يساعد الآخرين بوصفه نوعًا من الإسعاف الأولي. إن المحلل السيكولوجي يعد أداة خامًا إلى حد ما، وبوسعه أن يكون شخصًا يهتم بالأفراد. وأرى أن أفضل المحللين هم من يستحثون في مرضاهم الشعور بالقيمة والأهمية؛ إذ يسهل على الناس الشعور بضياع أو تشوه قيمتهم. وقد يقوم المحلل بدور كبير في استنهاض الأمل بداخلهم. إن الأمور النظرية لا توضح ما يفعله المحلل السيكولوجي. لكن المحلل البارع يدرك أن النظرية تلهمه وربما تفيده. وواقع الأمر أن العلاقة بين المحلل ومريضه هي علاقة خاصة وحساسة ولها طابع سري.

  هل تظنين أنكِ تكشفين اهتماماتك النظرية وليست الشخصية؟

  اهتماماتي النظرية لا تندس كثيرًا في رواياتي. بل تتكشف عبر الشخصيات، التي قد تناقش بعض المسائل بصورة نظرية. إن إقحام الكثير من التنظير أمر محفوف بالمخاطر وقد يعرقل سير الرواية، لكنه لا يستهويني. غير أن المعرفة والبراعة والفهم أمور في غاية الأهمية بالنسبة للروائي وتعود عليه بنفع عظيم.

  ذكرتِ أن الشخصيات الشريرة تحظى بجاذبية غير شرعية؟

  هذا صحيح وفي الواقع أيضًا. إن تحويل حياة المرء إلى دراما والشعور بأن لديه قدرًا هو إغراء بشري معروف. إنه عنصر جذاب في الحياة، وهو عنصر خطير جدًّا؛ لأنه عدو للدين ولمفهوم الخير. وأظن أن المرء يتوحد مع الشخصيات الشريرة في الكتب؛ فالشعور بأن الشيطان يغريه ويعطيه قوة مقابل تخليه عن الخير، الممل غالبًا، يعد فكرة متأصلة في النفس البشرية.

  يتراءى لي أنكِ تشعرين بالارتياب بشأن فرض شكل على الرواية لأسباب فنية وأخلاقية، ولأن الشكل قد يصير طعنًا في الواقع؟

  إن الشكل القوي يميل إلى تقييد الشخصيات. وقد راودني هذا الشعور في رواية «رأس مقطوع»؛ لأن الميثولوجيا القوية بوسعها أن تتدفق في شكل من الكتابة التلقائية وغير المفاجئة. إن الكتابة البارعة مترعة بالدهشة والابتكار، وتتحرك في اتجاه لا يمكن توقعه. ولا بد من أن تكون الأسطورة حاضرة والشكل ماثلًا. لكن ينبغي للكاتب أن يردع الشكل عن تحديد المشاعر المسيطرة على الكتاب بالعمل في اتجاه مقابل؛ بالقيام بشيء لا ينتمي إلى عالم السحر.

  لكن حينما تخططين للشخصيات والحبكة أولًا فإنكِ بذلك تفرغينها من تحررها المحتمل.

  لا، لأن هذا ينبغي أن يحدث بصورة مبتكرة أيضًا، أي الكيفية التي بواسطتها يدمر الكاتب الأسطورة أو يحجبها. إنني أكون واعية بهذا الصراع في البداية وأستفيد منه مرارًا.

غاية الفن

  كتبتِ أن الفن هو «مفتاح عظيم للأخلاق». أعتقد أنكِ تقصدين أنه يجب وجود بعض الإقحام التعليمي أو الإرشادي في الرواية. في حين يرى بعض المنظرين أن الرواية ليست إلا لعبة تخمين.

  أجل، هناك لمسة تعليمية في رواياتي. أظن أن الروائي يجب أن يكون صادقًا. إن الروايات الرديئة تنبئ بالعديد من أحلام اليقظة؛ كحلم السلطة، إلخ، وقد يكون هذا مقيتًا. لكن الطبيعة العارضة للحياة، إضافة إلى عيوب البشر، ورغبة المرء في أن يكون صالحًا، كل هذا صعب جدًّا. ومن هنا يأتي الصدق؛ أن تتوقف عن قول أشياء كاذبة.

  ومع ذلك قد يكون التطلع إلى قول الصدق أمرًا سخيفًا للروائي، نظرًا لوجود العديد من المكونات والمتغيرات في الرواية، بما فيها التشخيص، ونمط الأحداث، والأسطورة، والأخلاق.

  كل هذه الأمور مجتمعة. إن الرسام السيئ يكذب لأنه لم ينظر بشكل حقيقي، كما نظر رامبرانت. وتقوم الحقيقة والعدالة بدور في هذا الشأن؛ لأنه ينبغي للفنان التمتع بحكم عادل ونزيه. وأظن أنه ليس أمرًا سخيفًا، بل مهمة متواضعة لو اتبعها بشكل سليم. لكن المرء تسيطر عليه أيضًا رغباته ونوازعه. ويمتزج الصدق والسعادة معًا بشكل مثالي، ومن ثم تكون السعادة مضاعفة حينما تسير الأمور بصورة جيدة. إن الأعمال الفنية تبث في النفس السعادة والفرح. حتى مسرحية «الملك لير» تثير الجَذَلَ في النفس، ولذلك فهي تقترب من حافَة المستحيل؛ لأنك تفرح بعمل فني على الرغم من أنه يدور حول موضوع رهيب.

  شخصياتك الصالحة أو الطيبة، مثل تاليس في «هزيمة مشرفة»، أو الشخصيات الطامحة إلى السلوك القويم مثل الكونت وان في «راهبات وجنود»، قد تتحول إلى شخصيات غير مؤثرة؛ أشبه بمعايير أخلاقية تقترب من الرمزية. الشخصية الفاضلة تتصرف بطريقة محايدة ومن ثم قد تصير مملة ومضجرة، مثلما أشرتِ سابقًا.

  أجل، هنا تكمن المفارقة. لكن تاليس شخصية مجازية يمثل المسيح، وعدوه اللدود يوليوس يراه كذلك. إن تاليس شخصية رمزية، ووظيفته أن يكون صالحًا. والمرء يميل إلى التفكير في أن الشخصية الصالحة ليست قوية. لكن تاليس قوي. أما الكونت فشخصية بريئة ونبيلة، وليس طيبًا بالمعنى الحرفي؛ فالشخصيات الطيبة المحضة لا نقابلها في الحياة العادية.

  يظن بعض النقاد أن رؤيتك بشأن عجز البشر عن التحسن هي رؤية قاصرة.

  أعتقد أن من يتأمل الأحوال المحيطة سيوافقني الرأي. قد يتحسن المرء قليلًا، لكن الغرور قوي وطبيعي بصورة مرعبة. حينما يفكر المرء في بلوغ الصلاح، أو حتى تحسين نفسه بشكل ملحوظ، إنما يفكر في شيء يتعارض مع الطبيعة.

  ما المهمة الحقيقية للفن في رأيك؟ أهي المواساة، أم التعليم، أم المتعة الخالصة؟

  يتراءى لي أن المتعة الخالصة هي الإجابة المناسبة. ينبغي للمرء العيش مع الفن الجيد، وليس إدمان الفن الرديء، الذي يكون محبطًا ومخيبًا للآمال. إن الفن الجيد هو متعة مجردة وغبطة. كما يتعلم الإنسان كثيرًا من الفن؛ وكيفية النظر إلى العالم وفهمه. إنه أسلوب تفكير، ولهذا السبب يعد تدخل الدول الشمولية في عمل الفنانين جريمة بشعة. يجب أن يُترك الفنانون وشأنهم، وينبغي للنقاد أن يتركوهم وشأنهم أيضًا. إن الفنانين -في الأساس- أرواح حرة. والفن ميدان شاسع للتفكير. ولهذا السبب من المهم وجود فن حر من المنظور السياسي؛ لأن الفن ساحة مستمرة للتفكير الحر. إنه نمط للتأمل والمعرفة. والفن الجيد قد يعلمك بعض الأمور، لكنه لا ينبغي أن يهدف إلى التعليم. إن مهمة الفنان تكمن في ابتكار أعمال فنية بارعة. والرواية هي نمط إيضاحي وتفسيري، فلا يسعك إلا أن تشرح الشخصيات وتتأمل دوافعها. والروائي هو القاضي بين هذه الشخصيات. ومن الصعب عليه أن يكون قاضيًا عادلًا. إنه يميط اللثام عن أخلاقه ومبادئه -بطبيعة الحال- في الرواية التقليدية، ويجدر به فعل ذلك.

تلازم ووعي مقاوم.. تسريد الحرب في الرواية السودانية

تلازم ووعي مقاوم.. تسريد الحرب في الرواية السودانية

مدخل: تهدف هذه الكتابة إلى تقديم قراءة مزدوجة عن الحرب وتأثيرها وكيفية تناولها داخل متن السرد السوداني على مستوى النصوص الروائية، وعلى المستوى التخييلي والاجتماعي- المعرفي، كما تحاول في الآن ذاته رصد واستكناه مواقف السراد -كُتّاب الرواية- السودانيين وتبيان حجم تفاعلهم أو تورطهم في الحرب الدائرة الآن في السودان ما بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. أتناول بالقراءة عملين روائيين رأيت أنهما قدما تشريحًا فنيًّا وسرديًّا دقيقًا لتأثيرات الحرب في السودان، سواء تلك التي ارتبطت بالحروب السودانية القديمة أو ذات الارتباط المباشر بالحرب الدائرة الآن. ومن خلال هذا الرصد أرمي إلى مقاربة القدرة الرؤيوية التي استبطنتها هذه الأعمال، وتمظهرت إما في شكل موقف تحذيريّ/ تَنَبُّئِيّ من نشوب الحرب الكبرى، أو طرح أسئلة مفتاحية تتعلق بالإشكالات المجتمعية المتولدة عن أثر الحروب السودانية السابقة، وكان من الممكن عن طريق الإجابة عنها، تلافي كثير من التعقيدات المجتمعية والثقافية التي قادت إلى الوضع الكارثي الذي يواجهه السودان الآن.

واخترت ثلاثة من كتاب السرد السودانيين كشفت مواقفهم المعلنة إثر الحرب الأخيرة عن التورط المباشر في وقائع الواقع المتشابكة والمعقدة التي تتفوق أحيانًا على الخيال نفسه، مثلما حدث في الحرب الأخيرة بكل تداعياتها المحزنة. كما أطمح من وراء هذا الاختيار بناء رؤية تخييلية لما يمكن أن ينتجه مخيال هؤلاء الكتاب إن أتيح لهم إنتاج أعمال سردية- روائية وقصصية أو سيرية-و تتناول تداعيات ما يمكن أن نطلق عليها حرب الخرطوم، المتوجة لكل الحروب السودانية السابقة لها.

تأسيس نظري

«إن الحرب في الحقيقة ليست سوى الإفصاح عما ترمي إليه السياسة. إن إخضاع السياسة لوجهة النظر العسكرية لغو؛ لأن العامل السياسي هو الذي يقرر الحرب، ويرى أنه يجب أن نسعى إلى الحرب بكل ما لدى الأمة من طاقات، ثم الدخول في معركة متكافئة. إن الميل لسحق العدو أمر ملازم لفكرة الحرب، والنصر أليس سوى مرادف للإبادة؟».

ما المراد بأدب الحرب؟

هل هو كل كتابة أدبية تناولت بشكل من الأشكال صورة أو ملمحًا للحرب أو المعركة أو القتال؟ هل الكُتاب معنيون ضمن مشروعاتهم الإبداعية بملاحقة ومتابعة آثار الحروب والكتابة عنها بصورة يقصد منها الدفع المعنوي أو الإعلامي… إلخ.

الحرب بما تمثله من هاجس إنساني ظلّ يؤرق البشرية في كل مراحل تاريخها الممتد لملايين السنين؛ وبما تمثله دومًا من تهديد لاستمرار هذه البشرية وجودًا على سطح هذا الكوكب بصورة آمنة؛ وبما تعنيه أبدًا من تهديد لكل القيم النبيلة والخيرة والإنسانية. تحت كل هذه المعاني أو المسلمات يصبح من حق الإنسان مقاومة ومدافعة هذا الشيء الكارثي الذي نسميه حربًا، معركةً، قتالًا،… إلخ.

انطلاقًا من هذا التأسيس يصبح لزامًا على الكاتب -المثقف، المبدع- اتخاذ موقف تجاه هذه الفكرة الانهزامية، بالوقوف ضدها، وبالانحياز لكل ما يمكن أن يحقق السلم والأمن ويجتث الحروب من جذورها. هذا الموقف من الكاتب أو المثقف يرتبط ارتباطًا عضويًّا بالكتابة والمنتوج الأدبي أو الإبداعي، بمعنى أن مقاومة ومحاربة التشوهات الإنسانية والانحرافات المجتمعية -الحرب أسطع صورها- هي أساس من هموم الكتابة والإبداع بصورة عامة؛ وهذا يعني أن الهم التاريخي المجتمعي والإنساني أحد الشروط الأساسية التي تنبني عليها الكتابة الإبداعية. هذا، على الأقل، بالنسبة لما أكتبه وأتبناه ضمن مشروعي الإبداعي. فكتابة لا تحفل بالمتغيرات المجتمعية وما يعتريها من تفكك وانحلال- نتاج ظواهر في ظاهرها الغموض والانبهام وفي بروزها المباغتة، وإن كانت تتكون ببطء وفي غفلة من الجميع- هي غير جديرة بالتوقف عندها؛ على الأقل تحت الظرف التاريخي الراهن، محليًّا وعالميًّا؛ إذ كيف يمكن أن تُكتب وموت مجاني مجنون يحاصر الجميع؟

يجب عدم الفصل بين ما هو إبداعي وما هو اجتماعي «سياسي- تاريخي». هذا يستدعي أيضًا إيضاح أن هذا الدمج أو هذا الحمل المزدوج للهمّين الإبداعي والاجتماعي يحدده ويشرطه في حالة الكتابة الإبداعية، الأدبية، مدى توافر الأدبية والإبداعية في هذا المنتوج الإبداعي؛ فليس كل كتابة اتخذت من الحرب -مثلًا- مدخلًا للإبداع هي كتابة إبداعية، كما ليس كل كتابة اجتماعية تدثرت بدثار الأدب هي كتابة إبداعية، وهذا معلوم بالضرورة للمشتغلين بالأدب.

ثمة ملاحظة أخيرة تتصل بالمعنى المراد لمصطلح «أدب الحرب» وهي أن هذا المصطلح يتحدد خلال هذه الكتابة بمنأى عما أصطلح على تسميته بالأدب المعنوي أو الأدب التعبوي؛ إذ إن هذا المصطلح- ضمن هذه الكتابة- يعمل على شجب الحرب وإدانتها إطلاقًا دون موقعتها تحت أي تسميات إجرائية أو تبريرية.

حرب الخرطوم

منجد باخوس

دفعت حرب الخرطوم الأخيرة، أو حرب الخامس عشر من إبريل 2023م، كثيرًا من الباحثين والصحافيين إلى محاولة بحث الأسباب الحقيقية لاشتعالها، ومن ضمن الوسائل التي لجأ إليها هؤلاء الباحثون والصحافيون التنقيب في الرواية والسرد السودانيين، في محاولة جادة لالتقاط تفاصيل تفسيرية أنتجتها هذه الأعمال السردية، ولا سيما أن انشغال كتابها في السنوات الأخيرة كان منصبًّا بشكل ملحوظ على تناول موضوع الحرب سواءٌ تنقيبًا في المتن التاريخي السوداني، أو إسقاطًا على واقع الحروب السودانية الكثيرة بعد تكون الدولة السودانية الحديثة. وبالطبع أطولها الحرب التي دارت بين شمال السودان وجنوبه -قبل الانفصال- لأكثر من خمسين عامًا قُتِلَ خلالها أكثر من مليوني شخص. يقول الصحافي والباحث الإعلامي يوسف حمد: «هناك تقارب ورفقة ما بين بداية الحرب الأهلية في جنوب السودان (1955م) وتاريخ ظهور الرواية السودانية في ستينيات القرن الماضي، وكلما تطورت واحدة أمسكت بيد الأخرى حتى وصلنا إلى حرب دارفور الشرسة والحرب التي اندلعت حاليًّا». وكأنما يريد يوسف حمد أن يقول هنا: إن ترافق الرواية السودانية للحرب السودانية بدا وكأنه حالة وعي مصادم ومقاوم لهذه الحالة الاحترابية منذ بداية اندلاعها العنيف في خمسينيات القرن المنصرم.

عشرات الأعمال الروائية والقصصية السودانية كان محور موضوعاتها الأساسي هو الحرب، سأشير هنا إلى بعضها قبل أن أعود وأركز على العملين المختارين للقراءة التطبيقية. من الأعمال المهمة التي تناولت الحرب بصورة مباشرة أو بجعلها ثيمة مخفية يستحيل قراءة العمل دون الإحالة إليها نجد أعمال كل من: أحمد حسب الله الحاج «فاشودة»، منجد باخوس «جمجمتان تطفئان الشمس»، عاطف عبدالله «قصة آدم: فوق الأرض- تحت الأرض»، الهادي علي راضي «فريق الناظر»، عماد البليك «قارسيلا»، أحمد حمد الملك «الحب في زمن الجنجويد»، أسامة الشيخ إدريس «النهر يعرف أكثر». وغيرها من الأعمال القصصية والروائية المهمة.

نماذج تطبيقية

العملان المختاران في هذه القراءة قدما شكلين من كتابة الحرب: الأول يعبر عن الحرب في التاريخ السوداني، والثاني يسائل أعنف وأطول الحروب في السودان وأكثرها تأثيرًا في مسيرته الحديثة. وجاء النموذجان في قالب روائي يستوعب التحولات التاريخية والاجتماعية العميقة التي أحدثتها هذه الحروب. كما أنهما وفقا إلى حد كبير في تقديم رؤية سردية متقدمة عن الحرب وفظائعها وتأثيراتها المجتمعية والسياسية والتاريخية، فهما بالتالي يصلحان تمامًا لعرضهما وفق المنهجية المتبعة في هذه القراءة.

النموذج الأول: رواية صقر الجديان

قدم القاص والروائي محمد سليمان الفكي في هذه الرواية صورة مرعبة لبشاعة الحرب وقدرتها على تدمير الفرد، والجماعة، والأمم والدول. فمن خلال سرد قصة صحافي التحق بالقوات الشمالية المحاربة في جنوب السودان، بهدف إعداد تقارير صحافية لصالح صحيفة القوات المسلحة الرسمية؛ نقترب بشكل مؤلم من مآسٍ وفظاعة أسوأ حرب شهدتها إفريقيا خلال القرن العشرين.

نجح كاتب هذه الرواية/ الإدانة، في نقل (الألم) من صورته التخيلية الأدبية ليقترب في معناه من المحسوس الموجع إلى درجة الغثيان. فقراءة هذا العمل هي تجربة مؤلمة للنفس والجسد ناتجة عن التعذيب والخوف والرعب والفقدان المتدرج للعقل، وكل ما يمكن أن تسببه الحروب البشعة من آلام للفرد (الجندي، المواطن، الأسير)، حتى الحيوان الهائم في غابة التوحش التي تماثل -للمفارقة- الجنة في مقابل وحشية الإنسان الذي في سبيل اللاشيء يمضي لإبادة كل أثر للحياة.

رمزية صقر الجديان (شعار دولة السودان) وعنوان الرواية ولقب إحدى الشخصيات الرئيسة، تأتي ملتبسة وشعرية وغامضة تتداخل مع التوحش والذكاء والجنون الذي يدمغ الرواية من بدايتها إلى نهايتها. إنه عمل بديع، لكاتب جبار.

النموذج الثاني: رواية شوق الدرويش

أثارت رواية شوق الدرويش للروائي السوداني حمور زيادة كثيرًا من الجدل حين صدورها، ومبعث ذلك الجدل تلك المنطقة التاريخية الحساسة التي اشتغلت عليها الرواية، وهي حقبة المهدية. فالرواية عبر ثيمات متداخلة عدة (الحرب، المهدية، الرقيق، الغزو الأجنبي)، تناولت جانبًا من التاريخ السوداني يكاد يكون غير مطروح بصورة كافية، أو تنتابه كثيرًا من جوانبه العتمة والتشويش، سواء من المؤرخ السوداني (المهزوم) أو المؤرخ الأجنبي (المنتصر). وعلى الرغم من أن الرواية عمل فني بحت لا يخضع للمراجعات العلمية والأكاديمية كما يحدث للكتابة التاريخية المتخصصة إلا أن شوقَ الدرويش وكاتبَها لم يَنجوَا من تُهَم التخوين وتزييف التاريخ…

في مدخل رواية شوق الدرويش يقول الراوي: «أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم في سبتمبر 1898 مع دخول الجيش المصري للبلاد انكسرت دولة مهدي الله». ربما وجد بعض نقاد الرواية في هذا المفتتح مدخلًا لتصنيف الرواية بأنها عمل ضد المهدية/ الوطن، لكن «هل كان الراوي يقصد هنا تحرير السودانيين من حكم المهدية- الوطني- الذي اتصف بالعنف والعسف؟ هل المقصود وفقًا لسياق النص تحرير سجناء سجن الساير سيئ السمعة بغض النظر عن جنسية السجناء وموقعهم الاجتماعي، سادة كانوا أو عبيدًا، وطنيين أو أجانب؟ أم هل المقصود بالتحديد هم العبيد، الذين يتمحور نص الرواية بشكل أساسي حولهم، متخذًا من شخصية «بخيت منديل» مرتكزًا أساسيًّا لتبئير السرد»؟ ما يعنينا هنا أن هذا المفتتح يشير بوضوح إلى الحرب العنيفة التي تعرض لها السودان في نهاية مدة حكم المهدية التي اتصفت بدورها بكثرة الحروب، حتى إنه بإمكاننا وصفها بأنها كانت لحظة حكم حربي ممتد منذ البداية إلى النهاية. حروب طويلة ومتعددة امتدت تأثيراتها حتى اللحظة الراهنة (الحرب الدائرة) متمثلة في شكل الاصطفاف غير المحسوس الذي حاول بعضٌ الترويج له، بأن حرب اليوم لا تختلف في ملامحها عن حروب المهدية الوطنية، أو بمعنى آخر «أولاد البحر ضد أولاد الغرب»، أو «الجلابة ضد الغرابة»، أبناء شمال السودان ضد أبناء غرب السودان!

يقول الكاتب محفوظ بشرى عن رواية شوق الدرويش: «على الرغم من التوتر والحساسية التي تعتري تناول هذه الفترة نظرًا إلى الاختلاف بين من يرونها ثورة وطنية طردت الاستعمار التركي، لكن تم تشويهها من قبل المؤرخين الأجانب. والفريق الآخر الذي ينظر إليها بوصفها حقبة من الإرهاب والقتل والترويع بسبب التطرف الديني وذلك بالاستناد إلى الروايات الشفهية المحلية وما سطره الناجون من الأسرى المصريين والأوربيين. لكن زيادة نجح في شوق الدرويش في استخدام أكثر المراجع التاريخية عن تلك الفترة فجمع منها التفاصيل والقصص التي أعاد استخدامها بسيناريوهات خدمت هدف الرواية الأساسي: سرد قصة الإنسان في تحولاته الوجودية التي لا يقيدها زمان أو مكان». المقطع السابق يعطي فكرة شبه كاملة عن أحداث الرواية، والأثر الذي أحدثته في تلك الحقبة (الإرهاب والقتل والترويع) حسب سياق الرواية، إضافة إلى الأثر الاجتماعي الممتد تاريخيًّا حتى وقتنا الحاضر محمولًا على سيرة بطل الرواية المسترق/ الحر مثلما تروي سيرته الروائية، وما تمثله بالتالي من سيرة للعتقاء وأحفاد المسترقين في المجتمع السوداني الحديث (الدولة الحديثة) ومدى تأثيرهم وتأثرهم بالتحولات التي صاحبت تاريخ الدولة الوطنية.

تفكك رواية شوق الدرويش المجتمع في العهد المهدوي، وتقدم صورة كاشفة لشكل العلاقات التراتبية لأفراد هذا المجتمع المقهور، وتبرز خلال ذلك وجهًا بشعًا للمهدية؛ تتحكم فيه الدولة الدينية القابضة والمتشددة، وتحرك مفاصله الحروب المتوالية بكل عنفها وعسفها، وما تطرحه من ظلم على هامش فظاعتها الميدانية داخل حواضر وقرى السودان الكبير: «اجتاح الدراويش الخرطوم عند الفجر. انهد السد فطاشوا بأنحائها. انتشروا كالجراد (…) قبل أن ينتصف النهار وصلوا. تحطم الباب وعبروا جثته إليهم. ذبحوا الأب بولس. أمسك به أربعة منهم وقطع خامس عنقه وهو يكبر الله».

تلخص رواية شوق الدرويش في أحد جوانبها واحدة من أهم السمات التي لازمت الدولة السودانية في حقبتيها الوطنيتين (المهدية وما بعد الاستعمار)، وهي سمة الحروب الداخلية العنيفة التي تواجهها الدولة القابضة ضد مواطنيها بمختلف مكوناتهم السياسية- الاجتماعية، وبتوصيفات إدانة وتخوين مختلفة (متمردين، مارقين، مخالفين، خونة،… إلخ). وبناءً على هذا التلخيص يمكننا القول: إن هذه الرواية، أشارت بشجاعة إلى مكمن الخلل في البنية السياسية للدولة السودانية القابضة، قديمًا وحديثًا، وإننا وفقًا لهذه الإشارة لا يمكننا محاكمتها سياسيًّا أو تاريخيًّا لكن بالإمكان أن نأخذ بها كسؤال سردي مقلق ولافت دفع كثيرين إلى النبش في التاريخ السوداني قديمه وحديثه.

روائيون في مواجهة الحرب

استندت في هذا المبحث على مقال أخير تناولت فيه علاقات صناع الخيال بالحرب الدائرة الآن في السودان، محاولًا رصد مواقفهم ككتاب ومثقفين مؤثرين، وكيفية تفاعلهم مع ما جرى ويجري. كما حاولت ربط ذلك ببعض منتوجاتهم السردية (الروائية)، التي توضح بصورة مسبقة موقفهم من الحرب بشكل عام.

بركة ساكن

كتب الروائي عب العزيز بركة ساكن في حقبة التسعينيات، قصة قصيرة مرعبة، وكانت الحرب مشتعلة، أقسى الحروب وقتها وأطولها؛ حرب الجنوب. في نهاية هذه القصة وبعد تجربة فانتازية يتعرض جندي مسكين للموت متفجرًا بلغم بعد أن ظن -وظننا- أنه وصل أخيرًا إلى بَرّ الأمان؛ أمام بوابة قيادته العسكرية، في صورة خيالية مبهرة تقارب ما يحدث الآن أمام بوابة سلاح المدرعات أو سلاح المهندسين أو غيرهما من القواعد العسكرية المحاصرة في الخرطوم «عاصمة الحرب».. القصة اسمها «حذاء ساخن»؛ حذاء يطأ لغمًا فيتطاير جسد مرتديه إلى أشلاء متناثرة.

لبركة ساكن أعمال أخرى قصصية وروائية غارقة خيالًا في الحروب والدماء، تنذر انفعالًا من حال الدمار الذي ينتظرنا. ولبركة أيضًار-بركة الواقعي- موقفه المباشر المصادم الذي أعلنه لحظة اندلاع هذه الحرب. والكاتب الواقعي منتج الخيال، بلا شك يرى في سطوع ذاكرته وظلام أقبيتها ما لا يراه الآخرون، قد تتفق معه أو تختلف لكنه من موقعه هذا «الواقعي- الخيالي»، أراك رؤيته المحذرة التي تغلب -ضمنًا- كِفّة على الأخرى. حذّر بركة من اجتياح الجنجويد «الدعم السريع» للسودان بأجمعه وليس الخرطوم فقط، ودعا إلى مقاتلتهم وقتل طموحاتهم «الخيالية»! لكنه في الآن نفسه طالب بإيقاف الحرب! وبإدانة كل المتورطين فيها ومحاسبتهم سواء من الجيش أو من الدعم السريع.

كيف كان حضور صانع الخيال هنا؟ هل أرعبه خياله منتج «مسيح دارفور» مما سيأتي؟ أم إن خياله منتج ما سيأتي هو الذي أرعبه واستدعاه للتورط في حرب «الانحيازات» و«الاصطفافات» التي أُقحم فيها إقحامًا؟

محمد سليمان الشاذلي

عزت الماهري

فوجئ الأصدقاء «الإسفيريون» لكاتب ومنتج الخيال عزت الماهري، بأنه هو نفسه يوسف عزت المستشار السياسي لقائد قوات الدعم السريع! مكمن المفاجأة تأتى من كونهم لم يتصوروا مطلقًا أن خالق عوالم وشخصيات النص السردي البديع «جقلا نشيد الرمل» سيتورط إلى هذا الحد في السياسة إلى أن يعتلي فوهة البنادق والمدافع ممثلًا لإحدى الفئتين المتقاتلين! هذا «خيالي»! ربما صرح بعضهم إلى بعضٍ بهذا أو أسرُّوا به إلى أنفسهم. فما يدور من قتال الآن وبكل تداعياته الغرائبية لم يكن متوقعًا لأكثرهم، وأن يكون صديقهم -منتج الخيال- جزءًا من هذه المخيلة الغرائبية أو المقتلة المرعبة أيضًا لم يكن شيئًا متصورًا. فأي خيال أنتج هذه الحرب (العبثية)، أو أي مفاعل للتخييل أنتج شخصياتها الفاعلة والمنفعلة بها تأثيرًا، والمحركة لها في لهيب النيران؟ أهو الخيال الجمعي «الباطن»، اللامنظور، المخفي بـ«الغباش» و«عكرة» الماء وصرير الريح في البوادي؟!

عبدالحفيظ مريود

انخرط الروائي والقاص والسيناريست عبدالحفيظ مريود (صانع الخيال متعدد المشارب)، في كتابات نقدية متصلة بالحرب المحتدمة في السودان، منتقلًا بشكل صادم لزملائه ورفاقه القدامى (في العمل وربما التنظيم)؛ من مربع مناصرة القوات المسلحة إلى نقدها بعنف والانحياز الواضح إلى قوات الدعم السريع، مسندًا موقفه هذا على «خطاب الهامش» وأيديولوجيته ورؤيته لـ«سودان الغد» ضد «سودان 56». هل أبصر «خيال» مريود ما لم يبصره الآخرون؟ أم إن الأمر لا يتعدى محاولة حالمة لبناء «بلد من خيال»؟

أخيرًا.. ما الخيال؟

يمكننا تقريب معنى الخيال كالتالي: «نشاط إنساني ينجز التأمل الذاتي بعيدًا من الواقع وقريبًا منه، وفيه تتجسد قدرة العقل أو النفس البشرية على اختراق الغوامض التي يمثلها مأزقها الوجودي». فهل اخترق إنسان السودان غوامض مأزقه الوجودي وأنتج حربه التي لا تبقي ولا تَذَر أملًا في سكون «رحاها» حتى يبصر جنته المحلومة أو المتخيلة… تلك التي تقع عند الضفة الأخرى للحرب والموت والدمار، ضفة السلام والأمن والطمأنينة؟

قد يبدو هذا خياليًّا و«عبثيًّا» فـالخيال مثلما يقول ناصر السيد النور: «مفردة مثيرة للغموض والدهشة، لكنها تظل محفزًا مستمرًّا في التجربة الإنسانية ومصدرًا للارتقاء بالحالة الإنسانية في أفقها المعرفي والبحث المستمر عن حلول لمشكلات الواقع. وأنماط الحياة والعلوم والمعارف تكونت في الخيال وتم إنجازها لاحقًا في العالم المادي». وفي تعريفه للخيال الروائي يضيف الناقد ناصر السيد النور: «لا يتحكم الخيال الروائي في بنية النص الروائي وحسب، بل ينتج الشكل الروائي ويظل حاكمًا لمساره وما يتطور عنه من أحداث متصورة خيالًا بالاستناد إلى بنية معرفية كتابية سردية. فالنص الروائي بوصفه فضاءً يتفاعل فيه الخيال واللغة مازجًا بين رؤية سردية تقرأ أحداثًا عبر شخصيات مجسدة بالمعني السردي في الشخصية الروائية، ورؤية تخييلية سردية مخططة من أجل تشييد عالمٍ ما، فالفضاء بالتالي جزء جوهري من الفعل الذهني لإعادة تشييد العالم ما دام الخيال لا يمكنه إلا أن يصور الأشياء التي تبدو امتدادًا فضائيًّا فسيحًا مخصبًا جماليات الواقع».

ما الذي (رآه) روائيو وقصاصو السودان قبل هذه الحرب مقترنًا بحروب السودان الماضية؟ وأي روائي- قاص منهم لم يستلهم حرب الجنوب، حرب دارفور، حرب النيل الأزرق، حرب جبال النوبة، حروب القبائل المتناحرة هنا وهناك في نص من نصوصه؛ مباشرة، أو تشكل الحرب خلفيته المغذية للأحداث والبانية للشخوص والمصاير المتخيلة خلقًا! فهل تكوَّن في ذاكرة أحدهم مشهد ما من مشاهد الخرطوم المحترقة الآن؟


هوامش مرجعية:

– سيد نجم، «أدب الحرب، الفكرة، التجربة، الإبداع»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995م.

– منصور الصويم، «أدب الحرب، شهادة»، اتحاد الكتاب السودانيين 2010م.

– يوسف حمد، صحيفة إندبندت عربية، العدد1417، 2023م.

– محمد سليمان الفكي الشاذلي، رواية «صقر الجديان»، دار الوتد 2020م.

– منصور الصُويّم، «مأزق الأسود.. ثيمة الرق في الرواية السودانية»، ورقة بحثية، ملتقى الرواية تونس 2019م.

– محفوظ بشرى، «حمور زيادة يسير على أشواك الدولة المهدية»، مجلة العربي الجديد 2014م.

– حمور زيادة، رواية «شوق الدرويش» ص 250.

– منصور الصويم، «السودان.. حرب الخيال ونقيضه»، موقع ألترا سودان: ultrasudan.ultrasawt.com

– Mansour El-Soumaim، Writers Select: New and Inventive Voices in Sudanese Literature، Writers Select: New and Inventive Voices in Sudanese Literature – ARABLIT & ARABLIT QUARTERLY.

شِعرية السينما.. الزمن كشكل مرئي

شِعرية السينما.. الزمن كشكل مرئي

يُعد مفهوم «الشِّعري» في السينما واحدًا من أكثر الموضوعات إشكالًا، وذلك لضبابيته وتنوع معانيه. وهو إذ يبين طبيعة العلاقة بين السينما والشِّعر، يمنح (هذا المفهوم) الفِلمَ تأشيرة مرور ووسام شرف؛ لأنه نادرًا ما يُشير إلى إحالات سلبية. وعلى الرغم من شيوع استخدام مصطلح «الأفلام الشعرية»، بقي مفهومًا فضفاضًا، لا يملك اتجاهًا واحدًا. وهو «يهرب منا عندما نقترب منه لمنحه تعريفًا خاصًّا»، بحسب ناجا كوهين Nadja Cohen مؤلفة كتاب «الشعراء المعاصرون والسينما 1910- 1930م».

هناك خطأ شائع في استخدامات مصطلح شعري؛ لأن الغالبية من المختصين والمتابعين على حد سواء يخلطون بين كلمة شعري وشاعري. الشاعري مصطلح شائع يمكن أن يتجلى في شكل صور جميلة تتحرك فيها الكاميرا بانسيابية، في غروب للشمس أو جلسة رومانسية لعاشقين. وعليه لن أتوقف عند هذا المصطلح كثيرًا. ولكن الموضوع الذي يتناوله المقال يُعْنَى بالشعري باعتباره جوهر الشعر.

وتشدد كلمة شِعري في أحد تفاسيرها على تصوير الزمن الذي هو ليس حدثيًّا ولا حدود له وهو غير مرئي في حين تحاول السينما أن تعطي للزمن بُعْدًا مرئيًّا، وهنا يكمن البعد الشعري في السينما الشعرية.

تطول أسماء المخرجين الكبار الذين بنوا مجد هذا النوع من السينما: جان كوكتو، بيير بازوليني، أندريه تاركوفسكي، ألكسندر دفجنكو، أليخاندرو خدروفسكي، جيم جرموش، عباس كيارستمي.. وغيرهم؛ لكن لم تشفع أفلام هؤلاء لتنتشل مفهوم السينما الشعرية من الغموض والليونة؛ بل على العكس من ذلك بقي مفهومًا قلقًا بحدود متحركة، وذلك منذ أن بدأ هذا النوع من السينما أولى خطواته في عشرينيات القرن الماضي.

تقول ناجا كوهين (وهي ناقدة فرنسية وواحدة من أهم مَنْ كتب في سينما الشعر) بوجود أسباب تاريخية، منها سبب اشتقاقي قادم من الأصل الإغريقي (poiesis) «شِعري»، وخصّ هذا المصطلح كل أشكال الإبداع الفني. كما أن الشكلانيين الروس ضموا مفهوم الشعري إلى السينما كما في السرد. لكن حتى وإن بقينا في الإطار التخصصي فالشعري لم يُحَدَّدْ معناه بمصطلحات شكلية وظل مفهومًا تحيط به الضبابية.

حقًّا إن السينما حافظت على علاقة صداقة مع الشعر، ونشأت روابط عميقة بين المخرجين والشعر والشعراء. وعندما يهتم الأدباء بهذا الموضوع فإنهم يعتبرونه نمطًا من أنماط الشعر خارج الكتاب. ولكن ما الفِلْم الشعري وكيف نرسم مساحة لحدوده؟ وما أشكال التلاقي والسلوكيات في السينما الشعرية؟ ما خواص السينما الشعرية وما علاقة الكتاب والشعراء بالسينما؟

قبل الذهاب في مغامرة الإجابة عن هذه الأسئلة علينا أولًا أن نبدأ بمعرفة الحدود الفاصلة بين الشعر والسرد؟ إن السرد قائم على الرواية أو القصة وهو حدثي؛ مرتبط بالحدثية، أي الجري وراء الحدث منذ بدايته إلى نهايته بشكل أفقي. أما في الشعر فإن الزمن واحد مُتَّحِدٌ بكل حالاته (الماضي- الحاضر- المستقبل) وبهذا المعنى فإن الشعر هو حركة عمودية عكس الزمن السردي الأفقي. والشعري بهذا يكون استنباطيًّا، استحواذيًّا، تأمليًّا، أما السردي فمرتبط بتطور ونمو له بداية ونهاية في السينما. ومن ناحية الشكل فالشعر مبني على المفاجأة عبر رموز وصور تجريدية ومطلقة لكن السرد غير معنيّ بكل هذا.

خارج السرد

أول من نظّرَ للشعري في السينما هم الشكلانيون الروس. حيث بدأ هذا المفهوم يتبلور مع الأنتليجنسيا الروس الذين أرادوا تحويل الشعرية إلى موضوع للتحليل العلمي. فيعتقد شكلوفسكي أن الفوارق بين سينما الشعر وسينما النثر تحددها الفوارق بين الحكاية والتركيب. أما فيرتوف Dziga Vertov فلم تكن السينما بالنسبة له إلا شكلًا من أشكال النضال ضد منطق السرد «البرجوازي»؛ إذ على السينما الشعرية أن تتحرر من الأدب، وعلى السينما أن تكون فنًّا مستقلًّا بالكامل ولغة عالمية بشكل مطلق؛ سينما من دون موضوع. وهو يرى أن السينما أحاطت نفسها بأسوار منيعة (حدود) رفضت كل أشكال الحوار مع الفنون التي سبقتها (الأدب، المسرح، النحت… إلخ).

أما بازوليني (وربما كان جزءًا من حلمه السينمائي) فإنه توقع اختفاء السرد في «سينما الشعر»، فمنح الأسلوب الصدارة بديلًا عن التفاصيل أو الحقائق والتكرار. وبهذا فهو يكون قد انحرف بالسينما عن الحكاية لصالح الكثافة الشعرية. وهو من موقعه كشاعر أراد تقديم الحياة بصورة مختلفة؛ فبدت في أفلامه رسمًا متنوع الألوان على لوح قماش هي الشاشة نفسها.

ينسب دولوز وبازوليني أدوارًا إلى الصورة (بمفهومها المجازي) ويؤكدان بهذا على الأحاسيس من العمليات غير الواعية التي تثيرها الصورة، وهما يقترحان أن تُقرأ الصورة عندما نقرأ العالم. وبالنسبة إلى الفيلسوف الفرنسي فإن العالم الذي يُكشَف (بالصورة) ليس منذ البداية عالمًا مفاهيميًّا، بل هو عالم «الحضور المادي» حيث ما لا يقال قد يكون أكثر أهمية مما يُقال.

يتحقق في «السينما الشعرية» هذا «اللقاء الغامض» بين السينما والشعر ويحتفي بالصورة في أكثر تجلياتها غموضًا، وهي تستثمر، أحيانًا، المصادفات التي تحدث أثناء التصوير واللامتوقع لتفجير البعد الشعري الكامن لتلك الحوادث. وهذه الصدف مهدت للسينمائيين العبور إلى حدود جديدة. وبهذا المعنى نجد كوكتو يمتدح الهواة في مذكراته التي سجلها في أثناء تصوير فِلْمه «الجميلة والوحش». وفي تقديمه نفسه على أنه يجهل قواعد معينة في البناء الفِلمي. وهو يرحب «بأخطائه الإملائية» التي تفضل الجانبي (غير المقصود)، وبالتالي انبثاق الشعري، حسب رأيه.

نفهم من هذا أن السينما الشعرية ليست فنًّا من فنون الأدب (شِعر، نثر، دراما)، بل هي توسع مدى الأداء الشعري بمنحه أفقًا وأداة جديدة. وهي تلك الأشكال والمعاني التي يتخذها الشعر على الشاشة. فالمقصود منها ليس تحويل الشعر إلى صور سينمائية أو تصوير أمهات الأعمال الأدبية ونَقلَها سينمائيًّا ولا هي تلكَ المشاهد المصورة بالسرعة البطيئة أو قليلة الإنارة. وإنما تقع في السياق الذي يضع فيه صانع الفِلم صوره بحيث تكون للصور دلالاتها الجديدة ومعانيها المبتَكرة، لتحوّل علاقتنا المادية بالواقع إلى علاقة ذات اختصاص. وتصبح في هذه الحالة السينما صورة متخيلة؛ لأن سينما الشعر ما هي إلا عبور إلى حدود جديدة لا مكان فيها للواقع الجامد. وبهذه النظرة يعتقد بيل نيكولز أن «لغة السينما في جوهرها هي لغة الشعر».

شعراء جعلوا من السينما أداة الشعر

نعم! في بداياتها، كانت السينما سردية، مع الأخوين لوميير وأفلام باتيه، وذلك في تلك الأشرطة التي سجلت الحياة في حركتها اليومية وبتثبيتها الزمن كما هو. لكن تغيّر الأمر مع دخول الكتاب والشعراء إلى عالم الصور بعد أن احتلت السينما موقعًا ثقافيًّا مهمًّا في حياتهم؛ هؤلاء الشعراء جعلوا من السينما أداة الشعر. فذهب جان أبشتاين ليتحدث عن الإمكانيات التي تملكها السينما في «تحويل كل معطياتها الفيزيائية إلى حركة روحانية، وإلى شعر». وحثّ أبولونير الشعراء على التلاؤم مع هذا الوسيط الجديد- السينما. أمّا السورياليون فيقول مخرجها بونويل: إنه يتلقى إلهامه ويستقي إيحاءه من الشعر، متحررًا من العقل والأخلاقية التقليدية. وأَحَبَّ شاعرُ إسبانيا الكبيرُ غارسيا لوركا السينما كوسيلة لخلق عالم جديد ودافع عن سينما الشعر. أما بازوليني الذي كان يحمل عداءً شديدًا لسينما الواقع فقد رفض أن تكون السينما مجرد آلة لتسجيل الواقع وإعادة بثه، وآمن بأن السينما تملك صفات لا عقلانية وحلمية تجعلها شعرية. وتحولت السينما بفضل الشعراء والأدباء إلى وسيلة جديدة للشعر. صنع هذا المخرج الماركسي كل أفلامه من موقعه شاعرًا؛ الذي كان يهوى أن يُطابق قصائده ببعض اللقطات من أفلامه. فهو لا يفرق بين الشعر والحياة وليست الحياة بالنسبة له إلا مسرح كبير يصبح البشر فيه ممثلين يفرحون ويعانون على خشبته. ولكنه على الرغم مما عُرف عنه من مواقف سلبية إزاء سينما الواقع، فإنه أصبح فيما بعد أكثر ليونة إزاء هذا النوع من السينما، أو لنقل أقل حِدَّة إزاء السرد في السينما. فمرّة في جلسة عشاء مع بعض الأصدقاء، سُئِلَ إنْ كان بالإمكان عمل سينما الشعر من دون قصة؟ صادف أن كانت الأجواء هادئة وعازف رصيف يعزف أمامهم ألحانًا جميلة. وكان الأمر مؤثرًا إلى درجة صَدمَت الجميعَ. عندها قال المخرج: إن «الواقع يصبحُ أحيانًا نفسه شعريًّا». هكذا وجد المخرج الطلياني الشعر في الواقع اليومي المعيش.

بعيدًا من الرقابة

بدأت «السينما الشعرية» تشقُّ طريقها في الاتحاد السوفييتي لأسباب سياسة وليست جمالية. رائد هذه السينما هو المخرج السوفييتي الجنسية والأوكراني الأصل ألكسندر بتروفيش دفجنكو (1894 ــ 1956م). وهو مخرج «مشاكس» كان من أعضاء ما سُميّ بـ«النهضة التي أعدمت». وهم مجموعة من الكُتاب والفنانين الأوكرانيين الذين دافعوا عن ثقافة أوربية غربية بديلًا عن الثقافة الروسية (المدعومة من موسكو)، وذلك في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، فأعدموا أو أرسلوا إلى «الكولاك» وهي مراكز الاعتقال والنفي في سيبيريا بسبب حملات القمع السياسي آنئذ.

عالميًّا أصبح اسم دفجنكو مرتبطًا بالسينما الشعرية الذي كان رائدها. وهنا من المفيد القول: إن هذا النوع من السينما لم يكن إلا أسلوبًا ذكيًّا لكي يُمَرِّر هذا المخرج (وتبعه باقي المخرجين السوفييت الذين رفضوا أدلجة الفن) رسائلَه المشفرةَ وعدم ارتياحه من ضيق مساحة الحرية والبيروقراطية في زمن «الإرهاب العظيم» التي عُرف بها حكم ستالين. فكان اللجوء إلى الرمز والكثافة الشعرية والمشاهد الصوفية إحدى سمات هذه الحركة.

يُخبرنا كتاب «سينما تبحث عن الشعر»، لمجموعة من المختصين الفرنسيين، كيف صور سيرغي بارادجانوف (1924-1990م) شاعرًا أرمنيًّا. وهذا الأمر لم يكن إلا قرارًا موجهًا ضد سياسة ستالين الذي كان يحلم بثقافة سوفييتية جامعة في محاولة لمحو الخصوصية القومية لجميع البلدان التي كونت الاتحاد السوفييتي. في فِلمه «لون الرمان» استعادَ بارادجانوف شاعرًا مغمورًا وهو سايات نوفا (Sayat Nova) من القرن الثامن عشر، وقدم لنا قراءة سينمائية هي أقرب إلى لوحة تشكيلية من الألوان والفُلكلور الأرمني. وبهذا يكون قد وضع حدًّا فاصلًا بينه وبين المفهوم السوفييتي للسينما الواقعية.

وهنا لا نستطيع إلا تأكيد ما ذهبت له ناجا كوهين بقولها: إن المخرجين السوفييت الذين اشتغلوا على السينما الشعرية أغلبهم ليسوا من القومية الروسية، بل من مواطني الجمهوريات السوفييتية الأخرى. وهذه السينما التي ابتعدت من الواقع «ركزت على الفُلكلور الموسيقي والشعري والتقاليد والطقوس الوطنية وعلى الانتماء للأرض الأم». فيصبح أحيانًا لجوء صنّاع الأفلام إلى شعراء وفنانين تشكيليين في «سينما الشعر» كعبور إلى تخوم أمينة لا تصلها أيادي السلطة ولا مقص الرقيب، وهو هروب إلى الأمام من أجل سينما نقيّة وغير مؤدلجة، وكل هذا ليس إلا هربًا من السياسة الأممية للاتحاد السوفييتي وجوابًا عن الرغبة في العودة إلى الجذور بدلًا من السياسات الكوسموبوليتية للكرملين.

الزمن كشكل مرئي

يقول تاركوفسكي: إنه يريد أن يخلق عالمه الخاص به وصورًا لا تملك أي معانٍ غير الإيحاءات التي تبعثها الصور نفسها. هذا كلام نظري جميل، لكن كيف يمكن تحقيق ذلك عمليًّا؟ تاركوفسكي وجد ضالته في الزمن الفِلمي. فبالنسبة له يقع الزمن في اللقطة نفسها وليس في تلاحم أو تضاد للقطات عن طريق عملية المونتاج، ولا في الزمن المُؤلّف (مونتاجيًّا)، وإنما من خلال كثافة الزمن داخل اللقطة نفسها؛ فالزمن (بمفهومه الفلسفي والشعري) هو العنصر الأساسي في الإيقاع، وهو ما يجعله شكلًا مرئيًّا من الواقع ويثبته في شريط الفِلم من خلال العلامات الخارجية القابلة للاستقبال عن طريق الإحساس.

تضعنا السينما الشعرية خارج حلبة الدراما، وفي حالة حُلميّة لا واقعية، وبهذا فالمخرجون يؤكدون في هذا النوع من السينما إظهارَ حركة الكاميرا بحيث نشعر بانتقالاتها. كما تتحصن بعض أفلام السينما الشعرية بالغموض (عدم وضوح الصورة) والطباعة المزدوجة للقطة أو يستعيد بعض المخرجين أفلام الأبيض والأسود. كما أن هناك ميولًا نحو استخدامات جمالية للعدسات الخاصة، مثل تقعر العدسة أو استخدام عدسات ذات بعد بؤري طويل أو تشويه للصورة، مع إفراغ الأفلام من الحوارات.

وأخيرًا فالسينما الشعرية تاريخ مليء بالانبهار والإنجازات، وهي سينما اللاحدود، سينما التلاقي بين الواقع والخيال، بين الأنا والآخرين، تبني علاقتها بالواقع على أساس شعري وفلسفي مغاير. وهي سينما «إكستريم» ذات بُعْد سياسي وجمالي يتفوق فيها الأسلوب حيث «النظرة تصنع المؤلف، أما الاختلاجات والإرهاصات فهي التي تصنع الأسلوب» (آنيس فاردا).

الانتعاش الاقتصادي عامل تحرر  وانفتاح على التعايش مع الآخر

الانتعاش الاقتصادي عامل تحرر وانفتاح على التعايش مع الآخر

خلدون النبوانيكاتب سوري

في مؤلفه الأشهر «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» (1905م)، يفترض عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أنه في مقابل الكاثوليكية المحافظة، فإن الإصلاح البروتستانتي التجديدي وما تضمنه من منظومة أخلاقية جديدة في المسيحية هو ما دفع بتطور الرأسمالية قدُمًا إلى الأمام. بمقاربة لا تخلو من ذاتية وشيء من التحيز، رأى فيبر أن البروتستانتيين يعملون أكثر من نظرائهم الكاثوليكيين وهم يربحون بالتالي أكثر منهم، وأن ما تميزوا به من السعي وراء الربح «دائم القدرة على التجدد» و«البحث عن المردودية» والقدرة على مراكمة رأس المال هو ما صاغ روح الرأسمالية الغربية الحديثة.

ماكس فيبر

على خلاف ماركس الذي منح الأولوية للبنية التحتية (الاقتصاد خاصة) في تغيير البنية الفوقية (بما فيها الدِّين)، يجعل فيبر من الدِّين محركًا للاقتصاد. هكذا يُجري فيبر مفاضلتين مزدوجتين في آنٍ؛ فهو يعطي أولًا الأسبقية للديني على الاقتصادي، ويمنح ثانيًا الأولوية للبروتستانتية على الكاثوليكية؛ مذهبَي الديانة المسيحية البارزين. لكن إذ تنحصر نظرية فيبر التفاضلية تلك في إطار المسيحية الغربية، فإن أحد ناقديه البارزين وهو فيرنر سومبارت سيوسع من دائرة المقارنة، ويمنح الفضل في تطور الرأسمالية الحديثة لليهود بدلًا من البروتستانت.

بين أولوية الدين على الاقتصاد (فيبر) أو أولوية الاقتصاد على الدين (ماركس) ينقسم علماء الاجتماع والفلسفة في مقاربة تلك العلاقة المعقدة بين الدين والاقتصاد. على الرغم من عيوب التحيز الواضح فيها، فإن نظرية فيبر-التي تمنح القيمَ الدينية أثرًا جوهريًّا على العملية الاقتصادية المزامنة لها سلبًا أو إيجابًا وذلك وفقًا لدرجة حداثتها وعقلانيتها وواقعيتها، أو تخلفها وجمودها- تظل مقاربة مهمة تحولت إلى مرجعية كلاسيكية في تناول إشكالية التأثير المتبادل بين الديني والاقتصادي. وعلى الرغم من اعترافنا بهذه الأهمية، فإن هذه الورقة ستبتعد من رؤية فيبر هذه في نقطتين اثنتين: الأولى هي أننا سنكتفي بالبحث هنا في أثر الاقتصاد في تحرير القيم الدينية لا العكس. والثانية هو أننا لن نقع في خطأ فيبر في المفاضلة المذهبية كما فعل هو بين مسيحية بروتستانتية وأخرى كاثوليكية، فمثل هذه المقاربة تظل خطيرة من حيث الدلالات الاجتماعية والسياسية ويمكن جرها إلى ميدان الحرب الزائفة المؤسفة بين المذاهب. وإننا إذ نحاول تجنب المنزلق الذي وقع فيه فيبر فإننا سنتجنب كذلك تلك الاقتصادوية الماركسية التي طغت على تناول علاقة الاقتصاد بالدين بعد ماركس وبخاصة على يد إنجلس والماركسية اللينينية وما بعدها التي تعيد كل ما يحدث في العالم إلى الاقتصاد والصراع على الربح ومراكمة رأس المال.

تقوم أطروحتي هنا على فكرة أن الدولة الوطنية الحديثة الحريصة على تنمية اقتصادها وتطويره وازدهاره تحتاج، من أجل هذا الهدف، إلى سن وتشريع أنظمة وقوانين سلِسة، مرنة، حديثة تضمن حركة رؤوس الأموال واستقطاب الاستثمارات وحركة البضاعة وحرية التجارة وعمل البنوك ونظام الاقتراض المصرفي والتمويل وسهولة وسرعة الحوالات المالية ونظم الأتمتة المصرفية والرهانات والبورصة والبيروقراطية (بمعناها الإيجابي: أي المأسسة الإدارية الاختصاصية)،… إلخ. لا شك أن وجود مثل هذه الترسانة القانونية التشريعية ووضعها موضع تطبيق أمر حاسم وجوهري لا غنى عنه لحياة وتطور أي اقتصاد.

لكن وجود قوانين تسهل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات لا تكفي وحدها لازدهار الاقتصاد الوطني لأي بلد مهما كانت ثرواته الطبيعية أو البشرية أو موقعه الجغرافي أو الإستراتيجي إذا كانت تسوده اضطرابات أمنية داخلية أو صراعات دينية مذهبية أو طائفية أو عرقية أو تهيمن عليه منظومات قيم محافظة دينية ذات توجه زهدي عازف عن الدنيا، بل مستنكر لكل أشكال الحياة بما فيها الاقتصاد.

الحداثة والتحديث

وإذ تتحمل الدولة بشكلٍ أساسي مسؤولية توفير الأمن والسلم الداخليين ويتوجب عليها (إذا كانت ذات إرادة وطنية) خلق الأجواء المناسبة للتحديث الفكري والإصلاح الديني والانفتاح الاجتماعي فإن أكثر ما يمكن أن يساهم بمثل هذه المهمة الأخيرة هو النهوض الاقتصادي. وبمعنى أوضح -وهذه فكرتي الأساسية- ليس الإصلاح الديني شرطًا سابقًا على نمو الاقتصاد بالضرورة (كما رأى فيبر)، وإنما هو في الأغلب أحد النتائج المباشرة لنهوضه؛ فهو يقطره خلفه إذا ما توافرت الشروط الضرورية لنهوض الاقتصاد في ظل دولة قوية مستنيرة قادرة على ضمان الأمن ومحاربة قوى التخلف لفتح البلد والمجتمع على التحديث والحداثة.

لكن دعوني أميِّز هنا بيت التحديث والحداثة. فلا يكفي التحديث الذي قد يقتصر على إيجاد البنى التحتية والترسانات القانونية والمؤسسات الحديثة لولادة الحداثة التي تظل أكثر من التحديث المادي، وإنما هي روح هذا التحديث (لو استعرنا مصطلح فيبر) وجانبه الفكري/ الفلسفي القائم على خلق تصورات جديدة لعلاقة الإنسان بالآخرين وبالدولة، وبالوجود ككل. في العديد من البلدان الغنية قد نجد تحديثًا من دون حداثة، فنشهد فيها تطورًا في العمران والأبنية والجسور والقصور والمطارات والمؤسسات، لكن يظل البلد محكومًا بعقلية محافظة ما قبل حداثية. مثل هذا التحديث لا يتجاوز مستوى الشكل والمظهر، ينطبق عليه قول الشاعر السوري نزار قباني: «لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية». التحديث الحقيقي هو من يستطيع أن يغير في الذهنيات والعلاقات الاجتماعية ويفتح الأبواب أمام الوعي المحلي لتجاوز عوائقه بنفسه وتقديم قراءات جديدة للواقع وللنصوص الدينية ويضطلع بفهم جديد للدين بحيث يقطع مع القراءات الرجعية التي جمدت الشرع وعوَّقت سيرورة الحداثة والتحديث معًا.

قد تنجح دولة ما إذن في عمليات التحديث إذا توافرت لديها الموارد والثروات والإرادة الوطنية لقادتها، لكن الحداثة تحتاج إلى تضافر عوامل أخرى مثل حضور المفكرين والفلاسفة والمصلحين الدينيين. يتيح الاقتصاد الناهض والإدارة السياسية الوطنية المستنيرة إمكانية مستقبلية لسيرورة الحداثة إضافة إلى التحديث فمن مصلحة الاقتصاد والساسة (إذا تمتعوا ببعد نظر) فتح المجتمع وتحرير الدين من تصورات سابقة حجبت وجهه الحضاري الحقيقي.

أثر الاقتصاد في الدين

لا شك عندي أن الاقتصاد المنهار يشكل بيئة اجتماعية راكدة فقيرة تنتعش فيها قراءات متشددة تقيِّد الاقتصاد، أو في أقل الأحوال سوءًا، قراءات زهدية معرضة عن الحياة وفعالياتها. وقد بينت العديد من الدراسات والأبحاث أن الفقر والبطالة والتخلف في أوساط الشباب المُهملين التي انسدت أمامهم الآفاق هي من أبرز العوامل لتسليمهم دون مقاومة لقوى التطرف والتعبئة الأصولية؛ إذ تستغل هذه القوى الظلامية حاجتهم المادية وفقرهم بتجنيدهم في صفوف الإسلام السياسي برواتب ومغريات مادية، أو تعوض فراغهم وعطالتهم وخواء حياتهم بأن تمنح لوجودهم هدفًا ومعنى كأصحاب عقيدة ومجاهدين في سبيل تحرير السماء من انحرافات الأرض.

هكذا يتكرس الجمود العقائدي في زمن الركود الاقتصادي الطويل والمزمن الذي تنتعش فيه القراءات الظلامية بما تحمله من ثقافة الموت التي تصور الحياة بوصفها امتحانًا يوميًّا مرعبًا أو نفقًا مخيفًا تكفي زلة قدم واحدة فيه حتى يسقط المؤمن في قعر جهنم وتصور النشاط الاقتصادي وكأنه تناقض أنطولوجي أزلي مع الدين فتحث على الإعراض عن الدنيا الفانية الزائفة وتكريس حياة المؤمن للتنسك والعبادة انتظارًا ليوم الدينونة الأبدي والحياة الأخرى فيما وراء هذا العالم الزائف. هكذا تولد الظلاميات من رحم الفقر والبطالة والإهمال الاجتماعي وغياب المرجعيات التنويرية، ويصبح الدين عسرًا لا يُسرًا، وعقيدة موت لا عقيدة حياة. لا شك أن مثل هذه القراءات والتعاليم لا تضر فقط بالاقتصاد وإنما بحياة الفرد والمجتمع والدولة. لا شك إذن في أن هيمنة مثل تلك المرجعيات الدينية الرجعية المتخلفة تخلق في الدولة والمجتمع كثيرًا من الأمراض الاجتماعية التي لا تخنق أي اقتصاد وطني وتشلّ حركته فحسب وإنما تسيء إلى الدين والدنيا معًا.

في مقابل عقائد الموت تلك، يفتحُ الاقتصاد القوي الناهض الباب على مصراعيه أمام قراءات مستنيرة وإصلاح ديني وتحرر فكري وانفتاح اجتماعي تنمو فيه قيم التسامح والتعايش ليس فقط بين الناس في المجتمع وإنما أيضًا في العلاقة بين الدين والاقتصاد والقوانين التشريعية، حيث يقلُّ التعصب وتتفتح القيم الحديثة، ويعيش المؤمن بطمأنينة رُوحية واكتفاء مادي في عصره وفي دنياه بدل الإعراض عنها فيحيا فيها دون قلق وتوتر وخوف عصابي من الحياة والآخرة، ومن الدنيا والدين معًا. في مثل هذه الظروف الناهضة والحضارية نكتشف إذن الكامن الديني الإيجابي بوصفه دينَ يسرٍ لا عسرٍ، دينَ عملٍ وفاعلية لا دين تواكل وإعراض عن الحياة، ويتكشف الدين عن قدرته الكبيرة في التأقلم مع الاقتصاد، بل دفعه قدمًا إلى الأمام لا الاكتفاء بالسير خلفه كظله، وذلك بالحض على العمل والإنتاج والحياة.

هكذا يساهم الانتعاش الاقتصادي الوطني السليم والمعافى في محاربة الفكر الأصولي والرجعية الدينية، ويوصد الباب أمام الإرهاب فهو يُمهّد الطريق للإصلاح الديني والحداثة الفكرية والنهوض الاجتماعي ويبث قيم التسامح والتعايش وقبول الاختلاف. هكذا وفي أثناء حفره مساره العريض الحر ينقي نهر الاقتصاد قوي التدفق المجتمعَ من الشوائب الحضارية التي علقت فيه. تُذكّرني حاجة الاقتصاد إلى تذليل القوانين والعقبات الاجتماعية وبنى المعتقدات التي تعوق حريته بما عُرف في الاقتصاد السياسي ﺑ«مبدأ عدم التدخل» الذي ساد النظريات الاقتصادية الفرنسية في القرن الثامن عشر والذي كان شعاره «دعه يعمل، دعه يمر»؛ إذ كان يدعو الدولة إلى عدم التدخل في الأمور الاقتصادية.

لكن حين يواجه الاقتصاد واقعًا دينيًّا محافظًا رجعيًّا متخلفًا نكون عندها أمام إمكانيتين اثنتين: فإما أن تنتصر قوى المحافظة الدينية على حركة التطور والتحرر التي يحبل بها الاقتصاد فتعوق حركته وتعطل تطور المجتمع، وإما أن تنجح رافعة الاقتصاد في حمل التحديث للقراءات الدينية فتغير بالتالي من نظرة الناس والمجتمع وتصوراتهم عن العالم والحياة. في الحالة الثانية لا يتراجع الدين أو ينحرف أتباعه، كما ينعق أصحاب المرجعيات الظلامية، وإنما يشهد حياة جديدة ويعطي أفضل ما فيه كاشفًا عن قدراته الحقيقية في الانفتاح على الآخر وثقافته واختلافه وتقبلًا لممارساته وطقوسه وتسامحًا معه والتعايش معه بما يضمن سلامة الاقتصاد وازدهاره. في «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» يذكر فيبر ملاحظة مهمة جدًّا في هذا السياق تؤكد أن العديد من العائلات والمدن والمناطق التي كانت غنية أصلًا قبل مجيء الإصلاح البروتستانتي راحت تتوجه بعد الإصلاح إلى الكنيسة الجديدة. بمعنى أن الثراء هنا لم يشكل مانعًا أمام ممارسة الدين والمحافظة على الجانب الرُّوحي أو العَقَديّ فيه، لكن الثراء ساعد تلك العائلات الثرية على اتباع طريق الإصلاح الديني الذي حررها من قيود الكاثوليكية التي تحجرت مع الزمن وصارت بحاجة إلى إصلاح.

ولعل معظم دول الخليج العربي الحديثة خير مثال على فكرتي عن مساهمة الاقتصاد الوطني الناهض في تقديم وجه حديث للإسلام كدين تسامح وتعايش ودين دنيا وإقبال على الحياة وتوازن نفسي وطمأنينة روحية. فنهوض الاقتصاد الوطني وما نتج عنه من رخاء اقتصادي للمواطن الخليجي الذي توافرت له ضمانات العيش المادي الكريم ووسائل الراحة وإمكانيات الاستثمار والعمل الذي تجيزه قوانين سلسلة تسهل من حركة المال والأعمال والتجارة والقوانين التشريعية التي تتجاوز العقبات الشرعية التي يمكن أن تعرقل خطوات الاقتصاد السريعة (مثل إيجاد البنوك الإسلامية لتجاوز مشكلات الفائدة التي تتعامل بها البنوك والمصارف الحديثة والتي قد تفهم إسلاميًّا بوصفها ربًا)، كل ذلك جعل من الدين الممارس هناك، دين يسر لا عسر، دين طمأنينة روحية لا دين قلق وخوف وتوجس وإحساس بالرقابة والتوتر.

سمح الاقتصاد إذن للمؤمن الخليجي بالاستمتاع بالدنيا والعيش فيها دون ذلك الشعور بالتناقض الأنطولوجي بين الدنيا والدين. وقد كان لتحرر الاقتصاد الخليجي أن رطّب من الجفاف الصحراوي وجعله أكثر تحررًا وخلصه من وهم الهوية القبلية للدين فانفتح المسلم أكثر على الآخر (الذي جاء الخليج مستثمرًا أو تاجرًا أو ناقلًا أو عاملًا إلخ). وقد ساهمت هذه الظروف الحضارية الإيجابية المحمولة على جناح الاقتصاد في الكشف مجددًا عن وجه التسامح والتعايش المشترك وقبول الاختلاف في الإسلام، وهو وجه حجبته طويلًا القراءات المتشددة المغلقة الرافضة للآخر، وهي -مرة أخرى- قراءات تولد في ظروف الفقر والقهر والانعزال الحضاري.

ولعل المملكة العربية السعودية، التي راحت تأخذ مسارًا منفتحًا، هي المثال الأبرز حاليًّا على معقولية هذا الطرح. بإرادة سياسية وطنية شابة وطموحة راغبة في التغيير وبوعيها بضرورة فك اعتماد اقتصاد ذلك البلد النفطي على البترول الذي لن يدوم إلى الأبد، وجدت السعودية ضرورة تحديث قوانين البلد لتسمح للاستثمارات الأجنبية بإمكانية الاستثمار وتوطين شركاتها في بلد كانت قوانينه الدينية تنفِّر رؤوس الأموال الخارجية. هكذا راح الإسلام في المملكة العربية السعودية بدوره يتحرر من القراءات المتشددة، بل يصفي حساباته معها لفتح الأبواب أكثر على الإصلاح الديني والفكر النقدي، والفلسفة والفنون أيضًا. فعندما تبدأ البلد في عملية البناء والنهوض تنهض معها أو خلفها، بقوة التغيير، روح الشعب وطرق التفكير والذهنيات وتتكسر قشور التشدد الصلبة ويتكشف الدين عن يسر حقيقي ويتحول إلى ممارسة حقيقية تعطي الدين أفقًا حضاريًّا جديدًا وعمرًا جديدًا يخرجه من مأزقه الحضاري المزمن الطويل.

أظن أن مفتاح التحرر الإسلامي كذلك في بلدان إسلامية غير عربية مثل إندونيسيا وماليزيا كان الاقتصاد أيضًا. فالطموحات الاقتصادية لبلد مثل ماليزيا أراد التشبه باقتصاد نمور آسيا الأربعة في العقد الأخير من القرن الماضي قد دفعته نحو تحرير الإسلام الشعبي البسيط من عقد الخوف من الحرية ورهاب الآخر.

هكذا يسهم الاقتصاد في مساعدة الدين على التجدد والانفتاح والتأقلم مع روح العصر، بل وصياغتها ضامنًا بذلك للإنسان حريته وتحقيق ذاته دون أن يتخلى بذلك عن دوره الجوهري كدين يضمن الطمأنينة الروحية والسلام الداخلي وتحقيق مكارم الأخلاق والهداية والتعايش والتسامح بين البشر.


الدين‭ ‬في‭ ‬الصين ومجتمع‭ ‬السوق‭ ‬والدولة

جاك بارباليت((جاك بارباليت: عالم اجتماعي أسترالي. وقد أصبح أستاذًا لعلم الاجتماع في الجامعة الكاثوليكية الأسترالية منذ عام 2017م. وكان يشغل سابقًا أستاذ كرسي ورئيس قسم علم الاجتماع في جامعة هونغ كونغ المعمدانية. وقد عمل في جامعة بابوا غينيا الجديدة، وجامعة أديليد والجامعة الوطنية الأسترالية، وجامعة ليستر البريطانية. وتركز أبحاثه الحالية على النظرية الاجتماعية وعلم اجتماع الصين الحديثة.)) عالم اجتماع أسترالي، ترجمة: حمدي عبدالحميد الشريف – كاتب ومترجم مصري

متى نظرنا إلى المناقشات السائدة حول العلاقة بين الدين والاقتصاد سنجد أن لها بعض التمثلات الرمزية في تفسيرات ماكس فيبر الكلاسيكية المتعلقة بالتقارب الانتقائي بين الكالفينية (Calvinism) وروح الرأسمالية الحديثة. ومع هذا، فإن عرض فيبر للدور الداعم للمعتقد الديني في صعود الرأسمالية وازدهارها قد انعكس في معالجته لتاريخ الصين حيث زعم أن الكونفوشيوسية والطاوية كان لهما تأثير تقييدي مقنع في الترشيد الاقتصادي. ولهذا التحول بعد إضافي، حيث إن النتيجة غير المقصودة لتطور اقتصاد السوق المتوسع والتصنيع المصاحب له في الصين منذ إصلاحات دنغ شياوبنغ في عام 1978م تمثلت في توفير مساحة للتعبير الديني لم يسبق لها مثيل منذ ظهور النظام الشيوعي في الصين عام 1949م، وربما حتى قبل هذا الوقت نظرًا للسياسات السلبية السائدة تجاه الدين من جانب الدولة في أثناء مدة الجمهورية منذ عام 1912م.

دنغ شياوبنغ

سوف يظهر في هذا المقال أن إحياء البوذية والطاوية، وهو إحياء يبدو على المستوى الظاهري أقل ارتباطًا بتعزيز اقتصاد السوق في جمهورية الصين الشعبية من المسيحية، هو آلية مهمة في توفير الاستثمار المطلوب للتنمية الاقتصادية في الصين. إن نمو البوذية والطاوية يجذب ويغذي المساهمين الصينيين المغتربين في اقتصاد البر الرئيس الصيني. ويثير هذا التطور الشكوك حول تفسير ماكس فيبر للتأثير السلبي للتوجهات الكونفوشيوسية والطاوية في النشاط الرأسمالي. وذلك لأن السكان الصينيين في الخارج الذين حققوا نجاحًا اقتصاديًّا يعتنقون بصفة عامة العقيدة الكونفوشيوسية والطاوية التقليدية التي رأى فيبر أنها مسؤولة عن تثبيط تطور التوجهات والممارسات الرأسمالية.

الحرية الاقتصادية أو سياسة عدم التدخل

في الاقتصاد والطاوية: حالة (وو وي((وو وي (بالصينية: 无为): وتعني حرفيًّا «من دون» أو «من غير». وكان قد ظهر في فصلي الربيع والخريف ليصبح مصطلحًا مهمًّا في كل من الطاوية والإدارة السياسية في الصين القديمة. (المترجم).))) Wu Wei

أثبت جوزيف نيدهام، المؤلف المتميز لكتاب متعدد الأجزاء «العلم والحضارة في الصين» (1954-2004م)، أن كل الاختراعات المهمة في تاريخ البشرية تقريبًا نشأت في الصين: ولا تشمل هذه الاختراعات البارود والطباعة فقط، ولكن أيضًا المشروبات الكحولية، والمحامل الكروية، والبوصلة المغناطيسية، والورق، وورق التواليت، وفرشاة الأسنان، وما إلى ذلك.

جوزيف نيدهام

وفي هذا الصدد استعار الاقتصادي الفرنسي فرانسوا كيسناي، عقيدة عدم التدخل الصينية، عمدًا، في تطوير نظريته الفيزيوقراطية. والمغزى من هذه النصوص التي تركها لنا، هو أن الدولة التي تمارس (وو وي) تمارس سلطة أقل، ومع هذا يُنجَز كل شيء وفقًا لاحتياجات الدولة. وليس من الضروري بطبيعة الحال أن نعود إلى أسرة هان للعثور على أدلة تشير إلى ميول الصين قبل عام 1978م نحو مبدأ عدم التدخل أو رأسمالية السوق. فقبل أن تتبنى الصين اقتصاد السوق في الثمانينيات، كان المهاجرون الصينيون الجنوبيون إلى شرق وجنوب شرق آسيا منذ منتصف القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين منخرطين بنجاح في الأنشطة الرأسمالية. وسنبين في القسم الثاني من المقال أن رأسمالية الصينيين المغتربين كانت، وبشكل يثير التناقض، عاملًا فعالًا في التطور الأحدث لسوق رأس المال في جمهورية الصين الشعبية، بمساعدة الدولة الصينية. كذلك فإن الطاوية لا تزال تقوم بدور في نجاح الرأسمالية الصينية، كما فعلت في صياغة مبدأ عدم التدخل في عهد أسرة هان. ومنذ عام 2000م، ظهر في مجلات العلوم الاجتماعية والحزب الصينية عدد من المقالات التي تُطَبَّق فيها المفاهيم الطاوية، وبخاصة (وو وي) والمفاهيم الأخرى ذات الصلة، لفهم تطور وإدارة اقتصاد السوق الصيني.

إدارة الدولة للدين واقتصاد السوق في الصين منذ عام 1978م

من الملحوظ أن القبول المشروط الجديد للدين في جمهورية الصين الشعبية هو جانب من جوانب التحرير الأوسع الذي رافق اندماج الصين في الاقتصاد الرأسمالي الدولي ودخولها إلى المسرح السياسي العالمي. وبينما يستمر قمع الدولة للحركات الدينية مثل فالون غونغ وحركة دونجفانج شانديان الأصغر (والمعروفة أيضًا باسم «البرق الشرقي») في جمهورية الصين الشعبية، فإن الضمانات الدستورية لحرية الاعتقاد والممارسات الدينية أمور معترف بها لدى المنظمات البوذية والطاوية والكاثوليكية والبروتستانتية والإسلامية التابعة للهيئات الجامعة التي تسيطر عليها الدولة. إن العلاقة بين التحرر الديني في الصين، وبخاصة إعادة بناء المعابد البوذية والطاوية، وبين التنمية -والازدهار المندفع في واقع الأمر- لاقتصاد السوق في جمهورية الصين الشعبية يمكن العثور عليها في بُعد آخر ومتصل لإعادة توجيه الحكومة منذ منتصف الثمانينيات، أي الانقلاب في الموقف تجاه الشتات الصيني.

الرأسمالية والصين وماكس فيبر

ليس حجم نمو وقوة اقتصاد السوق في الصين هو الذي يثير الإعجاب فحسب، بل إنه اندلع ضد كل التوقعات. ويمكن القول: إن النمو الاقتصادي في الصين كان حتميًّا بالتخلي فعليًّا عن الاشتراكية، واحتضان السوق، والانضمام إلى العولمة الرأسمالية. وبوسعنا أن نرى القيود التي تعيب هذه الحجة جزئيًّا في فشل الهند في التمتع بمستويات التوسع الاقتصادي التي حققتها الصين. ومن المهم أن نلحظ، كما ذكرنا آنفًا، أنه في القرنين التاسع عشر والعشرين، شُكِّلَت سلالات تجارية ومالية داخل المجتمعات الصينية في الخارج، وهذا يدل على الطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق فرص السوق من جانب الأشخاص الذين يعتنقون الديانات الصينية. ومع هذا، وفي حجة لا تزال تحظى باهتمام العديد من علماء الاجتماع، أكد ماكس فيبر على أن الديانات الصينية التقليدية والالتزامات العائلية المرتبطة بها تتعارض مع تطور الرأسمالية. ومع هذا، وفي مواجهة النجاح الاقتصادي الصيني الأخير في كل من السكان الصينيين في الخارج وفي جمهورية الصين الشعبية بعد عام 1978م، يجب أن تكون المهمة هي التوضيح من جديد لمسألة كيف يمكن للدين في الصين والبنية الأسرية المرتبطة به أن يكونا مرتبطين بالتنمية الرأسمالية.

إن توصيف فيبر للدين في دولة الصين في كتابه «الدين في الصين» يعنى بإظهار الأساس الثقافي لإخفاق الإمبراطورية الصينية في تطوير الرأسمالية الصناعية العقلانية أو الحديثة. ويرى فيبر أن القيم الصينية التقليدية في العقيدة الكونفوشيوسية عززت توجيه المواهب نحو خدمة الدولة، وإلى المساعي العلمية التي تميل إلى الحفاظ على التقاليد وفي الوقت نفسه إلى ثني عزيمة المفكرين عن الابتكار والإبداع. وعليه؛ فإن الكونفوشيوسية، وفقًا لفيبر، تولد عقلانية تقود الأشخاص إلى التكيّف مع العالم بدلًا من تشجيعهم على تغييره.

فرانسوا كيسناي

إن الأدلة على القيود المؤسسية السياسية والاقتصادية تتحدى مدى كفاية حجة فيبر بأن «رأسمالية المشروعات العقلانية… قد عُوِّقَتْ [في الصين]… بسبب الافتقار إلى عقلية معينة». ومع هذا، ليس الغرض هنا الادعاء أن الكونفوشيوسية والطاوية لا علاقة لهما بفهم العمليات الاقتصادية، وبخاصة نشاط ريادة الأعمال في المجالات الثقافية الصينية. ولكن من المهم أن ندرك، خلافًا لنهج فيبر، أن النتائج الاجتماعية للثقافة، والقيم على وجه الخصوص، ليست داخلية بالنسبة للثقافة أو القيم نفسها ولكنها فعّالة من حيث السياق.

إن ميل فيبر إلى التعامل مع المؤسسات من حيث ما يراه من القيم المتأصلة فيها أدى إلى سوء فهم خطير فيما يتعلق بوظيفة المؤسسات الرئيسة، بما في ذلك الأسرة. ففي كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، على سبيل المثال، كتب فيبر أن العقيدة أو الدعوة البروتستانتية تولد انفصالًا عاطفيًّا وتزيل شخصية العلاقات الأسرية، وبالتالي تقديم رواد الأعمال الأوربيين في أوائل العصر الحديث كأفراد متحررين من الروابط العائلية والالتزامات التقليدية. وقد ذكر فيبر هذا المنظور حول الأسرة بقوة أكبر في دراساته اللاحقة، وبخاصة في كتابه «الدين في الصين»، حيث قال: إن الأسرة والمجتمع مصدران للقيود التقليدية التي تمنع الروح الرأسمالية المتمثلة في تحقيق الربح في حد ذاته نتيجة للقيم الدينية. ومع هذا، فإن هذه الحجة خاطئة بشكل خطير، سواء للرأسمالية الغربية أو الرأسمالية الصينية. ويمكن القول بالنسبة لمسألة العلاقة في الصين بين الدين والرأسمالية: إن محرك النمو الاقتصادي هو رأسمالية العائلات وليس الأفراد المنعزلين اجتماعيًّا والمشبعين برغبة التملك في كل من أوربا، وفي الشتات الصيني منذ القرن التاسع عشر. ومن هنا كانت العائلات والأسر موردًا للتنمية الرأسمالية.

الدين في الصين وتوسيع هياكل الفرص والموارد

يؤكد العرض الذي قدمه فيبر للطاوية، في كتابه «الدين في الصين»، على ما يراه ثلاث سمات أساسية: نزعتها الصوفية، وتركيزها على الماكروبيوتيك Macrobiotics (= فن الصحة وطول العمر من خلال العيش بتناغم مع البيئة) والخلود، ونزعتها التقليدية- «فهي أكثر تقليدية من الكونفوشيوسية الأرثوذكسية»- المبنية على استخدام التقنيات السحرية. غير أن فيبر في تحليلاته، يخلط بين الطاوية التأملية والطاوية الهادفة والطاوية الهسينية، وهو ما يجعل تقييمه للعولمة لا يقوم على أسس راسخة. إن ادعاء فيبر أن تعاليم لاوتسي أو كتاب «داوديجنغ» تحتوي على «الصوفية التأملية» إنما يعكس ما وُصِفَ بأنه تفسير كونفوشيوسي عدائي الذي قبله على نطاق واسع المبشرون المسيحيون الذين كتبوا العديد من المصادر التي اعتمد عليها فيبر.

وهكذا، لقد أهمل فيبر العقيدة الطاوية نسبيًّا في اعتبارات الدين في الصين، ربما لأنها أضعف مؤسسيًّا من البوذية. ومع هذا، فإن الطبيعة المنتشرة للدين في الصين تعني أن أهميته وتأثيره لا يمكن قياسهما بعدد مؤيديه ولكن بمدى انتشار مفاهيمه. وعلى سبيل المثال، يعتمد النهج التقليدي لربط نجاح الأعمال الصينية في الخارج بالمبادئ الكونفوشيوسية على افتراض أن ديناميات الأسرة الصينية ذات أسس كونفوشيوسية. وهناك أكثر من عنصر من الحقيقة في هذا الافتراض، على الرغم من أنه يتجاهل أهمية الأفكار الطاوية فيما يتعلق بالأسرة والعلاقات الزوجية. وتعمل هذه الأفكار على تقريب وتعزيز المبادئ الكونفوشيوسية المرتبطة بمتانة الأسر الصينية، وبخاصة ما يتعلق بتشجيع الطاوية على اكتشاف المسار «الطبيعي» في العلاقات، وتأكيد أهمية الأنوثة، ومن ثَمّ تشجيع نوع معين من احترام المرأة.

خاتمة

من الممكن النظر إلى الدين في الصين واقتصاد السوق الصيني بوصفهما داعمين بعضهما الآخر بطرق عدة. أولًا، كان إحياء البوذية والطاوية في الصين ما بعد عام 1978م قناة مهمة للاستثمار في اقتصاد السوق لجمهورية الصين الشعبية منذ الشتات الصيني. وثانيًا، يشير نجاح الصينيين المغتربين منذ القرن التاسع عشر في المشروعات الرأسمالية في شرق وجنوب شرق آسيا إلى وجود علاقة إيجابية بين عقلانية السوق من ناحية والدين في الصين والأسرة من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن منظور فيبر الذي لا يزال مقبولًا. وثالثًا، أوضحنا نهج التعامل مع الدين كجزء من جهاز ثقافي فعال في فهم هياكل الفرص للنشاط الرأسمالي، وهو الأمر الذي يشير إلى أهمية عدم التفرد الديني للأديان في الصين عامةً والطاوية خاصًة بالنسبة لارتباطات السوق الناجحة من خلال إدراك الفرص. وقد أشرنا إلى أهمية العلاقة بين السلطة السياسية للدولة والدين. كما وصفنا العلاقة التاريخية الطويلة في الصين بين الدولة والدين بأنها علاقة تنظيم الدولة للدين، وهي علاقة تسودها حلقات قصيرة متفرقة من المحسوبية أو الحظر. وكثيرًا ما تضمنت العلاقات التنظيمية خيارًا مشتركًا للقوى الدينية لأغراض الدولة. ويتجلى هذا في مرحلة ما بعد عام 1978م الحالية من خلال برنامج إعادة ترميم المعابد وتجديدها الذي ترعاه الدولة ولكن بتمويل خاص، الذي يعدّ قناة لاستثمار رأس المال في جمهورية الصين الشعبية من جانب الصينيين المغتربين.

في المقارنة بين الدين في الصين والدين في الغرب، ظهر أن المصطلح الصيني للدين، زونغ جياو، اختُرعَ في القرن التاسع عشر لأنه لم يكن موجودًا من قبل. فلقد كان الدين بالمعنى الغربي الحديث لنظام عَقَديّ مدعوم بالعقيدة والتنظيم والقيادة غائبًا ببساطة عن المجتمع الصيني. وترتبط التقاليد الصينية للمعابد وممارسات الطقوس وممارسي الاحتفالات بالمجتمعات المحلية وإيقاعات احتياجاتهم في أماكن متعددة الوظائف حيث لا يكون لشعائر الدينية سوى القليل من الأهمية وتسود فيها الأصول الأدائية. وفي هذا السياق، فإن إدخال مفهوم «الدين»، كنظام عقائدي لجماعة يقوم على تنظيمها رجال دين محترفون، إنما يتحدى طقوس وممارسات المجتمع التقليدية من خلال فصل «الخرافة» وكذلك «الثقافة» عن «الدين» على حساب الأشكال التقليدية (Ashiwa and Wank, 2009: 9–12; Dean, 2009: 188–91). وعلى هذا فإن اختراع الدين في الصين في القرن التاسع عشر، الذي استند إليه فيبر وساهم فيه، كان بهذا المعنى أداة أخرى لتنظيم الدولة في خدمة التحديث. وأحد جوانب الدين في الصين، إذا استخدمنا المصطلح بفطنة، الذي ظل بشكل أو بآخر خارج نطاق تنظيم الدولة وسيطرتها، وقد أشرنا إليه آنفًا على أنه جوانبه «المنتشرة». وهذا يشمل الأصول المفاهيمية والتنظيمية للتراث الثقافي الموجود في اللغة والمفاهيم. ويُعَدُّ هذا الجانب من الدين في الصين مؤشرًا على فطنة منظومة الأعمال الصينية في توليد هيكل فرص موسع ضروري للمشاركة في السوق.


السوق‭ ‬حقلًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للصراع‭ ‬الأيديولوجي

من‭ ‬خلال‭ ‬ابتكار‭ ‬‮«‬المنتج‭ ‬حلال‮»‬

شهاب اليحياوي باحث تونسي

تستدعي إستراتيجيات الانتشار الديني الحديثة، بحثًا عن عودة الديني أو اختراقه للمجال العام الذي طالما تحصن تدثرًا بمعقولية الحداثة والعلمنة في وجه الحيز الديني المخصوص((أبو العلا. محمد عبده، «العلمانية وجدل العام والخاص»، مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، إبريل 2016م. www.mominoun.com.))، مجالات المشترك اليومي في توظيف جديد يعيد ترتيب العلاقة بين الخطاب التجاري والخطاب الديني والأخلاقي أيضًا. فهذه المجالات التي أبرزها اللباس والموضة والاستهلاك اليومي أو المناسباتي للسلع الغذائية، تشكل عوالم ثقافية تشي رساميل اجتماعية وثقافية ورمزية((بدوي. أحمد موسى، «ما بين الفعل والبناء الاجتماعي، بحث في نظرية الممارسة لدى بيير بورديو»، مجلة إضافات، العدد الثامن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009م.)) تحرك وتبرر السلوك والأفعال الفردية وتمنحها عمقها الجماعي وتجذرها المجتمعي. وقد شكل هذا المنحى إستراتيجية تسويقية للخطاب الديني الإسلاموي اتخذ من اللباس أو الأكل بدرجة أولى والمواد الصحية والصيدلانية والتجميلية والسياحة بدرجة ثانية منفذًا لتسلل الديني إلى التجاري أو استدعاء التجاري إلى عالم الديني في مزيج يستشكل بعمق هذا التوجه التجاري الجديد الذي نشهده منذ مدة والمسمى بالتجارة الحلال أو باختراق يتجاوز اللفظ (العلامة التجارية/حلال)((تطلق صفة الحلال على المنتجات الاستهلاكية التي تتوافق في كامل مراحل وصولها إلى السوق وإلى المستهلك مع مبادئ ونَوَاهٍ وأحكام الشريعة الإسلامية. والحلال يعني في اللغة العربية المسموح به شرعيًّا. تصبح إذًا العلامة شهادة فقهية على جواز استهلاك المنتج من جانب المتدينين من المسلمين خاصة. أو هي تقوية لمردوديتها التسويقية في سوق الحلال العالمية.)) إلى توظيف مفاهيم واصطلاحات دينية ضمن مجال البيع والشراء ومنطق جديد للتسويق والترويج يحيلنا إلى معقولية رأسمالية مبتكرة تقوم على تتجير الديني في اتجاه يوسع دائرة وفئات المستهلكين ويخلق سوقًا ومعاملة تجارية مبتكرة ذات فاعلية ومردودية تجارية عالية.

فهل نحن أمام إستراتيجية رأسمالية تسويقية وبالتالي حركة تتجير للدين بغاية تتجاوز دائرته؟ أم إننا أمام ديناميكية جديدة لأدينة الحياة الاجتماعية تتخذ من السوق حقلًا جديدًا للصراع الأيديولوجي ولتنشيط صحوة جديدة بآليات مجددة؟

التجارة الحلال: بين تصور الذات والديناميكيات الاقتصادية

هل ظاهرة التجارة الحلال مصطلحًا وممارسة، هي فعل ديني أو مسيرة دينية كافرة بقناعة أوليفيه روا((روا. أوليفيه. «تجربة الإسلام السياسي»، ترجمة نصيرة مروة، دار الساقي، بيروت، 1996م.)) وجيل كيبيل تقبلها قيم السوق أو تلبسها بقيم العلمنة هو أساس فشل ما يسمى بالصحوة الإسلامية في تقديم خطاب هووي ديني نقي؟ أم إننا أمام ديناميكية أدينة للنشاط التجاري في سياق حركة مصالحة المسلم مع سياقه المعيشي الذي يطرح عليه إشكالات يومية تربك فعله وتواصله مع ذاتيته وتمثلاتها ومع وضعياتها الحياتية التي تحكمها قيم ومعانٍ لا تمنح لبعد الهوية في الإنتاج والترويج والتسويق للسلع الاستهلاكية بالذات أهمية؟ فيستشعر المسلم شديد التدين أو المتدين القلق أن مجاله الاجتماعي المشترك يتغافل أو يتجاهل اختلافه وقلقه الهووي، ويجبره على بذل جهد أكبر في فهم بيئته الاجتماعية أو ترغمه بمنطق الحاجة على قبوله والتأقلم مع أشيائه وقيمه.

من هذا المنطلق قد يبدو هذا المدخل القيمي والهووي (هوية دينية للبضاعة) جسر مصالحة المتدين القلق((غيرتز.كليفورد، «تأويل الثقافات»، ترجمة محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009م، ص 412-413.)) مع سياقه الاجتماعي المقلق، أو أنه نافذة المتدين للمجال العام وحضور في حضرة التمايز الذي يرضي صورته لذاته((بتلر. جوديث، «الذات تصف نفسها»، ترجمة: فلاح رحيم دار التنوير، ط 1، بيروت، 2014م.)) ولمنظوره المخصوص للعلاقة بالعالم. فالجاليات المسلمة في البلدان الغربية خاصةً، وفي سائر البلاد الإسلامية عامةً، تعيش قلقًا وحيرة في التعامل مع المنتجات الغذائية الحيوانية بالخصوص لجهلهم بطريقة ذبحها التي تتناقض مع الشروط والنواهي الإسلامية التي تحلل وتحرم استعمالها؛ لذلك فإن حضور التاجر المسلم في الفضاء التجاري أو أفراد هذه الجالية بعلامة «حلال» أو «ذبح على الطريقة الإسلامية» هو خلاص للمسلم من حيرة وتردد يلازمانه معيشيًّا واستبدال تردده ونفوره الاستهلاكي من هذه المنتجات بتبضع مطمئن يطلق ميوله الاستهلاكية ويوسع دائرتها.

أوليفيه روا

أليست، إذًا، كلمة «حلال» التي توضع على غلاف منتج، هي حيلة تجارية تسويقية وتوسيع دائرة الاستهلاك والمستهلكين لا تشكل القيمة الدينية غاية ضمن دينامية أدينة للمجال العام بغاية رسم الفواصل الأيديولوجية وتوسيع حضور المجال الديني الخاص، كما يجوز أن تقرأ الظاهرة ذاتها في منظور تفهمي آخر. فاستدعاء الديني ضمن حقل الاقتصادي يجوز فهمه على أنه ابتكار بمفهومه الشومبتري((شومبيتر.جوزيف.أ، «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية»، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011م، 199-207.)) الذي يجعل من التاجر المسلم أو التاجر المتأسلم((أي التاجر الذي ينخرط في هذه التجارة التي تتوجه إلى فئة مخصوصة من المستهلكين وتراعي أو تقترن بقيم دينية إسلامية دون أن يكون مسلمًا، ومن ثَمَّ فهو يتبنى هذا الخط التجاري بمعقولية تجارية وبمنطق السوق أو بمنطق مقاولاتي.)) أو الموظف للخطاب الديني في التجارة والمعاملات التجارية مقاولًا يلتقط بذكائه التجاري ومعقوليته الاقتصادية الرأسمالية فكرة جديدة ينجح في تسويقها لخلق ممارسة جديدة (تجارة متأدينة) أو فكرة جديدة أو منتج جديد (بضاعة إسلامية) أو تغيير موقف المستهلكين من منتج ما يمنحه مجالًا جديدًا للانتشار والرواج أو قد يخلق عنصرًا جديدًا في السوق (التاجر المسلم) وخلق مؤسسات اقتصادية وتجارية جديدة (صناعة الحلال) أو في كثير من الأحيان خلق أسواق جديدة لم تكن موجودة وذات قدرة تنافسية وتسويقية عالية.

فسوق الحلال تجاوز بُعده المحلي الموصول بالجاليات الإسلامية ليتوسع إلى البلدان الإسلامية ذاتها، وليشكل سوقًا عالمية للحلال كقطاع اقتصادي جديد موسوم بالقدرة السريعة على النمو وتحقيق أرباح ضخمة. فصناعة الحلال العالمية أضحت من القطاعات الأسرع توسعًا مجاليًّا وتنمويًّا يقدر سنويًّا بـ20٪ مما يبوّئها المراتب الأولى عالميًّا في سرعة النمو. فسوق الحلال العالمي تجاوزت دائرته الزبونية أو الاستهلاكية مليار وثمانمئة مليون مسلم في مختلف بلاد العالم، ولم يعد ينحصر في الغذاء والمنتجات الغذائية، بل توسعت إلى صناعات الأدوية، ومستحضرات التجميل، والمنتجات الصحية، ومستلزمات وأجهزة طبية والأزياء، والسياحة الحلال، ووسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية، والعلامات التجارية. وتشير تقديرات تقرير الاقتصاد الإسلامي العالمي 2017/2018م إلى أن الإنفاق الإسلامي العالمي على قطاعات الحلال بلغ تريليونَيْ دولار في عام 2016م. وتستأثر المواد الغذائية والمشروبات بالنصيب الأوفر حظًّا في إنفاق المسلم بمبلغ 1.24 تريليون دولار، تليها الأزياء بمبلغ يصل إلى 254 مليار دولار، و198 مليار دولار على الإعلام والترفيه والإنفاق على المستحضرات الصيدلانية ومستحضرات التجميل بقيمة 83 مليار دولار و57.4 مليار دولار.

لا يستقيم إقصاء تأويل أن تكون الظاهرة وتوسعها في المجتمعات الغربية تعبيرًا عن عودة الديني وتوسع الصحوة الدينية للجالية المسلمة بهذه المجتمعات، أو كذلك بالمجتمعات المسلمة ذاتها في حركة تبحث عن مصالحة السوق (الحقل الاقتصادي) للهوية وقلقها الذي يدفعها إلى البحث فيما يمثل، ضمن عالم السوق والتبضع، خصوصيتها((المعموري. ناجح، «القرابات المتخيلة»، دار تموز، ط 1، دمشق، 2012م، ص 7.)) الثقافية. فتتمسك بنظام البيع الحلال هذا وتصنع منه ما يسيج وعيها بهويتها أو يمنحها عنوانًا هوويًّا في المجال العام الذي تتحرك وتتفاعل ضمنه مع المختلف والمغاير. فالمسألة إيمانية بالنسبة للمتبضع لكونها تصالحه مع ذاته ومع صورته ومع المنظومة القيمية للدين، لكنها ليست دائمًا كذلك بالنسبة للمقاول المنخرط ضمن هذه السوق أو الصناعة المتدينة أو المتأسلمة. فهو تاجر وصانع يحتكم فعله أساسًا إلى القيم الربحية لنشاطه وإلى المردودية السوقية لاختياراته. إننا هنا أمام سردية دينية جديدة (برجوازي متدين أو متدين برجوازي)، لا تمثل أدينة السوق غاية لديها، بل إن التداخل بين الديني والاقتصادي يحمل معه تجربة نجاح بما أنها تخلق من الدين وقيمه رافعة روحية للفعل الاقتصادي (الناجح أو الرائج)، وتجعل من السوق أو النشاط التجاري رافعة مادية لتوطين رابطة بالهوية الدينية.

على أن تخالف معايير الحلال بين المجتمعات ضمن الأسواق العالمية للحلال، لا يتسيج دائمًا بمضمونه وبعده الاقتصادي، بقدر ما يشي تأثير الاختلافات المذهبية والتنوع الإثني للمجتمعات، وما تحمله من أفهام وتموقعات فقهية متباينة ومتخالفة، تجد في الحقل الاقتصادي رافعة مادية (السوق)((هايني. باتريك. «إسلام السوق»، ترجمة عومرية سلطاني، مدارات للأبحاث والنشر، الدار البيضاء، 2016م، ص 39.)) لفرض اختلافها، واستقطاب المتدين عبر سلوكه الاستهلاكي. وبناءً عليه فإن صراع شهادات الاعتماد الحلال للمنتجات تشتغل كدينامية لعب، تتخذ من تداخل وتنافذ الاقتصادي والديني خطابًا أخلاقيًّا يجسر بين معقولية السوق (المنطق التجاري) والمعقولية الدينية (رابط الفرد بالهوية) وتؤسس لديناميكية اقتصادية للتسرب الديني؛ أي تمرير مضامين دينية عبر المنتجات المتصالحة ظاهريًّا مع الحداثة والموصولة بأشكال متنوعة ومتعددة بالخلفيات الدينية، أو الرسائل والسرديات الإسلامية حتى المذهبية منها.

تشفير الهوية الدينية:((هايني. باتريك. «إسلام السوق»، مرجع سابق، ص 96.)) نحو خطاب أخلاقي أكثر مقبولية في السياقات الجديدة للمنتج

إن اختراق الخطاب الديني للمجال العام الاقتصادي عبر منتج «الحلال» أو منتج ديني لا يستطيع أن يحافظ على عذرية الرباط بالديني في ظل سوق ينجح بعامل توسع دائرة الاستهلاك وظهور مستهلكين جدد غير إسلاميين، في إضعاف السياج الروحي الذي يحيط به الخطاب التسويقي للمنتج الحلال نفسه. فظهور مستهلكين للمنتجات الحلال لا ينتمون للدين الإسلامي ولا يدينون بقيمه يستدرج هذا الخطاب إلى مراجعات تفتح لقيم السوق التجارية اللادينية منفذًا أو طريقًا إلى مضمونه. فكيف لخطاب تسويقي لمنتج تمجده هوية دينيةٌ ما تصنع زبائنها، أو هي تستدرجهم بسردية رُوحية تُجَسّر بين الحاجات والرغبات الاستهلاكية للمتدين، وهويته أو رأسماله الثقافي؛ أن يحتمل إكراهات المجال العالمي الذي انفتح لهذا المنتج الجديد؟ فتوسُّع دائرة المستهلكين للمنتج الحلال من خارج دائرة الديني فتَحَ للعلمنة ولقيمها جيوبًا في المجال الأصلي والحيوي لهذا المنتج الديني بالأساس. أصبح لزامًا على معقولية التتجير والتسويق أن تخفف من قوة حضور الديني في التجاري والبحث عن سردية جديدة قادرة على المحافظة على الرباط الأصلي بمستنداتها ومقوماتها الدينية كمنتجات موجهة أساسًا لإشباع حاجات غير تجارية أو استهلاكية (دينية/ مخصوصة). فالمستهلك غير المسلم لمنتج مسلم اتخذ أبعادًا عالمية في تسويقه كجديد مغاير لا تعنيه القيمة الثقافية المولدة للمنتج بقدر ما تعنيه أبعاد الجدة والتفرد والابتكار والجودة والاختلاف في هذا المنتج الجديد.

أحرج توسع حضور ومقبولية المنتج الإسلامي في المجتمعات الأوربية خلفيته الأصلية الهووية على نحو أجبره على تشفير هذا الرابط بالهوية الدينية أو تخفيف بعده المرئي أو قوة رابطه الهوياتي. وأصبح الدافع الاقتصادي والتجاري هو السياق الجديد للفعل التسويقي لهذا المنتج الإسلامي موضوع تزايد الطلب عليه في مجال غير إسلامي أو مجال معولم تحكمه معقوليات مغايرة للسياقات الأصلية لنشأة فكرة المنتج «حلال». غير أن المنتج لا يمكن له أن ينقطع عن عمقه الديني وعن تواصل رباطه بالجمهور المسلم وفي الآن ذاته هو مدفوع بعامل الرغبة في استثمار إعجاب وإقبال غير المسلم على البعد الجمالي والابتكاري في هذا المنتج الجديد والمغاير لخصائصه الثقافية، على صياغة خطاب جديد أقدر على امتصاص هذا التناقض أو هذه المعادلة الصعبة بين الديني والتجاري، الهووي والاقتصادي، الأسلمة والعلمنة.

لم يجد المسوق للمنتج الحلال، الذي لم يعد الباعث المسلم بل الشركات الكبرى غير المسلمة، غير ما أسماه باتريك هايني بتشفير الهوية، أي إعادة التمفصل بين العلامة التجارية والمضمون الديني للمنتج الإسلامي في اتجاه يحافظ على البعد الهووي الديني (يصبح لا مرئيًّا أو أقل مرئية) من جهة ويخلق خطابًا ذا مقبولية أوسع عند غير المسلم المستهلك للمنتج «الحلال» بمعقولية مختلفة جرت هذه السلعة الدينية أن تتخفف من حمولتها الدينية وجسورها الأيديولوجية؛ لذلك وقع الاستعاضة عن الخطاب الديني بخطاب أخلاقي غير إثني أي غير مرتبط بالخصوصيات الدينية، حسب باتريك هايني، يكف عن صلابة القيود الدينية ويستبدل بها المضامين الأخلاقية (الحشمة مثلًا) ويمزج بين القيم الدينية والموضة العالمية (حدود جديدة رخوة بين المسلم وغير المسلم) عبر شعارات وعلامات تجارية تحيل بشكل غير صريح إلى معانٍ دينية أو طقوس تعبدية أو أسماء تاريخية أو رموز. فالحمولة الدينية للمنتجات الثقافية المتعولمة تغادر الخطاب المعلن لتعود بأشكال ترميزية ومدلولات رمزية تعيد صناعة الرابط الهووي للمنتج بالمستهلك الرئيس أي المسلم.

الخاتمة

ينكشف في هذا التراوح بين المعقولية التجارية ومنطق التسويق وبين البعد الهوياتي المولد لفكرة المنتج الحلال، ازدواجية خطاب يريد أن يطوع عالم التجارة (كمجال عام معلمن ومعولم) إلى قيم الدين (كمجال مخصوص موصول إلى معقولية مغايرة) أو ينفذ من خلاله إلى ممارسة الدعوة الدينية بأشكال مخاتلة ومجددة عبر منتج جديد يصالح بين المسلم في مجال غير مسلم مع عمقه الديني (الهوية) عبر أسلمة الموضة أو السياحة أو المنتج الغذائي أو المعاملات المالية أو البيع والشراء. غير أنه يفاجأ بتوسع مجتمعه الاستهلاكي نحو غير المسلمين وهو ما أرغم مقاولي المنتج الحلال على أن يسقطوا فيما أسماه هايني بإسلام السوق؛ أي تبنّي خطابٍ إدماجيّ بين الأسلمة والعلمنة وبين التجاري والديني عبر إستراتيجية التخفي وراء الجمالي والرمزي اللذين يمنحان الخطاب التسويقي الجديد ديناميكية أقدر على استيعاب تناقض مرجعيات المستهلكين للمنتج الحلال. أم إننا أمام تحولات حقيقية تكشف أو تعاظم علاقة رخوة بالدين تجسر نحول توسع حضور إسلام السوق في الممارسة الثقافية للدين وبخاصة المسلمون ضمن سياقات مجتمعية غير إسلامية؟ أم إننا أمام ما يسميه برغر Berger بإعادة السحر إلى العالم((Berger.Peter, Le Réenchantement du monde, paris, Bayard, 2001.)) أي تحول المتعهد الاقتصادي إلى متعهد ديني يتخذ من الأشكال الثقافية المعولمة جسرًا نحو خطاب إسلامي متحجب بمعنى أنه يحتجب خلف منتجات ثقافية تنكر حمولتها الدينية.


المراجع:

– أبو العلا. محمد عبده، العلمانية وجدل العام والخاص، مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، إبريل 2016م. www.mominoun.com.

– بتلر. جوديث، الذات تصف نفسها، ترجمة: فلاح رحيم دار التنوير، ط 1، بيروت، 2014م.

– بدوي. أحمد موسى، ما بين الفعل والبناء الاجتماعي، بحث في نظرية الممارسة لدى بيير بورديو، مجلة إضافات، العدد الثامن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009م.

– روا. أوليفيه. تجربة الإسلام السياسي، ترجمة نصيرة مروة، دار الساقي، بيروت، 1996م.

– شومبيتر.جوزيف.أ، الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011م.

– غيرتز.كليفورد، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009م.

– المعموري. ناجح، القرابات المتخيلة، دار تموز، ط 1، دمشق، 2012م.

– هايني. باتريك. «إسلام السوق»، ترجمة عومرية سلطاني، مدارات للأبحاث والنشر، الدار البيضاء، 2016م.

– Berger.Peter, Le Réenchantement du monde, paris, Bayard, 2001.


دور‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أزمات‭ ‬العصر

علي محمد فخرو كاتب بحريني

لا يمكن الحديث عن القيم والمبادئ التشريعية الدينية الضرورية والقادرة على تصحيح نواقص الفكر الاقتصادي العولمي الحالي وعلى مواجهة فواجع تطبيقاته في الواقع الإنساني الحديث، إلا إذا سبقه، ولو باختصار شديد، إبراز الفكر السياسي الذي يحكم بصور مشوشة الواقع الاقتصادي ويحدد له أهدافه وحدوده وعلاقته بعوالم الاجتماع البشري، التي يقبع الدين في قلبها. هذا الفكر السياسي هو في الواقع حصيلة مدارس فكرية متعددة تفاعلت وتصارعت عبر قرون عدة، خصوصًا ما بين شتى صور الفكر الليبرالي الديمقراطي من جهة، وشتى صور الماركسية الاشتراكية والشيوعية من جهة أخرى؛ ليصل لأسباب تاريخية متعددة ومعقدة، إلى صورته الحالية العولمية المهيمنة تحت شعار: النيوليبرالية العولمية، الذي يضيف إليه بعضٌ شعارَ الرأسمالية بحيث أصبح غير ممكن الحديث عن أحدهما من دون الحديث عن الآخر الملازم له فكرًا وممارسة ليصبح تحت اسم النيوليبرالية الرأسمالية العولمية.

باختصار شديد تطرح النيوليبرالية، وإلى حد ما يشاركها في كثير مما تطرح الفكر المحافظ الجديد، الأفكار والشعارات الأيديولوجية التالية:

أولًا- أن فكرة الأمة، التي تطلبت سلطة حكم قوية تنظم أغلب نشاطات مجتمع الأمة، هي فكرة قديمة ما عادت تصلح لهذا العصر، عصر العولمة، الذي يتطلب حرية تبادل الأسواق من دون عوائق تفرضها السيادة الوطنية للأمة.

ثانيًا- وبالتالي فإن مسؤوليات سلطات الحكم الوطنية وعلى الأخص ما عرف منذ نهاية الحرب الثانية بالالتزام بدولة الرعاية الاجتماعية، وعلى الأخص، في حقول التربية والتعليم والصحة والبطالة والإسكان والمواصلات العامة، يجب أن يقلّص ويتراجع، ليفسح المجال أمام خصخصة تلك الحقول الاجتماعية لتقوم بها شركات خدمات خاصة ربحية. وبالتالي فهي ليست حقوق بمقدار ما هي امتيازات على الإنسان أن يشتريها كسلعة.

ثالثًا- أما الاقتصاد فإن تلك النيوليبرالية الرأسمالية قد همشت جانبه الإنتاجي، الذي عدَّتْه الرأسمالية الكلاسيكية الكينزية هدف النشاط الرأسمالي الأساسي المنتج لمزيد من الثروة والمؤدي إلى زيادة أعداد أفراد الطبقة الوسطى، قد همشته ليصبح اقتصادًا ريعيًّا وافتراضيًّا وهميًّا يدور في فلك المراهنات والمبادلات المالية، وعلى الأخص فيما بين من يمتلكون المال الوفير، والتي بدورها قادت إلى تقليص حجم الطبقة الوسطى، وإلى زيادة فاحشة في غنى الأغنياء وتركز الثروة في أيدي أقلية صغيرة منهم من جهة، وفي الوقت نفسه أدت إلى زيادة مهولة في عدد الفقراء وفقرهم المدقع من جهة ثانية.

ولقد قاد كل ذلك إلى زيادة كبيرة في نسب البطالة الظاهرة والمقنعة، وإلى تراجع مأساوي في أعداد وقدرات وحقوق النقابات العمالية، وإلى رؤية الملايين المشردين النائمين في الشوارع، وإلى التفكك الأسري.

رابعًا- وما كان لتلك النظرة السياسية الاقتصادية إلا أن تقود إلى عَدّ ما يرسم صورة الإنسان الحديث يجب أن يتمثل في، أولًا، فردية منغلقة على الذات وأنانية وممارسة لحرية شخصية وسلوكية منفلته، من دون مراعاة لأعراف أو دين أو وجود معنوي لآخرين، وثانيًا يتمثل في ممارسة مجنونة قصوى لمنافسة الآخرين وسلبهم ما لديهم كلما أمكن. فجأة وجد الإنسان نفسه محصورًا في فرديته المطلقة وفي تنافسه الأناني المجنون مع الآخر. وأصبحت البشرية مكونة من رابحين وخاسرين، والمجتمعات تدار كمؤسسات تجارية، والعلاقات بين البشر هي علاقات مصالح أنانية متنافسة، وأصبح الفرد يسمى رأسمالًا، وأن أي حدّ وتنظيم لذلك التنافس هو اعتداء على مبدأ الحرية، ويقصد به بالطبع حرية السوق المنفلتة والحرية الذاتية المنغمسة في الاستهلاك النهم.

وما كان لتلك الصورة البائسة لعالمي السياسة والاقتصاد، التي وضع أسسها في أوربا الفيلسوف والناشط السياسي النمساوي فريدريك حايك، وانتقلت بعد ذلك للولايات المتحدة الأميركية ليتسلم لواءها الفيلسوف والناشط الأميركي ملتون فريدمان، ولتتبناها قوى هائلة من أصحاب الثروات وبعض الجامعات ومراكز البحوث الممولة من المليارديرات والإعلام المجيش ببراعة لينشر تعابير وشعارات وخفايا النيوليبرالية الرأسمالية، وليطرحها ويزينها كدين جديد… ما كان لتلك الصور البائسة إلا أن تنتهي مؤخرًا بهجمة شرسة على القيم الدينية والأخلاقية والعلاقات الأسرية وأساسيات الزواج، حتى على التركيبة الإنسانية الجنسانية.

من هنا الأهمية القصوى لإبراز الدور الكبير الذي يمكن أن يؤديه الدين، وبالنسبة لنا الدين الإسلامي بالطبع، فيما لو استعين بتوجيهاته العقيدية الربانية وتشريعاته وقيمه الأخلاقية لمواجهة الكثير من الانحرافات الفكرية والسلوكية التي حلت بعالمي السياسة والاقتصاد النيوليبرالي. وبالمناسبة فإن الكتابات الناقدة لذلك الوضع البائس، التي تتزايد بصورة ملحوظة في بلدان الغرب تنتهي دومًا بوضع اللائمة لحدوث الأزمات الحالية على غياب القيم أو التلاعب بها وعلى المبالغة في تمجيد نسبية القيم ورفض اعتبار أي منها كقيمة مطلقة.

في وقتنا الحاضر، ومع انفجار الصراعات العسكرية، وعودة التنافسات الاقتصادية غير المنضبطة وما يصاحبها من أزمات مالية وتضخم، وتفشي الأوبئة الغامضة في العالم كله، وإمكانية انقلاب التقنية إلى كابوس في المستقبل المنظور، دخلت الحضارة، وعلى الأخص الغربية، في عدم اليقين وفي الشك في كل مسلماتها السابقة.

هناك شكوك حول صحة وصدق مسلّمات حتمية التقدم، وحول صعود وهيمنة العقلانية، وحول كثير من أنواع الحريات الفردية والجمعية، وحول النظام الديمقراطي، وحول إمكانيات العلوم المطلقة في حل مشكلات البشرية، وحول مستقبل البيئة الطبيعية وكوارث تقلباتها، وحول الكثير مما في مختلف الديانات من شرائع وقيم، بل حتى حول الأيديولوجيات السياسية الليبرالية الكلاسيكية ومصادرها الفلسفية.

نحن أمام حقبة اضطراب ذهني ونفسي وروحي بالغ التعقيد؛ بسبب غياب أية مرجعية يوثق فيها ويستجار بها. لكن الجميع يتفق على أنه لن يوجد حل صلب ودائم لتلك المشكلات المعقدة إلا إذا رافقه حل لأخطر وأشمل علله: وهو المتمثل في موضوع عودة القيم والأخلاق والفضائل إلى عالمنا، وعلى الأخص إلى عالمي السياسة والاقتصاد.

وفي اعتقاد كثيرين فإن الدين الإسلامي، كما سنبيّن، هو أحد أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في مسيرة تلك العودة.

جدلية الدين الإسلامي والاقتصاد وخلفيته السياسية

بالنسبة للدين الإسلامي هناك تناقضات عميقة، غير قابلة لأية مقاربة، فيما بين ما يدعو له ويسمح به أو يرفضه وما بين ما تدعو له وتمجده الأيديولوجية النيوليبرالية الرأسمالية.

ويجمع كثيرون على أن الثورة في القيم أكثر ضرورة من أي ثورة أخرى؛ لأنها ليست شيئًا مجردًا وقائمًا بذاته، وإنما هي منصهرة في السلوك والنشاطات الإنسانية برمتها. وتكمن قيمة تلك القوى في أن المجتمع الدولي العولمي برمته سيحتاج، إضافة للقوانين والتنظيمات والعقوبات، التوجه نحو ضمير الإنسان وأعماق داخله إذا كان يريد لتلك القوانين والتنظيمات النجاح والاستقرار والديمومة في الحياة الإنسانية.

إن المدخل الإسلامي لذلك هو ما أكده القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا من أن الإيمان يكسب صدقه وحيويته فقط إذا اقترن بالعمل الصالح. ولأن الإيمان مدخل للأخلاق والفضائل يخلص الكاتب المغربي طه عبدالرحمن إلى أنه خلافًا لما يقوله الغرب من أن ما يميز الإنسان من الحيوان هو العقل، فإن ما يميزه حسب النظرة الإسلامية تلك هو الأخلاق، وينتهي إلى أنه لا إنسان بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين.

وينظر الكاتب الدكتور علي عيسى عثمان إلى الموضوع الأخلاقي من زاوية أخرى مكملة؛ إذ إن الأخلاقية الإسلامية تستطيع إيصال الإنسان، بما تقتضيه فطرته من مسؤوليات أخلاقية واجتماعية وعقلية، إلى عزله وحمايته من سيطرة الجماعة وسلطان الظروف والأوضاع التي تمثل العصر والمكان الذي يعيش فيه.

ويضيف المستشار محمد سعيد العشماوي من زاوية النظر إلى ما سبق لينتهي إلى أنه عندما يستقيم الضمير وتنقى النفس ويرقى العقل وتقوى الروح، فإن الإنسان يقيم النظم على أفضل ما تكون ويطبق القواعد أسلم تطبيق، وهو ما فشلت النيوليبرالية الرأسمالية في الوصول إليه عندما جعلت النظم الاقتصادية تنبع من حرية الأسواق ومن التنافس الانتهازي فيما بين أصحاب الثروات، وتوزع الثروة لما تمن عليه الظروف من انسياب بعض تلك الثروة المتذبذب القليل مما تتفضل به جيوب الأغنياء إلى أفواه من يكدّون ويعملون ليلًا ونهارًا ليسدوا رمقهم ويطعموا عائلاتهم. ويخلص إلى أنه عندما يتكون الإنسان الرباني الذي يسمو بنفسه وبواقعه فإنه يضع أفضل النظم ويطبقها أصدق تطبيق. وهنا يجب أن نذكر أنفسنا دومًا بما قاله المفكر علي شريعتي من أن الأرض يرثها الصالحون… الصالحون قولًا…. والصالحون فعلًا…. والصالحون فكرًا.

ولعل أهم ما يميز الصالحين هو عيشهم، فكرًا وسلوكًا ونضالًا، حسب أهم شعار قيمي يطرحه القرآن الكريم وأسمى فضيلة يكررها، عيشهم حسب متطلبات وطروحات دعوة الحق والقسط والميزان، أي دعوة العدالة. ويشرح المفكر فهمي جدعان الأهمية الكبرى لذلك عندما يذكرنا بأن القرآن الكريم نفسه قد خص هذا المفهوم بمكانة مركزية وجعله موضوع أمر إلهي وصفة ثبوتية من صفات الله نفسه ففي القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية يتكرر الأمر بالعدل، والحكم بالعدل، وبالحق، وبالقسط، وبالميزان، مثلما يتكرر النهي عن الظلم والجور، وتنزيه الله عن أن يتصف بهما. وهو العدل الذي ينشد تحقيق مكارم الأخلاق والخير العام والمساواة في الكرامة الإنسانية وتأكيد مصلحة الجميع.

وليس من قبيل المصادفات أن يصبح العدل، الذي أعطاه الإسلام كل تلك الأهمية المركزية، هو المبدأ الأسمى الذي تطلبه مجتمعات ومؤسسات العصر الذي نعيش، كما أكده العديد من فلاسفة العصر وكُتّابه، من مثل الفيلسوف الأميركي جون رولز الذي عَدّ العدالة الفضيلة الأولى التي تحتاجها مؤسسات العصر لتواجه بها الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعصف بالإنسانية حاليًّا.

ولا من قبيل المصادفات أن تكون العدالة الاجتماعية في الإسلام هي من أبرز الموضوعات التي طرحها كثير من المفكرين الإسلاميين طيلة القرن السابق إلى يومنا الذي نعيش. ولقد شدّد كثيرون منهم على أن العدالة الاجتماعية في الإسلام التي يتحدثون عنها هي عدالة إنسانية شاملة وجامعة، وليست اقتصادية فقط، تختلط فيها الأهداف الربحية المادية بالقيم الأخلاقية والروحية، وهي نظام تكافلي تضامني يتغير بتغير الأزمنة ولكن يجب أن يسمو بمرورها. وهي عدالة تلح على المساواة في الحقوق والواجبات، وبينما تقر الحرية الفردية إلا أنها تعدّ المصلحة العليا للمجتمع هي الحاكمة لتلك العلاقة فيما بين الفرد والمجموع. وبينما تقر حق الملكية الفردية فإنها تضع لها محددات وشروطًا تبعدها من الشطط والاستغلال.

أهداف السلام والتكافل والرخاء

ويستطيع الإنسان أن يرى في تلك النظرة الإسلامية لهذه الفضيلة الأخلاقية وما يتفرع عنها تحقيق أهداف السلام والسعادة والتراحم والتكافل والرخاء الاجتماعي، ورفضًا لكل علاقة تؤدي إلى مشهد الأزمات المختلفة والمتعاقبة التي برع الإنسان العصري وبرعت تنظيماته في تفجيرها. ولعل أسطع مثال على ذلك قصص الأنظمة والممارسات البنكية في إقراض القروض السكنية للأفراد التي فجرت العديد من الأزمات والإفلاسات في العقود الأخيرة بسبب التلاعب بمقدار وتذبذب وشروط فوائدها الربوية الفاحشة، من دون تدخل وضبط مبكّر من جانب سلطات الحكم لمنع الوصول لتلك الكوارث.

هنا يقدر الإنسان الموقف الإسلامي الأخلاقي الحقوقي من موضوع الربا لمنع كوارثه.

وإنه من الضروري الإشارة إلى أن تلك الصورة التي أبرزت بشأن إمكانية أن يكون هناك دور للقيم الإسلامية في مسيرة الاقتصاد والسياسة والاجتماع لا دخل لها بالمناقشات حول موضوعات الموقف من مثل الثيوقراطية أو العلمانية أو الحاكمية أو الديمقراطية أو العولمية أو كثير من الأيديولوجيات؛ ذلك أن موضوع نقاشها له مكان آخر ومقاييس أخرى خارج ما تطرحه هذه المقالة.

وأخيرًا، ففي كتاب صدر مؤخرًا في إنجلترا عن «الأخلاقية» بقلم جوناثان ساكز، يعيب على العالم الغربي كونه قد أوصل حضارته الحديثة إلى استهتار مخيف بالقيم الأخلاقية وبالعلاقات الإنسانية الذي يقف وراء أزماته الكثيرة الحالية. ما يلفت النظر هو أنه يختم كتابه بفصل كامل عما تستطيع الديانة التي ينتمي إليها فعله في عملية انبعاث جديد لتلك القيم والعلاقات.

ونحن بدورنا حاولنا تأكيد أن للديانات دورًا يمكن أن تلعبه، كما حاولنا إظهاره بوضوح بالنسبة للدين الإسلامي الحنيف، خصوصًا إذا تذكرنا أنه رسالة موجهة للإنسانية جميعها التي قالت عن هذا الحق: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وأنه ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ.

إعلاء الحق والقسط والميزان الرباني، قيمًا وعلاقات والتزامات ومكونات من الضمير والنفس والسلوك، يمكن أن يساهم بصورة كبيرة في مواجهة كوارث الاقتصاد وغير الاقتصاد.


الاقتصاد‭ ‬والدين‭:‬ علاقة‭ ‬جدلية‭ ‬أم‭ ‬تكامل؟

الاقتصاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والإلحاد

شادي أرشيد الصرايرة – أستاذ الاقتصاد بكلية عمان الجامعية للعلوم المالية والإدارية

الاقتصاد من العلوم الحديثة التي تعتمد على العلوم الرياضية والإحصاء وتقنيات تحليل البيانات؛ لذا لا يمكن الركون إلى النتيجة التي توصل إليها العلماء والمفكرون عن ماهية مسببات النمو واستدامة الازدهار الاقتصادي، دون اختبارها ضمن منهجيات وأساليب رياضية مقننة وموثوقة. وبناءً عليه؛ فقد فحص الاقتصاديون وحللوا بيانات يعود تاريخها إلى أربعين سنة مضت في عشرات الدول، وذلك في محاولة لاستكشاف الأثر الاقتصادي للمعتقدات أو الممارسات الدينية، ووجدوا أن الدين له تأثير ملموس في الاقتصادات النامية.

يقلل من الفساد

كذلك؛ قدم الاقتصاديون الإيطاليون نتائج تفيد بأن الدين يمكن أن يعزز الناتج المحلي الإجمالي عبر زيادة الثقة داخل المجتمع، كما أظهر باحثون في الولايات المتحدة أن الدين «يقلل من الفساد، ويزيد من احترام القانون بطرق تعزز النمو الاقتصادي العام». وقد جمع روبرت بارو، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد، وراشيل ماكليري، الباحثة في مركز توبمان بجامعة هارفارد أيضًا، بياناتٍ من تسعة وخمسين بلدًا، يدين أغلبية سكانها بواحدة من الديانات الرئيسة الأربع، وهي الإسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية، وذلك في المدة من 1981م إلى 2000م، وقاسوا متغيرات مثل: «مستويات الإيمان بالله، ومعتقدات الآخرة، وإقامة الشعائر الدينية»، ووضعوا كل تلك البيانات في نماذج إحصائية، لتظهر النتائج وجود علاقة قوية بين النمو الاقتصادي وبعض التحولات في المعتقدات. وفي ضوء ذلك تقول ماكليري: إنها ترى أن الدين يغير السلوك الاقتصادي للناس. وعلى الرغم من نمو عدد الملحدين عالميًّا في القرن العشرين، فإن تلك الزيادة لم تسر بمعدلاتها الطبيعية في الأعوام القليلة الماضية، التي تشير إلى نتيجة ربما لم تكن متوقعة، أو صادمة لمن يدعي غلبة الإلحاد على المستوى العالمي بحلول عام 2038م، وهي أن أعداد الملحدين في العالم قد تتناقص. فقد وجد الاستطلاع الذي أجراه معهد وين غالوب عام 2012م أن 13% من سكان العالم ملحدون، وبحلول عام 2015م انخفض عدد الملحدين بمقدار نقطتين مئويتين. وربما تثير تلك الإحصائية تساؤلًا منطقيًّا؛ إذ كيف يتراجع الإلحاد مع هذا التقدم الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق الذي وصل إليه العالم الآن؟ وبخاصة مع ربط اللادين العام والشعبوي بشكل ما بالتقدم الاقتصادي، إلا أنه ربما تتكشف في الأعوام القادمة بشكل أكبر درجة التفاعل بين الإلحاد والدين وتأثيرهما في الوضع الاقتصادي.


مبادئ‭ ‬وقوانين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي

صلاح الحماديأستاذ الاقتصاد الإسلامي بالجامعة العربية المفتوحة بالكويت

الدين الإسلامي له علاقة مباشرة بالاقتصاد من خلال توجيهاته وقوانينه الاقتصادية الخاصة. ومن أهم مبادئ وقوانين الاقتصاد الإسلامي تحريم الربا، أو الفوائد المفرطة، حيث يُعَدّ الربا أو الفوائد المفرطة محرمًا في الإسلام. وهذا يؤثر في نظام التمويل والقروض في الاقتصاد الإسلامي الذي يشجع على الصيرفة الإسلامية وممارسات التمويل الخالية من الربا، والزكاة التي هي صدقة مفروضة على الأثرياء، لتوزيع جزء من ثرواتهم على الفقراء والمحتاجين. وتُعَدّ الزكاة جزءًا من النظام المالي الإسلامي لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفقر. ثالث هذه المبادئ هو العدالة الاجتماعية، حيث يشدد الإسلام على أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة على نحو عادل. وهو ما يؤثر في السياسات الاقتصادية والتوزيع العادل للثروة. وخامسها هو المشاركة في المخاطر والأرباح، فنظام الصيرفة الإسلامي وأسواق المال الإسلامية تشجع على المشاركة في المخاطر والأرباح بين الجميع، ويتجنب المشاركة في الأنشطة المحرمة.

ومن ثم فإن الاقتصاد الإسلامي يهدف إجمالًا إلى تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية والامتناع عن الممارسات المحرمة والمعاملات غير العادلة والربا. هذه المبادئ والقوانين تشكل جزءًا أساسيًّا من العلاقة بين الدين الإسلامي والاقتصاد الإسلامي.


الأديان‭ ‬لم‭ ‬تضع‭ ‬نظامًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬للمؤمنين

عبيد خليفي – باحث تونسي

ليس للدين في الاقتصاد من شيء. هذه مصادرة يثبتها تاريخ الأديان، فالأديان جاءت لتحدد طبيعة العلاقات العمودية بين الذات البشرية والذات الإلهية، بين الأرض والسماء، وتنعكس على الحالة السلوكية الفردية القائمة على الأخلاق، أما الاقتصاد فهو علاقة أفقية بين البشر. في علاقة تقوم على العدل والظلم والاستغلال والربح والخسارة. أثبت تاريخ الأديان استغلالًا فاحشًا للدين في ممارسة النشاط الاقتصادي، وتحديد طبيعة علاقات الإنتاج من الريع والإقطاع والرأسمالية. في الأديان التوحيدية كان هناك تداخل وظيفي بين الاقتصاد والدين، ليس أقلها البحث عن بركة الكنيسة والبيعة والمسجد ورجال الدين، وليس أكثرها الحروب الدينية التي تخفي مصالح اقتصادية، فما يُسَمَّى الفتوحات الدينية هي رغبة لتحول الدول إلى إمبراطوريات اقتصادية تسيطر على مصادر الثروات والطرق التجارية الدولية، على الرغم من الصيغة التضامنية لمعاش الناس في الأديان فإن هذه الأديان لم تضع نظامًا اقتصاديًّا للمؤمنين، وقد حاول كهنة الدين ورجاله استنباط نظام اقتصادي في ظاهره تضامني، لكنه يحافظ على طبيعة علاقات الإنتاج الراهنة، ففي السياق الإسلامي مثلًا رفعت الصحوة الإسلامية شعارًا مركزيًّا «الإسلام هو الحل»، وكتب منظرو التيارات الإسلامية كتبًا تحت عناوين: «الاقتصاد الإسلامي»، ولكن هذه النظريات لم تصمد أمام النظم الاقتصادية سواء الاشتراكية أو الرأسمالية أو النيوليبرالية. فالصحوة قدمت نظريات التوفيق والتلفيق لرؤية سطحية ساذجة في تصور طبيعة علاقات الإنتاج، ومن ثم يقع تركيزها على مفهوم الاقتصاد التضامني الذي هو مفرزة لتلطيف وحشية النظام الاقتصادي الرأسمالي.

ماكس فيبر والنظام الرأسمالي الحديث

وقد اعتقد ماكس فيبر أن النظام الرأسمالي الحديث الذي تطور في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوربا يعود في روحه إلى الذهنية البروتستانتية التي أنتجت قيمًا ومعايير عقلانية جديدة، شجعت على العمل الحر والتنسك والادخار، وخلقت مناخًا فكريًّا ساعد بدوره على تطور النظام الاقتصادي الحر، وبالتالي على تطور ونمو الرأسمالية في أوربا، وهو في النهاية مرتبط بعملية إصلاح ديني لم تحدث في بقية الديانات، والحقيقة أن هذا الإصلاح كان دافعًا لخروج الاقتصاد من التوظيف الديني التقليدي إلى قيم الحرية والعقلانية والمبادرة.

والعالم العربي لم يشهد إصلاحًا دينيًّا عميقًا، فقط كانت هناك محاولات لتحريك الإسلام في بعده الوظيفي السياسي، فنشأ الإسلام الحركي السطحي على قبور المصلحين الكبار، وأفشلوا مشروعاتهم في تجديد الخطاب الديني. وهذه المجتمعات العربية سواء زمن الاحتلال أو تأسيس الدولة الوطنية كانت عاجزة على تجذير علاقات اقتصادية لا تخضع للتبعية، فتكاسلت وراحت تبحث عن نماذج اقتصادية اشتراكية ورأسمالية مشوهة.


لا‭ ‬علاقة بين‭ ‬الدين‭ ‬والاقتصاد

أيمن رفعت المحجوب – أكاديمي مصري

على الاقتصاديين الذين يشكلون النظام الاقتصادي الإسلامي أن يتذكروا أن مبادئ الإسلام تتفق مع العقل وتحرص على خير المجتمع، وأن يتصف هذا النظام بالمرونة الكافية لكي يتلاءم ويتعايش مع الظروف العالمية المحيطة والعولمة، والترابط الشديد في المعاملات التجارية والمالية مع الآخر، شريطة ألا يعارض ذلك نصًّا إسلاميًّا. وإذا راجعنا تاريخ النظام الاقتصادي الإسلامي نجد أنه قد مر بتطورات كثيرة استجابة للضرورات، وأذكر منها التطورات التي مرت بالضرائب، وبخاصة في عهد خلافة عمر بن الخطاب، فقد أعاد تنظيم الضرائب، كما استحدث ضرائب أخرى لم يأتِ بها نص القرآن أو السنة، من بينها ضريبة العشور على أموال التجارة المتنقلة بين أقاليم الدولة الإسلامية.

نظام اقتصادي مرن

وهذه التعديلات التي أدخلت تؤكد أن نظام الاقتصاد الإسلامي ليس نظامًا جامدًا (كما يتصور بعض) بل نظام مرن؛ يستجيب للضرورات، وأن المبادئ والقيم الإسلامية لم تكن حائلًا دون ذلك، وأن هذه التطورات كانت في مصلحة المجتمع، ويجب أن تظل هكذا حتى آخر الزمان؛ لتحقق مصلحة المجتمع والأفراد، واحترام حقوق الدولة. فقراءة التاريخ واجبة إن أردنا أن نكون دولة حديثة متقدمة. والحق أنه ليس هناك اقتصاد إسلامي وآخر مسيحي، مثلما أنه ليس هناك طب إسلامي وطب مسيحي، فالعلم علم. وأقصى ما يمكن قوله: إن هناك دراسات اقتصادية في النظام الإسلامي.


هوامش: