بواسطة أحمد مجدي همام - كاتب مصري | يناير 1, 2024 | نصوص
فجأة، انبثقت نقطة، نقطة زرقاء، وراحت تتحرك يمينًا ويسارًا، بسرعة تتزايد تدريجيًّا. في البداية كانت لها سرعة فراشة، ثم سرعة كرة بينج بونج، ثم سرعة كيس رمال تحت قبضتي ملاكم، وقبل أن أكتشف أن متابعة النقطة بسرعتها الجنونية ستصيبني بالتشنجات، كنت بالفعل قد تشنَّجت، وافترشت النقطة الزرقاء الوجود كله. لا أعرف كيف عرفتُ أن نوبة التشنجات ستستغرق عدة دقائق، وكان عليَّ الهروب من الألم بتمضية الوقت، حاولت أن أفكر في أن بداية الخليقة كانت نقطة زرقاء، توافرت لها الظروف المناسبة للمعيشة، فعاشت. إلا أن فكرتي كانت قصيرة، لم تسعفني سوى في استهلاك ربع الوقت المتبقي حتى انقضاء نوبة التشنجات، وعليه، انتقلت إلى فكرة أخرى، مفادها أن التقاء نقطتين زرقاوين قد يخلق عالمًا كاملًا من النقاط الزرقاء، لكني استدركت، وقلت لنفسي: إن التقاء نقطتين زرقاوين ربما يندرج تحت بند زنا المحارم، ولذا، فمن الأسلم التقاء نقطة زرقاء وأخرى خضراء، على أن تُعلن نقطةٌ حمراء النقطتين الزرقاء والخضراء زوجًا وزوجة. هذا أنسب شيء، وستفعله النقاط الملونة ابتغاء مرضاة من يريد أن نبتغي مرضاته.
انتهت النوبة، وعادت النقطة الزرقاء إلى موقعها، في منتصف الجدار، وبدأت دورة جديدة من التأرجح يمينًا ويسارًا، في البداية كانت لها سرعة فراشة، ثم سرعة كرة بينج بونج، ثم سرعة.. عند هذا الحد أغمضت عيني؛ كيلا تصيبني السرعة الجنونية للنقطة بنوبة تشنجات جديدة. وسألت نفسي: كم من الوقت يتعين عليَّ أن أُبقي عيني مغمضتين؟ وكان بديهيًّا أنني لن أعرف الإجابة إلا إذا فتحت عيني. ففتحت عيني.. ووجدتني جالسًا على الكنبة الثالثة في ميكروباص لا أعرف وجهته، على يميني سيدة منتقبة وعلى يساري محمد علي باشا، لكن بملابس عصرية.
تساءلت، لكنني لم أكن أعرف عَمَّا أتساءل بالضبط، كانت الحيرة تفيض من داخلي، وتلف جميع ركّاب الميكروباص، حتى إن الرجل جوار السائق تحوَّل إلى علامة استفهام فور مغادرته السيارة، ومحمد علي باشا أيضًا اخترق صفيح السيارة من الجانب الأيسر ونزل ليتحوّل من فوره إلى علامة استفهام.
أصابني هذا المصير المبهَم بالذعر، وخشيت أن أتحوَّل إلى علامة استفهام، وغزاني شعورٌ بأنني يجب أن أسأل أحد الركّاب عن حقيقة ما يجري، لكني -ولأسباب غامضة- كنت أشعر بالحرج من توجيه أي سؤال للسائق؛ لذلك ربما، بدأت أختنق بتساؤلاتي التي راحت تتكوم بداخلي وتنتفخ، حتى انفجرتْ إلى تسع مئة وسبع وأربعين شظية، تبعثرتْ من نوافذ الميكروباص، ودهستها خطوات المارة وإطارات السيارات وسنابك الخيل وأحذية الجنود. سمعتُ أحدهم يقول: إنني لغم أرضي منسي زرعته دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، بينما سخَّف آخر من هذا الرأي مؤكدًا أنني لست سوى دمّل في وجه الأرض، وأن مصيري كان معلومًا للقاصي والداني، وأن بعض المطهرات والمضادات الحيوية الموضعية كانت كفيلة بأن أصل لما أنا عليه الآن، وأنه لا أمل في شفائي إلا على يدي
النقطة الزرقاء.
جمّع الرجال أشلائي في عدة كراتين مُظلِمة كُتِب عليها «الأسلوب هو الرَّجُل»، ونُقلتُ عبر أثير الراديو إلى البلاد البعيدة التي تعيش فيها النقطة الزرقاء، التي كانت أول شيء أراه بعد أن فتحوا الكراتين المظلمة. وراحت النقطة الزرقاء تصنع دوائر هذه المرة، كانت تدور في البداية بسرعة عقرب الثواني، ثم بسرعة ملعقة تقلّب السكر في كوب من الشاي، وأخيرًا بدأت تدور بسرعة إطار دراجة نارية من نوع ياماها، وعند هذا الحد أصابت جسدي التشنجات، ووجدت نفسي مضطرًّا مرةً أخرى إلى استهلاك المدة المتبقية من النوبة
في التفكير.
في البداية قلت لنفسي: إن الأحلام هي رسائل الموتى والمسافرين، غير أن هذا لا يعني أن الموت والسفر شيء واحد. لفتت تلك الملاحظة انتباهي، ولوهلة، فهمت أن الأفكار التي تلفت انتباهي كفيلة بتخفيف آلام التشنجات، وهو الأمر الذي يجعلني مطالَبًا بوضع قائمة من الأفكار المثيرة، وتعاطيها أقراصًا لعلاج الصرع الناتج عن سرعة النقطة الزرقاء. كانت هذه الفكرة مثيرة أيضًا بما يكفي للقضاء على نوبة التشنجات في منتصفها.
رجعت إلى متابعة النقطة الزرقاء، التي راحت ترسم الدوائر مرة أخرى، بسرعة عقرب الثواني، ثم بسرعة ملعقة تقلّب السكر في كوب من الشاي، ثم أغمضت عيني تفاديًا لنوبة جديدة من التشنجات؛ إذ إن امتلاك آلية لتقصير مدة النوبة ليس سببًا كافيًا لتعريض نفسي لها باستمرار. فتحت عيني فوجدتني لافتة محل أحذية اسمه «أقدام مارادونا». شعرت بالفخر لاقتران اسمي بالأرجنتيني الشهير، وخطر على بالي أنني أولى الناس بذلك. كانت لدي قائمة طويلة من التبريرات لهذه الأولوية، لكنني لم أشعر برغبة في ذكرها؛ ذلك لأن الأمطار التي كانت تغرقني وتغرق واجهات المحلات وأرصفة الشوارع وأعمدة الإنارة، كدّرت مزاجي، وتسببت في احتراق أحد مصابيح الإضاءة بي، فانطفأت لافتتي، وذبلتُ وسقطتُ كإصبع مصابة بالجذام.
أعلن صاحب محل الأحذية الحداد على روحي، وقتل اثنين من أبنائه تعبيرًا عن حزنه، ثم قرر أن يصلحني، فأرسلني مع أحد صبيانه إلى الورشة لإصلاح أعطابي، لكن الوقت كان قد تأخر، فتركني الفني في ظلام الورشة على أن يعود لإصلاحي في اليوم التالي، وهناك في الظلام انبثقت النقطة الزرقاء مجددًا، ولاحظتُ هذه المرة أنها صارت أسرع بأضعاف، وأنها اختارت أن ترسم خطًّا عموديًّا، فراحت تتحرك من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس، بسرعة رهيبة، في البداية كانت تتحرك بسرعة قفزة لاعب كرة سلة، ثم بسرعة صاروخ من الألعاب النارية، ثم بسرعة رصاصة؛ لذلك أصبت بالتشنجات.
النوبة هذه المرة كانت طويلة. هذا ما أدركته منذ بدايتها. كان الألم قويًّا، ولم أكن قد جهزت قائمة بالأفكار المثيرة الكفيلة بتخفيف آلامي التي أجبرتني على أن أغمض عيني وأبكي في صمت، وحتى عندما حاولت الصراخ من شدة الألم لم يخرج مني أي صوت، لكني حين فتحت عيني وجدتني واقفًا في منتصف شقة واسعة، في يمناي إبريق شاي أصب منه في كأس من الخزف الصيني موضوع على صينية صغيرة. حملت الكأس وبدلًا من أن أقدمه للشاب ذي العين الوحيدة الذي يجلس في طاولة تقع في الزاوية، سكبت الشاي الساخن على صدره. أدركت في تلك اللحظة أن هذه الشقة مطعم وأنني أعمل نادلًا فيه. صرخ الشاب وتعالت أصوات رواد المطعم، وتدخّل مديري الذي وبخني كثيرًا، ثم طردني من العمل ليمنع الزبون ذا العين الوحيدة من تقديم شكوى ضد المطعم لدى جهاز حماية المستهلك.
غادرتُ المطعم حزينًا بعد أن استلمتُ بقية مستحقاتي، وتساءلتُ في قرارة نفسي؛ إن كان بوسع النقطة الزرقاء أن تحل هذه المشكلة، إلا أن محمد علي باشا ظهر بملابسه العصرية من أحد الشوارع الجانبية وأجاب بحسم: الصلوات ليست كفيلة بتغيير أي شيء، وكذلك النقطة الزرقاء.
ثم تحوّل إلى نقطة زرقاء على الجدار، وتلاشى.
بواسطة إبراهيم حاج عبدي - كاتب سوري | يناير 1, 2024 | كتب
لا يمل الكاتب والمترجم والروائي الكندي الأرجنتيني ألبرتو مانغويل من الكتابة عن «الكتب والمكتبات وفعل القراءة». فشهرته الواسعة لم تأتِ من الروايات أو المقالات أو الترجمات التي أنجزها، وله في هذه الحقول مؤلفات عدة، بل أتت تحديدًا من شغفه بالكتاب؛ إذ تحول هذا الشغف، وعلى امتداد نحو نصف قرن، إلى مشروع معرفي وثقافي وجمالي تجلى في كتب عدة حول الكتاب، ومنها: «تاريخ القراءة» و«ذاكرة القراءة» و«المكتبة في الليل» و«يوميات القراءة».. وغيرها من المؤلفات المماثلة التي أظهرت قدرته على تقديم رؤى معمقة حول دور الكتب والقراءة في حياة الإنسان.
وعلى الرغم من هذه الشهرة التي حظي بها مانغويل ككاتب موسوعي ترجمت كتبه إلى لغات عدة، بينها اللغة العربية التي استقبلت معظم مؤلفاته، فإن مانغويل، المولود في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عام 1948م، يَعُدّ نفسه «قارئًا» أكثر من كونه كاتبًا. فهو يعد القراءة «فنًّا وتجربة شخصية» تحمل الكثير من الأبعاد والتأثيرات في الفرد، ويسعى من خلال كتاباته إلى فهم هذه الأبعاد ومشاركة كل هذه التجارب مع الآخرين، وهو ما منح أعماله طابعًا «فريدًا ومميزًا»، وخوّله لأن يكون أحد أبرز الكتّاب؛ ذلك أن مؤلفاته تعد بمنزلة حوار مستمر ومتواصل مع السرديات الكلاسيكية في الأدب العالمي ومع تراث الأسلاف، وخصوصًا كتابه الأشهر «تاريخ القراءة»، الذي صدر عام 1996م، وتُرجمَ إلى أكثر من 35 لغة، ودخل لوائح الكتب الأكثر مبيعًا على مستوى العالم.
القراءة كطقس يومي
وإذا كان الناس يقرؤون للمتعة أو لتزجية الوقت أو لزيادة المعرفة أو لإنجاز بحث علمي معين، فإن القراءة لدى مانغويل تحول إلى هوس وعشق خاص، وطقس يومي، وهو ما يشرحه مانغويل في معظم كتبه، مستخدمًا عبارات عاطفية ووجدانية في علاقته بالكتب والمكتبات، تمامًا كما هو الحال لمواطنه ومعلمه الأول الشاعر والكاتب الأرجنتيني بورخيس الذي كان يتخيل أن «الفردوس» لا يمكن أن يكون إلا على شكل مكتبة كونية مذهلة. ومانغويل، بدوره، شيّد عالمًا متخيلًا حدوده «جدران مكتبة»، وأظهر في مؤلفاته كيف تضفي كلمات الكتب التناغم على العالم وتمنحنا «أمكنة آمنة قليلة، حقيقيةً كالورق ومنعشة كالحبر».

ألبرتو مانغويل
ويبدو أن تعلق مانغويل بالقراءة والكتب يعود إلى فترة مراهقته وصباه حينما كان يقرأ الكتب لبورخيس (1899- 1986م) الذي فقد بصره عندما تقدم به العمر، فكان يستعين بأشخاص آخرين كي يقرؤوا له بصوت عالٍ. وكان مانغويل من بين قرائه المتطوعين في ستينيات القرن الماضي، وأصدر كتابًا عن هذه التجربة بعنوان: «مع بورخس»، مبينًا تأثيرات تلك العلاقة المبكرة مع أحد أبرز الكتاب على شخصيته وخياراته في الحياة.
في كتاب «حياة متخيلة» الصادر حديثًا عن دار الساقي بترجمة مالك سلمان، سنتعرف عبر 207 صفحات إلى المزيد من آراء وطروحات وأفكار مانغويل عبر حوار طويل أجرته معه الناقدة والصحافية السويسرية، المقيمة في ألمانيا، سيغلندة غايزل التي تصحب القارئ في رحلة «استثنائية» تنجح خلالها في رسم «بورتريه»، شخصي ومهني، تعجّ بالتفاصيل عن طفولة مانغويل، وعلاقته بوالديه وإخوته، وتأثير مربيته الألمانية إيلين فيه، وتجربته النادرة في إدارة المكتبة الوطنية في الأرجنتين، وتكوينه الفكري، ومكتبتِه التي ضمّت أربعين ألف كتاب أنشأها في منزل قديم ببلدة فرنسية، قبل أن يضطر إلى تفكيكها ووضع محتوياتها في المخازن إلى أن عثر على عرض من البرتغال بضم هذه الكتب في مكتبة عمومية بالعاصمة لشبونة. ويتحدث كذلك عن تأثير اللغات في الخيال، والأدب بوصفه وسيلةً علاجية، ومحطات إقامته التي توزعت بين الأرجنتين وكندا وفرنسا والولايات المتحدة، وقضايا العرقية والديمقراطية… وغير ذلك من المواضيع التي تأتي بمنزلة سيرة ذاتية لمانغويل.
المربية إيلين
يتحدث مانغويل في الكتاب عن طفولته التي قضاها وحيدًا من دون أصدقاء، فهو الطفل الأكبر الذي بقي بعيدًا من إخوته معظم الوقت: «لم أكن على احتكاك مع أي أطفال. لا أعرف لماذا لم يعرّفوني إلى أطفال آخرين لألعب معهم؟». ويصف ظروف تلك المرحلة العمرية الحساسة من حياته بأنها «فريدة»، فقد عاش تقريبًا بلا رعاية أب أو عطف أم، بل على يد مربيته إيلين حتى سن الثامنة.
وفي نوع من المكاشفة الجريئة، يعترف مانغويل بأن والدته بدت أنانية في سلوكها، ولا تعنى إلا بحياتها الاجتماعية، وحفلاتها التي تفضلها على كل اهتمام بأطفالها، أما والده فلم يكن أحسن حالًا، بل كان يعيش حياة مزدوجة مقسمًا بين عائلتين، فقد كان متزوجًا من امرأة أخرى غير والدته، ولم يكن يعبأ باحتياجات أطفاله ولا يعرف عن تفاصيل حياتهم إلا القليل.
ومع هذا الإقرار بعدم اكتراث أبويه به، فإن مانغويل يعترف، في الآن ذاته، بفضل مربيته الألمانية إيلين عليه، التي كان تخاطبه بالألمانية والإنجليزية، ويستعيد، في الكتاب، سنوات حياته المبكرة معها بنوع من الوفاء والتوقير: لم أنشأ في كنف والدي، بل على يدي مربيتي إيلين.. قرأنا معًا مقاطع من الإبريق المكسور، وحفظت بعض قصائد غوته وهاينه. كانت تقرأ لي حكايا الأخوين غريم، و«أليس في بلاد العجائب»، وقصصًا من «ألف ليلة وليلة». ويستدرك، هنا، قائلًا: «لم تكن إيلين تمنعني من قراءة أي شيء، فهي لم تقل قط هذا ليس لك، هذا أدب مكتوب للبالغين»، في إشارة إلى أن قصص ألف ليلة وليلة تضم حكايات لم تكن مناسبة له، آنذاك، وهو طفل.
ويستذكر مانغويل تلك اللحظات التي استطاع فيها القراءة وفك الحروف وهو في الرابعة: «شعرت بأنني ساحر؛ إذ يمكنني تحويل بقع الحبر إلى كلمات. ولم أعد بحاجة لانتظار إيلين لتقرأ لي كي أستمر في اكتشاف الحكاية». ويشير مانغويل إلى سلبية وحيدة لدى إيلين وهي أنها كانت تفتقر إلى أي حس «للفكاهة أو النكتة»، قائلًا: إنهما عندما كانا يتابعان، مثلًا، أفلام تشارلي شابلن و«لوريل وهاردي»، فإن إيلين لم تكن تشاركه الضحك، بل تحاول مناقشة المشاهد الكوميدية الخفيفة بالأسئلة والاستفسارات الجادة.
ماذا تقرأ؟
لعل من أكثر الأسئلة التي تثير الفضول والتي يمكن توجيهها إلى «قارئ شره» مثل مانغويل، هو: ماذا تقرأ؟ وهو ما تفعله المحاورة غايزل، فيجيب صاحب رواية «أخبار من بلاد أجنبية»: «أنا قارئ لكل شيء». معززًا إجابته بعبارة يقولها سرفانتس في بداية «دون كيشوت»: «إنه يقرأ حتى الأوراق الممزقة المرمية في الشارع». ويواصل مانغويل: «أنا لا أتوقف عن القراءة سواء كنت في السرير أو القطار أو في الحمام أو أثناء تناولي الغداء. أحمل دومًا كتابًا في يدي إلا إذا كنت أتحدث إلى أحد، وإن لم يكن لدي كتاب، فإنني أقرأ ما هو مكتوب على علبة الدواء».
وليس هناك من كتاب معين استأثر باهتمامه طوال الوقت، فحسب رأي مانغويل، هناك كتب مختلفة لأوقات مختلفة في حياتي قد تكون مرة «دون كيشوت»، وتارة «الجبل السحري» لتوماس مان، أو «أليس في بلاد العجائب»… وهكذا، وفي المدة الأخيرة «اهتمامي منصبّ على دانتي»، وخصوصًا عمله الكلاسيكي المعروف «الكوميديا الإلهية»، معترفًا بأنه حاول قراءة دانتي في سنوات سابقة لكنه أخفق، ليقع في غرام مؤلفاته، في سن متأخرة.
وردًّا على سؤال يحمل قدرًا من الإحراج: هل تخلصت من بعض الكتب؟ يجيب مانغويل بأن هناك كتابًا واحدًا رماه في سلة المهملات، وهو كتاب «مختل أميركي» لبريت إيستون إيليس، الذي تحول إلى فِلْم أيضًا، معللًا: «وجدت الكتاب شريرًا جدًّا… فهو نص مكتوب بهدف توصيف المتعة المستمدة من إلحاق الأذى بالآخرين».
واللافت في هذا الكتاب الحافل بمئات العناوين التي استرعت انتباهه، أن مانغويل لا يتوانى عن إبداء النفور حيال النظريات النقدية الحديثة، معترفًا: «لم أدرس النظريات الأدبية قط، ولم أقرأ أي دراسات أكاديمية. لا أقرأ دريدا، وليفيناس، وبورديو، وعندما حاولت قراءتهم لم أشعر بأي اهتمام كان». فهو ليس من أنصار أولئك المنظرين الذين يستخدمون المصطلحات والمفاهيم المعقدة، ويعدونها قواعد ثابتة يحاكمون الأدباء على أساسها.
ولمن يملك مكتبة تضم أربعين ألف كتاب، لا بد من سؤال حول عدد الكتب التي قرأها من بين هذا القدر الهائل؟ يردُّ مانغويل: فتحتها كلها، ولكن هناك كتب قرأتها مئتي مرة، مثل «أليس في بلاد العجائب»، وبعض الكتب التي قرأت منها كلمة أو أكثر أو فتحتها ثم أغلقتها ثانية. علاقتي مع الكتب أشبه بعلاقتي مع العالم، وعلاقتي مع العالم هي نسخة عن علاقتي بالكتب. فأنا لا أنظر إلى كل شجرة أو كل غيمة ولا أتحدث مع كل شخص، لكنني أعرف أنها كلها هناك وهي ضرورية لإكمال هذا العالم الذي أعيش فيه.
الورقي والإلكتروني
على الرغم من أن الكتاب الإلكتروني، في ظل الثورة الرقمية، بات حقيقة واقعة، فإن مانغويل، وكما هو متوقع، ما زال يعاند الزمن، ولا يتعاطى مع الكتب الإلكترونية والنصوص الافتراضية، قائلًا: «أفضّل الكتب الورقية. أحب أن أحمل الكتاب بين يدي، أن أتحسس حجمه. أحب أن أقلب الصفحات، وتدوين الملاحظات على الكتب التي أقرؤها، وأعرف اسم الناشر أيضًا…، ولا أحب هذا النوع من غياب الهرمية. فعلى الشاشة تبدو الكتب متشابهة، سواء كان الكتاب رواية لدان براون أو نصًّا لأفلاطون… أتفهم أريحية التعاطي مع الكتب غير الملموسة، والأهمية التي تحظى بها في مجتمع القرن الحادي والعشرين، ولكنها بالنسبة إليّ كالحب الأفلاطوني. أنا مثل توما الرسول، أريد اللمس لكي أُومِن».
بهذه الرؤية الممجدة لقيمة الكتاب الورقي، يشرح مانغويل، الذي يتقن الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والإيطالية، تصوراته حول علاقة المرء بالكتاب الورقي والمخطوطات النفيسة والموسوعات القيمة، ويقارن ذلك بتلك الكتب الإلكترونية التي استحالت، الآن، حروفًا خرساء على شاشة مضيئة، ويبحث في المعنى العميق لاقتناء الكتب وبناء مكتبة، ويحاول فهم تلك الروابط الخفية التي تنشأ بين القارئ والكتاب، مستعينًا بتجربته الشخصية من دون أن ينسى الغوص في آلاف الصفحات التي سطرها أسلافه بحثًا عن حكمة دالة أو تأمل عميق أو مقولة لماحة أو عبارة فذة، مجسدًا على نحو حاسم مقولة منسوبة للشاعر الفرنسي مالارميه: العالم أجمل بين دفتي كتاب.
الأدب والمعاناة
ثمة رؤية نمطية شائعة تقول: إن الأدب، والفنون عامة، لا تولد إلا من رحم المعاناة والهموم، لكن مانغويل يعارض هذه الرؤية المبسطة، فيرد على سؤال المحاورة: إنه مجاز قديم، تصوير كاريكاتيري للمبدع الذي يتسم بالقلق والكآبة، الكاتب الفقير الجائع الذي لا يملك شيئًا سوى الكتابة. لكن هذا ليس صحيحًا، فقد كان الروائي والمسرحي البريطاني سومرست موم مليونيرا، وتتمتع ج. ك. راولينغ، مؤلفة سلسلة هاري بوتر، بحياة مريحة وهناك أمثلة أخرى كثيرة.
ويوضح مانغويل، أن الكتابة ليست مشروطة بالفقر، محذرًا من «أنه مفهوم خطر يسمح للمجتمع بالقول: لسنا بحاجة إلى تمويل الآداب والفنون؛ لأن الإبداع سيأتي في جميع الأحوال، وهذا صحيح بمعنى ما، ولكنه لا يعني أن الشاعر لا يحتاج إلى طعام».
كتاب «حياة متخيلة» زاخر بمثل هذه الأفكار اللماحة والرؤى العميقة، وفي كل صفحة، بل في كل فقرة لا بد أن يستعين مانغويل باستشهاد واقتباس من المفكرين والكتاب الكبار؛ كي يعزز رأيًا هنا، وطرحًا هناك، وحين تسأله سيغلنده غايزل، عمن يكون مانغويل؟ يجيب بعد شروحات واقتباسات، وبمنتهى التواضع: «إن كان عليّ الإجابة بجملة واحدة على سؤالك «من أنا؟» فسوف أقول: أنا قارئ.
بواسطة ميسون توفيق داود - كاتبة سورية | يناير 1, 2024 | تشكيل
شهدت تجربة الفنانة الإماراتية نجاة مكي العديد من الانعطافات الفنية على صعيد الشكل والمحتوى والأسلوب. وتنقلت في مراحل عمرها الفني المديد بين حقول الفن التشكيلي المتباينة واتجاهاته المختلفة؛ من نحت وخزف ورسم وتصوير، وخاضت غمارَها جميعًا بشهية مفتوحة على البحث والتجريب. واجتهدت في أثناء مسيرتها الفنية الطويلة في تأسيس أسلوب فني يعكس شخصيتها الفنية المتأثرة ببيئتها المحلية وتراثها الشعبي والعربي والإسلامي، وأفلحت في الوصول إلى مرتكزات ثابتة لهذه الشخصية للتوفيق بين الموضوع المحلي واللغة البصرية المرتكِزة على ما ينبثق عن الفن التشكيلي المعاصر من تجارب واتجاهات وتقنيات فنية مختلفة.
وقد اتخذت الرموز والإشارات في تجربة الفنانة مكي صيغًا عدة، وحملت دلالات مختلفة احتضنها الخط واللون والتكوين. ومما ساعد على ذلك أنها ترعرعت بين أحضان بيئة بحرية انعكست بجلاء على شخصيتها وفنها. ويمكن للمتتبع التقاطُ روح هذه البيئة بحركتها وحيويتها وخصائصها العديدة من خلال رصد حركة المد والجزْر والإيقاعات الرائعة التي تنبثق عنها، واللون الأزرق الذي يهيمن عليها، والتغيرات الملحوظة التي تطرأ على هذا اللون في الأوقات المختلفة في اليوم الواحد، وما ينبثق عن هذه العملية من مؤثرات يتلقفها إحساسُ الفنان المجتهد بطريقة لا شعورية، ويجعلها تسلك طريقَها إلى نسيج اللغة التعبيرية التي يعتمدها في تجسيد تجربته الفنية.
وبناءً على ذلك يمكن للمتلقي التقاطُ الروح البحرية المنعكسة في هذه التجربة بحركتها وديناميتها وخصائصها العديدة، عبر التمعن في ألوانها ورموزها ومفردات أعمالها المُتماهيةِ مع العناصر التراثية المُستلهَمة من مدينة دبي القديمة التي عاشت فيها، والمتمثلة في الوحدات الزخرفية التي حملتها البيوت والأسواق القديمة والحرف والصناعات والمشغولات اليدوية الشعبية، وهو ما أثرى ذاكرتها البصرية التي لا تزال تمتح منها مادة إبداعها حتى اليوم.
وتنفرد تجربة الفنانة نجاة مكي بانفتاحها الدائم على البحث والتجريب سواء من خلال صيغتها وأسلوبها، أو من خلال التقنيات التي اعتمدتها في مقاربة موضوعاتها؛ ولهذا لا يمكن تأطير هذه التجربة ضمن مدرسة فنية مُحددة أو اتجاه فني بعينه. وعلى الرغم من أن الفنانة نجاة مكي نَحَتْ في أعمالها الأولى منحًى واقعيًّا، وحاولت تقديم صورة مُفعَمة بالحنين والشجَن لبيئتها وتراثها، فإنها ما لبثت أن انصرفت عنها إلى مقاربة موضوعات فكرية وخيالية ورمزية من منظور فلسفي مُحدد لتصوير علاقة الإنسان بالزمن، وأثره في حياته. وقد اعتمدت في مقاربتها لهذه الموضوعات على لغة بصرية مُختزَلة ومُكثفة حملت تأثيراتٍ متباينة من المدرسة التجريدية الأوربية أو من التجربة التجريدية الإسلامية، ولا سيما المنمنمات والتوريقات النباتية التي استقت منها؛ حيث ركزت في الأعمال التي تناولت هذا الموضوع على الدائرة التي رمزت من خلالها إلى الكون أو الحياة.
أقصى حدود التجريب
الملحوظ أن الفنانة نجاة مكي غادرت حقل النحْت، الذي تخصصت فيه أكاديميًّا، إلى حقل الرسم، حاملةً كثيرًا من خصائصه إلى وسائل تعبيرها الجديدة، وأجادت امتلاك ناصِيَتَي الرسم واللون اللذين تحتاجهما اللوحة لترتقي إلى مستوى فني متميز. وقد ظل الرسم هو العنصر الأبرز في تجربتها، وحرصت في لوحاتها على تصوير البيوت والحارات القديمة بأسلوبٍ حولت فيه المُوتيفات الواقعية إلى أشكال فنية اعتمدت في تشكيلها على الخطوط السوداء الصلبة. كما رسمت الطبيعة بتبسيط واضح وصلت من خلاله إلى أقصى حدود التجريد فارشةً اللون ضمن مساحات مؤطرة. ومع ذلك كانت تُمَرِّرُ خطوطًا فوقها باتجاهات متباينة من دون أي ناظم؛ وهو ما خلق نوعًا من الشغب أحدثَه غيابُ التنظيم من لوحتها، ووفرة الألوان والخطوط والزخارف والأشكال الشاغلة لكامل مساحتها أحيانًا، والجزء الأكبر منه أحيانًا أخرى.
وقد كانت في البداية تستخدم الألوان الترابية المُستلهَمة من بيئتها مثل الزعفران والورس والصحراء والرمال، وتحاول توظيفَها لتأكيد جملة من القيم والرموز التراثية الإماراتية، ولكنها ما لبثت أن مالت إلى اللون الأزرق الذي استقته من ترعرعها في وسط بيئة بحرية، وبدأت في توظيفه لتجسيد طموحاتها الفنية. ونلحظ في أعمال أخرى، سطوة اللون الأزرق، وهي قليلة عمومًا، حيث تفرشه الفنانة نجاة مكي فوق مساحة اللوحة بمنمنمات ناعمة، ولكنها تُبقِيها أسيرة لنزعة غرافيكية واضحة. وثمة أعمال تصوير تتماهى (كمعالجة) بالنحت النافر، حيث تُؤَطِّر الأشكال والعناصر وتفصلها عن الخلفية فصلًا كاملًا، مانحة إياها إحساسًا بالتجسيم الذي يذهب بالمتلقي مباشرة إلى النحت النافر والغائر الذي تحمله عادة العملات المعدنية المسكوكة. في حين أن الفنانة (مكي) في أعمال أخرى تغادر حقول التصوير إلى فن جديد أقرب ما يكون إلى التصميم الغرافيكي، وبالتحديد الإعلان، حيث المساحات اللونية، مفصولة تمامًا عن الخلفية أو مقصوصة ومُلصَقة عليها، ضمن تكوين مدروس في تموضُع عناصره وحجومها وألوانها وإيحاءاتها، وقد تُطعمُها من خلال تقنية التلصيق (الكولاج) بمفردات من التراث المحلي (وحدات زخرفية، عملات قديمة)، وفي هذه الأعمال يتماهى التصوير بالتصميم الغرافيكي بالنحت بالبارز.
ومن الملحوظ أن جملة هذه المقومات والخصائص تتكرر في أعمال أخرى للفنانة مكي، ولكن بروحية التصوير المُتماهي بالحفْر المطبوع، وهي أعمال تجريدية تقتصر على أعمال مُبعثَرة بعفوية على سطح اللوحة، دون تركيز على تكوين معين أو إبراز فكرة مُحددة، أو حتى ترك إشارة تُفضِي بالمتلقي إلى ملمح من ملامح البيئة التي وُلِد فيها هذا المُنجَز. بمعنى أن هناك ما يُشِير إلى (زمن) لا إلى مكان. تؤكد الفنانة أن هذا المكان لم يتراجع من أعمالها، ولم يغِب، وإنما اتخذ منحى آخر من خلال عناصر التكوين وما فيها من تجريد، أو جاء على شكل إيقاع لوني متناغم بطيء حينًا، وسريع حينًا آخر، ومتناسب مع ما للمكانِ من قيمة ودلالة أو رمز مُعين.

والملحوظ أن كل جديد في أعمالها الأخيرة يُشير بهذا الشكل أو ذاك إلى مرحلة من مراحلها المختلفة، أو إلى تقنية من التقنيات التي استعملتها سابقًا، مع بروز نزعة جديدة لديها وهي التركيز على عنصر واقعي، ولا سيما المرأة، في غالبية لوحاتها الأخيرة، التي عالجتْها بأساليب فنية متباينة، لكنها ظلت تُشير إلى شخصيتها الفنية الشغُوفة بالمزج بين تقنيات أكثر من جنس تشكيلي. من ذلك قيامُها بالمزاوجة بين خصائص التصوير والحفر في لوحة زرعت سطحَها بمربعات ضمنتها أشكالًا ورموزًا مختلفة مُستلهَمة من الطبيعة والعمارة والإنسان والحيوان والطبيعة الصامتة والزخارف والأرقام، وكل مربع منها يشكل بمحتوياته وألوانه مشروعًا لعمل فني مستقل ومتكامل شكلًا ودلالة.
وفي تجارب أخرى، تُعيد الفنانة الشغل على المساحات اللونية المؤطرة بخط أسود صلب، وهي مساحات من لون واحد أو مُزخرَفة بنقاط ودوائر وأوراق نباتية وفراشات وحُلي تراثية مرصوفة على خلفية من لون واحد، أو على جزء من خلفية مُقسمة إلى مساحات عدة، وكل مساحة تحمل إيقاعات متباينة من الخطوط والزخارف ذات الوقْع الفج في عين المتلقي وهو ما يجعلها قريبة من مفهوم المُلصَق. وفي تجربة ثالثة تعمل الفنانة مكي على تحويل الهيئة الأنثوية المؤطرة والمنقطة إلى أفق تفصل به بين سماء واسعة متدرجة الألوان، مشغولة بخطوط ونقاط متروكة فوقها بعفوية متناهية، وبين أرض تتحاور فيها ألوان حارة وباردة، تتماشى مع أجساد النساء المستلقية على هيئة تلال أو أفق.
أما في تجربتها الرابعة المُنفذة بألوان مائية شفيفة فتزاوج بين القيم التشخيصية والتجريدية المتمثلة بالأشكال الهندسية والخطوط العربية والمساحات اللونية المشغولة بأكثر من تقنية لونية. في حين تأخذ هيئات النساء ذات اللون الواحد المؤطر، وتزرعها فوق خلفية غامقة، ثم تشغل مساحاتها بتدرجات لونية، وتقسيمات بخطوط سوداء صلبة، مُحولة إياها من خصيصة (الإعلان) إلى خصيصة (التصوير) المتعانق مع الغرافيك.
صورة المرأة
أما المرأة التي تحضر في لوحاتها ومنحوتاتها فتتجلى كعالم قائم في حد ذاته… كقيمة أنثوية طاغية، وكقيمة اجتماعية لا يمكن نكرانها. ولذا لم تحرص نجاة على تقديم وصف تفصيلي لها، بل حرصت على النفاذ إلى عالمها، وكشف ما تختزنه من عواطف ومشاعر وعوالم داخلية كامنة في أعماقها. وقد عبرت في أعمالها عن شموخ المرأة ونبلها وقدرتها على التفوق والتطور؛ إذ نرى المرأة في لوحاتها سامقة كالنخلة: جذورها في الأرض، ورأسها في السماء، وهي تتطلع في أعمالها نحو مستقبل أفضل من خلال تمثيلها بالخطوط العمودية التي تعني الرفعة والعلو. كما أنها تجسد في لوحاتها المرأة بوصفها الكائن الأقوى القادر على تحمل الصعاب في مختلف الظروف وتجاوزها مهما كبرت التحديات. وهي تحاول حياكة عالمها من منظور أنثوي، وتحاول ضخ مفهومها للحياة من خلال «اللون المغلف بروح الأنثى». وهي تعبر عن ذلك بالقول: «المرأة في لوحاتي عالم قائم بحد ذاته، وأراها في كل شيء، عندما أقف على البحر أرى المرأة كأنها تسبح فيه، قوة المرأة مستمدة عندي من البحر».

علامة فنية مميزة
وأخيرًا لا بد من تأكيد أن الفنانة نجاة مكي تبوأت مكانة مميزة في طليعة الحركة التشكيلية الإماراتية والخليجية لا على مستوى النتاج الفني وحسب، بل على مستوى الحضور الفكري والثقافي، وذلك بسبب نشاطها الدائب، ومشاركاتها النشطة في الفعاليات التشكيلية الخليجية والعربية والعالمية. وقد غدت علامة فنية مميزة بسبب عطائها المتواصل، وميلها نحو التجريب، وجرأتها في اقتراح أفكار تشكيلية جديدة تعبر عن قلق فني دائم، ونزوع أصيل إلى كسر القوالب الفنية الجاهزة.
وقد استطاعت خلال مسيرتها الفنية استيعاب واقعها وبيئتها ومحيطها، ورصد مختلف التحولات التي طالتها في ثلاثة عقود ونيف، والانطلاق لدراسة الفن بغية اكتشاف ذاتها، وبناء مستقبلها الإبداعي، ومواكبة الحياة في انطلاقتها السريعة، ورصد ما يلحق بالفنان من تطور في محاولته اللحاقَ بركب التطوير والتحديث في مجتمعه، واستيعاب ما يحدث فيه بأسلوب جمالي خلاق. ونتيجة لهذا كله استحقت بجدارة أن تكرم من سمو رئيس الدولة، وأن تحظى بجائزة الإمارات التقديرية في العلوم والفنون والآداب، فرع الرسم والتصوير عام 2007م، بجدارة وتميز، بوصفها الوجه النسائي الأنصع للحركة الفنية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
مراجع:
– أرشيف الإمارات للفنون التشكيلية: جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، موقع الإنترنت.
– الفن التشكيلي في الإمارات يشبه مجتمعها: رضاب فيصل، موقع ميدل إيست أونلاين، 7/1/2014م.
– واقع الفن التشكيلي في الإمارات: د.عبدالكريم السيد، ملحق الخليج الثقافي، 26/3/2011م.
– نجاة مكي ابنة عائلة محافظة تصبح أول إماراتية تحمل دكتوراه في الفنون: إسماعيل الرفاعي، صحيفة (البيان)، دبي، 16 يونيو، 2006م.
– التشكيلية الإماراتية نجاة مكي تقدم خلاصة تجربتها الباريسية: موقع الجسرة الثقافي، شبكة الإنترنت، د. ت.
– نجاة حسن مكي: طلال معلا، وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أبوظبي، ط1، 2008م.
– نجاة حسن مكي.. رحلة في الفن والتشكيل: موقع قناة الجزيرة.
– نجاة حسن مكي: موسوعة (الويكيبيديا)، شبكة الإنترنت.
– وجوه من التشكيل الإماراتي المعاصر: د. محمود شاهين، مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، ط1، 2013م.
بواسطة سهام العريشي - شاعرة ومترجمة سعودية | يناير 1, 2024 | نصوص
يمكنك أن تقذف بعود الكبريت وسط الموج
طالما
لا الفتيل على رأس الشمعة
ولا الشمعة عند النافذة
ولا النافذة تتهيأ لكسر الظلام
ما الذي تريده الحياةُ منا
نحن العائدون من أحرّ مفازة في صحراء نينوى
نحنُ الذين تسمينا الحياة بشرًا
ماذا نفعل وسط كل هذا الخراب
ونحن نُمنى بالخوف والهزيمة والتيه والارتجال؟
لو توقفنا لبرهة عن الركض والعويل
هل سنمرّ أمام القدر بسكينة وسلام؟!
تنقذنا يدُ المشيئة
ويفزعنا ظلّ الغيب
نحنُ العزّل
المهمّشون من حسابات الجبابرة
هل سننجو إن تظاهرنا بالقسوة والموت؟
بأيدينا لا بأيدي الآخرين
سنعوّل على الشمس
لقد حظينا من الأيام بما يكفي
على أقل تقدير نجونا دون أعجوبة
حين كان الخوف ينخرُ عظامنا
والليل يختطف البراءة والسكون
بما لا يدع مجالًا للشك:
الكتابة هي الرئة التي تبقينا على قيد الحياة.
عصفوران نخشى إطلاقهما
نحن الذين نخشى أن يفرّ منا كل شيء
ماذا فعلت بنا الطفولة؟
نحنُ الشتات الذي ولد خطأ في مخيمات اللاجئين
ماذا أبقى منا النضج؟
نحن الأرقام التي تصعد وتهبط في بورصة العالم
نعي الحرب ولا نملك دونها ما يكفي من السلاح والمؤونة
ماذا فعل بنا الزمن؟
نحن المصابون بالأجهزة الذكية
الماضون في شباك العولمة
لم يكن الغباء حلًّا متاحًا
لم يكن الغضب قد ولد بعد
وكان عداد الموت أعلى صوتًا من بكاء الأطفال عند الولادة
أفكّر في المصادفات التي جمعتنا معًا في هذا الدوّي العالمي الهائل
أترانا نقدر على المواجهة؟
نختبئ خلف الظل
بينما تسقط فوق رؤوسنا الشِّباك
نتظاهر بالسذاجة
بينما تُحاك الأوجاع ضدنا.
نستتر بالصمت
بينما تعرّينا الرياح والأمطار كأشجار غابات السويد
نفكّر في ضريبة الجبن
نحن الأصدقاء الخمسة
الذين قُتل أحدنا على يد قطّاع الطرق
لم نجرؤ
نحنُ العزّل الخائفون المذعورون الحمقى
على مواجهة الموت لأجله
لقد لاحقتنا صورة دم صديقنا طوال العمر
كشبحٍ ملعونٍ لم يتقبل طريقة موته
أحدنا فقد عقله
ثانينا تناول السم
ثالثنا فضّل الهرب
وأنا تحولت إلى قاتل
ما أقسى الأيام وهي تجرّنا إلى الأقدار التي لم نخلق لها أبدًا
أكذوبة الخيار الأخير
الذي كان خيارًا وحيدًا من الأصل
نحنُ الدمى على المسرح
تحرّكنا خيوطٌ رفيعة بأيدي العصابات والقتلة المأجورين
نظنّ أننا نعيش حياتنا كما أردنا
هل تظنون – مثلنا – أنكم مجرّد جمهور؟!
نقاتل بقلوبنا
نحن الذين أريقت دماؤنا بين الجبال
كانت أكتافنا صغيرة
وحين ربتت عليها الحياة تهشمت وسقطت في الزمن
نحتمي بوجوهنا
نحن الذين تحنطت ملامحنا في سبيل البقاء
نتوقّى الخيانة بالإيمان
والخوف بالسكينة
والكوابيس بالستائر البيضاء الثقيلة
لا نريد قبورًا لنا.
سنتبرّع بما تبقّى منا
لمجاهر الأطباء والمختبرات
وللباحثين عن دمية ضائعة
وسط كومة الموت والتحلل والكساد.
بواسطة فاضل السلطاني - شاعر ومترجم عراقي | يناير 1, 2024 | ثقافات
أوميلارتي
سنأخذك إلى الذاكرة
نامي الآن
(لارا، ص109)
سترون
كيف يكون الأمر
حين تكونون بلا جذور في هذا العالم
(أوميروس، ص 21)
يوجد كثير من نقاط التقارب في سيرتَي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو. كلاهما ذو هوية هجينة؛ والكوت من سلالة «عبيد»، وقد «تسمم بدم جانبين من أسلافه»((Derek Walcott, qtd in John Thieme, Derek Walcott (Manchester: Manchester University, 1999), p. 5.)) (كان أجداده بيضًا، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسة في عمله.
سرديات البحث عن الهوية
في روايتها الشعرية «لارا»، تجتاز إيفاريستو قرنين من الزمان عبر بريطانيا، وألمانيا، وأيرلندا، ونيجيريا، والبرازيل؛ لتبحث عن سبعة أجيال من أسلافها، من جهة الأب والأم معًا، كي تتصالح مع هويتها. وفي «أوميروس» والكوت((Derek Walcott, Omeros (New York: Farrar, Straus Girous, 1992).))، ترحل الشخصيات، وضمنها والكوت نفسه، الذي يروي قصته الخاصة، إلى إفريقيا وأوربا وأميركا، جسديًّا ومجازيًّا.
لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت. فلارا((abernardine Evaristo, Lara (London: Angela Royal Publishing, 1997).))، كما تقول إيفاريستو نفسها. هي رواية سيرية ذاتية- شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي((Bernardine Evaristo in >http://opennotebooks.co.uk/tag/bernardine-evaristo/ < {accessed March 2011}.)). وربما لهذا السبب، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ«استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها»((Bernardine Evaristo in >http://opennotebooks.co.uk/tag/bernardine-evaristo/ < {accessed 12 March 2011}.)). ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأورُبية عن التاريخ، مازجًا الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.
عبر ملحمته «أوميروس»، مع أنه يرفض أن يسميها ملحمة، يرحل والكوت في التاريخ، لا ليتوافق مع نفسه، مثل إيفاريستو، ولكن ليعيد بناء الهويات الهجينة لشخصياته، وهو من ضمنها، وأيضًا ليخلق هوية تاريخية للجزر الكاريبية، «التي تشكلت وسط دمار مادي واجتماعي غير مسبوق»((Şebnem Toplu http://dih.fsu.edu/interculture/pdfs/toplu%20race%20and%20gender.pdf)). بينما نلحظ أن الصراع الرئيس في «لارا» هو بين ذاتها، وأبيها النيجيري تايوو. وهي تكشف هذا الصراع في الجزء الأول من عملها من خلال شخصية تايوو، الذي تصوره بوصفه تمثيلًا لـ«استعمار الثقافة». إنه ينتمي إلى الجيل الأول من الإفريقيين والكاريبيين، الذين «منحوا الفرصة» للمجيء إلى بريطانيا حسب «القانون الوطني» الصادر عام 1948م((British National Act, 1948 http://www.uniset.ca/naty/BNA1948.htm {accessed in 27 April 2011}.))، لكنهم وجدوا أنفسهم على هامش المجتمع، ليس فقط بسبب اللون، ولكن أيضًا بسبب «أصولهم الهمجية».
يصل تايوو إلى مدينة ليفربول «عاصمة بريطانيا العنصرية» في 1949م، «ممتطيًا الحوت نحو الفردوس» (لارا، ص 3). وتكشف رسالته الأولى إلى أمه كيف كان يصرخ ليلًا من السعادة بينما كانت الرياح الدافئة تهب على الميناء، وعن شعوره بالفخر؛ لأن أحلامه، عندما كان في وطنه، قد تحققت أخيرًا: «ماما، كانت أحلامي وقودي لسنوات/ كل تلك الأفلام البريطانية بستة بنسات في دار السينما/ أرى لندن… وأموت» (لارا، ص3). لكن لم يمر وقت طويل، حتى واجه تجربة خيبته الأولى، حين تعرض للتمييز العرقي، واختزلت هويته في مجرد لون.
استعمار الوعي والتماهي مع الثقافة المهيمنة
مثل العديد من كُتاب ما بعد الاستعمار، تهتم إيفاريستو بتحولات الوعي، التي يمكن أن تتمظهر عبر أربع مراحل: أولًا، المواجهة الجسدية، كما في قول تايوو: «سوف أقاتلهم» (لار، ص4)، أو «أنا مستعد لعدوي». ثانيًا: المواجهة الثقافية: «سأكتب مسرحية أنافس فيها سنت جوان، بعنوان (الملاكم المتعب)، بقلم برناردشو الجديد من المستعمرات» (واضح هنا كم يستبطن حتى هذا التحدي التأثير غير الواعي للثقافة المهيمنة، ثقافة المستعمر). والمرحلة الثالثة هي محاولة تايوو استعادة هويته (ادعوني فقط تايوو). والمرحلة الأخيرة هي مرحلة الانصهار، فقد غير حتى اسمه: «لقبي الآن هو بيلي». (لارا، ص4).
وعلى الرغم من أن «لارا» هي رواية- شعرية، كما وسمتها المؤلفة، فإنها نجحت نسبيًّا من خلال المونولوج الدرامي أن تكشف المراحل الأربع في تحولات وعي تايوو، وأن تقبض على اللحظات الأكثر دلالة في حياته، أوهامه، وخيبة أمله، وعلاقته مع الآخرين. أولًا، تصور الكاتبة المواجهة مع مستعمريه السابقين، التي تمنحه للمرة الأولى إحساسًا بذاته، وتساعده نسبيًّا على تحديد أزمة هويته، أو بالأحرى على خطر فقدان هويته، كإنسان: «ماما، في هذا البلد أنا إنسان ملون. في بلدي أنا فقط».
في فصل هو من أكثر فصول العمل تأثيرًا وشعرية، يكتب تايوو إلى أمه رسالة يعرب فيها عن غربته في لندن «حيث يكرهه الناس، وعندما يلقي عليهم التحية يشعرون بالخوف، أو بالغضب، أو يعبرون إلى الجهة الأخرى» (لارا، ص5)، وهو يعبر فيها أيضًا عن إدراكه «بالغيرية» والهوية: «عندما نضحك نحن الملونين بعفوية فإنهم يعبسون في وجوهنا، وفي القطارات يحدقون في الفراغ».
لكن إيفاريستو لم تترك لبطلها أي خيار. لقد وضعته في مأزق تراجيدي، مواجهًا خياراته الضيقة جدًّا. إنه لا يستطيع العودة إلى وطنه الأم «فمن يذهب إلى أوربا لا يمكن أن يعود فقيرًا»، كما عزلته حتى عن تجمعات النيجيريين في لندن، ما عدا اختلاطه الأسبوعي مع الجيل الأول منهم الذين هاجروا نهاية القرن التاسع عشر إلى بريطانيا، وهو الأمر الذي يمكن أن يوفر له نوعًا من الإحساس بالانتماء، كما حصل، مثلًا، مع المهاجرين من الكاريبي في رواية «اللندنيون الوحيدون» لسام سيلفون((Samuel Selvon, The Lonely Londoners (New York: Longman Publishing, 1985.) http://70.237.187.125/html/DoubleConsciousness.htl >in))، الذين أتوا إلى إنجلترا في المدة نفسها، لكنهم نجحوا، بالرغم من اغترابهم وحياتهم اليومية الصعبة، في تحقيق نوع من الانتماء، من خلال اجتماعاتهم المشتركة، التي يستعيدون فيها ذكرياتهم في وطنهم الأم، واتصالاتهم الشخصية بعضهم مع بعض.
لم يبق أمام تايوو سوى فقدان هويته تدريجيًّا. وتجسد ذلك في اتخاذه اسمًا آخر: بيلي، وهو رمز من رموز مستعمريه السابقين: وليم الأكبر. لقد غير اسمه لأن «اسمًا إفريقيًّا يوصد الأبواب».
إن عملية التماهي مع ثقافة المستعمر هي نتاج وعي مزدوج، يكمن خطره، كما يقول دو بويسيان، عالم الاجتماع الأميركي، في توافق و/ أو تغيير هوية شخص ما إلى الكيفية التي يرى من خلالها الآخرون هذا الشخص. إن الوعي المزدوج لدو بويسيان هو «عالم يخضع الشخص لوعي ذاتي ليس حقيقيًّا، إنه فقط يسمح له برؤية نفسه من خلال اكتشاف العالم الآخر». بمعنى أنه ينظر إلى ذاته من خلال عيون الآخرين، و«يقيس ذاته» بشريط عالم ينظر إليه باحتقار وشفقة، مستمتعًا بذلك((Du Boisian {accessed in 27 March 2011}.)).
ومن ناحية أخرى، فإن عملية اقتلاع الهوية الأصلية هي جوهر إستراتيجية الانصهار الكولونيالية، كما يقول نغوغي واثيونغو في مقدمة كتابه «الإرث الكولونيالي في الأدب الكاريبي»: «الأفارقة في الأميركيتين وفي الكاريبي يرون أن لغاتهم، أسماءهم، أدبهم قد تم الاعتداء عليها بشكل منهجي من قبل النظام الاستعماري، الهادف إلى تعزيز شعور الانتماء إلى القوة الاستعمارية»((Ngugi Wa Thiongo, qtd in Amon Saba Saakana The Colonial Legacy in Caribbesn Literature9 (London: Karnak House, 1987), p.9.)).
العنصر الذي قاد إلى الاستعمار الثقافي الكلي، في حالة تايوو، اكتمل بزواجه من امرأة بيضاء، ألين، لأنها، كما يقول، «الشخص الوحيد في هذا البلد (إنجلترا) الذي يهتم بي. إنها «سونيتتي»، سيدتي الإنجليزية، زوجتي». (لارا، ص 28). وعلى الرغم من أنها تتزوجه بالضد من معارضة عائلتها وأقاربها أن تقترن بـ«واحد من سكان المستعمرات، داكن الوجه»، فإنها كانت تعدُّه «روحًا ضائعة»، تحتاج إلى من ينقذها؛ «لأن أولئك الذين ولدوا في القفر الجنوبي محرومون من الضوء، ولو أن أرواحهم بيضاء» (لارا، ص 8). وهي إشارة واضحة إلى أنها تعدُّه عرقيًّا في منزلة أدنى. وما توحي به المؤلفة هنا، أنه بالرغم من محاولات تايوو الانصهار في المجتمع الإنجليزي، فإنه سيبقى «آخر» حتى لزوجته. والمفارقة، أن تايوو يستعين بمثل شعبي نيجيري لتسويغ انصهاره، أو محالة انصهاره: «عندما تموت جذور شجرة، فإن البذور ستنمو/ أطفالي هم بذوري/ وهذا هو وطني الآن».
ولكن ابنته لارا، التي كبرت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وتنتمي إلى الجيل الثاني من المهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية، تقف على النقيض من أبيها. إنها تمثل مرحلة التحرر من استعمار الوعي. لقد طورت في البداية شعورًا ضعيفًا هشًّا بالانتماء والهوية عندما كانت صغيرة بعدما اصطدمت بالسؤال الحتمي «من أين أنت… في الأصل؟»
منذ اكتساب لارا وعيًا ذاتيًّا نسبيًّا لكونها هجينة، بدأت تتوق للعثور على صورة، قصة، تصف بها نفسها: «كنت… لكن أيهما؟». بدأت بالبحث، ولكن لم تجد ذاتها «لا في الشاشة، لوحة الإعلانات، الكتب، المجلات، وقبل كل شيء في المرآة». (لارا، 69)
وكما عند شخصيات والكوت، وضمنهم والكوت نفسه، الذي رحل فيزيائيًّا ومجازيًّا إلى إفريقيا وقارات أخرى بحثًا عن الهوية، «تمتطي» لارا خيالها لترحل في الزمن في مسعى لاسترداد كلية ذاتها الهجينة. والمفارقة، أن تعبير الهويات المزدوجة، كما تقول آيسا. أس. كاغلر في كتابها «سياسات التعددية الثقافية في أوربا الجديدة»، ينطبق غالبًا على الجيل الثاني والثالث من الأقليات المهاجرة، ويشير، مثل التهجين، إلى تلك العملية التي تتمازج فيها عناصر متباينة من دون أن تمحى التناقضات والفروقات بينها((Ayes S.Caglar, in Politics of Multiculturalism in the New Europe, ed.by Tarig Modood&Pnina Werbner, (London&New York: Zed Books,1997) pp.169-185(p.172))).
إن العلاقة بين الثقافات، كما تضيف، «لا توسع فقط حقل الهويات، بل تمد الهويات بدرجة من الانسيابية». ويذهب آشكروفت، وغريفثس، وتيفين في كتابهم «الإمبراطورية ترد بالكتابة» أبعد من ذلك بالقول: «إن ثقافة ما بعد الاستعمار هي حتميًّا ظاهرة مهجّنة تشتمل على علاقة ديالكتيكية بين النظام الثقافي الأوربي» المطعّم «وبين الوجود الأصلي، بدافعه لخلق أو إعادة خلق هوية ذاتية مستقلة… وهكذا فإن القراءة وإعادة كتابة السجل التاريخي والسردي هما مهمة حيوية لا يمكن الهروب منها في جوهر مشروع ما بعد الاستعمار»((Wilson Harris, qtd in Bill Ashcroft, Gareth, Helen Tiffin, The Empire Writes Back, 4th edn (New York: Routlege,1994),p.35.)).
من الأمثلة القوية الواردة في الرواية حول إمكانية أن نعيد إنتاج هوياتنا بالذاكرة، ينعكس في رؤيا لارا ذات ليلة، عندما تتجسد امرأة سوداء في غرفتها، داعية إياها أن تعيد أباها ثانية إلى نيجيريا: «أعيديه إلى بيته، أعيديه إلى بيته» (لارا 101). كان ذلك صوت إحدى جدات لارا، من ناحية الأب، التي كانت عبدة، واغتصبها أحد سكان المستعرات عام 1844م. ونحن نسمع هذا الصوت في مقدمة مؤلمة، تشير إلى جذور عائلة لارا، التي ترمز لها الشجرة الاستوائية «الباوباب».
من خلال إعادة أبيها الرمزية إلى أرضه الأصلية، تستعيد لارا هوية تايوو، بعدما فقدها عندما هاجر إلى إنجلترا عام 1949م. وهذه العودة إلى الجذور، ولو جثة، تحرره من استعمار وعيه وثقافته، وتمنحه حسًّا قويًّا بالانتماء، وهكذا يعيد إنتاج هويته:
«آه يا شعبي… هتف تايوو بينما كانت السيارة تغادر مطار «ميرتالا محمد» باتجاه المدينة الجزيرة التي كانت طويلًا مجرد ذكرى/ لم يعد إليها منذ أربع وأربعين سنة، ومع ذلك، هذا هو المكان الذي كان يسميه بيتًا». (لارا، ص 103).
وأن نسمي مكانًا ما بيتًا، هو إقرار، كما يقول غاستون باشلار في كتابه «جماليات المكان» بعلاقته بذواتنا، وبأننا نخلق حسًّا مشتركًا بالانتماء. ويَعُدُّ باشلار المكان هو كوننا الأول، كوننا الحقيقي بكل معاني الكلمة. أمّا البيت فهو مكان للخيال والذاكرة، إضافة إلى كونه مكانًا حقيقيًّا. إنه يشكل طريقة عيشنا، وفهمنا لأنفسنا والآخرين. وهكذا، فإننا نتأثر بعمق بمحيطنا، وطريقة مواجهة بعضنا لبعض تعتمد على هذا الفضاء((Gaston Bachlard, The Poetics of Space aesthetics, trans.by Maria Jolas,3rd edn (Boston: Beacon Press, 1994), p. 4)).
تتجسد جذور لارا في اسمها الأصلي (أوميلارا)، ويعني في لغة (يوروبا)، «العائلة مثل الماء» (لارا، ص43)، والماء، مهما ذهب بعيدًا، حسب مثل شعبي في يوروبا، لا ينسى منبعه. وقد صدّرت إيفاريستو روايتها الشعرية بهذا المثل. وقد انتهت الرواية كما بدأت. أصبحت لارا «آباءها، وأجدادها، وآلهتها» من خلال الذاكرة، التي ساعدتها على أن تتوافق مع ماضيها ومع ذاتها ككائن هجين.
والكوت… مواجهة الإرث الكولونيالي
على العكس من تايوو، في رواية «لارا»، نجد أن أخيل في «أوميروس» الذي فرض المستعمرون اسمه عليه، يرحل من سنت لوسيا، الجزيرة التي ولد فيها والكوت، إلى إفريقيا بحثًا عن اسمه المفقود، بعدما بدأ يسائل هويته «لأن شخصًا من دون اسم، اسمه الحقيقي، هو لا شيء»، كما يشرح «أفولبل»، جد أخيل: «داخل القبيلة، كل اسم، كل صوت يدلان على نوعية، على فضيلة مرتبطة بشجرة، بنهر، أو بشخص. بدون ذلك الارتباط، أي شيء بلا معنى، أي شخص لا شيء».
يقول دريك والكوت في ملحمته: «الآن ترون ماذا يعني أن يكون المرء بلا جذور في هذا العالم» (أوميروس، ص1). هذه الموضوعة الكبرى هي جوهر كل أعمال والكوت. إنه هوميروس معاصر، طروادته الوحيدة هي البحث عن الجذور. إن أغلب شخصياته شخصيات منبوذة، هامشية، ومع ذلك لا تكف عن الصراع الإنساني لترسيخ جذورها في مكان يمكن أن تحس أنها مكانها الخاص.
في قصائده ومسرحياته، وفي «أوميروس» خاصةً، يتتبع والكوت مصاير هذه الشخصيات في بحث دائم لا ينتهي. ومن هنا يعود دائمًا إلى التاريخ، تاريخ الكاريبي، وتاريخ إفريقيا، ما قبل المرحلة الكولونيالية وما بعدها، ليس فقط على المستوى الرمزي، وإنما على المستوى المادي أيضًا. فهو نفسه كان رَحّالةً كبيرًا في بحثه عن جذوره الأولى في سانت لوسيا نفسها، التي يهجرها لكن سرعان ما يعود إليها، هذه الجزيرة الصغيرة التي صارت مجموعة من كسر، مثل الكاريبي كله، الذي يقول عنه والكوت: إنه لا يملك مركزًا أو محيطًا، بل هو في الحقيقة استيعاب فوضوي لبيئات إفريقية، وأوربية، وأميركية- هندية، وآسيوية أيضًا.
كان والكوت يؤمن بأن التخلص من الإرث الكولونيالي لا يكمن في الهرب منه، بل في كشفه، وفهمه، ومن ثَمَّ مواجهته. وهو في ذلك يتفق مع أغلب كُتّاب ما بعد المرحلة الكولونالية. لكن ما يميزه مِن معظمهم، أنه لا يفكك الواقع لخلق إحساس بالهوية، كما يفعل النيجيري وول سوينكا أو سلمان رشدي مثلًا، بل يتحدى التاريخ، أو سلطة التاريخ، ليستعيد ما يسميه أحد النقاد «بذور الموروث»؛ ليزرعها في تربتها الأصلية من جديد.
هذه العودة إلى الماضي، كما ذكرنا، هي سمة مشتركة في أدب ما بعد الكولونيالية، لكن آخرين، مثل سوينكا، يرون أن «التوافق الثقافي»، بين المستعمِر -بكسر الميم- والمستعمَر -بفتحها- من دون نبذ التراث الكولونيالي، لا يمكن أن يقود إلى تحقيق الهوية، وإحياء آداب وطنية حقيقية، بل إلى إعادة سيادة الأول ثقافيًّا. وبسبب ذلك، اتهم والكوت بـ «التبعية الثقافية» من جانب كثير من أقرانه.
الهوية والذاكرة
آمن والكوت بالذاكرة كوسيلة لاستعادة الهوية. الذاكرة عنده جزء أساسي في تكوين مثل هذه الهوية، وهذا ما عكسه بقوة في الكتاب الخامس من «أوميروس». إنه يتتبع رحلة «أخيل»، الذي انطلق من سنت لوسيا بعدما طرح على نفسه أسئلة ممضة عن هويته، إلى قبيلة أجداده في إفريقيا. وعلى عكس أخيل هوميروس، الذي لم يستطع أن يصل إلى بلده لأنه فقد ذاكرته، أخيل والكوت يستعيد ذاكرته بمجرد أن يصل إلى إفريقيا، بعد رحلة ملحمية يتشابك فيها الزمان والمكان، والحاضر والماضي، والضياء والظلام، والأحياء والموتى. يكتب والكوت واصفًا هذا المشهد: «توغل الحزن في أعماقه ببطء وهو يبلغ موطنه. صار هو ذاكرته». (أوميروس، 141).
يوحي لنا والكوت هنا بأن الهوية تتمثل في الذاكرة، وتبعًا لذلك نحن نستطيع أن نعيد بناء هويتنا المتشظية عبر الذاكرة. ولكن هل يمكن أن نعيد بناء تجاربنا عبر الذاكرة؟ إنه يؤمن، كما كان يؤمن الفيلسوف ديفيد هيوم، بإمكانية ذلك. وكان هيوم يؤمن بقدرتنا على إعادة بناء تجاربنا في الذاكرة، وبالترابط بين الهوية والذاكرة، بل إن الإنسان ليس أكثر من ذاكرة، وإن العدمية ستسود الإنسانية من دونها. والهوية للاثنين ليست مجرد إحساس بمكان، بل بتاريخ، مهما كان هذا التاريخ، وهذا التاريخ هو الذاكرة، أو إن الذاكرة هي التاريخ.
يعبر والكوت عن ذلك شعريًّا في «أوميروس» حين يواجه «أخيل»، الذي كان قادرًا على التنبؤ بالمستقبل، كابوس العبودية في طريقه لقرية أجداده:
كان بإمكانه أن يسمع الأصداء نفسها التي تولدها فؤوسهم الحجرية،
في المرتفعات فوق أوتاد المستعمرة المثبتة بإحكام، حيث الأصداء التي توقعها.
نظر أخيل في الخريطة التي يحملها في يده
إنها تتشعب مثل الأنهار، والساحل…
ثم قامت الحرب. (أوميروس، ص44).

في المشهد التالي، نرى أخيل بمجرد مواجهته كل ذلك، يفقد ذاكرته، فتبدأ واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في التاريخ: العبودية، وتلتها الكولونيالية بأشكالها المختلفة. واجه أخيل، الذي يتنبأ بالمستقبل، كابوس العبودية في طريقه إلى قريته القاحلة، قرية أجداده، عندما شَنَّ تُجّارُ العبيدِ، وهم سودٌ أيضًا وليسوا من الجنس الأبيض، غارةً عليها. هذه المواجهة كانت حاسمة في وعيه الذاتي بماضيه. وتعمل الذاكرة هنا كـ«نتاج مرئي للتاريخ».
ولكن المشهد الذي يتبع الغارة أثار تفسيرات متباينة بين نقاد والكوت. فبمجرد أن يبلل أخيل شفتيه بقطرات من الجعة، يفقد ذاكرته! يفسر برس كنغ هذا المشهد بقوله في كتابه «ديريك والكوت… حياة كاريبية» بالقول: إن والكوت أراد أن يوحي باستحالة استعادة شيء قد تم فقدانه»((Bruce King, Dereck Walcott, A Carbean Life ( ) Oxford: Oxford Press, 2000), p.518814))، وهو تفسير يناقض بشدة ثيمة قصيدة «أوميروس»، الهادفة إلى إعادة بناء ما فقد في مجرى التاريخ، وتذكير البشرية بما نُسِيَ، «فما نحتاجه هو ذاكرة جيدة»؛ لأن «الكثير قد تم نسيانه» (أوميروس، ص54). ولكن تفسير الناقد جون ثيم يبدو أكثر إقناعًا، ولو إنه ليس صائبًا تمامًا. إنه يرى أن والكوت «في إستراتيجية بحثه عن تعريف ذاتي، وتعريف مناطقي من خلال الممارسة، يغوص في طبقة بعد طبقة من التحول الميتافيزيقي، الذي يقاوم احتمالية تعريف مركزي، وجوهري»، وهو يوحي بذلك أن الهوية ستبقى دائمًا مجرد عملية، لا تنتج شيئًا أبدًا((Walcott, Dream on Monkey quoted in Derek Walcot, Thiem p.5)).
والمسألة هنا، هي أن أخيل ليس إفريقيًّا؛ إنه كاريبيّ. إنه يرحل إلى إفريقيا في رؤياه بحثًا عن جده من ناحية الأب، وليكتشف الجزء الإفريقي من شخصيته، وهو أمر أساسي في إعادة بناء هويته، ولكنه لم يعد إفريقيًّا، بل كاريبيّ. وتجسد هذا في ارتدائه لباسًا غربيًّا حين وصل إلى الساحل، وهو ما أثار دهشة القرويين الأفارقة الذين أخذوا بتلمس بنطاله، وقميصه الداخلي، ويديه (أوميروس،135). ما يوحي به والكوت هنا هو أن عملية بناء وإعادة بناء الهوية يتطلبان فقط تفاعلًا ديناميكيًّا بين الماضي والحاضر.
أخيل يرحل إلى الماضي، مثل لارا، لاكتشافه، لامتلاكه، وليس للعيش فيه. إنه يعيد بناء ماضيه في ذاكرته، ويكتشف التاريخ الحقيقي من أجل نفسه، ومن أجل أن يستعيد اسمه، دلالة على هويته.
في مقال له بعنوان: «وحي التاريخ»، ينتقد والكوت كُتّابَ الكاريبي «الممسوسين بتدمير الماضي التاريخي». إنه يؤمن بأن «السجل التاريخي يجب أن يُمحَى بشكل كامل حتى تتحقق بداية جديدة». هذا هو الهدف الرئيس لوالكوت وإيفاريستو في رحلتيهما إلى الماضي. فمن خلال الذاكرة، وفي الذاكرة، «بعيدًا من فضاء المستعمرين السابقين»، سعى الاثنان ليس لاستعادة أو بناء وإعادة بناء الهوية، ولكن أيضًا خلق جمالية من خلال نصوصهما، وبخاصة والكوت، «تتجاوز أدب اليأس والاتهام والانتقام، الذي كتبه سليلو العبيد، وأدب الندامة الذي كتبه سليلو السادة».