بواسطة حسن الربيح - شاعر سعودي | يناير 1, 2024 | مقالات
ممَّا يؤخذ على القصائد الموجهة للطفل أنها تُكرِّس نمطًا معيَّنًا في الكتابة بحيث تتحوَّل جُلُّ القصائد إلى نَظْمٍ خالص لا شِعْر فيه، ولا مغامرة فنية تكسر هذا النمط إلا ما ندر. فأنت تقرأ هذا النوع من القصائد، وكأنك تقرأ قصيدة واحدة بطريقة واحدة. فموضوعات مثل: الأم، الأب، الربيع، المدرسة.. أصبحت موضوعات متكررة، ومتشابهة في طريقة إيصالها للطفل، فالأم مصدر الحنان والحب، والأب يشقى من أجلنا.. هذه معانٍ جليلة، ولكن لا بدَّ من مسحة شعرية تقوم على إدهاش الطفل وإثارة مخيلته، وهذه المسحة لا تتأتَّى بسهولة. فتلبُّس إحساس الأطفال بالأشياء ومعايشة خيالهم شرطٌ أساس في الكتابة للطفل، كأن يتناول الشاعر الأمَّ من منظور مخيلة طفولية بأنها شجرة كبيرة تأخذه أغصانها إلى الأعالي مع الطيور المغرِّدة والفراشات التي تداعب الأزهار، أو يتناول الأب بأنه طائر كبير يسافر به على البحار والجبال والوديان.
فالكاتب في يوم ما كان طفلًا وكان يتصوَّر الأشياء بمخيلته ويرسم لها قصَّة ويقيم معها حوارًا، من هنا فإن الطفولة منبع ثرٌّ في أن يستقي منها الكاتب الموضوعات، إما بالقيام بدور الطفل، أو بالعودة لطفولته هو.
وكسر النمط يأتي في صور عدة منها: طرق موضوعات جديدة، إدخال أدوات جديدة في عملية الإبداع. لكن الأهم من هذه الصور هو طريقة تناول الموضوع بأن تكون مختلفة عما سبق، بحيث تحمل نمطها الخاص بإيصال المتعة للطفل.
الخروج من دائرة التكرار
وإذا كان كسر النمط عاملًا مساعدًا في علاج كثير من القضايا التربوية والتعليمية، فهو كذلك في العملية الإبداعية بحيث يكسب المتلقي مزيدًا من المتعة ويفاجئه بنقله من حالة متوقعة إلى حالة أخرى لم تخطر على باله. وبالتالي، فإن ملل الأطفال من قراءة نصوصٍ متشابهةٍ لن ينتابهم وهو يقرؤون نصوصًا مختلفةً. ومن جهة أخرى، فإن لكسر النمط أثره في المبدع، فبمجرد التفكير في كتابة نص مختلف فإن ذلك حافز لتجدد روح الكتابة، وللتطلع إلى آفاق أخرى من الممكن أن تنفتح على صياغات جديدة للموضوع، كما أن كسر النمط له أثره أيضًا في القصيدة نفسها، وذلك حين ينتشلها من دائرة التكرار والمحاكاة إلى مستوى الإضافة والتنويع. وبالتالي، فإن الخيارات تكون مفتوحة للطفل في أن يتعدَّد تفاعله وتزداد متعته في اكتشاف صياغات مختلفة للموضوع الواحد؛ وهو ما يحفزه على التركيز أكثر والاستيعاب بصورة أفضل مما لو كانت الرتابة تتسيَّد القصيدة.
لنأخذ قصيدة «في بيتنا غيمة» للشاعر المغربي محمد عريج، وسنرى كيف انتقل بالموضوع إلى نمطٍ مختلف، يقول في بدايتها:
«تفضَّلي صديقتي الغيمةْ/ يا قدوتي في الحبِّ، والرَّحمةْ/ تفضَّلي.. تفضَّلي/ شرَّفتني في المَنزلِ/ هل تشربينَ قَهوةً، أم تشربينَ شايًا؟/ أم قبل هذا تشتهينَ أن تطيري/ بين ما في البيت من زوايا؟/ أن تدخلي دقيقةً لغرفتي الصغيرةْ/ لكي تسلِّمي على وسادتي الوَثيرةْ/
أو تجلسي في مكتبي/ فقربَهُ خزانةٌ مليئةٌ بالكُتُبِ/ وفوقَه كرَّاسةٌ صغيرةْ/ كتبتُ فيها قصصًا مثيرةْ/ عن النجوم اللامعةْ/ عن الطيور الرائعةْ/ وعن خرير الماءِ، والأشجار، والحقولْ/ وكل ما يمرُّ فوق الأرضِ من فصولْ».
(الغيمة) هنا موضوع أساس في النص، لكن الشاعر لم يتناولها بطريقة تعليمية معهودة كما في القصائد التي تتناول عناصر الطبيعة بأن تعدد فوائدها للطفل أو كيف تتكوَّن؟ بل حول الغيمة إلى صديقة تزور طفلة في غرفتها وتبدأ هذه الطفلة بأن تعرِّفها على تفاصيل دقيقة في المنزل، ويأخذها فرط الالتباس بالخيال بأن تعدَّ لها قهوة الضيافة أو شاي الحديث.
ثم يختم وتواصل الطفلة حوارها الأحادي مع الغيمة:
«تفضَّلي صديقتي الحَبيبةْ/ يا منبعَ الحنانِ يا طَبِيبةْ/ واقتربي من باقةِ الأَزهارْ/
فهي التي تُؤنسني في الدَّارْ/ لكنَّها عَطشانةْ/ وعطرُها عليلْ/ تحتاجُ منك قطرةً/
لكي تظلَّ حيَّةً/ في بيتنا الجميلْ».
هنا يظهر دور الغيمة في إحياء الأرض، لكن هذا الدور لم يظهر وكأن الشاعر يعرِّف الأطفال بمهمة الغيوم بصورة مباشرة، إنما لجأ إلى أن يختم هذا التجوال الذي راحت الطفلة فيه بمخيلتها وهي تخاطب الغيمة إلى تلك الأزهار العطشى في المنزل؛ لكي تحن الغيمة عليها وتسقيها قطرة ماء، فتستمر فيها الحياة، ويظل البيت جميلًا بها.
ولكن لنا أن نسأل: هل كل كسر نمط يعد صالحًا للأطفال حين نكتب لهم قصائد؟
يشترط الناقد الدكتور علي الحديدي، في موضوعات الأطفال، التالي: «والشعر الذي يكتب للصغار يتحتم -لكي يكون شعرًا ناجحًا- أن تكون لغته شعرية، وأن يكون موضوعه ذا هدف ومغزى».
الهدف والمغزى مطلب أساس قبل الدخول في تناول الموضوع نفسه، ولكي نضرب مثالًا على ذلك نأخذ قصيدة «أكل الولد التفاحة» للشاعر اللبناني حسن عبدالله الذي يقول فيها: في درس الإنشاءْ/ غمسَ الولدُ الهرَّةَ في الماءْ/ في درسِ الرسمْ/ رسمَ الولدُ الشمسَ، ولوَّنها بالفحمْ/ في درس التاريخْ/ لم يبصرْ جيشَ الفرعونِ الراكضِ في حقل البطيخْ/
وحين أتى وقتُ الراحةْ/أكل الولدُ التفاحةْ!».
هنا كسر نمط أيضًا، فلا نكاد نعثر على مثل هذه الطريقة في قصائد الأطفال، صحيح أنها تعبِّر عن شقاوة طفل، ولكنها تعكس كآبة معتمة حتى إن الرسم الذي هو منطلق لأحلام الطفولة يتحول إلى صورة شمس ملونة بالفحم، كما أنها تعكس حالة من اللامبالاة لهذا الولد الذي يسخر من التاريخ وبعد الدرس يأكل غير مكترث بما صنع. إن القصيدة تطرح موضوع (الإهمال) وتتناوله بنمط مختلف قد يدخل الضحك على الطفل سخرية بهذا الولد الغريب. وقد يقول قائل: إن الإهمال حالة من أرض واقع الأطفال، وأراد الشاعر الإشارة إلى هذا الواقع الذي ليس كله تفوقًا وإبداعًا، فهناك الطفل المهمل، وعليه لا بد أن يعرف الطفل صفات المهمل كما يعرف صفات المتفوق. هذا القول لا غبار عليه من حيث المبدأ، ولكن بالعودة إلى القصيدة، فإن نمط الموضوع تأثيره سلبي في الطفل، وبالتالي فإن القصيدة لم تحدِّد موقفها من موضوع الإهمال، ولو تلميحًا، واكتفت برسم المشهد.
وعلى كلٍّ، فإن «التجارب الشعورية والعاطفية لدى الصغار مماثلة لتجارب الكبار، ولا تختلف إلا في مثيراتها وحوافزها.. غير أنه لا مكان في شعر الأطفال للمثيرات الحادة كالهوى المشبوب والرثاء، أو شعر المرارة والهجاء، أو الأسى الحزين، والكراهية المقيتة، أو القسوة المفرطة.. والإشارات الضمنية في شعر الأطفال يجب أن تكون محدودة وقليلة، حتى هذا القليل المحدود يتحتم أن يكون متعلقًا بالموضوعات التي تدخل في نطاق تجارب الصغار»
ما نريد أن نعرفه من خلال هذا الكلام ليس الموضوعات التي تدخل في تجارب الصغار، بل كيف نُدخل الموضوع في تجربة الطفل، وكيف نجعله مقتنعًا به قبولًا أو رفضًا من دون التباس في إظهار موقف القبول أو الرفض.
بواسطة جاكلين سلام - كاتبة سورية مقيمة في كندا | يناير 1, 2024 | كتب
بعد أن بلغت مارغريت أتوود 83 من عمرها، أنجزت خلالها 74 عملًا أدبيًّا وفنيًّا؛ تُرجِمَ بعضها إلى لغات عالمية، ها هي تعود إلى القراء بمجموعة قصصية جديدة صدرت مؤخرًا بعنوان: «الأحبة المعمّرون في الغابة». محور المجموعة شخصيتان أساسيتان من كبار السن هما (نيل وتيغ) يتشابكان في بيئة أسرية، في البرية، في خضم الحياة على اختلاف منعرجاتها. في نهاية هذه القصص، يموت (تيغ) الشريك وتبقى «نيل» أرملة؛ لتعاني الفقد وأشجانه التي تظهر في قصص عدة ومنها قصة «أرملة» وقصص أخرى تسلط الضوء على تغير حياة الشريكة بعد رحيل رفيق دربها. وهذا ينطبق في جزء منه على حياة الكاتبة مارغريت أتوود التي فقدت زوجها الذي عاشت معه 50 عامًا وكان روائيًّا أيضًا. على الرغم من الحزن فإننا نجد في النصوص فكاهة وسخرية كثيفة، وهذه مهارة تجيدها أتوود في حواراتها وأحيانًا في قصائدها.
المجموعة تتضمن 15 قصة تتناول حياة الأزواج وتقلبات الأمزجة مع التقدم في العمر، إلى جوار قصص ذات محتوى فكري وتاريخي. في بعض القصص شخصيتان محوريتان (نيل وتيغ)، وهذان الاسمان سبق أن وردا في مجموعة قصصية أقدم من هذه.
سرد تكثر فيه التفاصيل لتفتح للقارئ عالم الحكايات الطويلة الممتدة عبر الأزمان والأمكنة. الكاتبة لا تكتفي بتشخيص إشكاليات كبار السن، بل تنفض الركام عن وجه شخصيات عالمية عبر الأزمنة كان لها أثرها في الخلق الفكري الإبداعي منذ القرون الأولى في التاريخ عبر شخصية (هيباتيا) الفيلسوفة الحكيمة، عالمة الرياضيات الإسكندرانية المصرية اليونانية، التي تعود لتقول لنا كيف قتلت، ولماذا، وصولًا إلى حوار متبادل مع الكاتب الشهير جورج أورويل.
مثل كل الكتب التي تصدر في الغرب نقرأ مقتطفات عن الكاتب والكتاب على الغلاف الخارجي والمقدمة. هناك مختارات من صحفيين ونقاد وكاتبات معروفات عالميًّا ومنهم كاتبة القصة أليس مونرو الملقبة بـ«تشيخوف كندا».
شهادة أليس مونرو
أليس مونرو، صديقة أتوود في الرحلة الإبداعية، من ناحية العمر والجغرافيا ومرحلة انطلاق الأدب الكندي إلى العالمية، قالت عن القصص: «من السهل أن نتعرف إلى القيمة الإبداعية في أعمال مارغريت أتوود بقوتها وتنوعها وطلاوتها. حين أفكر بهذا كله، وبمهارات الكتابة وموهبتها، أشعر بالفرح والدهشة».
عودة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

مارغريت أتوود
ما غاية مارغريت أتوود من تدوير قصة هيباتيا ومن اللقاء مع جورج أورويل بعد وباء الكورونا؟ مَن هيباتيا، الشخصية التي تتحدث عن طريقة موتها في قصة «الموتُ بالأصداف»؟
هيباتيا (مواليد عام 350م) أول شخصية نسائية مفكرة، فيلسوفة بتوجهات أفلاطونية، عالمة رياضيات وفلك، وكان لها السبق في اختراعات علمية. ورثت عن أبيها العلوم وكانت تحاضر في مكتبة الإسكندرية. كانت امرأة فاتنة، اتهمت بالسحر والإلحاد، وتَعَقّبَتْها جماعات مسيحية متشددة. رُبِط جسدها إلى عربة سحلتها في شوارع الإسكندرية بعد أن تعرض لها حشد من الرجال لتصفيتها بوحشية على مرأى من العالم، ثم سُلخ ما تبقى من جلدها بالأصداف الحادة.
كان عليَّ عند قراءة القصة أن أعود للبحث عن هذه الشخصية لأجد أن قصة هيباتيا صارت فِلْمًا بعوان «أغورا»، وهناك تسجيلات وثائقية عدة عن هذه الشخصية التي قضت حياتها في الإسكندرية/ مصر، حيث نسبها يجمع بين المصرية واليونانية في العصر الروماني.
تبدأ القصة بهذه الجملة «هيباتيا الإسكندرانية تتكلم». ثم تبدأ البطلة بسرد تفاصيل طريقة تعذيبها، سحلها، العصابة التي اعتدت عليها، موقف الرجال والنساء وهم يشاهدون جسدها تجره العربة في شوارع الإسكندرية الوعرة. تخبرنا بلسان (الأنا) حكايتها مثل حكواتي العصور الحديثة، وتسخر في مقاطع متفرقة من صورتها التي رسمها الفنانون: شعر أحمر وفتنة لا مثيل لها، وتفاصيل لا حقيقة لها إلا في مخيلة مبدعيها.
أدوات السرد ومحاوره الفنية
كي تكون القصة مقنعة على الكاتب أن يكون ماهرًا في إيراد الدلالات والصور وليس الأحكام والصفات، وهذا ما تفعله أتوود. لا تقول الساردة: إن هيباتيا قضت حياتها وماتت بطريقة لا إنسانية بشعة، بل تصف هذه البشاعة بتفاصيلها على لسان بطلتها، القتيلة التي تتحدث من سقف مخيلة الكاتبة. تتحدث عن ثيابها، لون شعرها، تقطيع جلدها بنوع من الأصداف يسمى (صَدفة البطلينوس) وهي صَدفة حادة الطرفين. وفي بؤرة العذاب تسخر وتجبر القارئ على الابتسام. وهذا يثبت مقولة القاص الساخر الناقد الأميركي مارك توين وفكرته النقدية الساخرة «لا تقل لي إن البطلة حزينة وتصرخ، أحضر البطلة هنا واجعلها تصرخ». هذا ما شعرت به وأنا أقرأ القصة التي تصل إلى 16 صفحة.
لم تعط الكاتبة آراء مع وضِدّ، ولكنها تصف بلسان البطلة ما حدث لها: «لم يتقدم أي من النسوة المتفرجات على مساعدتي. بل كنّ يثبتن الغطاء على وجوهن ويمضين كمن لا يسمع ولا يرى. وأنا لا ألومهن، فلو دافعن عني لأصبحن ضحايا أيضًا…».
تتحدث بالتفصيل، عبر الصورة واللون، عن العنف اللفظي والجسدي الذي تعرضت له المفكرة من جانب جماعة من الكنيسة. وتشخص الصراع بين المفكرة الحرة والسلطة الدينية ووقوفها في وجه المرأة، وبخاصة حين تكون عالمة وحكيمة لها حضور يتعارض مع رغبة أتباع السلطة الحاكمة.
حوار ميت بين مارغريت أتوود وجورج أورويل
لماذا اختارت أتوود في هذه القصة أن تجري حوارًا افتراضيًّا مع جورج أورويل تحديدًا؟
قالت في إحدى حواراتها: إنه طُلب منها مرة أن تُجري حوارًا مع شخصية مؤثرة، من عصر آخر، فاختارت اللقاء المتخيل مع الروائي جورج أورويل. فكتبت القصة في 14 صفحة كما لو أنها مكاشفة تاريخية سياسية فكرية بين شخصيتين، وأديبين هما أورويل وأتوود.
هل يصح أن تتخلى القصة عن السرد وتقتصر على أن تكون ديالوغًا بين شخصين؟
هذا ما فعلته قصة مارغريت أتوود باسمها الحقيقي، وجورج أورويل عبر «ديالوغ» حر يحرض على طرح الأسئلة الكبرى الممتعة والثاقبة في آنٍ.
ربما يعلم كثيرون أن رواية أتوود «حكاية الخادمة» جاءت متأثرة برواية جورج أورويل 1948م. في هذه القصة تصرح الكاتبة لجورج أورويل بأنها تأثرت به، وأعتقد أنها قصة لقراء النخبة؛ إذ هي محملة بثقافة عالية ومعلومات وثائقية عن المرحلة السياسية التي كتب فيها أورويل. تتحدث فيها عن دكتاتورية ستالين وبعض أطراف اليسار التي تحاملت على أورويل في حينه. وتسلط أضواء على مرحلة صعود الاتحاد السوفييتي، والأيديولوجيات اليمينية واليسارية المتحاربة، والأفكار المثالية التي حملها الفكر الاشتراكي، وانهيارها على أرض الواقع.
لكي يستمتع القارئ بالحكاية يجب أن يكون لديه خلفية ثقافية واطلاع على المجريات السياسية في الغرب، واطلاع على أعمال أورويل الشهيرة؛ إذ يتكرر التنويه إلى «الحذاء العسكري» الذي يسحق وجه البطل «الأورويلي»، واهتمام أورويل بالبيئة والأشجار والزهور، مع تحليل لخطاب الرجل للمرأة، ومفهوم النسوية والذكورية آنذاك، وما توصلت إليه الحركة النسوية الآن.
ختامًا، الإبداع لا يموت مع التقدم في العمر. هنا قصص، في 250 صفحة، ثرية ومتنوعة للأدب العالمي وتربط، في هذه الحكايات ما بين الشخصي، الواقعي، والمتخيل. سرد يحرض على التفكير وإطلاق مزيد من الأسئلة الكبرى حول قضايا الإنسان المعاصر والموغل في القدم.
بواسطة حاوره: جعفر العقيلي - صحفي أردني | يناير 1, 2024 | حوار
بدأت علاقة المترجم الكازاخي الدكتور اختيار بالتوري، مع اللغة العربية منذ طفولته، مدفوعًا بالرغبة في قراءة كتاب يحتفظ به والده بعد أن ورثه عن جده، ليكتشف بعد سنوات من تعلمه اللغةَ العربية أن هذا الكتاب هو القرآن الكريم. ويرى بالتوري الحاصل على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي/ فئة الإنجاز للدورة الثامنة (2022م)، أن هناك العديد من العوامل التي ساهمت في حركة الترجمة من «العربية» إلى «القازاقية» (الكازاخية)، ويأتي في طليعتها العقيدة، فاللغة العربية كانت وسيلة لمعرفة الله والتفقه في الدين، حيث نهض علماء آسيا الوسطى في مجالات العلم المختلفة بنور القرآن الكريم بما يمكن وصفه بـ«الإزهار بعد المطر الغزير».
وفي حوار مع «الفيصل»، يتحدث بالتوري، الذي يعمل أستاذًا في جامعة الفارابي الوطنية بكازاخستان، ومديرًا لقسم العلوم والإبداع بالجامعة المصرية للثقافة الإسلامية «نور مبارك»، عن الأثر المتبادل بين اللغتين والثقافتين العربية والقازاقية، قديمًا وحديثًا، مستشهدًا بالعدد الكبير للمخطوطات العربية القديمة في كازاخستان، وكذلك شيوع كثير من الكلمات العربية في المعجم اللغوي الكازاخي، وهو ما دفع الباحثين بعد استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفييتي للاهتمام بموضوع المفردات الدخيلة من العربية، التي تشكل نسبة يُعتدّ بها من مجمل المفردات المستخدمة باللغة القازاقية.
● ما الذي دفعك لتعلم اللغة العربية وما سرّ ارتباطك بها وشغفك بالترجمة منها؟
■ بدأت علاقتي باللغة العربية وأنا لا أزال في مرحلة الطفولة، تقريبًا في السابعة من عمري. وفي ذلك الوقت كان في غرفة والدي كتاب ورثه من جدّنا يحتفظ به معلقًا على الحائط. دائمًا كنت تواقًا لأن أفتحه وأرى ما فيه؛ إذ كنت أتخيل أن جدّي ترك لنا بين صفحاته وصية ما. لكن أبي أخبرني أننا غير قادرين على قراءته، لا أنا ولا إخواني الكبار؛ لأنه مكتوب باللغة العربية. وقال لي حينها: «أتمنى أن تكبر وتتعلم العربية وتتمكن من قراءته».
لهذا السبب، وبتوجيه من أبي -رحمه الله- وبدعم كبير منه، بدأت تعلم العربية. في البداية تعلمتُ الحروف العربية كتابةً وقراءة في «كتيبة» مشهورة اسمها «معلم ثاني»، وهي مخصصة لتعليم قراءة القرآن الكريم ولا تزال موجودة حتى الآن. ثم التحقت بالمدرسة الدينية التابعة للإدارة الدينية لمسلمي كازاخستان؛ لأن تعليم العربية في ذلك الوقت لم يكن متاحًا سوى في المدارس الدينية. وبعد ذلك التحقت بالجامعة واخترت تخصص «اللغة القازاقية وآدابها واللغة العربية»، وكان هدفي أن أتعلم «العربية» فأقرأ الكتابَ الذي ورثناه عن جدّي، وأترجم معاني ما فيه لأبي. وبعد سنتين تقريبًا، سمح لي أبي أن أفتح ذلك الكتاب ذا الأوراق القديمة، واكتشفت أنه القرآن الكريم، فقرأت منه بسهولة. وأحمد الله حمدًا كثيرًا، فقد تحقق طموحي. ثم واصلت دراساتي العليا؛ وحصلت على درجتَي الماجستير والدكتوراه كي أكون مترجمًا جيدًا.
جذور اللغة القازاقية
● ما خصائص اللغة القازاقية، وما ارتباطها باللغات الأخرى في المنطقة؟
■ قبل أن أتحدث عن اللغة القازاقية، أود أن أتحدث قليلًا عن اللغة التركية؛ لأن «القازاقية» مشتقة منها. «التركية» هي لغة الشعب التركي الذي انتشر من موطنه الأصلي بآسيا الوسطى، جمهورية كازاخستان حاليًّا، وهي جزء مما عُرف في التاريخ الإسلامي بـ«بلاد ما وراء النهر»، أي الأراضي التي تقع شرق نهر جيحون، وسُميت أيضًا «بلاد تركستان»، في المصادر العربية نسبةً إلى الشعوب التركية التي استوطنت الجزء الشمالي من آسيا الوسطى. والشعب القازاقي أحد الشعوب التي تركزت في كازاخستان الحالية، التي تعدّ أكبر دولة في آسيا الوسطى، والتاسعة على مستوى العالم والأولى في العالم الإسلامي من ناحية المساحة، وهي حريصة منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م على توطيد التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي مع الدول العربية.
و«القازاقية» هي اللغة الرسمية في كازاخستان، وجميع الأنشطة التي تجرى الآن لتحسين وضعها تكتسب أهمية بالغة في مجال إقامة العلاقات المباشرة مع جميع دول العالم العربي ومن دون وسيط. واللغة من دون شك من المقومات المقدسة لكل شعب؛ كالوطن والعَلَم والتراث، و«التركية» -كما هو معروف- من اللغات «الالتصاقية» التي تمتاز بها لغات «آلتاي أورال» (التورانية)، وتتفرع منها اللهجات المختلفة التي تتحدث بها شعوب آسيا الوسطى وشعوب القوقاز وتركيا. وأكثر ما يميز اللغة التركية هو الأفعال، فهذه اللغة تستطيع أن تفيد بكلمة وجيزة معنًى تعجز عن التعبير عنه كثير من اللغات إلَّا باستخدام عبارات طويلة.

من العربية إلى القازاقية والعكس
● ما العوامل التي ساهمت في حركة الترجمة من «العربية» إلى «القازاقية»؟
■ إذا نظرنا إلى صفحات التاريخ، فقد قَدَّم العلماء القدماء من أراضي بلاد تركستان (بلاد ما وراء النهر) مساهمة بارزة في نشر الدين الإسلامي واللغة العربية بآسيا الوسطى. كان أجدادنا يؤمنون -ونحن على خُطاهم- بأن القرآن الكريم هو مصدر العلم وكلام الخالق الذي بُنيت عليه ثقافة العالم. والآية الأولى التي نزلت من عند الله -عز وجل- تحث على العلم والقراءة والكتابة، وتدعو الإنسان إلى فتح آفاق العقل بالفكر والمعرفة والبحث في آيات الله في الكون؛ أي في السماء والأرض وفي الجبال والبحر وفي كل ما خلق الله من كائنات صغيرة أو كبيرة. في القرآن الكريم تكثر الآيات التي تحث على العلم، ونزول القرآن الكريم باللغة العربية جعل لهذه اللغة منزلة خاصة في قلوب المسلمين، وأصبحت لغةَ جميع المسلمين، ولأن هناك حاجة ماسّة إلى التعليم، فلا شك أن ذلك سيتم باللغة العربية. وانطلاقًا من هذه الحاجة كان أجدادنا يتعلمون اللغة العربية ويعلّمونها لأبنائهم.
إن الحرص على تعلم اللغة العربية للكازاخيين جاء أولًا بسبب العقيدة، فاللغة العربية كانت وسيلة لمعرفة الله والتفقه في الدين. وثانيًا لأن هذه اللغة أتاحت لأجدادنا دراسة الكون والإنسان واكتشاف العلوم الطبيعية والاستفادة منها لصالح الفرد والمجتمعات، وتقديم الاختراعات في العلوم والآداب والفنون. وفي النتيجة، نهض علماء آسيا الوسطى في مجالات العلم المختلفة بنور القرآن الكريم بما يمكن وصفه بـ«الإزهار بعد المطر الغزير».
● كيف ترى الأثر المتبادل بين اللغتين، والثقافتين، العربية والقازاقية؟
■ من المعروف أن شعوب بلاد تركستان بدأت في الظهور في مختلف المجالات في العصور الوسطى. ولا شك أن ابن سينا، والبيروني، والخوارزمي، والعديد من الشخصيات الفريدة الأخرى، ساهموا بشكل كبير في تطور الحضارة الإسلامية والعالمية. وكتب معظم هؤلاء العلماء مؤلفاتهم باللغة العربية أو بالحروف العربية، وغالبًا ما نجد كلمات من «العربية» و«الفارسية» في كتبهم.
لقد تقدم علماء آسيا الوسطى في العلم والفنون المختلفة بنور العلم والإيمان بفضل اللغة العربية، واكتشفوا اكتشافات علمية عظيمة في مجالاتهم، وكانوا يرون اللغة العربية كلغتهم. وفي هذا الصدد يمكن ذكر المعلم الثاني «أبي نصر الفارابي» الذي وُلد في عام 870م في مدينة فاراب (تقع حاليًّا في كازاخستان). فمن المعلوم أن هذا الفيلسوف تعلّم وعاش في عدد من المدن العربية مثل بغداد والقاهرة ودمشق، واهتمَّ بدراسة العلوم اليونانية بأسلوبه الحكيم وقدمها إلى الشرق والغرب بتأويله الخاص، وألّف جميع مؤلفاته ورسائله باللغة العربية.
وتثبت الوثائق التاريخية كثرة استخدام اللغة العربية وخطوطها في آسيا الوسطى ما بين القرنين الثامن والحادي عشر للميلاد، في ظل انتشار الإسلام في هذه المناطق. ومن الدلائل على ذلك ظهورُ مفردات اللغة العربية والفارسية الدخيلة في اللغة القازاقية. وقد تطورت الحضارة في الأراضي القازاقية في أثناء المدة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر للميلاد بقيام الدولة القاراخانية، كما تطورت العلوم والآداب في مساحة العالم العربي والهند وإيران وآسيا الوسطى، وهو الأمر الذي دفع إلى النهضة الفكرية وظهور الأفكار الفلسفية في تلك الحقبة.
● تعدّ أرض كازاخستان منجمًا للمخطوطات المكتوبة باللغة العربية. ما حال هذه المخطوطات في الوقت الراهن، وكيف السبيل إلى تحقيقها وترجمتها وإعدادها للنشر؟
■ لدينا كثير من المخطوطات القديمة العربية والفارسية والتركية أيضًا، لكن للأسف حتى الآن لم تُفهرَس كاملة؛ بسبب قلة المتخصصين في هذا المجال. سأضرب لك مثالًا واحدًا: في منتصف سنة 2021م أحضرت من محافظة «قيزيل أرودا» إلى مكتبة جامعة الفارابي الوطنية بكازاخستان 433 من الكتب القديمة النادرة وجزء منها مخطوطات، ومن ضمنها مخطوطات عربية قيّمة لم تحقَّق بعد، وأخرجت هذه الكتب النادرة بنفسي من الصندوق الخشبي المحفوظ لدى أسرة الشيخ «دويسنبيك قبلانباي أولي» لكي نفهرسها وندْرسها ونترجمها ونستفيد مما فيها، لكننا نحتاج إلى التعاون مع متخصصين وخبراء من العالم العربي في مجال المخطوط.
معجم مشترك
● يُلحَظ أن هناك شيوعًا لكثير من الكلمات العربية في معجم اللغة القازاقية، حدثنا عن هذا الجانب ودلالاته مع ذكر أمثلة عليه إن أمكن.
■ يواجه القرّاء المعاصرون صعوبات في فهم معاني المفردات الدخيلة من العربية والفارسية الموجودة في مؤلفات العلماء القدماء. حتى إن كثيرًا من الشباب اليوم لا يستطيعون أن يقرؤوا أو يفهموا ما ترك لنا الأجداد من مؤلفات قيمة، والسبب الأساسي تحوُّل الحروف مرارًا. فحروف الهجاء القازاقية لها تاريخ، فقد كانت «القازاقية» تدوَّن بالحروف العربية حتى سنة 1929م، ومنذ ذلك التاريخ بدأ التحول أول الأمر من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية، ومنذ سنة 1940م حتى يومنا هذا تُستخدم الحروف الكيريلية التي تدوَّن بها اللغة الروسية، وعددها 33 حرفًا، تضاف إليها تسعة حروف تخص النطق القازاقي. وهكذا يبلغ عدد الحروف القازاقية حاليًّا 42 حرفًا.
لذا زاد اهتمام الباحثين بعد استقلال بلدنا بموضوع المفردات الدخيلة من العربية؛ إذ تبلغ نسبة الكلمات العربية في اللغة القازاقية نحو ثلاثين في المئة. على سبيل المثال تُستخدم كلمة «أمر» في اللغة القازاقية بلفظها ومعناها العربيين. وهناك بالطبع كلمات عربية كثيرة تحذو حذوها. ويمكن القول: إن الكلمات العربية المستخدمة في اللغة القازاقية إما أن تأتي بصيغة المفرد (بالمعنى نفسه، أو بدلالة مختلفة)؛ أو بصيغة الجمع، وهناك كلمات أخرى مشتركة في «العربية» و«القازاقية».
ومن الكلمات العربية بصيغة المفرد المستخدمة في اللغة القازاقية بالمعنى نفسه: اسْم، أَدَب، إِخْلاص، أَصِيل، بَرَكَة، أَمَانَة، تَـجْرِبَة، تَارِيخ، بُلْبُل، تَسْلِيم، تَرْتِيب، تَرْبِيَة، جرَاحَة، تَعْلِيم، حَاجَة، جَوَاب، حِسَاب، حُكُومَة، حِكَايَة، حَقِيقَة، حِيلَة، خِدْمَة، خَبَر، ذِهْن، ذِكْر، رَسْمِي، سُؤَال، زِيَارَة، زَمَن، سَفَر، سَبَب، سَاعَة، سَلاَم، عَالَم، عَاشِق، عَادِل، مَجْلِس، مَجْبُور، مَثَلًا، مَحَبَّة، مَجْنُون، مَخْلُوق، مُحِيط، مَسْأَلَة، مَقْصَد، مَقَالَة، مُمْكِن، نَتِيجَة، وَرَقَة، وَقْت… إلخ. ومن الكلمات المستخدمة ولكن بدلالة مختلفة: بَاطِل، حُرْمَة، دَوْلَة، شَجَرَة، فَنّ، قُرْب، لَائِق، مَال، مَرْتَبَة، مَمْلَكَة، دُسْتُور، رَحْمَة، شَرب، قَابِل، قُرْبَان، لَازِم، مَحْكَمَة، مُسَافِر، منَارَة، سَبَق، صِنْف، تَقْدِير، قِيمَة، مَكْتَب، مَنْصب. ومن الكلمات العربية بصيغة الجمع المستخدمة في اللغة القازاقية لكن بوصفها مفردة: أَرْواح، أَوْلِيَاء، صِفَات، مَعْلُومَات، أَلْوَان، آفَات، عَجَائِب، نُقْصَان، أَوْلَاد، عُلَمَاء. إن الشعوب العربية وشعوب آسيا الوسطى على امتداد تاريخها الطويل، كانت على اتصال متبادل من النواحي التجارية والاقتصادية والثقافية والدينية، وكان لها بالطبع تأثير كبير في بعضها الآخر. أما اليوم، فإن التعاون بين جمهورية كازاخستان والدول العربية يتخذ وصفًا مختلفًا تمامًا.

مستقبل اللغة العربية في كازاخستان
● من خلال عملك الأكاديمي، كيف ترى مستقبل اللغة العربية في بلادكم؟
■ حاليًّا أعمل في جامعتين؛ فأنا أستاذ في جامعة الفارابي الوطنية، ومدير قسم العلوم والإبداع بالجامعة المصرية للثقافة الإسلامية «نور مبارك» التي تقع في مدينة آلماطى (أكبر مدن كازاخستان، وعاصمتها السابقة).
في عصر العولمة الحالي، تظهر اللغة بوصفها وسيلة التواصل بين الشعوب، وهي تربط الثقافات المختلفة، وتكتسب أهمية في إقامة الحوار بين الحضارات وفي تعزيز السلام بين شعوب العالم وأممه. وتعد «الفارابي» جامعة رائدة في قطاع التعليم العالي بجمهورية كازاخستان، مع بنية تحتية متطورة وإمكانات تعليمية وتدريبية عالية. وبدأ تعليم اللغة العربية في هذه الجامعة قبل ثلاثة وثلاثين عامًا تقريبًا. وبفضل اللغة العربية تأسست بالجامعة كلية الدراسات الشرقية التي توليت عمادتها لخمس سنوات، وتخرج من هذه الكلية كثير من الشخصيات البارزة في بلادنا، من بينهم عدد من السفراء والدبلوماسيين الذين يلتحقون بسفاراتنا في العالم العربي، وفي الدول الشرقية عامة.
إن مستقبل اللغة العربية في جمهورية كازاخستان مشرق بلا شك، وفي وقتنا الحاضر يتزايد عدد الراغبين في فهم أصول الدين الإسلامي وعلوم القرآن الكريم وعلم الحديث من المصادر الأصيلة، كما تزداد يومًا بعد يوم ترجمة النصوص الدينية والكتب التي وضعها أجدادنا باللغة العربية إلى اللغة القازاقية مباشرة من دون لغة وسيطة.
وفي هذا السياق يأتي دور الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية «نور مبارك» التي تعد منبرًا مهمًّا يقدم للشباب صورة الإسلام الوسطي المعتدل طبقًا للمذهب الحنفي السائد، ليس في كازاخستان وحدها، بل في آسيا الوسطى عامة. وتمنح الجامعة شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في تخصصات اللغة العربية، والفقه الإسلامي، والشريعة الإسلامية، ويرأس الجامعةَ أكاديميٌّ مصريّ، كما أن أكثر من ثلثي هيئة التدريس بها من المصريين، وتشهد الجامعة إقبالًا كبيرًا من جانب الطلبة في دول آسيا الوسطي، حيث يزيد عدد الطلبة عامًا بعد عام. بينما هناك جامعات أخرى لا تهتم بتعليم اللغة العربية إلا بوصفها لغة أجنبية من دون ربطها بدين الإسلام.
القواميس وحركة الترجمة
● من المعروف أن للقواميس والمعاجم أهمية كبيرة في أثناء الترجمة.. هل يوجد عندكم قواميس عربية – قازاقية؟
■ نعم، هناك قواميس تؤدي دورًا مهمًّا جدًّا في عملية الترجمة، فقد أُعِدّت وطُبعت حتى الآن العديد من القواميس العربية-القازاقية، وأَعَدَّ أساتذة اللغة العربية في بلادنا القاموس العربي-القازاقي عام 2016م، وهو يشتمل على نحو 50 ألف كلمة، وأنا أحدُ مؤلفيه. كما أن الطلب يزداد على القاموس الكبير حينما نحتاج إلى الترجمة المباشرة من «العربية» إلى «القازاقية» أو بالعكس، في المؤتمرات الدولية، وفي أثناء عملية البحث في المخطوطات المكتوبة باللغة العربية والمتصلة بتراث كازاخستان الثقافي والتاريخي.
● كيف تقيّم حركة الترجمة من «العربية» إلى «القازاقية»، وهل من دعمٍ لها من المؤسسات الرسمية والأكاديمية؟
■ اللغة العربية وثيقة الصلة باللغة القازاقية ولا يمكن الفصل بينهما، وقد قامت حركة الترجمة بين اللغتين ضمن مسارين متوازيين ومتقاطعين؛ الأول يتصل بالرغبة في التعرف إلى التعاليم الدينية وشؤون الفقه والعقيدة، والثاني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبعد الثقافي التاريخي. فقد ساهم أجدادنا الذين عاشوا في آسيا الوسطى إسهامًا بارزًا في الحضارة الإسلامية، وأكثرهم عاشوا في المنطقة العربية، وكتبوا مؤلفاتهم باللغة العربية، وهو ما يستدعي في الوقت الراهن نقل مؤلفاتهم إلى اللغة القازاقية لتعريف الأجيال الجديدة بما تركه أجدادهم من علوم ومعارف؛ لذلك فإن أهمية الترجمة من العربية تزداد يومًا بعد يوم. وتتم ترجمة الكتب العربية إلى اللغة القازاقية بدعم من مؤسسات حكومية وغير حكومية، فإذا كان الدعم من مؤسسة حكومية فإن الكتب تُترجَم وتُطبَع وتُوزَّع مجانًا، أما إذا قدمته مؤسسة غير حكومية فتتم العملية وفق اتفاق بين الأطراف المعنية، وغالبًا ما تُعرض الكتب المترجمة للبيع بعد الطباعة.
أثر الجوائز في تطور الترجمة
● ما الذي أهّلك لنيل جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي/ فئة الإنجاز لعام 2022م؟
■ كما قلت في مستهل هذا الحوار؛ كنت منذ أيام طفولتي أتمنى أن أكون مترجمًا جيدًا من «العربية» إلى «القازاقية»، وبعد أن تمكنتُ من الأمر شاركت مع زملاء في ترجمة معاني مفردات الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، ثم ترجمت تفسير السور القصيرة التي تُقرأ في الصلاة، مثل: «الفاتحة» و«الإخلاص» و«الفلق» و«الناس»، بعد ذلك ترجمت كتاب الثقافة الإسلامية، وتاريخ تركستان، وسيرة الظاهر بيبرس، وكذلك مؤلفات أبي نصر الفارابي مثل: «الواحد والوحدة»، وكتاب الحروف، ومقالات في أصول علم الطبيعة. ولكن ما زال هناك أعمال كثيرة كُتبت باللغة العربية في الأدب والثقافة والتاريخ لم تُترجَم حتى الآن إلى لغتنا.
● هل توقعت الفوز بالجائزة؟
■ لم أتوقع في حياتي أن أفوز بهذه الجائزة أو بأي جائزة أخرى، فعلى الرغم من أنني أعمل في حقل الترجمة منذ أكثر من عشرين عامًا، لم يخطر ببالي قط أنني سأرشّح ما أنجزته من تراجم لجائزة وأحصل عليها أيضًا. إن الجوائز على شاكلة جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي تؤدي دورًا محوريًّا في تقارب المترجمين، وتقارب الثقافات، وتحقيق تعايش سلمي في العالم، وهذا لا يكون من دون التقارب الفكري والعقلي، قال الله تعالى: (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فهذا هو «معيارنا». وأرى أن اختيار اللغة القازاقية ضمن لغات الدورة الثامنة للجائزة مثّل محطة مهمة في حركة الترجمة المتبادلة بين «العربية» و«القازاقية».
بواسطة ترجمة: إبراهيم إستنبولي - مترجم سوري | يناير 1, 2024 | مذكرات
عندما وُلِدتْ، في السادسة والنصف من صباح الثامن عشر من سبتمبر، عام 1912م، راحت أجراس الكنيسة الواقعة خلف نهر موسكو تقرع بقوة داعية الناس للصلاة الصباحية، كما لو أنها تبشِّر بمصير صاخب لتلك الطفلة الوليدة ذات الشعر الذهبي، وبرعاية الرب…
إنها أريادنا (آلا، كما كانت تناديها أمُّها) ابنة أيقونة الشعر في القرن الفضي للشعر الروسي مارينا تسفيتاييفا التي أتعبتها حياة الذل والفاقة والقهر، فاكتشفت المغزى الصوفي لحبل كان قد أعطاها إياه بوريس بسترناك لتحزم به حقيبتها في رحلة الإجلاء عام 1941م… وزوجها الضابط في الحرس الأبيض، المثقف والأديب سيرغي ياكوفليفيتش إيفرون (وكنيته الحقيقية كالمانوفيتش- ولد عام 1893م في موسكو، وأُعدم عام 1941م بتهمة الخيانة، ثم أُعيد له الاعتبار.
سجين محكوم بالإعدام
درس سيرغي إيفرون في كلية الآداب في جامعة موسكو، كتَبَ القصص، كما حاول أن يعمل في المسرح، حتى إنه قام بدور ثانوي عام 1927م في فِلْم «مادونا العربات النائمة»، من إخراج الفرنسييَن مارغو دو غاستِن وموريس غلاز، حيث أدى دور سجين محكوم بالإعدام… ثم حاول أن يعمل ناشرًا للصحف.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1917م تطوع ممرضًا في الجبهة، وبعد الانقلاب البلشفي في روسيا خاض معارك عدة ضد البلاشفة، ثم شارك في تشكيل قوات الحرس الأبيض. وانتقل بعد هزيمة قوات الحرس الأبيض إلى القسطنطينية ومنها إلى براغ حيث درس الفلسفة في جامعتها. أصبح هناك عضوًا في اتحاد الكتاب والصحفيين الروس في المهجر. كما شارك في تنظيم «الاتحاد من أجل العودة إلى الوطن». ثمة رأي يقول: إنه انتسب في أثناء وجوده في باريس إلى المحفل الماسوني الروسي في المهجر وتدرّج فيه حتى المرتبة الثالثة.
ولكي يُسمَح له بالعودة إلى موسكو؛ لأنه كان يعاني الحنينَ إلى روسيا -وقد كانت عائلته المؤلفة من مارينا تسفيتاييفا وابنتهما أريادنا وابنهما غيورغي أو مور كما كانت تناديه تسفيتاييفا، قد سبقته في العودة- بدأ في عام 1931م بالتعاون مع المخابرات السوفييتية، الفرع الخارجي، فقام بتجنيد العملاء من بين المهاجرين الروس في باريس. ومن هذا المنطلق شارك في اختطاف الجنرال ميللر عام 1937م، أحد القادة العسكريين البارزين في الجيش الأبيض، ونقله من باريس إلى موسكو. كما اتهمته الشرطة الفرنسية بالاشتراك في مقتل الجاسوس السوفييتي في باريس إغناتي رايس (بوريتسكي) عام 1937م؛ لأنه رفض العودة إلى الاتحاد السوفييتي، ولرفضه علانية الاستمرار بالتعاون مع المخابرات السوفييتية.
بعد عودته إلى الاتحاد السوفييتي عام 1937م منحته السلطات السوفييتية شقة حكومية قرب موسكو حيث نزل فيها مع أفراد أسرته. ولم يكن ثمة ما ينبئ بكارثة، إلّا أنه سرعان ما اعتُقِلَت ابنته أريادنا التي قضت 8 سنوات في معسكرات الاعتقال، وأُعِيدَ الاعتبارُ لها عام 1955م. وفي 10 أكتوبر من عام 1939م اعتُقِل إيفرون نفسه، وحُكِم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص في عام 1941م. ويعود الفضل إلى وجوده في صفوف الحرس الأبيض، بأننا قرأنا في الشعر الروسي سلسلة من أروع القصائد التي كتبتها مارينا تسفيتاييفا في ديوان «معسكر البجع».
هذه مقتطفات من كتاب مذكرات لم تنتهِ أريادنا من كتابته في أثناء حياتها.
خيط من الأيام والسنين
«ذاكرتي سيئة، ينقصها الترتيب الدقيق الذي يمتاز به آل تسفيتاييفا. فالأحداث والوقائع والوجوه المحفوظة فيها لا ترسو عند تواريخ محددة، بل يرتبط بعضها مع بعض بشكل تقريبي من خلال خيط من الأيام والسنين فقط. بيدَ أني أتذكّر، مع ذلك، كمًّا هائلًا من الأحداث يكفي لو كنتُ أجيد الكتابة، لأن أقوم بتأليف كتاب ضخم. ولكن بشرط أن أجيد الكتابة؛ إلا أن ثمة حالات يضطر فيها ذاك الذي لا يجيد الكتابة، لأن يمسك القلم عندما يكون لزامًا على الحبِّ والإحساس بالواجب أن يعوّضا عن غياب الموهبة. وما هي أهمية أن تتوافر الموهبة عندما تكون الكتابة بالضبط عن الإبداع وعن الموهبة. فهذا هو إيكرمان يستعين بغوته لتعويض عن غياب الموهبة لديه.
سوف تَمُرُّ السنون وسيجيء أناس يتغلبون على اللامبالاة الآثمة للزمن، وسيرغمون الزمن لكي يعيد ما طواه النسيان، وأن يتكلم عمّا لفّه الصمت، أن يبعثَ ما قُتِل. ومن أجل مساعدة أولئك الناس، أحاول أن أكتب ما تحفظه ذاكرتي عن أمي، وعن ذلك الزمن».
إنَّ ذكرياتي الأولى عن ماما وعن هيئتها أشبه بلوحات سريالية. لا تتوافر لدي صورة كاملة عن شكلها؛ لأن العينين لم تكونا قد تعلمتا بعد الإحاطة به، ولم يكن العقل قد تمكن من جمع الأجزاء المؤلفة للكل في وَحْدة متكاملة.
كل ما يحيط ومن يحيط يبدو كبيرًا وهائلًا، لا يمكن احتواؤهم ولا الوصول إليهم. فالناس لديهم أحذية ضخمة، وأرجل طويلة تسافر عاليًا، والأيدي عندهم تبدو ضخمة وقادرة على كل شيء. والوجوه غير مرئية، إنها هناك، في مكان ما في الأعلى، يمكن النظر إليها فقط عندما تنحني إليَّ أو عندما يحملني أحد ما بين يديه. عندئذٍ فقط أرى -وألمس بإصبعي- أذُنًا كبيرة وحاجبًا كبيرًا، عينًا ضخمة تنغلق حين يقترب إصبعي، وفمًا واسعًا يقبلني تارة وتارة يقول: «آم»، محاولًا التهام يدي، وهذا مضحك ومخيف.

مفاهيم العمر، والجنس، والجمال، ودرجة القرابة غير موجودة لدي، كما أنَّ «أنا» الخاصة بي لم تتبلور بعد، «الأنا» عندي مجرّد ارتباط مطلق بتلك العيون والشفاه، والأهم بِتينك اليدين. أما الباقي فَضباب وحسب. وغالبًا ما يمزقون ذلك الضباب بواسطتك كما يشاؤون. هاتان اليدان هي أول حقيقة وأول قوة فاعلة محركة في حياتي. إنهما يدان دقيقتان في الرسغ، سمراوان وقلقتان، وهما الأفضل من بين جميع الأيادي؛ لأنهما مليئتان بخواتم وبأساور فضية، وبلمعان يجيء ويروح معهما ولا ينفصل عنهما.
يدان مدهشتان، وعينان رائعتان وصوت رنان ساحر أيضًا. تلك هي ماما في أعوامي الباكرة جدًّا. كانت ماما متوسطة، وربما قصيرة القامة، مع خطوط مستقيمة وملامح واضحة لكن غير حادة للوجه. كان لها أنف مستقيم بمنخرين جميلين معبّرَين، بالضبط معبّرين. كانا يعكسان الغضب والاحتقار على وجه التحديد وبشكل صريح. في الواقع، كان كل شيء في وجهها معبّرًا وماكرًا: الشفتان والابتسامة عليهما، رحابة الحاجبين حتى الأُذنين الصغيرتين والمتنبهتين كما هو الحال عند الإله بان ابن هيرمس وإله الأراضي الخصبة والرعي عند الرومان.
كانت عيناها بذلك اللون الأخضر الفاتح النادر مع بريق يدعى لون حورية البحر. لم يتغير لون عينيها ولم يبهت بريقه حتى لحظة موتها. حافظ وجهها مدة طويلة على شيء ما طفولي، على استدارة ما فتية جدًّا. كان شعرها الخرنوبي ينساب خفيفًا ناعمًا بصورة دائمة. كلُّ شيء كان لديها بلا تجميل، وقد كان رائعًا من دون الحاجة لذلك. لم تكن يداها نسائيتين بل صبيانيتين، صغيرتين لكنهما غير قزميتين البتة، ولكنهما قويتان وصلبتان في أثناء المصافحة. كانت الخواتم والأساور تشكل جزءًا لا ينفصل من يديها، كما لو أنها التحمت بهما. هكذا كانت الفلاحات في الماضي يحمِلْنَ الأقراط بعد أن يلبسنها مرة لن تفارق أياديهنَّ أبدًا.
هكذا كان ثمة سواران قديمان فضيان، مسكوبان ومحدبان، واحد مع لؤلؤة مثبتة في داخله، والآخر ناعم، حفر عليه طائر يحلّق عاليًا وقد بسط جناحَيْهِ من أحد طرفي السوار حتى طرفه الآخر، يحيطان بمعصمها إلى الأبد. وثلاثة خواتم، من أيام الخطوبة، وقد حفر على الوجه الداخلي لأحدها اسم زوجها، والخاتم الثاني مع حجر في إطار فضي، عبارة عن رأس الرب هيرمس وهو يطير في خوذة، وخاتم ثالث أيضًا فضي، نقشت عليه سفينة بثلاثة صَوَارٍ، وحول السفينة نُقشت كلمات باللغة الروسية القديمة: إليك يا ملاكي! كان لديها كثير من الخواتم التي كانت تظهر وتختفي. لكن هذه الثلاثة لم تفارق أصابعها مطلقًا وقد ذهبت معها إلى القبر.
فتاة برأس دجاجة
لم يَبْقَ في ذاكرتي من ذلك الصيف لا بشر ولا أشياء، ولا غرف البيت الذي كنا نعيش فيه. لأول مرة ظهر بابا في مجال إدراكي وكان طويل القامة، أطول من ماما بكثير لدرجة أنَّ حقل نظري لم يتسع له. كانت ماما تحملني بين يديها، فَتقدّم لملاقاتنا شخصٌ في لباس أبيض، فسألتني ماما: مَن هذا؟ ولكني لم أكن أعرف. لم أعرفه إلا بعد أن انحنى عليَّ. عرفته وصرختُ: سيريوغا! (في طفولتي الباكرة كنت أنادى والديَّ كما كانا يناديان بعضهما: سيريوغا، اسم الدلع من سيرغي، وأيضًا سيريوغينكا، درجة أعلى من التصغير والتدليل، ومارينوتشكا تصغير مارينا!).
«آلا، كُلِي القطعة من لحم الدجاج!» – «لا أستطيع، يا مارينوتشكا!» – «آلا، كُلِي الدجاجةَ!» – «إنها مقرفة، يا مارينوتشكا!» – « ليست هي المُقرفة، بل أنتِ المقرفة. تلوكينها وتلوكينها… هَيّا ابلعيها مِن فَوْرِكِ!» – «لا أقدر، يا مارينوتشكا!» – «لا تقدرين؟ اسمعي ماذا سأقول لكِ: إذا رَفضتِ أن تبلعيها من فَوْرِكِ، فَسوف ينبت لديك رأس دجاجة! هل تفهمين؟» – «أفهم، مارينوتشكا!».
فجأة أحد ما ينادي ماما فتخرج، فَأبصق اللقمة في كفي بسرعة وأقدّمها للقطة التي كانت تلفُّ وتدور من حولي. تعود ماما. – «هل بَلَعتِها؟» – «نعم، لقد بلعتُها، يا مارينوتشكا! كلمة صدق» – «حَذَارِ!، وإلا فسوف ينبت لك رأس دجاجة…».
أعود إلى غرفتي مرعوبةً، وأبدأ بِجَسِّ رأسي. يبدو أنه بدأ ينبت عندي رأس دجاجة. لكن رأس الدجاجة غير مخيف على العموم، طالما أنني ألتزم المنزل؛ إذ إنَّ الجميع في المنزل سوف يعرفون أن هذه إنما هي أنا. بل لعلّهم سيحبونني أكثر. وفجأة تخطر في بالي فكرة صاعقة: ماذا لو أنني اضطررت للركوب في عربة الحُوذي؟! ثم وضعوا في غرفتي مرآة. «لتكن مؤقتًا في غرفة آلا» – قالت مارينا. ها هي فتاة أخرى تنظر إليّ من المرآة، وهذه الفتاة هي أنا نفسي بالذات. لكن هذا غير ممكن. حين تظهر مارينا في المرآة، ليس في ذلك ما يدهش؛ لأنني أراها إلى جانبي، من الجانب. أما أنا فأشعر كما لو أنني داخل المرآة. على العموم كنت واحدة، ثم أصبحنا اثنتين. وهذا أمر يزعجني.
أنا التي كسرت نابليون!
أهدتني مارينا فنجانًا رُسِمت عليه صورة لنابليون، لكي أشرب الحليب بمتعة أكبر؛ لأن الكأس العادية غير مريحة لشرب الحليب. كان ذلك الفنجان مطليًّا بالذهب من الداخل، وكلما شربتُ حليبًا أكثر بانَ الذهب أكثر. كان الوجه الخارجي للفنجان بلون أزرق فاتح، أما نابليون فقد رسم ضمن دائرة بيضاء، بأنف مستقيم وشعر أسود. وكان ينظر إلى بعيد. وهو بطل، وقائد، إنه إمبراطور؛ لذلك لا يجوز اللهو والشقاوة وأنت تشرب الحليب، هذا عيب.
وضعتِ المربيّةُ «نابليون» على الموقد لكي يسخن الحليب بعض الشيء. وهي تفعل ذلك كل يوم. لكن هذه المرة سخن «نابليون» أكثر من اللازم؛ لذلك احترقت يداي وأرخيت الفنجان فانكسر وتناثر. ركضتُ ورحت أبكي بحزن وبرعب وارتميت في حضن مارينا: «مارينوتشكا، لقد كسرتُ «نابليون!» مارينوتشكا لقد كسرت «نابليون!» لم تغضب مارينا، أمسكتني من يدي وراحت تهدّئ من روعي، وتقول: إنني لست مذنبة. بل أنا مذنبة! صرختُ من دون أن أستكين: بلى، أنا مذنبة! أنا التي كسرت «نابليون!»
عندئذ قامت مارينا، وأحضرت من الخزانة فنجانًا آخر بلون أزرق فاتح من الخارج ومطلي بالذهب من الداخل. كانت مرسومةً عليه ضمن دائرة صغيرة صورة لامرأة جميلة بيدين وكتفين عاريتين، وقد انسابت عليهما خصلات من الشعر الأسود. انظري، هذه هي الإمبراطورة جوزفين، زوجة نابليون. كان يحبها بشغف كبير.
الجنرال المتسول
عندما كنا نخرج مع مارينا للنزهة كنا نتصدّق على المتسولين. كان عددهم كبيرًا جدًّا، طاعنين في السن، مهانين، فقراء ومرضى. كان بعض منهم يقول: «تصدقوا لأجل المسيح»، وآخرون كانوا صامتين. لكننا كنا نتصدّق على الجميع. كان الفقراء عادة يجلسون على المقعد أو على الأرض مباشرة وهم يضعون أمامهم قبعة حيث يجب رمي النقود. كان لدى بعضهم كوبيكات كثيرة في القبعة، هؤلاء هم متسولون أغنياء، أما الآخرون فكانت القبعة أمامهم فارغة.
كانت مارينا تعاني حسر بصر؛ لذلك كنت أقول لها: «مارينوتشكا، ها هو فقير يجلس هناك!»، كانت مارينا تعطيني النقود فأركض لوضعها في القبعة. وفي هذه المرة أيضًا لم تكن مارينا ترى شيئًا، فاكتشفتُ أحد الفقراء جالسًا على مقعد وهو يحمل القبعة بين يديه. ركضتُ إليه مع الكوبيكات ووضعتها في القبعة. كم كان فقيرًا هذا المتسوِّل؛ لأنه لم يكن يوجد في قبعته كوبيك واحد. لكنه كان يرتدي بدلةً نظيفة وأنيقة. وكانت له لحية جميلة ومُسرّحة بشكل جيد؛ إلا أنه لم يكن شكورًا ولطيفًا، بدلًا من أن يقول: «ليحفظك الرب، يا ابنتي»، قفز وراح يصرخ عليَّ وعلى مارينا التي اقتربت… شعرنا كلانا بالخوف… أخذت مارينا النظارة وحدّقت إليه لتسمع هذا الفقير يصرخ: «يا لها من إهانة! هذه سخرية!». سحبتني مارينا من يدي، واختفينا خلف الزاوية: «هل هو مجنون، يا مارينوتشكا؟»، سألتها وأنا أشعر بالخوف. «بل أنتِ المجنونة»، أجابت مارينا غاضبة وهي تضحك. أن تعطي كوبيكات للجنرال، الجنرال الذي يجلس على مقعده الخاص قرب الفيلا الخاصة به! لماذا ظننتِ أنه فقير ومتسوّل؟ «لكنه عجوز، يا مارينوتشكا!».
رسالة إلى بسترناك
…أسرعت آلا، في نهاية شهر أغسطس وبعد أن مُنحتْ وثيقة بدلًا من البطاقة الشخصية في مكان نفيها، إلى البريد لتستلم النقود التي كان أرسلها لها بوريس ليونيدوفيتش بسترناك… إذ كانت قد كتبت له رسالة بتاريخ 26 أغسطس من عام 1949م:
«شكرًا لك، أيها العزيز، واغفر لي أنني أصبحت «متسولة». إنه لأمر فظيع جدًّا أن أطلب المال حتى لو كان منك، لكن المرعب أكثر هو أن تجلس هنا في هذا الكوخ وتبكي لأنك عاجز عن تأمين أبسط ما تحتاجه من مأكل رغم أنك تعمل كالحصان…
أنا أتذكر ماما بصورة دائمة، يا بوريس. إني أذكرها جيدًا، وأراها في أحلامي كل ليلة. إنها على الأرجح، تهتم لأمري وقلقة بشأني، فأنا أرى كل شيء…
اشتريت، بعد أن تَسلّمتُ النقود، سترةً سميكة وتنورة وخفّين. وسوف أشتري جزمة لبّادية، كما دفعت ثمن حطب يكفي لفصل الشتاء، ثم اشتريت بعض ما يؤكل مما تراه العين، وأكلت كل هذا البعض دفعةً واحدةً، كما هي الحال عند بطل جاك لندن. قد لا تكون هذه التفاصيل تثير اهتمامك؟ أيها العزيز بوريس، لقد بقيت كتبك «في البيت» مرة أخرى. ولذلك أرجوك أن تؤسس لي مكتبة متواضعة. فأنا بحاجة دائمة لكي تكون كتبك بين يدي… ولو كان الأمر يعود لي لما كنت تركتها أبدًا… ولكن هذا ما فرضته الظروف عليَّ…».
آلا تعيش مع آدا شكودينا
آدا شكودينا، وكنيتها قبل الزواج فيديرولوف، تزوجت وهي في الثانية والعشرين من عمرها رجلًا إنجليزيًّا كان يدرّس اللغة الإنجليزية حيث كانت تتعلم. وكان قد جاء إلى روسيا لبناء المجتمع الاشتراكي الجديد. ثم انتقلت إلى إنجلترا حيث مكثت سنتين ونصف سنة. لكن زواجهما لم يُكتَب له النجاح. فافترقت عن زوجها وعادت إلى وطنها في نهاية العشرينيات. وقد عملت بنجاح في تعليم اللغة الإنجليزية في الجامعة وفي الأكاديمية الصناعية. ثم أُغرِمَت برجل روسي وتزوجته. وكانت سعيدة في زواجها هذا. لكن الاعتقال وضع حدًّا لسعادتها. اعتقلوها عام 1938م من دون تهمة محددة؛ إلا أن المحقق سألها ببساطة إذا كانت تنفي حقيقة زواجها من أجنبي وأنها عاشت في بلد أجنبي؟ بالطبع لم يكن بإمكانها أن تنفي ذلك؛ إذ لا يمكن نكران ما سبق وكان حقيقة. حكموا عليها بالسجن وفقًا للمادة 58 بتهمة التجسس! أمضت مدة حكمها الأول ثم عادت وعملت في معهد تربوي. وقد الْتَقَتْ آلا في السجن عندما اعتُقِلَا للمرة الثانية عام 1949م.
أصبحت آلا -ولم يكن واردًا ألا تصبح- مترجمة رائعة ومحترفة لأعمال بودلير وفيرلين وغوته وأراغون وغيرهم. وتوجد ترجماتها في كثير من الإصدارات، جنبًا إلى جنب ترجمات مارينا إيفانوفنا (تسفيتاييفا)… عن حق وجدارة!
كما أنها تركت لنا إرثًا فائق الغنى في أدب الرسائل… ما يشير إلى أننا خسرنا كاتبةً لامعة وموهوبة. وهذا ما عرفته العاصمة موسكو بعد أن عادت إليها: راحت الألسن تتناقل قصصها وحكاياتها وهي تنتقل من بيت إلى بيت لتعود إليها، وقد أصبحت فلكلورًا… بل إن مصيرها في حد ذاته كان شبيهًا بذلك الفلكلور، بتلك الأسطورة المريرة والمليئة بالكبرياء وبالقسوة. مرارة لم تكن تستحقها على الرغم مما فيها من عظمة.
بواسطة عيسى مخلوف - شاعر وكاتب لبناني | يناير 1, 2024 | قراءات
يشهد العالم اليوم تحولات كبيرة يتعذر على الآداب والفنون أن تنعزل عنها. مع هذه التحولات، يتغير المعنى الثقافي ومعنى الإبداع، شرقًا وغربًا، في ظل تراجع معرفي وضمور الثقافة النقدية. أما التقدم العلمي والتقني فلم يواكبه تقدم على المستوى الإنساني، بل بخلاف ذلك، يزداد العنف والحروب، مع إمكانيات تدمير وقتل لم تُعرَف خلال ألوف السنين. والسؤال الآن: تُرى، كم ألف سنة أُخرى تحتاج البشرية، إن استمرت، لتتأَنسَن وتخرج من هذه الدوامة الآتية من سحيق الأزمنة؟ يستتبع هذا السؤال سؤال آخر له علاقة بالواقع الراهن، ومنا من يطرحه على نفسه كل صباح: كيف يمكن للمرء أن يكون إنسانيًّا في عالم غير إنساني على الإطلاق، وأي جهود هائلة عليه أن يبذل من أجل ذلك؟ ضمن هذا المناخ العام، يولد الشعر الآن. ضمن الصراع الذي يعيشه الشاعر مع نفسه ومع العالم حوله تُنسَج القصيدة. في هذا السياق، يأتي ديوان الشاعر السعودي أحمد المُلّا وعنوانه: «يا له من يوم هائل»، الصادر حديثًا عن منشورات «روايات»، تُواكبه رسوم تحمل توقيع الفنانة والمخرجة ريم سمير البيّات.
من «أجنحة ترفرف على الكون» و«موسيقا تُطعم العاشقين» إلى الحرب والموت والخراب، ترتسم الملامح الأولى لهذا الديوان. نقرأ في قصيدة بعنوان: «تَجنّب الصواب»: «لا تُصبْ هدَفَك أبدًا،/ انطلق نحوه/ فقط./ تجنّبْه إن أقبل، وتفادَ ظلَّهُ لو مال،/ وإذا أُجبرتَ/ دَع الطلقةَ تحاذيه/ لاحقْهُ أينما فرّ،/ صوِّب عليه/ ولا تصبْه،/ في مقتله مقتلُك». كأنّها دعوة إلى البقاء في السؤال والحيرة، في تجنُّب اليقين لأنّه سجن، وفي ترقُّبِ ظهور نجمة الصبح.
ليكن الهدف، إذًا، المسعى الدائم إلى الهدف لا بلوغه. لا الاستكانة عند عتبة المُنجَز. وفي القصيدة التالية، «مغزَى يدك»، يتواصل، في مَقام آخر، المسعى نفسه: ألَّا ينقطع «الوهم» إن التقينا أو تصافحنا. إنّه الهرب من الوصول الذي يعقبه خواء وكآبة. وإن وصلنا، فكيف نحتفظ بعطر اللمسة الأولى، وبالانطباع الأول الذي أدهشَنا؟ كيف نحمي هذا الانطباع من مشقة الأيام التي تطحن الحجر، حتى لا نبلغ ما بلغه ماياكوفسكي حين قال: «الحياة اليومية حطَّمت مركب الحب»، أو بصيغة أخرى: «تَحطَّمَ مركبُ الحب على صخرة الحياة اليومية»؟ وما أشقى تلك الصخرة؛ لأن موت الحب، كموت الشعر، نهاية لما يعطي معنى للحياة!

فجيعة الواقع
لا تنحصر كلمات أحمد المُلّا في ندبة «طاردته في كل صورة وعلى كل مرآة»، ولا تسرد «حكاية طويلة لموسيقا خبيئة»، ولا تتنبه إلى حركة الوقت الذي يسيل فينا وحولنا، وإلى الموت والعدم فحسب، بل تلتفت أيضًا إلى فجيعة الواقع وحضور الإنسان داخل متاهاته، يتخبط فيها ولا يجد منفذًا. في قصيدة «فهرس الخراب»، نستدل على المقلب الآخر للحياة والأشياء حيث النصر هزيمة ماحِقة: «ها هم يطلقون الرصاص من كل صوب/ وكلما نُكِّلَ بجثّة/ نصبوا خيالها في الحقول وارتجلوا عدوًّا يحشون جيوبه بالقشِّ وأكمامَه/ بالوهم،/ ساوَت الأرض بدخانها بين قاتل وقتيل،/ كلٌّ يخطُّ بصراخه الأجشّ/ الفصلَ الأخير من فهرس الخراب».
هذه التساؤلات، بجانبَيها الذاتي والموضوعي، نجدها كامنة في خلفية الديوان، خصوصًا في القصيدة التي أعطته عنوانها، التي ترتفع بين القصائد كنَصل، كوصية شعرية: «يا له من يوم هائل/ بهذه العبارة/ أو بالأحرى بمعناها،/ عليك أن تنهي اليوم، وكل يوم…/ أن تنهض وتسمّي الأيام بأسماء ملأى بالمعنى،/ بل أن تنهض وتسمي الأيام بأفعال ترتكبها عنوة وليس أسماء ورثتها أو صفات استعارتها من السابقين». إنها دعوة للعابر بين عدَمَين ألا يخاف. أن يكون قائمًا بذاته لا بغيره، وأن يكون صدًى لتساؤلاته وقلقه، وهذا لا يستقيم فعلًا من دون الخروج من القطيع السعيد، واجتراح أفق آخر غير الذي كان. وإلا كيف يخترق الشعرُ المجهولَ ويذهب من المرئي إلى اللامرئي، في رحلة تبدأ ولا تنتهي؟ إلى ذلك، يحذّر الشاعر من أن يداهمنا الوقت وننسى أن إقامتنا مُوَقّتة («مجرّد إغماضة طارفة/ ونختفي»)؛ لأن «الوقت يأكل الحياة»، بحسب شارل بودلير. تأكلها أيضًا الرتابة والابتذال والقهر.
فِلم طويل غير قابل للعرض
الشعر الذي يحضر فيه المشهد، والصورة، والموسيقا، لا تغيب عنه تجربة أحمد المُلّا مع السينما، وذلك من خلال تَقاطُع اللغة السينمائية والرؤية الشعرية. في قصيدة «فيلم طويل غير قابل للعرض»، يصبح الشاعر الأنا والآخر معًا: «أُصَوِّرُ حياتي،/ بمجرد أن أصحو/ وما إن أفتح عيني/ حتى أصرخ: Action». هكذا، يمكن المرء أن يراقب حياته ويشاهد كيف تمرّ أمام عينيه، أن يحتفظ بها كما الأفلام داخل أشرطة، وأن يعود، كلما شاء، إلى لحظات منها كان يرغب ألا يأخذها الوقت. وأين، في غير اللجوء إلى المونتاج، يصبح في الإمكان اقتطاع أجزاء زُجَّت في حياتنا، على غفلة منا، وما كان لها أن تكون؟
لا يقع أحمد المُلّا في نزعة عبثية أو عدمية، مهما اقترب من الجرح الملتهب: «تَحصَّني أينما كنتِ بالرقص، لئلا يستدل عليك الألم»، كأنما الرقص رُقية، كما في العلاج الشعبي القديم، تطرد الأرواح الشريرة وتبعد الألم. الألم الذي يَفد في صُرَّة الولادة ومَتاعها. خفيفًا يأتي ويكبر مع الأيام، ويرافقنا كظلنا. هذه الإشارة إلى الرقص تذكِّرنا بما قاله الفيلسوف الروماني لوكيوس سينيكا: «ليست الحياة أن ننتظر مرور العاصفة، بل أن نتعلّم كيف نرقص تحت المطر».
تداخل وتكامل

ريم البيّات
في قصائد ديوان «يا له من يوم هائل»، نجد العناصر الأساسية التي تتألف منها تجربة أحمد المُلّا، وقد بلغت أوجها في كتاب مميز يتزاوج فيه الشعر والرسم. هناك تداخُل وتكامُل بين هذين التعبيرَين؛ لأن الاهتمامات الجمالية المتنوعة موجودة عند أحمد وريم، وهذا الكتاب تتويج لتجربة طويلة جمعَتْهما معًا. الرسم الأول يغطي غلاف الكتاب ويمثل صورة الشاعر والفنانة، الرجل والمرأة، وهو يكسب معنى خاصًّا في ظروف التحول الذي يشهده المجتمع السعودي اليوم وينعكس على المجال الثقافي زخمًا لم تعرفه المملكة من قبل.
ولئن كانت ريم سمير البيّات تُرافق موضوعات القصائد وإيحاءاتها العامة، فهي لا تزينها بل تواكبها بحساسيتها الفنية، انطلاقًا من الفن البصري الأوبتيك– سينيتيك. رسومها المنفذة بالأسود والأبيض تحفل بمرجعية ثقافية وتنهل من الماضي والحاضر، كما تُحيلنا أحيانًا إلى أعمال فنية معروفة، ومنها ما ينتمي إلى عصر النهضة الإيطالية («ولادة فينوس» و«النِّعَم الثلاث»)، لكنها تضفي عليها من ذاتها ومن خصوصيتها، بأسلوب ينم عن حرية داخلية عميقة. إنه حوار الرسم والكلمات، مع «انعطافة طائر/ فجأةً،/ لمجرّد الحدس». وإذا انقطع «الصوت في وسط الكلام»، فالشعر يبقى شاهدًا، كبتلات وردة مَضمومة على السر الذي سيتكشف يومًا لا محالة.