بواسطة ترجمة: شيماء بنخدة - مترجمة مغربية | يناير 1, 2024 | حوار
لي جانغ ميونغ روائي بارز في الساحة الأدبية الآسيوية والعالمية، بيعَتْ ملايين النسخ من رواياته في شبه الجزيرة الكورية بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وحوِّلت معظم أعماله إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية ومسرحيات موسيقية. ففي سنة 2015م، احتلت رواية «التحقيق» مرتبة متقدمة في اللائحة الطويلة لجائزة الإندبندنت لأدب الخيال الأجنبي. يأتي اسم لي جانغ ميونغ جنبًا إلى جنب مع أسماء أدبية من الوزن الثقيل، مثل الياباني هاروكي موراكامي والنرويجي كارل أوفي كناوسكارد. في حواره التالي يعرض لي جانغ ميونغ أفكاره عن ثيمات الشر في الطبيعة البشرية، وعن الحرية والسجن والأمل.
● كيف برز الكاتب الروائي لي جانغ ميونغ في الوسط الأدبي؟
■ عند بلوغي التاسعة والعشرين ربيعًا، كنت أعتاش من عملي صحفيًّا، واعترتني رغبة ملحة في تأليف عمل أدبي خاص بي، وفي أحد الأيام، وأنا في طريق عودتي إلى البيت، بعد يوم طويل من العمل، ومن دون سابق إنذار سألت نفسي: «ما الذي أنجزته في الآونة الأخيرة من حياتي؟» حينها أدركت حجم الموضوع فقررت الانخراط في عمل أدبي في السنوات الثلاث المقبلة، ليس لغرض الشهرة بل لإرضاء نفسي أولًا؛ وسارعت إلى الانخراط في سباق الماراثون قبل موعد بزوغ الشمس ثم الانهماك في تأليف الروايات في جوف الليل، وبعد ثلاث سنوات، ربحت الرهان وكانت النتيجة: فوزي بالماراثون وكتابة روايتي الأولى.
● قال جورج أورويل: «تأليف كتاب أمر فظيع، معضلة شاقة، كَنَوْبَةِ مرضٍ أليم». كيف كانت رحلة الكتابة بالنسبة لك؟
■ أعتقد أنه أشار إلى الألم خلال عملية الكتابة لينوهَ إلى نشوة الإنجاز، والشائع أن حسن العمل يقابله الجزاء الأحسن بالفعل، فالكتابة عملية مرهقة لصاحبها، وقيمتها تكمن في استحقاقها لكل الجهود المبذولة والمعاناة التي يتلقاها الكاتب لإنجازها، والكُتاب أناس مختارون لتكبد مشقة الطريق، مثل عدائين في سباق الماراثون يقفون في خط الانطلاق، مع العلم أن هاجس الجري لمسافة 26 ميلًا لا يفارق مخيلتهم، وعند انطلاق الصافرة، يختفي الخوف من نفوسهم ويسابقون بعضهم بكل ما أوتوا من قوة إلى أن يستقبلهم الطرف الآخر عند نقطة الوصول.
عندما أنخرط في تأليف أعمالي، أتخذ من مكتب صغير قرب منزلي مقرًّا لعملي، حيث أقضي الوقت كله هناك من التاسعة صباحًا إلى أن تضرب عقارب الساعة السادسة مساء، في بعض الأحيان، أكتب ما مجموعه 250 كلمة ومرات أعجز عن إتمام جملة واحدة، وأعشق ساعات الكتابة الطويلة المليئة بمشاعر الوحدة والمعاناة.
● روايتك الأخيرة «التحقيق» محملة بصور تكشف المستور عن الجانب الشرير للجنس البشري، إضافة إلى نماذج سردية أخرى عن ثيمة الأمل. هل كان من السهل عليك أن تجمع في كتاباتك بين العنصرين المتضادين النور والظلام؟
■ لطالما حلمت بالعمل وفق مبدأ الوضوح والشفافية حينما يتعلق الموضوع بالكتابة الروائية، فأنا أصر على كتابة روايات تكشف المستور من التاريخ وتسلط الضوء على الحقائق، وللحقيقة وجهان كعملة واحدة: النور والظلام. الإنسان يتحمل محاسن ومساوئ طبيعته، أي الشر والخير. ولا مجال للهروب منهما ولا أرغب في أن أكون أحادي الشخصية، من الشائع القول: «حدة بريق النور تجعل الظل أكثر سوادًا». الأشرار دائمًا يهمشون ويدفنون في مقبرة النسيان في حين يخلد ويمجد الأخيار على صفحات التاريخ. أعتقد أن من الجيد أن نخلق جوًّا متزنًا ومتصارحًا مع السلوك البشري وفضاءً رحبًا يتسع لكل من الشر والخير معًا، وأكثر من ذلك التصدي للمعوقات والترحيب بالإيجابيات التي تتخلل مجتمعنا.
● روايتك تتناول ثيمة الحرية والسجن. ما مفهوم الحرية الحقيقية بالنسبة لك؟
■ التاريخ الكوري في العقد المنصرم كان يتأرجح بين ويلات حرية الشعب والصراع لإرجاعها، وفي أوائل القرن العشرين، كان التنين الياباني يستعمر كل شبر من أراضي شبه الجزيرة الكورية، مجندًا آلاف الشبان الكوريين في الصفوف العسكرية الأولى للدفاع عن الإمبراطورية اليابانية في الحرب العالمية الثانية، علاوة على استرقاق النساء الكوريات تحت تسمية «نساء المتعة»، فكانت سنة 1945م آخر سنوات الاستعباد والقهر للكوريين إبان الاحتلال الياباني، لكن هذا الاستقرار المؤقت لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، فشبه الجزيرة الكورية آنذاك أخذت نصيبها من الفتن الداخلية، وكانت النتيجة انقسام البلاد والدخول في حرب طاحنة دامت ثلاث سنوات بين أبناء الشعب الكوري الواحد، والختام كان مع إعلان تأسيس دولتين مستقلتين؛ كوريا الشمالية الشعبية والأخرى الجنوبية وعاصمتها سول، وسرعان ما تداركت الجنوبية الموقف ونهضت من ركام الحرب، إلا أن الجيش الدكتاتوري حَدّ من حرية الشعب مرة أخرى، فكانت رحلة تأسيس دولة ديمقراطية عصيبة وطويلة. لكن قِيَمَ المجتمع الرأسمالي لا تقل سوءًا عن سابقاتها الدكتاتورية؛ الفارق الوحيد هو وسيلة القمع التي حُدِّثَت إلى نفسية واجتماعية بدل جسدية، وكل ما أرغب فيه هو اختفاء هذا النوع من الممارسات في العالم وأهمها سياسة القوة الناعمة.
● عالجت موضوع الرقابة في «التحقيق». هل يمكن السماح للرقابة أن تتحكم في القلم الأدبي؟
■ أُعارض بشدة وجود الرقابة في المجال الأدبي، وأطالب بحذف المصطلح تمامًا من صفحات المعاجم. بالفعل، هناك العديد من الدول حاليًّا تعمل على التقليل من ممارسة الرقابة في هذا المجال، وبالتالي ضمنت حق حرية التعبير لكُتابِها، عكس بعض الدول التي ما زالت تجند الأقلام الإبداعية لصالحها بحجة انتهاك الحرمات وذريعة التشهير، وكثيرًا ما ينظر إلى المجتمع الرأسمالي الحديث على أن بعض التكتلات متعددة الجنسيات تستعمل سلطة النظام الرأسمالي لتشجيع أو ردع أدبائها، ولا يمكن السماح أبدًا بتضييق الخناق أو التأثير في أفكار الكاتب، فأشهر كتاب التاريخ أكدوا فشل الحكومات في كبح جهود الكتاب لنشر رسائلهم أو سلب حق القراءة من العامة، فأعمالهم خالية تمامًا من أي تشويه بسبب قضية الرقابة.
الحياة بلغات مختلفة
● في المرحلة الأولى كتبت «التحقيق» باللغة الكورية وبعدها تُرجِمَت إلى لغات عالمية عدة. هل لك أن تصف لنا هذه العملية؟
■ المسودة الأخيرة لرواية «التحقيق» كانت جاهزة في سنة 2008م، وقدّم وكيل أعمالي طلبًا إلى المترجمة الكورية المحترفة تشي يونغ كيم لترجمة الصفحات الثلاثين الأولى من الرواية، فهي ذات سمعة عالمية في مجال ترجمة الأعمال الأدبية الكورية إلى الإنجليزية، حيث كانت تشرف على ترجمة الرواية العالمية «أرجوك اعتني بأمي» للكاتبة الكورية كيونغ سوك تشين، التي تُوّجت بجائزة مان الآسيوية للأدب عن الرواية نفسها.
عند ترجمة رواية «التحقيق»، لم تترجم تشي يونغ كيم ترجمةً حرفيةً للجمل الكورية إلى الإنجليزية، بل أغنت الكلمات والجمل بمشاعر صادقة وأعطت انطباعًا واقعيًّا عن الحياة العامة في شبه الجزيرة الكورية في أثناء الاحتلال الياباني، وأرسل وكيلي نسخة من الرواية مرفقة بملخص عنها إلى معرض الكتاب في لندن سنة 2012م، حيث اشترت العديد من دور النشر حول العالم حقوق الكتاب كدار «ماكميلان» الأميركية، وبعد مدة قصيرة، نُشِرَت النسخة الكورية من رواية «التحقيق» في صيف عام 2012م، لتليها مرحلة الانتهاء من النسخة الإنجليزية أواخر العام نفسه. وبعد سنتين، أُصدِر الكتاب باللغة الإنجليزية في المملكة المتحدة، والفضل الكبير يعود إلى صاحبة العمل الدؤوب المترجمة تشي يونغ كيم، التي بفضلها تمكنت روايتي من تصدر مراتب متقدمة في اللائحة الطويلة لجائزة الإندبندنت لأدب الخيال الأجنبي، وأنا ممتن لجميل صنعها.
● أخبرني أكاديمي من جامعة كورية مرموقة أن نشر وترجمة الأعمال الأدبية الآسيوية في الدول الغربية علامة موثوقة لنجاح ووزن الكتاب. ما رأيك؟
■ لا يسعني سوى القول: إن الأدب الآسيوي صنع مكانته الخاصة على الصعيد العالمي، وأسماء الأدباء الآسيويين أصبحت مألوفة لدى القارئ الغربي كالكاتب الياباني الشهير هاروكي موراكامي، ناهيك عن إدراج كُتّاب من جنسيات مختلفة موضوعات عدة في مؤلفاتهم مثل: السياسة، والثقافة، والدين، وهذا راجع إلى عصرنتهم ومعايشتهم الأحداث الراهنة.
بالنسبة لكوريا، القرن الأخير كان مليئًا بالتخبطات السياسية؛ حقبة الاستعمار الياباني، حرب الكوريتين، دكتاتورية العسكر، الديمقراطية والنمو الاقتصادي السريع، كلها عوامل ساهمت في إثراء الأدب الكوري عامة والكوري الجنوبي خاصة، فأدباء هذه المرحلة كانت أعمالهم مشحونة بمشاهد صراع الإنسان وطبيعته، حقوق الإنسان، الحرية، سلطة الرأسمالية، ولكن سبب نجاح هذه الأعمال بلا شك تطابق قصص القراء الغربيين مع واقع الأدب الكوري أو الآسيوي برمته، في حين يبقى لكل منا حياته الخاصة ومكانه الجغرافي البعيد، على الرغم من ذلك يمكن لهذه الأعمال أن تؤلف قلوبنا معًا.
يمنحنا الأدب فرصة ذهبية للتعارف فيما بيننا، فَهْم لغاتنا المختلفة والاطلاع على أساليب العيش المتباينة وكذلك إيجاد انعكاسنا على مرآة أخرى غير تلك التي اعتدنا عليها. وإن دل هذا على شيء فهو يدل على وحدة الإنسان والحقيقة معًا؛ حقيقة الخير والجمال، بِغَضّ النظر عن اختلافاتنا الظاهرية، فهذا التباين يجعلنا نؤمن بأن جوهرنا واحد، وهذا بالضبط سر قوة الأدب العالمي.
● تدور أحداث «التحقيق» في السجن وهو مكان يهابه الجميع ويشبهه بعضهم بالكابوس. هل تعيش أيًّا من هذه الكوابيس والأحلام المزعجة في حياتك؟
■ أحيانًا يراودني حلم العودة إلى معسكر التدريب للخدمة العسكرية الإجبارية حتى بَعْدَ تسريحي، فمرة عايشت الحلم أربع مرات متواصلة، فكان خلاصي الوحيد الاستيقاظ.
● روايتك السابقة «شجرة عميقة الجذور» حُوّلَت إلى عمل درامي تلفزيوني لقي نجاحًا واسعًا في كوريا، والعديد من الكتاب يحلمون بتحويل أعمالهم الأدبية إلى أخرى سينمائية وتلفزيونية. كيف كانت التجربة بالنسبة لك؟
■ يضم رصيدي الأدبي حاليًّا سبع روايات؛ اثنتان منهما حُوّلَا بنجاح إلى مسلسلات درامية كورية، وثلاث إلى أفلام سينمائية، أما الباقي فمجموعه روايتان سيُحَوَّلانِ إلى مسرحيات موسيقية. في مرحلة التأليف المبكرة، لم تكن لديَّ أدنى فكرة عن مشروع ترجمة أعمالي الأدبية إلى نشاطات في الفن السابع، وحسب رأيي الشخصي، من المفترض أن تكون الأحرف المكتوبة أو الجمل الرابط الأول بين الكِتابِ وقارئه. وعادة ما تعرب شركات الإنتاج ومخرجو الأفلام عن الرغبة في تبني أعمالي الأدبية، وعند قبولي العرض، أحاول وضع لمستي في عملية الإنتاج، حتى إن لم أكن موفقًا في ذلك، حيث إن بعضًا من المنتجين يفضلون الاحتفاظ بالشخصيات الأصلية وكذا حبكة القصة، فيما يذهب آخرون إلى إحداث تغيير في بنية الشخصيات أو ترتيبها البطولي، علاوة على دور الإشراف العام والمعاينة القريبة للعملية التي يحظى بها الكاتب.
● ما الأعمال المقبلة في جدول زمنك الأدبي؟
■ حاليًّا يقوم مترجمي الخاص بترجمة عمل لي إلى اللغة الإنجليزية، رواية قد نُشِرَت قبل سنتين في كوريا بعنوان «الصبي الذي هرب من النعيم»، وهي تحاكي واقع صبي يعاني مرضَ التوحد، فيحاول جاهدًا الهروب من معسكر سياسي في كوريا الشمالية، ثم يشاء القدر أن يتيه في الأرجاء، وللطفل موهبة فريدة تتجلى في قدرته على القيام بالحساب الذهني، فيدخل الصبي البريء في صراع ملحمي مع عالم تفوح منه رائحة الفتن والنوايا الشيطانية.
المصدر: https://www.bananawriters.com/jmleeinterviewauthor
بواسطة آرثر فرانك - باحث كندي - ترجمة: إيمان صريد المطيري - أكاديمية ومترجمة سعودية | يناير 1, 2024 | فضاءات
تتمثل بدايتي في تحويل تجربتي مع المرض إلى قصة تمكنت من سردها ويصغي إليها الآخرون، وهما شرطان ضروريان لفن القصة لا غنى عنهما. تؤدي تلك التأملات إلى التفكير فيما يحتاجه الأشخاص لسرد قصصهم وبالتحديد كيف يشكل التعبير عما حدث وعايشه المريض على ما يسمى الخبرة في الطريق إلى الشفاء. ثم أنتقل بعد ذلك إلى النظر في بحوث الرعاية الصحية في ضوء ما قيل عن فن رواية القصص والشفاء. ثم أعود بعد ذلك إلى سؤال يشغلني كثيرًا: وهو كيف يمكن للبحث تمثيل التجربة بشكل كافٍ؟
الوقت في الغابات المظلمة
دانتي أحد المؤلفين الأدبيين الذين قرأت أعمالهم بلا كلل طوال حياتي، وفي كل مرة أبدأ فيها رحلة أخرى عند قراءة «الكوميديا الإلهية»، يستولي عليَّ سحرُ سطرِها الأول وهو على الأرجح الأكثر شهرة من بين جميع الأسطر الرائعة في هذه القصيدة العظيمة، الذي يقول: «في منتصف طريق حياتنا، وجدت نفسي في غابة مظلمة». (ترجمة حسن عثمان، دار المعارف 1988م، الطبعة الثالثة) تمثل الغابة هنا مكان الرعب والأهوال وفيها يجد دانتي نفسه محاصرًا على جانب أحد التلال ولا يمكنه الصعود أو النزول بسبب وجود الحيوانات المفترسة، ولكن يظهر له من العدم فيرجيلُ ويَعِدُ دانتي بطريقة للخروج، ولكن هذا الأمر يتطلب قيامه برحلة تبدأ باتباع طريق آخر نزولًا حتى يمكنه الصعود لاحقًا، ويتعين عليه السفر عبر الجحيم والمطهر من أجل الوصول إلى الجنة.
صدرت ترجمة إنجليزية حديثة لدانتي، ترجمها الناقد والشاعر الإنجليزي كلايف جيمس (دانتي، 2013م). وفيما يتعلق بموضوعنا فإن ما يهم هو أن جيمس ترجم لدانتي بعد سنوات من الدراسة، ولكن كان في واقع الأمر فور تشخيص إصابته بالسرطان والذي من اللافت للنظر لم يتمكن من قتله بعد. يعد جيمس مثالًا على الكتابة كطريقة للبقاء على قيد الحياة (انظر أيضًا جيمس، 2015م). لا أرى أي أساس للادعاء بأن الكتابة قد أطالت حياة جيمس، ولكني أزعم أن الكتابة تثري حياة الأشخاص الذين يعيشون مع ما أسميته منذ سنوات عدة بالمرض العميق (فرانك، 1998م). عندما ابتكرت هذه التسمية كنت أحاول التعبير عن ظروف مثل تلك التي يعيشها جيمس: الأمراض الخطيرة والمزمنة في الوقت نفسه. المرض العميق ليس مجرد حالة جسدية بل هو أيضًا حالة نفسية روحية، ويتطلب إيجاد طريقة للعيش في ظلال المرض الدائمة أو مثل ما أحب أن أسميه العيش مع المرض كرفيق.
في تحفة فيليب بولمان المعاصرة «مواده المظلمة»، هناك فصل بعنوان «ليرا وموتها» (بولمان، 2000)، لن أحرق عليك الأحداث عند إخبارك أن البطلة لا تموت ولكن عوضًا عن ذلك تقابل موتها، بمعنى أنها تتعرف إلى كائن كان دائمًا معها ولكنه كان رفيقًا غير مرئي ولم يُنظر إليه أبدًا على أنه موجود. أصبح موتها الآن وعيًا ذاتيًّا حيث يصل العديد من الناس ولكن ليس الجميع إلى تلك اللحظة. يؤدي هذا المرض العميق إلى ذلك الاعتراف بأن الموت كان رفيقًا دائمًا لنا، ويستغرق الأمر بعض الوقت لتعلم التعايش مع المرض العميق، حيث إن حدوث هذا الأمر يتطلب سرد قصة حياتك بشكل مختلف.
أزمات صحية متتالية
وجدت نفسي في غابتي المظلمة الخاصة في عامي 1985-1986م وذلك عندما تعرضت لأزمات صحية متتالية، بدأت بنوبة قلبية ثم إصابتي بالسرطان. بعد عام من انتهاء علاجي من السرطان انتهت مدة التشافي الأخير لوالدة زوجتي من سرطان الثدي حيث عدت أنا وزوجتي مجددًا إلى مركز العلاج من السرطان، وفي بعض الأحيان نجد أنفسنا في الغرف نفسها ولكن كان هذه المرة لدعمها. بينما كنت أمر بكل هذا لم يكن لدي الوقت أو الطاقة لكتابة أكثر من ملاحظة عابرة لنفسي، ومن الصعب إيصال كم كان علاج السرطان يتركك مشغولًا كليًّا. كان لدي في نهاية الأمر كثير من الذكريات، ولكن لم يكن لدي مفهوم متماسك للتجربة. وعندما وجدت نفسي في هذه الحالة الجديدة من التخلص من المرض -مرحلة التطهير من المرض- واجهت مشكلة لا تزال تتلقى القليل من الاهتمام والاعتراف في الكتابة عن التعافي من المرض الحرج: من أنا؟ لقد كنت لمدة طويلة شخصًا يعاني السرطانَ ومريضًا، والآن أنا في حالة التعافي من السرطان ما زلت مريضًا ولكن ليس يوميًّا. ماذا يمكنني أن أسمي نفسي، وكيف يمكنني معرفة نفسي؟
سمعت وعلى مر السنين العديد من القصص المؤثرة لشعور الناس بالاغتراب بمجرد أن يدخلوا في مرحلة التعافي من مرض السرطان. تتحدث هذه القصص عن كيفية دعم عائلاتهم وأصدقائهم لهم في أثناء مرحلة العلاج من المرض، ولكن هذا الدعم ما يلبث أن ينقطع بمجرد انتهاء العلاج. فقد عملت في أستراليا في أواخر التسعينيات مع امرأة شابة كانت قد تشافت حديثًا من المرض، وتحدثت عن كيفية عدم ارتياح أسرتها لمواصلة مشاركتها في الدعوة للتوعية بمرض السرطان والانضمام إلى مجموعات الدعم، لقد أرادوا أن ينتهي السرطان تمامًا. لكنها قالت في إحدى المرات في محاضرة عامة: «كان لدي الكثير لأقوله» ولحسن الحظ وجدت مكانًا للتعبير عن ذلك.
عبارة «لقد كان لدي الكثير لأقوله» من الممكن أن تكون عنوان هذه المقالة. كان لدي الكثير لأقوله ففي عام 1989م، وبعد أن استقرت حالة التعافي من المرض لدي بعد حالة من الاضطرابات المألوفة والناجمة عن النتائج الإيجابية الكاذبة في فحوصات المتابعة التي ساهمت أكثر من أي شيء آخر في إبقائي في حالة من المرض العميق. ولأنه كان لدي الكثير لأقوله قمت بما أقوم به دائمًا ألا وهو الكتابة، ولو كنت رسّامًا أو نحاتًا أو موسيقيًّا أو مؤلفًا مسرحيًّا لعبرت عما ما كنت سأقوله بتلك الوسيلة. كيفية تعبير المرء عن نفسه تحدث فروقًا حقيقية، ولكن الناس يقولون ما يجب عليهم قوله بأي وسيلة لديهم يستطيعون القيام بها، وكنت محظوظًا لامتلاكي وسائل عديدة. فلقد كتبت بالفعل وباستفاضة على عكس معظم المرضى عن المرض، وذلك منذ أطروحتي في الدكتوراه قبل 15 عامًا حول الذكريات المتعلقة بوفاة الأزواج والآباء.
صوتي الكتابي
وعلى الرغم من هذه الخلفية فقد استغرقني الأمر بعض الوقت للعثور على صوتي الكتابي، وأن أكتب سيرتي الذاتية لما أصبح في نهاية المطاف بعنوان: «تحت إرادة الجسد» التي نُشرت في عام 1991م، ولا تزال متوافرة في طبعتها الثانية (فرانك، 1991/2002م). عندما حَوَّلتُ ذلك الكتاب إلى شكل مادي وملموس كنت أخلق لنفسي الرفيق الذي كنت أبحث عنه طوال مرضي. فبعد أن أخبروني بأنني تعرضت لنوبة قلبية بدأت أبحث عن كتاب يمكن أن يساعدني على توجيه نفسي في هذا الفضاء الجديد من المطالبات الطبية والتصور المغاير للذات. ووفقًا لحديث الفيلسوف أليستير ماكنتاير فإننا بشر بحاجة إلى القصص؛ «لنتمكن من فهم كيف يستجيب الآخرون لنا وكيف يمكن تفسير ردود أفعالنا تجاههم» (1984م، ص. 216)، وجزء مما يجعل المرض عميقًا هو أنه يغير الطريقة التي يستجيب بها الآخرون لنا، وكيف من المرجح أن تُفهم ردود أفعالنا تجاههم.
كنت في التاسعة والثلاثين من عمري عندما تعرّضتُ لنوبة قلبية، وبدأت مشكلات قلبي، وبعدها في سن الأربعين شُخِّصتُ مريضًا بالسرطان. وأصبحت في منتصف رحلتي في الحياة في حاجة إلى فيرجيل ليرشدني والقليل من السير الذاتية المرافقة التي كان بإمكاني العثور عليها، وبخاصة «دفاتر يوميات السرطان» لأودري لورد (1980م)، و«مع وقف التنفيذ» لستيوارت ألسوب (1973م). أتذكر حينها وفي تلك الأيام قبل أن يكون طلب الكتب عبر الإنترنت أمرًا متعارفًا عليه، أو غير متاح لي، أني لم أكن متعلقًا بالكتب فيما بعد كما كنت، وأتذكر حماستي الشديدة عندما حصلت أخيرًا على نسخ من كلا الكتابين بعد سنوات عدة، وأصبحت حينها عبارة «القارئ النهم» تنطبق عليّ.
حتى لو وجدت ما يواسيني ويرشدني في وقت باكر ما زال يتحتم على الجميع أن يقولوا ما يتوجب عليهم أن يقولوه، ولكن ربما استخدامي هنا لكلمة «الجميع» ينمّ عن تحيز، فليس لدى الجميع المزيد ليقولوه. كتب الروائي ج.م. كوتزي مؤخرًا عملًا غير روائي بعنوان: «الحكاية الجيدة» (كوتزي وكورتز، 2015م)، وبدا لي أن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو عندما يشكك في قصة أوديب وكيف فُسِّرَت في الثقافة الغربية. فقد تشكل الاعتقاد السائد الذي روج له أوديب من خلال فرويد هو أنه يجب التعبير عن الجرائم، وكيف جلبت الجريمة المكبوتة والزنا غير المتعمد الطاعون في ثيفا أو ما يعرف بطيبة، ولن يشفى الجسد إلا بالإفصاح العلني. ويتساءل كوتزي: «ماذا لو كانت قصة أوديب في حد ذاتها ستارًا للحقيقة المظلمة التي لا يمكن وصفها والتي يمكن لبعض الناس في الواقع مجرد المضي قدمًا دون معرفتها؟». ويضيف «ماذا لو كان السر الحقيقي، السر غير المقبول، سر الأسرار، هو أن الأسرار يمكن دفنها ويمكننا أن نعيش سعداء دائمًا» (2015م، ص 34).
لقد شجعنا الطب المؤسسي والأسرة والأصدقاء وأماكن العمل أنا وصديقتي الأسترالية التي ذكرتها سابقًا على اعتبار أن وقتنا مع السرطان شيء يمكننا الآن بالفعل دفنه والعيش في سعادة دائمة. وقد وصفت لاحقًا هذا الأمر بـ«السرد التعويضي» (فرانك، 1995/2013م). هذا مناسب لبعض الناس على الأقل لمدة من الوقت ويجد أولئك الأشخاص اهتمامًا قليلًا بما لدي لأقوله. لا أرغب في أن تتلاشى حجة كوتزي؛ فهي تستحق البقاء معنا وإثارة تساؤلاتنا. أما أنا -ولمتابعة استعارة أوديب- فاستمر الطاعون في تعتيم حياتي، ولتبديد ذلك كنت في حاجة إلى الكتابة محاولة لقول الحقيقة عن المرض.
دعوني أختزل هذه الملحوظات المتشعبة في ثلاث نقاط، ولنبدأ أولًا بأن الأشخاص الذين عانوا صدمةً مثل المرض العميق يحتاجون إلى رفقاء، وسيحتاج كثير منهم في نهاية المطاف إلى تشكيل رفقائهم. وأقول هنا تشكيلًا بدلًا من خلق؛ لأن سنواتي التي قضيتها في دراسة القصص أقنعتني بأن التحدث عن الإبداع يخاطر بوضع توقعات غير واقعية وتصور خاطئ. نحن البشر مبدعون ولكن إبداعنا يكمن في تشكيل شيء من الموارد التي نجدها متاحة لنا، وربما من الأفضل اعتبار البشر مبدعين ولكن بشكل اعتمادي.

ج.م. كوتزي
ثانيًا، يتمثل أحد جوانب هذه الاعتمادية في أن تشكيل الرفقاء يتطلب موارد، وهنا نصل إلى نوع من المفارقة. يلتزم الناس بشدة بالتفكير في القصص التي يروونها عن أنفسهم كقصصهم الخاصة، ويمكن أن يكون ذلك التزامًا شخصيًّا أو جماعيًّا أو كليهما، ولكن البشر يروون القصص من خلال إعادة تشكيل قصص الآخرين. نحن مثل طيور العقعق السردية نبني أعشاشنا من المواد التي تركت هنا وهناك، ويتوجب علينا أخلاقيًّا الاعتراف بذلك. ولنقتبس مرة أخرى هنا من كوتزي حيث يعرب عن شكوكه حول ما إذا كان «لكل منا قصة حياة، ويجب أن نبذل جهدًا لنصبح مؤلفي قصة الحياة تلك» (2015م، ص 44). لم يوضح بالضبط ما يعنيه، ولذلك سأفسر وفقًا لاعتقادي الشخصي بأنه حتى أكثر القصص شخصية هي إعادة تشكيل لقصص أخرى. نحن لا نعد مؤلفين ولكن أكثر شبهًا بمحرري النسخ واللصق لقصة حياة نسميها قصتنا. ولكن والأهم من ذلك هو أنه مع مرور الوقت نصبح ملتزمين بشدة بتلك القصة باعتبارها قصتنا. تشبه قصص حياتنا الملابس التي نرتديها مطولًا حتى تأخذ شكل وتعبير أجسامنا، ونسياننا أنها كانت ملابس جاهزة.
هنا نوع من الاستعارة لما يسمى الإبداع، فقد سمعت ذات مرة أمرًا مستنيرًا مفاده أن الرسم الانطباعي لم يكن ليتحقق قط من دون اختراع أنبوب القصدير لأن الطلاء كان يجب أن يخزن ويحمل في مثانات الخنازير قبل ذلك التي كانت بدورها عرضة للانفجار. كان الرسامون الانطباعيون عباقرة ولكن تعبير عبقريتهم -وعلى وجه التحديد العمل في الإضاءة الخارجية- كان يعتمد على موارد، بما في ذلك الأنبوب القصديري المتواضع. أما رُواة القصص، فإن مواردنا مثل الأنابيب القصديرية هي توفر،إضافة إلى قابلية خطوط الحبكة وأنواع الشخصيات والاستعارات مثل الرحلة والغرق والأمور الثقافية الأخرى التي يستطيع الأشخاص من خلالها تأليف قصص يمكن للآخرين فهمها. كنت قادرًا على كتابة «تحت إرادة الجسد»؛ لأني قرأت ما يكفي من مذكرات المرض لتزويدي بأجزاء من نموذج لكيفية سرد قصة من هذا النوع، ولأن الناشرين اعترفوا بفئة هذه الكتب وكان لديهم شعور بأن مثل هذه الكتب يمكن أن تباع. وبمجرد نشر الكتاب يصبح جزءًا من مخزون الموارد الثقافية المتاحة لكتاب مذكرات المرض في المستقبل، وبالتالي تغير مخزون الموارد أو أود أن أقول: إنه يتطور.
تثير نقطتي الثالثة حول الكتابة القضية الأكثر تعقيدًا على الإطلاق، فعندما يروي الناس قصصًا عن الصدمات في حياتهم، فإنهم يسعون إلى قول الحقيقة، ويمكن قول الكثير عن ذلك؛ فالحقيقة في واقع الأمر هي واحدة من أكثر كلماتنا عمقًا وقسوة. تبدأ سوزان جوبار كتابها «القراءة عن السرطان والكتابة عنه» بطرح سؤال ليس مجرد سؤال بلاغي وإنما يتطلب إجابة، ولكنه في الوقت نفسه ليس قابلًا للحل على الإطلاق، وهو: «كيف يمكن الكتابة بصدق عن التجارب الحميمة دون إحراج أنفسنا أو تهميش الآخرين؟» (2016م، ص 6). هذه مشكلات فورية لقول الحقيقة، وتعليقي على مشكلة الحقيقة هو: أنه عندما تحظر السرديات الثقافية القوية قول بعض الحقائق وتقرر ما الحقيقة الأخرى، وعندما تكون ذكريات الأحداث مشوشة ومتعددة الزوايا، وعندما لا ترغب حتى أنت نفسك في تذكر حقيقة ما حدث بالضبط (ناهيك عن الآخرين الذين لا يرغبون في سماعها) كيف يمكنك اكتشاف حقيقة يستطيع الآخرون تحمل سماعها وتستطيع أنت التعايش معها؟ لأن القصة التي ترويها ستصبح التجربة التي ستعيشها بعد ذلك، ليس بالضرورة إلى الأبد ولكن دائمًا.
في أثناء كتابتي لكتاب «تحت إرادة الجسد» كان من المهم جدًّا أن أقول أمورًا عن تجربة السرطان التي قمعت بشكل منهجي من جانب الخطب الطبية ومن قبل ما كان يمكن للأشخاص الأصحاء على استعداد للاعتراف به. أذكر أنه ما كان يزعجني هو أثناء عملية التحرير النهائية للكتاب؛ كنت منزعجًا من مدى استسلامي لمطالب الناشر بتخفيف جوانب أوصافي. ولكن بمجرد نشر الكتاب وبعد أن قرأته قراءة عامة للجمهور أصبحت الطريقة التي كتبته بها هي ذاكرتي للمرض، وهنا تكمن المعضلة. الحقيقة لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال سرد معين، والتمثيل يحمل دائمًا الشعور بالذنب تجاه السرديات البديلة التي يقمعها. تؤدي مشكلة الحقيقة وسرد الحقيقة مباشَرةً إلى مشكلات أبحاث الرعاية الصحية، ولكن دعني أؤجل ذلك للآخر، وأقدم تعليقًا وجيزًا حول قضية يجب أن تثار، وهي القيمة العلاجية لسرد قصة مرض الإنسان.
السرد والشفاء
يبدو لي أن هناك أربع طرق مهمة لسرد قصة عن الصدمة قد تُحدث فرقًا في حياة المرء وفي قدرته على التعايش مع تلك الصدمة، وخلاصة هذه الفروقات هو أقرب ما أستطيع الوصول إليه لاستحضار الشفاء، وهي كلمة لن أستوعبها حقًّا.
أولًا، إن رواية قصة عن المعاناة تخلق مسافة ما بين التجسيد الفوري لتلك المعاناة وبين وصف ما يحدث لشخصية في القصة المروية. أقتبس مرة أخرى عن جوبار التي تقول إن: «عملية الكتابة في خلقها للتعبير الخارجي عن الذات تشبه الأنشطة العلاجية الأخرى المتاحة للأشخاص الذين يعانون من ضعف في قوتهم البدنية: مثل الرسم أو العزف على آلة موسيقية» (2016م، ص 4). وتمضي جوبار في الدفاع عمّا سأسميه ديمقراطية الكتابة، فمن بين الوسائط التعبيرية المختلفة، أن الكتابة هي ما يتعلمه معظمنا في وقت مبكر من حياتنا ومتاحة لنا بسهولة. هذا التعبير الخارجي عن الذات هو أيضًا ما تسميه جوبار «إعادة تشكيل الذات» (2016م، ص 4)، وتخبرنا هنا بحقيقة جوهرية ألا وهي أنه: «يمكن للجراحة والإشعاع والعلاج الكيميائي أن تجعل المرضى يشعرون بالاختراق الشديد والتعرض للقصف إلى حد فقدانهم الإحساس بكيانهم وذاتيتهم وحتى لغتهم» (ص xiv)، وتلك هي طريقة جوبار في العثور على نفسها في غابة دانتي المظلمة.
ثانيًا، تخفف رواية القصص من المعاناة من خلال منح الواقع صفة الافتراضية (ماتينجلي، 2014م، ص 226، هامش 2)، كما في حالة الصيغة الشرطية لعبارات ربما أو ربما كان. يعتمد التأثير الدرامي للقصص في استمرار المستمعين في الاعتراف بمرجعية أنه يمكن دائمًا سرد القصة بشكل مختلف. هناك دائمًا طرق بديلة لتجربة ما يحدث وكان من الممكن دائمًا أن تسير الأحداث بشكل مختلف، ويمكن لسرد القصص أن يفتح مجالًا من الاحتمالات البديلة، وهذا هو الأمر المسكّن والشافي.

ثالثًا، تعمل القصص على تشارك المعاناة، ونظرًا لأن القصص تُشرك المستمعين فإن رواية القصص تولد مجتمعات من الخبرة المشتركة وبشكل غير مباشر. وتعد رواية القصص للذين يعانون وسيلة للخروج من العزلة والوحدة إلى الانتماء. قد يكون هذا المجتمع لحظة انتقالية لمن يستمع، أو قد يبقى المستمع قريبًا ويحضر إعادة سرد تلك القصة وغيرها. تضفي القصص طابعًا إنسانيًّا؛ لأنها تستطيع إضفاء الطابع المشترك على ما كان خاصًّا جدًّا.
رابعًا، وربما الأمر الأكثر تعقيدًا هو أنه يمكن أن تكون القصص وسيلة للصفح والتسامح. قد يبدو الأمر معقدًا ولكن المعاناة الممتدة تولّد شعورًا بالذنب لدى الشخص الذي يعاني. وبصرف النظر عن عدم منطقية هذا الشعور بالذنب فهي تولد إحساسًا عميقًا وخفيًّا بأن المعاناة تصم. ويكمل ذلك الشعور بالاستياء تجاه الآخرين الذين لم يمنعوا المعاناة في المقام الأول، وكانوا بطيئين أو غير كافين في استجابتهم للمعاناة. يتلخص الأمر في اعتقادي في الطبيعة المزدوجة للمعاناة المتمثلة في إلقاء اللوم على الذات واتهام الآخرين، وهذه هي أحلك صفات المعاناة والأكثر صعوبة في الشفاء؛ لذلك يمكن أن تكون القصص بداية مسامحة الذات والآخرين، فإن الطريقة التي تعمل بها هذه العملية هو بتكرار الدورة التي رسمتُها وهي: أولًا فتح مسافة ثم الافتراضية والإحساس بأن ما يحدث في رواية واحدة هي واحدة من بين العديد من الروايات الممكنة، ثم خلق مجتمع يصبح فيه أولئك الذين استاؤوا حلفاء في قصة مشتركة.
أبحاث الرعاية الصحية
أخاطر بأن أبدو جدليًّا وغاضبًا في الوقت نفسه عندما يتعلق الأمر بالأبحاث حول الرعاية الصحية. ومشكلتي هي أنه بعد عقود من العمل على ربط القضايا التي كنت أناقشها مع عالم البحث، ما زلت أرى الفجوة نفسها التي كانت موجودة عندما بدأت. سأطرح القضايا مرة أخرى من خلال سيرتي الذاتية. فعندما بدأت في كتابة «تحت إرادة الجسد» كان لديّ بالفعل خطة بحث طويلة الأمد لجعله الكتاب الأول من بين ثلاثة كتب؛ الأول كان مذكراتي الشخصية، والثاني الذي أصبح «الراوي الجريح» (فرانك، 1995/2013م)، سيكون دراسة أكثر تحليلًا لقصص المرض وقضايا سرد المرض، والثالث كان من المفترض أن يكون حول سياسة الرعاية الصحية. تغيرت هذه الفكرة الثالثة لتصبح في نهاية المطاف كتاب «إحياء الكرم» (فرانك، 2004م) الذي يتعلق بالأسس الأخلاقية التي أعتقد أن أي السياسات يجب أن تستند إليها ذاتيًّا.
أردت أن أبدأ هذا المشروع بسيرة ذاتية؛ لأنني كما ذكرت سابقًا لديّ حقائق أحتاج إلى سردها وذات أحتاج إلى أن أكتبها مرة أخرى. ولكن أيضًا توقعت معضلة أخلاقية بحثية مستقبلية، وهي: إذا كنت سأبني مسيرتي المهنية من خلال سرد قصص مرضى آخرين فإن أقل ما يمكنني فعله هو جعل قصتي متاحة بالمثل لإعادة سردها. إن إعادة سرد قصص الآخرين تنطوي حتمًا على خطر الاستيلاء، ولكننا غالبًا ما ننسى أن الجانب الآخر من الاستيلاء هو خطر ترك قصة من دون سماع وعزلها عن قصص أخرى كان من شأنها أن تعطيها تأثيرًا أكبر إذا ما ارتبطت بها، وفي كلتا الحالتين هناك دائمًا خطر. من الامتيازات التي تمتعت بها كأكاديمي هو وجود جمهور لي، فعند سرد قصص الآخرين لجمهوري سواء كان السرد مباشرًا أو مطبوعًا، أستولي فعليًّا على تلك القصص من خلال وضعها في سياقات أختارها. ولكن البديل لذلك هو ترك تلك القصص من دون رواية ودون شواهد، يصبح بالفعل الخط الفاصل دقيقًا جدًّا بين من يستولي ومن يصبح شاهدًا على القصة.
أما ما يتعلق بالبحث نفسه -ماذا نكتب وكيف نكتب- فالنصيحة التي أعود إليها باستمرار قدمتها لي امرأة في عام 1992م في اجتماع لمنظمة دعم مرضى السرطان في مركز أندرسون للسرطان في هيوستن. لقد كان الاجتماع كبيرًا، ولم أكن منذ ذلك الحين بين أعداد كبيرة جدًّا من الأشخاص المصابين بالسرطان. لقد نُشر كتاب «تحت إرادة الجسد» للتو وكانت هذه المرأة قد قرأته بالفعل، وبدت وكأنها خضعت لعلاجات متعددة للسرطان. أمسكتني من ذراعي وأخبرتني أن كل ما قلته في الكتاب كانت أمورًا لحظتها وفهمتها بالفعل حول المرض والعلاج، ولكنها أضافت أنها لم تكن لتستطيع قول تلك الأشياء بنفسها والتعبير عنها في كلمات. ثم أعطتني سلسلة مفاتيح من الخرز من صنعها، فقد كانت هذه هوايتها، التطريز بالخرز ومنح إبداعاتها للأشخاص الذين تقدرهم، وبقيت تلك السلسلة معي بعد مرور 25 عامًا.
شعرتُ من فوري بخيبة أمل عندما قالت: إنني، وأنا عالم اجتماع، لم ألحظ أي شيء في الطب المؤسسي لم تلحظه هي، ولكن النقطة الثانية من رسالتها وهي أنها هي نفسها لم تكن لتتمكن من وضع ملحوظاتها في كلمات أعطتني إحساسًا جديدًا بمهنة البحث. نحن الباحثين نستثمر أهمية كبيرة جدًّا في فكرة الاكتشاف، ونسعى إلى خلق مسافة بين المنطق السليم أو المعتقدات الشعبية ونتائج أبحاثنا التي نقدمها كتفسيرات مميزة، ولكن أجد ذلك محبطًا وأقل من المفيد. هناك اقتباس لألبير كامو عثرت عليه في بداية مسيرتي المهنية يقول فيه: إن مهمتنا كمثقفين، ذوي امتيازات، هي التحدث بالنيابة عن أولئك الذين لا يستطيعون. هذا هو السؤال الأول والأكثر أهمية الذي أريد طرحه على أي باحث رعاية صحية: كيف تحدثت بالنيابة عن شخص يفهم الحقيقة الجوهرية حول حياته وعمله، ولكنه يفتقر إلى الموارد لإعطاء تلك الرؤية صياغة عامة؟
ما يحبطني في الأبحاث المنشورة حول الرعاية الصحية هو أن أصوات الأشخاص المرضى ومقدمي الرعاية الصحية تُعطَى مساحةً أقلَّ بكثير مما يُخصص لشرح المعلومات النمطية حول المنهجية، وهي في الأساس هدفها تشريع ذاتي مهني. غالبًا ما يشتمل البحث على أصوات الأشخاص بدلًا من تقديم البحث نفسه كمنصة لهذه الأصوات؛ لذلك من وجهة نظري أرى أن المهمة الأولى للبحث هي تمكين الناس من التحدث، وإذا كانت تلك الأصوات مقنعة فإن منهجية كيفية اختيار تلك الأصوات والظروف التي سُمعت فيها لا أرى أنها تعتبر مسألة غير مهمة، ولكن ينبغي وضعها كملحوظة لاحقة.
إن العلوم الاجتماعية التي أقرؤها اليوم والتي أتعلم منها أكثر من غيرها، هي الأعمال الإثنوغرافية التي تكون بطول كتاب وتُوضَع مناقشةُ المنهجية فيها في ملحق. تحتاج الأبحاث المنشورة في الدوريات لاستقاء نموذجها إلى النظر إلى الكتب التي تروي قصص حياة الناس، بناءً على غوص الباحثين في تلك الحيوات. يجب على البحث النوعي للقيام بذلك العودة إلى الملحوظات الميدانية، والتقليل من مركزية المقابلات، وبخاصة تلك المقابلات التي تُجرى في المكاتب الأكاديمية. عندما كنت أعد كتاب «الراوي الجريح» كنت أتحدث إلى المرضى في مجموعات الدعم في المرافق الصحية. ووجدت أنه في تلك الأماكن يقول الناس الحقائق التي يمكن للمكاتب منعها. يخبر الناس قصصًا مختلفة في بيئات مختلفة؛ لأن المكان يرمز إلى القصة، المقابلات المكتبية لها مكانها بالطبع، ولكنني أعتقد أنها منطقية فقط في سياق أساليب أكثر تشاركية.
أريد حقيقةً، ولوضع هذا بشكل إيجابي أريد أن أرى الشهادة، وفي حال لم تكن بالضبط طريقة بحثية معترفًا بها، أن تصبح على الأقل مسوغًا كامل الشرعية للقيام بالبحث وتقديمه. أريد أن يفهم الباحثون أنفسهم ليسوا كمبرمجين أو مترجمين ذوي امتيازات لقصص المشاركين لديهم التي أصبحت الآن بيانات، ولكن بدلًا من ذلك كشهود يخدمون مشاركيهم من خلال تعزيز الأصوات التي كانت ستظل صامتة من دونهم والعمل على توصيل الأصوات المعزولة تضامنًا. أكرر أنه ينبغي أن يكون البحث عملًا خدميًّا يعمل على تعظيم الأصوات وربطها. يجب أن تكون هذه الأصوات لكل من المرضى والعاملين في مجال الرعاية الصحية، بما في ذلك المسؤولون الذين يتعرضون في كثير من الأحيان لانتقادات غير مسوغة. يعرف جميع هؤلاء الأشخاص جيدًا، مثل تلك المرأة التي أمسكت بذراعي في اجتماع الناجين من السرطان، ما يمرون به؛ رغم أن الإنسان يميل إلى تجاهل ما يمر به الأشخاص من حوله، وكيف يمكننا أن نؤثر في تجربة ذلك الشخص القريب.
نحتاج لكي يمر الناس بمرضهم المزمن أن تنظر أبحاث الرعاية الصحية إلى الشهادة على أنها مسؤوليتها وفرصة لها، فالأشخاص الذين يجدون أنفسهم ضائعين في غابة مظلمة لا يحتاجون إلى نيوتن ولكن إلى فيرجيل.
المصدر: https://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/23311983.2017.1343654
بواسطة الفيصل | يناير 1, 2024 | الملف
يكاد الدكتور سعد البازعي، الناقد والمفكر والمترجم والأكاديمي والناشط الثقافي، أن يتحول إلى ظاهرة ثقافية غير مسبوقة. فهو يمارس أدوارًا عديدة في وقت واحد، أدوارًا صعبة وشاقة، وكل دور يحتاج إلى الانقطاع لوقت يطول. ومع ذلك استطاع بقدرة لافتة أن يمارس هذه الأدوار كلها مجتمعة، سعيًا إلى إنتاج معرفة ريادية متشابكة، وإلى أن يمارس دورًا مركزيًّا سواء فيما مضى أو في اللحظة الراهنة، حيث تعيش السعودية تحولات ثقافية واجتماعية، ما برحت تلفت أنظار العالم.
يمارس البازعي النقد ويخوض في مجالات الفكر النقدي ويترجم، ما يروق له وما يلبي في الوقت نفسه حاجة معرفية ملحة، من كتب ومقالات مهمة، ويقوم بمسؤولياته أستاذًا جامعيًّا غير متفرغ، كما يدير حلقة نقدية وملتقى ثقافيًّا بانتظام، يناقش فيهما موضوعات وقضايا ثقافية وفكرية مهمة، إضافة إلى كونه كان ولا يزال عضوًا فاعلًا في مجلس إدارة أكثر من هيئة وجهة ثقافية وشوروية. وقد استطاع، بصورة تسترعي الانتباه، تلمس وحدة عضوية تشد هذه الانشغالات، بعضها بعضًا، في نسيج واحد ومتماسك.
يواصل البازعي إعطاء حياته معنى عميقًا، من خلال أداء هذه المهام والوظائف، التي لا يشعر أنها وظائف، في المعنى الضيق للكلمة، بقدر ما تحولت إلى نشاط يومي يتحقق وجوديًّا من خلاله كطاقة إبداعية خلاقة، لا تكف عن الإنتاج والبحث وإثارة الأسئلة. يتمرد البازعي باستمرار على شرط المفكر، المنقطع لمشروع واحد، على شرط الناقد المتخصص في حقل أدبي وحيد، على شرط الأكاديمي المنغلق على نفسه في قاعة التدريس. قدم البازعي دراسات مهمة في الرواية وخطابها، في الشعر وقضاياه. أنجز أيضًا مقاربات جيدة في السينما. طبعًا، عدا انشغالاته الفكرية العميقة التي عبرت عن نفسها من خلال عدد من الكتب التي تحولت إلى علامات في مشواره الطويل، وعلى صعيد الممارسة النقدية والثقافية في العالم العربي.
كان البازعي سباقًا بالدفاع عن الحداثة الأدبية، والاحتفاء بالاشتغالات الجديدة، سواء في كتبه أو في ملتقاه الثقافي، الذي تنقل بين أماكن عديدة. احتفى البازعي بقصيدة النثر، مثلًا، والدفاع عن حقها وحق شعرائها في الوجود، واستطاع أن يقدم إسهامًا نقديًّا في المستوى نفسه، من الجدة والجدية، اللتين ميزتا بعض نماذج هذه القصيدة. دافع عن هذه القصيدة أمام من سبق له أن نافح عنهم من شعراء قصيدة التفعيلة، عندما كان هؤلاء في مرمى الاتهامات.
يفعل كل ذلك، من دون أن يقدم نفسه بطلًا أسطوريًّا، أو مناضلًا لا يشق له غبار ضد السائد وثقافة القطيع، يفعل كل ذلك بلا لافتات أيديولوجية، أو تعمد المواجهة، من أجل المواجهة، وليس من أجل المعرفة. إنما هو يفعل كل ذلك بشغف فريد واهتمام منقطع النظير ونشاط لا يعرف الفتور، وجل تفكيره الإصغاء إلى أصوات الحاضر، ودفع المعرفة بأنواعها إلى وجهات جديدة. في اشتغالاته النقدية والفكرية يعمد إلى لغة تنأى بنفسها، منذ وقت مبكر، عن اللغة المدرسية الجافة، باصطلاحاتها ومفاهيمها، التي يعرفها جيدًا بحكم تخصصه الأكاديمي، لغة استوعبت المنهج وخرجت عليه، كي تخاطب شريحة واسعة من القراء، دون أن تسقط في الاستسهال.
في مناسبة احتفاء الكويت بالدكتور سعد البازعي، وتكريمه بإعلانه شخصية العام الثقافية في معرض الكويت الدولي للكتاب، تنشر «الفيصل» ملفًّا عن صاحب «قلق المعرفة» و«استقبال الآخر» و«المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، وسواها من كتب أساسية. يضم الملف شهادات لعدد من النقاد والشعراء والكتاب، تناولوا تجربة البازعي ومشواره الطويل، من زوايا مختلفة، مؤكدين تفرد مشروعه المتعدد، وأهمية جهوده في كل المجالات التي يواصل إنتاج معرفة جديدة فيها.
شخصية مُحلّقة في فضاءات الثقافة
سيف الرحبي – شاعر عماني
خيرًا فعلت إدارة معرض الكويت الدولي للكتاب في تكريم الدكتور سعد البازعي، هذا المثقف الناقد والأكاديمي النوعي، الذي أعطى الثقافةَ في المملكة العربية السعودية وفي الخليج العربي بُعدَها العربي والإنساني الشامل والعميق. لقد تابعت الدكتور البازعي منذ بداياته وقرأت معظم إنجازات متنه الثقافي والنقدي، التي هي إضافة نوعية لإنجازات الثقافة العربية من محيطها إلى خليجها، حتى إن أحد كتبه التي هي محاضرات على طلبته في الجامعة، ثري وغني بالرؤى. وهذا الجيل الذي يتتلمذ على يد الدكتور البازعي وأمثاله سيكون جيلًا واعدًا ومثريًا للحياة المعرفية. حتى الكتب التي لا يعُدُّها هو ضمن سياق متنه الأساسي والمرجعي هي من الثراء بمكان، وهذا يدل على مسؤوليته الجدية والصارمة تجاه ما يطرح ويمارس ثقافيًّا وإبداعيًّا تجاه طلبته وفي كتبه المقروءة على نطاق واسع. وحسنًا فعلت إدارة المعرض في اختيارها لهذه الشخصية المحلّقة في فضاءات الثقافة الإنسانية الشاسعة.
متعة اللعب عند أقاصي الأدب والفكر

محمد المسعودي – ناقد مغربي
من يطلع على نتاج الناقد والمفكر السعودي والأستاذ الجامعي سعد البازعي يجد كتابته النقدية تتخذ لبوسًا فكريًّا فلسفيًّا واضحًا، فهو من النقاد العرب المعاصرين -المعدودين على أصابع اليد الواحدة- الذين تتميز كتابتهم بهذه القدرة على اللعب عند أقاصي الأدب بما يتطلبه الأدب من فهم وتحليل لكشف جمالياته، وإبراز خاصياته انطلاقًا من أجناسه الإبداعية المختلفة، وفي أفق ثقافي شامل؛ والجمع بين هذا البعد واللعب عند أقاصي الفكر وما يتطلبه من تأمل وتساؤل وبناء منطقي وقدرة على الكشف عن الحقائق الوجودية والرؤى الفكرية، والبرهنة العقلانية لإيصال وجهة نظر الباحث حول قضايا ثقافية وفكرية إنسانية راهنة.
ومن هنا، فإن قراءة كتب البازعي تلفت نظر المتلقي بجمعها بين الأدبي والفكري، وهي تتناول الشعر أو الرواية أو السينما أو جوانب من الثقافة الشعبية، أو وهو يخوض في قضايا تتصل بالفكر والثقافة عامة. وخير ما يمثل هذا المنحى في كتابته الآسرة ما خطه حول «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» و«هجرة المفاهيم» و«قلق الهيمنة» و«قلق المعرفة» و«ثقافة الاختلاف».. وغيرها من القضايا الفكرية الأدبية التي خاض فيها، وكانت عناوين لأبرز كتبه.
إن المجال الذي اشتغل في سياقه الناقد والمفكر سعد البازعي متسع ومتشعب يبين عن معرفة واسعة بالأدب والفكر في العالمين الغربي والعربي المعاصرين، كما يكشف عن تمثل معرفي مكين للفلسفة الغربية الحديثة وما نتج عنها من مناهج نقدية أتاحت له إمكانات الخوض في الآداب المعاصرة في الجزيرة العربية وفي البلاد العربية الأخرى، وفي عمق الثقافة الغربية الحديثة؛ كما مكنته من تناول إشكالات تقع، كما أشرت آنفًا، عند الأقاصي العليا من الآداب والفكر معًا.
والمتابع لكتابات البازعي لا يجد عنتًا ولا مشقة في التفاعل مع كتابته وفهم أبعادها ومراميها، بحيث تتصف كتابته بالقدرة على إيصال رؤاه وتصوراته وتحليلاته العميقة والمهمة في صياغة أدبية مشرقة. وأنا كقارئ وباحث متابع للنقد العربي المعاصر، ومشتغل به في بعض مناحيه أجد لذة في قراءة كتب الدكتور سعد البازعي، هذا فضلًا عن الفائدة الكبيرة التي أجنيها من قراءة أعماله، وبخاصة ما تناولت فني الرواية والشعر، أو ما أثارت قضايا تتصل بالنقد الأدبي وتياراته المتنوعة والمختلفة، وما يتصل بالدراسات الثقافية في مجالاتها المتعددة وانشغالاتها الواسعة التي تتقاطع فيها حقول معرفية وعلوم إنسانية عدة. ولا شك أن موسوعية الناقد والمفكر سعد البازعي تجعل انتقاله بين هذه المعارف والعلوم الإنسانية سلسة طيعة، كما تجعل تفاعل القارئ معها تفاعلًا سلسًا يسيرًا، ولكنه مع ذلك يتطلب من هذا القارئ مقدرة وكفاءة قرائية تمكنه من اقتفاء آراء الكاتب ورؤاه، وفهم مقاصده الظاهرة والخفية، وهي مقاصد تنتصر للعمق الفكري والترفع عن الاستسهال والضحالة التي صارت عملة رائجة في الكتابة النقدية والفكرية في كثير من بقاع وطننا العربي.
ومما لا شك فيه أن الاحتفاء بتجربة البازعي هو احتفاء بالقيمة الفكرية والإبداعية التي تتطلع إلى اللعب عند أقاصي المتعة الفكرية والأدبية؛ متعة تشرب الأدب المسكون بالفلسفة، وبالروح القلقة المتسائلة دومًا عن كل مناحي الحياة، الروح المسكونة بقلق المعرفة التي هي ضالة كل مبدع حقيقي في هذا الوجود.
البازعي.. المنارة التي نصعد إليها لكي نرى!

عادل الزهراني – أستاذ النقد الحديث بجامعة الملك عبدالعزيز
في جدة كنا، وكان سعد البازعي قد نشر للتو كتابه «استقبال الآخر»، وكنت أنتظره بتوجس، وتحفز، يذكرني كثيرًا بتحفّز حسين البيشي في مواجهة ماجد، هل تذكرونهما؟ المهم أني قرأت «استقبال» البازعي، وصدمني، كما قرأت من قبل «ثقافة الصحراء» و«المكون اليهودي» وأعمالًا أخرى. لم يكن سعد البازعي ممن يمرون مرورًا سريعًا، ولذلك كان انتظاري له انتظار لهفة، وعناد. في المحاضرة ليلتها في أدبي جدة، خلت أني سمعت من البازعي ما أعرفه، وما حملته كتبه. وعندما حانت مداخلتي، هجمتُ -هجمة مرتدة مثل هجمة البيشي في نهائي كأس الملك- بالأسئلة والملحوظات. المفاجأة كانت في رد البازعي. الدرس كان في رد البازعي. حين أخذني بحلمه، وسمته، ومنطقه العقلاني المتزن يناقشني في نقاطي نقطةً نقطة، وورق التوت يسّاقط عن اندفاعي ورقةً ورقة. تعلمت درسًا منهجيًّا سيظل معي حتى اليوم، وأنا أعد نفسي صديقًا وقريبًا من سعد، وكتبِ سعد.
في بريطانيا، وصلتني نسخة من «قلق المعرفة»، وكانت نسخة مثل صفعة إيقاظ؛ بناء الكتاب كاملًا على منهجية القلق نقطةٌ سلبتني، وجعلتني أعيد التفكير في كثير من قناعاتي. هذا الهاجس القلِق هو القوة الحقيقية المحركة للمعرفة والاكتشاف، هي الروح التي لخصها شوبنهاور في «إرادة الحياة»؛ لذلك لم أستطع منع نفسي من مراسلته، مسلّمًا ومناقشًا ومشاكسًا. قلت:
«دكتور سعد. أشعر نحوك بامتنان متواصل لا ينقطع، لعلك تعلم السبب، ولعلك لا تعلم. أنا تلميذك عادل خميس، سبق لي أن تشرفت بلقائك مرات عدة.. في جدة والرياض وغيرهما. منذ زمن بعيد وأنا أستنير برؤاك الثاقبة، أنا متابع دقيق لقلمك، وأشعر وأنا اقرأ كتابًا لك أني بين يدي أفلاطوني الخاص.. إن كنت تؤمن أن لكل شخصٍ أفلاطونًا على مقاسه. وإن كنت تعتقد أن هذا غزلٌ صريح. فأنت على حق: هو كذلك. للتو انتهيت من كتابك القلِق: «قلق المعرفة»، طلبته من أحد الإخوة، فأوصله لي، والتهمته في يومين، ثم عدتُ لـ(أعرمشه) على روقان. واليوم إذ أنتهي من العرمشة، أكتب لك لأقدم شكرًا جزيلًا بحجم قامتك، وحجم تقديري. أخذتني فكرة القلق الذي بُني عليه الكتاب، تحضّـر القارئَ ليظل حبيس شعرة معاوية وهو يشق صفوف أفكارك بين مُشكـكٍ ومتسائل، حالة التوتر التي تحرص عليها مهمة جدًّا -في رأيي- ليصل قارئك لمرادك، قارئك أنت بالذات؛ الإثنية والفكر، وعلاقتهما المشبوهة: ماهية الفلسفة طُعمًا، وهْمُ الموضوعية المقدس الذي أسقطه المسيري رحمه الله، أشياء كثيرة.. كثيرة.. أخذتني أخذًا في كتابك، وكتبك السابقة. وغيرتي على قلمك جعلتني لا أرتاح للمقالات الصغيرة التي ضمنتها الكتاب، على رغم اتفاقها في الخط العام، لكنها تتحدث عن نقاط كبيرة وحساسة. وتحتاج لجهد أكبر وتحليل أوسع؛ لتضمها دفتا كتاب قيم كهذا. أطلتُ عليك أستاذي، لكني حفي بك، وأشعر بشهية مفتوحة لنقاشك، والسماع منك، فسامحني».
كتبت هذه الرسالة قبل اثني عشر عامًا، ورد عليّ ناقدنا الملهم سريعًا، يناقش بهدوء، ويوجه بتواضع، ويسأل.. يسأل عن عملي في الدكتوراه، وما أنجزت منه. في هذه الأثناء واصل البازعي رحلته الفكرية بألق يبعث على الغبطة.
واليوم، يختار معرض الكويت سعد البازعي شخصيته الرئيسة، هذا بعض ما يستحق. تختار الكويت منارة عربية، لطالما أدمنّا صعودها، لكي نتنفس أكثر، ونرى أبعد.. أبعد بكثير مما يمكن أن نرى.
هكذا تورد الإبل يا سعد!
يعرف كيف يجد مورد الماء للعطش العربي
قاسم حداد – شاعر بحريني
فمن كتب عن الكتابة في صحراء العرب. يعرف العرب والصحراء معًا، ويدرك الماء لهما.
* * *
أعتبرُ الناقد ضربًا من قارئ يتميز بموهبة الكتابة. كتابة الرأي النقدي والتقدير الأدبي. وأعتبر سعد البازعي من بين أهم النقاد العرب الذين يقرؤون لما يجعل كتابتهم ضربًا من الحوار، حوار بين القارئ والنص. وكم نحن بحاجة لشتى أنواع الحوار في حياتنا.
* * *
أما عندما يترجم سعد البازعي فهو يترجم ما يحب للقارئ أن يفهمه ويتفهمه. أراه كما الصديق أمين صالح مترجمًا ما يحب.
* * *
أشكر معرض كتاب الكويت لاختياره سعد البازعي شخصية المعرض لهذا العام، ففي هذا الاختيار تكريم مضاعف للكتاب والكتابة، ليس في السعودية فقط، ولكنه تكريم لنا جميعًا في هذه النواحي من العالم.
* * *
سيجد القارئ في كتابة سعد البازعي الدليل الأكيد على أن كاتبًا مثل سعد، يعرف كيف يجد مورد الماء للعطش العربي في هذه الصحراء.
المثقف المدهش

صالح المحمود – أكاديمي سعودي ورئيس النادي الأدبي بالرياض
حين يُذكر اسم الدكتور سعد البازعي فإن سياق الحديث يبدو في حيرة من أمره؛ إذ تتعدد سياقات حضور هذا الرجل بشكل مدهش وعميق، فهو المثقف، وهو الناقد، وهو المؤلف، وهو المترجم، وهو الناشط في المشهدين الثقافي والنقدي، سواء في وطنه السعودية أم في وطنه العربي الكبير طيلة عقود مضت. فهذا الرجل يعد علامة بارزة ومضيئة في السياق الثقافي العربي، تشهد له بذلك إسهاماته المعرفية المدهشة، ومواصلته العمل كتابةً ونشاطًا ومبادرةً وإنجازًا دون توقف، في حين توقف كثير من مجايليه وتلاشوا من المشهد، ولا يبدو هذا الحضور الطاغي للبازعي غريبًا؛ فالرجل شغوف بالمعرفة، يتنفس الكتابة والقراءة، ويجدد طاقاته المعرفية دومًا دون أن يكلّ أو يملّ، ولديه التزام أخلاقي مع المعرفة لا يحيد عنه، كما أنه مملوء متخم بالاحترام، احترام العلم، واحترام الآخر المثقف، واحترام منجزات الآخرين المعرفية، وهذه الصفات نصّبته رمزًا من رموز المعرفة العربية، وأيقونة من أيقونات النقد الأدبي العربي، وسيظل كذلك.
لقد أسهم هذا الرجل في صناعة مشهد ثقافي في وطننا ينمو ويتكامل من خلال مسيرة معرفية طويلة، أنفق فيها الكثير من الجهد والوقت والحرص والعناية والمتابعة والإخلاص، مؤمنًا بأن الثقافة فعل إنساني نبيل، وأن الوطن يستحق من أبنائه وبناته المبادرة والعمل الجاد المخلص الذي تتوارى فيه الشخصيات الذاتية، ويلمع فيه اسم الوطن بأطيافه ومؤسساته ومبدعيه، هكذا كان البازعي منذ أن شارك بشكل فاعل في تأسيس المشهد النقدي السعودي في الثمانينيات الميلادية وما بعدها، واستمر بعدها صائغًا ماهرًا وفنانًا مبدعًا يعيد بالمعرفة وبالنشاط العلمي والثقافي كتابة ذلك المشهد، ويجدد فيه سنة تلو سنة بمنجزات معرفية هائلة يقدمها بشكل لافت ومستمر إلى يومنا هذا ولم يزل. ولهذا لم يكن أمرًا غريبًا أو مفاجئًا أن ينال الدكتور البازعي جائزة السلطان قابوس أو أن يكون شخصية العام الثقافية في معرض الكويت الدولي للكتاب، أو أن ينال تكريمًا في هذا المحفل أو ذاك؛ ذلك لأن الرجل ظل ملتزمًا بميثاقه مع المعرفة إنجازًا وحضورًا وتأليفًا وتوهجًا وتفاعلًا منذ الثمانينيات الميلادية حتى يومنا هذا وما زال حفيًّا بكل هذا، تتجدد طاقته، ويأبى أن يتوقف عن القراءة والكتابة والحضور الثقافي المبهر، منذ «ثقافة الصحراء» و«إحالات الكتابة» ومرورًا بعدد كبير وعميق من المؤلفات، وحشد ضخم من المشاركة والحضور النوعي في الفعاليات الثقافية المختلفة.
وحين يريد امرؤ ما أن يكتب عن البازعي مثقفًا وناقدًا ومؤلفًا ومترجمًا وناشطًا في حقول المعرفة فلن يقدم في الغالب معلومات جديدة؛ لأن الذين كتبوا ويكتبون عنه كثيرون، وهم يتجددون بتجدد منجزات هذا الرجل التي لا تتوقف، وستتقاطع الكتابات عنه في هذه السياقات مع بعضها. واللافت أن تلك الكتابات تتأسس في حقيقتها على مرتكز رئيس وعميق، بيد أنه يبدو غائبًا ومتواريًا لم يقبض على جمرته أحد ممن كتب عن البازعي، واستهدف شخصيته العلمية ومنجزاته المعرفية. والحديث هنا عن الشخصية الإنسانية لهذا الرجل، وهي شخصية غنية جدًّا؛ إذ يتدفق الحس الإنساني منها بشكل مدهش، ويبدو ذلك ظاهرًا في التعامل مع الآخرين، واحترام حضورهم ومنجزاتهم وتقديرها دون أن يكون ذلك سببًا للتنازل عن الجودة والعمق المعرفي، ودون أن يفضي به ذلك إلى المصانعة والمجاملة الممجوجة.
ويتصل بهذا الأمر في شخصية البازعي احترامه العميق للطاقات الشبابية المثقفة التي تشق طريقها في رحلة المعرفة، وأراه في هذا السياق شخصية استثنائية نادرة لا يشابهها أحد، فهو يحتفي بالشباب، ويدعمهم، ويحفزهم، ويحرص على منحهم مساحات من الضوء والحضور، في الوقت الذي يحب غيره من (الكبار) أن يستأثروا بالضوء معوّلين على أسمائهم ومنجزاتهم، لكن البازعي الذي ظل وفيًّا للإنجاز العلمي حتى اللحظة يخالف قاعدة الضوء، ويحرص أن يمنحه للشباب المتلهف، وقد أنشأ مبادرات عديدة قبل رئاسته النادي الأدبي بالرياض وفي أثنائها وبعدها، وجعل تلك المبادرات فضاءً ثقافيًّا للشباب المتوثب إبداعًا ونقدًا. وأذكر من ذلك قبل رئاسته النادي مبادرة (الاثنينية) أيام الشيخ ابن إدريس، وكانت بإشراف الدكتور سعد، وفيها استضاف عددًا كبيرًا من الشباب المتوثب إبداعًا ونقدًا. وفي أثناء رئاسته النادي لا يمكن أن أنسى مبادرة (الحلقة الفلسفية) التي منحها ومنح شبابها دعمًا غير محدود حتى كبرت وأصبحت اليوم جمعية متخصصة على مستوى الوطن.
وبعد تركه النادي، ظل البازعي وفيًّا لشغفه المعرفي، وكانت مبادرته المتميزة (الملتقى الثقافي) إحدى أهم المبادرات الثقافية التي عرفها المشهد السعودي بانتظامها وطرافة موضوعاتها، وفي كل هذه المبادرات وفي غيرها كان البازعي يراهن دائمًا على الشباب، ويمنحهم الفرصة، ويستثمر شهرته وحضوره الواسع في صنع دعاية وإعلان لهم، وأندهشُ حين أراه مرارًا يقدّم هذا المبدع الشاب أو ذاك، ويتقاسم معه طاولة الإلقاء معرّفًا به، ومديرًا لمحاضرته أو أمسيته، وقد جرت العادة أن تنعكس الصورة، فيكون المثقف الكبير صاحب الحضور والمحاضرة، ويكون مدير الجلسة شابًّا في بداياته، ولا يكتفي البازعي بذلك، بل يتجاوزه إلى دعم وحَفْز يبدأ به مقدمته، ويختم به الجلسة، ثم لا يفوته أن يشكر كل من يسهم في نجاح الفعاليات التي يشرف عليها، ويحرص على ألا ينسى أحدًا، ثم تراه في حسابه على مواقع التواصل يعيد الشكر والامتنان.
ويجدر بي في سياق المبادرات الثقافية أن أضيف مظهرًا تفرّد به البازعي دون سائر النقاد السعوديين -وربما العرب- وهو تلك الهمة والنشاط والشغف المعرفي الذي يقوده من مبادرة إلى مبادرة، فهو يؤسس المبادرة، ويحضر جميع فعالياتها، ويدعو المتحدثين، ويدير بعض الندوات، ويعلن عن الفعاليات في حساباته الخاصة، ويعلّق ويداخل في اللقاءات، ويدعم ويحفز المشاركين، وأين تجد اليوم مثقفًا مخضرمًا لديه هذه الهمة الوقّادة وهذا الشغف المعرفي؟ إنه أشبه بالتزام أخلاقي مع المعرفة يترجمه عمليًّا بتلك المبادرات ونشاطه المتجدد والمدهش فيها.
الفكرُ مُكرَّمًا

سهام العبودي – كاتبة سعودية
أتذكَّر على وجه اليقين المرَّة الأولى التي قرأت فيها للأستاذ الدكتور سعد البازعي. في مقتبل المساس بالنصوص وجدت في كتبه: «إحالات القصيدة» و«قراءات في الشعر المعاصر»، و«ثقافة الصحراء- دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصر»، القراءة التي ألهمتني الوعي بالنص عالمًا متعدِّد الأبعاد. ولطالما قلت في عقلي- آنذاك: أود أن أقترب من النص هذه المسافة الممكِّنة من رؤية رؤاه العميقة تحت سطح التشكيل، ومحاورةِ مجازاته المضمِرَة معانيَها تحت أجنحتها. القراءة الناقدة المختلفة هي معمار فنيٌّ خاصٌّ، ولها نصيبها من فعل الدهشة، ولا يمكن -قطعًا- أن تصل القراءة النقدية إلى هذا الحد من الإبداع والتأثير والإلهام لولا أن توفَّرت لمقدِّمها الأدوات، والإجادة اللازمة للتوفيق في استعمالها؛ وهو ما يؤول -في النهاية- إلى تعديد أبواب الدخول إلى النص، وتحقيق تحوُّلات في تصورات القارئ، ومنح النص حيواتٍ محتملة بفعل الحرث المستمرِّ في أرضه الخصبة.
إن المقدار الذي تضيفه هذه القراءة المنتجة في العقل القارئ هو الفعل الخالد الذي نسمِّيه (الأثر)، وما زالت عطاءات الدكتور سعد الفكرية تصنع أثرها المختلف البين في قرائه ومستمعيه ومتابعيه؛ مشكِّلًا وجودًا ثقافيًّا فكريًّا ملهمًا ومستحقًّا للإشادة والتكريم.
في المسافة بين «ثقافة الصحراء» تأليفًا حتى «بومغارتنر» و«الشعب الدَّمويِّ» ترجمةً، وفي كمٍّ يصعب إحصاؤه من المقالات والمحاضرات واللقاءات، وإدارة المشروعات الثقافية والملتقيات، والحضور الحيِّ في وسائل التواصل على اختلافها؛ في هذا كله تتحقق صورة شخصية المفكر بمقاربتها الشاملة المتوازنة لمجالات مختلفة تُشكِّل في مجموعها المعطياتِ اللازمةَ لصنع المعرفة وتقديمها، ولقراءة الحالة الثقافية وتشريحها، ولفهم الواقع وإشكالاته، ورصد تحوُّلاته. يؤمن الأستاذ الدكتور سعد البازعي بالزخم المضاعف الذي يحققه اتصال العلوم والفنون، وفتح مسارات تقود إلى اشتراك بانٍ بين الأدب والتاريخ والفلسفة والموسيقا وسواها من حقول المعرفة الإنسانية. نقاطُ الالتقاء تلك هي منافذ استكشاف لممكن مستجدٍّ، ومحتملٍ ولَّاد؛ وهي أيضًا مقاربة لحقيقة الإنسان الفرد المتعدد، المتجدد، ولمرايا وعيه المختلفة الانعكاسات.
تشكِّل الترجمة جزءًا مهمًّا في مشروع الأستاذ الدكتور سعد البازعي الفكري، وأتذكَّر شهودي حديثًا له بعنوان «معابر القراءة»، وهو حديث في موضوعَي (النقد والترجمة)، وتستوقفني من هذا الحديث -ضِمنَ الكثير الذي استوقفني- جملةٌ يشير فيها إلى: «أن اختيار كتاب من على رفٍّ هو فعل نقدي، وأن إعادته -انصرافًا عنه دون قراءته- هو فعل نقدي أيضًا». فلا شك إذن أن اختيار مدونة للترجمة هي «فعل نقدي» هائل متعدد الأبعاد؛ إذ تتحقق بالترجمة جملة مدخلات متنوعة من ثقافة إلى أخرى، مدخلات قد تكون محوِّلة بعيدة التأثير، وفي تاريخ العلوم والآداب أمثلة كثيرة لمدخلات معرفية وثقافية مؤثِّرة تحققت بفعل الترجمة. وفي مقدمة كتابه «معالم الحداثة» يشير الدكتور سعد البازعي إلى جوهرية هذا الفعل، واقتضائه عمليتي بحث واختيار عميقتين؛ فيقول: «فالانتخاب بحد ذاته فعل أو تدخل فكري وثقافي بقدر ما هو شخصي ذوقي. إنه تدخل في حراك الثقافة والفكر من خلال الانتقاء من حيث هو استدعاء للمختلف من زاوية مختلفة أيضًا،
وإنْ في بعض وجوهها». («معالم الحداثة، الحداثة الغربيَّة في ستين نصًّا تأسيسيًّا»، اختيار وترجمة وتقديم: سعد البازعي، مجموعة كلمات، الشارقة، ط1، 2022م. ص23 ).
وفي المقابل يملك الدكتور سعد حِسًّا عاليًا بالمسؤولية تُجاه (اللغة العربية)، وهو في مواقف كثيرة مسجَّلة ومتداولة يرفض استبدال لغة أخرى باللغة العربية دون مسوغ مقبول، ويرى الإنجليزية -وهو العارف بها والمترجم عنها- لغةَ آخَر، وحاملة ثقافة آخر، ولا ينبغي أن تحل لغة تواصل أو إعلام أو إعلان في أرض عربية. هذا الاتجاه التأصيلي الباني هو المعوَّل عليه لرسم معالم ثقافة محلية أصيلة، ترسِّخ هُويَّتها صورةً ولغةً وإبداعًا، وتفتح -في الوقت عينه- ذراعي قبولها للآخر، القبولِ الواعي بمواضع ضرورته ونفعه، وبكونِه آخَر لا ينبغي أن يزيح ما هو متجذِّر وأصيل.
جاء اختيارُ الأستاذ الدكتور سعد البازعي شخصية معرض الكويت الدولي للكتاب لهذا العام 2023م إضافةً مهمَّة إلى سجلات تقدير لمفكر واعٍ بمعالم مشروعه الفكري والثقافي والنقدي، ليست مرة أولى لكنها مؤكدة، وذات معنى في حق الصوت الثقافي السعودي المنتج المعتدل، المنتمي دون إقصاء، الأصيل دون انعزال، البالغ تأثيرًا متجاوزًا الحدود. إن تجربة فردية تحمل هذا التنوع والعمق والحضور والتجدد هي حالة ثقافية تستحق التقدير، وتستحق أن تكون موضع قراءة، أن تكون نموذجًا للوعي، لإحسان وفادة المعرفة عبر استثمارها، وتوظيفها لتحقق اندماجها المثالي المنتج، ونفعها الفكري العام. كل تكريم مستحقٍّ لمثقَّفٍ مفكِّر منتجٍ هو تكريمٌ للثقافة، وتقديرٌ للمعرفة، وإشادةٌ عالية الصوت بالفكر والذوق والجمال.
ثروةٌ فكرية حقيقية

نورة القحطاني – ناقدة وأكاديمية سعودية
الدكتور سعد البازعي يعد مثقفًا حقيقيًّا وثروة فكرية تمثل الثقافة السعودية في أفضل صورها، ومشاركاته العلمية والثقافية المتنوعة في المناسبات الثقافية والمؤتمرات العلمية قدمت الثقافة السعودية والأدب السعودي بصورة مشرقة إقليميًّا وعربيًّا، وعالميًّا أيضًا من خلال المحاضرات والترجمات لنصوص شعرية ونثرية ساهمت في خدمة المنتج الثقافي السعودي ونشره قدر الإمكان خارج حدوده المحلية. ومن أهم ما يتميز به الدكتور البازعي إضافة إلى العمق والأصالة تلك الاستمرارية والعمل الجاد الرصين في مجالات متنوعة، فلم يحصر نفسه في دائرة التخصص الضيقة بل خرج منها إلى أفق ثقافي فكري واسع يستمد عمقه من خلفية علمية متمكنة ومن اطلاع قرائي واسع وخبرة طويلة في التعامل مع النصوص، ومن تأمل مختلف في الثقافة العربية بدءًا من كتابه «ثقافة الصحراء» مرورًا بقراءاته العميقة للشعر المعاصر، والقصيدة الشعبية والرواية العربية، ولم يقف اهتمامه عند هذا بل قدّم للمكتبة العربية مجموعة فريدة من الكتب الفكرية التي تحمل طابعًا تأمليًّا فلسفيًّا ككتابته عن «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» وعن «الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف» وعن «معالم الحداثة» و«هجرة المفاهيم»، وغيرها من الموضوعات الشائكة التي تدفع القارئ إلى التأمل والسؤال والبحث، وهو بهذا يضيف بالتأكيد للمكتبة العربية كثيرًا في جوانب ثقافية غير مألوفة تحفز الفكر وتثير الشك الذي هو طريق الوعي والبحث عن الأجوبة.
ويحسب كذلك للدكتور البازعي تناوله للعلاقة المتوترة بين ثقافتين مختلفتين هما الثقافة العربية والثقافة الغربية، في مقارنة ترصد أوجه التشابه والاختلاف في طبيعة هذه العلاقة المأزومة وتمظهرات المواجهات بينهما. ولعل أول ما يسترعي الانتباه في مؤلفاته ومحاضراته ذلك الحرص على استخدام اللغة العربية السليمة والأساليب الجيدة التي تؤكد اعتزازه بثقافته العربية ورفضه للألفاظ الأعجمية الدخيلة، وكم مرة قرأت له كتابًا أدهشتني فيه تلك القدرة الهائلة على السرد بأسلوب جاذب وسلاسة متماسكة على الرغم من ضخامة حجم العمل في أحيان كثيرة. ولا يمكن للقارئ أن يطوي غلاف أي من كتبه قبل أن يشيد بقيمته التي تكمن -من وجهة نظري- في الطابع الموسوعي الذي يقدم للقارئ نماذج مختلفة من الثقافة من جهة، وفي التحليل والمقارنة والربط بين هذه النماذج بشكل منطقي لافت للنظر من جهة أخرى.
نحن أمام نموذج لمثقف موسوعي لا يمكن أن نحصر إنجازاته في مؤلفاته فقط، إنما يجمع إلى جانب ذلك توليه لمهام عديدة في مجالات مختلفة سعى من خلالها إلى المساهمة في خدمة ثقافته ومجتمعه ووطنه، فرأس تحرير صحف، ومجلات، ورأس لجان تحكيم لجوائز دولية، وتولى رئاسة نادي الرياض الأدبي وكان أيضًا عضو مجلس شورى سابقًا. واستمر عطاؤه ممتدًّا من خلال تأسيسه لملتقى ثقافي نصف شهري تشرف عليه جمعية الثقافة والفنون قدّم من خلاله محاضرات وأمسيات وفتح باب الحوار حول موضوعات فكرية وثقافية واجتماعية وفنية مهمة، ودعا للمشاركة معه في هذا الملتقى أسماء ثقافية سعودية وعربية أضاءت بفكرها ومناهجها المتنوعة قضايا تشغل المشهد الثقافي العربي في الوقت الراهن. ذلك هو المفكر والناقد والمترجم البروفيسور سعد البازعي الواجهة المشرفة للثقافة العربية وسفير الثقافة السعودية الجادة التي مثّلها خير تمثيل في محافل دولية كثيرة.
البازعي ومسعى التأسيس
فخري صالح – ناقد ومترجم أردني من فلسطين
الصديق الدكتور سعد البازعي، هو بلا شك، واحد من النقاد العرب البارزين في اللحظة الراهنة، ومن الباحثين المنخرطين في شرح النظرية الثقافية المعاصرة، وتأويلها، والتعريف بها، والنظر في انعكاساتها، وطرق اشتغالها في النقد، والفكر، والحياة العربية المعاصرة. فهو، إلى جانب انشغاله بنقد الشعر والرواية والفكر النقدي في الثقافة العربية، أنجز عددًا من الترجمات المهمة التي تسلط الضوء على النقد والنظرية والفكر في العالم، وخصوصًا الجانب الغربي منه، ساعيًا، في العقد الأخير، إلى تقديم معالم الحداثة وما بعد الحداثة في الفكر الغربي المعاصرة، وذلك من خلال الترجمة والاختيار، والبحث عن النصوص التأسيسية لهذه الحداثة. ولا شك أن هذا الاهتمام المنهجي، لرصد ما يمكن وصفه بأنه «العلامات الأساسية» لتطور الفكر والثقافة في العالم في القرن العشرين، أو أن «المكون الصلب» لحداثة القرن العشرين، يندرج في الكشف عما يؤثر في ثقافتنا وفكرنا العربي المعاصر، وما ينفعنا من هذا الفكر، وما يمكن لنا أن نستبقيه ونطوره في معرفتنا، في جزء من العالم يعاني مشكلات حداثة مأزومة، وتبحث لها عن طريق ثالث بين التراث والحداثة.
ينطوي مشروع البازعي، إذن، على مسعى التأسيس للنقد والنظرية والفكر، عبر الترجمة، والتعليق، وتقديم الآخر، للكشف عن هوية الذات في مرآة الآخر. وهو، انطلاقًا من تخصصه في الأدبين الإنجليزي والمقارن، يبحث عن نقاط التقاطع والافتراق بين ثقافتهم وثقافتنا، مشكلات حداثتهم ومشكلات حداثتنا المعوقة، التي ما فتئت تبحث لها عن طريق في مفترق العلاقة مع الذات ومع الآخر.
«الدكتور سعد» خارج الكتب
سماهر الضامن – ناقدة وأكاديمية سعودية
تلقيت في بدايات سنة 2019م بعد عودتي من ولاية آركنسا، دعوة من الأستاذ الدكتور سعد البازعي لأشارك في الحلقة النقدية التي كان قد أسسها قبل أعوام، وما زالت مستمرة حتى وقت كتابة هذه الأسطر. كان الدكتور قد حضر ندوة شاركت فيها مع لجنة الندوة العلمية في الجامعة، ولفت انتباهه الموضوع الذي طرحته فطلب مني عرضه في الحلقة. حين انتهيت من عرض الورقة علق بأنه أراد أن يستمع للأطروحة بشكل جيد، وبأنه طلب مني عرض الورقة نفسها في تلك الجلسة لأنها تمثل برأيه نموذجًا جيدًا لما يمكن أن تكون عليه المعالجة النقدية المنهجية لموضوع جديد، ونسبيًّا حساس. لفتني اهتمامه بأن يستمع للورقة بحرص، ويناقش محاورها مع مجموعة من الزملاء والزميلات، وينتبه للمنهج والأمثلة والتفاصيل والنتيجة. ولا يتردد في إبداء إعجابه بعمل باحثة مبتدئة ومغمورة، وهذا ما أسميه التواضع للعلم والشغف بالمعرفة، وبخاصة حين يأتي من باحث منجز ومنتج ومطلع وحاضر في المشهد الأكاديمي والثقافي محليًّا ودوليًّا. باحث تتلمذت على كتبه في مرحلة الماجستير وواصلت الاستفادة منها في مرحلة الدكتوراه، وما زلت وأنا أستاذة جامعية أنهل من إنتاجه ومساهماته المعرفية التي تصب في مشروعه الفكري والنقدي الأشمل حول المثاقفة والبحث في جذور المعرفة الإنسانية الحديثة والتبادل الحضاري بين الشرق والغرب، ضمن إطار فكري يقوم على فهم الخصوصيات الثقافية والسياقات الاجتماعية والتاريخية، وتتبع طرق تحولاتها واستخداماتها في سياقات متنوعة بتنوع الأزمنة والبيئات.
كان لقائي الأول بالدكتور سعد من خلال كتبه التي عبرت بي دروب المصطلحات والمناهج النقدية النظرية وأنا أعد رسالة الماجستير في النقد الأدبي الحديث، في وقت كانت تفتقر فيه المكتبة العربية إلى كتب ومداخل محكمة تقدم المصطلحات وتترجمها، وتضبط حدودها، وترسم خريطة تعالقاتها، وتؤصل لها؛ ضالة وجدتها في كتاب «دليل الناقد الأدبي» (إضاءة لأكثر من سبعين تيارًا ومصطلحًا نقديًّا معاصرًا) وهو تأليف مشترك بين الدكتور سعد والدكتور ميجان الرويلي؛ كتاب، كما يكشف عنوانه، مرجعي لا غنى عنه للباحثين في مجال الدراسات الأدبية والنقدية خاصة في مرحلة التأسيس والتعرف إلى المصطلحات والمفاهيم الكبرى في مجال النقد وما يتصل به من نظريات.
أما في مرحلة دراسة الأدب المقارن، فقد كان من ضمن عدتي المعرفية والمنهجية كتب مثل «استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث»، و«المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، وغيرها من مؤلفات الدكتور سعد التي يسعى فيها لتحليل وفهم العلاقات والتأثيرات بين الأقطاب الفكرية العالمية واللاعبين المؤثرين في الحضارة المعاصرة من خلال إطار منهجي متسق ومتماسك يسعى لفحص المفاهيم الكبرى ورحلتها بين الثقافات وتشاكلاتها التاريخية والجغرافية، وهو ما تجلى أيضًا في كتابه «هجرة المفاهيم: قراءات في تحولات الثقافة» الذي ينطلق فيه من تلك القاعدة الفكرية نفسها. هذا عدا عن مؤلفاته النقدية التطبيقية، وترجماته لعدد كبير من الكتب التي يظهر في اختياراته لها أن الخريطة المعرفية التي يسير في طرقها واضحة لديه، وهو في رحلته المعرفية هذه يركز على الأصول والمنهج العلمي في البحث، ولا يغفل الاطلاع على الجديد من إنتاج أدبي وأجناس فنية تتسع لتشمل السينما والموسيقا والثقافة الشعبية وسواها.
لا شك أن الوقوف على تفاصيل المنجز المعرفي للدكتور سعد البازعي يحتاج مساحة، ومقامًا مختلفًا عن هذا المقام. فأستاذنا يكرم هذه الأيام، تكريمًا مستحقًّا، في دولة الكويت كشخصية معرض الكتاب الدولي 2023م، وهذه فرصة لمزيد من البحث في نتاجه البحثي ومراجعة كتبه ومشروعه الفكري، وهو ما بدأت شرارته في السنوات الماضية حيث كان مشروع الدكتور ومؤلفاته حاضرة في عدد من الرسائل الأكاديمية في عدد من الدول العربية، وحيث ترجمت بعض كتبه لعدد من اللغات من بينها الصينية، ككتاب «ثقافة الصحراء: دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصر»، كما حضر كموضوع لعدد من الندوات والمحاضرات التي تناولت مشروعه كاملًا أو مجزأً. هذا فضلًا عن مساهماته الفعالة والمتواصلة بكل وسيلة يمكنه من خلالها مد الجسور واستكمال مشروعه الذي لم يتوقف عند البحث ورفوف المكتبات.
وهذا يعيدني للحديث عن الدكتور سعد كما عرفته خارج الكتب. كانت تلك الدعوة التي ذكرتها هي أول فرصة لي للتواصل معه، وأسميها هنا «فرصة» بوعي تام؛ لأن لقائي بالدكتور سعد كان فاتحة مباركة لي للعبور إلى المشهد الثقافي المحلي من وجهة مشرقة، بعد غيابي الطويل عنه في أثناء بعثتي الدراسية. وبالنظر للتوقيت، فقد كانت فرصة لم أتوقعها ولم أخطط لها في وقت كان العالم فيه يتحضر لاستقبال الزائر الثقيل الذي عزلنا عن المجالات العامة، فأغلق قاعات الدراسة، وأقفل المراكز الثقافية، وعطل قوائم المهام التي كانت على صفوف جداولنا. وكانت نقطة الضوء الوحيدة في وقتها هي تلك الحلقة النقدية التي جمع فيها الدكتور سعد مجموعة من الباحثين والباحثات الذين يتشاركون الاهتمامات ذاته.
كنا نتناقش حول بعض الخيارات البديلة لاستمرار الحلقة، فطرحت إحدى الزميلات فكرة اللقاءات الافتراضية، وهي الفكرة التي تحمس لها الدكتور سعد وشجع على تنفيذها بأسرع وقت. بدا أن الدكتور كان أكثرنا ضجرًا بسبب توقف الأنشطة واللقاءات الثقافية. كانت الحلقة تعقد كل أسبوعين فإذا به يقترح جلسة كل أسبوع. وجميعنا نعرف أن الحلقة ليست مجال نشاطه ومشاركاته الثقافية الوحيدة. خصصنا جلسات عدة للحديث عن الجائحة وأثرها في المشهد الثقافي وامتدادته محليًّا وعالميًّا، قرأنا فصولًا في أدب العزلة والمرض والكوارث البيولوجية. عرفت حينها جانبًا آخر من الدكتور سعد؛ وهو أنه بالإضافة لعمله المؤسسي والبحثي في الجامعة وخارجها بين تحكيم وتأليف وعضويات، كان مشروعه الفكري مرتبطًا بواقعه ومتحققًا في شخصيته وأولوياته واهتماماته؛ ممتدًّا من خلال مواكبته لكل جديد، ومساهماته في تأسيس وإدارة عدد من المشروعات الثقافية والمؤسسية كالملتقى الثقافي بالرياض والحلقة النقدية، وصولًا إلى مشاركاته في اللقاءات والمقابلات والجلسات الحوارية الثقافية التي قل أن يعتذر عنها إلا بها. وهو وسط هذا كله لا يتأخر عن استشارة أو مساعدة علمية أو مشاركة مع أي جهة مهما كانت جديدة وغير معروفة، وأتذكر استجابته المتكررة حتى لدعوات الشباب وطلاب البكالوريوس لإجراء المقابلات والحوارات الثقافية، فلا يبخل بوقته ولا يتأخر عن مواعيده.
والأهم من هذا وذاك، حرصه على أن يقدم للمشهد الثقافي والفكري، لا نتاجه الخاص فحسب، بل يقدم الوجوه الجديدة أيضًا، ويحثها على المشاركة، ويحرص على حضورها، وعلى الحضور لها، فهو يرى في تعدد الأصوات والأفكار في الساحة الفكرية، واستمرار الحوارات والنقاشات المعرفية وتبادل الرؤى معينًا تذبل الحياة الثقافية بدونه. جمعنا الهم الثقافي والبحثي منذ أكثر من ثلاث سنوات في مجلس إدارة الجمعية السعودية للأدب المقارن، ولا أجد من أستاذنا إلا الالتزام والدعم والامتنان لجهود الأعضاء الفاعلين، فضلًا عن الرؤية الثاقبة والتخطيط الثقافي بعيد المدى.
آخر مشاركة حضرتها للدكتور سعد كانت في مؤتمر النقد السينمائي في الرياض قبل أسابيع عدة، حيث تحدث عن تخطي حاجز الوهم بين الرواية والسينما. وقد كان لافتًا في حديثه المركز تحديد فكرته، ووضوح منهجه، كما كان لافتًا حرص الحضور على التفاعل معه، بدءًا بأساتذة الجامعات وانتهاء بالشباب المهتمين بالفكرة التي كان يطرحها. قابلت العديد من المفكرين والمثقفين والمؤلفين، قلة منهم أثروا في تكويني المعرفي، لكن أقلية من تلك القلة امتد تأثيرهم ليكون دروسًا في الحياة والانضباط والإخلاص لما يسرنا له، والدكتور سعد البازعي هو من هذه الأقلية التي لا يمكن لأثرها أن يتوقف بين صفحات الكتب.
مشروع ثقافي مستمر
ميساء الخواجا – ناقدة وأكاديمية سعودية
الأستاذ الدكتور سعد البازعي كاتب وناقد موسوعي متعدد المواهب والاهتمامات، ولعل هذا أحد مكامن الاختلاف والتفرد في تجربته التي تمتد بين النقد والترجمة والكتب الفكرية. إنه أحد مؤسسي الحداثة في المملكة العربية السعودية، وكان اهتمامه بالشعر السعودي المعاصر وقصيدة التفعيلة والنثر تحديدًا أحد مداخلي إلى التجربة السعودية في المملكة ولا سيما كتابيه «ثقافة الصحراء: دراسات في أدب الجزيرة المعاصر» و«إحالات القصيدة: قراءات في الشعر المعاصر». ولعل ما يلفت النظر في تعامله مع النص الأدبي هو الجمع بين السلاسة والعمق في قراءة القصيدة، وهو في ذلك يتعامل مع النظرية دون تصلب أو جمود، فتأتي القراءة كتابة على الكتابة ونصًّا جديدًا في الوقت نفسه. وأرى أن هذا الالتفات المبكر للقصيدة الحديثة في المملكة يحمل دورًا مؤسسًا ومركزيًّا ولا سيما في وقت نالت فيه القصيدة الحداثية ما نالته من هجوم حاد في حقبة السبعينيات والثمانينيات.
وقد استمر هذا الاهتمام بالقصيدة ومحاورة النص بهدوء الناقد العارف مما يحيل إلى مشروع نقدي متكامل يؤسس لتلك القصيدة كما سبقت الإشارة، ويلتفت أيضًا إلى التجارب الجديدة عند جيل الشباب ليضع تلك التجربة في إطارها من المشهد الإبداعي المحلي والعربي، وهو ما نجده في عدد من مؤلفاته المتأخرة مثل: «جدل التجديد: الشعر السعودي في نصف قرن» و«جدل الألفة والغرابة: قراءات في المشهد الشعري المعاصر» وغيرها. الإطار الثاني الذي يمكن الوقوف عنده هو تجربة كتاب «دليل الناقد الأدبي»، حيث صدر هذا الكتاب بالاشتراك مع الدكتور ميجان الرويلي ليشكل مرجعية مهمة لطلاب الأدب والنقد، ويقدم لهم تعريفًا بأهم المناهج والنظريات النقدية بموضوعية وعمق وبساطة في الوقت نفسه. وهذا مشروع تأسيسي أيضًا يفيد منه المتخصص والمبتدئ في مجال النقد الأدبي على حد سواء. وهو مرجع علمي رصين يبتعد من العمومية والسطحية ويتسم بالغنى والعمق.
الحوار مع الآخر ومخاطبة فكره وثقافته نقدًا وتحليلًا وتفكيكًا لبعض مقولاته المهيمنة، جوانب لا يمكن إغفالها في تجربة البازعي. فإن كانت كتاباته النقدية تسائل القصيدة والإبداع في عمومه وتحاور النص شعرًا ونثرًا، فإن كتاباته الفكرية تثير تساؤلات فكرية مهمة جدًّا في المشهد المحلي والعربي والعالمي. ويبدو أن نقاش فكر الآخر والحفر فيه يعد محورًا رئيسًا في مشروع البازعي، وهو مشروع قديم ومتجدد، فالآخر يظل دومًا قضية حساسة ومهمة في أية ثقافة، منها تقارب وعيك بذاتك وثقافتك وفي الوقت نفسه تحاور وعي الآخر وثقافته. وبذلك استطاع البازعي مقاربة قضايا حساسة جدًّا في المشهد الثقافي العربي وحواره مع الآخر ولا سيما في «المكون اليهودي في الثقافة الغربية» الذي يسعى إلى إبراز الدور الذي لعبه اليهود في تاريخ الحضارة الغربية ابتداءً من القرن السابع عشر حتى اليوم. ويبرز الكتاب ضمن هذا الإطار التأثير المتعاظم لدور الجماعات اليهودية في مختلف مناطق أوربا وأميركا الشمالية على مستويات ثقافية مختلفة، متناولًا أعمال عدد من المفكرين والعلماء والمبدعين الذين تركوا أثرًا بالغًا في تطور الحضارة الغربية، وصار جزءًا من نسيجها في الوقت الذي عبرت أعمالهم عن أفكار جماعتهم ورؤاها وهموم وتطلعات الجماعات اليهودية التي ينتمون إليها، ومنهم مفكرون مثل: سبينوزا وماركس ودريدا، وشعراء مثل: هاينه وتسيلان، وروائيون مثل: دزرائيلي وروث، ونقاد مثل: هارولد بلوم، وعلماء مثل: فرويد.
ومثل هذا الكتاب يضع يده على نقطة مهمة في تكوين ثقافة الآخر أولًا، وفي طبيعة الفكر الفلسفي وتكوين المناهج الفكرية عنده ثانيًا، فلا يغدو التعامل مع تلك الأفكار أو نقلها بصورة حرفية أمرًا من السهولة بمكان. هذا الحفر المعرفي والفكري الذي استمر مع «هموم العقل» و«مواجهات السلطة»، و«هجرة المفاهيم: قراءات في تحولات الثقافة» يؤكد الهم المعرفي الذي يحمله المؤلف، كما يؤكد عمق المعرفة وأن وعي الذات لا يمكن أن يكون منفصلًا عن الوعي بالآخر، وأن حصيلة هذين الوعيين هي ما تجعل الفرد قادرًا على المشاركة الحقيقية والفاعلة في الثقافة الإنسانية.
وهنا تأتي الترجمة شيئًا مكملًا لهذا الحفر المعرفي بكل ما فيها من حوار ضمني مع ثقافة الآخر وانفتاح على تجربته في الوقت نفسه. واختيار موضوعات الترجمة وعناوينها عند البازعي يؤكد تكامل التجربة وتنوعها في الوقت نفسه، المثقف المسؤول يحاور ويناقش الإبداع ويحمل رؤيته مشروعًا متكاملًا، ولا يقف عند المعرفة المتخصصة ورفوف المكتبات فقط، بل ينشر الثقافة ويفعل دور المثقفين عبر منابع متنوعة، وهو ما نراه عند البازعي الذي أسس الحلقة النقدية منبرًا تحاول فيه المثقفون والأدباء في قضايا متنوعة، وشارك المختصون وغير المختصين في حلقات نقاش ثرية، إضافة إلى النشر في الصحف والمشاركات المتنوعة في مَنَاحٍ مختلفة. كل ذلك يقول: إن الثقافة عنده ليست خطابًا عارضًا أو كتابة في قضية واحدة بل هي هم وجودي وفعل كينونة ومشروع مستمر قولًا وفعلًا، وهو ما يجعله شخصية ثقافية وفكرية بامتياز.
جسر للتواصل مع الآخر
محمود الضبع – ناقد مصري
يقال: إن شهادة الأصدقاء مجروحة، غير أن الأمر يختلف في حالة الدكتور سعد البازعي، فحين التقينا للمرة الأولى في جلسة بحثية في إحدى دورات الملتقى الدولي للرواية بالقاهرة، وكان يرأس الجلسة آنذاك الراحل الدكتور صلاح فضل، حينها لم يكن الدكتور البازعي غريبًا عني فكريًّا، وإن كنت أخاله قبلها طاعنًا في السن كما تدل عليه كتاباته.
كانت مؤلفاته وترجماته تسبقه في معرفتنا به شخصيًّا، وبخاصة: دليل الناقد الأدبي، وما فيه من عرض لتيارات ومصطلحات النقد الأدبي الحديث، وقد تكررت اللقاءات وفي كل مرة كان لدى الدكتور البازعي إنتاج جديد يمكننا التحدث حوله، لكن ما كان يلفت الانتباه أكثر لمشروعه النقدي هو أمران:
أولهما، توسيعه مفهوم النقد الأدبي ليتجاوز مجرد حدود النصوص الأدبية، ويصبح قراءة في الحياة والمنجز الفكري والثقافي والتطور الحضاري على نحو عام.
وثانيهما، اهتمامه بالآخر، وهو ما تجلى عبر كتب ومؤلفات ودراسات وأبحاث متعددة، منها: مقاربة الآخر (1999م)، واستقبال الآخر: النقد في النقد العربي الحديث (2004م)، والاختلاف الثقافي وثقافة الآخر (2008م)، وغيرها مما لم يتضمن عنوانه مباشرة مفردة الآخر، لكنه يعالج القضية بأشكال متعددة.
كانت تلك هي البداية فقط لجعله يحتل مكانته في عوالم الثقافة والأدب والنقد، وقد استمرت المسيرة لتكشف عن جهود مستمرة وإنتاج يستحق التقدير؛ إذ مما يمكن التوقف أمامه في كتابات الدكتور البازعي بعد ذلك هو رافد آخر له أهميته الراهنة، وهو وقوفه أمام تحولات الثقافة، وبخاصة في المرحلة الأخيرة المتزامنة مع فيروس كورونا- 19، وما يصاحبه من محاولات لقراءة واقع الحياة من حولنا، ودور الثقافة، وأهميتها، ومصير الأدب، وتحولاته، والبحث عن أبعاد الحياة الفلسفية، وعلى رأسها قضايا: المعنى والمفهوم ومحاولة لمّ شتات العالم من حولنا.
سعد البازعي… المفرد المتعدّد

مصلح النجار – ناقد وأكاديمي أردني
عرفت الدكتور سعد البازعيّ معرفتين: واحدةً في التسعينيات، حين اطّلع المثقفون العرب والمهتمّون بالأدب والنقد على موسوعته «دليل الناقد الأدبي» التي أعدّها مع ميجان الرويلي. والأخرى بعد ذلك بعقد من الزمن؛ إذ التقيته في محافل ثقافية عدة، وجمعتنا صداقة، أعتز بها أيما اعتزاز.
في التسعينيات، كانت الثقافة السعودية قد تعمدت تجاوز حدود المملكة، بشكل جماعي، لا على مستوى الأفراد فحسب، لتصل إلى القارئ العربي حيث هو، بعد مرحلة كان ممثلو هذه الثقافة في الخارج قليلين، ممن عاشوا أو درسوا في مصر، أو سوريا، أو ممن صادفناهم في بيروت، أو في زياراتنا إلى دول المغرب العربي العزيز. وكان عدد الأسماء محدودًا، وعلى وجه الخصوص في مجالي الحداثة وشعر الحداثة اللذين أهتم بهما.
ويمر الزمن، لألتقي البازعي في مؤتمر فكري مهتم بشؤون السياسة، ونحن وافدان إلى السياسة من عالم الأدب، والعمل الأكاديمي، ولعل ذلك النسغ الذي اسمه الأدب هو ما جمع النفوس، فوجدنا أنفسنا في الإسكندرية نأتلف في مجموعة من أصحاب الخلفيات الأدبية، وكنا مدعوين إلى مؤتمر تعقده مكتبة الإسكندرية حول الحريات في العالم العربي، وكان البازعي واسطة عقدنا.
ومنذ ذلك الحين ربطتني صداقة بالدكتور سعد، وتكررت لقاءاتنا، وتزاورنا، وما فتئ الرجل يكشف لي، كما يكشف للثقافة العربية، ذلك العمق، وتلك التجربة الثقافية الثرية، التي تأتت للرجل من دراسته في الولايات المتحدة الأميركية، التي أتاحت له أن يقرأ الثقافة الغربية في مظانها الأصلية، وأن يعيش اللحظة الثقافية الغربية بُعيد منتصف سبعينيات القرن العشرين، ومطلع الثمانينيّات، ففهم بعين المراقب الحصيف، ما ينبغي للمثقف الشاب العربي أن يفهم، وكون حالة من التعاطي الأصيل مع الآخر، من موقف المثقف العصري، الذي يفتح صدره، وذراعيه لكل ما يمكن أن يتساوق ومكوناته الثقافية، من دون إقصاء، أو محددات مجتلبة إلى حقل الثقافة. وصار بجهد متواصل، ومؤلفات ثرة ضاربة العمق في الثقافات المقارنة والآداب التي تمثلها، علمًا من أعلام الفكر التي تجاوزت الجغرافيا السعودية والخليجية، لتحضر في الثقافة العربية خارج الخليج، إلى جانب رصيد ثقافي قدمه كل من الأمير الشاعر عبدالله الفيصل، وغازي القصيبي، وحمد الجاسر، وحسن عبدالله القرشي، وعبدالله الغذامي، وعبدالعزيز السبيل والتي يشير حضورها إلى حيوية الثقافة العربية في هذه المرحلة.
انماز البازعي بشخصية بحثية متماسكة، ديدنها الاستقصاء، فنجده يتتبع تحولات المفاهيم خلال عملية تأصيلها، ليتوقف عند محطات مجهولة من المثاقفة الحضارية، أو من عملية التأثر والتأثير ليكشف عن المغالطات التاريخية أو المجهول في الثقافة الذي غيبته الرغبات الاستعمارية أو الأنظمة السياسية الحاكمة، أو حورته لصالح ما، كما يكشف عن الاختلافات التي يعيشها المفهوم نفسه بانتقاله إلى سياقات ثقافية جديدة. لم يركن البازعي إلى واحدية فكرية، بل عاش جملة من الازدواجيات الغنية، فكان بنفسه لحظة اتصال بين الثقافتين العربية والأميركية، كما كان بذاته قِرانا بين اللغتين العربية والإنجليزية، وكذلك وقف على جسر واصل بين عالمي السياسة والأدب. ومن هذا وذاك، ومن تلك القِرانات، ومن فطنة السعودي الذي أحسن استثمار ما أُتيح له من فضاءات ثقافية، قرنها بجدية واضحة، ودأب لا يخفى على ذي بصر؛ صنع البازعي فضاءه المعرفي والثقافي.
ومن ذلك الدأب، أنتج البازعي مجموعة من الدراسات والكتب النفيسة في مجالات الدراسات الثقافية، منذ منتصف التسعينيات، أهمها: «إحالات القصيدة» 1998م، و«مقاربة الآخر» 1999م، و«استقبال الآخر» 2004م، و«أبواب القصيدة» 2004م، و«المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية» 2007م، وقدم للقارئ العربي الثقافة الغربية، والفكر والفلسفة الغربيين في موسوعته «معالم الحداثة»، ثم أهدى المكتبةَ العربية كتابه «هجرة المفاهيم» 2021م، وخرج علينا بسِفره النفيس «مواجهات السلطة» 2018م، مستعرضًا فيه فكرة الهيمنة عبر الثقافتين الغربية والعربية، بتصور كرونولوجيّ واعٍ، ومنطلِق من لحظة إحاطة وفهم عميقين.
وما زالت الثقافة العربية تنتظر من البازعي مزيدًا من النتاجات النوعية التي تضيف للثقافة العربية رصيدًا من الوعي الحضاري، وبعد النظر المجبول بعاملي الخبرة والفطنة.
النقد بما هو مسؤولية حضارية

محمد الحيرش – أكاديمي مغربي
ما من شك في أن ثراء المنجز الفكري والنقدي للدكتور سعد البازعي يضعنا من الوهلة الأولى أمام مطلب إيجاد المداخل المناسبة لرصد توجهاته واستقراء مداراته. إنه منجز واسع ومركَّب يستند إلى برنامج بحثي تتداخل فيه انشغالاتٌ متعددة، وتتشابك فيما بينها إلى الحد الذي يتعذر معه الفصلُ بين ما يعود منها إلى مجال الدراسات الأدبية والفلسفية، وبين ما يعود إلى مجال الدراسات الترجمية والثقافية.
غير أن النواة المعرفية الناظمة التي تتقاطع عندها هذه الانشغالات تستمد مشروعيتَها من الحوافز والإمكانات التي يتسع لها النقد ما بعد الكولونيالي؛ إذ يوظف البازعي هذا النقد في كتاباته، ويستثمر إستراتيجياته على نحو أخص في تقويض العلاقة التراتبية التي تقيمها الذاتُ الغربية مع الآخر، ووضعِ تمثلاتها الاستعلائية المتوارية في الآداب والثقافات موضعَ مساءلة وتفكير. وبذلك كانت طريقةُ تفاعله مع مرجعيات النقد ما بعد الكولونيالي لافتة؛ لأنه لم يشتغل به كما لو أنه عبارة عن أطروحة نقدية جاهزة يتعين الدفاعُ عنها والنضال من أجلها ضد أطروحات أخرى أقل وجاهة وكفاية، أو كما لو أنه عبارة عن نزعة «فكرية» ناجزة تغري بالاعتناق والتعميم. ما يلفت الانتباه حقًّا في عمل البازعي أن الحس النقدي تغلب على الحس النضالي؛ لذلك نجده يختار الاشتباك النقدي الهادئ مع أعمق النقاشات الدائرة في الفكر الكوني المعاصر بين أقطاب الدراسات اللاكولونيالية، وينخرط بوعي حضاري في محاورة وعودها النظرية، وفحصِ مرتكزاتها الفلسفية. وهو الأمر الذي مكَّنه من اتخاذ المسافة الإبيستيمولوجية الضرورية التي بقدر ما أتاحت له التعمُّقَ في طبيعة التحولات المعرفية الناجمة عن انتقال المفاهيم من تربة ثقافية إلى أخرى، سمحت له أيضًا بتهذيب هذه المفاهيم وتبيِئة تداولها في سياقاتنا العربية بصيغة منتِجةٍ وفعالة.
لا يتردد البازعي في القول بأن اهتمامه بالآداب الأجنبية وبنصوصها الكبرى لا يتوقف عند حدود الاستفادة منها أو مقارنتها بنصوص الآداب العربية؛ إنه اهتمام من أجل التعرف إلى الحضارة الغربية، وفهمِ جذورها بنحو تنجلي معه المنازعُ المركزية التي تستتر فيها، وتتكشَّف فيه مظاهرُ الهيمنة والاستعلاء الثقافي التي تتخفّى داخلها. ولذلك نجده يتوسل بجملة من المفهومات التي تساعده على ذلك كمفهوم الخطاب بالمعنى الذي أصَّله ميشيل فوكو، ومفهوم الآخر بالمعنى الذي طوره إدوارد سعيد.
ومن ثم فلئن جاز لنا في حدود هذا المقام إطلاق وصف جامع على منجز الأستاذ سعد البازعي، فإنه يمثل واحدًا من أبرز المنجزات الفكرية والنقدية العربية؛ إذ ما إنْ نبدأ في قراءته وتتبُّع الخيط الناظم لانشغالاته حتى تجذبنا رصانتُه، وتحملنا على الإصغاءِ الجيد إليه وتقديرِ انشغالاته واجتهاداته.
«كتب وإشكالات»
إستبرق أحمد – كاتبة كويتية
في فوضى إدراك الكنه الواضح لبعض المصطلحات النقدية في بدايات الكتابة الأدبية لدي، أشارت صديقة إلى كتاب يتتبع خلفية بعض المصطلحات النقدية ومفاهيمها. كان كتابًا لاحق بنسخته الأولى 30 مصطلحًا، وفي الثانية عالجت المزيد، واستقرت النسخة الأخيرة عام 2002م على 70 مصطلحًا، فكانت النصيحة تتناول هذه النسخة بالذات، التي أتت لتبعد صعوبة استيعاب بعض الكتب النقدية التي كنت أتعثر بها بموضوعاتها في ظل ازدحامها بلغة أكاديمية ثقيلة أو استعراضية في إحالاتها الدسمة. فكان كتاب «دليل الناقد الأدبي» المنقذ؛ حيث سلاسة الجملة وغناها بالمعلومات. إصدار مشترك واضح دأب الباحثين الدكتور ميجان الرويلي والدكتور سعد البازعي فيه. كتاب مساند لكل من يرغب في إضاءة أسئلته بإجابات ضافية تنحو إلى العلوم الإنسانية في تتبع المفهوم. كانت هذه اللحظة بداية تعرفي إلى اسم الدكتور سعد البازعي، أما تعرفي الآخر فكان عبر كتاب عن الحداثة لدكتور آخر عاصر البازعي وله علمه ورأيه هو الدكتور عبدالله الغذامي، وكلاهما نثق أنه قامة مشغولة بمشروعها، وإن اختلفت الطريقة والمسارات بين نقد أدبي وآخر ثقافي وكيفية معالجتهما لموضوعات مهمة، فيبقى الاحترام قائمًا لهما دون تقديس أحدهما.
في كتب البازعي، الذي اختير شخصية معرض الكويت للكتاب الدولي، نرى أسباب اختياره؛ فهو شخصية دون شك متعددة المنجز له محاولاته الدؤوبة كناقد، مفكر ومترجم فاحص لأسئلته والاشتباك مع أسئلة وآراء أخرى ربما كانت مغايرة أو حتى على الضد معه. يظهر ذلك منعكسًا في خوضه مجالات مختلفة من مقاربة للنتاج الشعري والبيئة والسينما والرواية حتى أدب الجائحة وغير ذلك، حاملًا ميزة مهمة كونه مترجمًا يواكب الآخر في الدراسات الطازجة، منزويًا في مكتباته، مطلعًا، مزيحًا المكرس، الثابت، متجهًا ومترصدًا الجديد، ومحاولًا تقديم أطروحاته، فيما يدنو يعاين ويخاطر، كما نرى مثال ذلك كتابه «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» الذي حلل ذلك المكون ومرجعيته وانفتاحه وتناميه كأقلية وتأثيره الكبير في المكون الغربي، متناولًا أسماء كانت إشكالية حتى في مجتمعاتها اليهودية، ومتعاونًا مع أسماء لها ثقلها منها عبدالوهاب المسيري مستخلصًا رأيه الخاص.
كما نرى الدكتور البازعي لا يتمركز في الجامعة وبحوثها فحسب، وإنما يخرج عن إطارها فيصبح مثلًا رئيسًا للنادي الأدبي بالرياض وعضوًا في حلقة الرياض الفلسفية ومشاركًا بأوراق في حلقتها أو مقدمًا كتابها «أوراق فلسفية» الحاوي لأوراق لباحثين آخرين. هذا النشاط في مواقع مختلفة، وهذه الاستمرارية وتشجيع مشروعات أخرى كمشرف على رسائل دكتوراه أو عضو فاعل، دون ركون لكسل الباحثين واستسهالهم وغرقهم بالمكرر، هي إضافة مهمة تمتاز بها أسماء قلّة، تدرك مخاضات الأدب والثقافة متطورة ومتورطة بالمسائلة الدائمة للأفكار، أحد أمثلة ذلك كتاب بعنوان «قلق المعرفة- إشكاليات فكرية وثقافية»، وغير ذلك من كتب جاوزت عشرين كتابًا لها أهميتها البارزة.
بواسطة أنطونيو باتشيكو - باحث إسباني - ترجمة: أحمد عبداللطيف - مترجم مصري | يناير 1, 2024 | فيلوسوفيا
هل انتهى زمن ابن رشد؟ هل تجاوز الزمن أفكاره؟ تبدو أن الإجابة: لا، فلا تزال أفكار ابن رشد مطروحة في الجامعات الغربية، ولا تزال شروحاته للمعلم الأول، أرسطو، هي المرجعية الأولى لدارسي الفلسفة اليونانية الكلاسيكية. لكن الأهم من ذلك، أننا في العالم العربي لا نزال في حاجة إلى قراءته وفهمه، وتحليل منهجه العقلاني والتعاطي معه. هنا لن نكتفي بوجهة نظرنا، وإنما نستعرض وجهة النظر الغربية، بالتحديد الإسبانية، حيث ولد وعاش. هنا يمكننا قراءة فصل من كتاب «ابن رشد: سيرة فكرية» للمستعرب الإسباني أنطونيو باتشيكو، المتخصص في الدراسات الإسلامية.
المترجم
حول الأخلاق
في عام 1175م، كان لدى ابن رشد مشروع للكتابة عن المعقولات، وبدءًا من ذلك العام، يمكن الحديث عن ملخصاته: واحد عن البلاغة، بتاريخ 26 يوليو، والآخر عن الشعر، في ديسمبر من العام نفسه، وكلاهما لأعمال أرسطية. على ما يبدو، تدفق تأمل الفيلسوف في مسائل تتعلق بذاتية الإنسان ونشاطه الأخلاقي وواجباته ككيان اجتماعي، وهي قضايا تمثل جزءًا من نظام أيديولوجي، نظام الموحدين، يحث على الجوانب المتعلقة ببواطن الضمائر. على رغم استمرار الإمبراطورية في إظهار قوتها السياسية الاقتصادية.
في الوقت نفسه تقريبًا، تكونت الجنسيات في الممالك المسيحية، حيث كان ألفونسو الثامن ملك قشتالة (1162-1196م) هو الملك الذي من شأنه أن يوسع حدود شبه الجزيرة المسيحية وسيمثل أكبر تهديد مباشر للموحدين في الأندلس. وفي عام 1177م، استولى ألفونسو الثامن على كوينكا واحتل حوض نهر جواديانا بأكمله حتى الحدود البرتغالية الحالية، إضافة إلى الحوض العلوي لنهر خوكار.
من ناحية أخرى، منذ نهاية القرن السابق، سادت روح الحروب الصليبية في أغلب أنحاء أوربا الحالية، ورُبِطَ القتال ضد المسلمين الإسبان بالحروب الصليبية في الشرق، التي أعلنها مجلس لا تيران في عام 1123م. تزامن أهم هذه الحروب في شبه الجزيرة مع الحرب الثانية في الشرق عام 1147م، بحيث دخلت مجموعة كبيرة من الصليبيين شبه الجزيرة واحتلت ألميرية ولشبونة. شارك العديد من الجنويين والإنجليز في حصار هذه المدن التي استولت مع الجيوش المسيحية بشبه الجزيرة على مدينة ألميرية في ذلك العام، رغم أنها عادت إلى الحكم الإسلامي بعد عشر سنوات.
في 4 مايو 1177م، أكمل ابن رشد ملخصه عن «الأخلاق إلى نيقوماخوس» لأرسطو، وبهذا نصل إلى هذا المجال المتعلق بالفلسفة العملية التي بالنسبة لأرسطو تنعكس في الاستنتاجات العملية المستمدة من نظريته الميتافيزيقية والكونية. تركز الأخلاق الأرسطية على الأخلاق إلى أوديموس، الأخلاق إلى نيقوماخوس، الأخلاق الكبرى. أيضًا، في جزء من بلاغته وفي أطروحة موجزة عن الفضائل والرذائل. تشير عناوين أول عملين من الأعمال المذكورة، الأول إلى أوديموس، وهو صديق عظيم لأرسطو، وإلى نيقوماخوس، ابنه من زوجته الثانية هيربيليس.

أنطونيو باتشيكو
في فكر أرسطو، العلاقة الوثيقة والحميمة بين الوجود والخير واضحة: العديد من الخيرات المعينة الموزعة عن طريق القياس تتوافق مع تعدد الكائن. كل كائن يتوافق مع مصلحته، وهو تحقيق الكمال الخاص به. جميع الكائنات، المكونة من الفعل والقوة، من الصورة والمادة، مقدر لها بطبيعتها تحقيق درجة الكمال التي تتوافق معها على مقياسها وتعتمد تلك الدرجة على مبادئ كل منها الواردة في الصورة.
على عكس أفلاطون الذي يَعُدّ الخير فكرة أبدية وغير قابلة للتغيير، يقترح أرسطو خيرًا جزئيًّا لكل درجة من درجات الوجود: خير المواد السماوية والبشر، وخير الكائنات الحية وحاملة الأخرى: الحيوانات والخضروات والمعادن.
النسبية التي يتعامل بها أرسطو مع المفاهيم الأخلاقية، تحدده بالبحث فيما هو الخير والكمال والسعادة التي تتوافق مع الإنسان ليتناغم معها التوجه العملي لسلوكه. في هذا الصدد، يوضح الفيلسوف اليوناني أن الخير المناسب لكل كائن عامةً، وللإنسان خاصةً، تحدده إمكانيات طبيعته. بصرف النظر عن هذا المبدأ، كما يقول في «الأخلاق إلى نيقوماخوس»: «يمكننا حتى أن نرغب في أشياء مستحيلة، مثل الخلود».
بحكم طبيعتها، وفقًا لأرسطو، فجميع الأعمال البشرية موجهة نحو تحقيق خير ما، وعلى هذه الغاية تتوقف المتعة والسعادة: «يبدو أن كل فن، وكل طريقة، وكذلك كل اختيار، يرغب في بعض الخير. لهذا السبب عرّف القدماء الخير على أنه ما يشتهيه كل شيء»((أرسطو، الأخلاق إلى نيقوماخوس، الكتاب الأول، الباب الثاني.)).
بشكل عام، يتبع ابن رشد الخطوط الموضحة في هذه الأطروحات، على الرغم من أن لحظته التاريخية والاجتماعية مختلفة تمامًا عن لحظة أرسطو، ولهذا السبب، في تعليقه على «الأخلاق» للمعلم الأول، أكد الجوانبَ ذات العلاقة بـتحقيق الخير الأعلى في كنف مدينة، أي في المدينة المثالية الموحدية كما تصورها. من الواضح أن الأخلاق والسياسة، في رؤيته للعالم، كما لدى أرسطو بالدرجة نفسها، مجالان مفاهيميان مترابطان بشكل وثيق، حيث الأولى تشكّل الجانب النظري للسياسة الواقعية، والثانية ما يتعلق بالجانب العملي أو الحكومة السياسية، أو المدينة. ومن ثم، تبدو الأخلاق تحضيرًا وتمهيدًا للسياسة، وهذا هو الفارق الدقيق الأساسي الذي يمكن ملاحظته في عمل ابن رشد، ويتجلى في التلميح الذي قدّمه عن الطب عندما تحدث عن أنه ساهم فيه بمساهمات نظرية وعملية ذات أهمية، وكلاهما مرتبط ارتباطًا وثيقًا.
أمّا ابن رشد، فالجانب النظري للسياسة يعني له ضمنًا النظر في معرفة تهدف إلى تحقيق سعادة المواطن، وعلى الرغم من رؤيته العامة للواقع، فالسعادة الأكثر أصالة والأنبل هي تلك المستمدة من إنجازات العقل. لقد رأى، في تعليقه الأخلاقي، أنه يفضل إظهار نوع السعادة التي يمكن لأكبر عدد من الناس الوصول إليها. هذا التكريس لشرح الجوانب العملية للأخلاق التي تُفهم على أنها أخلاق المواطن وكذلك الحاكم، يرتبط ارتباطًا مباشرًا، من ناحية أخرى، بتصنيفه لقدرات عقول المختارين والجمهور المشار إليها سابقًا.
في عمل أرسطو، ثمة إشارة ملحوظة للعدالة كأساس لكل عمل أخلاقي، وفي الوقت نفسه، كإطار يجب أن تحقق فيه هذه الأخلاق أهدافها. إذا كانت الأخلاق تشير مباشرة إلى الفضائل، فإن أعلاها، بالنسبة إلى أرسطو، هي العدالة، وهو ما يُدخل التناغم في الجسد الاجتماعي، ويخصص لكل عنصر من العناصر التي تشكله المكان الذي يتوافق مع الطبيعة.
العدالة إذن هي أساس نظام الكون بأسره، ومن الواضح أن عالم البشر يجب أن يوجه جميع أنشطته نحو تحقيق تلك الفضيلة النبيلة: «عدالة واحدة تحتوي على كل الفضائل»، كما يقول الفيلسوف اليوناني في الفصل الخامس من كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس». ومع ذلك، يتابع: إن اعتبارًا منفردًا لهذه الفضيلة لن يكون له أي معنى، وبالتالي، من الضروري الإشارة إلى عدالة الإنسان ككائن اجتماعي، أي إلى ما يمكن أن نسميه العدالة السياسية والمدنية.
والعدالة، في جانبها العملي، تشير مباشرةً إلى القانون وهذا، من وجهة نظر أخرى، يمكن اعتباره طبيعيًّا أو قانونًا محضًا. يقول أرسطو في هذا الصدد: إن «جزءًا من القانون السياسي من أصل طبيعي والآخر قانوني محض. فما هو طبيعي إنما هو هذا الذي له قوته حيثما كان، وليس تابعًا البتة للقوانين التي يصدرها الناس لمعنى أو لمعنى آخر؛ وما هو قانوني محض هو ذلك الذي يمكن مبدئيًّا أن يقع على صورة أو أخرى مضادة لها بلا فرق وعلى سواء. غير أنه تزول عنه هذه السوائية متى نصه القانون. مثال ذلك أن القانون يأمر بحمل فدية الأسرى أو أن تذبح معزة لزيوس لا نعجتين. وعلى هذا النحو جميع النصوص الخاصة بالأفراد، فللقانون أن يأمر بتقريب القربان إلى برازيديس. وذلك هو الشأن في كل ما توجبه الأوامر العالية الخاصة (…)((المصدر نفسه، الكتاب الخامس، الباب السابع. ملحوظة: اعتمدنا هنا ترجمة أحمد لطفي السيد، مع اختلاف أنه ترجمها «لا نعجة». (المترجم).))».
يشارك ابن رشد في هذه الأفكار، بل يقبل أن أرسطو يقترح التضحية كجزء من الجانب التقليدي للعدالة، على الرغم من أنه بعيد من اعتبار أن القانون الطبيعي له أي علاقة بعدالة الآلهة، كما يؤكد ضمنيًّا النص الأرسطي.
ما يهم فيلسوف قرطبة هو الرؤية العامة التي يقدمها الفيلسوف اليوناني للقانون، وبناءً عليها، يطبق ما تقدمه عمومياته باعتبارها قابلة للفهم والتطبيق في مجتمع عصره، أي المجتمع الموحدي. مع ذلك، فالتصحيحات التي أجراها على النص الأرسطي في هذا الصدد، وبخاصة تلك المتعلقة بأساسه الديني، يشير فيها إلى أنه يرفض فكرة أرسطو. وهكذا، عندما يتحدث أرسطو عن العدالة كشيء بشري في الأساس مقارنة بالآلهة التي تعتبر فكرة الإنسان عن العدالة غريبة عنهم، فإن ابن رشد يطرح القضية من منظور مؤمن بأن العدل الإلهي، ومصيره هو سلوك الإنسان، يستمر إلى درجة لا تشكل أسسها القانونية والتشريعية الشغل الشاغل للإنسان. إن نطاق هذه العدالة وحدودها مذكورة صراحة في القرآن الكريم. من جهة، الله هو المشرّع الأعلى الذي يشرّع بإنصاف ويفعل ذلك عن طريق الأحكام المتعلقة بمختلف جوانب المجتمع: توزيع الميراث، ومعاملة الأيتام والأرامل، عقوبات السارق والزاني وسلسلة كاملة من الأحكام التشريعية التي نزلت مباشرةً وظهرت على هذا النحو في السور القرآنية. وكقاعدة عامة لهم جميعًا، ما حدده المشرّع في الآية الثامنة من سورة المائدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
في الرسالة الحاسمة المؤرخة في عام 1179م التي سنتحدث عنها على نطاق أوسع لاحقًا، يحاول ابن رشد إفهام معاصريه، كما فعل هو نفسه، رؤية عالم المفكرين اليونانيين، مع التنبيه أن رؤية اليونان للعالم مختلفة تمامًا عن الإسلام، ولهذا السبب لا مكان للتأكيدات ذات الطابع العقائدي أو الديني للأول في الثانية؛ لذلك، يجب فهم الدعم الذي تقدمه الأخلاق الأرسطية، في عمل الفيلسوف القرطبي، في جانبه النظري والتأسيسي للمفاهيم السياسية المجسدة في مجتمعه. المجتمع الذي، من ناحية أخرى، يجد وسائل الكمال الأخلاقي الخاص به في سياق سياسة عادلة يجب تحليلها في مجال الأخلاق العملية. سيكرس ابن رشد نفسه لهذه الدراسة في تعليقه على الجمهورية لأفلاطون.
أزلية العالم
إن محتوى تأمل مفكري القرن الثاني عشر، سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي، يحدده إلى حد كبير خلفية دينية تغذي وتملأ تفرغهم الفكري وتطلعاتهم الروحية. في الغرب، من ينتمون إلى الدرجة الدينية، وبخاصة الأوغسطينيون والدومينيكيون والفرنسيسكان، هم من لديهم إمكانية الوصول إلى الأفق الواسع للافتراضات الفلسفية التي، بدءًا من ذلك القرن، ستزداد عمقًا واتساعًا بفضل مساهمة الترجمات. في الإسلام، وُلد التيار العقلاني وكل ما تفرع عنه وتميز به من وجهات نظر، تحت ضغط الحاجة المُلِحّة لتأويل محتوى النص المنزّل.
مع ابن رشد، يبدو أن الفكر الإسلامي قد وصل إلى الإنجاز الكلي لكل هذه الجهود النظرية. إذا وضعنا في تاريخ الفكر الإسلامي فيلسوف قرطبة في قمة تمثيل نوع معين من العقلانية، وجعله نموذجًا لاعتبار جزئي وضيق فيما يتعلق بإعمال العقل، فإن فهم عمله كان مختزلًا. ومع ذلك، إذا فكرنا في هذا العمل باعتباره تأملًا لما سيحدده كانط في أفكاره الثلاثة: الله والروح والعالم، فإننا نقترب أكثر من فهم أكثر ملاءمة لما اعتقده وكتبه ابن رشد حقًّا.
كل هذا يقودنا إلى اعتبار عمله نصًّا يمكن من خلاله فهم مرحلة كاملة من الفكر الإسلامي دون الحاجة إلى اللجوء إلى إعادة بناء الأفكار الفلسفية قبل تلك المرحلة نفسها، بل إنها حاضرة وتغدو حديثة ضمن النص نفسه الذي فهمه ولخصه وقدّم له نظرة كونية ذات طبيعة كلية.
إن فلسفة ابن رشد، التي ولدت من رحم ذاتية شخصية وراحت إلى الكلية، تدين لذاتيات أخرى كانت شخصية في زمنها: الذاتية الأرسطية وذاتية معلقيه من جهة، وذاتية المفكرين المسلمين الشرقيين والغربيين الكبار قبله. لقد أتاح التوليف التكاملي لابن رشد صعودًا تأمليًّا انطلق من حقائق ملموسة محددة إلى قمم نظرية، وبالتالي، فالمعمار الهندسي لفكره استفاد من امتيازات كل مجال من مجالات المعرفة، اللاهوتية والنفسية والكونية، وربطها بتأمل كلي أطرافه الإنسان وخالقه.
يبدو أن أغلب فلاسفة العالم العربي والإسلامي، بما فيهم ابن رشد، شعروا بأن الإغريق قد فلسفوا العالم من الخارج، وأنهم جاؤوا ليكملوا هذا التحليل، وكانت النتيجة نتاجًا فكريًّا التزم بالنص المنزّل. من الواضح أنه من هذا الطموح نشأت معضلات وأزمات لم تظهر في البداية؛ لكون واحدة منها مرتبطة بأزلية العالم. هذا السؤال، الذي أثار بالفعل شكوك ابن رشد ومخاوفه عندما طرحه الخليفة الموحدي، لم يخل من حضور دائم في أفكاره، وحيث إن وضعه في القضاء أصبح أكثر صلابة، حاول معالجته في واحد من أعماله.
عن مادة السماء
في 1178م، ومن خلال تلميحات واستنتاجات نصية ذات ترتيب زمني، كتب ابن رشد أطروحة موجزة لا توجد منها مخطوطة عربية معروفة، لكنه تحدث فيها عن خلود أو أزلية العالم ككل. كان العنوان العربي، الذي أعيد بناؤه بهذه اللغة، يُقرأ على أنه مقالة في شهور الفلك. عنوانه اللاتيني، الذي يُعرف به هذا العمل بشكل عام، هو Sermo de Substantia Orbis((يمكن ترجمة هذا العنوان بـ«مقالة في جوهر العالم» (المترجم).)) وتشير البيانات القابلة للاستنتاج من تحقيقه إلى أن ابن رشد عاش في مراكش في ذلك الوقت. حظي هذا العمل بالعديد من التعليقات، أقدمها وأشهرها لألبارو دي توليدو، ويرجع تاريخه إلى السنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر. كما علّق عليه مفكرون يهود مثل ليفي بن جيرسون (ت: 1344م) وموسى الناربوني (ت: 1349م). وبدايةً من القرنين الخامس والسادس عشر، اطلعنا على تعليقات ممثلي ما يسمى بالرشدية اللاتينية.
يجدر التساؤل عن شعبية هذا الكتاب بين الفلاسفة اليهود وفلاسفة الغرب اللاتيني، ويرد أحد الباحثين المشهورين في تاريخ الأفكار الكونية على هذا: «إن Sermo de Substantia Orbis كتاب جميل، وبالتالي، فإن الإعجاب الذي عبّر عنه المدرسون اللاتينيون مفهوم تمامًا؛ لتماسك فكره، وترتيب استنتاجاته، ووضوح صياغاته وإيجازها، ينافس ابن رشد أرسطو. لقد استخدم في طرحه أكثر الطرق منطقية وتناغمًا لتلك المستعرضة في الميتافيزيقا. من ناحية أخرى، لم يكن لمؤلفها أي نية سوى توضيح واستكمال ما كشفه معلمه، ويصرح بذلك في نهاية الفصل الأول من كتابه: لقد حاولنا في هذا الخطاب أن نوضح ما هو جوهر الجنة وما قلناه فيه يتوافق مع ما أظهره أرسطو في أعماله والنتائج التي انعكست فيها»((P, Dauhem, Le systéme de Monde, 15, Paris, 1916, p 534.)).
في «مقالة في الفلك»، يفكك ابن رشد البنية التي صاغها الفارابي وابن سينا حول الأجرام السماوية ومحركاتها، وفي الوقت نفسه، يكمل الجوانب التي كشفها أرسطو بطريقة موجزة جدًّا؛ لأنه تعامل إلى حد أكبر مع تناول الكائنات دون القمرية، والقابلة للفساد والمولدة. في عمله، ينحدر ابن رشد من منهجية منطقية تبدأ من تقدير المادة الخام الأرسطية.
وفقًا لأرسطو، فمفهوم المادة، كقوة خالصة في النظام الهيولاني، يشير إلى طبقة أساسية أبدية وكلية تأتي منها جميع الأجسام. تضاف إلى هذه الفكرة فكرة الشكل الجوهري بالنسبة للهيولى وهو ذو واقع إيجابي، رغم أنه لا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه، ولكنه متحد مع مبدأ مشترك جوهري هو مبدأ الصورة التي تتمثل وظيفتها في تحديد المادة وتحديثها.
المادة الأولى تقع في أصغر درجة من سلم الواقع. هذه المادة، في حال كونها شيئًا غير محدد في الفعل، تتصف بقوة أن تكون كل شيء: «نقول: إن هناك مادة من أجسام محسوسة، لكنها غير منفصلة أبدًا، ولا توجد أبدًا بدون بعض الصور المعاكسة، التي ينطلق منها ما يسمى بالعناصر»((أرسطو، الميتافيزيقا، الكتاب السابع، 10، 1036، 8.)).
هذه المادة التي لا يمكن معرفتها في حد ذاتها ولا تدركها الحواس، موجودة وتُصَوَّر من طريق القياس على تغيرات تحدث في نظام المادة المحسوسة، المادة الثانية. بنفس طريقة نحات يستطيع استخراج العديد من الأشياء المختلفة من كتلة من الرخام، تحت كل التحولات الجوهرية للعالم المادي، يجب أن يكون هناك أيضًا شيء مشترك، من دون تحديد، من المحتمل أن يكون قادرًا على تلقي أكثر الأشكال تنوعًا بعمل السبب الفعال.
وبهذه الطريقة، فالمادة الأولى، وفقًا لأرسطو، لها الخصائص التالية: أنها مفهومة، حيث يمكن إدراكها من خلال العقل؛ أنها غير قابلة للفساد؛ لأن كل شيء يخرج منها وكل شيء يذوب فيها، وأنها غير محدودة وغير معرّفة، وهي صفة أيضًا شائعة ومطابقة لجميع المواد المادية للعالم الأرضي، إضافة إلى الموضوع الأول والأخير لجميع الأجيال والفساد الكبير في ذلك العالم.
في الفكر الأفلاطوني الجديد، كما قلنا، هذه المادة الأولية أو المادة الخام الأرسطية هي العدم، اللاوجود؛ لذلك، لا يمكن التكهن بطبيعتها لأنها غير موجودة. وفي الفكر الإسلامي، يلمح الفارابي، مثل ابن سينا، إلى مادة أولية مشتركة بين جميع العناصر. الأول يقول: إن للأجرام السماوية، إلى جانب العناصر الأربعة، خاصية مشتركة، فهي تتكون من مادة وصورة. مع ذلك، فإن «موضوع الكرات والأجرام السماوية يختلف عن مسألة العناصر الأربعة والأشياء القابلة للفساد. من جانبهم، فإن الأجرام السماوية لها صور مختلفة فيما يتعلق بالأجسام الأخرى، رغم أنها تشاركها في الجسدية، وبالتالي، في الأبعاد الثلاثة الموجودة في جميع الأجسام»((عبدالرحمن بدوي مستشهدًا بـ«دوهيم»، ص 817.)).
بالفعل في التعليق الأوسط على الميتافيزيقا الأرسطية، انتقد ابن رشد هذه المفاهيم حول المادة الأولى، وعلى وجه التحديد أطروحة ابن سينا، كما جادل في مقالة في الفلك، أن المادة الأولية ليس لها أبعاد: «يفترض ابن سينا أن التصرف في الأبعاد الثلاثة غير المحددة قد تم تحديده. لهذا السبب، يفترض أنه في المادة الأولى يجب بالضرورة أن يكون هناك صورة أولى قبل أن تشكل الأبعاد جزءًا منه»((دوهيم يستشهد بابن رشد، ص 547.)).
لا تتكوّن الأجرام السماوية ومحيطها الذي يحتويها من مادة يمكن تقسيمها وبطريقة تمنحها أبعادًا معينة. لا يخضع الجرم السماوي، مثل الجسد الأرضي، للتوليد والفساد، وبالتالي لا علاقة له بمركب المادة والصورة. إنه كيان بسيط، من دون إمكانية التقسيم في العمل. يقول ابن رشد في هذا الصدد: «في الجسد دون القمري، الهيولى شيء يكون وجوده محتملًا ولا توجد صورة مستقلة عن الهيولى. في الواحد السماوي، على العكس، الهيولى ليس شيئًا موجودًا بالقوة. إنه الدعم، موضوع الصورة، لكن ليس كاحتمالية بل كحقيقة. الصورة، في هذه الحالة، موجودة بشكل مستقل عن الهيولى، وبالتالي، فإن وظيفته ليست جعل الفعل ينتقل إلى مادته المقابلة. نحن نتحدث عن الأجرام عندما نشير إلى الأجرام السماوية والقمرية، ولكن هذا فقط من خلال الاصطلاح اللغوي. تختلف طبيعتا كليهما اختلافًا جوهريًّا»((المصدر نفسه، ص 547.)).
بواسطة الفيصل | يناير 1, 2024 | كاريكاتير