أحبُّ اسمكِ

أحبُّ اسمكِ

إلى ريتا طبعًا

أبواب

قال أبي:

ابق جالسًا ولا تتحرك سأعود بعد قليل،

كانت سيارة حسينو واقفة أمام صيدلية الاستقامة وجان كارات

مشغول بتخطيط لوحة إعلانية كبيرة، ورائحة الكباب تملأ المكان، على الأرجح رائحة كباب مطعم دمشق القريب.

بقيت في مكاني، عاد أبي بسرعة ركضت لأساعده كان يسير

بصعوبة يحمل في يديه أشياء.. كثيرة كيس شاي سيلاني

وكيس سكر وعلب سردين، علبة سمنة تركية ماركة أڤت وكيس من التبغ الكردي المهرب والممنوع.

لفافته تتحرك بين شفتيه دون أن تسقط

وماذا سنفعل الآن يا أبي؟

سننتظر حتى يأتي حسينو وجميع الركاب وبعدها نعود إلى كرصور.

متعتي الوحيدة أن أتمسك بأبي وهو يجلس القرفصاء في السيارة وأتأمل بيوت القامشلي التي لا تشبه بيوتنا الطينية الجميلة وأبوابها مغلقة

بينما تظل أبواب بيوتنا مفتوحة دائمًا.

أحلام

لم نكره الصيف والغبار يومًا ولا الذباب ولا الشمس الحارقة ولا الأفاعي والعقارب.

لم نكره المياه الملوثة ولا المدن الجميلة والبعيدة ولا البيوت

النظيفة والأسرّة الفارهة والفاخرة.

في أواخر الخريف ندوّن أحلامنا بالأصابع على التراب الناعم الذي تتركه سيارات المزارعين الأغنياء خلفها.. طحين، برغل، دفاتر مدرسية، زيت، معكرونة، رز، شاي، حبوب للصداع، مالوكسان للمعدة، تحاميل تاميرين للأطفال، والكثير من التبغ الحموي وورق الشام.

كانت أحلامنا بسيطة أن نسمع دوي محركات حصادات الجوندير الخضراء بين حقول القمح في كل صيف ونراقب القطا وهي تحلق عاليًا في السماء.

كتابة

أنا لا أكتب

بل أدوّن أحلام حقول القمح

ورغبات أشجار اللوز

ونظرات الأرانب البرية

في براري كرصور.

انا لا أكتب

بل أدوّن صرخة الباب

حين حملت حقيبتي

وخرجت.

ريتا

أحب هذا الاسم

ريتا

وأبحث عنه

في قصائد محمود درويش القديمة

أحب هذا الاسم

الجميل والواضح

مثل وشم بدوي

أحبُّ اسمكِ

أحبُّ أن أنادي عليك.

دمعة

سنتذكرها

كلما نظرنا نحو الجبال البعيدة

نحو الأشجار التي تبكي

دون أن تمسح الريح

دموعها.

شاعر في حلب

هذه الصورة الجديدة

هي الصورة القديمة

تغيّرت ملامحه

ولم تتغير أناقته

وسيجارته

وفنجان قهوته

والمشهد الجميل أمامه

عبر زجاج المقهى

ساحة سعد الله الجابري

بيت قديم في الجميلية

شجرة سرو في الحديقة العامة

وكتاب لأمجد ناصر على الطاولة

لم تتغير الصورة كثيرًا

فقط قد تسمع صوت انفجار بعيد

ربما في سريان القديمة

أو في الأشرفية

وأنت تتأمل الصورة

مرة أخرى.

قمح

رائحة القمح في أكياس الخيش التي كنت أحملها على ظهري تحت شمس القامشلي الحارقة، كانت تختلط برائحة المرأة البعيدة وظلال حصادة الجوندير. أنت لا تعرف القمح إذا لم تكن قد حملته على ظهرك مثل طفلك.

حين كنّا بشرًا

قبل أن تصل الكهرباء

قبل أن نعرف الكوليسترول والسكري

قبل أن نشتري المراوح الكهربائية وتلفزيونات سيرونيكس وبرادات بردى

قبل منتجات ماجي وكنور

حين كنا نأكل حين نجوع

ونركض حين نفرح

ونغني في البراري

ونفرح لأسباب تافهة جدًّا

قبل ظهور نحاس ستور

حين كنا نركب باصات الهوب هوب

ونأخذ معنا أكلنا وشاينا وتبغنا في طريقنا الطويلة إلى حلب أو الشام

والأطفال كانوا لا يكبرون بسرعة مثل اليوم

ويموتون بسرعة أيضًا

قبل كل ذلك

كنا بشرًا

نبكي حين نودع ضيفًا عزيزًا

ونحمل حقيبته

ولم يكن ينظر إلينا

كي لا نرى دموع الرجال.

حب

نظرتُ خلفكِ طويلًا

مثل سوري عبر الحدود

والتفت نحو بيته.

شال

شالكِ

الذي وجدته في حقيبتي

شالكِ

الذي يواسي وحدة ثيابي.

شعر

كلما لمست ريتا كلمةً

صارت قصيدة.

فمكِ الذي لا ينام

لأن اسمي ظل واقفًا

لا يصل

ولا يعود

حين مضيت.

لا بد من طريقة

للنسيان

دون أن نجرح

الذكرى.

محمد علي لقمان.. الذات والمدينة والريادة المنسية

محمد علي لقمان.. الذات والمدينة والريادة المنسية

في أقصى نقطة من جنوب الجزيرة العربية، حيث مدينة عدن التي كانت البوابة البحرية المشرعة على العالم الخارجي بمختلف اتجاهاته، وتحديدًا منذ بدايات النصف الأول من القرن الماضي، بعد أن كان للبحر معها أكثر من لقاء في صياغة وعيها المديني وحداثتها النابتة من عمق التاريخ وغزواته وتراجيدياته، في هذه المدينة كان محمد علي لقمان المحامي يعد اختزالًا منطقيًّا لتماهي الذات والمدينة، فلا يمكن تصور الحالة المدينية التي شهدتها عدن وقتئذ، بعيدًا من أسماء مؤثرة في تاريخها الفكري والثقافي، وفي طليعتهم محمد علي لقمان المحامي، رائد حركتها التنويرية الصاعدة، بما نادى به من أفكار ودعوات كانت طليعية وقتئذ، وأقرب إلى مبادئ الليبرالية، وقد امتد أثره إلى خارج حدودها الجغرافية، مثلما كان يمتد أثرها إلى أبعد من محيطها الإقليمي، بوصفها مدينة ميناء كوزموبوليتانية تعبر إلى أطراف العالم وثقافاته مع كل عبور سفينة إليها، في اتصال تاريخي استثنائي. وقد مثل كل منهما: لقمان وعدن مشروع حداثة مجهضة وريادة منسية، وهو ما يستدعي المزيد من التأمل في خطاب الذات والمدينة. وتداخل سيرة الذات بسيرة المدينة.

تماهي الذات والمدينة

ولد محمد علي لقمان في عدن عام 1898م في الوقت الذي كانت الحركة التجارية والاقتصادية في عدن في أوجها، وملامح حداثتها العمرانية والتجارية تتشكل بوساطة البريطانيين والشركات العالمية التجارية، وفي أثناء ذلك كانت تتشكل معرفة جديدة بالآخر وثقافته وأفكاره. لحظة تاريخية مفارقة في جنوب الجزيرة العربية، لها خصوصياتها وأسئلتها وحيرتها في المجتمع العدني، وفي هذه اللحظة كان محمد علي لقمان ابنًا لموظف في إحدى الشركات البريطانية، وهذا يعني أنه قادم من قلب الطبقة المتوسطة بكل دلالاتها ووظائفها كما يصفها السوسيولوجيون، وهو ما وَفّر له حظًّا من التعليم والنباهة والوعي المبكر، وفي هذا المهاد الخصب تشكل وعيه في موازاة لتشكل الحالة المدينية لعدن التي كانت تموج بمقومات الحياة الجديدة.

وذلك ما ظل يخبرنا عنه في مذكرات «رجال وشؤون وذكريات» حيث تقاطع أحداث الحياة الخاصة بالتحولات العامة والتاريخية للمدينة وأناسها، وفي عمق مشهدية الاتصال المباشر بالآخر الأجنبي المفارقة لغة وثقافة وهوية، حيث المدينة الكولونيالية الكوزموبوليتانية: خليط بشري من أجناس بشرية ومعتقدات وثقافات عديدة: بريطانيون وفرنساويون وإيطاليون وجنسيات أوربية أخرى، وهنود وصومال وآسيويون وأفارقة، وخليط من الديانات والمذاهب: مسلمون ومسيحيون ويهود وهندوس وبهرة إسماعيليون ومجوس، أعراق وثقافات متعددة، فضلًا عن الطابع المديني ومظاهر الحداثة في المؤسسات والإدارة والآلات والوسائل، والنقابات والهيئات والجمعيات وغير ذلك.

علامات الوعي المبكر

في هذا الفضاء، وقبل أن يكتمل عقده الثاني ظهرت علامات الوعي المبكر عند الشاب لقمان في الارتباط بقضايا الناس والمجتمع، منذ بدايات العمل العام بكتابة العرائض باللغة الإنجليزية والترجمة، وجسارة هذا الشاب الصغير في مخاطبة المندوب السامي البريطاني في عدن من أجل حقوق المواطنين وقضاياهم. وستتطور هذه الجسارة إلى المطالبة بوجود قضاء مدني ومحاكم أهلية في عدن، بدلًا من القضاء العسكري البريطاني الذي كان يمثل أمامه المواطنون، ولعلها أولى الإشارات التي ستدفع به إلى اختيار مهنة المحاماة، وتطور علاقته في الثلاثينيات من القرن الماضي من الفردي إلى ما هو عام واجتماعي، وبداية الارتباط بقضايا الوطن وحريته واستقلاله من الاحتلال البريطاني. وهو الوقت الذي أخذت المدينة تعبر عن روح جديدة تتخلق في رفضها وتمردها من خلال ظهور النقابات والإضرابات العمالية والاحتجاجات، وتصاعد الحركات الوطنية في عدن، التي كانت ثمرة الوعي بالذات والهوية القومية والوطنية على المستوى الجمعي.

كانت ريادة محمد علي لقمان تتشكل في فضاءات معرفية وثقافية واجتماعية عديدة، وهو ما انعكس على خطابه التنويري في تأكيده أهمية التعليم المدني الحديث وتحرير المرأة وفتح مدارس تعليم البنات، وحرية الفكر والتعبير والأحزاب، ثم تكلل دوره الكبير في تأسيس الصحافة في اليمن، من خلال إصدار «فتاة الجزيرة» في الأول من يناير 1940م وهي أول صحيفة عربية على مستوى الجزيرة العربية، وثمرة حلم طويل ظل يتقدم بتراخيصه منذ عام 1927م. وقد شكلت «فتاة الجزيرة» منبرًا إعلاميًّا مهمًّا لنشر أفكاره ودعواته الإصلاحية والتنويرية، وكان لها صدى واسع في جنوب الجزيرة العربية، بما في ذلك ارتباطها بتاريخ النضال الوطني شمالًا وجنوبًا، فضلًا عما ينشر فيها من موضوعات ثقافية عن الفنون والآداب، منها المؤلف والمعرب والمترجم، بل كانت هذه الصحيفة نواة لنشر الأفكار الليبرالية التي تُسمع للمرة الأولى، مثل دعوات إصلاح التعليم والمجتمع، والحريات الفكرية والسياسية، وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات، وتبني قضايا العمال الوطنيين وحقوقهم في مواجهة الامتيازات الممنوحة للشركات والموظفين الأجانب.

وعلى المستوى الاجتماعي كان إسهامه واضحًا في تأسيس الأندية الأدبية والثقافية في عدن، وهي ظاهرة ثقافية جديدة في العشرينيات والثلاثينيات على مستوى مدينة عدن والجزيرة العربية. وكان من أثرها الاهتمام بالأدب العربي، ونشر الوعي القومي، وظهور جيل جديد من الأدباء والشعراء والكتاب في عدن، وهو ما شكّل ريادة إبداعية غير مسبوقة، وكان من ثمارها تأسيس المجلس الثقافي العدني، وظهور أول رواية تصدر في جنوب الجزيرة العربية، بعنوان «سعيد» كتبها لقمان في 1939م، ثم بعد مدة أصدر روايته الثانية «كملاديفي» ومن خلالهما مرر العديد من أفكاره التي كان ينادي بها، وصاغها في قالب روائي لوعيه بأهمية الشكل الروائي في تمرير الخطابات والأفكار، شأنه في ذلك شأن العديد من كُتاب التيارات الإصلاحية والتنويرية في مختلف البلدان، وهو ما يعزز ريادة لقمان التنويرية والإعلامية والإبداعية المتقاطعة مع ريادة عدن التاريخية آنذاك. وربما ليس من المبالغة وصفه بطهطاوي اليمن، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن نقاط التشابه بينهما كثيرة في العديد من العلامات والأدوار، فكلاهما تأثر بالثقافة الغربية وعاد إلى موطنه حاملًا أول جذوة من مشاعل التنوير الحضاري، ورائدًا في مجال الإصلاح الاجتماعي والفكري، وقد وصفه المفكر عمر الجاوي بأنه أول من أدخل الأفكار الحديثة في علاقة المرأة بالرجل وبعضًا من أفكار الثورة الفرنسية، وشعارات العدالة والحرية والمساواة إلى اليمن، وغير ذلك من الأفكار الليبرالية.

هكذا كان محمد علي لقمان رائدًا تنويريًّا يمثل أنموذجًا لتشكل وعي مديني، من خلال ما كان ينادي به من أفكار جديدة وجريئة في كتبه ومقالاته التي نشرها في صحيفة فتاة الجزيرة، أو ما يقوم به من أعمال اجتماعية تصل خطابه التنويري بمشكلات الواقع مدة ثلاثين عامًا على الأقل. غير أن هذه الحالة المدينية بكل أسئلتها ومشكلاتها وحيرتها لم تخلق استمرارًا أو تراكمًا بعد لقمان؛ إذ سرعان ما دخلت عدن في الأفق الستيني الشمولي وتحولاته العنيفة، لحظة ولادة الدولة الوطنية عقب الاستقلال الوطني، وهو ما دفع بلقمان ومختلف النخب الفكرية والثقافية إلى الهجرة القسرية خارج حدود الوطن ودوائره الحمراء، التي حملت أيديولوجياتها وخطاباتها الجديدة.

بِمَ تقدم الغربيون؟ وأسئلة النهضة

لمحمد علي لقمان العديد من الكتابات ذات الطابع الاجتماعي والحقوقي والفكري، غير أن كتابه «بماذا تقدم الغربيون؟» الذي كتبه وهو في سن الأربعين، وكتب مقدمته المفكر العربي شكيب أرسلان، هو أهم كتب لقمان التي تربو على اثني عشر كتابًا، جاء يحمل هذا السؤال العريض وارتياد مغامرة الإجابة التي أرّقت رواد النهضة والمفكرين العرب، سؤال في نهضة الأمم والبحث عن أسبابها ومقوماتها، وقد اختار لقمان في محاولته الإجابة، نموذج الثقافة الغربية التي وجدها قد سادت العالم في العصر الحديث، فكان لا بد -كما يرى لقمان- من فهم الأسباب التي مكنتهم في هذه السيادة والتفوق على كثير من الشعوب في الشرق.

محمد علي لقمان

وقد جعل مدخله إلى ذلك، البحث في أخلاق الأوربيين، والأخلاق هنا تحمل دلالة ثقافية أكثر من كونها دلالة على صفات سلوكية، انطلاقًا من معايشة واتصال مباشر بعد أن قضى جل عمره في التعامل مع أجناس أوربية عديدة في مختلف مراحل حياته، ومحاولة فهم الآخر ومقوماته الحضارية. وبحسب سمير الشميري، فقد «أراد لقمان أن يسلك مسربًا غير مطروق بالنسبة لقسط معتبر من المفكرين في ذلك الزمان، فأخذ يدرس ويشاهد ويلاحظ، وقرأ بإمعان الواقع، ولم يتغافل عن كثير من الحقائق والمسلكيات، فقدم تصورًا ومشاهدات حية عن عادات وأخلاق الأوربيين وألوان حياتهم دون رياء أو مبالغات مجانية، فاستطاع أن يضع إصبعه على الجرح». وكانت خلاصته في تحديد أسباب التفوق الغربي، التي يجب أن نفهمها الآن في سياقها التاريخي الذي يعود إلى نحو مئة سنة من الآن، تكمن في العديد من الزوايا التي غفل عنها الشرقيون -كما حددها لقمان في فصول كتابه- وكانت سببًا في تأخره، مثل تجديد الغربيين نظام التعليم والمدارس، واعتمادهم على الذات في مقابل التواكل عند العرب، وتكريس قيم العمل والإنتاج والابتكار، والاهتمام بالرياضة البدنية، والعزم على تحقيق الأهداف، والاستعداد وتحمل المسؤولية، واغتنام الفرص، والنظام والترتيب، والأسفار والاستعمار، والاتحاد في مواجهة الآخرين، والتخصص في مجالات العلوم والفنون، ونمو الشعور القومي والاعتزاز بمكونات الهوية، والنصح والإرشاد، وحرية الفكر والتعبير، وتقديرهم للذات والمكافأة. ومن الملحوظ أن لقمان كان يعرض لهذه العناصر الكامنة في الثقافة الغربية ويضعها في مقابل العناصر السلبية الكامنة في المجتمعات الشرقية والعربية، وفقدان القيم الحضارية العربية الأصيلة التي كانت سببًا في التخلف، لكنه لا يقدم النموذج الغربي مجردًا من سلبياته كذلك، كاتخاذهم أسلوب التفريق بين الشعوب والطوائف والمجتمعات الأخرى في خدمة أهدافهم الاستعمارية، فالآخر الأورُبي (الاستعماري) وإن أخذ بأسباب التفوق الحضاري على الشرق، لم يزل يرتكب الأخطاء والجرائم بحق الشعوب الأخرى.

يقول لقمان في مذكراته: إن كتابه هذا حقق نجاحًا وانتشارًا بين الناس، وتلقفته بوعي الأيدي التي كانت تمثل نخبة بواكير النهضة الثقافية والفكرية في عدن، المدينة الحالمة التي كانت تتلمس طريقها نحو حداثة وإن كانت في إهاب من الاتصال بالآخر وثقافته، وفهمه في ظل الوقائع والمنجزات التي يقدم نفسه من خلالها، لا كما نتصوره، ولا سيما أن المجتمع العدني قد تفشت فيه مظاهر الجهل والخرافات وبعض العادات السلبية التي انتقدها لقمان مرارًا، وهو ما تطلب خطابًا تنويريًّا يستند إلى مقارنات ومعطيات واقعية، وليس مجرد دعوات وتصورات ذهنية. وبحسب المفكر هشام علي، كان «من الواضح أن لقمان يتأثر في هذا البحث الأخلاقي -أي الكتاب- بالخطاب الغربي ذاته كما صاغه الاستشراق، مضيفًا إلى ذلك إحساسًا بالمرارة إزاء تأخر اليمن، فقد شهد وهو المثقف الواعي تقدم أوربا ونهضتها خلال سِنِي دراسته في بريطانيا في كمبردج وليدز، لكن هذا الإحساس لم يخلق لديه نوعًا من رد الفعل السلبى أو الشعور بالاغتراب والضياع، فبادر إلى العمل الفكري كمدخل لإصلاح المجتمع».

والواقع أن ما طرحه لقمان منذ نحو مئة عام من دعوات إصلاحية وتشخيص واضح لأسباب التخلف، ومساءلات مرة للواقع المتخلف، نبعت من شعور وطني وإنساني صادق لمثقف مهموم بقضايا وطنه وأُمّته، ونجد تلك التساؤلات لا تزال ماثلة أمام واقعنا المعاصر، وتلامس جوانب مهمة منه حتى اليوم.

كتابة القصة القصيرة.. خمسة تمارين ترافق الموهبة

كتابة القصة القصيرة.. خمسة تمارين ترافق الموهبة

لا توجد وصفة جاهزة لكتابة قصة قصيرة، فهي فن بديع يحتاج ابتداءً إلى موهبة، قبل الدُّربة والتجريب والصقل والتطور في الصياغة وصناعة الحبكة أو تصوير الموقف أو المشهد أو وصف الصورة أو تحويل الفكرة إلى فن. وبذا يبقى أولئك الذين يأتون بغير موهوبين، ليعلموهم كتابة القصة، كما هي الحال في الرواية، أقرب إلى الادعاء منه إلى صناعة مسار أدبي حقيقي.

فالأدب ينادي صاحبه، ويختاره شكلًا أو نوعًا أو تجربة مختلفة للكتابة. فإن كان النداء يخص فن القصة القصيرة، فإنه يتطلب ابتداءً أن يكون الكاتب مقرًّا وقت جلوسه إلى الكتابة بأنه سيصوغ الفكرة أو الرؤية أو الموقف أو المشهد أو الصورة أو الحكاية، التي اختمرت في ذهنه، أو أمسك بخيطها الأول، ويترك نفسه لها تتداعى، فارضة نفسها وفق صيرورتها الخاصة، لتكتمل في النهاية، صانعة قصة قصيرة.

والقصة في العموم لا تنشأ من فراغ، إنما هي بنت التأمل العميق للشخصيات والمواقف والصور والمشاهد، التي يضج بها الواقع المعيش. لكن التأمل وحده لا يكفي، إنما يتطلب الانفعال بما نراه من سلوكيات وتصرفات وشخصيات وصور، ثم الاقتناع بأن هذا الانفعال يجد الطريقة المثلى في التعبير عنه في كتابة قصة، وليس شيئًا آخر. والقصة في خلاصتها فن أدبي، له شروطه، أو مقتضياته الفنية؛ لذا لا بد له من أن يتبع ما يطلبه الأدب كشكل كتابي، وليس غيره. فبعضٌ يمكن أن يعبر عن انفعاله بكتابة مقال سردي، ثم يتوهم أن ما كتبه هو قصة مكتملة الأركان. وقد وقع في هذا العيب، ولا يزال، كثير من الكتاب، بمن فيهم أولئك الذي حققوا رسوخًا واقتدارًا مشهودًا فيما بعد. والداخل إلى هذا الفن من الموهوبين في الأدب عليه أن يمر بمراحل عدة، ليست متتابعة، بقدر ما هي متكاملة، تسير على التوازي، وهي:

أن يقرأ

وهذه مرحلة مهمة؛ إذ لا يوجد كاتب بدأ من الصفر، وإن حدث هذا لبعضٍ، فإن قدرته على الاستمرار لا يمكن لها أن تقام على وجه صحيح سليم متصل متعافٍ إلا بالاطلاع الدائم والدائب على ما أنتجه الموهوبون والمتحققون ممن سبقوه على درب الأدب. وهذه القراءة يجب ألا تقتصر على الاطلاع على قصص كاتب واحد، أو على القصص التي نُشِرَت في مرحلة زمنية واحدة أو معينة، إنما تذهب إلى كتاب مختلفين، عرب وغير عرب، وإلى قصص مصوغة باللغة العربية أو مترجمة إليها، أو في لغاتها الأصلية، لمن بوسعه أن يقرأ بلغات أجنبية. وعلى القارئ أن يكون واعيًا لهذا التنوع في الأقلام وفي اللغات، وكذلك في المراحل الزمنية التي أُنتجت فيها القصص داخل العالم العربي وخارجه، بحيث يكون ملمًّا بأشكال مختلفة للقص، وأساليب متنوعة لصياغته، وتجارب متعددة لإبداعه، ومدارس متباينة في إنتاجه وطرحه.

والقراءة التي أقصدها هنا، ليست هي التي ترمي إلى التسلية، أو شغل الفراغ، أو جلب رضاء نفسي كاذب للقارئ، بحيث يكون بوسعه الزعم، أمام أقرانه ومجايليه أو من سبقوه أو حتى من أتوا بعده، بأنه واسع الاطلاع على القصص، إنما هي القراءة المتأنية، التي تهدف إلى التعلم، وصقل الموهبة، وهي قراءة وظيفية، يعرف صاحبها ما يريد جيدًا، ويجعل القراءة في خدمته دومًا. وحبذا لو أمسك القارئ بقلم في أثناء القراءة، ليخط تحت عبارة لافتة، وشخصية مختلفة أو غريبة، ونهايات متعددة، مفتوحة أو مغلقة، أو يكون عليه أن يعيد قراءة جزء من القصة لم يقف عليه كاملًا في القراءة الأولى، أو يعيد قراءة القصة نفسها، إن وجد فيها نموذجًا أو مثالًا مختلفًا، أو اقتنع بأنها جديرة بالرسوخ في ذهنه، ومستحقة للتعلم منها.

إن هذا النوع من القراءة يذكرنا بالنصيحة التي كان بعضٌ يقولها للشعراء المبتدئين أو من يرغبون في كتابة الشعر، وفي مطلع هؤلاء الناصحين كان عباس محمود العقاد، بأن يقرأ الواحد منهم ألف بيت من الشعر، ثم ينساها، وبعدها يحاول كتابة قصيدة. لكن هذا النصح لا يمكنه أن ينفع غير الموهوبين إلا قليلًا، مهما قرؤوا أو حاولوا، إنما قد يسهم في صقل الموهبة، عبر شحنها بالتركيبات اللغوية، والصور، وأشكال القوافي، إن كان شعرًا عموديًّا.

ويمكن للكاتب أن يقرأ في النظريات النقدية الخاصة بفن القصة القصيرة، فهذه من شأنها أن تضيف إلى فهمه وإدراكه لهذا الفن. لكن على الكاتب أن يعي جيدًا أن النقد لاحق على النص في أغلب الأحيان، وأن النظريات الكبرى وُلِدت من رحم النصوص أو من الواقع، وأن تفصيل نص على نظرية ما، هو أقرب إلى مهنة النجارة أو الحياكة منه إلى الكتابة الأدبية الذاتية جدًّا.

أن يجرب

وهذا التجريب يعني اعتماد الكاتب على نفسه في كتابة نص أَوّليّ، بعد أن يكون قد امتلك أدوات وشروط الكتابة الأدبية، ثم يعمل على إعادة صياغته، بالإضافة إليه أو الحذف منه، أو تغيير بعض مواضع السرد فيه، أو تغيير البدايات والنهايات أو المسار كله.

وهناك من بين الكتاب من يعتبر قصصه الأولى كانت محض تجريب، لا يستحق أن يُنشر، ويظهر على جمهور القراء، إنما هي كانت كتابة لنفسه، يختبر فيها قدراته على القص، ويحسن فيها أسلوب الكتابة، عبر صياغة القصة بأكثر من طريقة، أو تجويد الطريقة الوحيدة التي سلكها، بحيث تصبح أكثر نضجًا، أو تصل إلى المستوى الذي يرضى عنه، ويقتنع بأنها ستحسن إليه، وتضعه في مصاف الأدباء إن نشرها، ولا تسيء إليه، فتخرجه منهم، أو على الأقل تعطي انطباعًا سيئًا عنه، قد يظل ملتصقًا به، مهما حاول تغيير هذا الانطباع عند الناقد أو القارئ.

هذا التجريب قد يبدأ عند بعضٍ بتقليد قصص كتاب كبار، ثم مضاهاة ما كتبه الأديب المبتدئ بما تركه هؤلاء الكبار. وقد يفعل الكاتب هذا دون تقليد، معتمدًا على نفسه، فهو حين ينتهي من الكتابة يقوم بهذه المضاهاة، التي يمكن أن تقوم على وضع النصين بعضهما أمام بعض، أو الإحالة إلى الذاكرة، بحيث تسعف صاحبها بقصة ما يكون قد قرأها، ويجدها أَوْلى بأن يقارن بها ما كتبه، واطمأن إليه نسبيًّا.

أن يسأل

فالسؤال مفتاح المعرفة، ولا يخلو الفن نفسه، على ذاتيته، من أسئلة أحيانًا. وعلى الكاتب أن يتخير من يسأله: فيسأل نفسه أولًا عما إذا كان ما كتبه هو قصة كما عرفها مما قرأه سابقًا، ثم يسأل غيره من الكتاب، سواء كانوا من مجايليه أو ممن سبقوه ونشروا قصصًا شهد لها القراء، واستملحها النقاد. والسؤال يمكن أن ينتقل إلى نقاد الأدب، فهؤلاء بما لديهم من خبرة، سواءٌ بالاطلاع على النظريات الأدبية أو على مختلف النصوص، يستطيعون تقديم نصائح جيدة للكاتب، عليه أن يصغي إليها جيدًا، من دون أن يدعها تتحكم فيه، أو تسيطر عليه تمامًا، إن جلس إلى الكتابة.

وبعضٌ يذهب إلى سؤال هذه الأطراف الثلاثة أو واحد منها أو اثنين، قبل نشر عمله القصصي، وهناك من يدفع ما كتب إلى النشر، ثم يجلس ليجمع ردود أفعال القراء والأدباء والنقاد على النص. وعلى الكاتب في هذه الحالة أن يستفيد مما أبداه هؤلاء، وأن يراعيه في كتابة نصه الجديد، وفق ما تسمى «التغذية المرتدة» أو الارتجاعية، وهي مسألة تفيد الفن إفادتها للمعرفة والعلم.

أن يطور

وهذا شرط مهم، إن أدركنا أن بعض الكتاب ظلوا على مستوى ثابت من الكتابة، لا يختلف نصهم الأول عن الأخير، وإن امتدت سنوات الكتابة لديهم. وهؤلاء إما أنهم استسلموا لطريقة في الكتابة أو عوالم تتحرك فيها نصوصهم، ولا يعرفون غيرها، أو أنهم توهموا أن ما يبدعونه هو الشكل المثالي للكتابة، أو هو ما يدل عليهم، ويضمن لهم خصوصية أو بصمة متفردة. وهناك آخرون يحرصون على التجدد والإجادة والتجويد الدائم، بحيث يتصاعد منحنى الإبداع إليهم مع تقدم العمر، وتراكم الخبرة.

ويجب ألّا يقتصر التطوير على أسلوب الكتابة وبنية القص، إنما يمتد إلى تنويع العوالم الاجتماعية والنفسية التي يغرف منها الكاتب، أو يلتقط منها قصصه، بما تحمله من صور ومجازات وشخصيات وحكايات وحوادث ووقائع وأحداث. ويتطلب هذا بالطبع اتساع العالم الذي يشتبك معه القاص، وينظر إليه مليًّا ويتأمله على مهل. وهناك من يتهادى إليهم هذا لظروف نشأتهم، وتنوع علاقاتهم، وتعدد انتقالهم، وتراكم خبراتهم، ويوجد الذين يصنعون هذا صناعة حاذقة، حين يدركون أن استمرارهم في الكتابة يقتضي ألا تجف البئر العميقة التي ينهلون منها.

أن يواصل

فكاتب القصة الكسول أو صاحب القريحة الراكدة أو المتبلدة أو الشحيحة أو الضعيفة قد تنقطع به سبل الكتابة، فيقف عند حد معين، ويعجز عن الاستمرار، أما الكاتب الدؤوب المثابر، الحريص على شحن قريحته بكل ما هو مبهر ومتقد، سواء من الواقع أو مما يطلع عليه، فيستمر في الإبداع، ويبدو في نهم شديد، لا يشبعه شيء، ولا يوقفه ظرف، ولا يَعُوقه أحد، وبخاصة إنْ كان صاحب «مشروع كتابة» ينسج خيوطه على مهل، ودون كلل أو ملل.

وهناك من تهرب الكتابة منه، إما لأنه لا يجد جديدًا يضيفه، أو أنه توقف عن الكتابة فصَدِئَ قلمُه، حتى إن عاد محاولًا أن يواصل عجز عن هذا. والمثل القوي في هذا هو الكاتب المصري عادل كامل، الذي كان يسير مع نجيب محفوظ رأسًا برأس، بل يسبقه، لكنه ترك الكتابة واكتفى بمهنة المحاماة لأنها تدر عليه دخلًا أكبر، فلما حاول العودة بعد سنوات لم يقدر، ومزق أوراقه، وحجبها عن القراء؛ لأنها بدت أقل كثيرًا مما كان قد توقف عنده في زمنه البعيد. لكن المواصلة أو الاستمرار، حتى يكون صحيحًا، يجب أن يراعي الشروط الأخرى، وهي التطوير والإضافة وتوسيع عوالم الكتابة، وعدم الكف عن التساؤل، والحرص الدائم على إبداع الجديد والمختلف، والإدراك الواسع لشروط الفن ومقتضياته.

هذه المراحل، وإن شئت قل النصائح، الخمس، تتطلب ابتداءً أن نكون أمام موهبة أدبية، أو كاتب يرى في القصة القصيرة أو السرد عمومًا الأسلوب المناسب لما يريد قوله أو التعبير عنه. أما غير الموهوب، فقد يستفيد بعض الشيء من هذه النصائح، لكن افتقاده للموهبة يظل عقبةً كؤودًا أمامه، وقد يكتشف أن موهبته منصرفة إلى شكل آخر من الكتابة.

مواقع أثرية في شمال غرب شبه الجزيرة العربية في ضوء الاكتشافات الأثرية

مواقع أثرية في شمال غرب شبه الجزيرة العربية في ضوء الاكتشافات الأثرية

شهدت شبه الجزيرة العربية في بدايات الألف الأول ق. م. دلائل على وجود مجتمعات بشرية، في شمالها الغربي، مرتبطة بنشأة الممالك اليمنية القديمة إلى الجنوب منها، ممثلة في ممالك سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وأوسان بصفة رئيسة((أستاذ تاريخ وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم، وعميد كلية الآثار الأسبق، جامعة القاهرة، جمهورية مصر العربية. راجع لمزيد من التفصيل شاهين (علاء الدين)، «تاريخ الخليج والجزيرة العربية القديم»، منشورات ذات السلاسل، الكويت، 1418هـ/ 1997م، 193-229:))، وتدشينها للعديد من طرق التواصل البري، وبخاصة ما بين بلاد الشام واليمن عبر شبه الجزيرة العربية، فيما عرف بالطريق البري الشهير- الذي تردد صداه تاليًا في نصوص القرآن الكريم: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ}– خاصة ما ارتبط بتجارة اللبان والمر (البخور)، والدور الرئيس الذي ترتب على تدجين الإنسان للإبل والسفر عبر فيافي الصحراء أوائل الألف الأول قبل الميلاد، في أغلب الآراء((عن تدجين الإبل راجع مايكل ربنسكي، «الأصول المبكرة….» ترجمة علاء الدين شاهين.)).

وكشفت أعمال المسح الأثري من قبل البعثات الأثرية بقايا تراثية تعكس ملامح لبعض أشهر تلك المواقع في شمال غرب شبه الجزيرة العربية في الألف الأول قبل الميلاد، وبخاصة ما ارتبط بواحة العلا (الخريبة)، مدائن صالح (الحجر)، وأدوماتو (دومة الجندل) بصفة جوهرية. وسوف تلقي هذه المقالة الضوء على هذه المواقع الثلاثة بصفة أولية، وفي مقالات تالية سنتناول مناطق أثرية أخرى من تاريخ المملكة العربية السعودية.

العلا (الخريبة): تقع العلا في الشمال الغربي للمملكة العربية السعودية، وتبعد من المدينة المنورة مسافة 300 كيلومتر، وتعد من الأماكن الاستثنائية الزاخرة بالتراث الطبيعي والإنساني. وتُعَدّ محافظة العُلا أول مواقع السعودية المسجلة في لائحة اليونسكو للتراث العالمي عام 2008م. وفي العلا وادٍ من الواحات الخضراء، وجبال شاهقة من الحجر الرملي، ومواقع أثرية وثقافية قديمة يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وإلى حضارات سكنت المنطقة ومنها حضارتا دادان ولحيان.

أبانت أعمال الكشف الأثري في موقع العلا عن آثار من العصر البرونزي الحديث إلى العصر الحديدي. وزار المكان العديد من المستشرقين وعلماء النقوش والآثار الأوربيين من بينهم موسل (1910م) وريكمانز (1967م)، كما زارته بعثة من معهد الآثار بجامعة لندن (1968م) وبعثة جامعة تورنتو الكندية (1969م).((«مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية»، إدارة الآثار والمتاحف، الرياض، 1975م، ص97؛ شرف الدين (أحمد حسين)، «مسالك القوافل التجارية في شمال الجزيرة العربية وجنوبها»، دراسات تاريخ الجزيرة العربية، الكتاب الثاني: «الجزيرة العربية قبل الإسلام»، الرياض، 1984م، ص 16. الجدير بالذكر أنه تأسست الهيئة الملكية لمحافظة العلا بمرسوم ملكي في يوليو 2017م للحفاظ على العلا وتطويرها، وهي منطقة لها أهمية طبيعية وثقافية بارزة في شمال غرب المملكة العربية السعودية. تتبنى خطة الهيئة الملكية لمحافظة العلا على المدى الطويل نهجًا مسؤولًا ومستديمًا وحساسًا للتنمية الحضرية والاقتصادية، يحافظ على التراث الطبيعي والتاريخي للمنطقة، ويجعل العلا موقعًا مرغوبًا فيه للعيش والعمل والزيارة ويشمل مجموعة واسعة من المبادرات في مجالات الآثار، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والفنون، مما يعكس التزامًا بتلبية التنويع الاقتصادي، وتمكين المجتمع المحلي، وأولويات الحفاظ على التراث في برنامج رؤية المملكة العربية السعودية 2030. راجع: https://www.jusur.com/articles-and-interviews)) ويوجد بها عدد من المقابر المنحوتة في الجبال نحتًا هندسيًّا بارعًا إلى جانب العديد من النقوش الدادانية واللحيانية والمعينية والثمودية والنبطية وآثار للعيون وبقايا القلاع والسدود((«مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية»، الطبعة الثانية 1420ه/ 1999م، وكالة الآثار والمتاحف، الرياض، ص 68.)).

مدائن صالح (الحجر): وهي من أشهر مواقع الآثار التاريخية في المملكة العربية السعودية، وتشهد على حضارة عريقة ضاربة في القدم.((العسال (منا محمد)، «الحجر «مدائن صالح» دراسة جيومورفولوجية وجيوأركيولوجية لسياحة بيئية مستدامة»، مجلة بحوث كلية الآداب، جامعة المنوفية، المجلد 31، العدد 121 (إبريل 2020)، ص 2473- 2528.)) وتعود التسمية إلى النبي صالح وقومه ثمود. وقد عُرفت في القرآن الكريم؛ فجاءت بوصفها مدينة منحوتة من الجبال والصخور((«مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية»، ص 72. يعد أول موقع أثري، ضمن الإطار السياسي للمملكة العربية السعودية، يدرج في قائمة التراث العالمي. كان يسمى في الماضي الحجرة، وهو أكبر موقع مُصان لحضارة الأنباط جنوب البتراء بالأردن. ويحوي مقابر ضخمة مُصانة جيدًا، تعود واجهاتها المزخرفة إلى القرن الأول قبل الميلاد وصولًا إلى القرن الأول الميلادي. وتعتبَر مقابره الضخمة البالغ عددها 111 مقبرة (وقد زُين 94 منها بالزخارف)، وآباره المائية، مثلًا استثنائيًّا عن الإنجازات المعمارية للأنباط وخبراتهم الهيدرولوجية. https://whc.unesco.org/ar/list/1293)). وقد كشفت أعمال المسح الأثري وبعض أعمال البعثات الأثرية أخيرًا عن بقايا أثرية مهمة وملامح معمارية مميزة للمنشآت الجنازية، في المكان، أوضحت صلات وتأثيرات حضارية مع المراكز الحضارية المجاورة. وقد عُثر في هذا المكان، وفي موقع العلا، على بقايا تماثيل بشرية من الحجر منحوتة بإتقان، وقد ربط جوسين وسافيناك بينها وبين معبد لحياني في المكان، وتعكس تشابهًا مع ما نعرفه عن التماثيل المصرية من القرنين الثالث والأول قبل الميلاد((الأنصاري (عبدالرحمن) وأحمد غزال وجفري كنج، مواقع أثرية وصور من حضارة العرب في المملكة العربية السعودية، الرياض، 1984م، ص 10؛ مهران (محمد بيومي)، تاريخ العرب القديم، الجزء الثاني، الطبعة الحادية عشرة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1994م، ص 301؛ Saleh, A., “some monuments of north western Arabia in Ancient Egyptian style,” Bulletin of Faculty of Arts, Cairo University 28 (1970), pp. 1-31; figs 1-6; fig. 9. أكدت الهيئة الملكية لمحافظة العلا أن توقيع اتفاقية تعاون بين المملكة وفرنسا لتطوير المواقع التراثية والتاريخية في محافظة العلا يأتي تجسيدًا وانعكاسًا لالتزام المملكة الراسخ بحماية الإرث العالمي والنهوض به وإدراكها لأهمية تطوير السياحة المستديمة والتراث الثقافي مع شركائها من بيوت الخبرة حول العالم وتعزيز سبل التعاون مع الشركاء كافة في مختلف القطاعات من خلال تنفيذ مشروعات متنوعة تحقق الأهداف المنشودة. وأوضحت الهيئة في بيان صادر عنها اليوم أن الاتفاقية تشمل، العمل على المشاركة في وضع التصورات المستقبلية لمشروع تطوير ثقافي وتراثي وسياحي طويل الأمد، لحماية وتطوير المواقع التراثية والتاريخية لمحافظة العلا تحقيقًا للتحول المستديم في المحافظة لتمكين الزوار المحليين والإقليميين والدوليين من التعرف إلى ثراء إرثها الثقافي والتاريخي والطبيعي وإرث المملكة بشكل عام، وعلى الحضارات العربية والقيم المحلية تماشيًا مع أهداف رؤية 2030 الرامية إلى دعم جهود بناء اقتصاد مزدهر. وأشار البيان إلى أن فرنسا تعد شريكًا مميزًا لما حققته من نجاحات باهرة وكبيرة في مجالات السياحة والضيافة وحفظ التراث والآثار ومجالات الفنون. https://www.rcu.gov.sa/ar/media-gallery/articles)).

ورد ذكر الموقع باسم «مدائن صالح» في كتابات دوتي عام 1876م، ثم تلاه في التسمية العديد من المستشرقين. وكان البلوي الأندلسي، الذي زارها عام 737هـ، في طريقه إلى مكة، أول من سمَّاها «مدائن صالح». وزار المكان الرحالة الفرنسي تشارلز هوبر عام 1880م وتحدث عنها بإسهاب في كتابه «رحلة إلى بلاد العرب» المنشور في باريس عام 1891م. كما زار المكان في أوائل القرن العشرين جوسين وسافيناك، لحساب الأكاديمية الفرنسية؛ لجمع النقوش، ونشرا ما جمعاه في كتابهما الضخم بعنوان: «البعثة الأثرية العربية» (Mission Archelogique Arabie) عام 1909م، وبالمثل ذكرها عبدالله فلبي في كتابه « أرض مديان» (The land of Median) المنشور في لندن عام 1959م((Parr, P. J. , “Archaeological sources of the early history of North west Arabia, “ Studies in the history of Arabia, Vol I, part I, University of Riyadh Press, 1979, p. 37.)).

ومن بين الاكتشافات المهمة في الآونة الأخيرة: العثور على نقوش آرامية تمثل أقدم خط آرامي حتى الآن، في مدينة الحجر، تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد. ويشير الدكتور سليمان عبدالرحمن الذييب، عضو في البعثة الاستكشافية في مواقع العلا، إلى أن هذا النقش معاصر لمملكة سبأ التي تُعَدّ أقدم مملكة في شبه الجزيرة العربية((https://mirdad.app/articles/526)).

أدوماتو (دومة الجندل)

يمثل موقع أدوماتو (دومة الجندل)، فيما يعرف باسم مملكة قيدار العربية، مجتمعًا حضاريًّا مميزًا انتفع بما حبته الطبيعة في المكان من واحة فيها مياه جوفية وأرض صالحة للزراعة، كما انتفع من أعمال التجارة؛ لوقوعه على الخط التجاري البري الرئيس لمراكز ممالك اليمن القديمة وتجارتها مع بلاد الشام.

وكشفت أعمال التنقيب في المكان عن ملامح مميزة لحضارة العصر الحديدي وما يليه إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وتعكس البقايا الأثرية المبكرة في المكان وجود دلائل على استقرار بشري فيه بدأ من العصر الباليوليثي (العصر الحجري القديم)، واحتمالية العصر النيوليثي (الحجري الحديث) وانتشرت في المكان النمط المعماري المعروف باسم الدوائر الحجرية المرجح من العصر الخالكوليثي (الحجري النحاسي) مشابهًا لمثيله في الأردن وصحراء شبه جزيرة سيناء المصرية((شاهين (علاء الدين)، تاريخ الخليج وشبه الجزيرة العربية، ص 278- 279.)).

وقد تعددت الإشارات النصية إلى المكان في المصادر النصية من الحضارة الآشورية في صراعها ضد المكان والمناطق المجاورة وبخاصة من عهد تجيلالات بليسر (745- 727 ق.م). وتردد بعض أسماء الملكات العربيات في المكان مثل الملكة زبيبة وسمسي، والتأثير السلبي في المكان نتيجة تطبيق الآشوريين لسياسة الترحيل البشرية وما نجم عنها من تغيير ديموغرافي في المكان((شاهين (علاء الدين)، تاريخ الخليج وشبه الجزيرة العربية، ص 280.)). ولعل أهم ما عثر عليه في المكان ما ارتبط بالحضارة النبطية وما كشفت البعثة من جامعة تورنتو الكندية برئاسة ونيت من نقوش نبطية، ومن عمارة لمعبد نبطي في المكان.

عبدالله العروي.. ملاحظ «عن بعد»

عبدالله العروي.. ملاحظ «عن بعد»

نستطيع أن نقول: إن البورتريه الذي رسمه عبدالله العروي للفنان البلجيكي ر. ماغريت في الجزء الأول من كتابه «خواطر الصباح»، هو، إلى حد ما، «بورتريه ذاتي». نقرأ في هذا الكتاب: «روني ماغريت: لم أتأثر بألوان فنان مثلما تأثرت بأعماله التي تمزج الحلم والعقل. لوحاته، ملصقاته في الواقع، تمثل أحلام رجل رصين متعقل طلق الرومانسية بعد، أو قبل، أن يعرفها. أثر فيَّ لأنه أبعد ما يكون عن ميلنا الغريزي إلى دغدغة العواطف. لا أتصوره يضحك أو يبكي، قد يمزح وهو مقطب». يحكي ابن أخي العروي، الكاتب فؤاد، في إحدى مقابلاته التلفزيونية، أنهما التقيا مرة في معرض باريس، وأنه عندما قدم عمه لناشره الفرنسي مازحًا، علق عبدالله العروي قائلًا: «هذا هو الوحيد في عائلتنا الذي يمزح، أنا يتعذر علي ذلك، وحتى إن مزحت فمقطبًا».

من الطرائف التي حكاها فؤاد العروي في هذه المقابلة أنه غالبًا ما يشعر، عند مجالسة عمه أنه يصبح أكثر ذكاء. فكأنما تدفعه تلك المجالسة، هو الكاتب الحائز على كثير من الجوائز الغربية وأهمها غونكور، وخريج مدرسة القناطر والطرق الباريسية، إلى أن «يدفع» بذكائه لمتابعة أحاديث عمه. لعلنا محتاجون، نحن كذلك، إلى شيء من هذا لمحاولة رسم بورتريه مفكرنا الكبير.

لا يمكن أن نرسم بورتريه العروي (1933-) بمتابعة علاقاته الاجتماعية، أو بحشره في سياق الفكر العربي المعاصر، وتحديد مواقفه ومكانته بين أقطاب هذا الفكر. ذلك أن المعروف عنه هو انعزاله، وكونه لا يحشر نفسَه مباشرة ضمن علاقات وسياقات. فعلى الرغم من أنه يقول: إنه يمارس النقد الأيديولوجي، فإن ما يميز كتاباته هو صمته فيها عما يجري بالقرب منه، وتفضيله محاورة البعيد على مجادلة القريب. لا يعني ذلك مطلقًا أنه لا يهتم بقضايا الساحة العربية ولا ينخرط فيها، كل ما في الأمر أنه، حتى عندما يود وصف تلك الساحة وتحليل ما يروج فيها، يكتفي ببناء نماذج ثقافية مثل «الشيخ» و«رجل التقنية» أو «رجل السياسة»، من غير أن يمثل لتلك النماذج بالأشخاص الأحياء الذين قد يكونون من ورائها. فما يهمه هو «اجتماعيات الثقافة» وليس «اجتماعيات المثقفين».

في التاريخانية

نستطيع أن نقول: إن السؤال الذي ما فتئ هذا المفكر يطرحه بأشكال متباينة، ومنذ الستينيات من القرن الماضي هو: كيف يستوعب الفكر العربي مكاسب العقل الحديث؟ وقد مهّد لإجابته عن هذا السؤال في كتابه الأول الأساس «الأيديولوجية العربية المعاصرة»، بأن فضَح النظرات الأيديولوجية التي نهجها المفكرون العرب على اختلاف مناحيهم للإجابة عن هذا السؤال، فرأى أن الطريق الوحيد لتجاوز هذا القلب الأيديولوجي، وتجنب الانتقائية والسلفية هو نهج سبيل التاريخانية بكل مقوماتها، أي: الإيمان بـ«صيرورة الحقيقة، وإيجابية الحدث التاريخي، وتسلسل الأحداث، ثم مسؤولية الأفراد عنها». لا بد إذًا من التسليم أولًا أن التطور التاريخي يخضع لقوانين لا يحيد عنها، وأنه يتجه وجهة واحدة لا تختلف من جنس لآخر، مما يمكن كل ثقافة من أن تتفتح على هذه الوجهة، ويسمح للمثقف والسياسي بأن يقوما بدورهما الإيجابي.

في كتاب «السنة والإصلاح» نستشف معنى للتاريخانية أكثر تركيزًا. فهي إيمان بقوة الزمن، إيمان بأن «الوقوف على البدايات يكشف حتمًا الدوافع والغايات»، إيمان بأن السابق يحدد اللاحق، إيمان بالتسلسل الزمني. (نقرأ في ص 28 من هذا الكتاب: «فالإلغاء التعسفي للتسلسل الزمني يدعو حتمًا إلى معاداة التاريخانية وتحويلها إلى نظرية عامة يسهل تفنيدها»). ثم إن التاريخانية إيمان بقوة الحدث. فالحدث هو الذي «يميز ما هو نيو، وما هو بوست».

يميز العروي مع بنيديتو كروتشي، بين التاريخية l’historisme، التي تفسر كل حدث بشروط نشأته، وبين التاريخانية l’historicisme، أي التاريخية من الدرجة الثانية نوعًا ما، التي ترى بأنه في التاريخ الذي يصنعه البشر، وفي مستويات الفعالية جميعِها، لا وجود لمبدأ نظام وتوجه ممكن، إلا داخل التجربة التاريخية ذاتها. فالتاريخ ينظم نفسه بنفسه، وهو في الوقت ذاته تعالٍ ومحايثة. يكون محايَثَة طالما تجلى كفعالية واعية للإنسان، وهذا هو مستوى التاريخية، ويكون تعاليًا عندما يفرض نفسه كنظام ومثالٍ يُحتذى تحت طائلة الفشل، وهذا مستوى التاريخانية. التاريخانية مفهوم يستعمله إنسان العمل، والمنظر السياسي. عندما يؤلف ماكيافيلي «تواريخ فلورنسية»، فهو في نطاق التاريخية، أما عندما يكتب «الأمير» فهو تاريخاني.

وفي الحالتين كلتيهما، ليس من السهل الانفلات من التاريخ. فـ«وحدَه التاريخ، مثل المختبر في علوم الطبيعة، يمكن من الفصل بين الآراء المتعلقة بالإنسان ومصيره. بالإمكان دومًا تصور إمكانيات أخرى غير التي تمت بالفعل، إلا أن هذا يبقى مجال الفن». عند الوصول إلى هذه النقطة، يمكن للمرء إما أن ينكر البعد التاريخي، أو يُهمله، فيخوض في الفلسفة، وإما أن يعيَه بوضوح وينتهيَ بأن يتكيف معه مُخاطرًا بالتعرض لتهمة الانهزامية.

الأطروحة التي يعتمدها العروي إذًا هي أن كل مثقف عربي، إذا ما وعى، حق الوعي، الوضع الذي يعيشه، هو أيديولوجي عن طواعية وطيب خاطر، وبما هو كذلك، فإنه يسقط بالضرورة تحت نير التاريخ المشترك، ويكون فكره جدليًّا بالضرورة، وهذا الجدل يكشف له أن أفقه هو التاريخانية، بما هي استعادة واعية وإرادية، لكونها ضرورية، استعادة لفترة تاريخية سبقت معرفتُها، كما سبق تحليلُها والحكمُ عليها. هذه التاريخانية ذات المنحى العملي تجرّ من يعتنقها نحو أخلاق نفعية وفلسفة وضعانية. وهذه قد تؤدي إلى عدم الثقة في أي مشروع يرمي إلى استعادة الميتافيزيقا أو تجديد الأنطولوجيا. بهذا المعنى، ستغدو الفلسفة نوعًا من العمل الترفيهي. إلا أن التاريخانية، إذا اقتصرت على مجالها، لا يمكن تفنيدها؛ لأنها تعبر عن واقع مجرب. والأخبار تشهد دون انقطاع أنه من دونها، لا يمكن تصور نظرية للعمل السياسي.

يعتبر العروي النظرية فقط مرحلة في عملية الفهم، الهدف منها توضيح المفهومات قبل العودة إلى الواقع المشاهد. لحظة النظرية هي بالضبط الكشف عن هذه القدرة على الانسلاخ عن المؤثرات الموروثة والمفروضة، وعلى الرغم من ذلك فهي ليست سياسة، ولا يمكن أن تكون مصدر سياسة؛ إذ «السياسة ممارسة ليس إلا، وما قد يستنتج عن النظرية من سلوك ليس سياسة».

في التحديث

التاريخانية إذًا هي السبيل الوحيد للانفتاح على أبواب التحديث ما دامت هي وحدها الكفيلة بأن تجعلنا نميز بين الخصوصية والأصالة. فالأولى حركية متطورة، والثانية سكونية متحجرة ملتفتة إلى الماضي. الأصالة تصورٌ وهمي يجعلنا نعتقد أن التراث ما زال يغذي تفكيرنا الحالي. هذا في حين أن الرباط الذي يشدنا إليه «قد انقطع نهائيًّا، وفي جميع الميادين، وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدامى ونؤلف فيهم إنما هو سراب… إنه أصبح حسًّا رومانسيًّا منذ أزمان متباعدة». ما يتبقى لنا إذًا هو «طي الصفحة، أي القطيعة المنهجية».

في القطيعة

يريد العروي أن ينفصل توًّا عن التراث، لا عن هذا التيار أو ذاك، وإنما عن الذهنية العامة التي تسوده والتي تخالف كل المخالفة الذهنية الحديثة. إلا أننا لن نتمكن، في نظره، من الوقوف على مفارقات هذه الذهنية العامة التي تسود التراث ما لم ننظر إليه من منظور مقومات الفكر الحديث. لو اكتفينا بإنجازاتنا الثقافية لاستحال أن نصل بمحض الاستنباط إلى المفهومات التي تقوم عليها الحداثة الفكرية. «فالدور التاريخي الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفهومات التي تشيد على ضوئها السياسات الثورية الرامية إلى إخراج البلاد غير الأورُبية من أوضاع وسطوية مترهلة إلى أوضاع صناعية حديثة».

سيعمل العروي في كتبه المتأخرة على محاورة التراث، بل نقده و«الاهتمام بالتقليد» على حد تعبيره. فربما سيتبين أن الانفصال عن التراث ليس عملية تلقائية. كما أنه ليس خصامًا وإنما تملكًا وإحياء. نقد التراث هنا حكم على التراث انطلاقًا من مفاهيم غير نابعة من صلبه، فنحن لسنا بصدد وصف تقريري، وإنما أمام موقف انتقادي معياري. هذه المعيارية تطبع سلسلة كتب المفهومات التي نشرها العروي كلها. فهذه المفهومات لا تطابق المجتمعات العربية مطابقة كاملة؛ «إذ إننا لو انطلقنا من المجتمعات العربية وحدها، من إنجازاتها الثقافية الماضية والحاضرة لاستحال أن نصل بمحض الاستنباط إلى كمال المفهوم». يستحيل أن نجد الآن عند الغزالي مفهوم الأدلوجة، أو عند ابن عربي مفهوم الحرية، أو عند ابن خلدون مفهوم التاريخ، أو عند الشاطبي مفهوم الدولة، أو عند ابن رشد مفهوم العقل. ينظر العروي إلى التراث، كما يقول، من «منظور مكتسبات الفلسفة الغربية الحديثة»، أي من موقع ذاك الذي أدرك تلك المفهومات مكتملة فجاء لينتقد.

قد يقال: إن العروي قد عاد في بعض مؤلفاته المتأخرة للوقوع فيما عَابَهُ على المفكرين العرب في كتابه «الأيديولوجية العربية المعاصرة»، إلا أنه ينبهنا إلى أنه يميز في الفكر الحديث بين مقومات الفكر الحديث وبين أيديولوجية الغرب. فالمنهج ليس هو الأيديولوجية. المنهج نوع من التفكير على أساسه تتكون أيديولوجية: «الأيديولوجية هي التي تتشبث بها الطبقة، أما المنهج فقد أصبح قاعدة مشتركة لكل التيارات الفكرية العصرية».

في نقد العقل العربي-الإسلامي

لهذا التمييز في نطاق الفكر الغربي ما يقابله في الفكر العربي-الإسلامي. هنا أيضًا يميز العروي بين الموقف الكلامي والمذهب أو المنهج ثم الذهنية. الموقف يشير إلى نوعية التعامل مع النصوص وتناول الأسئلة والوقوف عند الأجوبة. أما الذهنية فهي تتعدى علم الكلام لتغدو إبيستمي ثقافة بكاملها؛ ذلك أن الأصل الذي انبنت عليه العلوم الإسلامية بأكملها هو أن العلم واحد لا يتبعض ولا يتفاضل ولا يتحول. وهذا الأصل تقرر في علم الكلام ومنه انتقل إلى العلوم الأخرى؛ لذا فـ«الذهنية الكلامية» عامة يخضع لها الفيلسوف والباطني والفقيه والمتصوف، ولا تقتصر على علم الكلام. ومن أهم مميزاتها أنها لا تكتفي بتحديد العقل بالمعقول، بل تجعل الثاني سابقًا على الأول. وهذا المعقول السابق على العقل الذي يحل فيه ولا يتولد عنه هو «العلم» بالمعنى المطلق. هذا المعقول يُعرف باسم خاص في كل مذهب وهو يسمى الخبر، أو الحكمة، أو السنة، أو التقليد، أو سر الإمام، أو الكشف. هذا المعقول مستقل لا يتوقف على طريقة تحصيله. فليس طلب العلم والحالة هذه بحثًا وتقصيًا. كما أن العقل الفردي ليس منبع المعقولات، ولا مصدر المعارف. متى تهيأ العقل الفردي حل فيه العلم بصورة مكتملة مباغتة نهائية.

وما يقال عن تدرج لعقول الفلاسفة لا ينبغي أن يفهم على أنه درجات من وعي العقل بنفسه، وإنما هي «شخوص على مستوى واحد من الوجود في الكون». ليس المنطق والحالة هذه أداة ومنهجًا وقواعد لبلوغ العلم اليقين؛ ذلك أن العلم اليقين سابق على العملية المنطقية. لا فرق هنا بين الوجود وما يقال عنه وما يتوصل به إلى معرفته. والعقل مرآة ينعكس عليها الحق المطلق. إن حضور المنطق الأرسطي عند أنصاره المسلمين وعند خصومه لا يدل، في نظر العروي، على أن الثقافة الإسلامية ثقافة عقل. فالعقل الذي تحتفل به مفهوم ملتصق بها ومفارق لما يعرف بالاسم نفسه في المجتمع المعاصر. سِمَتُهُ الأساسيةُ أنه عقل المطلق أي عقل المجردات، عقل الحدود والأسماء، وهو وعاء لعلم مطلق. لقد فهم المنطق بطريقة جعلت ذهن المسلم لا يلتفت إلى الطبيعة. وإن اختار المسلك الاستقرائي فليطبقه على نصوص وأقوال، لا على أعراض وأحوال طبيعية.

قد يرد بعضٌ على هذا بأن ما يقوله العروي هنا لا يصدق على مفكري الثقافة العربية الإسلامية جميعهم، وهو لا يصدق، بصفة خاصة، على ابن خلدون الذي اشتهر بنقده لعقل الفلاسفة. يعترف العروي بأن العقل عند صاحب «المقدمة» لا يورَث ولا يُكتشف، وإنما يُكتسب بالتجربة المتجددة؛ فهو دومًا عقل مشخص، محدد ومحدود بظروف الممارسة، إلا أن هذا التشخيص بالضبط هو الذي سيحد في نظر العروي، من منظور صاحبه إلى العقل. فبرغم أنه أعرض عن علم الكلام، وتوخى تأسيس علم الواقعات، ومع أنه توصل إلى مفهوم العقل التجريبي المرتبط بالصنائع، إلا أنه وقف في المجال الذي ابتدعه حيث وقف غيره في ميدان الكلام. فهو لم يتصور أن يصبح العقل التجريبي عقل إنشاء وإنجاز؛ لذا فقد حصر المرئيات في المتحقق، ومنع نظريًّا الانفتاح على التجارب الوهمية الكاشفة عن المحتمل. وبعبارة واحدة فقد حرم نفسه من خوض تجربة الممكن الموضوعي التي هي تجربة الفن التي تفتح العقل على آفاق الممكنات. وبهذا فقد جعل العقل محاصرًا: «قانون تفكيره هو التوقيف والحصر في كل المجالات: في السياسة، في العلم، في التعبير… موضوع العلم الحق، العلم اليقيني عنده هو الواقعات، أي الحاصل المحقق بالفعل، وأما المقدر المتوهم المحتمل فهو وهم. والوهم لا يُحد فلا يعلم». بهذا يتنافى علم الواقعات مع التوقعات وحساب الاحتمال؛ «إذ علم ما يستقبل هو من الغيب الذي لا يتم إلا بالكشف».

هذا الانسداد هو ما يجعل صاحب المقدمة عاجزًا عن إقامة منطق حقيقي للفعل؛ ذلك أن الفعل لا يكون فعلًا إلا إذا كان تجرؤًا على أمر غير محقق. إن علم العمران الخلدوني علم طبيعي، علم ما هو محقق وليس علمًا إنسانيًّا ناتجًا عن الإبداع والإقدام. لقد طبق ابن خلدون على الواقعات منطق الطبائع بالمعنى الكلامي فسد الطريق في وجه عقل العمل البشري، وبالتالي عقل الطبيعة كما فهمها الفكر الحديث، مجال تجارب الإنسان المتجددة. لقد أبدل ابن خلدون العقل التجريدي بالعقل التجريبي، فكان مجددًا في ذلك؛ إلا أنه لم يستطع أن يطور هذا العقل الثاني إلى عقل يعم كل أوجه الممارسة بما فيها من انفتاح ومخاطرة واعتبار الممكنات نسيجًا للوقائع ذاتها.

المثقف بين السياسة والسياسي

هناك وعي حاد عند العروي بأهمية دور المثقف في المجتمعات العربية المعاصرة؛ «لأن عمله اليومي هو بالضبط نقض الظاهر»، ولأن اسمه وشهرته تُستغلان «للتأثير على الرأي العام»، ولأنه مجبر على أن يثبت أنه أدرك «سن الرشد»، خصوصًا أمام المستشرقين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم الأوْلى بالحديث عن مجتمعاتنا، بل التحدث باسمها، وهم يتعجبون اليوم ويتساءلون: «كيف حصل أن يسأل اليوم العرب عن مستقبل ثقافتهم؟».

كتب العروي في إحدى خواطره: «التاريخ بلا سياسة أبكم، والسياسة بلا تاريخ عمياء». أنا «أنقب على الماضي القريب لأفهم الماضي البعيد، وكذلك الراهن». إن من يأمل ويتطلع إلى المستقبل، لا بد أن يتجاوز التخصص، «قد يقرر حقيقة. لكن السياسي ملزم بافتراض إمكانية». لا يعني هذا أن المثقف العروي مشارك فعال في الحياة السياسية، ولا هو منخرط في اليومي السياسي. إنه لا ينضوي في حزب بعينه، ولا يتخذ موقفًا سياسيًّا مقابل آخر، وإنما هو محلل مهووس بالسياسي، وهو ينتمي، كما يقول، «إلى فكرة لا إلى حزب»: لا أستطيع أن أقول مثل ماء العينين: أنا مخاوي، أي أخ لكل شيخ زاوية. لا يرضيهم الانتماء إلى فكرة، إلى حركة، إلى مشروع، المطلوب هو التعلق بأهداب رجل، أن تعلن الولاء لشخص بعينه؛ لذا فإن حضور السياسة عنده لا يتم إلا من خلال همّ ثقافي.

في المدة من 1988م إلى 1999م، أي حتى رحيل الملك الحسن الثاني (وهي المدة التي يغطيها الجزء الثالث من مذكراته)، كان العروي قد تقلد مهمة رسمية، وكُلِّف بشرح قضية الصحراء واستكمال وحدة التراب الوطني لدى بعض رؤساء الدول العربية والأوربية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الاضطلاع بهذه المهمة لم يجعله يغرق في السياسة ويتخلى عن عين المحلل الناقد. ويمكننا أن نجزم بأنه لم يكن، حتى في هذه المدة، مشاركًا فعالًا في الحياة السياسية، مع ما تجر إليه من اتخاذ مواقف، وتعيين مواقع، وخلق «عداوات»، والخوض في جدالات، وكل ما يترتب عن الانخراط الفعلي في اليومي السياسي. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظل محللًا مهووسًا بالسياسي، ظل «أستاذ تاريخ»، يلحظ ويسجل «كما يفعل المؤرخون القدامى»، لكنه ليس مؤرخًا لوقائع وأحداث، وإنما هو محلل مهتم بالسياسي، متابع للتطورات الدولية والعربية، حامل لهموم بلاده وقضاياها المصيرية.

لكنه، كما قلنا، يحلل «من بعيد»، يتحاشى الغرق في السياسة أو إصدار الأحكام، أو الميل لكفة ضد أخرى. فحينما يعقد، على سبيل المثال، مقارنة بين قطبين سياسيين مهمين لعبا أدوارًا كبيرة في الحياة السياسية المغربية غداة الاستقلال، بل ربما قبله، يكتفي بوصف «موضوعي» بارد، ويعمل جاهدًا على الوقوف «عن بعد». كتب مقارنًا بين الزعيم اليساري عبدالرحيم بوعبيد، وبين رضا كديرة: «أقارن بين الرجلين؛ لأنهما وُلِدَا في السنة نفسها (1922م)،
ومارسا المهنة نفسها (المحاماة)، وتأثرا على المستوى نفسه بالثقافة الفرنسية. ثم كان بينهما تشابه ملحوظ في البنية والملامح سوى السحنة… لو كان المغرب في مستوى إسبانيا، لو عاش مثلها تجربة ديمقراطية أصيلة لكُنّا رأينا الرجلين يتواجهان تحت قبة البرلمان كما تواجه في الكورتيس فيلبه غونزاليس وأدولفو سوارس؛ الأول باسم الديمقراطية الشعبية، والثاني باسم الليبرالية الديمقراطية. لو حصل ذلك -وكان واردًا في وقت ما- لَتَرَبَّى المغرب، والنخبة الشابة بخاصة، على تقاليد النقاش الحر المسؤول، ولَدَخَلَت البلاد فعلًا عهد الرشد السياسي. لكن مُنع كلاهما
من تحقيق أهدافه».

لا يعني هذا مطلقًا أن العروي لا يكترث لقضايا بلده. الضدُّ ربما هو الصحيح. فهو يحملها معه حتى عندما يكون خارج الوطن، وهو لا ينفك يقارن ويتذكر ويتحسر: «يبدو أن ما كنت أشعر به من إرهاق لا يعدو أن يكون تضايقًا من جو المغرب الخانق، من انسداد الأفق أمام الجميع، صغارًا وكبارًا. غيرنا يترقب، ويأمل: المتدين الكشف، العالم السبق، الفنان الإنجاز، السياسي الفوز. أما نحن فإننا نسبح في الفضاء، نعد الأيام، ونسمي الشهور». وقضايانا الكبرى لا تفتأ تطرح ولا تفتأ تتعقد وتتشابك: «نبحث، ونتيه في البحث، عن أسباب الركود والتخلف.. السبب واضح: الدولة تعلم الناس الكسل والخمول… بحث عن أدنى فرصة لإنشاء عيد جديد.. نتساءل ونتيه مجددًا في التأويلات، عن عدم تجذر الديمقراطية عندنا… فلننظر في الوضع العائلي، علاقة الأب والابن، الزوج والزوجة، ربة البيت والخادم».

العروي والفلسفة

نقرأ في كتاب «السنة والإصلاح»: «لا أرى نفسي فيلسوفًا، من يستطيع اليوم أن يقول: إنه فيلسوف؟ ولا أرى نفسي متكلمًا ولا حتى مؤرخًا همه الوحيد استحضار الواقعة كما وقعت في زمن معين ومكان محدد. لم أرفع أبدًا راية الفلسفة ولا الدين ولا التاريخ، بل رفعت راية التاريخانية في وقت لم يعد أحد يقبل إضافة اسمه إلى هذه المدرسة الفكرية لكثرة ما فُندت وسُفهت».

منذ كتاباته الأولى والعروي ينبهنا إلى أنه لا يقصد بانتسابه إلى التاريخانية انضواء ضمن تيار فلسفي وجد منشأه في الفكر الأوربي. فليس المقصود بالانتساب إلى التاريخانية عنده اتخاذ موقف فلسفي يجد أسسه عند فلسفات بعينها.

عيب الفلسفة الميتافيزيقية هو أنها ترى أن التاريخ مفتوح على الدوام، من غير أن تدرك أنها بذلك تعمل على نفيه. ونفي التاريخ، هو عدم رؤية الواقع والجدل واللامساواة والصراع والتبعية، وأولوية المجتمع وعدم أهمية الفرد مؤقتًا ربما، ومجمل القول، هو التصريحُ بعدم فاعلية السياسة والانزواء في البيت بعيدًا من صخب البشر. أليس هذا هو المعنى الذي اتخذه لفظ الحكمة على الدوام؟ وما معنى محبة الحكمة (التفلسف) إن لم تكن اتخاذ هذا الموقف؟

على هذا النحو تبدأ الفلسفة: فهي تتحدث عن نسيان الوجود، في حقيقة الأمر إنه نسيان التاريخ. التاريخ يُخضع والفلسفة تُحرر، هذا ما تَعِدنا به الحكمة، ونحن نميل بطبيعة الحال إلى تصديقِه. كلٌّ منا، شاعرًا بمرارة وخيبةِ أمل، يتمنى لو كان مكانَ الحكيم، سعيدًا في عزلته.

لكن، لو أن تجارب أخرى قد عُرفت، لو اضطر المرء إلى القيام باختيارات أخرى، ألن يكون هناك ميْل إلى القول، على العكس من ذلك، إن التاريخ يحرر وإن الفلسفة تُخضع. تبدو هذه الأطروحة أقل وضوحًا، إلا أنه، بعد تفكير، يمكن تبريرها بسهولة. فأيهما أقرب إلى الإخضاع؟ وأي سجن أشد إحكامًا من منظومة سبينوزا أو كانط؟ ما الذي يتبقى قوله والتفكير فيه أو تخيله إذا انطلقنا من مبادئ أحدِهما أو الآخر؟

العروي والنقد الأيديولوجي

لكي تقوم الفلسفة بدور، ينبغي عليها، والحالة هذه، أن تتحول إلى انتقاد للأيديولوجيا: «ودور منتقد الأيديولوجيا، وهو دور الملاحظة والتقويم، هو أن يعرض المنهجيْنِ معًا ويوضحهما؛ منهجَ الباحثين الذين يكتفون بالرغبة في فهم ما كان (التاريخية أو التاريخانية من الدرجة الأولى)، ومنهجَ رجال العمل الذين قرروا التحرر من الماضي (التاريخانية من الدرجة الثانية)».

ما يجعلنا نحكم بأن هذا الفكر أيديولوجيًّا هو حركة التاريخ، فـ«هناك مجرى للتاريخ لأن هذا يُدرَك كحلبة صراع تتواجه فيها مشروعات متضاربة. ليس هناك حَكَم لتعيين الغالب، هناك فقط تشكل جديد للواقع، ونتيجة مؤقتة، واضحة للجميع، تجعل أحد الخصمين يستعيد مشروع الآخر لمعاودة المباراة سواء في الميدان نفسه أو خارجه، ضد الخصم ذاته أو ضد آخر».

يتعلق الأمر إذن بتاريخ آخر، يتجدد عبر استعاداته المتواصلة، على عكس التاريخ السابق الذي كان يُستأنف كي لا يتبدل، وهذا ما يحدد العصر الجديد. من هذا الإدراك لمعنى التاريخ واتجاهه تتولد الأيديولوجية التي هي الشكلُ الجديد للفكر، كل ما هناك أن ما يرمي إليه الفكرُ لم يعد هو هو.

هكذا يربط ذنب السمكة برأسها، وتتشابك المفهومات الأساسية عند العروي، فيستخلص المفهوم المنطلق، مفهوم الأيديولوجية، من مفهوم التاريخ، ليعطي محتوى جديدًا لمفهوم العقل. ومن ثمة، يحددُ هذا الأخير بشكل مختلف، الفردَ والحرية والمجتمع الذي ينوي الفرد العيش فيه.

على هذا النهج سلك صاحب «الوطنية المغربية»، فهو لم يخض في أطروحته في دراسة تاريخية أو اجتماعية حول نشأة الأمة المغربية وهيكلها، وإنما سعى إلى تحليل الخطاب الذي كان الوطنيون المغاربة يبررون به أقوالهم وأعمالهم؛ لذا يؤكد: «أخذتُ الوطنية المغربية كمستوى من مستويات المفهوم العام للأيديولوجية». وهكذا فقد ظل العروي وفيًّا لنقد الأيديولوجية، ونقد الواقع الثقافي لعالمنا العربي، ماضيًا وحاضرًا، حتى وإن كان نقده قد تم دائمًا «عن بعد».