قرن من الأدب الإفريقي الأسود.. من الأدب المستعمَر إلى الأدب الغازي

قرن من الأدب الإفريقي الأسود.. من الأدب المستعمَر إلى الأدب الغازي

لوضع الأدب الإفريقي المكتوب بالفرنسية في سياقه الثقافي وفهم ثراء خياله وتطوره، من الضروري، أولًا قبل كل شيء، الاهتمام بالتراث الواسع للأدب الشفوي الذي سبق إنتاج الأدب المكتوب إثر استعمار الأوربيين إفريقيا. ففي حين نظر النقاد الغربيون في البداية إلى الأدبيات التي كتبها مواطنو البلدان الإفريقية على أنها قطيعة مع التقاليد الشفوية تشير إلى دخول «القارة السوداء» إلى الحداثة، فقد اتضح منذ ذلك الحين أن هذا الأدب المكتوب لم يُصَمَّم على نحو محضٍ نقلًا عن الممارسات الأدبية التي «جلبها» المستعمر، لكنها أيضًا ورثت جزءًا كبيرًا من أساليب الكتابة وموضوعاتها وخيالها من تقاليد ما قبل الاستعمار التي تعود إلى آلاف السنين.

خطوط عريضة: الوحم والولادة

كانت إفريقيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واحدة من الأراضي المفضلة لروايات المغامرات الفرنسية، من جول فيرن إلى هنري دي مونفريد مرورًا ببيير لوتي. وقد مثلت الحرب العالمية الأولى محطة حاسمة في تطور النظرة الفرنسية إلى إفريقيا وفي ظهور تعبيرات أدبية جديدة مرسّخة للقارة. ففي عشرينيات القرن الماضي، عقب كتاب «الأنطولوجيا الزنجية»((الأنطولوجيا الزنجية: 1921م دار بوشيه شاستيل.)) لبليز سيندرار وكتابات أبولينير وبيكاسو، استولى السرياليون على موضوع البدائية السوداء والزخارف التي نقلها الأدب الاستعماري.

يرجع تاريخ ميلاد الأدب الإفريقي، بالمعنى «الكلاسيكي» للمصطلح عمومًا، إلى مرحلة ما بين الحربين، حيث نُشرت كُتب مثل: «إرادات ماليك الثلاث» لدياني (1920)، و«باتوالا» لماران  (1921)، و«القوة الطيبة»، باكاري ديالو (1926) أو «العبد» لفيليكس كوشورو (1929). تحرر هذا الأدب تدريجيًّا من قيود ما يسمى بالأدب «الاستعماري»، ثم من مكانة «الأدب ذي الصلة» المنسوب إليه في عام 1958م من جانب موسوعة الكوكبة في أحد مجلداتها المخصصة للأدب الفرنسي، إلى جانب الأدب من هايتي أو جزر الهند الغربية، ليثبت نفسه كأدب مستقل بذاته، له رموزه وكلاسيكياته الخاصة.

اتبع هذا الأدب رحلة طويلة، سياسية وكذلك جمالية، من التحرر والاعتراف، التي سلكتها رواية «إرادات ماليك الثلاث»، وهي رواية قصيرة من نحو عشرين صفحة كتبها مدرس سنغالي، أمادو ماباتي دياني، بناءً على طلب من مكتبة لاروس- عملٌ نُشر في سلسلة «كتب وردية للشباب» واستخدم لتعلم القراءة- حتى الاعتراف بها في منتصف السبعينيات، تمهيدًا لمنح أول جائزة نوبل في الأدب لأديب إفريقي هو النيجيري الناطق بالإنجليزية وول سوينكا في عام 1986م، قبل عامين من المصري نجيب محفوظ.

مرحلة ما بين الحربين: الخطوات الأولى

تشهد بعض الكتب المنشورة بعد الحرب على ظهور الأدب الروائي الإفريقي، الذي درس مستوياته المتتالية وعوامله المختلفة برنارد موراليس بالتفصيل في كتابه «الأدب والتنمية» (موراليس 1984م). في عام 1921م، منحت جائزة غونكور إلى رواية «باتوالا» لرينيه ماران، موظف إداري في المستعمرات الفرنسية من أصل غوياني. بعد ما يقرب من عشرين عامًا، عندما اعتُرف به من جانب سنغور وجزء من الجيل الجديد من مؤلفي الزنوجة بوصفه رائدًا، استعاد نص «باتوالا» في طبعة جديدة، فقد طوّع كتابته للابتعاد من الفرنسية الصارمة للطبعة الأولى.

تطور الأدب الإفريقي بين الحربين، ضمن ما يسمى بالأدب «الاستعماري»، الذي شكل نوعًا منفصلًا في الأدب الفرنسي((انظر ليبل 1931م – كتاب يستند إلى أطروحة الدكتوراه للمؤلف، وتوج عام 1926م بجائزة بوجانيسكل للأدب الاستعماري- 1931م.))، وفي كثير من الأحيان حقق نجاحًا كبيرًا، وأقرته طبعات كبيرة جدًّا، عندما تمجّد المغامرة أو الغرابة أو المشروع الاستعماري، ومن خلال التكريس الرمزي والمؤسسي، مثل جائزة غونكور، التي أُنشِئَت في عام 1903م، والتي تذهب إلى كتب مثل «المتحضرون» للكاتب كلود فارير (1905م)، و« دينغلاي، الإفريقي اللامع» من جانب الأخوين جيروم وجان ثارود (1906م)، في فرنسا لماريوس- آري لوبلوند (1910م) أو «باتوالا»، سابقة الذكر (1921م). شكل الروائيون الأفارقة الأوائل، لمدة طويلة، منطقة واحدة فقط من هذا الأدب، كما يتضح من مختلف العناوين الفرعية لكتبهم: باتوالا، في عام 1921م، «رواية سوداء حقيقية»، كريم، عام 1935م، «رواية سنغالية»، أو «ديابالا» لجوزيف زوبيل، عام 1947م، «رواية كاريبية».

من أجل نيل الاعتراف، يجد الكتّاب الأفارقة الناطقون بالفرنسية أنفسهم خاضعين، في سياق استعماري مختلف قليلًا من حيث وضعهم كمؤلفين، للقيد نفسه الذي يثقل كاهل الكتاب الإقليميين: الحاجة إلى «تنمية الاختلاف (الفروق) في غياب القدرة على فرض أنفسهم كنماذج» كما يؤكد الناقد بونيفاس مونغو مبوسا: «في ثلاثينيات القرن الماضي، كان بإمكان كاتب أنتيلي أو إفريقي أراد […] النشر أن يختار، على سبيل المثال، كإستراتيجية أدبية أن يكون […] كاتبًا «إقليميًّا» أو « جهويّا»؛ لذلك يمكنه نشر خرافات أو حكايات كريولية مترجمة من لغة إفريقية إلى الفرنسية. لم يرغب كتّاب [«الزنوجة»] هؤلاء في أن يكونوا كتّابًا إقليميين. لقد نشروا لأول مرة في باريس، وقد انتُقدوا بسبب ذلك، وأعتقد أن ذلك لم يكن فهمًا لإستراتيجيتهم».

يشرح بول حازومي أيضًا، في «تحذير» في مقدمة كتابه دوغيسيم: «التعبيرات التي قد تبدو فريدة للقارئ هي استنساخ دقيق للهجة المحلية والترجمة الصادقة للغة الخلابة لداهومي. سيكمل هذا الخطاب الرسمي، بنكهته المحلية […]، أن ينقل إلى توثيقنا طابعًا من الغرابة والأصالة، واهتمامًا مستمرًّا بالجهوية الحقيقية». إذا كانت هذه الكتابة تندرج في إطار الاعتراف الإقليمي بهدف اكتساب الشرعية في المجال الأدبي الفرنسي، فإنها تنطلق في الوقت نفسه من الرغبة في العودة إلى المصادر، وإعادة التملك الأَوَّلي للماضي والهُوية الإفريقية: «التوثيق» يهدف إلى الإعلام والمطالبة، بأسلوب متحفظ، بتاريخ وطنية وثقافة أصيلة.

لقد كرّس هذا الجيل بأكمله من المؤلفين الأوائل، بمن فيهم ماران وحزومي((4 كتب بول حزومي Paul Hazoumé دراسة في عام 1937م بعنوان حول ميثاق الدم في داهومي Sur le pacte de sang au Dahomey التي حصلت على الجائزة الأولى من الحكومة العامة لغرب إفريقيا الفرنسية. طريقة مشابهة لنهج جومو كينياتا في سياق المستعمرات البريطانية، مع دراساته الإثنولوجية عن جيكويو المكتوبة باللغة الإنجليزية.)) وداماس، حياته لكتابة الروايات والإثنوغرافيا، ولا سيما في متحف الإنسان في باريس. تمثل أعمالهم بلا شك ردًّا على الإثنولوجيا الاستعمارية لمرحلة ما بين الحربين، حيث بدأ المؤلفون بمعارضة الشرائع الجمالية والافتراضات الإثنولوجية الموجودة في ذلك الأدب.

سرعان ما أصبح الكتّاب والمثقفون الفرنسيون من الدرجة الأولى، ولا سيما بين السرياليين، خلفاء الإداريين الاستعماريين: مقدمة روبرت ديسنوس لمجموعة «أصباغ» لليون غونتران داماس، التي نَشر خمسَ مئةِ نسخةٍ منها في عام 1937م الشاعرُ الناشرُ غي ليفيس مانو، تُشكّل علامة فارقة في هذا التطور، وسرعان ما تلتها مجموعة «عودة من غويانا» للمؤلف نفسه، نشره في العام اللاحق خوسيه كورتي، القريب من السرياليين، الذي نَشر أيضًا في ذلك العام كتاب « في قصر أرغول»، أول كتاب لجوليان غراك.

في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، اجتمع المثقفون السود، وكثير منهم لا يزالون طلابًا، في باريس في الحي اللاتيني، مكانًا للتكوين واستقبال المنفيين. تمكن بعض منهم من نشر نصوصهم في أكبر المجلات، مثل داماس، الذي نشر العديد من قصائده في مجلة «الفكر» من عام 1934م، ثم في «كراسات الجنوب». غالبية هؤلاء المؤلفين اتخذوا خطواتهم الأولى في العديد من المجلات الطليعية الصغيرة، التي قدّمت نفْسَها على أنها أماكن للقاء والنقاش الجمالي والسياسي. تأسست «البرقية الإفريقية» في باريس عام 1928م وأدارها الغوادلوبي موريس سالينو، وتدعو إلى الاندماج واستبعاد أي راديكالية عرقية.

في عام 1932م، ظهر العدد الوحيد من مجلة «دفاع شرعي»، التي كتبها منشقون عن مجلة «العالم الأسود» الذين عدُّوها جبانًا للغاية، مثل رونيه مينيل، وجون مارسيل مونرو وإتيان لورو، وبدت المجلة كشفًا جذريًّا، يأخذ شكل بيان في سياق سريالي، أطلقت المجلة النار على الكتابة التي عَدَّها كتاب المارتينيك امتثالية.

ثم جمعت مجلة «الطالب الأسود»، عام 1935م، بعد عدد قليل من الإصدارات النادرة، كتاب الزنوج المستقبليين مثل إيمي سيزير وليون جونتران داماس. هناك نجد ليوبولد سيدار سنغور وليونارد ساينفيل وعثمان سوسييه. تناضل المجلة من أجل الانفصال عن الجماليات الكلاسيكية ومن أجل الاستقلال في مواجهة الأممية الثالثة، وغالبًا ما يُعتقد أنه، مع مقال سيزير بعنوان «كوخ الزنوج» «Nègreries»، ظهر مفهوم الزنوجة.

كانت هذه المجلات منتدًى أدبيًّا بقدر ما هي ورشة عمل للكُتاب الشباب السود الذين يسعون إلى المواطنة في النشر، مثل ليوبولد سيدار سنغور، الذي نشر في عام 1939م في مجلة «صقالة»، قصيدة «ثلج على باريس» أو إيمي سيزير في الكتابات الأولى لقصيدته «كراس العودة إلى أرض الوطن» نُشر العمل في إبريل 1941م، في العدد الأول من مجلة «مداريات»، التي أسسها في المارتينيك في أثناء الحرب إيمي سيزير وزوجته سوزان، وهي مجلة اكتشف فيها أندريه بريتون النص في هذا الشكل في أثناء زيارته إلى فور دي فرانس، ودفعه حماسه الفوري للنص الذي عدَّه سرياليًّا إلى تقديم طبعة عام 1947م، التي ظهرت في وقتٍ واحد في باريس ونيويورك((مجلة إرادات 20 أغسطس 1939م: 23-42. في إرادات، انظر سابيرو 1999م 458-459.)).

مرحلة ما بعد الحرب: صعود حركة الزنوجة

بعد الحرب، استأنف الكتّاب والمفكرون السود صعودهم، أقوياء بالآفاق الجديدة الناتجة عن مؤتمر برازافيل لعام 1944م، في إطار الاتحاد الفرنسي، وشرعية الالتزام وتضحية الشعوب المستعمرة من أجل تحرير فرنسا. علاوة على ذلك، كانوا في كثير من الأحيان متحدثين وممثلين سياسيين في أثناء التحرير، مثل سنغور وإيمي سيزير وحزومي أو مران أحيانًا، بين 1948-1950م. على هذا النحو، فإنهم يحملون مطالب مزدوجة: من ناحية، يريدون الاعتراف بأنفسهم ككتّاب، ومن ناحية أخرى، على مستوى أكثر شمولًا وسياسيًّا، لرؤية أكبر عدد يصلون إلى المواطنة، مما سيؤدي إلى قوانين ربيع عام 1946م- ما يسمى بقانون «هوفويت بوانيي» لإلغاء السخرة، ثم قانون «لامين غيي» الذي يلغي أي تمييز بين «الرعايا» و«المواطنين». هذا الدخول إلى مجال النشر الفرنسي والمطالبة بالاعتراف السياسي والجمالي الذي يصاحبه، يتخذ شكل مختارات، وهي طريقة لفرض التضامن والوَحْدة بين المؤلفين، «كما لو كان لقاءً مثاليًّا وأخويًّا، من أجل المطالبة بصوت للجميع، ورسم معالم نظرية نقدية. من مختارات داماس الأولى إلى الثانية، التي نُشرت عام 1966م، والتي تكشف عن جيلين مختلفين من الكتّاب الأفارقة، من بينهم الجيل الذي نشرت له مجلة «أورُبا» عام 1949م أو كتاب ليونارد سان فيل، الذي نشرت له مجلة «حضور إفريقي» عام 1963م، والذي ظهر مجلده الثاني في عام 1968م، ثم ظهرت «مختارات من الشعر الزنجي الجديد والملغاشي باللغة الفرنسية»، التي أعدّها الشاعر الرئيس ليوبولد سيدار سنغور والتي عرفت نجًاحا كبيرًا، على وجه الخصوص بفضل مقدمة سارتر، «أورفيوس أسود» التي تحتفل بقدوم التعبير الشعري الأسود.

ليوبولد سيدار سنغور

كان الناشرون الجدد الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية هم الأبطال الرئيسين للنشر للمؤلفين الأفارقة السود. حيث أعطوا حق المواطنة في مجال النشر الفرنسي للأصوات والأدب الإفريقيين، أولًا في مجال الشعر، ثم في الرواية. اعترف كامارا لاي أو الشيخ حميدو كين لاحقًا أنهما لم يواجها مشكلة في العثور على ناشر. في عام 1945م، نشر سنغور «أناشيد الظل» في سلسلة «حجارة حيّة» التي نشرت «تاريخ السوريالية» لموريس نادو (1945م) أو«الدرجة الصفر للكتابة» لرولان بارت (1953م). في عام 1947م، نشر ليون غونتران داماس المجلد الأول والوحيد من مختاراته «مناخات فرنسية: شعراء اللغة الفرنسية»((كان من المقرر اتباعها في المجموعة نفسها بمجلدين آخرين لم يريا النور، وهما: الروائيون ورواة القصص الناطقون بالفرنسية، وكتّاب المقالات الناطقون بالفرنسية.))، قبل ظهور « قرابين سوداء»، مجموعة سنغور الجديدة.

نشرت دار غاليمار ديوان «الأسلحة المعجزة»، لإيمي سيزير. وسرعان ما تبعه ديوان «علامة سوداء» لداماس في مجال الشعر، الذي أبرز ثراءه سارتر على نحو خاص في «أورفيوس أسود». يلعب المحركان دورًا رئيسًا: أولًا، بيير سيغيرز، «ناشر الشعراء»، الذي نشر كتاب «إفريقيا المنتصبة!»، أول مجموعة قصائد كتبها الإيفواري برنارد بينلين دادييه في عام 1950م، و«قصائد إفريقية» لكايتا فوديبا، تلاها بعد ذلك بعامين كتابات ليون- غونتران داماس. كان الناشر الكبير الآخر للشعراء الأفارقة بيير جان أوزوالد، شديد الالتزام في أثناء الحرب الجزائرية، وهو ما جرّ عليه المنفى في تونس. في عام 1962م، نشر «موجز حكايات قديمة»، تشيكايا أو تامسي مع مقدمة كتبها سنغور، في الشركة الوطنية للنشر والتوزيع في تونس، ثم في سلسلة «أطالب بالكلام» «نشيد جنائزي، لبطل إفريقي» لبيير ماكومب بامبوته، تكريمًا لباتريس لومومبا.

أدى ظهور الإثنولوجيا، ثم الأنثروبولوجيا، إلى تطور في الطريقة التي نظرنا بها إلى أعمال المؤلفين الأفارقة، إضافة إلى تفسيرات أكثر علمية، وأكثر اتّزانا لتاريخهم وثقافتهم، مع ظهور مفهوم «العالم الثالث» تحت تأثير ألفريد سوفي وجورج بالاندير. إن مساهمة مجلة «حضور إفريقي» في الاعتراف بالأدب الإفريقي كبيرة على أي حال، بما يتناسب مع فرصة التحرير الهائلة التي أوجدتها المجلة: لم يعد بإمكاننا إحصاء عدد المؤلفين الذين نشروا أعمالهم الأولى هناك. وظهرت مجلات أخرى في الوقت نفسه، مثل «حقائق إفريقية»، أو مجلة «أصداء» التي أعطت صوتًا لإفريقيا الاستوائية الفرنسية.

إنهاء الاستعمار: ازدهار الرواية والمقالات

في بداية الخمسينيات، بالتوازي مع ظهور الرواية الإفريقية، في سياق قمع مدغشقر (1947م)، مؤتمر باندونغ (1955م)، استقلال غانا (1957م) وقبل كل شيء حرب الجزائر (1954-1962م)، تتخذ المقالات الجدلية على نحو متزايد موقفًا في باريس ضد النظام الاستعماري. في عام 1950م، نشر إيمي سيزير كتابه الشهير «خطاب حول الاستعمار»، أولًا مع ريكلام، وهي طبعة مرّت من دون أن يلحظها أحد تقريبًا((ظهرت النسخة الأولى من النص في مجلة طرقات العالم Chemins du monde في عام 1948م، بمناسبة نص عرضي عن الاتحاد الفرنسي. ثم أعطت الترجمة إلى الإنجليزية العمل مكانة عالية جدًّا.))، ثم في نسخة منقّحة وموسعة مع حضور إفريقي في عام 1955م. في عام 1952م، طبيب نفسيّ شاب من غرب الهند يبلغ من العمر سبعة وعشرين عامًا، فرانز فانون، ينشر مع دار نشر سوي، «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، الذي قدّمه فرانسيس جينسون. في عام 1953م، نشرت حضور إفريقي «الطلبة السود يتكلمون»، وسرعان ما تبعها «الحشود الإفريقية، والوضعية الإنسانية الآن» بقلم أدولاي لي، قبل «رسالة إلى موريس ثوريز» بقلم إيمي سيزير (1956م). في عام 1955م، نشر ريتشارد رايت للمرة الأولى بالفرنسية «باندونغ، 1500.000.000 رجل». في عام 1957م، نشر ألبير ميمي من جانبه «ملامح المستعمَر» في غاليمار.

كان للحرب الجزائرية، التي أغرقت الجمهورية الرابعة في أزمة قاتلة، صدى كبير في جميع أنحاء العالم. حارب عدد قليل من دور النشر في طليعة مجال النشر، الرقابة التي كانت، بعد أن أخرست الصحافة، تضربُ الكتب على نحو أقوى وأصعب. منذ وقت افتتاح مكتبته، في قلب الحي اللاتيني في باريس، أقام فرانسوا ماسبيرو علاقات وثيقة مع المفكرين والكتاب من العالم الثالث، وكذلك مع الجيل الجديد من الطلاب الذين كان يُطلق عليهم آنذاك «المستعمَرين»، مثل الأنغولي ماريو دي أندرادي، وزعيم غينيا البرتغالية أميلكار كابرال، والكوبي نيكولاس جيلين، وليوبولد سيدار سنغور، وليون- غونتران داماس أو ريتشارد رايت إلى جانب المثقفين الشيوعيين مثل كلود روي وروجر فيلانت.

كانت حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هي أيضًا مرحلة ظهور الرواية الإفريقية الناطقة بالفرنسية من البلدان التي نالت استقلالها، وذلك بفضل التزام أكبر دور النشر، فلاماريون، أو بلون، أو جوليارد، أو روبير لافون. إضافة إلى العناوين التي سبق ذكرُها، ظهرت العديد من الروايات التالية: «الطفل الأسود»، (1953م) للكاتب الغيني كامارا لاي، و«المسيح الفقير» لمونغو بيتي (1956م)، «العتّال الأسود» لسامبين عصمان، أيضًا في عام 1956م، «حياة خادم» للكامروني فرناند أويونو (1958م)، كوكومبو، «الطالب الأسود» لآيك لوبا )1960م)…

كان ذلك الوقت هو العصر الذهبي للرواية الإفريقية، التي لاقت نجاحًا كبيرًا بجوائز عدة، بينما أُنشِئت جوائز محددة لأعمال مؤلفين أفارقة، مثل الجائزة الكبرى للأدب الإفريقي الأسود. في عام 1961م. وهكذا حصلت رواية «الطفل الأسود» على جائزة تشارلز فيلون، ورواية «المدينة القاسية» لمونغو بيتي جائزة سانت بيوف في عام 1958م، وبيراغو ديوب الجائزة الكبرى للأدب الإفريقي الأسود في عام 1964م.

هنا مرة أخرى، تلعب دار نشر «حضور إفريقي» دورًا مهمًّا؛ إذ أَعادَت نَشْر النصوص التي نشرها ناشرون آخرون، في طبعات نهائية ستكون علامات أدبية وفكرية في الأغلب.

منتصف السبعينيات: الاعتراف والتجديد

في عام 1975م، جاء جيل جديد من الناشرين إلى فرنسا لمواصلة عمل مؤسسة «حضور إفريقي» أو «فرانسوا ماسبيرو»، اللذين يواجهان الآن، بعد مرحلة طويلة من النمو، صعوبات اقتصادية خطيرة في سياق سياسي مختلف تمامًا. تميزت منتصف السبعينيات بالاعتراف النهائي بهذه الآداب السوداء، سواء في مجال النشر الفرنسي أو على المستوى الدولي، وبداية موجة كبيرة من الأعمال والمقالات الأكاديمية المكرسة لها.

أدباء الجيل الرابع: الأدب الإفريقي الغازي

يرفض روائيو الجيل الجديد الالتزام السياسي كعنصر إلزامي في كتاباتهم، ويبتعدون من القارة الإفريقية للانفتاح على منظور عالمي ويتبنّون في أعمالهم نهج التعالق النصي المفتوح على مؤلفين من أصول وعصور وأجناس مختلفة تمامًا. لقد اكتسبوا الثقة في أنفسهم، وهم على دراية بقيمة عملهم في المشهد الأدبي العالمي، ومن ثم يريدون إضفاء الشرعية على أنفسهم. يتميز إنتاجهم أيضًا بأنه أدب الشتات والمنفى والهجرة؛ لأن معظمهم لم يعودوا يعيشون في إفريقيا. لكن هؤلاء المؤلفين يعيشون المنفى ويصوّرونه بطريقة هادئة مقارنة بكبارهم. إنه يمثل فرصة ومناسبة مجزية وليس حدثًا مأساويًّا. إن الحنين إلى «الوطن»، والحاجة إلى العودة إلى المنابع الأولى لم تعد تخصهم.

كما شهدت موضوعات الروايات والقصص تغييرات على مر العقود. إذا كان الموضوع المتميز، في الحقبة الاستعمارية، هو إدانة الاستعمار، فقد شعر الكتاب بالحاجة إلى تأكيد القوى التي أتت منه؛ من أجل التركيز أخيرًا على نقد التقاليد الإفريقية وظروف الهجرة. لذلك كانت النصوص الروائية مرايا للمجتمع الإفريقي، وعلى هذا النحو، فقد تبنّت منظورًا واقعيًّا وضعه الجيل الجديد جانبًا. يختار العديد من الروائيين الشباب التحدث بضمير المتكلم، مع إعطاء المكانة الكاملة للبحث السرديّ حيث غالبًا ما ينفجر الحلم والخيال لطمس مسارات الفهم، لكسر الحدود مع «الواقع». تظل إفريقيا، حتى معهم، هي بطلة الرواية مع مصائبها، والكتابة لا تتخلى عن «الأسلوب الشفهي» (آلان مابانكو- مذكرات نيص) ولا البحث عن التقاليد كأساس للهوية، لكن كل هذا يُصَفَّى عبر نظرة ذاتية تنتهي بتأكيد الذات للواقع الموضوعي، وعن طريق إبراز عجز الكلمات عن التعبير عن آلام العالم. ومع ذلك، لا يمكن للخطاب الأدبي أن يتجاهل السياق الذي يتطور فيه، ويجب بالضرورة تعريفه فيما يتعلق بالقضايا في هذا المجال. وينطبق هذا على نحو أكبر على الروائيين الأفارقة الذين ما زالوا مجبرين على تعريف أنفسهم ليس فقط فيما يتعلق بأسلافهم، ولكن أيضًا فيما يتعلق بالكُتاب الغربيين.

خاتمة:

على أي حال، فإن مسألة الغيرية الأدبية الإفريقية، إذا استمرت في بعض الدراسات، فتُطْرَح على مسافة، وتُسأَل وتُناقَش. فهي لم تَعُدْ أَمْرًا بديهيًّا كما في الأيام الخوالي لإجماع مفكري الزنوجة. من كل هذه الخطابات النقدية ينبثق خط إرشادي: الرغبة في إعادة تقييم افتراضات التاريخ الأدبي من خلال الطعن، على وجه الخصوص، في الرؤية المركزية الأوربية للتاريخ، وهي رؤية لا تزال تلميحاتها التطورية حاضرة. كما أن الطعن في الأطروحة المعاكسة يمثله الرؤية الأفرو-مركزية للأعمال. وإذا كان هناك شعور متزايد بالحاجة إلى كتابة تاريخ النقد الأدبي الإفريقي، فلا بد من القول: إنه سيكون تعدّديًّا لأن النصوص التي يتخذها موضوعًا له متعددة النغمات.


المراجع والمصادر:

  • ألبرتيني، جون: 1981م هل قرأت جين ريتشارد بلوخ؟ باريس، الطبعات الاجتماعية.
  • أنتوني، ريجيس: 1992م الأدب الفرنسي الكاريبي. باريس، كارتالا.
  • أستييه لوفتي، مارتين:1971م الأدب والاستعمار. التوسع الاستعماري كما رأينا في الأدب الروائي الفرنسي، 1871-1914م. باريس ولاهاي، موتون.
  • بالاندير، جورج: 1967م [مقدمة، إضافة للطبعة الجديدة]، في جومو كينياتا، أو بيد دو مونت كينيا. باريس، مجموعة صغيرة ماسبيرو 1: 17-18.
  • بانسل، نيكولاس وديفيز، جاك: 1993م «الصحافة الطلابية السوداء من عام 1943م إلى عام 1960م»، في دور الحركات الطلابية الإفريقية في التطور السياسي والاجتماعي لإفريقيا منذ الستينيات، باريس، اليونسكو ولهارماتان: 197-223.
  • بينو، إيف:1989م برلمانيون أفارقة في باريس، 1914-1915م. باريس وداكار، شاكا.
  • بيتي، مونجو: 2006م مونغو بيتي يتحدث، مقابلات مع أمبرواز كوم، شهادة على روح التمرد. باريس.
  • بلاشير.
  • جان كلود:1981م النموذج الزنجي. الجوانب الأدبية للأسطورة البدائية في القرن العشرين عند أبولينير وساندرا وتزارا. داكار وأبيدجان ولومي، المنشورات الإفريقية جديدة.
  • 1993م الزنوجة: كتّاب من إفريقيا السوداء واللغة الفرنسية. باريس، هارمتان.
  • 2003م «ثروات الأدب الاستعماري في الطليعة الفرنسية»، في «الآداب والمستعمرات»، كراسات سيالكت 1: 285-305.
  • بواتا، ب. ماليلا: 2008م الكتاب الأفرو كاريبيون في باريس، الإستراتيجيات ووضع الهوية. باريس، كارتالا.
  • كازانوفا، باسكال: 1999م جمهورية الآداب العالمية. باريس، سوي.
  • شاموازو، باتريك وكونفيان، رافائيل: 1991م رسائل كريولية، آثار غرب الهند والقارية، 1635-1975م. باريس، هاتيير.
  • شيفرير، جاك: 1996م الأدب الفرنكوفوني من إفريقيا السوداء. إيكس أون بروفانس، إديسود.
  • كونتيز مورغان، جون: 1989م «اكتشاف الآخر. ترجم من الإنجليزية إلى الفرنسية»، مكتبتنا، مجلة آداب الجنوب  98، يوليو-سبتمبر: 21-37.
  • كورنيفين، روبرت: 1976م – الأدب الإفريقي الأسود بالفرنسية. باريس، المنشورات الجامعية.
  • كورزاني، جاك، هوفمان، ليون فرانسوا وبيسيون، ماري لين: 1998م الأدب الفرنكوفوني. 2: الأمريكتان. هايتي، جزر الأنتيل – غويانا. كيبيك وباريس، بيلين سوب.
  • دماس، ليون جونتران: 1939م «الكلمة للمرفوضين»، إسبري، يونيو: 333-354.
الموت الرحيم.. عشرة أسئلة استشكالية

الموت الرحيم.. عشرة أسئلة استشكالية

عندما ضرب إعصار كاترينا الولايات المتحدة الأميركية سنة 2005م كانت مقاطعة نيو أورليانز- لويزيانا هي الأكثر تضررًا، ليس بسبب الإعصار نفسه بل بسبب الفيضانات الكبيرة التي تسبب بها، بعد أن فشلت الجدر في حماية المنطقة منها، وهو ما أدى لوقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومن ضمن هذه الخسائر كانت 45 جثة لـ45 مريضًا في مستشفى نيو أورليانز التذكاري. أثار هذا الرقم، عند مقارنته بأرقام المراكز الصحية والمستشفيات القريبة، حفيظة بعض الجهات؛ لأنها أعلى من معدل الوفيات المسجل بشكل كبير، وهو ما دعا الولايات المتحدة الأميركية للتحقيق في مجريات الأحداث التي حصلت منذ بدء الإعصار حتى إجلاء الجميع من المستشفى بعد خمسة أيام…

الموت الاضطراري في حالة الكوارث

في اليوم الأول للفيضان غرق الطابق الأرضي في المستشفى وهو ما منع الطاقم الطبي والمرضى وأكثر من 2000 شخص، اختاروا المستشفى ليحتموا به من الإعصار، من الوصول للمؤن والماء الصالح للشرب، كما حرمهم من الكهرباء؛ بسبب فشل المولدات الاحتياطية. وبذلك يكون الجزء الأول من الوفيات قد حدث بسبب توقف أجهزة دعم الحياة، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى وفاة المرضى الذين يعتمدون عليها. وبمرور الأيام وتفاقم حالات المرضى سوءًا زادت حالات الوفاة داخل المستشفى، وكل يوم يمر كان الوضع يزداد سوءًا خارج أسوار المشفى؛ بسبب عمليات النهب والسلب وإطلاق العيارات النارية والفلتان الأمني الحاصل وقتها. كل ذلك وعمليات الإجلاء للمرضى والأطفال الخدج تتم ببطء شديد؛ فالمساعدات لا تصل والطائرات المروحية غير كافية.

مضت الأيام الخمسة بصعوبة بالغة وانتهت بوصول قوات خفر السواحل ومطالبة الطاقم الطبي المنهك في المستشفى بإخلاء جميع من في المستشفى خلال ساعات قليلة. ولما كان ذلك مستحيلًا اختار الأطباء تقسيم المرضى لمجموعات، منها مجموعة ميؤوس من علاجها أو غير ممكن نقلها، وكان لمرضى مركز life care الطبي النصيب الأكبر من هذه التصنيفات. وهنا تزيد هذه الكارثة الطبيعية سوءًا وتصير قصة مستشفى ميموريال أكثر إشكالية، حيث قررت الدكتورة آنا بو حقن هؤلاء المرضى بحقن قاتلة من المورفين والميدازوليم، وقد ادعت لاحقًا أنها اختارت ذلك لمساعدتهم؛ فلم يكن أمام الطاقم الطبي خيار آخر -حسب قولها- سوى تركهم يموتون ببطء. لاحقًا برأت المحكمة الدكتورة بو والممرضتين اللتين شاركتاها حقن المرضى، وصدقت روايتها وأدرجت الحالات العشرين -على أقل تقدير- التي تسببت في إنهاء حياتها تحت بند القتل الرحيم بدلًا من القتل العمد أو حتى القتل غير العمد، فهل يمكن أن نعدّ القتل في مثل هذه الأوقات العصيبة رحيمًا؟

سرد المسلسل الوثائقي «خمسة أيام في مستشفى ميموريال» وقائع هذه القصة، ولم يكن وحده الذي تطرق لفكرة الموت الرحيم في المدة الأخيرة. سبق أن قدم الممثل آل باتشينو دور طبيب الموت الأميركي جاك كيفوركيان في فِلْم «أنت لا تعرف جاك» (You Don’t know Jack) الذي عُرض سنة 2010م، في وقت لا يزال فيه الموت الرحيم محل خلاف كبير والبيوتيقا ساحة نزال كبيرة بين الطب والفلسفة والدين والقانون وعلم الاجتماع والأخلاق. لكن ذلك لا يلغي أنه كان محقًّا بشكل كامل عندما قال في الدقيقة الثالثة من الفلم: «إن العيش بمصاحبة ألم شديد بانتظار الموت ليس حياة على الإطلاق». هذا الفلم مُهمّ بلا شك، لكنه لا يناقش مسألة أخلاقية الموت الرحيم أو تقديم المساعدة الطبية لتسهيل الموت بقدر ما ينحاز للموت الرحيم. ومن هنا أطرح عشرة أسئلة استشكالية حول الموت الرحيم:

أولًا- سؤال المصطلح نفسه: كيف يكون الموت رحيمًا؟

ثانيًا- سؤال الإرادة: متى نسأل سؤال أحقية الإنسان بتقرير مصيره؟

ثالثًا- سؤال الطرق المستخدمة: هل هي غير مؤلمة؟

رابعًا- السؤال الكلي: هل من الصحيح محاكمة الطب أخلاقيًّا؟

خامسًا- سؤال العملية نفسها: هل يمكن للقتل أن يكون أخلاقيًّا؟

سادسًا- سؤال الواقع: هل يمكن حدوث أخطاء؟

سابعًا- سؤال العقاب: هل القتل الرحيم قانوني؟

ثامنًا- سؤال التطبيق: هل اختبارات أهلية/ جدية المريض المقبل على الموت الرحيم يقينية؟

تاسعًا- سؤال الهروب من المحددات: هل الطب التلطيفي حل بديل مناسب؟

عاشرًا- سؤال اللاهوت: ما موقف الأديان من القتل الرحيم؟

صعوبة الإجابة

كيف يكون الموت رحيمًا؟ في بعض الحالات تصل الآلام بالمريض الذي نحب درجة تجعلنا نعتقد أن الموت سيكون أكثر رحمة به، خصوصًا إذا يئس الأطباء من علاجه، كما يحدث في حالات السرطان المتقدمة أو الغيبوبة غير المتوقع الاستيقاظ منها. ولذلك يندرج أي حل مطروح من شأنه تخفيف وطأة هذه الآلام، بما فيها الموت، تحت باب الرحمة. لكن هل هذا الحل جميل إلى هذه الدرجة؟ هل يجب أن نسأل أنفسنا ما إذا كان المريض سيعاني آلامًا من نوع آخر مرتبطة بفراق أو فقد بعض الأحِبّة؟ هل يجب أن نسأل عن نوع الآلام التي سيعانيها محبُّو هذا المريض الذين سيقررون ربما عنه قرار إنهاء حياته؟ إن ما يزيد من صعوبة الإجابة عن هذه الأسئلة هو أنها شائكة؛ فالطب ليس وحده سيد الموقف فيها؛ فالقانون والدين والأخلاق والفلسفة وعلم الاجتماع جميعها تتصارع معه.

متى نسأل سؤال أحقية الإنسان بتقرير مصيره؟ يتجه العالم نحو تقنين الموت الرحيم في حالات المرض الشديد الميؤوس من علاجه؛ لأن ترك المريض يتألم من دون أمل وفي انتظار الموت فيه قسوة على المريض وعلى من يحبونه وعلى عائلته. لكن هل الحالة الجسدية للمريض وحدها التي تسمح لنا بطرح سؤال المساعدة الطبية على الموت؟ هل نحن بحاجة لأن يصل المريض لمرحلة يهان فيها بشكل كامل حتى نوافق على طلبه في إنهاء حياته؟ هل يمكن أخذ أمراض أخرى مزمنة صعبة، ليس لها علاج لكنها غير مؤلمة، في الحسبان مستقبلًا، هل أصابت كندا عندما سمحت بالمساعدة الطبية على الموت لمرضى الاكتئاب المزمن؟

وإذا كان العالم يرى الموتَ الرحيم حلًّا في حالات كثيرة لا يتألم فيها المريض، وهي حالات حرجة ومنتشرة بكثرة، يدخل فيها المريض في غيبوبة ويتعطل فيها جزء من وظائف الدماغ ينتهي به ليكون حيًّا فقط بالاعتماد على أجهزة دعم الحياة. وبذلك يكون قرار فصل الأجهزة عن المريض بمنزلة قرار بقتله…

هل الطرائق المستخدمة مؤلمة؟ سيكون اعتماد طريقة مؤلمة في إنهاء حياة هؤلاء الأشخاص الهاربين من الألم النفسي والجسدي شكلًا من أشكال الكوميديا السوداء. سجلت أروقة المحاكم حول العالم العديد من القضايا التي ادعى أصحابها أنهم قتلوا زوجاتهم، أولادهم، أمهاتهم، وآباءهم.. بطرائق مؤلمة لإنهاء آلامهم وعذاباتهم وخوفًا عليهم من الاستمرار في هذه المعاناة بعد رحيلهم هم أنفسهم عن الحياة؛ إلا أن أدوات الموت الرحيم القانوني هي أدوات طبية أكثر رحمةً بالمريض؛ ومعظمها تعتمد على الحقن والأدوية. إذ يخبر المريض طبيبه برغبته في الخضوع لبرنامج الموت الرحيم، وبعد إجراء فحوصات واختبارات عدة يبدأ الطبيب إما بقطع علاج ما يساعد مريضًا على الاستمرار في الحياة في سبيل إنهاء حياته، أو بإعطائه علاجًا آخر يسرع عملية موته، كما يحدث في حالات إعطاء الثيوبارتينال والبنتوبارتينال والسيكوبارتينال. وفي معظم الحالات يعطى المريض جرعات قوية من المسكنات مثل المورفين لكيلا يتألم في أثناء انقطاع الأنفاس الأخيرة والسكتات الدماغية والقلبية التي ستُنهي حياته، فالموت في هذه الحالات يحدث بسبب انخفاض أو توقف معدلات النبض والتنفس.

البعد الأخلاقي

هل من الصحيح محاكمة الطب كله محاكمةً أخلاقيةً؟ الطب عامة مهنة إنسانية هدفها مساعدة الإنسان على علاج أمراضه وتخفيف آلامه ورفع مستوى صحته، فالأطباء بمختلف مرجعياتهم الثقافية والدينية وباختلاف مواقعهم وألوانهم ولغاتهم محكومون بأساسيات قَسَم أبقراط. فهل من الأخلاقي أن يلجأ الطبيب الذي يشفي المرضى ويساعدهم على الحياة إلى قتلهم في محاولة إنهاء آلامهم؟ يعرف الدكتور محمد جديدي البيوتيقا على أنها محاولة متعددة الأصوات للنظر في التداعيات الأخلاقية والاجتماعية التي يفرزها التقدم العلمي والتقني في الميدان البيوطبي، ومن جانب آخر هل من الأخلاقي أن يشهد الطبيب آلام مرضاه ويقف من دون اتخاذ أي إجراء يساعدهم في محنتهم؟ إن إحساس الطبيب بآلام المريض في هذه الحالة يمثل حالةً أخلاقية عليا يجب أن نأخذها في الحسبان.

هل يمكن للقتل أن يكون أخلاقيًّا؟ شغلت السينما والدراما الأميركية مؤخرًا بفكرة القتل الأخلاقي من خلال إصدار أعمال عدة يعمل فيها الإنسان العادي معوله في ترسانة العدالة الكونية من خلال تحقيق جرائم قتل أخلاقية عدة. لكن في الحقيقة هذا السؤال أصعب مما يبدو عليه في هذه الأعمال؛ فلن يستطيع شخص ما أن يقوم بدور سفاح الخليج كما قام به ديسكتر مورغن في مسلسل ديكستر. ولعبة القتل الأخلاقي لعبة سياسية في معظم الأحيان، لكن وبتضييق الخِنَاق على هذا السؤال لندرجه تحت باب الموت الرحيم، نحن في حاجة لأنْ نخلق إنسانًا جديدًا موضوعيًّا بالكامل، وهذا مستحيل؛ فالإجابة هنا مرهونة بمرجعيات صاحبها الأخلاقية والدينية والمعرفية. فتعريف القتل الأخلاقي مختلف ما بين رجل الدين والسياسي والطبيب، فلكل منهم شروط تجعل قتل (الذات أو الآخرين) أخلاقيًّا.

هل يمكن حدوث أخطاء؟ الإجابة عن هذا السؤال أسهل من غيرها، فهي ببساطة «نعم»؛ لأنه ليس من وجود لمرجعية ثابتة يقينية واضحة تحدد مدى انطباق الشروط الموضوعة لتنفيذ طلب الموت -بمساعدة طبية- الذي يقدمه المريض. فكيف يمكننا محاكمة أهلية مريض ما في ظل ظرف جسدي- نفسي صعب كهذا؟ وهل يكفي أخذ رأي طبيب آخر في كل الحالات؟ وهل الرأي الطبي دائمًا سيكون مصيبًا؟

سنة 1975م دخلت فتاة عشرينية تدعى كارين (Karen- Ann Quinlan) في غيبوبة من دون أي سبب واضح وأخفق أطباء Newton medical centre في نيوجرسي في تشخيص سبب غيبوبتها أو حتى منعها من الاتجاه نحو الأسوأ، وفعليًّا ساءت حالتها بدرجة كبيرة حتى صارت تعتمد على نحو كامل على أجهزة دعم الحياة بما فيها أجهزة التنفس الصناعي. وفي تلك المرحلة من الغيبوبة الميؤوس من علاجها طالب الأهل بفصل الأجهزة عنها لتموت. ولما كانت قوانين الولاية تجرم ذلك وتَعُدُّه قتلًا، قدم أهل كارين طلبًا للمحكمة يلتمسون فيه استثناءهم من القانون، ويطلبون الإذن بالسماح لهم بفصل أجهزة دعم الحياة عن كارين من دون ملاحقة قانونية. وفعليًّا دخل الأهل في معركة قانونية كبيرة انتهت إلى قرار المحكمة العليا في ولاية نيوجرسي بالموافقة على طلبهم بناءً على تقارير الأطباء التي تجزم بأنه لا يوجد أي أمل في الشفاء أو حتى في الحياة من دون الاعتماد على أجهزة دعم الحياة. وفُصِلَت الأجهزة فعليًّا عن جسد كارين، وهنا كانت المفاجأة فكارين لم تمت! بل عاشت تسع سنوات إضافية في غيبوبتها من دون أجهزة دعم الحياة قبل أن تموت سنة 1985م.

مخاوف أخرى

هل الموت الرحيم قانوني؟ لا تسمح معظم دول العالم بالموت الرحيم قانونيًّا، لكن بعضها لا يُجرِّم المساعدة الطبية غير المباشرة على الموت، بحيث يعفى الطبيب من المساءلة القانونية في مثل هذه الحالات، كما هي الحال في بعض الولايات الأميركية التي تطلق على مفهوم الموت الرحيم مصطلح (assisted suicide) «المساعدة على الانتحار». لقد كان التاريخ الخاص بالموت الرحيم مليئًا باللَّبْس والارتباك؛ فالخوف من تقنين مفهوم قد يُستخدَم للتغطية على جرائم الأطباء وأخطائهم كان سيد الموقف. إضافة إلى أن تعريف مفهوم الموت الرحيم نفسه يختلف من قانون لآخر، وشروطه كذلك. لكن على نحو عام توجد ١٥ دولة حول العالم توافق على الموت الرحيم، أو تسمح به ضمن شروط محددة ومن هذه الدول: هولندا وبلجيكا وسويسرا وكولومبيا وكندا والهند والمكسيك وبعض الولايات الأميركية وفرنسا وإسبانيا.

هل اختبارات أهلية/ جدية المريض المقبل على الموت الرحيم يقينية؟

كارين آن كوينلان

للأسف، التشابكية في نقطة شروط تنفيذ إجراءات الموت الرحيم أكبر من تلك الموجودة حول المفهوم نفسه. فالموت الرحيم نوعان: إرادي وغير إرادي، فإذا كان القرار يقع في يد شخص آخر في حالة الموت الرحيم غير الإرادي، فإنه يقع على عاتق المريض نفسه في حالة الموت الرحيم الإرادي. فكيف نعرف أن هذا الشخص، وبالاعتماد على سلامة المستويين النفسي والعقلي، يريد حقًّا أن يموت الآن؟ وكيف نتأكد من أنه ليس قرارًا انفعاليًّا؟ في الحقيقة تُخضِع معظم الدول التي تسمح بالموت الرحيم، المريضَ لاختبارات الأهلية العقلية، وتشترط أن يكون طلبه للموت مُلِحًّا ولمدة طويلة؛ فالطبيب لا يمتثل لطلب المريض سريعًا، ولكن في معظم الحالات تكون الآلام الجسدية التي يقاسيها المريض هي الفيصل الذي يقنع الأطباء أو لا يقنعهم، إضافة لمدى صعوبة أو استحالة علاج الحالة. لكن هل هذا كافٍ؟

اتجهت كندا مؤخرًا للسماح بالمساعدة الطبية على الموت لمرضى الاكتئاب المزمن، فهل هناك أي طريقة في العالم لنقيس بها مدى تألم شخص ما نفسيًّا؟ هل الطب التلطيفي حل بديل مناسب؟ تلجأ بعض الدول في محاولة منها للهروب من جدلية الموت الرحيم والصراع الاجتماعي الطبي الديني الأخلاقي القانوني حوله إلى ما يعرف باسم الطب التلطيفي، الذي يقصد به إعطاء المريض مسكنات وأدوية تخفف آلامه حتى انتهاء حياته بحيث لا يقضي اللحظات الأخيرة من حياته، سواء طالت أو قصرت، وهو يتألم بسبب أمراض أو حالات طبية استعصى شفاؤها. وقد تفاجأت حقيقة أن مثل هذه العيادات موجودة أيضًا في الدول العربية، فمدينة الحسين الطبية، ومستشفيات أخرى، في الأردن تحتوي على عيادة خاصة اسمها عيادة الألم، من عشر سنوات، وهذه خطوة أقرب ما تكون إلى الإنسانية حقيقة.

الإشكالية الأخيرة تتعلق بموقف الأديان من المساعدة الطبية على الموت. وهنا ترفض الأديان الإبراهيمية الثلاثة الموت الرحيم وتجرمه.

أخيرًا، أقول: إن جدلية الموت الرحيم هي جدلية إيجابية؛ لأنها في الأساس تفكر في الآخر، الذي طرحها هو شخص قرر أن يفكر بما يحتاجه الآخر الذي يتألم أكثر مما فكر بألم الفقد الذي سيشعر به، وهنا كان أقرب درجة للإنسانية الحقيقية.

«روايتي لروايتي» لسحر خليفة.. سيرة ذاتية على إيقاع نوستالجيا التمرد

«روايتي لروايتي» لسحر خليفة.. سيرة ذاتية على إيقاع نوستالجيا التمرد

تراوح الروائية سحر خليفة في جزأي سيرتها الذاتية «روايتي لروايتي» الصادرين عن دار الآداب بين محاكمة الماضي ومحاولة إعادة تشكيله كلوحة فسيفسائية، وهو ما أجبرها على الحذف والحجب حينًا، وأدخلها دوامة التعديل والافتعال في بعض الأحيان. وهي ممارسة شائعة في كتابة لا تخلو من حنين محكوم بتشظيات راكمتها تحولات عقود من الفهم الملتبس والأحداث الصاخبة التي مرت بها المنطقة.

حرصت على ترك مساحة ضيقة من النقد الذاتي، وتبرير الخارج عن إرادتها، حيث أشارت في التمهيد للجزء الأول [صدر عن دار الآداب عام 2018م] الذي يتناول طفولتها وفتوتها وشبابها إلى وقوعها «في المحظور وعادات الجو العام وممارساته»؛ لأنها كانت صغيرة ومرتبكة، ولم تفلح في تكوين بوصلة توجهها وتساعدها على إيجاد الظرف الخاص.

أعادت تأثيث المشهد بعد استدعائه في موضع آخر: «كنت في الثانية والثلاثين لا أزال ساذجة وصغيرة، مثل مراهقة فجة لم تبلغ العشرين، فقد تزوجت ولم أنهِ الثامنة عشرة، وقبل أن أدخل في العشرين صرت أُمًّا، مثقلة بالكوابيس، وضِيق النفس، وأيضًا بضيق الحياة وذبول الفن الذي لطالما جعلني أعيش في دنيا تختلف عن الواقع». واستعانت بما يشبه اللقطة السينمائية لتقريب الصورة: «لهذا ظننت وأنا ألقي بنفسي على العشب الأخضر وأرفع ساقي في الهواء أني بت حرة طليقة، وأني ساكون منذ الآن، أو منذئذ، حرة تمامًا من حياة القهر».

الأم والابنة

أتاحت لها تجربتها الروائية واشتغالها على السرد تعويم اللحظة على سطح اللغة: «لحسن الحظ كنت أرتدي جينز استبدلت به فستاني القديم، وكأن الجينز سيطلقني نحو بحر فسيح بأمواج ثائرة ترفعني إلى فوق، وتنزلني تحت وأنا أعوم بكل مهارة، ولا أغرق، بل أتحدى كل الأمواج، وأصارعها، بل أصرعها، وأصل إلى الشاطئ، وأمشي على رمل ناعم، وأترك بصمات لا تتأثر بمد أو جزر». وتشير في موضع آخر إلى حملها «تلال الكتب» بين ذراعيها، تكاد لارتفاعها أن تغطي وجهها، لكن تبقى عيناها ترى بهما مواقع قدميها ونظرات الناس.

تستمرئ خليفة دور الضحية، ففي مرحلة «أم البنات» و«همّ البنات» لم تستطع التفكير في نفسها كعضو مُنْتَمٍ إلى مجتمعٍ ما، بل كضحية، ورُوح ضائعة، لا تجد ملاذًا يؤويها أو يحميها «ربما كنت في تلك المرحلة أعكس تأثري بالأدب الوجودي الذي كنت ألتهمه وأتشبع به، كنت مشدودة إلى ذلك النوع من الأدب؛ لأنه خيل إليَّ أنه يبلور ما أحس به وأتألم منه»، ففي محاكمة كافكا وجدت صورة تعكس ذاتها، وتفسر ما عبّرت عنه في رسوماتها.

صورة الضحية منسولة من أخرى، ففي وصفها لأمها تشير خليفة إلى أنها «كانت تحس بأنها تستحق أفضل من ذاك» فهي المنكوبة بثماني بنات «كانت الأجمل والأذكى والأقوى في العائلة، بل في محيطنا كله، وكان الجميع يعاملها كما لو كانت ملكة متوجة، وكانت تمثل ذلك الدور وتتمثله»، ولكن بذلك القطيع من البنات كانت تعاني إحساسًا راسخًا بالقصور، والإشفاق على الذات.

يأخذ شكل العلاقة بين الأم والابنة فيما بعد صورة النقيض الذي يلد نقيضه: «كنت السبب في بكائها أكثر من مرة، فأقسمَت مرارًا وتكرارًا بأن تقوم بتكسير رأسي، وحاولَت بإخلاص شديد، وحين فشلت أرسلتني إلى مدرسة داخلية، تديرها أقسى الراهبات في القدس، ثم راهبات الوردية في عمّان، وهؤلاء أيضًا فشلن فيما لم تفلح هي فيه»، ثم صورة الضحية والجلاد، حيث: «توجب أن أقحم في زواج متسرع» لتأخذ «أبلغ الجروح وأعتى الكدمات» التي صاحبت الخروج من ذلك الزواج منحى المخاض.

في سياق مراجعة عابرة للصورة تقول خليفة: إن أمها لم تكمل تعليمها؛ فقد كان الوصول إلى الصف الرابع في زمنها أكبر إنجاز، لكنها تهوى القراءة وتحفظ من أبيات الشعر ما عجزت ذاكرة الابنة عن حفظه طوال حياتها، وكانت تتبارى بالمناظرات الشعرية، وتفوز دومًا على أعتى المتعلمين والفصحاء. ولدى محاولة ترميم صورة الأب في الذاكرة تقول خليفة: إن أباها «مستقيم أبدًا، وصادق أبدًا، وكريم ومنزه أيضًا، مثل قديس، هل كان كذلك حقيقة أم إن خيالي صوّر لي في ذلك الوقت صورة تمنيتها في كل رجل، بل كل مخلوق على وجه الأرض»، ثم تتساءل إن كان يقوم بما يمليه عليه طبعه المدفون بعيدًا عن العين حين تزوج بأخرى غير أمها.

تحاول في مقطع آخر التخلص من الشعور بالذنب، وربما التبرير، بحديثها عن تواطُئِها مع أبيها ضد زوجته الشابة: «انتقاني أنا من دون بناته الست، اللواتي ما زلن على قيد الحياة، للقيام بدور خسيس أسعدني، لا لأنه خسيس بل لأنه يجعلني أثأر وأتشفى بمن سببت لنا الآلام وفقدان الأمان». وتشير إلى أنها فقدت صبرها في ذلك الوقت؛ لأنها حقدت، وتمنت لنفسها الموت لترتاح من العجز.

نزوح وحرب باردة

تنزلق نقمتها على الرجال إلى منحى آخر مع تدفق النازحين إثر هزيمة 1967م، فقد ظلوا واقفين أمام بيوتهم وخلف شبابيكهم «يراقبوننا كأن الأمر لا يعنيهم أو أنه أصغر وأحقر من أن يحركوا في سبيله قدراتهم». وتقول عند وصفها لرد فعل رئيس البلدية لدى محاولتها مساعدة الذين نزحوا من القرى: «بدلًا من أن يستمع إلى ما نقول عن اللاجئين والجوع والعطش والنوم في العراء، يقول لنا زاجرًا بصوت هامس شبه مبحوح: يالله يالله، روحوا عالبيت». ووجدت في موقف الطبيب الذي تهرب من التبرع بالدم ذي الفصيلة النادرة دليلًا آخر على الإخصاء. ثم تعترف في موضع آخر بتأثير زواجها الفاشل في نظرتها للرجل ولذاتها، فلم يكن «وصف الكثيرين لخارجي بجديد عليّ، كنت اعتدته وما عدت أرى فيه أي تميز، أو مبعث فخر وتفاؤل، وإن كنت أستمتع بتلك النعوت وأنا مراهقة غريرة من دون قيود وتجارب» لكن تجربة الزواج «الساحقة المهينة نزعت مني ذلك الاستمتاع، بل دمرته؛ لأني أحسست أن شكلي لا يساوي شيئًا لأنه ينقض عقلي»، ولا تتضح حدود الذاتي والعام في اكتشافها لشعبها المهذار، كثير الكلام، قليل الفعل، سَقِيم التفكير، عديم التنظيم.

تغريها لعبة الاكتشافات لتجد مجتمعها ككل مجتمع، منقسمًا إلى مجتمعات أو تجمعات، قطع فسيفساء في لوحة، مكونات عدة في طبخة والمذاق عسير «من الجهل والسذاجة أن ننظر له كمجتمع واحد بقالب واحد وفكر واحد» لتمحو صورة المجتمع المتلاحم حتى النخاع كما يحلو لبعضٍ أن يصوره.

ينقسم المبدعون في نظر خليفة بين صحفيين وضباط متنفذين وموظفين حكوميين من جهة، وشَحّاذين يعيشون حياة الفقر والقلة، ويغرقون أنفسهم بدخان السجائر وبخار الحانات والمقاهي؛ حتى ينسوا واقعهم المذلّ، ثم يطرزون للناس كتابات تجعل الفقر تضحية والذل بطولة. لكنها تشير في موضع آخر إلى تضحية المبدع باحتياجاته الجسدية في سبيل ذاته العليا وروح الإبداع.

تحدد خليفة موقفها في الصراع الذي كان قائمًا أثناء الحرب الباردة، حيث تكتشف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفتاح الصين على العالم أن كل ما قيل عن الجمود الفكري وحصار الحريات الشخصية في النظم الاشتراكية لم يكن دسيسة ولا عمالة، بل واقعًا عاشه الكتاب. يختلف الأمر في أميركا حيث يعيش الناس كل في حاله من دون قلق أو تدخل الآخرين وتلصصهم. وتنتهي إلى نقد الذي استعصى على التأقلم مع الحياة العلمية الأميركية، وظل عربيًّا في تركيبته الذهنية والنفسية.

رأيها في النموذج الأميركي ينسحب على الإسرائيلي بشكل أو بآخر، فهي لا ترى في الإسرائيليين مجرد أعداء مغتصبين، بل تنظر إليهم كشركاء ممكنين، في النضال المشترك ضد الاستعمار، ويؤدون دورًا مهمًّا في تطلعها إلى الحرية، ورؤيتها لها، وفي ممارستها الجمالية [بشير أبو منة، الرواية الفلسطينية من سنة 1948م حتى الحاضر، صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية] وهو الأمر الذي دفع الروائي إميل حبيبي للاشتباك معها والتشكيك في تصويرها أوضاع العمل في إسرائيل، واصفًا هذا التصوير بأنه محاولة لتغطية حقيقة الاحتلال، كما اتهمها بإلقاء اللوم على الضحية، بتبنّيها رأي بطل إحدى رواياتها في ملاك الأراضي، كما وبّخها؛ لعدم إعلان موقفها ككاتبة بصورة أوضح [إميل حبيبي، من المتشائل حتى الصبار، شعب واحد «مجلة الجديد، العددان 9 و10 سبتمبر/ أكتوبر 1977م].

الثورة والانتفاضة

ظل ارتباك التفكير حاضرًا في الجزء الثاني [صادر عن دار الآداب 2023م] من سيرة سحر خليفة الذي تناولت فيه الكاتبة رؤيتها للحياة والعالم عبر إعادة عرض رواياتها والظروف التي كُتِبَت فيها.

سحر خليفة

يأخذ تذكّرها لتجربتها الكتابية شكل الندم ومحاسبة الذات على شكل وطبيعة الكتابة: «كنت أحيانًا أستوقف نفسي، وأقول لها: أنت يا سحر، ماذا تفعلين، وماذا فعلت؟ كرست أدبك وإنتاجك لقضية سياسية معقدة، ونسيت أن الأدب السياسي لا يدوم ولا يعمر». كما تحاسب التاريخ في موضع آخر، فلم يكن قرار الشيخ عز الدين القسام بإعلان الثورة على الإنجليز موفقًا رغم صدق إيمان الرجل وعزيمته وثوريته.

تفتح الروائية دفاترها القديمة بمبضع الجراح؛ لتحكي عن المناخات التي استوحت منها قصص وحكايات رواياتها -وبقي كثيرٌ منها خارج دائرة التداول- بدءًا بعشرات بيوت الدعارة في نابلس في أثناء انتفاضة الحجارة، ومرورًا بطريقة تعامل التنظيمات مع ظواهر تعاطي المخدرات والجاسوسية، ليظهر المخفي وراء صور البطولة. فالانتفاضة التي بدأت نظيفة عفيفة أصبحت ملوثة، وتثير الاستهجان والذعر لدى أغلب المواطنين. تشير في هذا السياق إلى مجموعات الشبيبة «المنفلتين من أي ضابط، والمتشددين المتسلطين باسم الدين والشرع»، وتشديد هذه المجموعات الخناق على المواطنين المخنوقين أصلًا، وهو ما جعل اتفاقية أوسلو حلًّا لإخراج الناس من حالة الفلتان، والسلطة نتاج بِنية اجتماعية أفرزت الفصائل.

تخدش الانتقائية التي تعاملت بها سحر خليفة مع الشخصيات التي تناولتها في رواياتها القناعات التي شكلت صورة الأدب الذي تكتبه منذ عقود. ففي وصفها لأبوية ياسر عرفات ليونة تصل إلى الانزياح باتجاه مفاهيم المجتمع الأبوي الذي عملت طويلًا على مهاجمته «كان رمزًا للأب الحنون المتجبر، للأب الفلسطيني ابن القرية، والمدينة، وتراثًا ورثناه من الأجداد وحكم العادة، هو منا وفينا، يعكسنا، بكل ما فينا من عجز وظلم وتخلف، وأيضًا ما ظل لدينا من ثورة ونضال وبطولة، هو الختيار أبو عمار؛ لهذا زرته». ولا يخلو انحيازها المطلق لعبدالقادر الحسيني من نزعة أرستقراطية حفلت سيرتها بدلالات واضحة عليها، أقلها الإشارات غير المبررة للعائلات التي تتميز عن غيرها بالعراقة. وتضخم لغة الأنا في بعض العبارات مثل: «أين لنا نحن النساء الطليعيات؟» و«ألست أنا من تبنيت فكرة…؟» ولا تختلف المقاييس كثيرًا حين يتعلق الأمر بأنطوان سعادة الذي تَعَرَّفَت إلى تجربته وأفكاره في نهاية الثمانينيات وشدتها إليه جاهزيتها للانبهار بالآخر الغربي، فهو: «مختلف عمن عرفناهم من قادة وزعماء عرب في كل شيء». ومن أبرز جوانب اختلافه عنهم تذوقه للموسيقا العالمية والغناء الأوبرالي، تقديره للفنون، وكتاباته النقدية، ثم تتساءل إن كان الاختلاف يكمن في تربيته أم في ذكائه الفطري وقدراته.

تقرأ سحر خليفة الماضي بعين ناقدة، تتعامل مع مراحل حياتها بقدر من العدائية، والحرص على إبقاء مسافة من الشك تفصلها عن الآخرين، لكن النوستالجيا حاضرة في حنينها لتجربتها في التمرد والكتابة، التي تظهر في السيرة مدينة فاضلة في عالم موحش، عاجز عن التقاط مقومات الفضيلة الغربية المتاحة دومًا للراغبين في الاستفادة منها.

المسرح السعودي.. تنوع في الطرح وتحدٍّ للظروف

المسرح السعودي.. تنوع في الطرح وتحدٍّ للظروف

المُطلع على المسرح السعودي مِن قربٍ ودراسةٍ يُدرك التنوع الشديد الذي حظي به منذ بداياته. وعلى الرغم من قسوة النقد أحيانًا، أو تجاهل النصوص أحيانًا أخرى، فإن الكاتب المسرحي السعودي كان في إبداعه لا يتوقف، ولا يتوانى، ويستمر في التأليف والعروض المسرحية ومحاولات النجاح.

مسرح رجاء عالم

على سبيل المثال قدمت «رجاء عالم» المسرح الفلسفي الصوفي في الثمانينيات؛ وسلّطت الضوء على أهمية الروحانيات في الحياة ونبذ الدنيا والتركيز على حب العمل والعلم معًا لبناء عالم نقي وداعم لحياة الإنسان الحقيقية، ونبّهت إلى ضرورة الانعزال عن الملذات في الدنيا، وذلك في مسرحية «الموت الأخير للممثل»، وكانت أول من أدخل العنصر النسائي في النصوص المسرحية، فجعلتها بطلة وقائدة ومؤثرة تأثيرًا واضحًا في السياق الدرامي، وذلك في مسرحيتها «ثقوب في الظهر». وكانت أول من وظفت الأسطورة أيضًا في النصوص المحلية، فقد وظفت أسطورة بيجماليون وزرقاء اليمامة في مسرحيتها «الموت الأخير للممثل» وقدمت أسطورة عنترة في مسرحيتها «ثقوب في الظهر». وفي مسرحيتها «360 كوة لوجه امرأة» لفتت الانتباه إلى حب السلطة والاندفاع للمجهول عند الرجل، ودور المرأة في خلق استقراره النفسي وتوجيهه للحكمة، كما أنها كتبتْ في العلاقة بين الجنسين في مسرحيتها «البيّات الزجاجي»، إضافة إلى أنها سلّطت الضوءَ على السُّلطة الذكورية السلبية، وتأثيرها في الأبناء في مسرحيتها «ثقوب في الظهر»، وبينت سلوك التضحية عند البنت تجاه أسرتها. وعلى الرغم من «رجاء عالم» بدأَتِ الكتابة في ظل الصحوة المُتشددة التي تمنع أو تحد من وجود المرأة الحيوي في عالم الذكور، فإنها كانت جريئة في الطرح ومؤمنة بأن الدراما الحقيقية هي تعبير عن الواقع، ولا يمكن التحايل عليه بالأقنعة وتجسيد الذكور لأدوار الإناث.

رجاء عالم

ونتساءل: ماذا لو مُثلتْ هذه النصوص في وقتها على خشبة المسرح مرارًا وتكرارًا وبرؤى إخراجية مختلفة، كيف سيكون حال الفكر والتعامل مع المرأة في المجتمع خلال الثمانينيات والتسعينيات؟ ربما ستفوز المرأة المحلية في نهضة أدوارها في الحياة والعمل والتربية على جميع نساء العالم؟ لقد كانت «رجاء عالم» صاحبة رؤى مستقبلية بخطوات متقدمة، لكن نصوصها بكل أسف لم تلقَ التقدير من الوسط الثقافي والنقدي والاجتماعي في وقتها؛ كي تظفر البلد بقصب السبق. إن معالجتها الدرامية مع الجرأة في الطرح جعلتاها تفوز بجائزتين، وهما «جائزة الكويت للمسرح»، و«جائزة رؤيا» للمسرح بجمهورية مصر العربية عن نصوصها المسرحية.

نظرية ملحة عبدالله

ومن الأمثلة المسرحية المشرفة لتاريخ المسرح المحلي جهود سيدة المسرح السعودي «ملحة عبدالله» فقد كانت رائدة في التأليف المسرحي بأكثر من خمسين نصًّا مسرحيًّا، وهذه إنتاجية غزيرة جدًّا، والعجب أنها صدرت من امرأة محافظة في وقت التشدد الديني في السعودية، بل إن المسرح صار نافذتها المفتوحة على العالم العربي والدولي، إضافة إلى دراساتها وبحوثها ونظرياتها التي جعلتها ضمن مصافّ المُكرمين على مستوى العالم، كأول عربية تحظى بتكريم من «هيئة الأمم المتحدة». وحازت الدكتوراه الفخرية على نظريتها «البعد الخامس»، والمركز الأول في المسابقة الدولية للمسرح من «منظمة اليونسكو»؛ لتنعم بتكريم رسمي من وطنها كأول مسرحية سعودية، وليتبعه العديد من الاحتفاءات والتكريمات داخل نطاق بلدها وخارجه، على الرغم من معاناتها بسبب قسوة المجتمع والظروف التي واجهتهما الدكتورة «ملحة»، وقد ذكرتهما في أكثر من لقاء إلا أنها بجرأتها وثباتها استطاعت تخطي كل تلك العقبات لشغفها الكبير بفن المسرح.

اعتمدتْ نظريتها «البعد الخامس» من جامعة «بيركلي الأميركية» على أنها النظرية العلمية في المسرح، وصُنفت كسبق يُحسب لها، والنظرية تُعنى بالوجدان ومحاولة التحكم فيه وإرسال الرسائل إليه تلقائيًّا لا جبرًا، وبالتالي، تجعل الجمهور مشدودًا طيلة العرض، فلا يتسرب إليه الملل، أو النفور، بل يتأثر بكل العناصر التي يراها أو يسمعها في العرض الدرامي، مُحدِثة عبر العاطفة ما يُسمى «الانزلاق الوجداني» وعن طريق «التسرب الانفعالي» يحدث التحكم بالوجدان، موطن العاطفة، التي في حال امتلاكها تقدر على امتلاك عقل المتلقي؛ لتكشف النظرية أن هذا التأثير يقوم على ثلاثة عناصر، وهي: السرد والعقيدة وإثارة الخيال، التي بمقدورها النفاذ إلى فص في الدماغ «الإميغدالا» ليفرز مادة «الدوبامين» المسؤولة عن الإحساس باللذة أو بالتوتر والحزن، وتجعله يتفاعل بمتعة أو أسى عن طريق العناصر الثلاثة المذكورة سلفًا. وقد واجهت النظرية كثيرًا من التساؤلات والاستحسان والنقد لكونها ذات أصول مركبة ومعقدة، تهتم بأولئك المعنيين بالرسالة، ولا تخص المتلقي فقط، وقد طُبعت في كتاب تُرجم إلى اللغة الإنجليزية.

ومن الموضوعات الجريئة التي قدمتها سيدة المسرح نموذج المرأة السلبية في المجتمع؛ بسبب سوء التعامل معها من كل الأطراف، وسلب مالها من الزوج، وامتهان هواياتها الفنية والأدبية، والرغبة في جعلها خادمة عند الرجل فقط، وذلك في مسرحيتها «العازفة» الحاصلة على جائزة من «اليونسكو» عامَيْ 2011م و2018م.

الجرأة في المسرح السعودي

الكاتب السعودي جريء في أطروحاته الدرامية أيضًا، معاندًا المجتمع الذكوري التقليدي. فالكاتب المسرحي «سامي الجمعان» يتناول قضايا المرأة المُعنّفة بصورة واضحة، يذكر فيها التجاوزات الجنسية على المرأة، مثل: الاغتصاب، ولكن من غير أن يُثيرَ حَنَقَ النقادِ عليه، فقد كان ذكيّ الحيلة في تقديم هذه القضايا الحساسة التي تحطم التابوهات المعروفة في الكتابة. فعلى سبيل المثال وظف سيرة الكاتبة الأميركية «فيرجينيا وولف» في نصوصه، وهي امرأة انتحرت؛ بسبب كثرة المآسي في حياتها، ومنها تعنيف الذكور لها، فجعلها «الجمعان» قضية درامية معبرًا عن إيمانه بدور المرأة وأهمية السلوك الرقيق والمحترم معًا في التعامل معها.

سامي الجمعان

وقد واجه الجمعان نقدًا حادًّا من بعض الرجال في مجتمعه؛ لإيمانه بقضايا المرأة والدفاع عن حقوقها في الحياة مقابل ذكره لتجاوزات الذكور عليها، لكنه كان جريئًا في طرحه، متمسكًا بمبادئه، ولم يتنازل عنها أبدًا في صراعاته الدرامية احترامًا لكيان المرأة وأهمية دورها في كل مجالات الحياة وطبيعتها الخاصة التي تحتاج إلى الحنان والاحترام معًا بعيدًا من الاستغلال لأنوثتها ورقتها.

المرأة السعودية على خشبة المسرح

وقد تشكلّتِ الجرأة في المسرح السعودي من خلال قرار التمثيل أيضًا. تقول «فاطمة بنوي» بطلة الفِلْم السعودي «بركة يقابل بركة»: «خذوا مني اللايكات والمعجبين وأعطوني خشبة مسرح». وكان ذلك في أحد المشاهد؛ معبّرةً عن أحد مطالب المرأة السعودية التي سعت لتحقيقها منذ سنوات عدة؛ إذ لم يسبق أن اعتلت ممثلة سعودية خشبة مسرح من قبل؛ في الأربعين سنة الماضية. وعليه كان المسرح السعودي العام مفتوحًا للرجال فقط الذين كانوا يواجهون العديد من الصعوبات بتجسيد الأدوار النسائية، ناهيك عن موجات الغضب والانتقادات من المجتمع لاعتباره تشبهًا من الرجال بالنساء، فيما اقتصر المسرح النسائي على إقامة عروض مغلقة في مختلف الجامعات من شابات هاويات يبحثن عن فرصة صعود على مسرح حقيقي.

استمر الوضع على هذا الحال حتى سبتمبر 2017م، حيث اعتلت امرأة للمرة الأولى خشبة مسرح ضمن عرض مسرحية «ملحمة وطن» وذلك خلال فعاليات اليوم الوطني الـ87 للمملكة. ومع التطورات والتغيرات الحالية في السعودية التي تدعم دخول المرأة مختلف المجالات، جاء القرار بالسماح للمرأة السعودية بالتمثيل على خشبة المسرح بجانب الرجال وأمام عامة الحضور. وحال ما صدر القرار، فتح الفريق المسرحي المعروف بـ«الستائر الحمراء» The Red Curtains الذي يضم نحو 20 عضوًا ومقرُّه جدةُ، بابَ المشاركةِ للشابات وإقامة تجارب أداء لهن للتجهيز لمسرحية «حياة الإمبراطور» لتكون بطلة المسرحية أول سعودية تقف مع الممثلين على مسرح عام في تاريخ الفن السعودي.

وقد أعلنت الهيئة العامة للترفيه عن إقامة هذه المسرحية «حياة الإمبراطور» على أرض مسرح جامعة «دار العلوم» بالرياض في فبراير 2018م. وبهذا جعلت النساء للمرة الأولى تُمثل في مسرح مفتوح، وعلى مدار يومين، في استعراض مسرحي باقتباس من قصة ديزني الشهيرة للإمبراطور «كاسكو» الأناني، الذي تتدخل مساعدته العجوز في شؤون حُكمه.

وتأتي المسرحية في قالب فكاهي ساخر، كما يتضح من الكواليس المرافقة للحملة الدعائية، وتمثل دور المرأة العجوز فيها الممثلة السعودية «نجاة»، التي تظهر على أنها متقدمة في السن، بمشاركة مجموعة من الممثلين السعوديين الشباب الذين يسعون إلى ضخ دماء التجديد في عروق المسرح السعودي حاليًّا.

مؤسس الستائر الحمراء ومخرج المسرحية «أماوري عزاية»، 27 عامًا، لم يُخفِ سعادته بكونه جزءًا من هذا العمل الذي يراه إنجازًا شخصيًّا وفنيًّا، يقول: «كنا نسأل دومًا لماذا لا يمكن للمرأة أن تقف على خشبة المسرح، ولم نحصل على أي رد حتى تواصلنا مع هيئة الترفيه السعودية التي درست المسألة للمرة الأخيرة أمام لجنة رؤية 2030 وتم إصدار القرار في مطلع عام 2018م بالسماح للسيدات بالتمثيل على خشبة المسرح مع الرجال».

وعن الحدث المتجدد في المسرح، قال الكاتب المسرحي الراحل «محمد العثيم»: إن المرأة كانت مشاركة في الحراك المسرحي قبل نحو 50 عامًا؛ إذ وقفت على خشبة المسرح الممثلة السعودية «مريم الغامدي» وسيدات أخريات، مشددًا على أن العنصر النسائي مهم جدًّا في العمل المسرحي، وتابع: «في الستينيات، وتحديدًا عام 1968م، كان الحراك لافتًا في مسارح الأندية، وكنا كذلك نُلبس أحد الشباب لباس المرأة لأداء دور الأم أو الفتاة، بما يخدم المسرح الاجتماعي».

موضوعات حساسة

من الموضوعات الحساسة التي تناولها المسرح السعودي «السايكو دراما»، من خلال تناول الكاتب المسرحي الكبير «فهد ردة الحارثي». فقد ناقش صراع الروح مع الأنا الشريرة، وجعل لكل منها شخصية تتقاطع مع الأخرى على خشبة المسرح، فالأولى تمثل العبث بالمستقبل، والأخرى تتمرد على العمل، وذلك في مسرحيته «تشابك» التي حصلت على جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في مهرجان «الشارقة للمسرح الخليجي»، إضافة إلى جائزة أفضل نص مسرحي وأفضل ديكور عام 2017م.

أوصي بأن تهتم «هيئة المسرح» السعودية بأرشيف المسرح المحلي حتى لا تضيع الجهود الثمينة للمسرحيين السعوديين نقادًا ومؤلفين ومخرجين؛ إذ إن الجيل الجديد لا يعلم كثيرًا عن هذه الجهود المنسية؛ فالثقافة المسرحية في حاجة إلى هذا التاريخ من كل الجهات.