«احكِ منامكَ حتى أراك» لخليل صويلح محمد ملص: مخرج لديه رغبة دفينة في ترجمة عمره الشخصي إلى أفلام

«احكِ منامكَ حتى أراك» لخليل صويلح

محمد ملص: مخرج لديه رغبة دفينة في ترجمة عمره الشخصي إلى أفلام

يستعير خليل صويلح قول سقراط (470- 399 ق. م) «تكلم حتى أراك» عنوانًا لكتابه الجديد «سينما محمد ملص- احكِ منامكَ حتى أراك»، مبدلًا الكلام برواية المنامات، التي شكّلت العالم السري لسينما المخرج السوري (المولود في 1945م). فصاحب «أحلام المدينة» و«المنام» وسواها من الأشرطة الروائية والوثائقية لطالما استند في منجزه على «الأحلام كحقيقة وحيدة» في واقع يزداد عسفًا وتوحشًا، فأنجز عبر مناماته سردًا سينمائيًّا متقطعًا عن بلاده منذ نيف ونصف قرن. من هنا تبدو استعارة الروائي السوري لكتابه (صدر مؤخرًا عن دار جسور الثقافة للنشر والتوزيع- الخبر- السعودية) في مكانها، وهي تقيس نبضات الذاكرة المشتهاة لمحمد ملص، آخر السينمائيين المحترمين.

يمتد الكتاب الذي جاء ضمن إصدارات «السلسلة المعرفية لمهرجان أفلام السعودية» على 171 صفحة من القطع المتوسط، وهو عبارة عن مقالات تلخص تجربة المخرج السوري بين الكتابة والإخراج. يفتتح الكاتب كتابه بجملة مفتاحية للمخرج نفسه: «أريد فِلْمًا، أريد حرية». يبدأ صويلح في تفكيك النسخة النيغاتيف من شريط العمر لمخرج حقق اختراقات عديدة لسينما بلاده، لعل أبرزها الجوائز الرفيعة التي نالها في غير مهرجان دولي من قرطاج إلى فينيسيا إلى برلين، فدبي، ودمشق. وسواها الكثير. الفقرة الأولى من الكتاب جاءت بعنوان: «في دماغه بَكرة فِلْم لا تتوقف عن الدوران»، وفي هذه الفقرة يمهد صويلح للحديث عن آخر أفلام ملص الروائية «سلّم إلى دمشق» الذي كتب له السيناريو سامر إسماعيل. ينقل الكاتب أجواء تصوير هذا الفِلْم الروائي الطويل، وكيف التبست الصورة بين خلف الكاميرا وأمامها. فالفِلْم صُوِّر عام 2013م تحت القصف، وفي ظروف صعبة تقاطعت قصة بطله مع قصص سوريين تحولت بلادهم فجأة إلى «كومة من الحطب». يكتب ملص في مفكرة الفِلْم: «ما آلت إليه أحوالنا أكثر بكثير من فرصة التوقع والرهان، فقد ماتت الأرض من تحتنا، وتحولنا من شعب إلى كومة حطب».

قبل أن يسافر محمد ملص إلى موسكو في بعثة سينمائية كان يدرس الفلسفة في جامعة دمشق، وقد تأثر بصديق البعثة الروائي صنع الله إبراهيم، فكتب روايته الأولى «إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب». وهي رواية تتقاطع فيها رغبات هذا المخرج الرائد مع السينما الأدبية التي رفع شعارها عبر موجة «سينما المؤلف» التي أطلقها في سبعينيات القرن الفائت إلى جانب كلٍّ من أسامة محمد وعبداللطيف عبدالحميد وغسان شميط ورياض شيا. يمضي الكتاب في تشريح هذه العلاقة بين السينما والأدب في حياة ملص، ولا سيما الفِلْم الذي أنجزه المخرج الفرنسي لوران بيار عن حياة ملص. كان ذلك عام 2008م حين ذهب كل من ملص وبيار إلى مواقع تصوير فِلْمه «الليل» حيث مراتع الصبا التي شكلت «الذاكرة المشتهاة» لصاحب «باب المقام».

مفكرات الأفلام التي كتبها ملص مع كل من أسامة محمد وسمير ذكرى وسامر إسماعيل وخالد خليفة تشكل خطًّا موازيًا لمسيرة هذا الفنان الأديب الذي حرص على تدوين كل لحظات حياته، محققًا بذلك ما يشبه سيرة موازية لفِلْموغرافيا سورية تحقق بعضها، فيما ينتظر بعضها الآخر التحقق. وهو بذلك يستحضر لقطات ومشاهد من الحياة الواقعية إلى جانب ما صورته الكاميرا، فلقد أنجز صاحب «حلب مقامات المسرّة» أرشيفًا ضخمًا قوامه الذاكرة الشخصية، لكن هذه الذاكرة سوف تولد أكثر من نوع منها، فهناك الذاكرة السياسية التي حرص ملص على وضعها في سياق مختلف ومغاير للتاريخ الرسمي، ومنها نكبة 1948م، ونكسة 1967م، ومجازر صبرا وشاتيلا، وسواها من الأحداث التي شاهدها عشاق هذا المخرج الكبير. من هنا يلتقط صويلح خيوطًا متشابكة بأنواع عدةٍ من ذاكرة بصرية وأخرى ذاكرة أدبية، وسمها ملص بنكهة أدب ذاتي عكس مراحل من الصراعات السياسية والاجتماعية في سوريا.

نحو سينما أكثر انفتاحًا

راهن ملص على «سينما الظل» التي بقيت في جزء كبير منها «قيد التصوير» ففِلْمه «سينما الدنيا» و«011» والعديد من المدونات السينمائية بقيت طي الأدراج. اصطدم بعضٌ منها بجدار الرقابة، فيما بقي بعضها الآخر ينتظر فرصة تمويل لائقة، ولا سيما أن ملص وعلى الرغم من أنه اشتغل أجمل أفلامه من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، فإنه نادى منذ عام 1972م بالسينما المستقلة، ورفع شعار «السينما البديلة» منذ انطلاقة أول دورة لأفلام مهرجان سينما الشباب في دمشق. منذ ذلك الحين حاول ملص أن يجترح طريقة ما في الابتعاد من نواهي وأوامر ومقررات الرقابة، وأن يتجه نحو سينما أكثر انفتاحًا في خياراتها الفنية والإنتاجية. وربما هذا ما ساهم في تأخير تحقيق العديد من مشروعاته السينمائية.

تتداخل أربعة أنواع من الذاكرة في الأعمال الأولى للمخرج السوري؛ فالأب الذي مات في الجامع سنة 1949م، سيموت موتًا سينمائيًّا سنة 1967م في فِلْم «الليل» وهو يشتم ويقاوم الاحتلال. حقيقة جوهرية لشريط يعيد صياغة المدينة وفق «ذاكرة مُشتهاة» حقق لهذا الرجل «سينماه المفقودة»، وذلك عبر اللجوء إلى الذاكرة الشخصية لصياغة ذاكرة عامة، فالذاكرة بدت لملص ركيزة أساسية لصياغة مشروع سينمائي سيصبح مرجعًا جماليًّا لهذا المخرج.

أما في السينما فقد اكتشف أن موت أبيه في المسجد لم يكن وقتها موتًا طبيعيًّا؛ بل من القهر الذي انتابه بعد حدوث الانقلاب العسكري الأول على يد حسني الزعيم عام 1949م. هذا المشهد من فِلْم «الليل»، (1992م- مؤسسة السينما) كان مشهدًا عن (الذاكرة المفقودة) كما يطيب له تسميتها؛ بعكس روايته «إعلانات عن مدينة» (1976م، ابن رشد، بيروت) التي أعاد ملص من خلالها بناء القنيطرة المدمّرة بالكلمة، أما السينما فأعادتها بالصورة. كان الرجل يحتاج إلى مدينته التي لم يكن أمامه طريقة لاستعادتها إلا عبر السينما، وهذا ما حدث في فِلْم «الليل» حين مات والده سنة 1967م بعد أن احتل الإسرائيليون مدينته.

«كل شيء على ما يرام سيدي الضابط»، (30 دقيقة، 1974م) كان أطروحة التخرج التي قدّمها ملص بشراكة في كتابة السيناريو مع رفيق الدراسة في معهد السينما الروائي صنع الله إبراهيم، وجنبًا إلى جنب مع الراحلين شريف شاكر وفؤاد الراشد. رفاق الدراسة الذين مثّلوا مع صنع الله في فِلْم تناول واقع المثقفين اليساريين في المعتقلات الناصرية إبان هزيمة 1967م. لم تغفل سينما ملص بعدها حال معتقلي الرأي في بلاده، ولا سيما في فِلْمه «فوق الرمل تحت الشمس» (1998م-30 دقيقة) الروائي القصير الذي سيعود إليه صاحب «محارم» (2008م-30 دقيقة) مقتبسًا منه مَشاهدَ لفِلْمه الأخير «سلّم إلى دمشق» (2013م)، معيدًا البكَرة بلغة آسرة إلى كابوس البلاد الماضي-الحاضر المستمر.

سينما مغايرة للسردية السائدة

أفلام صاحب «مقامات المسرّة» (1998م، وثائقي، 50 دقيقة) تعيده إلى ذكريات كان قد حققها على شكل مفكرة مطوّلة عن مشوار العمر المضني، وتحديدًا تلك المشروعات التي لم يهدأ التفكير بها مع رفيق دربه الراحل عمر أميرالاي، حيث تطلعنا هذه المذكرات عن الدور الذي ساهم به مع كل من نبيل المالح وسمير ذكرى وأسامة محمد في النادي السينمائي بدمشق، فقد كان لرفاق الدرب إحساس عميق بأنهم «سينمائيو العين البصيرة واليد القصيرة».

في جعبة هذا الفنان العديد من الأشرطة السينمائية التي لم تحظَ بفرصة العرض، لعل أبرزها فِلْمه «البحث عن عائدة» (1999م، روائي، 90 دقيقة)، وهو أقرب إلى مونودراما سينمائية عن فلسطين. كان قد حققه مع الممثلة التونسية جليلة بكار بمناسبة مرور خمسين سنة على النكبة، أما فِلْمه «المهد» (2007م، روائي، 120 دقيقة) فقد سُحِبَت نسخه بالكامل؛ لولا تسريب للشريط ساعد (ملص) على فرصة تقديم عروض خاصة له في كل من بيروت ودمشق. في «المهد» أعاد صاحب «فرات» (1980م، وثائقي، 32 دقيقة، التلفزيون السوري) الزمن العربي إلى جدلية حساسة وصادمة من جهة تطلعها لتقديم مراجعة عميقة للتراث العربي.

حاول ملص «تأصيل معجم سينمائي يراهن على الخصوبة التعبيرية والوجدانية التي تتحرك على حواف التاريخ والواقع والذاكرة» (ص 15) لكن العديد من الأحلام ستؤول إلى «السينما الموءودة» التي حاول ملص أن يحولها إلى مجموعة من الكتب والإصدارات، لعل أبرزها كان في كتابه «الحياة قصاصات على الجدار» (هاشيت أنطوان) عن سينما وذكريات رفيق عمره المخرج العراقي قيس الزبيدي، فيما حقق العديد من الكتب مثل: «المنام، مفكرة فِلْم» (الآداب بيروت، 1999م)، و«كتاب الليل» (دار كنعان، 2003م)، و«الكل في مكانه سيدي الضابط، مفكرة فِلْم» (المدى، بيروت، 2003م)، و«مذاق البلح» (رفوف، 2010م)، وجميعها حققها ملص عن تجربة فنية أنجز إلى جانب العديد من أفلامها.

كتب هي في الأصل قد تبدو على هيئة كتاب الرسائل المتبادلة بينه وبين الناقد الفلسطيني فيصل دراج- «وحشة الأبيض والأسود» (نينوى- 2016م)- لكنها في أحيانٍ كثيرة تبدو أكثر من مجرد دفتر مذكرات لم يغادره ملص يومًا، قبل سفره إلى موسكو وفي أثناء إقامته فيها، وبعد انتهاء دراسته، والعودة إلى دمشق، أو حتى في أسفاره التي شغل فيها مديرًا للعديد من لجان التحكيم السينمائية الدولية؛ بل هي في هذه الكتابة الدائمة، التي ربما تعكس رغبة دفينة لدى محمد ملص في ترجمة عمره الشخصي إلى أفلام.

يروي صويلح عبر علاقته الشخصية مع المخرج العديد من أشكال النقاش والحوار واللقاءات في مقاهي الروضة والكمال، وكيف انتهت هذه اللقاءات إلى مشروع سينمائي لفِلْم عن روايته «اختبار الندم» التي كتب السيناريو لها محمد ملص، إضافةً لتوثيق العديد من الورش الإبداعية التي أدارها ملص مع مخرجين وكتّاب سيناريو شباب. هكذا ينطلق الكتاب من مقولة «الكاميرا قلم» للمخرج ألكسندر أستروك، ومع هذه المقولة يؤرخ صويلح لما يسميه «سينما الفقدان»؛ إذ يقول ملص: «لدي احتياج شخصي أن تحل ذاكرة الفِلْم مكان ذاكرتي الشخصية، بما يجعل الشريط وطنًا وبيتًا وعالمًا حميمًا» (ص 35).

يمر الكتاب بلغة سلسة ورشيقة على منجزات محمد ملص، ولعل آخرها فِلْمه التسجيلي «أنا يوسف يا أبي» عن الرسّام يوسف عبدلكي، وفيه يرصد المؤلف ظروف إنتاج هذا الشريط الذي قدم له العون كل من مدير التصوير وائل عز الدين والمخرج جود سعيد؛ ليقوم ملص بتحقيقه في بيت ومرسم الفنان عبدلكي، مثله مثل العديد من التجارب التي بدا فيها محمد ملص يصارع وحيدًا؛ لتحقيق سينما مغايرة للسردية السائدة، جاعلًا من الفن السينمائي وظيفة ملحمية، كما هو حال أفلامه «نور وظلام» عن رائد السينما السورية نزيه الشهبندر، أو فِلْمه «فاتح» عن الرسام الرائد فاتح المدرّس، الذي حققه مع كل من رفيقيه عمر أميرالاي وأسامة محمد.

سعد يكن.. وراء الفراشة، بألوانها الضاجة بالحياة، تختبئ الفاجعة السورية

سعد يكن.. وراء الفراشة، بألوانها الضاجة بالحياة، تختبئ الفاجعة السورية

ولد الفنان التشكيلي سعد يكن في مدينة حلب 1950م في حي الفرافرة، من أسرة تركية الأصل. شارك في أكثر من مئة معرض جماعي في دول عربية وأجنبية، وأقام عشرات المعارض الفردية. لوحاته موزعة في العديد من الدول. حائز على جوائز عدة. وهو عاش وترعرع في حلب، ثم غادرها إلى دمشق شابًّا موهوبًا. درس في كلية الفنون الجميلة وتخرج منها، ولكنّ مدينته الأم بقيت في وجدانه، فعاد إليها بعد تخرجه. شكلت نشأته وحياته في تلك المدينة، وعيه التشكيلي والثقافي والإنساني، كيف لا وهي تحتل مكانةً ثقافيةً وحضاريةً في سوريا والعالم العربي.

تأثير حلب والمقهى

هو ككل المثقفين من أبناء حلب، ارتبط بها ارتباطًا وثيقًا من الصعب فصل عراه. تكونت أولى معارفه في مدارسها ومعاهدها، وأثرى تجربته الفنية في مقاهيها ومنتدياتها الأدبية. بدأ بالمطالعة والمشاهدة والرسم في سن مبكرة، مشاهدًا ومتفاعلًا ومنتجًا.. حتى بات، مع مرور السنين وتراكم التجربة، جزءًا مهمًّا من ذاكرة وثقافة المدينة، واحتلّ مكانته بين صفوف الرواد وأصبح له أسلوبه وبصمته وموضوعاته الغنية بالإنسان والمقهى والبحر وحياة الناس وحياة الفراشات.

سألته في إحدى جلساتنا مع الأصدقاء في بيروت عن علاقته بالمقهى، كيف بدأت وتطورت؟ فأجابني: «في مطلع السبعينيات عاد الفنان الرائد لؤي كيالي إلى حلب من رحلته الدراسية في روما، وعاود نشاطه في المدينة حيث كان يلتقي أصدقاءه، وأنا منهم، في مقهى القصر. من ثم توسعت الدائرة باعتبار أن ثقافة ارتياد المقهى في ذلك الوقت كانت منتشرة في أغلب المدن العربية، فقد كان مركزًا ثقافيًّا يضم الفنانين والأدباء والشعراء والممثلين بحواراتٍ دائمة، وسجالاتٍ فكرية حول الفن والرواية والقصيدة وما يدور حولنا من أحداث. جمعنا المقهى الذي اختلف مفهومه في هذا الزمن. بالنسبة لي أصبح جزءًا من حياتي لهذا السبب وثقته في لوحاتي، فأنا شخص أعيش بمفردي، وارتيادي بانتظام للمقهى يتيح لي أن أعيش بين الناس، فتنطبع حياة الناس فيه بمخيلتي وأرسمها بأسلوبي ورؤيتي».

لقد خلق هذا الفنان أبطال لوحاته على النموذج نفسه، ألبسهم ثيابًا رسمية ولكنهم حفاةً، لسبب ما، أو أن هذا كان جزءًا من الحالة الدراماتيكية للوحة، حتى تفرّد بشخصياته المختلفة بشكلها وحركتها وبطيرانها أحيانًا.. فصنع له بصمةً وهويةً فنية واضحةً تحمل توقيعه. في دبي التقينا ودعاني مع مجموعة من الفنانين لحضور محاضرة وتكريم له في إحدى المؤسسات الثقافية. حضرت واستمعت.. قدم فيها مقاربات لعدد من المواضيع منها: أزمة الحرية والتعبير، والصورة والتنميط والدلالة والمصداقية، وأزمة الخصوصية والتقليد، والإبداع؛ هل هو رهان أم حاجة؟ لافتًا إلى علاقة الإبداع بالإنسان الذي هو محور مركزي للوحاته.

سألته عن المفاهيم الجاهزة المتداولة في عالم الفن. وكانت إجابته تتمحور حول ضرورة تفحّص هذه المفاهيم من جديد وعدم الاعتماد على ما هو جاهز من المقولات، فهل يعد سعد يكن مجدّدًا في عالم الفن المعاصر؟

نعم، لقد حلّق هذا الفنان المخضرم في فضاءاتٍ لونية رحبة، وتجاوزت موضوعاته كلّ الحدود التقليدية، محافظًا على خصوصيته وفرادة أسلوبه. فكانت إحدى تجلياته طريقة رسمه للبحر. لقد كان بحره ثائرًا على الدوام، غير نمطي، متحولًا، رماديًّا، ثم أبيض يشوبه الأزرق كعيون الحسناوات.

مايسترو الفن التشكيلي

إحدى تجليات خصوصيته من ناحية الفكرة والطرح الفني، تمثلت في رسمه لأم كلثوم على المسرح بجداريةٍ تخطف الأنظار تحمل بصمته وهويته الفنية في رسم الأشخاص. أيضًا جدارية أخرى للموسيقار العراقي صلحي الوادي وللمطرب الكبير محمد عبده وللشيخ صبري مدلل؛ حيث رسم أوركسترا بعناصرها كلها. في الواقع هو من قادها بريشته وحركته وألوانه الحارة؛ حتى أصبح لقب (المايسترو) مسبوقًا باسمه.

هذا المايسترو العذب صاحب الموهبة الفذة، الغني بعالمه وتهويمات روحه، استطاع أن يعبر عن كل هذا في معرض «الفراشة» الذي أقامه في بيروت في 2013م، حيث حاول أن يرسم ما لا يرى، وكانت الفراشة، بألوانها الضاجة بالحياة، بطلة المشهد التشكيلي ووراءها تختبئ الفاجعة السورية، فقدانه لمحبوبته حلب، حبه، غربته واغترابه، شغفه، وخيباته التي كانت جزءًا غير ناقص من تجربته الفنية والإنسانية.

يختلف مفهوم سعد يكن للعزلة عن بقية الفنانين الذين جسدوا عزلتهم في لوحاتهم، كالفنان الأميركي إدوار هوبر الذي لا يظهر في لوحاته تجمعات بشرية ولكن أفراد في عالم مسطح دون حكاية سردية واضحة، أو كالفنان الإيطالي جورجيو دي كريكو؛ إذ رسم العزلة من خلال كائنات هجينة برؤوسٍ مطأطئة وجلساتٍ منكسرة، وكغيرهم كثير ممن رسموا العزلة المنفصلة عن العالم الخارجي، بينما ابتكر سعد يكن عزلةً من نوعٍ آخر؛ فجعل شخوصه تجلس بعضها قريب من بعض مكانيًّا، يستأنس بعضها ببعض، ولكن لكل منهم عزلته التي لا يشاركها مع أحد إلا بالفضاء العام. ربما هذا هو تجسيده لعزلته الاختيارية التي صنعها هذا الفنان العبقري بشروطه؛ إذ استطاع من خلالها أن يضع المسافة الآمنة بينه وبين المحيط، دون أن يكون وحيدًا.

بعد اطلاعي على عدد كبيرٍ من أعماله وإنتاجه الغزير والمتنوع، أستطيع القول: إنّ سعد يكن عالم فني تشكيلي ساحر، مدهش وغني، فيه حكايات كثيرة بطلها الإنسان الذي عبر به عن أوجاع الأمم والأوطان وعن الجمال والحب والحرب والمقهى والفراشات، متكئًا على مخزونٍ لوني فيه من التوافق والإقناع والنضج الذي يظهر في كل مرحلة من مراحل تجربته الواسعة. نجح في تجاوز بعده القسري عن حلب، وانتمى لمملكته الجديدة التي بناها في بيروت؛ حيث كان رهانه على فنه مخلصًا وفاتحًا أبواب الأمل.

وكصديقة قريبة من هذا المبدع العظيم أستطيع القول: إنه خليط من الثبات؛ بحكم التجربة الحياتية الغنية، ومن الرقة والعذوبة؛ بحكم أنه مفطور على الفن والإحساس العالي بقيمة الجمال، ومن القسوة أحيانًا؛ بحكم التوازن، ومن الكرم؛ بحكم أن هذه الصفة يعيشها في يومياته. حتى على مستوى الحرب السورية فهو ابن بارّ بمدينته حلب وله أيادٍ بيضاء في الأعمال الخيرية في حلب خاصةً وسوريا عامةً.

«لُغز» الأدب الفلمنكي هوغو كلاوس حين يحوم فوق الناس «كالطير الجارح»: أنزعُ منهم نتفًا.. لأصنع منها كتبًا

«لُغز» الأدب الفلمنكي هوغو كلاوس

حين يحوم فوق الناس «كالطير الجارح»: أنزعُ منهم نتفًا.. لأصنع منها كتبًا

ربح الكاتب والشاعر البلجيكي «هوغو كلاوس» قلوب كثيرين بسحر شخصيته وموهبته الأدبية الطاغية، لكنه كان عازمًا أيضًا على إطلاق العنان للشيطان الكامن بداخله. في محاضرته التالية، يرسم الباحث والناقد البلجيكي «مارك سخافرز» صورة مختلفة عن الكاتب الفلمنكي الأشهر. جاءت المحاضرة بمناسبة إطلاق السيرة الذاتية الشاملة عن حياة هوغو كلاوس (1929-2008م)، التي اشتغل سخافرز عليها طوال السنوات العشر الماضية، وصدرت مؤخرًا تحت عنوان: «حياة كلاوس» في 971 صفحة من القطع الكبير (أمستردام، 2024م)، وشكّلت حدثًا كبيرًا في الوسطين الأدبيين في هولندا وبلجيكا.

هنا ترجمة للمحاضرة:

مشاهد من حياة كلاوس

باريس، 1951م. فندق فيرنويل القذر مُطلًّا على نهر غيف غوش. بطلنا هوغو كلاوس شاب في الـثانية والعشرين من عمره، يصعد إلى الطابق العلوي بخطوات سريعة، حيث يقيم الكاتب الأميركي المغترب إليوت ستاين، الذي رتب غرفته حتى بدت كأنّها مكتبة، وقعت عينا كلاوس على كتاب «دفاتر ملاحظات هنري جيمس» (حرره إف أو ماتيسين وكينيث موردوك، الطبعة الأولى 1947م)، الاكتشاف الذي سيغيّر مجرى حياة كلاوس، فوفقًا له، أعاد قراءة هذا الكتاب مرارًا وتكرارًا بانغماس كبير. سجّل جيمس مئات المشاهد في دفاتر ملحوظاته وأسماها «البذور»، علّها تنبت في رواياته. سيقلّد كلاوس هذه الطريقة: في ملحوظات قصيرة وخاطفة، يدوّن الأفكار والأحداث اليومية وملحوظاته عن حيوات آخرين طُوال حياته، وغالبًا ما يبدأ العمل على قصة أو سيناريو بقائمة من هذه المشاهد، ليعيد ربطها في قصة تُروى.

لرسم بعض الخطوط العريضة لصورة هوغو كلاوس، اسمحوا لي أن أقدّم قائمة تلخّص ما أسمته فيرجينيا وولف (وهي كاتبة مفضّلة أخرى لدى كلاوس) «الحقائق الخصبة المُوحية»، التي تصنع قصة، أو -في هذه الحالة- ​​عناصر لسيرة ذاتية.

في المشهد الأول، نرى كلاوس (صبيًّا يبلغ من العمر 15 عامًا، وإن كان يبدو أكبر قليلًا بالنسبة لسنّه)، بصحبة رفيقه وزميله في صفوف «الشباب الاشتراكي الوطني» أناتول خيكيره. يطرق كلاوس باب الرسام ألبرت سيرفايس الذي يملك مرسمًا كبيرًا أعلى منزله ذي البرج العالي في «سانت مارتنز لاتيم»، حيث يستطيع الفنان المتديّن رؤية 28 بُرجًا من أبراج الكنائس عبر نوافذه في الشتاء.

سيزعم كلاوس لاحقًا أنه فقد إعجابه بالألمان في أثناء الحرب بمجرّد خسارتهم، ولكن مِنْ هذه الزيارة إلى سيرفايس في 21 يوليو 1944م، يمكن لنا أن نستنتج أن التعصّب النازي لكلاوس الشاب استمر مشتعلًا على الأقلّ حتى نهاية الحرب، فسيرفايس الذي يُعَدّ أحد رواد الفن التعبيري الفلمنكي، كان قد صنع اسمًا لنفسه في السنوات السابقة رائدًا كبيرًا في التعاون مع المحتل النازي، حتى إنه ذهب بنفسه إلى جوزيف غوبلز في برلين أكثر من مرة لتهنئته بـ «انتصارات» هتلر.

يود المرء أن يعرف بالضبط كيف جرت المحادثة بين الزائرين المراهقين والفنان الفلمنكي الشهير. كلاوس بدوره أبقى المشهد مُعتمًا وغير واضح، وفي المرة النادرة التي أشار فيها إلى هذه الزيارة، بعد مرور 40 عامًا، قال: إن الذعر سيطر على سيرفايس وهو يحاول «إقناعنا» بالمشاركة في الحرب متطوعين ضمن صفوف الألمان!

إضافة إلى الكذب، كان التعتيم أيضًا أحد وسائل كلاوس في صياغة ماضيه ليناسب احتياجاته الخاصة، كان ذكيًّا بما يكفي للتأكد من أن عارَ تعاوُنِهِ مع النازيين لن يعوق مستقبله.

كلاوس الطفل المعجزة

روما، ربيع 1953م. دخل كلاوس إلى متحف «غاليريا بورغيزي»، وتوقف ثابتًا منبهرًا أمام لوحة لوكاس كراناخ «فينوس مع كيوبيد سارق العسل». تلك اللوحة، كما سيكتب لصديقه روجر رافيل: «معجزة، شيء يضغط على قلبك بيد مطاطية». سيعود كلاوس إلى هنا في كل زيارة لاحقة له إلى روما.

باستثناء القبعة المخملية المدببة، فإن فينوس عارية تمامًا، امرأة طويلة، صدرها عالٍ، وساقاها نحيفتان، وأصابع قدميها طويلة، تقف ناظرة إلى رفيقها الملاك كيوبيد الذي يبدو في اللوحة ضئيلًا قبيح المظهر، يكافح للوصول إلى ركبتيها بعد أن سرق قرص العسل، فيما نرى النحل المسروق وقد بدأ في الهجوم عليه فبدا الملاك مذعورًا. سيقول كلاوس لاحقًا: إنه تعرف إلى نفسه في كيوبيد المضطرب بنظرته المرتعبة تلك. نعم، أَحبَّ كلاوس أن يُظهر نفسه كـ«أمير صغير ضعيف»، كما لحظ الناقد والإعلامي الهولندي إيشا ماير ذات مرة. ولم لا؟ فالشفقة على ذاته لم تكن غريبة عليه، والنرجسية أيضًا.

ما وجدته أكثر إثارة للاهتمام من بين جميع الوثائق الموجودة في أرشيف كلاوس، كان ذلك النصّ الغريب الذي يُقال: إن كاتبه شخص «مجهول»، وفيه تُوصَف المدة التي تعرّف فيها كلاوس إلى مجتمع «الحلقة» للفنانين الجدد في أمستردام في نوفمبر 1953م:

«مثل معبود شاب ظهر كلاوس هنا «في أمستردامنا الصغيرة» مُرتديًا بذلة مصمّمة بعناية: قميص أبيض نقي، يتناقض بشكل أنيق مع ربطة العنق الحريرية المضلّعة التي بدت كفراشة خضراء داكنة أسفل ذقنه، بنطاله رمادي ناعم مَكوي بعناية وله خطان حادان، سترته مصنوعة من جلد الغزال ذي اللون الرملي، يرتدي فوقها معطفًا بنيًّا له مربعات عاجية، حذاؤه، ذو المقدّمة المدبّبة والكعب العالي، صناعة إيطالية، وليست مصادفة، فهذا الوسيم ذو الشَّعر الأشقر يشبه الفايكنج بملامح وجه نيرون الشاب وقد عاد للتو من روما».

في هذا النص، يُوصف كلاوس بأنه «القوة الساحقة التي لا يُمكن أن تمر دون أن يُلاحظها أحد»، ووصفت عبقريته بعبارات: «البدائية الذكية» و«عدم التقيّد بالأعراف»، وأيضًا: «بالمقارنة مع هذا الساحر، وَجَد أصدقاؤه الهولنديون أن عيوبهم كبيرة إلى حد مقزّز»!

مَنْ يكون هذ الشخص الحميم المجهول من «أمستردامنا الصغيرة» الذي يتحدث بحماسة شديدة عن الطفل المعجزة كلاوس هكذا؟

أعتقد أن اسمه ببساطة هوغو كلاوس. طريقة صياغة الجُملة والتفاصيل الدقيقة لملابسه والأسلوب واللغة الهولندية الخرقاء المتعثّرة أحيانًا، حتّى الأخطاء الإملائية، كلّها تقريبًا تفضح كلاوس الشاب. في تلك السنوات كتب الروائي الأميركي نورمان ميلر: «إن الطريقة لحفظ عملك والوصول إلى المزيد من القرّاء هي الإعلان عن نفسك»، وقد شارك كلاوس هذه الرؤية: «إن الإيحاء بالنجاح يصنع النجاح». لقد احتفظ بشكّه في كتاباته الخاصة لنفسه، وأظهر في العلن ثقة مطلقة؛ «يتعلّم المرء من الأدغال»، على حدّ تعبير الشاعر الهولندي ومعلّمه هيرمان تيرلينك.

–   «دعيني وحدي أيتها الكلبة» (مذكّرات كلاوس، 30 أكتوبر 1958م).

–    «ابتعد أيها النتن واهتم بشؤونك» (3 ديسمبر).

الكلبة المُخاطَبة هنا هي زوجة هوغو كلاوس الأولى «إيلي أوفيرزير»، لقد اعتدنا الألقابَ العديدة التي خاطَب بها كلاوس حبيبتَه: أليست هي «المذبح الوثني» الذي كان يداعبه بـ«أصابع من نور» في قصائده؟ ألم تكن تارة أخرى «بُستانًا يُزهر في تموز»؟

بغض النظر عن عدد المرات التي تألقت فيها إيلي وتجلت في قصائد كلاوس ورواياته، وعدد المرات التي صُوِّرَ فيها الزوجان كأنهما في «علاقة نموذجية»؛ كانت علاقتهما مضطربة منذ البداية.

الشياطين التي تسكنه

شاعر الحب الأكثر شهرة في بلادنا لم يختبر الحب قط إلا كـ«حيوان صعب»، لا توجد متعة من دون ألم. كان كلاوس متعصّبًا للحرية قبل أي شيء آخر، قال مرة: «الحرية هي أجمل صرخة». رأى بفزع كيف يمكن للرغبات أن تستعبد الإنسان. وبعد ست سنوات من تعارفهما الأول، تزوج من «حبيبته الصغيرة المجنونة»، تحت ضغط من والدها.. وأمواله.

في روزنامته الشخصية رسم كلاوس نفسه مذعورًا على الصفحة التي حملت تاريخ زفافه المرتقب، وكتب بأحرف كبيرة مُتسائلًا: بداية التنكيل؟ ربّما؟ وكان الجواب موجودًا أيضًا، بحروف أصغر حجمًا.. وأكثر رعبًا: «لا».

إسطنبول، ربيع 1961م. قصر طوب قابي، يقف كلاوس منبهرًا لثلاثة أيام (كما يقول، فالمبالغة من سماته) أمام ألبوم فاتح. تُنسب الرسوم القديمة في هذا الألبوم ذات التأثيرات الآسيوية إلى صياح قلم، أو «القلم الأسود». أكثر ما أثار اهتمام كلاوس في هذه الرسوم أو كما أسماها «صياح قلم» في روايته التجريبية «سكولا نوسترا» (1971م)، هي الشياطين الحاضرة باستمرار، الشياطين المتنوعة التي تظهر دائمًا بملامح بشرية؛ (اعتقد كلاوس على الدوام أن البشر والحيوانات لا يختلفون في طباعهم كثيرًا)، وعادة ما تحدّث عن الشياطين التي تسكن داخله: الرجل الذي تعرف إلى نفسه في الملاك كيوبيد واستحوذ على كثيرين بسحره، كان عازمًا أيضًا على إطلاق العنان للشيطان الكامن فيه، كان يعلم أنّ تحت قشرة «المداراة والشفقة على الذات»، يكمن بركان خامد بداخله، لقد وصف الغضب بأنه شعور «لطيف»، وربطه بـ«الكبش»، برجه الفلكي.

كان كلاوس لا يزال يافعًا عندما أطلق معلِّمه الشاعر الهولندي هيرمان تيرلينك عليه لقب «الملاك الشيطاني». هو نفسه كان يبحث عن المفارقات ليصور تطرف شخصيته: «النار الباردة»، «الحنان القاسي»، «البدائية الذكية»، قال: «المتعة الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن تستمدها من الكتابة، هي أن تستطيع أن تصبح الشيطان نفسه فيها».

أواخر الستينيات يجلس كلاوس في مقهى «أميركان» المطل على ميدان «لايدزبلاين» في أمستردام. يدخل الروائي الهولندي هاري موليش، إنه في الواقع مقهاه الخاص، يتجه نحو كلاوس فيرى مخطوطة رواية على طاولته. كان موليش قد صرح للتو في إحدى مقابلاته الصحفية بأن الحرب قد عادت مرة أخرى (فيتنام والدكتاتورية الرأسمالية وغيرها)، وأصدر مرسومًا: «الروايات لا تُكتب أثناء الحروب»! والآن يرى هذا المخطوط؟ كتب كلاوس في مذكّراته: «لقد صُدم حقًّا، وصرخ في وجهي: ما هذا؟ ألا زلت تكتب الروايات سرًّا»؟

إذا كان كلاوس قد ناضل لسنوات لحل معضلة ربط أعماله الأدبية بالاتجاهات السياسية، فقد كان هذا أيضًا بسبب من هاري موليش، (كان تأثير زميله واضحًا كذلك في مجالات أخرى. قال كلاوس ذات مرة: «أسير على الدوام بشكل مستقيم جوار موليش»، حالة من «التناطح»، كما أسماها.

مذكراته: «هل تحدثتُ يومًا عن المتعة الغامرة التي تملأ العقل والجسد -بترقّب أكثر إثارة ممّا قد تتسبّب فيه أي مشكلة أيًّا كانت- عندما يحاول المرء إشعال سيجارة بعود ثقاب يحتوي على القليل جدًّا من الكبريت؟ لا! إذن ها أنا الآن أفعل».

كان كلاوس يعلم أن خلق شيء ما من العدم أمر شديد الصعوبة؛ لهذا السبب حاول الاحتفاظ بالتفاصيل وكتابتها في أوراقه، لقد أراد أن يُضفي على رواياته (وهذه هي صياغته): «لمسة من الموضوعية الواضحة»، التفاصيل، وفقًا لملحوظة كتبها كلاوس، هي «المصدر الحقيقي للقصة». اعتراف كتبه كلاوس: «الناس لا يعرفون أنني أحوم فوقهم كالطير الجارح، أنزع منهم نتفًا لأصنع منها كتبًا».

تحدث غرهام غرين عن «شظية الجليد التي تكمن في قلب كل كاتب»، ورأى أن أي كاتب سيكون «الأسوأ» لو تمكن القراء من التعرف إلى الشخصيات أو المواقف الحياتية في كتاباته.

شظية جليد؟ حين يتعلق الأمر بقلب هوغو كلاوس، فهل من الأفضل التحدث عن «كتلة كبيرة من الجليد»؟ في نهاية المطاف، كان كلاوس المتلصّص الذي سافر مع حبيبته الممثلة «كيتي كوربوا» للاحتفاظ بـ«حساب دقيق للخسارات»، ما سيثمر عن روايته اللاحقة «عام السرطان» (1972م). إنه العاشق الذي، في الأشهر التي حدثت فيها القطيعة مع حبيبته الممثلة سيلفيا كريستل، ظل مصممًا على البقاء قريبًا منها، لماذا؟

«لمشاهدة تدهورها»، كتب كلاوس في دفتره استعدادًا لـ«رواية عن الغيرة» يقول: «أريد أن أرى كيف سينتهي الأمر بها، أريد رؤية توترها، ذبولها في غلافها المعدني، سألعب كوميديا ​​​​الصداقة مدة من الوقت، فقط من أجل الرؤية، وبذرائع كاذبة إن لزم الأمر».

ومع ذلك، لم يكتب كلاوس الرواية الأخيرة قطُّ، وتحول إلى خرقة سنتمنتاليّة حين لحظ، في الدفتر ذاته، أنه يضع مرة بعد أخرى أغنية «لا تتركيني» لجاك بريل في جهاز الاستماع، ويبكي عندما يغني: «دعيني أكون ظلًّا لكلبك».

رواية لم تكتمل

كان كلاوس حيوانًا اجتماعيًّا، يكوّن مجموعات كبيرة من الأصدقاء، لكن ذلك لم يمنعه قط من الشعور بالوحدة. قال ذات مرة: إن الشعور بالوحدة «متأصل فيه» لدرجة أنه سيفتقده إذا اختفى.

اختتم كلاوس أعماله الشعرية الكاملة بقصيدة كتبها عام 1999م بعنوان: «إعادة النظر في أبولينير»، وأعطاها صوتًا عُلْويًّا. كتب أن أبولينير «يؤمن بطالعه»، لكن ها هو «معروض للبيع في حالة من اليأس»، والشيء الوحيد الذي يمكنك من خلاله مواجهة هذا اليأس هو ما صاغه كلاوس في الجملة الختامية للقصيدة: «فقط اضحك»، وفي النسخة الأولى التي نُشرت في الصحف كانت الجملة مختلفة قليلًا: «اضحك، اسخر مني».

جنت، خريف 2007م. المعرض الأخير الذي ملأ كلاوس بالحماس وأطلق عليه اسم «الرؤية البريطانية»، تعامل مع رفاقه «يان ديكلاير» و«بريختيا لاووارد» بتعليقات متعمّقة ولمّاحة، وطاقة بدت لوهلة غير متوافقة مع أعمال الهدم التي كان مرض الزهايمر يقوم بها في جسده منذ سنوات. نظر كلاوس مدة طويلة إلى مُجسّد «الكبش» الذي صممه الفنان «ويليام هولمان هانت» المشارك بالمعرض، كان مُجسّدًا من الأقمشة البيضاء يشير إلى سفر اللاويين في العهد القديم (يمكن عدّه كبش فداء المسيح على الصليب). بعد الزيارة، حاول كلاوس أن يكتب رسالة إلى صديق على بطاقة بريدية تحمل صورة للكبش، لم تطاوعه يده، فانفجر غاضبًا وأحدث كثيرًا من الفوضى.

هكذا كان الأمر طيلة الوقت: جعله الزهايمر يراوح ذهابًا وإيابًا كالبندول بين أوقات الوضوح ولحظات الضباب، لهذا اضطر إلى التوقف عن العمل في رواية «الغيوم»، الرواية التي كان لا يزال يرغب في كتابتها. وهكذا أراه في المشهد الأخير، يكتب ما قد يكون آخر ملحوظة عمل له، إنه يكتب، بل يحاول أن يكتب لأنه لم يعد قادرًا على القيام بذلك بشكل جيد: «المهمة سرية».

ربما ستعذرون كاتب السيرة حين يرى أن هذه العبارة، التي كانت آخر ما دوّنه كلاوس، كانت رسالة شخصية موجهة إليه، كما يمكن عدّها أيضًا تذكيرًا مفيدًا لنا جميعًا بما يمكن قراءته في الصفحة 47 من دفاتر هنري جيمس: «لا تقل أبدًا إنك تعرف آخر كلمة في أي قلب بشري».


مارك سخافرز (مواليد 1956م)

كاتب ومحرّر صحفي بلجيكي، درس اللغات الجرمانية وبدأ العمل الصحفي في عام 1994م. منذ 1996م تولى سخافرز تحرير الملحق الأدبي DSL في صحيفة «ذا ستاندارد» أهم الصحف الفلمنكية الصادرة في بلجيكا، كما قدم كتبًا عدة، وبخاصة في مجال السيرة الذاتية، وكان للشاعر والروائي البلجيكي هوغو كلاوس نصيب كبير من جهد سخافرز في هذا المجال، حيث قدّم عنه ثلاثة كتب، كان آخرها السيرة الذاتية الضخمة تحت عنوان «حياة كلاوس» التي تأتي المحاضرة أعلاه بمناسبة صدورها في مارس الماضي، ما شكّل حدثًا أدبيًّا كبيرًا في المشهد الأدبي للغة الهولندية في أمستردام وبروكسل.

«رهمانج» و «لا نا ما»: حامل المعرفة البحرية وتبادل الثقافات على طريق الحرير البحري

«رهمانج» و «لا نا ما»: حامل المعرفة البحرية وتبادل الثقافات على طريق الحرير البحري

مصطلح «لا نا ما» ظهر لأول مرة في الكتاب السياسي الصيني ميشو جانتشي. إن «لا نا ما» هو نقل للكلمة الفارسية «راهنامه»، التي تعني دليل الملاحة. بوصفه دليلًا للملاحة، كان «لا نا ما» موجودًا في النصوص الفارسية والعربية والصينية منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وهو يتوافق أساسًا مع طريق الحرير البحري القديم في منطقة المحيط الهندي.

في الوثائق الموجودة، يمكن تتبع سجلات استخدام رهمانج كدليل ملاحي إلى عام ١١٣٥م. في النصف الثاني من القرن الخامس عشر كتب أحمد بن ماجد دليلًا بحريًّا باللغة العربية بعنوان: «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد». في الفائدة الأولى، تحدث عن أنه واجه دليلًا ملاحيًّا كتب في السنة الهجرية ٥٣٠هـ (الموافقة لعام ١١٣٥م)، الذي أشير إليه باسم «رهمانج». الاقتباس هو كالتالي: «وقد رأيت ذلك بخط ولد في رهمانج تاريخه خمس مئة وثلاثون سنة» (أحمد بن ماجد، «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد»، تحقيق إبراهيم خوري، مركز الدراسات والوثائق الديوان، ١٩٨٩م، ص٢٤).


المصطلح العربي «رهمانج» (دليل الملاحة) المذكور في النص المقتبس هو في الواقع كلمة استعيرت من اللغة الفارسية، إذ عُرِّبَ «راهنامه» إلى «رهمانج» بمرور الوقت. من المعلومات المقدمة، يظهر بوضوح أن رهمانج في أواخر القرن الثاني عشر لم يُسَجِّل المعلومات فقط حول مسارات الملاحة، ولكن أيضًا تضمن تقويمات أو وصفًا للملاحين السابقين.

عمل الشاعر الفارسي نظامي «إسكندرنامه» هو واحد من أقدم النصوص الفارسية المتعلقة بـ راهنامه، ويعتقد أنه كُتِب في أواخر القرن الثاني عشر إلى بداية القرن الثالث عشر. في القسم رقم ٣٥، أشار الشاعر إلى راهنامه ثلاث مرات. في القصيدة، عندما واجهت أسطول الإسكندر تيارات مائية في المحيط، استشار الملاحون الخبراء والملاحون القدامى راهنامه لتقويم الخطوة الصحيحة للعمل. وجدوا أنه عليهم أن يعودوا عندما فحصوا دليل الملاحة (راهنامه) مرة أخرى. (الیاسبن یوسف نظامي، «خمسه نظامي»، مرکز تحقیقات رایانهاي قائمیه أصفهان، ٢٠٠٤م، ص٧٧١). الطاقم اتبع تحذيرات وتوجيهات راهنامه بدقة وحذر الإسكندر من أن المكان خطير جدًّا، مؤكدين أنه آخر ميناء ذُكر في دليل الملاحة (راهنامه) (المصدر نفسه، ص٧٧١). في رحلتهم في وقت لاحق عندما واجهوا مدينة بيضاء غريبة في الصحراء، استفسر المرافقون عن ملكية المدينة واسمها كما هو مذكور في دليل الطريق (راهنامه) لمعرفة المزيد عنها. (المصدر نفسه، ص٧٧٤). يبدو أن راهنامه في «إسكندرنامه» يتعلق بكل من السفر عبر البحر والسفر عبر اليابسة.

التفاعل بين المسافرين ورهمانج

كتاب «تاريخ المستبصر» في القرن الثالث عشر يوضح التفاعل بين المسافرين ورهمانج. كتب هذا الكتاب المسافر العربي ابن المجاور، الذي قام برحلات عبر شبه الجزيرة العربية ومناطق متنوعة في الهند، وجمع تجاربه في السفر في هذا الكتاب. في «تاريخ المستبصر»، ناقش ابن المجاور رهمانج: «قد ذكر مؤلف كتاب الرهمانج أنه إذا شاهد مسافر في هذا البحر سبعة طيور في لجج البحار يعلم أنه مقابل جزيرة سقطرى، وكل من جاز ويجوز هذا البحر وقطع جزيرة سقطرى يرى السبع طيور ليلًا ونهارًا صباحًا ومساء ومن أي صوب أقبل المركب تستقبله الطيور». (ابن المجاور، «تاريخ المستبصر»، المعهد الأميركي للدراسات اليمنية، ٢٠٢٢م، ص٢٩٥.)

من المقتطف المذكور آنفًا ومن محتوى الكتاب بشكل عام، يمكن فهم أن ابن المجاور استخدم رهمانج حصريًّا لتوجيه الملاحة البحرية، واستخدم منهجًا يجمع بين المعلومات البيولوجية والمواقع لتحديد المواقع الجغرافية.

في منتصف ونهاية القرن الثالث عشر، كانت هناك أيضًا سجلات موثقة في نهاية طريق الحرير البحري تتعلق بـ«لا نا ما» في الإمبراطورية الصينية في عهد اليوان، كما ذكرت في بداية هذه الورقة في ميشو جانتشي. ميشو جان كان السرايا الإمبراطورية المسؤولة عن إدارة الكتب والسجلات في عهد اليوان. جُمِعَت ميشو جانتشي من قبل وانغ شيديان وشانغ تشيونغ بين عامي ١٣٤١م و١٣٧٠م، وهو كتاب سياسي ويقدم حسابات مفصلة للتغييرات الإدارية والأنظمة في عهد اليوان. في ميشو جانتشي وصف «لا نا ما» على النحو التالي:

«في اليوم السادس عشر من الشهر الثاني في السنة الرابعة والعشرين لعصر تشي يوان، أصدر السرايا الإمبراطورية مرسومًا إلى المناطق الساحلية في مقاطعة فوجيان. هذا المرسوم أوجب على المجتمع البحري المحلي من هوي هوي (المسلم) أنه إذا كانوا يمتلكون مخطوطات من «لا نا ما» مكتوبة بالخط هوي هوي، عليهم أن يقدموها للسرايا». (وانغ شيديان وشانغ تشيونغ، ميشو تشي، المجلد٤، ص١٢).

السنة الرابعة والعشرون لعصر تشي يوان هي عام ١٢٩٧م، «لا نا ما» في ميشو جانتشي يشير إلى علاقته الوثيقة بالأنشطة البحرية في عهد اليوان. وجود هذا السجل يشير إلى نقطتين مهمتين. أولًا، يشير إلى أنه بحلول عهد اليوان، كانت دلائل الملاحة باللغة الفارسية قد انتشرت فعليًّا شرقًا إلى المناطق الشرقية في آسيا. ثانيًا، يؤكد قيمة «لا نا ما» الكبيرة في فهم الأوضاع البحرية في المحيط الهندي والبحر الأحمر في ذلك الوقت. الطبقة الحاكمة في عهد اليوان كانت مدركة لهذه الأهمية، وهو ما دفع بصدور مراسيم رسمية للحصول على «مخطوطات لا نا ما مكتوبة بالخط هوي هوي».

في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ابن ماجد الملاح الإسلامي الشهير، الذي غالبا ما يشار إليه بـ«أسد البحر»، ألّف « كتاب الفوائد»، ما يعترف به العلماء كالرهمانج الحقيقي. يُعَدّ هذا الكتاب أقدم رهمانج محفوظ، ويحتوي على ثروة من المعلومات مستمدة من خبرة ابن ماجد الواسعة في الملاحة في المحيط الهندي والخليج الفارسي والبحر الأحمر. «كتاب الفوائد» يتضمن رؤى قيمة في علم الفلك والجغرافيا والملاحة، ويركز تركيزًا خاصًّا على المواسم السائدة ومسارات البحر والحياة البحرية، وموارد المعادن في المياه المحيطة بشبه الجزيرة العربية.

مماثلًا لاستخدام رهمانج من قبل المسافر العربي في القرن الثالث عشر، يصف عمل ابن ماجد أيضًا طريقة لتحديد موقع جزيرة سقطرى. ومع ذلك، ما يميز ابن ماجد من ابن المجاور هو الطريقة التي يتبعها، التي تعتمد على الجغرافيا والصوت. يشرح: «فقيدوا له قدرًا في رهمانجهم القديمة، وقالوا: إذا نظرت الجبل وقد خرج نصفه من الماء، فارم البلد، وإن أبرى فهي سقطرى، وإن لم يبر، فهي أرض الشحر ونواحيها». (أحمد بن ماجد، «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد»، تحقيق إبراهيم خوري، مركز الدراسات والوثائق الديوان، ١٩٨٩م، ص٢٣٠).

هذه الطريقة تجمع بين الملامح الجغرافية والصوت لتحديد الموقع المحدد لجزيرة سقطرى، وهو ما يقدم نهجًا بديلًا للملاحة. على الرغم من أن «كتاب الفوائد» كان نوعًا من رهمانج، فإنه كان يقدم أيضًا رؤى حول المحتوى الذي اشتملت عليه تقليديًّا رهمانج.

كيفية استخدام الرهمانج

يمكن القول: إن رهمانج ليس مجرد دليل لمسارات البر، بل هو أيضًا أداة ملاحة عملية شاملة تجمع بين سجلات مسارات البحر، ووصف للجزر والجغرافيا الساحلية، ومعلومات بحرية أخرى حاسمة. أوضحت أعمال التجميع المذكورة آنفًا كيف استُخدم رهمانج أو «لا نا ما» كالتالي:

– تحديد الاتجاه الجغرافي للأماكن المحددة (ينطبق على دلائل مسارات البر والبحر). رهمانج كوسيلة لتجميع المعرفة البحرية التي جرى تراكمها على مر العصور من قبل البحارة، تشمل أساليب متنوعة لتحديد المواقع الجغرافية، بما في ذلك الخرائط التخطيطية، (خلود علي هادي، «الخرائط البحرية العربية من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري»، جامعة بغداد، ٢٠٠٣م، ص١٦٦). ومعلومات حول البيئة البيولوجية المحيطة بالمناطق، وبيانات الملاحة السماوية، وغيرها. تشير السجلات الموثقة المذكورة آنفًا إلى أن رهمانج يمكن استخدامها لتحديد المواقع الجغرافية من الوصف النصي والصور.

– تقديم توصيات للسفر وتسليط الضوء على المناطق الخطرة (ينطبق على دلائل مسارات البر والبحر). في «إسكندرنامه»، يتشاور البحارة الخبراء مع راهنامه أو رهمانج؛ لتحديد مواقع المناطق الخطرة، واتخاذ قرارات حول ما إذا كانوا سيلتزمون بالمضي قدمًا. بالمثل، يقدم ابن ماجد معلومات حول المناطق الخطرة في مناطق بحرية متنوعة لتحذير البحارة الآخرين.

– تخطيط مسارات الملاحة. في رهمانج لابن ماجد، جرى توفير وصف واضح لفصول الموسم في مناطق مثل: المحيط الهندي والبحر الأحمر. دُمجَت هذه المعلومات مع مسارات السفر من مختلف المواقع وإليها، وهو ما يميز المسارات الملاحية المُثلى بين المحيط الهندي والخليج العربي والبحر الأحمر، مع تحديد أوقات مناسبة لرحلات البحر.

– نشر المعرفة البحرية. في «كتاب الفوائد»، يقدم ابن ماجد معدات ملاحية متنوعة، ويقدم معلومات حول الحياة البحرية والجغرافيا وموارد المعادن في البحر الأحمر ومناطق بحرية أخرى. هذه السجلات القيمة كانت أساسًا للبحارة في المستقبل الذين استكشفوا المحيطات وقدمت مواد بحث نادرة للعلماء الحديثين الذين درسوا الحياة البحرية والتغيرات البيئية في المحيط الهندي.

النصوص المذكورة آنفًا تقدم نظرة موجزة على مسار نقل رهمانج «لا نا ما» كوسيلة لنقل المعرفة البحرية. هذا المصطلح «راهنامه» نشأ باللغة الفارسية، ثم انتشر إلى شبه الجزيرة العربية، وأصبح «رهمانج» مستخدمًا على نطاق واسع من جانب البحارة العرب للإشارة إلى الدلائل البحرية. ثم انتقل عبر طريق الحرير البحري ليصل إلى فوجيان في الصين، في الجزء الشرقي من القارة الأوراسية، ثم «لا نا ما» ظهر في ميشو جانتشي. تعكس هذه الرحلة للنقل تبادل الثقافات ونشر المعرفة البحرية عبر مناطق مختلفة على طريق الحرير البحري.

دليل ملاحي

عَبْر استعراض الأدبيات المتعلقة بـ«لا نا ما»، يمكننا الحصول على فهم أوضح لاستخدامه والمسار التقريبي الذي انتشر من خلاله دليلًا ملاحيًّا على طول ساحل المحيط الهندي. مصطلح راهنامه الفارسي، الذي كان يشير في الأصل إلى الدلائل البرية والبحرية، أصبح تدريجيًّا متخصصًا بصفته دليلًا ملاحيًّا بمجرد انتشاره في المناطق الساحلية. استنادًا إلى السجلات الحالية، يمكن استنتاج أن «لا نا ما» كانت مستخدمة على نطاق واسع في القرن الثالث عشر، حيث تَعرَّف الملّاحون من سلالة اليوان إلى المعلومات البحرية التي تحتوي عليها وقَبِلوها، وهو ما أدى إلى إدراجها في السجلات الرسمية. بعد سقوط سلالة اليوان، جمعتْ سلالة المينغ عددًا كبيرًا من النصوص من عصر اليوان. استنادًا إلى ذلك، يمكن استنتاج أن المعلومات البحرية الموجودة في «لا نا ما» كانت على الأرجح واحدة من مصادر المعرفة التي استخدمها تشنغ خه في رحلاته في المحيط الهندي تحت حكم سلالة المينغ.