بواسطة عزام أحمد جمعة - باحث عراقي | سبتمبر 1, 2024 | ثقافات
يشير مصطلح «الأدب المعاصر» إلى النصوص التي كتبت منذ عام 1985م حتى الوقت الحالي. إنه تاريخ بداية عملية البيرسترويكا، التي فتحت الطريق للتحولات السياسية والاجتماعية، وأدت أيضًا إلى تحولات داخلية في العملية الأدبية نفسها، التي منها: ظهور مجالات جديدة في الموضوعات (موضوعات اجتماعية جديدة)، ظهور شخصيات لم يكن من الممكن وجودها في المرحلة السابقة من تطور الأدب، مثل جنود الحرس، كما في نصوص أوليغ بافلوف، وفتيات السهر، كما في رواية فلاديمير كونين «فتاة بين البلدين»، والسجناء في نص أوليغ غابيشيف «أودليان، أو هواء الحرية».
كما ظهرت نصوص جديدة، مبتكرة من ناحية الأسلوب؛ كانت شاهدة على دخول الحداثة إلى العملية الأدبية المعاصرة خلال الحقبة بين الستينيات والسبعينيات. ومع ذلك، لم تكن هذه التجارب تتوافق مع مبادئ الواقعية الاجتماعية ولم تحظ بدعم من دور النشر الرسمية.
أهمية النظر إلى السياق
يجب الإشارة إلى أن النظرة البحثية للأدب المعاصر ليست متوازنة على الإطلاق. فعلى سبيل المثال، يصف أ. نيمتسير نهاية القرن العشرين بأنها «رائعة» (من ناحية الإنجازات الفنية)، بينما يعرّف إ. شكلوفسكي الأدب المعاصر بأنه «بلا مأوى»، والشاعر: ي. كوبلانوفسكي يدعو إلى ترك الغوص فيه. السبب وراء هذه التصنيفات المتضاربة يعود إلى أننا نتعامل مع عملية حية تتشكل أمام أعيننا وبالتالي لا يمكن تقييمها بشكل قاطع وكامل[2,2021].
يشير أندريه دميتريفيتش ستيبانوف إلى أهمية النظر إلى السياق الواسع لفهم الاتجاهات الحالية في أدب العقد الحالي، فالعديد من الاتجاهات الحديثة تعتبر استمرارًا أو نفيًا لاتجاهات حدثت في بدايات الأدب الروسي الحديث، في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي.
في بداية التسعينيات، كان تطور الأدب يستند إلى التمايز عن الأدباء السابقين، بما في ذلك كُتاب المرحلة المتأخرة من الاتحاد السوفييتي، الذين كانوا يعتمدون بطريقة ما على مبدأ «عكس الواقع». ولذلك كانت المشروعات الراديكالية لتفكيك أدب الماضي، مثل تلك التي قام بها فلاديمير سوروكين، هي ما جذبت أكبر قدر من الاهتمام. [4,2021:53] بعد هذا التفكيك للأدب السابق، طرح السؤال: ما الذي يمكن إعادة بنائه والعمل على إحداث طفرة أدبية وبناء أدب روسي حديث باتجاهات وموضوعات تختلف عن الأدب السابق؟
في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، تفاعل الكتّاب الروس بطرائق متباينة مع العالم من حولهم، فقد صور فيكتور بيليفين الواقع المتلاشي، الذي يظهر ككيان غير ملموس ومنعزل عن الخارج؛ فأعماله دائمًا تتمحور حول الوعي الفردي للشخصية. أما ألكسي إيفانوف فقد خلق روايات تاريخية على قاعدة خيالية، تصعب تمييز الأسطورة مِن الحقائق الموثقة في السجلات التاريخية.

في العقد الثاني من الألفية الجديدة، جاءت هذه الاتجاهات في مواجهة محاولات العودة إلى واقعية «جديدة»، سواء من خلال وصف الروتين اليومي الرمادي، كما في أعمال رومان سينتشين، أو من خلال واقعية جذرية تصوّر الإنسان في مواقف حدودية، مثل زاخار بريلبين.
في العقد الجديد من الألفية، كان على كتّاب العصر اختيار أحد المسارين السابقين المُعبَّر عنهما: إمّا «الخيال» أو «الواقع»، أدب أليكسي سالنيكوف، الذي استُقبل في منتصف العقد الحالي على أنه «كلمة جديدة» في الأدب الروسي، يجمع بين الطريقين في آن واحد؛ فأبطال وأجواء روايته «بيتروف في الإنفلونزا وما حولها» يذكرون، من جهة، بأعمال رومان سينتشين في مراحله المبكرة، ومن جهة أخرى برواية «عوليس» لجويس (الخلفية الأسطورية) وعوالم الواقع الافتراضية لبيليفين: فكل ما يحدث يُمكن فهمه على أنه خيال البطل الرئيسي، والأحداث لا تحدث في أحياء يكاتيرينبورغ، بل في عقل بيتروف.
ويعد هذا النوع من «تسفيه الواقع» حتى وصوله إلى السخرية واللامعقول، موجودًا بدرجات متفاوتة في معظم كُتّاب سلسلة «رف الكتب لفاديم ليفنتال»: سواء في أعمال دميتري دانيلوف، أو كيريل ريابوف، أو فلاديسلاف غورودتس، أو ألكسندر بيليفين.
ويمكن أيضًا تصنيف الكاتب ميخائيل إيليزاروف، الذي عمل في مجال الأدب منذ مدة طويلة، ضمن هذا الاتجاه، وبخاصة من خلال روايته الأخيرة «الأرض»، لكن التوازن على حافة الواقع والخيال هو حالة من الاتزان غير المستقر، لن يتمكن الأدب من البقاء فيها طويلًا، وننتظر في المستقبل نمطًا ثقافيًّا جديدًا تمامًا، لا يُحدد فقط بواسطة أساليب جديدة التي يبدو أن كل الأساليب الممكنة قد استُنفدت بالفعل، بل بواسطة واقع اجتماعي جديد، نحن نخوض فيه.
يذكر ب. م. أيخنباوم في مقولته الشهيرة أن الكتّاب الشبان في الأدب الروسي المعاصر الذين انضموا إليه في السنوات الأخيرة لا يوجهون اهتمامهم الكبير نحو تجارب «الآباء، بل يتجنبونها كثيرًا، وإنما ينظرون إلى تجارب «الأجداد» ويعيدون تقييمها.
ومن هذا المنظور، أصبح الأدب الروسي للعقد السابق مادةً أساسية للكتَّاب المبتدئين. كان الأدب في مرحلة «الصفر» موجهًا نحو جدول أعمال اجتماعي حاد وسياسي معاصر، سواء كانت دعاية سياسية مثل «2008» لـ س. دورينكو أو نماذج اجتماعية مؤقتة مثل «الألغاز» من تأليف لـ أ. جاروس وأ. إفدوكيموف (وكلاهما، بالمناسبة، نُسِيَا بشكل مطلق الآن).
تجارب جديدة
توجه الأدب في العقد الثاني من الألفية الجديدة نحو مواد تاريخية بحثًا عن نقطة تجميع للحاضر في الماضي البعيد أو القريب نسبيًّا من بداية التسعينيات («1993» لسيرغي شارجونوف) مرورًا بالقرن العشرين بأكمله («معبد» لـ زاخار بريليبين، «جسر الحجر» لـ أندريه تيريخوف، «الطريق الشتوي» لـ لينا يوزيفوفيتش وغيرهم) إلى عمق الماضي في ( «لفر» لـ يفغيني فودولازكين، «فيليالين» لـ لينا يوزيفوفيتش). [1,2022] وكما هو الحال عادة، توجه الأبحاث والبحث الأدبي نحو أساليب أدبية شعبية وشائعة؛ أمثال «زوليخا تفتح عينيها» لـ جوزيفينا ياخينا وغيرهم.
إنَّ الكتّاب الذين دخلوا الأدب في نهاية العقد الثاني من الألفية الجديدة يتخلون عن النظرة «التاريخية» ويرجعون مرة أخرى إلى موادهم وأشكالهم الحالية، ومع ذلك، فإنهم، بالمقارنة مع «الأجداد»، بطبيعة الحال، يعملون على مستوى تاريخي جديد، وكل شخص بأسلوبه الخاص. كيريل ريابوف، في روايات «الكلب»، «لا أحد سيعود»، مجموعات القصص «رجال مشنقون»، «فجوة»، يجمع بين تقاليد السخرية، السوداوية وجماليات المناطق السكنية لخلق صورة مقنعة، على الرغم من أنها تحمل نوعًا من السخرية، للمدينة الحديثة وسكانها. ويتناول فلاديسلاف غوروديتسكي في مجموعة قصص «عكس سيدّي» الفوبيا المنتشرة في المجتمع الحديث والموضوعات الأكثر نقاشًا، بهدف صياغة المستقبل القريب والرد على الوطنية والجندر والسياسة وما إلى ذلك.
يُعد الكتّاب أمثال ستيبان غافريلوف في رواية «المولود النشيط»، وأنطون بوتيف في رواية «شرطي مُخمور»، أو إيفان شيستاكوف في رواية «التكرار»، من الأصوات الحديثة في الأدب الروسي في الأورال، فهم يعملون على إنشاء نصوص حديثة باللغة الروسية باستخدام مواد تتعلق بثقافات الشباب، ممزوجة بجرعة كبيرة من التقاليد الروسية في الأدب الأورالي.
أما الكاتبات، أمثال: أوكسانا فاسياكينا في «جرح»، ألّا غوربونوفا في «نهاية العالم، حبي»، وفيرا بوغدانوفا في «بافل جان وغيره من المخلوقات النهرية»، وإيرينا ليفينتال في «جنسي»، فإنهن يعملن بطرائق مختلفة على تمثيل الفردية النسائية في الأدب الروسي، إما ككائن مضطهد أو كمتغلب على الجروح. إنهن لا يبحثن عن تجديد الموضوعات والروايات الحديثة فحسب، ولكن أيضًا عن تجديد الأشكال و«تجديد الإثارة». إن هذا التحدي مهم لأن إمكانية الإثارة، سواء كانت ضمن الواقعية النفسية التقليدية أو في نمط الأوتوفيكشن الذي انتشر بشكل واسع في العقدين الماضيين والذي يبدو أنه استنفد بشكل كبير أو تراجع بالفعل.
فضلًا عن الكتّاب الذكور والإناث المذكورين سابقًا، لا يمكن تجاهل أسماء مثل ألكسندر بيليفين في روايات «حفرة كالينوفا»، و«الأربعة»، و«كروف-17»، وغيرها، الذي يمزج بين قصص الجريمة التقليدية والمغامرات مع عناصر من الألعاب الإلكترونية والمسلسلات التلفزيونية. وهناك أيضًا التجارب الحديثة للكتاب مثل: أرتيم سيريبرياكوف في رواية «الفيستولا»، ومجموعة قصص «لغة غريبة»، وديمتري كودروف في مجموعة قصص «العيش معكم«.
من الواضح، من السياق، أن الأدب الروسي الحديث يسعى باستمرار لاستكشاف أشكال جديدة وتقنيات جديدة لفهم الواقع المعاصر كما يُظهر للأجيال الشابة: واقعًا متقطعًا، متناقضًا، ومخيفًا في كثير من الأحيان. لا شك أن هذا الطريق سيؤدي إلى نتائج مهمة ومثيرة للاهتمام.

مواضيع متنوعة
كتب ك. أ. روغوفا حول توجهٍ يُعرف بالأوتوفيكشن، وهو توجه أدبي متعدد الأنواع يمزج بين السيرة الذاتية والنثر الأدبي؛ إذ تتداخل الأحداث الحقيقية والحقائق الصحيحة مع الخيال الإبداعي للكاتب. يتسم الأوتوفيكشن بتداخل الأنواع الأدبية والأشكال والصيغ: من مقالات وتقارير علمية إلى سجلات يومية وصيغ مراسلة، ومن تدفق الوعي إلى السرد المقطعي، ويصل إلى النثر والشعر.
يُمكن تصنيف أعمال مثل كتاب أ. د. ستيبانوف «سعادة الأدب المتلاشية» ضمن هذا النوع من السرد؛ إذ يجمع الكتاب بين المقالات العلمية والاستعراضات والمقالات التذكارية مع السخرية، وتُوَحَّد هذه الأعمال بموضوع واحد رئيسي يتعلق بالأدب بأوسع معانيه [5,2022/5]. كما تظهر سمات هذا التوجه وخصائصه في الأدب الروائي؛ إذ تعكس رواية ت. ريزدفينكو «روتوندا-تريب: قصة مشروع واحد» محتواها من خلال عنوانها وتكريسها لنصوص توجيهية؛ إذ تعطي القارئ فكرة أولى عن محتوى الرواية التي تحكي قصة سفر مجموعة من الشباب إلى أماكن مرتبطة بأعمال معمارية لـ ن. أ. ليفوف (1751-1803)، تُبرز الرواية مكانة خاصة لروتوندا كمقبرة في القصر العائلي في نيكولسك-تشيرينتشيتس؛ إذ كتب العالم المعماري: «لطالما أردت بناء معبد للشمس، حتى تنزل الشمس في أجمل أوقات الصيف لتستريح في منزلها [3,2021:11]».
إن إحدى جوانب القصة تعكس الواقع المعاصر، رحلة فنانين شباب في ضواحي سانت بطرسبرغ، ومناطق تفير ونوفغورود. ومن الجهة الأخرى، هي رواية عن شخصية مهمة في الثقافة الروسية في القرن الثامن عشر، في مرحلة مهمة من تكوينها. قصة الرحلة يمكن أن تشمل وصف مواقف مختلفة: الإقامة في الفندق، العشاء في المقهى أو الغرفة، الأنشطة في أثناء التوقفات، زيارة المحلات الريفية، وما إلى ذلك. والخط الثاني: وصف المعالم المعمارية على خلفية الطبيعة الروسية، وحوارات وتأملات الشخصيات حول الإبداع وحياة الفنان، وأفكار المؤلف.
يتطرق الأدب الروسي المعاصر إلى مجموعة واسعة من الموضوعات التي تعكس جوانب مختلفة من المجتمع الحديث والحياة الإنسانية يمكن إجمالها في الآتي:
البحث عن المعنى والهوية:
تتناول العديد من أعمال الأدب الروسي الحديث موضوع البحث عن معنى الحياة ومكان الفرد في العالم؛ إذ يستكشف المؤلفون أسئلة حول غرض الوجود ومعناه، والبحث عن الهوية ومكان الفرد في المجتمع. إضافة إلى ذلك، يعالج الأدب الروسي الحديث المشكلات الاجتماعية وعدم المساواة في المجتمع؛ إذ يدرس المؤلفون موضوعات مثل الفقر والبطالة والفساد والعنف والتمييز لجذب الانتباه إلى هذه القضايا وتوليد الوعي العام والتغيير. كما يعكس الأدب الروسي الحديث تأثير التقنية والإنترنت في حياتنا. ويستكشف المؤلفون موضوعات تتعلق بالواقع الافتراضي، والشبكات الاجتماعية، وإدمان الأجهزة، وتأثير التقنية في العلاقات بين الأشخاص. ويتناول الأدب الروسي الحديث أيضًا القضايا البيئية وأهمية الحفاظ على الطبيعة؛ إذ ينظر المؤلفون في موضوعات تتعلق بالتلوث البيئي وانقراض الأنواع، وتغير المناخ، وتأثير النشاط البشري في الطبيعة. موضوع الحب والعلاقات له حضور مهم أيضًا في الأدب الروسي الحديث. يستكشف المؤلفون جوانب مختلفة من الحب، بدءًا من اللقاء الأول والعاطفة حتى الصعوبات وخيبات الأمل في العلاقات.
إنّ أهم ما يميز الأدب الروسي المعاصر يمكن إيجازه في الآتي:
التعدد النوعي: يقدم الأدب الروسي المعاصر للقراء مجموعة واسعة من الأنواع بدءًا من أشكال النثر الكلاسيكية حتى النصوص التجريبية والميتافيزيقية: رواية، قصة، مسرحية، قصيدة، كلها تجد مكانها في الأدب الحديث، وتقدم أساليب جديدة لدراسة وتفسير الأعمال الأدبية.
أهمية الموضوعات الاجتماعية: يلبي الأدب الروسي الحديث متطلبات العصر ويستجيب للمشكلات الاجتماعية الحالية، يتناول المؤلفون موضوعات مثل: المشكلات البيئية، والوضع السياسي، وعدم المساواة الاجتماعية، والتقدم التقني وغيره؛ إذ تصبح الأعمال الأدبية منصة لمناقشة وتحليل القضايا الاجتماعية والثقافية المعقدة.
التداخل بين النصوص: يستخدم الأدب الروسي الحديث بشكل نشط المراجع النصية لأعمال الأدب الكلاسيكي والمصادر الأخرى؛ إذ يقتبس المؤلفون ويحللون نصوص الكلاسيكيات الروسية والأجنبية، وهو ما يخلق مساحة قراءة جديدة تعتمد على التقاليد الأدبية، وفي الوقت نفسه تقدم لهجات حديثة.
الأشكال والأنواع التجريبية: يفتح الأدب الروسي الحديث آفاقًا جديدة في استخدام الأشكال والأنواع الأدبية؛ إذ يقوم المؤلفون بتجربة البنية السردية والوسائل اللغوية واستخدام الخلط بين الواقع والعناصر الخيالية. تتيح مثل هذه التجارب إنشاء مساحة أدبية جديدة وجذب انتباه القراء.
أدب المرأة: أحد الاتجاهات ذات الصلة في الأدب الروسي الحديث، هو تطور الأدب النسائي؛ إذ تعكس الكاتبات بشكل نقدي الأدوار الاجتماعية والقوالب النمطية، ويستكشفن قضايا النوع الاجتماعي والنسوية، ويولين المزيد من الاهتمام لقصص النساء ومصايرهن غير المعروفة. كما يقدم الأدب النسائي منظورًا جديدًا وأفكارًا جديدة إلى الفضاء الأدبي الحديث.

أبرز أدباء الأدب الروسي الحديث:
الأدب الروسي المعاصر يضم العديد من الكتّاب الموهوبين الذين حازت أعمالهم اعترافًا وشهرةً واسعة. من أهمهم:
سيرغي دوفلاتوف: كاتب روسي معروف، تتميز أعماله بالذكاء والسخرية. اشتهر بروايات السيرة الذاتية مثل: «المحمية» و«التسوية»، يروي في أعماله تجربته في العيش في الاتحاد السوفييتي والهجرة إلى الولايات المتحدة.
تاتيانا تولستوي: كاتبة وشاعرة وناقدة، حفيدة ليو تولستوي، تتميز أعمالها مثل «كيس» و«سونيتشكا» بتأملات فلسفية عميقة وحس فكاهي حادّ، مشهورة بشخصياتها الزاهية، وتعليقاتها الاجتماعية الحادة.
فلاديمير سوروكين: واحد من أشهر الكتاب وأكثرهم اتساقًا مع الرواية الروسية المعاصرة، تثير أعماله، مثل: «الدهن الأزرق» و«يوم الشرطي» كثيرًا من الجدل والنقاش. معروف بأفكاره الجريئة وغير التقليدية، وأسلوبه الكتابي غير التقليدي.
لودميلا أوليتسكايا: كاتبة تتميز بأعمالها العميقة والعاطفية. تتناول رواياتها، مثل: «ميديا وأبناؤها» و«دانيال شتاين، المترجم»، العلاقات البشرية المعقدة ومشكلات المجتمع الحديث. تستخدم أحيانًا رموزًا من الأدب الكلاسيكي؛ لإنشاء قصصها الفريدة.
إيلينا تشيجوفا: كاتبة تتميز برواياتها الرقيقة والعميقة، تروي أعمالها مثل: «سونيتشكا» و«حكايات الجدة» حياة الناس العاديين وعلاقاتهم، مشهورة بقصصها العاطفية.
الأساليب وتقنيات اللغة
تُعَدّ الأسلوبية واللغة جوانب مهمة في الأدب الروسي الحديث؛ فهي تساعد في خلق جو خاص ونقل المشاعر، وتعكس أيضًا النمط الفردي لكل مؤلف. في الأدب الروسي الحديث يمكن للمرء أن يجد مجموعة متنوعة من الأساليب وتقنيات اللغة، يفضل بعض المؤلفين استخدام لغة سهلة وواضحة من أجل الاقتراب من القارئ قدر الإمكان ونقل أفكارهم ومشاعرهم دون تعقيد، بينما يفضل مؤلفون آخرون لغة فلسفية أكثر تعقيدًا لإثارة التفكير والتحليل العميق لدى القارئ. قد تتضمن أسلوبية الأدب الروسي الحديث أيضًا استخدام تقنيات أدبية مختلفة، مثل: الاستعارات والمقارنات والرموز وما إلى ذلك؛ إذ تساعد هذه التقنيات في إنشاء صور وارتباطات تعزز التأثير العاطفي للعمل على القارئ. فضلًا عن ذلك، قد يرتبط أسلوب ولغة الأدب الروسي الحديث باختيار النوع، فعلى سبيل المثال، يستخدم الشعراء في كثير من الأحيان أشكال الشعر والإيقاع لخلق الموسيقا والتناغم، وفي النثر، يمكن للمؤلفين استخدام الأدوات الأسلوبية المختلفة لنقل الحالة المزاجية للشخصيات.

على نحو عام، يلعب أسلوب ولغة الأدب الروسي الحديث دورًا مهمًّا في إنشاء الأعمال وتأثيرها في القارئ؛ فهما يساعدان على نقل مشاعر المؤلف وأفكاره، كما يخلقان جوًّا خاصًّا يجعل قراءة الأدب مثيرة للاهتمام.
كما يلعب الأدب الروسي الحديث دورًا مهمًّا في المجتمع، فهو لا يُسَلّي القراء ويرضي احتياجاتهم الجمالية فحسب، بل يعزز أيضًا فهم الواقع الاجتماعي، ويوسع آفاقهم ويطور التفكير النقدي. إحدى المهام الرئيسة للأدب الحديث هي عكس وتفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية المعاصرة؛ إذ تسمح الأعمال الأدبية للمؤلفين بالتعبير عن رؤيتهم للعالم، ولفت الانتباه إلى الظواهر السلبية وإثارة النقاش حولها، ويمكن للناس التعرف إلى وجهات نظر مختلفة للعالم، ورؤية العالم من خلال عيون شخصيات مختلفة، وإدراك تنوع المواقف في المجتمع الحديث.
يساهم الأدب الحديث أيضًا في تطوير اللغة والأنواع الأدبية، ويقوم المؤلفون بتجربة الشكل والمحتوى، وإنشاء ارتباطات جديدة للأنواع وإعادة التفكير في الأنواع الكلاسيكية، وهذا بدوره يساهم في تطوير الأدب الروسي وتكيفه مع الواقع الحديث. كما يساعد الأدب الحديث أيضًا في دراسة تاريخ وثقافة البلاد؛ فمن خلال الأدب يمكنك التعرف إلى مختلف الحِقَب التاريخية والعادات والتقاليد وعقلية الناس وهكذا، يلعب الأدب الروسي الحديث دورًا مهمًّا في المجتمع؛ فهو يوسع آفاق الفرد، ويطور التفكير النقدي، ويشكل الهوية والقيم، ويساهم في تطوير اللغة والثقافة الروسية، ومن خلاله يفهم القارئ تاريخ بلده بشكل أفضل.
المصادر:
(1) بافيلسكي د. «سيرتان»، العالم الجديد، 2022م (1).
(2) تشوبوفا إ. «مفتاح إلى الأدب». جامعة سانت بطرسبرغ. 2021م.
(3) .ريزدفينكا.ت. رحلة روتوندا. قصة مشروع واحد. فولغا2021م، 11-12.
(4) ستيبانوف أ. د. «سعادة الأدب المتلاشية: [مقالات وأطروحات]». موسكو: ID «جوروديتس»، 2021. 288 صفحة.
(5) مجلة الراية العدد 5 سنة 2022.
بواسطة حوار: هدى الدغفق - شاعرة وصحافية سعودية | سبتمبر 1, 2024 | حوار
يتطرق الدكتور زياد بن عبدالله الدريس، أمين عام مركز عبدالله بن إدريس الثقافي، في هذا الحوار، إلى دور المركز في تنشيط المشهد الثقافي في المملكة، وذلك باهتمام المركز بالأجيال الشابة، من خلال البرامج والدورات والمبادرات والورش والمسابقات عبر جائزته الثقافية، إضافة إلى برنامج التلمذة للربط بين الأجيال؛ ليستفيد جيل الشباب من جيل الأساتذة. كما تحدث الدكتور الدريس عن منهجيات التعاون بين المركز والمؤسسات الثقافية لضمان تحقيق أهداف المركز، مشيرًا إلى الاهتمام الذي حظيت به جائزة عبدالله بن إدريس الثقافية برعاية الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ودعم المثقفين للجائزة في الوطن العربي. وتحدث أيضًا عن دور الجائزة في تشجيع المثقفين وإثراء الساحة الثقافية، وشرح بالتفصيل آلية التحكيم وطريقة الترشيح والتقدم للمنافسة في الجائزة المتاحة لكل المثقفين العرب.
وقال الدكتور الدريس إننا نعيش اليوم واقعًا مختلفًا من ناحية تداخل الثقافات وسيطرة بعضها عبر وسائل الإعلام، وهو ما يجعل المحافظة على الإرث الحضاري والثقافي لأي مجتمع أمرًا ليس هينًا.
فعاليات المركز بين القائم والقادم
● مركز عبدالله بن إدريس الثقافي أحد المصادر الثقافية الداعمة للمعرفة والثقافة في المملكة من خلال تشجيعه اهتمامات الأجيال الثقافية والأدبية والفنية، وتطوير قدراتهم حرصًا على تعزيز القيم الأخلاقية والحضارية، فما البرامج التدريبية والتعليمية التي يسعى المركز إلى تحقيق أهدافه من خلالها؟ وما المنهجيات التي اتبعها للوصول إلى تطلعاته؟ وما الذي نتج عنها حتى الآن؟
■ يسعى مركز عبدالله بن إدريس إلى نشر الاهتمام بالمجالات الثقافية، من خلال الفعاليات التي يقيمها، وحَفْز النشء على الاهتمام بها عبر مسابقات يعمل على إطلاقها، واكتشاف المميزين، وتكريمهم من خلال جائزته الثقافية. إضافة إلى برامج التلمذة التي يدرس إطلاقها في المستقبل للربط بين المثقفين المخضرمين والجيل الناشئ منهم. ويتبع مركز عبدالله بن إدريس الثقافي مجموعة من المنهجيات لضمان تحقيق أهدافه، ومن أهم هذه المنهجيات:
الاعتماد على الخبراء والمختصين: حيث يستعين المركز بأساتذة جامعات وخبراء في مختلف المجالات الثقافية لتقديم والمشاركة في برامجه المختلفة. والتنوع في البرامج: من خلال حرص المركز على تقديم برامج متنوعة تلبي احتياجات شرائح مختلفة من المجتمع. كما يبذل جهدًا كبيرًا لتكون في برامجه لمعة ابتكار تخرجه عن المعهود والمكرر من برامج الثقافة. كما يتبع المركز منهجية التعاون مع المؤسسات الثقافية الأخرى: حيث يعمل المركز على بناء شراكات مع المؤسسات الثقافية الأخرى لتوسيع نطاق تأثيره.
وبصدق، فإني محظوظ بنخبة من الأصدقاء المميزين في مجالاتهم الذين كانوا شركاء معي في تأسيس المركز، وما زالوا أعضاء فاعلين في المجلس التأسيسي، ويقدمون يدًا طولى في صنع أو تنفيذ برامج المركز وخططه. ويتولى المهندس سامي الحصين على وجه الخصوص وضع اللمسات الابتكارية على البرامج بما عُرف به من تميزه في حقل الابتكار المعرفي.

غاية الجائزة وآلية الترشيح لها
● حظيت جائزة عبدالله بن إدريس الثقافية برعاية الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس أمناء المركز، وهو ما زادها قيمة معنوية وثقافية تدعم المشهد الشعري والثقافي، فما التطلعات التي تسعى الجائزة إلى تحقيقها؟
■ رئاسة سمو الأمير لمجلس أمناء مركز ابن إدريس، ثم تفضله برعاية الجائزة، وحضور حفلها الأول لتكريم الفائزين بها، شرف كبير للمركز وللعاملين فيه، وتعبير صادق من سموه للقيمة العلمية والمعرفية العالية للجائزة. هذا الاهتمام الذي حظيت به الجائزة من لدنه، حفظه الله، ومن المثقفين في الوطن العربي الكبير، يدفعنا إلى بذل المزيد من الجهد؛ لتكون هذه الجائزة إحدى ركائز تعزيز الهوية الثقافية للغة الضاد، وتسهم في تشجيع المثقفين على إثراء الساحة الثقافية عبر حافزات فكرية تطرحها الجائزة في كل دورة من دوراتها؛ لتتحدى بها قرائحهم الفكرية وتستحث إبداعاتهم الثقافية.
● ما الغاية الرئيسة التي تسعى الجائزة إلى تحقيقها، وما آليتها التي تتبعها عند الترشيح والتحكيم؟ وما المعايير التي تعتمد عليها في مرحلة التقييم؟
■ نعيش اليوم واقعًا مختلفًا من حيث تداخل الثقافات، وسيطرة بعضها على بعضها الآخر من خلال وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، وهو ما يجعل المحافظة على الإرث الحضاري والثقافي لأي مجتمع أمرًا ليس هينًا. ففي الوقت الذي نسعى بلا شك إلى أن نكون أكثر حداثة واندماجًا مع العالم من حولنا، نحن بحاجة إلى أن نحافظ على هويتنا الثقافية ونعزز مكانتها العالمية من خلال مبادرة تدعو إلى تقديم موروثنا الثقافي بصور متجددة وأكثر إبداعية، ومن ثم فإن الجائزة تضع نفسها في مقدمة المبادرات التي تسعى إلى تشجيع المثقفين العرب للتطوير والإبداع في منتجاتهم الثقافية، والاحتفاء بهذه المنتجات، وإبرازها للمجتمع بما يخلق حراكًا واسع التأثير.
أما عن آلية الترشيح والتقدم للمنافسة والتحكيم، فقد وضعت اللجان العلمية في الجائزة، برئاسة أمين عام الجائزة الأكاديمي المرموق والخبير الدولي في اكتشاف المواهب الأستاذ الدكتور عبدالله الجغيمان، منهجية متدرجة لتنظيم وإحكام عمليات التقويم والاختيار، ثم تقسيمها على مراحل متعددة. المرحلة الأولى الإعلان عن موضوعات الجائزة في دورتها المحددة، ثم فتح باب الترشح والتقديم من خلال الموقع الإلكتروني للجائزة. المرحلة التالية تعنى بعمليات الفرز الأولي، حيث تُستبعَد الأعمال التي لا تنطبق عليها اشتراطات الجائزة لموضوع الدورة التنافسية المحددة. في المرحلة الثالثة، وسُمِّيَتْ مرحلة التصفية بناءً على مصفوفة معايير التحكيم الأولي من خلال لجنة مكونة من مجموعة من الخبراء في مجال موضوع الجائزة في الدورة المحددة، حيث تجري تصفية الأعمال المقدمة وفق مسارات الجائزة.
أما المرحلة الرابعة فتُعنَى بالتحكيم التفصيلي المتدرج، حيث تجري عملية التحكيم على ثلاثة مستويات متدرجة؛ المستوى الأول: استخلاص أعلى عشرة أعمال تقييمًا وفق معايير الجائزة في كل مسار من مسارات الجائزة. المستوى الثاني: التحكيم الفردي التفصيلي من جانب الخبراء للأعمال الثلاثين التي وصلت إلى هذا المستوى، وترتيب المتسابقين بناءً على الدرجات التي حصلوا عليها وفق المعايير. المستوى الثالث: احتساب متوسط الدرجات لكل عمل على حِدَةٍ بناءً على تقييم المحكمين، ثم دعوة لجنة التحكيم لقضاء يوم كامل في التحكيم الجماعي للأعمال التي استطاعت الوصول لهذه المرحلة مرة أخرى، وإجراء مناقشات علمية حية حول كل عمل على حدة، واتخاذ قرار جماعي حول الفائزين، وترتيبهم في كل مسار.
● بالنظر إلى الفائزين السبعة في الدورة الأولى بالجائزة، إلى أي مدى يمكن للجائزة أن تتوسع في دعمها للشعراء بحيث يشمل الدول العربية كافة؟ وما السبل التي تتخذها لتشجيع الشعراء العرب على المشاركة في المسابقة؟
■ جائزة الشيخ عبدالله بن إدريس الثقافية ليست جائزة شعرية أو حتى أدبية، بل هي ثقافية بمعنى أنها تعبر عن مجموعة النظم الاجتماعية والمظاهر الفنية والفكرية التي تتميز بها الثقافة العربية، وتعكس بوضوح أفكار ومعتقدات وأساليب حياة مجتمعاتها. التقدم للجائزة مفتوح لجميع المثقفين العرب، وقد شهدت الجائزة مشاركات من جميع الدول العربية في عامها الأول بلغت 560 مشاركة تمثل معظم الدول العربية، كما أن الفائزين يمثلون دولًا عربية متنوعة، وهذا التنوع لم يكن في الأساس مستهدفًا، وإنما تحقق تلقائيًّا بناءً على نتائج التحكيم والتقويم الذي نتبع فيه منهجية إخفاء الأسماء المتقدمة وجنسياتهم عن لجان التحكيم في جميع المراحل، وتحكيم العمل من دون معرفة صاحبه.

مبادرات وبرامج مثمرة
● من منطلق تعزيز المبادرات والبرامج وتحقيقًا للفائدة المتبادلة بين المؤسسات الثقافية العامة والخاصة التي تسهم في إثراء جهود المثقفين وتعزز دور الثقافة والأدب والفنون. أي مشروعات الشراكة ثقافيًّا وأدبيًّا يكون قابلًا للتنفيذ، ويمكن أن تتجاوب معه المؤسسات والمراكز ذات العلاقة محليًّا وإقليميًّا؟
■ ترحب الجهات عادة بالمشاركة في الأنشطة والفعاليات مثل الندوات والمؤتمرات، كما ترحب بالمشاركة في مجالات النشر والترجمة وهذا ما لمسناه من خلال مبادرة (ترجمة مليار كلمة) التي أعلن عنها المركز العام الماضي، حيث رحبت جهات عدة من داخل المملكة وخارجها بالمشاركة، وجرى توقيع اتفاقيات معها خلال حفل توزيع جائزة عبدالله بن إدريس الثقافية. كما يمكن إقامة مسابقات ثقافية وأدبية مشتركة: تنظيم مسابقات على المستويين المحلي والإقليمي، وتقديم جوائز مالية وعينية للفائزين. وتطوير المحتوى الرقمي: إنتاج محتوى رقمي جديد بالتعاون بين المؤسسات، مثل المقابلات مع المثقفين، والبودكاست الثقافي. كما يمكن تنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، ودعم النشر عبر إصدار سلاسل مشتركة من الكتب والمنشورات التي تتناول مختلف الموضوعات الثقافية والأدبية. نسعى في المركز إلى تبادل الخبرات والمعرفة وتنظيم زيارات متبادلة بين ممثلي المؤسسات الشريكة؛ ليتعرف بعضهم إلى تجارب بعضهم الآخر.
كما نسعى مستقبلًا لتطوير برامج تعليمية للمدارس والجامعات، تهدف إلى تعزيز الوعي الثقافي لدى الطلاب. وتنظيم أنشطة تفاعلية للأطفال والشباب، كمسابقات الكتابة، والأمسيات الثقافية. وختامًا لا نغفل الجانب التقني والحث على تطوير تطبيقات للهواتف الذكية تعرض المحتوى الثقافي بطريقة جذابة، وتسمح بالتفاعل مع الجمهور.
● ما الدور الذي يقدمه مركز عبدالله بن إدريس لدعم البحوث والدراسات الثقافية؟ وأي المشروعات البحثية يوليها المركز أهمية دون غيرها؟
■ لا توجد لدى المركز حاليًّا مبادرات مباشرة في هذا المجال، وإنما يساهم فيها من خلال مبادرة (ترجمة مليار كلمة) التي تركز على ترجمة الكتب والبحوث والدراسات والمقالات المتخصصة.
● مع ما يواجهه من تحديات عالمية، ما الأدوار والمسؤوليات التي تولاها مركز عبدالله بن إدريس سعيًا منه إلى ترسيخ الهوية الوطنية ثقافيًّا؟
■ يسعى المركز بمبادراته المختلفة والمتنوعة لتعزيز الهوية الوطنية. مؤمنًا بأهمية بناء جيل واعٍ بتاريخه، من خلال غرس حب الوطن في نفوس الأجيال الشابة وتعزيز الانتماء الوطني والمشاركة في الاحتفال باليوم الوطني ويوم التأسيس، بمبادرات ومحتوى ثقافي وأدبي إبداعي، ويجتهد في الحفاظ على التراث الثقافي من خلال إبراز وتكريم المميزين من المثقفين السعوديين، مثل أمسية الرواد الراحلين التي أقامها المركز حيث تلا الأبناء قصائد آبائهم الشعراء الراحلين في احتفالية جميلة في مقر هيئة الصحفيين. وهذا من شأنه تعزيز انتماء الأجيال بالوطن الذي يحتفي بآبائهم وأجدادهم. كما يسعى المركز من خلال فعالياته إلى نشر ثقافة الحوار والتسامح لبناء مجتمع متماسك ومتسامح. كما يهتم المركز باللغة العربية وجعلها اللغة الأولى في الخطاب والتعامل محليًّا وإحدى اللغات العالمية ذات الأولوية. وختامًا فقد أطلق المركز مؤخرًا مبادرته في تعزيز القيم التي يأتي على رأسها قيم الانتماء والمواطنة.

برامج المركز ومصادر تمويله
● ما البرامج التي يعرضها المركز سعيًا منه إلى الإسهام في بناء اقتصاد معرفي وطني يكون مستديمًا؟
■ يهدف المركز في برامجه، إلى تشجيع الابتكار والمعرفة وتطوير المهارات الثقافية؛ لبناء اقتصاد معرفي قوي ومستديم، ومنها:
الندوات والمحاضرات والنقاشات المثرية حول الثقافة واقتصاد المعرفة. وكذلك إقامة ورش عمل في الكتابة الإبداعية؛ لتشجيع الإبداع الأدبي والفني. وعمل شراكات مع مراكز ثقافية عالمية؛ لتنظيم فعاليات مشتركة وتبادل الخبرات والخبراء. واستضافة خبراء وطنيين ودوليين؛ لإلقاء محاضرات وورش عمل عبر (صالون عبدالله بن إدريس الثقافي) العتيق/ المتجدد.
● حول تمويل المركز من أين سيكون؟ هل هناك وقف أو وديعة مالية ينفق من عائداتها على المركز وأنشطته، أم إن المركز سيتحول إلى مقدم للخدمات الثقافية بمقابل مالي، من خلاله يمكن للمركز تمويل نشاطاته؟
■ حظي المركز من فور انطلاقته بهبات مالية من بعض أصدقاء الوالد عبدالله بن إدريس -رحمه الله- وما زلنا نأمل في المزيد من الدعم، خصوصًا بعد أن تم تأسيس (وقف عبدالله بن إدريس) الذي ستتحول إليه الهبات المتحققة والهبات الموعودة، ويتم وضعها في محفظة استثمارية يصرف ريعها على نشاطات المركز، بينما تجري المحافظة على الأصول الوقفية إلى ما شاء الله.
● هل يوجد مركز ثقافي سعودي أو عربي يحاول مركز ابن إدريس اقتفاء أثره، أو الإفادة من منجزاته؟
■ لأننا رفعنا سقف طموحاتنا فقد جعلنا مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية هو المركز الذي نسعى لاقتفاء أثره، ونطمح للوصول إلى ما وصل إليه من مكانة عربية ودولية. وآمل أن ننجح في تحقيق طموحنا بعون الله.
● متى سيُشيد المقر الخاص بمركز الشيخ ابن إدريس الثقافي، وما الخطط التنفيذية التي جرى اتخاذها لتحقق ذلك المشروع؟
■ تشييد مقر للمركز يتطلب ميزانية تأسيسية، ثم ميزانية تشغيلية كافية له، والتأكد من إمكانية توفير هاتين الميزانيتين يتطلب بعض الوقت، ولعله يتيسر قريبًا بإذن الله. وحتى ذلك الحين فنحن نعمل وننفذ فعالياتنا عبر المقر الافتراضي للمركز الآن.
بواسطة لنا عبدالرحمن - ناقدة وروائية لبنانية | سبتمبر 1, 2024 | قراءات
«يستخدم الروائيون الذاكرة لإبداع الحكايات، أما القراء فيقومون بإعادة صياغتها في أذهانهم»، توني موريسون.
تُعَدّ الذاكرة في عملية السرد الروائي، عنصرًا بالغ الأهمية، متدفقًا وحيويًّا، ومن أسس إنشاء الحكاية ومدها بالتفاصيل والأحداث والشخصيات المركبة، والمواقف الدرامية التي ترتبط رأسًا بالمشاعر والحواس. يحدث هذا بالتوازي مع عملية المحو، أو انتقاء التجارب المراد الإبقاء عليها حية وجدانيًّا، وذهنيًّا.
في روايتها «سر الزعفرانة»، تُشكل الكاتبة بدرية البشر، عالمها السردي ضمن تقاطعات الذاكرة مع الحواس والحدس والأحلام والإشارات الباطنية؛ لتؤلف واقعًا نفسيًّا موازيًا للأبطال، يأتي متسقًا مع الواقع الخارجي، في محاكاة للمكان والزمان، تمنح النص أبعادًا جغرافية واجتماعية من خلال الإضاءة المشعة على الماضي بكل أبعاده وتحولاته، حيث الأصالة والفطرة البديهية تحضر من خلال شخصيات نسائية محورية هن: نفلة وزعفرانة، وبقدر أقل نادرة، فيما تبدو سائر الشخصيات الأخرى تدور في فلكهن.
مواجهات حضارية
منذ مطلع السرد، بنت الكاتبة روايتها على فكرة المواجهة، بين الحالات ونقائضها؛ إذ يحضر الغزو مقابل السلم في المشهد الأول، حين تهجم قبيلة على قبيلة أخرى: يحل الموت مقابل النجاة، تموت الأم، وينجو الأب مع طفليه عامر ونفلة. يستمرون في المسير حتى الوصول إلى قرية آمنة، يعرف الأب أميرها «ابن زيد» الذي كان رفيقًا له منذ سنوات، وترك عنده بعض الخيول النادرة التي لم يقبض ثمنها.
تؤلف نواة الذكريات المهيمنة على واقع البطلة الساردة نفلة، صلة الوصل بين ماضي طفولي جارح بدأ مع لحظة الغزو وفقد الأم، ثم الوصول إلى قرية يرجون فيها الأمان. هكذا يصير للأسرة الصغيرة واقع مختلف عن حياة الترحال التي ألفوها، يستقر بهم المقام، لكنهم يظلون موسومين بالغرابة والبداوة؛ لأن أهل القرية لا يهتمون بالأسماء، ولا يعتمدون عليها، بقدر ما يحفظون عيوب الآخرين. ومع الوقت ينسون اسم الشخص، وتظل صفته لصيقة به مثل بصمة، البطلة الساردة نفلة (زهرة الجبل العالية) يصير لقبها البدوية، وصديقتها نادرة تُصبح «سروق»، بعد أن تخطف زوج جارتها رضوى. القرية نفسها اسمها سبعية نسبة إلى جدهم قاتل السبع. يعمل أهل القرية في التجارة كأسلافهم، وفي الزراعة، حتى إن بعضهم يمكنه أن يموت فلاحًا، لا يعرف من الدنيا أبعد من أسوار قريته.
هكذا تحضر البداوة، المتمثلة في نفلة ووالدها وأخيها، في مواجهة حياة الحضر المستقرة لسكان القرية، الذين يحرصون على أن يُشعروا نفلة وأخيها ببداوتهما. لنقرأ: «تلاحقنا عيون أهل القرية، يشير نحونا الرعاة العائدون مع قطيعهم، ويتوقفون عندنا برهة فنسمعهم يقولون: «البدوية وأخوها» يتحدثون عنا كأننا لا نسمع… عامر لم يكن يطيق صبرًا كما أفعل، حين يسمعهم يعايرونه بالبدوي، فيقفز جسده كله فوق صاحب الصوت ويدميه».
تتكاثف في الرواية اللحظات الإنسانية المغمورة بالصدق، ودفء المشاركة الوجدانية، والرغبة في العطاء؛ حيث يتلاشى بالنسبة لنفلة وأخيها عامر الوجود الاغترابي، مع ظهور من يسمونها في القرية «أمي زعفرانة». فمن زعفرانة التي حملت الرواية اسمها، مع كلمة «سر» تحيل إلى كل ما هو محجوب وغامض وخفي؟
لم تكن زعفرانة مجرد عبدة من ضمن عبيد أمير القرية، إنها حكيمة البلدة، المعالجة للجسد والنفس، من تقوم في وصفاتها العشبية مقام الطبيب الشافي، وهذا ما تفعله بحياة الطفلة اليتيمة الوافدة من البادية، تحنو عليها، وتساعدها على التشافي، وتمنحها الرأفة والمعرفة في آن واحد.
تختلف أيام نفلة منذ ظهور زعفرانة في حياتها، تتبدل تمامًا؛ كي يتشكل واقع جديد، يسحب من عالمها كينونة الغريبة، ويستعيض عنها بوجود مبهم بلا ملامح محددة في البداية، سوى ألفة البقاء في القرية، وفرضية الانتماء لسكانها. تقول: «منذ ذاك اليوم، وأمي زعفرانة تسحرني بأفعالها، أتبعها وأتعلم من يديها السمراوين فن حراسة الأسرار المقدسة. كانت تعتني بنا، فصارت أمنا، لم تقدم لي الطعام فقط، بل كانت تأخذني عند الفجر وفي العصاري إلى رحلة جمع الأعشاب، علمتني أن أصغي للريح وأعرف اتجاهها، وأن أخمن متى تحمل مرضًا ومتى تحمل الشفاء».
تتخذ الحوارات بين نفلة وزعفرانة، طابعًا عرفانيًّا صوفيًّا، حيث العلاقة مع الكون متداخلة وجامحة بلا حدود. تبدو المعرفة الروحية التي تتحلى بها زعفرانة، وتنقلها إلى نفلة، الطريق الأساسي للخلاص والتحرر الروحي؛ لأنها تركز على الجانب الباطني والروحي من الدين والحياة، والتواصل مع الكون كله. بهذه الطاقة تحيا زعفرانة، وتعالج أهالي القرية والقرى المجاورة، تضع يدها على الجسد، ومن خلال الطاقة الإلهية تستلهم للمريض سبيل الخلاص.
بوصلة الروح
ترتبط شخصية نفلة أيضًا بالحدس والأحلام والبصيرة الثاقبة والنفس الرهيفة، وعالم الظلال. تمضي نفلة في بعض الفصول، تصف حركة النجوم وتنقلها، تربط ما يحدث في السماء، بما يقع على الأرض، ضوء القمر يعين المسافرين على السير ليلًا، وظهور نجمة الثريا تزين السماء، يؤدي إلى ظهور مجموعة من النجوم المرافقة لها، أما حين يتدلى نجم الدلو، تحجب السحب الشمس، ويكثر طلع النخل.
ثمة تداخل سردي عذب، يحدث بين شخصية زعفرانة ونفلة، كما لو أن زعفرانة تحمل روح الأم العظمى التي تنقل لبناتها وحفيداتها جل معارفها. ولما وجدت في نفلة البنت البدوية الغريبة، روحًا متعطشة للمعرفة، بدأت تكشف أمامها أسرار معرفتها الطبية والروحية، وتجد صدى عميق الدلالة عند نفلة. لنقرأ: «حدثتني حديثًا عجيبًا، ثم قالت: لا تنكري الكائنات. امنحيها أخوتك وترفقي بها؛ لأننا في عالَمِ اللهِ بَشَرٌ نُدرِكُ ما تدركه بقية الكائنات، ونورنا لا يحجبه سوى الكبر والغرور. حدثتني عن حب الله، وقربه منا كحبل الوريد».
يتدخل المخيال الشعبي أيضًا مع الفطرة والبداهة الإنسانية، فلا يُمكن الفصل بينهم. كأن تذهب زعفرانة إلى قرية مجاورة لعلاج الشيخ أبي دغيم الذي لا يقوى على السير؛ لأنه ألقى الماء على الجمر فتلبسه جِنِّيّ، لكن زعفرانة تعالجه بأن تكشف ظهره، وتضع عجينة حارة عليه. تحضر مثل هذه المواقف على مدار السرد، وترتبط بشكل وثيق بشكل الحياة البدائي والبسيط في القرية، ثم حدوث التحولات لاحقًا، مع قدوم وجوه جديدة إلى القرية، سوف تغير معالمها، تزامنًا مع تغير حياة نفلة.
ميثاق النساء
تبني الرواية جزءًا كبيرًا من طبقات عالمها السردي، ضمن فكرة أخوية النساء بعضهن مع بعضهن الآخر، تتخذ هذه الأخوية مظاهر متعددة داخل النص؛ لأن هذه الأخوية تُعد من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا وجمالًا على حد سواء، ومصدر قوة وإلهام، وتعكس القدرة على التكاتف والتعاطف في مواجهة تحديات الحياة؛ لكونها تتسم بعمق الود والصداقة بين النساء اللواتي يجدن في بعضهن دعمًا ومساندة تتجاوز حدود الكلام، إلى مشاركة تجارب الحياة والأفراح والأحزان، وهو ما يعزز روابطهن ويقوي أواصر الثقة بينهن. ومع ذلك، لا تخلو هذه العلاقة من التنافر والصراعات أحيانًا، نتيجة لاختلاف الشخصيات أو بسبب الأنانية.
العلاقة بين زعفرانة ونفلة تمثل نموذجًا أموميًّا حكيمًا، وفي الطرف الآخر تبدو العلاقة الأخوية بين نفلة ونادرة محملة بطبقات من المشاعر الإنسانية الشائكة من جانب الأخيرة. كانت نادرة فتاة جميلة ومدللة تكبر نفلة بأعوام قليلة، كما أنها موهوبة في تصميم الثياب لنساء القرية، فلا يمكن لأي امرأة أخرى مجاراتها في ذلك. أما نفلة البنت اليتيمة الفقيرة، التي كانت تدخل بيت نادرة متسللة عبر المطبخ بتيسير من زعفرانة كي تتناول وجبة طعام، فتمثل النقيض لنادرة، وعلى الرغم من ذلك ومن فارق العمر والمكانة الاجتماعية، فتنشأ بينهما صداقة وطيدة.
أرادت الكاتبة أن تضع في كفتي الميزان، المزايا النفسية والاجتماعية لكل من نادرة ونفلة، وأن تكشف رويدًا رويدًا كيف نمت تلك الصداقة، ومضت في مسارات متشعبة، وكيف انتهت. غرزت المؤلفة مع كل مرحلة دلالات تؤشر للسياق السلوكي الذي تختاره الشابتان. بدت نادرة في كل اختياراتها جريئة، متمردة، مدفوعة بغرورها الذاتي، وهو ما سيدفعها للزواج من شجاع، وخيانة جارتها رضوى، ثم خيانة نفلة لاحقًا في مشهد درامي مؤثر.
تتتبع الرواية مصاير الصداقة، نهاية نادرة المأساوية، والتحولات المتلاحقة في حياة البطلة الساردة نفلة، وكيف تظل مشدودة لخيط الذاكرة الوثيق، الذي يربطها بأمها الراحلة، وأبيها الذي يغيبه الوباء، وأخيها عامر الذي تخطفه التجارة في الحجاز، فلا يبقى في عالمها إلا زعفرانة، وصداقة نادرة الموسومة بالولاء من جانب نفلة، وبالغدر الأحمق من نادرة، الذي يؤدي إلى تقطع أوصال الذاكرة.
تحولات ودوائر
رسمت بدرية البشر مسارًا محددًا لبطلاتها، وبغية إظهار الدلالات النفسية التي تُسبب في تحولات قدرية، اختارت الكاتبة أن تعطي أدوارًا محورية لشخصيات أخرى، على الرغم من أهميتها فبدت ثانوية، لكنها لعبت دورًا مؤثرًا في الكشف عن الوجوه الخفية للبطلات، كما هي الحال مع شخصية شجاع زوج نادرة؛ إذ أدى ظهوره إلى الوصول للقاع في شخصية نادرة، وإماطة اللثام عما يمكنها أن تفعله. ينطبق هذا أيضًا على شخصية هاشم زوج نفلة، الذي أطلق مكامنها نحو فضاءات جديدة، لنقرأ: «أجلس في المساء مع هاشم، يجلب لي كتبا أقرؤها، ثم نتحاور فيشرح لي ما يعرف من حياة الكتاب وطرائق عيشهم، وكيف فكروا ووصلوا إلى مثل هذه الأفكار العميقة. أراهم مثل النجوم لأنهم بشر مثلنا، لكنهم يعيشون في مدن لا تشبه حينا الصغير. يتحدثون عن حياة لا وجود لها إلا في السماء أو في الأحلام».
وضعت الكاتبة في الرواية مجموعة من القيم النبيلة، حيث تتشكل الهوية النفسية لأبطالها عبر هذه القيم، التي تسكن في داخلهم، ويتركونها تُسيرهم وتقودهم إلى مصيرهم المحتوم.
يتمكن المتأمل في حياة البطلة الساردة نفلة منذ المشهد الأول في الرواية، حتى الجزء الأخير، من رؤية التحولات المفصلية في حياتها، التي أدت بها إلى عبور مخاض مراحل متعددة تنقلها من الفتاة، الضعيفة الأمية، التي قام وجودها على عطف عبدة فقيرة أورثتها معارفها الخفية، وقيمها الأصيلة، إلى امرأة ناضجة ومتعلمة شقت طريقها في الحياة، واختارت مصيرها.
تستلهم الكاتبة من فكرة الدوائر المتقاطعة جانبًا محوريًّا من السرد؛ إذ إن كل دائرة تفضي إلى أخرى ضمن الإطار الواقعي والمتخيل. فلقاء نفلة مع كل هؤلاء الغرباء، أدى إلى إدراكها واقعيًّا بأنه كلما «وجدْنا وطنًا نَكبرُ فيه مَحَتْهُ غُرْبةٌ جديدة». هذا الإدراك أعطاها روحًا مبصرة قادرة على التعاطف برحمة، وعلى مشاركة الرقص، واختيار رقصتها وخطواتها. ولكي تكتشف الأجنحة التي نبتت في روحها، تحيا من جديد حياة ليست ككل الحيوات، حياة تُبدد عتمة النفس، وظلمة الداخل، وتقدم الإجابة عن الحضور السري لزعفرانة في داخلها، قائلة: «زعفرانة ذاكرتي التي فقدتها ثم استعدتها، الماضي الذي يكتنف هويتي، العين التي رأيت منها نفسي وأنا الصبية الصغيرة التي كنتها».
تظل الإشارة إلى توقف الكاتبة عند أحداث تاريخية مفصلية، ربطتها بحركة السرد وتصاعده، مثل تحرير العبيد، وعتق زعفرانة، بداية تعليم المرأة في السعودية، ووصول الوافدات العربيات من بلدان أخرى، ثم التفاعل الفكري والثقافي بين هويات مختلفة.
اعتمدت الكاتبة في رسم معظم الشخصيات الذكورية على تقديم حالة من الرومانسية، في شكل أقرب للمثالية، وهذا ينطبق على شخصية هاشم، وشجاع بشكل رئيس، وكذلك الأب وابن زيد.
تميزت رواية «سر الزعفرانة»، بقدرة الكاتبة على الاحتفاظ بقارئها مشدودًا إلى خيط الحكاية، الذي ظل متوترًا ومتضافرًا مع خيوط سردية أخرى منعت الملل، أو رتابة السرد، على الرغم من اعتمادها على صوت راوٍ واحد فقط، فإن التنويعات الحكائية، واللغة الأدبية العذبة، مع التكثيف السردي منح النص تدفقًا سلسًا.
بواسطة فيصل دراج - ناقد فلسطيني | سبتمبر 1, 2024 | مذكرات, يوميات
لست أدري لم استهلّيت صبيحة هذا اليوم الحزيراني القائظ، باستذكار ثلاثة أصدقاء كنت أحاورهم، في السنة الجامعية الأخيرة، في خياراتنا الدراسية المحتملة القادمة. كنا نطوف بالكلام طويلًا، ونحطّ على جامعات باريس التي تعلّم فيها أساتذة الفلسفة الذين علّمونا، ووضعوا في أسماعنا أسماء تثير الفضول: بول ريكور المشغول، آنذاك، بقضايا الخير والشر قبل أن ينجز سفرَهُ الكبير: «الحكاية والزمن» في أجزاء ثلاثة. وفرديناند ألكيّيه المهجوس بقضايا الإنسان الداخلية التي تبدأ بالعزلة والاغتراب وتنتهي بالموت، وغاستون باشلار، الأكثر شهرة في اختصاصاته المتعددة، التي تبدأ بفلسفة الفيزياء، ولا تنتهي «بعلم نفس النار».
لم نكن نعلم أكان مقصدنا محاكاة أساتذتنا الجامعيين، أم كسر الطوق والالتحاق بشهرة الفلاسفة الفرنسيين، إرضاء لطموح شريد صادق النوايا ساذج الحسبان؟ والأرجح أنه كان في أرواحنا سرب من الأحلام، ورومانسية معرفية تلغي المسافة بين الممكن والمرغوب. وكان في تلك الأحلام ما يملؤنا بالبهجة.

فرديناند ألكيّيه
وعلى عكس هذا اليوم القائظ كان صباحي المبكّر، يبدأ بانتظار عصفوريْن أسوديْن بالغي الصغر، لا يتجاوز حجم الواحد منهما «حبة الجوز» يحطّان، عادة، على وردة حمراء، عالية العنق، بحثًا عن الرزق المتاح واستباقًا لغيرهما من الطيور. كان في العصفورين ووردتهما ما يعطي الصباح مذاق الندى والتفاؤل، فإن أخلفا الميعاد بدا الصباح منكمشًا متكسّر الأوصال.
مَنِ استذكرتهم من الأصدقاء القدامى ثلاثة، لم يقع عليهم نظري منذ عقود، أرجعوني إلى فترة منقضية كنا فيها نتبادل رسائل مكتوبة، بالشكل التقليدي، رسالة وبريد، نعبّر عن الشوق ونتمنى النجاح ونمر على جديد الكتب. اجتاحني هذا الصباح حنين إلى مكان، حنين بلا وعي، يذكّر بالحب والورق وغبطة استلام رسالة أو إرسالها، وملامح وجوه تخادع الذاكرة، وأصداء أصوات تقترب وتبتعد، وحركات بالعينين واليدين لم أعتقد مرة، أنها ستغدو أطيافًا أو قرينًا للأطياف.
تذكّرت أنّ أقربهم إلى نفسي ضاق بعالمه العربي وحمل ضيقه وهرب إلى السويد، باحثًا عن فرج مؤجّل. تمنَّيت له الفرج وأجّلت الكتابة إليه، وماطلت في التأجيل، بعد أن طلب مني أكثر من مرة اللحاق به إلى «بلاد الراحة». قلت في نفسي: الذي لا يظفر بالفرج في بلاد العرب لن يعثر على الراحة في بلاد الغرب؛ رغم أنني كنت، وما زلت، مفتونًا بكتاب برتراند راسل: «حكمة الغرب».

رومان إنغاردن
الذي ارتحل إلى السويد كان طالبًا مجتهدًا، شحيح البصر أو خافت النظر، أنجز دراسة مرموقة عن: اليوتوبيا بين ماركوزه وابن عربي، ربما يرفع عقيرته منشرحًا وهو يتحدّث عن هوسِرل ورومان إنغاردن، ويتفاخر بأنه قرأ الأخير، أو «استأجر» تلميذًا يعينه على النظر والقراءة. رأى في كتابتي الصحفية مرة إضاعة للوقت وتبخيسًا لاغتراب ماركس، الذي كان موضوع دراستي الجامعية. ونصح بقراءة جادة للمدينة الفاضلة «بين الأخير وفالتر بنيامين». وكان يعتقد أن دور الفلاسفة، وهو منهم، اقتراح مدينة فاضلة، أو «يوتوبيا»، تواجه الزمن وتظل لطيفة الإجابة. أجبته: إن «شروطنا» متقشفة في الفلسفة والاقتصاد والسياسة و«شرح حرف الواو»، أجابني: إن شجاعة الفلسفة تروّض ما لا يروّض، إلى أن روّضته «شروطنا» وبحث بجهد عن «صحيفة» يكتب فيها. لم يعثر عليها، وارتحل إلى «بلاد الراحة»، ولم يصبح مرتاحًا.
هاتفني قبل سنوات وطلب أن نكتب دراسة مشتركة عن الفينومينولوجي البولوني رومان إنغاردن، وأن «بلاد الراحة» تتكفّل بمكافأة وافية، سألته متضاحكًا: ولكن ما تعريف «المرموق» في فلسفة السيد إنغاردن؟ كفَّ عن مراسلتي وتابع حياة مرهقة، تأتلف مع متاحف الكوابيس، وتزجر الأحلام المؤجّلة.
أطروحة لم تتم
الأول الذي ارتحل إلى السويد مؤتلف مع عادة الرحيل، كان فلسطينيًّا، بدأ دراسته الجامعية في دمشق وأكملها في القاهرة. أما الثاني فكان قرويًّا من ريف دمشق، عُرف بمثابرته النموذجية، وبصوته العالي، وعينيه الجاحظتين، وبأناقة تترجم قرويته بلا أخطاء. يتفاخر، بلا اقتصاد، بعنوان أطروحته الجامعية القادمة: «المنطق المتعالي بين هوسِرل وكانط»، وبالأستاذ بول ريكور الذي وافق على الإشراف على رسالته، ويجهر مرتاحًا بعنوان دراسته، ويشدّد على الكلمات والحروف ويقول «المنطق الترانسندنتالي»، فالصفة بهذا الشكل أكثر فخامة. فإذا ملأه الرضا قال: سيماهم في وجوههم، وفي عنوان أطروحتي ثلاث علامات فارقة: «علمان من أعلام الفلسفة وصفة تجمع بينهما لا يعرف معناها إلا قليلون».

بول ريكور
التقيته بعد سنوات وسألته: ماذا فعل الزمان «بمنطقه» الذي لا يعرف معناه إلا القليلون؟ شدّ ملابسه وكان أنيقًا كما كان، وأشعل «سيجارة غلواز»، سيجارته الفرنسية المفضلة، وقال: كما تعرف أنا لا أريد بحثًا تجاريًّا، أو مدرسيًّا ضيّقًا، ولا أكاديميًّا ملفّقًا، فما أسعى إليه إضافة فلسفية لموضوعي الفلسفي؛ لذا ذهبت إلى لندن، سلخت من عمري عامين في تعلّم الإنجليزية «(تبيّن لاحقًا أنه صادق فتاة إنجليزية في باريس وقَطَرَته معها إلى بلاد السيد بلفور) أجبته: إنك لا تزال مخلصًا: لموسوعيتك المشتهاة». أجاب: إنّ لموسوعيتي الفلسفية بحثًا يطول!».
التقيته ثانية بعد أربع سنوات. وقبل أن أتكلّم أسهب في تبيان أفكار أستاذه «ريكور» وأخلاقياته التي تمنعه أن يكون عنصريًّا كبعض الأساتذة. وحين بدرت مني إشارة إلى أطروحته الشهيرة أخذ «بذؤابة الكلام»، وهي من تعابيره، وأجاب: لا شك أنك لا تزال تعرف هاجسي الموسوعي الذي يجعلني مختلفًا عن الطلبة التقليديين. لهذا تعلّمت الألمانية، لغة هوسِرل وكانط، وسافرت إلى ألمانياـ لم يذكر مدة الإقامة ولست أدري إن تعثّر هذه المرة بفتاة ألمانية، ذكر بخير الفيلسوف الألماني الشهير: كارل ياسبرز، ومرّ على أسماء لم أسمع بها. تمنيت له الخير، وسألت الله أن يوفّق «موسوعيّته» المليئة.
بعد مرور أربعة عشر عامًا على إقامته في فرنسا، قيل لي: إنه لم ينهِ الأطروحة الميمونة بعد، وأنه يعمل «ناظرًا على التلاميذ» في مدرسة ثانوية في جنوب فرنسا.
والثالث بيننا، وهو قصير القامة كبير الرأس، كان أكثرنا بساطة وراحة. التقيته مرة واحدة، تحدّث سريعًا وأعطى فكرة «غير فلسفية» عما انتهى إليه، وأوضح: أردت في البداية إنجاز أطروحة عن جهود المصري عبدالرحمن البدوي في الترجمة، دوافعها وأسبابها وتنوّعها. والدكتور البدوي، كما تعلم، يعيش في فندق في الحي اللاتيني، اللقاء به سهل وميسور، حياته محوّطة بالعزلة، مقتصد في كل شيء بما في ذلك الكلام. لكنني بعد أن تأملت حياته، وهو الذي أتقن لغات عدة وترجم ووضع أكثر من سبعين كتابًا، قرّرت أن أقلع عن مشروعي الدراسي، وبخاصة أن الحياة غمرتني بكرمها؛ إذ تزوّجت سيدة مغربية وهبها الله وظيفة مرموقة، لا تحوجني إلى العمل. ابتسم قليلًا وقال: لا أخفيك أنها تتجاوزني عمرًا، عامرة باللطف والدماثة. لم أمنع نفسي عن سؤاله: ماذا تفعل في أوقات الفراغ؟ أجاب: الحياة كلها فراغ في فراغ، وبعيدًا من مشاكل المنزل، فتصريف الفراغ في باريس أمر لا مشقة فيه. أحنى رأسه وانصرف ولم أره بعد ذلك.
كان عبدالرحمن البدوي يبدو لنا أيام الشباب معجزة، وأقل منها بقليل، تعلّم لغات عدة، وترجم إلى العربية الإنجليزي بايرون والفرنسي سارتر والإسباني سيرفانتس والألماني بريشت، وراجع ودقّق وشرح «الفلسفة الإسلامية»، وأصدر «الزمن الوجودي»، وديوان شعر عنوانه: «الحور والنور» ربما.
تحولات الأزمنة
أستذكر الأصدقاء القدامى، اليوم ويستيقظ في خاطري سؤالان، ما الذي دفعهم إلى إخفاق، أو ما يشبه الإخفاق، وكانوا ذات مرة تلامذة لامعين؟ تحولات الأزمنة، ربما هي التي سحبتنا من فترة واعدة، النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، إلى هزيمة ساحقة بعد عام 1967م، تلت «الاستقلال الوطني»، واغتصاب فلسطين، وصعود أحزاب واسعة الشعارات تطلّعت إلى «خلق العالم من جديد». أحزاب، ويا للغرابة، متنوعة الأقوال متجانسة الممارسة والسلوك، أسقطت معنى الأحزاب ودلالة السياسة والنظرية والتجديد الفكري.
السؤال الثاني ليس بالسؤال، إنما هو الإجابة عنه: يستذكر الإنسان الماضي حين يشعر أنه لن يعود ويرى في ابتعاده «فقدًا أليمًا» يغلق الأمل.

أنطون مقدسي
الإخفاق الذي عشناه «نحن المثقفين»، أو ما يشبهنا، زرع في الروح خيبة وزهدًا بالكتب والمكتبات، عبّر عنهما أساتذتنا الذين تلقوا العلم في «مدينة النور»، واجتهدنا في محاكاتهم وهم الذين حاكوا، بعد التقدّم في العمر، غيرهم من المخفقين. فأستاذنا الألمع الدكتور عبدالكريم اليافي كان في شبابه أشهر منه في شيخوخته، وهو الذي ظفر «بخمس اختصاصات علمية»، شملت الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الإحصاء وفلسفة العلوم وتاريخ التصوّف واللغة العربية… انتهى إلى إنسان «لا تفارقه سجادة الصلاة»، التي أطلقت لسان الراحل الدكتور صادق العظم بتعليقات ساخرة وجادة معًا. وأستاذنا بديع الكسم قال في شيخوخته: أنظر الآن إلى روحي ولا ألتمس عونًا من الكتب. أما الأخير «أنطون مقدسي»، المولع بأفلاطون، فقد اشتكى من ارتفاع ثمن كتاب «الجمهورية» لأفلاطون، رغم ترجمته البارعة، كما «يقال».
تكشّفت جمالية الحياة، ذات مرة، في جماليات القراءة والكتابة إلى أن أشفقت علينا وأخذت بنا إلى جماليات متاحة جديدة: المطر المنهمر، مرتاحًا، في يوم ربيعي، سجالات العصافير في الصباح، بلاغة الأعشاب المزهرة، أم تحنو على صغيرها في طريقهما إلى «الحضانة»، دفء يجود به اللباس على يدين هاربتين من برد شديد، وطفل يقود جده الأعمى إلى مكان عبادة قريب.

عبدالرحمن بدوي
هل يمتع الروح كتاب عن «الوجود والعدم»، معقد الصياغة غريب الكلمات، أم عصفور بحجم «حبة الجوز» يحطّ على وردة حمراء صباحًا؟ أيبهج البصر منظر مثقف متعالم، يرتحل من قناة تلفزيونية إلى أخرى أم بقعة شمس على شجرة خضراء في الصباح؟
كنا نقول باطمئنان: تأتي الأفكار من الكتب وتحاور كتبًا أخرى، أمّا في «زمن آخر» فنقول بلا اطمئنان: ما ترسّب في ذاكرة الطفولة من أحلام يعود في زمن الشيخوخة طيفًا متواضعًا متطايرًا في الفضاء.
لستُ أدري ما الذي دفعني في يوم، بدا كغيره، إلى تذكّر أصدقاء سقطت أطيافهم في نسيان غير مقصود، يرحّل الإنسان من بئرٍ إلى آخر، ويلقي به في عزلةٍ روحية ترحِّبُ، صباحًا، بعصفورٍ منقطع عن البشر، صغير كإصبع اليد ومشبعٌ بالنقاء.
بواسطة هناء المكتوم - كاتبة سعودية | سبتمبر 1, 2024 | عمارة
تشهد السعودية مؤخرًا وفرة في الفعاليات الثقافية المعززة لبناء مشهد ثقافي شامل. ومع تنوع الوسائط والقنوات التي تصل بها للعامة، إلا أن أغلبها كالفقاعة لم تكد تتكوّر حتى انفجرت، ولا نبخس حقَّ هذه الصورة من العروض والمعارض والمحافل بأنواعها، وهو ما يستدعي منا التوقف والتساؤل: أما من صورةٍ سواها؟ فإن كانت مساعينا الثقافية تتطلب منا احتكاكًا أكثر بالعامة لتأسيس الثقافة وبناء الذائقة وجعلها جزءًا من المعيشة، فكيف للعمران لَأْمُ هذا الشِّق بين نتاج الثقافة السعودية ومتلقيها حتى تراها نسيجًا ملتئمًا يكسو حياته اليومية؟ وكيف نضرب وتد خباءِ الثقافةِ المحلية في الفراغ الخارجي العام؟
الفراغات الداخلية والخارجية
رحابة منطقة الإجابات على التساؤلات أعلاه وتنوع أشكال تجلياتها تصعّب الإجابة بشكل منهجي محدد، لكن الإجابة ستكون بتوضيح المفاهيم والعناصر الأساسية التي ستكون المرجع للمصمم والمعماري؛ لذا سنركز في هذا المقال على ثلاث أفكار رئيسة: الفراغ الخارجي العام وتصنيفاته، وأنواع التفاعلات الثقافية في الفراغات بشكل عام، وكيفية اختيار التفاعل الثقافي المناسب للفراغ الخارجي المفتوح.
ولنعرف ماذا نقصد بالفراغ الخارجي العام، فيصنف المعماريون الفراغات التي تضمُّنا بين جدارٍ وسقف على أنها فراغات داخلية، وتلك التي بين المباني على أنها فراغات خارجية. ونقصد بالعام ما كان مفتوحًا للعامة طوال الوقت. الفراغ المعماري بنوعيه يرسم لنا حدودًا تملؤها تفاعلاتٍ تُناسبها، ثم تتحور لأشكال أخرى عند الانتقال لفراغٍ آخر. والغاية من المعماري هو خلق الفراغات برسم حدودها، ومن ثم اختيار حافزات خلّاقة لأنشطة وتفاعلات تُحيي المكان وتثريه. رسم الحدود للفراغات الداخلية بالطبع أسهل منها في الخارجية، إلا أن جمود الحدود هذا يجعل من سيولتها بين الفراغات الخارجية العامة أكثر استيعابًا لاحتضان التفاعلات وتنوعها.
وعلى الرغم من صعوبة تصنيف الفراغات الخارجية فإن يان جيل قسمها في كتابه «الحياة بين المباني» بحسب أنواع النشاطات التي تتخذ حيزًا فيها لثلاثة أنواع: نشاطات ضرورية، واختيارية، واجتماعية، ويقصد بالضرورية: النشاطات الإلزامية كالذهاب للعمل، وأما النشاطات الاختيارية فتحدثُ حيثما وجدت الرغبة والارتياحُ في المكان والزمان، بينما تعتمد النشاطات الاجتماعية على وجود الناس في المكان؛ كأماكن اللعب، وإذا عكسنا أنواع النشاطات على الفراغات فبإمكاننا تقسيمها إلى: فراغات للأنشطة الضرورية، وفراغات للأنشطة الاختيارية، وفراغات للأنشطة الاجتماعية.
إذا ما فكرنا في الفراغات الخارجية العامة في مدينة الرياض على سبيل المثال، فسنجد بعضها حاضنًا للأنشطة الثلاثة السابق ذكرها. وإذا ما استبعدنا النشاطات الإلزامية، ففراغ حديقة حيّ صغيرة قد يحتضن أنشطة متعددة؛ من لعب الأطفال، ورياضة للشباب، ومسطحات خضراء تكفي لاسترخاء أهل الحيّ. انتعاشها في أوقات تحسن الجوّ بشكل أكبر لا يعني هجرانها وقت تدنيه. لكن عطفًا على سؤال المقال الأساسي، يندر وجود حافزات لأنشطة ثقافية بأنواعها. وهنا نسأل، ما أشكال الثقافة ومنتجاتها الممكنة للمعماري والمصمم لِيخلقَ تفاعلًا يناسب الفراغ الخارجي العام؟
تلقي المنتج الثقافي
يصعب تعريف الثقافة لكثرة تداخلاتها مع جوانب متعددة من حياتنا، ومِن تعقيدِ تعريفها تعقيدُ تصنيفات أشكالها ونتاجها. فعادة ما يُربط المنتج الثقافي بالجانب الجوهري والمعنوي للثقافة كالهوية والقيم، وله شكلان: محسوسٌ وغير محسوس، إلا أن هذ النوع من التفصيل في الأنواع والمجالات للثقافة ونتاجها لن يسهِّل اختيار المنتج اللائق لكل فراغ؛ لأن التفاعلات ستختلف مع المنتج ذاته باختلاف الفراغ والمتلقي، ولهذا سنشير للنتاج الثقافي بأنواعه كافة بالمنتجات الثقافية. ونخصُّ بالذكر طرق تفاعلاتها مع المتلقي، ونصنفها لثلاثة أنواع: التفاعل الفكري، والتفاعل الحسي، والتفاعل العاطفي.
التفاعل مع الأفكار في مجالات الثقافة شاملًا مراحل تطور الفكرة، يأتي بدءًا من حافزات توليدها، فطرحها، ثم مناقشتها ومناظرتها أو البناء عليها. يختلف التفاعل وعمقه باختلاف مستوى المتلقي واهتماماته وتفاعله مع المنتج مفردًا أو مع جماعته؛ إذ إن طبيعة التفاعل الفكري تحتاج لوقت أطول وبيئة أنسب ليحدث التفاعل ويتمّ، وهذا ما يصرِفُ العامة عنه، ويصعّب انجذابهم له، مع ما فيه من قوةِ الأثر وعمق التأصيل للثقافة، ومنه: الأطروحات الفكرية، والمحاضرات، والفلسفة، والكتب.

أما التفاعل الحسي، فمن مسماه، فهو يعتمد على الحواس الخمسة إضافة إلى حساسية الحرارة والتوازن، وكل ما يثيرها ويدفعها للتفاعل بدءًا من أدناها وهو النظر، إلى أعلاها وهو اللمس. الأصل أن يستهدف هذا النوع حاسةً واحدة، إلا أنه غالبًا ما يتوسع ليشمل أكثر من حاسة معًا أو تباعًا، وأول هذه الحواس وأهمها اللمسُ والنظر والسمع، ويختلف نوعها وترتيبها بحسب المنتج الثقافي. هذا النوع من التفاعل جذاب أكثر من غيره بشرط صحة التوفيق بين الحاسة والمنتج، وعدم إغفال العمر والجنس والحالات الصحية ليتم التفاعل المرغوب، ومن هذه المنتجات: القطع الفنية، والمعزوفات، والأطعمة، والصور، والملصقات، والروائح، والعطور.
وأخيرًا، يرتكز التفاعل العاطفي على المشاعر المستثارة مِن المنتج الثقافي، فالمستهدف فيه نوع أو مجموعة من المشاعر كالدهشة والبهجة والتعاطف، وتكون ثابتة لدى أغلب المتلقين. يصعب علينا تحديد منتجات بعينها لهذا النوع من التفاعل؛ إذ إن تأثيرها يرتبط بالجو المهيأ حولها أكثر من نوعها، ولكن أشهرها الأفلام، والعروض البصرية والموسيقية، والتصميم الداخلي للفراغ.
فهم أنواع التفاعلات والمنتجات الثقافية المرتبطة بها هي الخطوة الأولى لاختيار الصحيح، ثم تشكيل الحافزات المناسبة له في الفراغ. وقد يختار المعماري والمصمم التعمق لطبقة أخرى من التصنيف ليحدد مستويات التفاعل المُتصور، فلكل من التفاعلات أعلاه ثلاثة مستويات من التفاعل. تبدأ المستويات بمستوى التفاعل السلبي الذي يقتضي وجود المتلقي والمنتج الثقافي في الفراغ نفسه دون الانتباه والقصدية، وهذا يشمل وجود المتلقي السلبي في الفراغ نفسه مع متلقين آخرين يتفاعلون مع المنتج الثقافي مع إغفال حاسة أو أكثر، كأن يرى المتلقي محاضرة من دون أن يسمع النقاش، أو يرى من يقرأ من دون أن يرى ما يُقرأ. يفوقه درجة مستوى التفاعل النشط للمتلقي مع المنتج الثقافي بشكل مقصود، حتى وإن بدت المشاركة صامتة، إلا أنه في الغالب يتضمن مشاركة فعليّة من المتلقي. يكمن الفرق بين المشاركة النشطة الصامتة ومستوى التفاعل السلبي في توجه الانتباه واكتمال تفعيل الحواس. أخيرًا وأعلاها هو مستوى التفاعل التأملي الذي يطول مداه إلى ما بعد لحظة التفاعل، فما يجمع المتلقي والفراغ هو الاستقبال، ليحدث التأمل والتفكر فيه فيما بعد.
عودةً إلى مثال حديقة الحيّ الصغيرة، إيجاد نقطة تخلق تفاعلًا فكريًّا وسط فراغ الحديقة قد يتضمن مكتبة صغيرة وأماكن للجلوس والقراءة. وعلى الرغم من بساطة المثال فإن التفاعل معها يمر على المستويات الثلاثة، فالمستوى السلبي يكون برؤية شخص يقرأ فيها كدعوة لطيفة تُثير فضول المشاركة، كما أنها أوجدت للقارئ البيئة المناسبة والقريبة منه، فقصدها للقراءة أو استعارة الكتب، وقد ينتقل بعدها للتفاعل التأملي عبر نشره مقالًا يراجع فيه أفكارًا تخمرت أثر قراءته للكتاب. ومع أننا نتفحص المثال ذاته من زوايا مختلفة لتسهيل الفهم، إلا أن مستويات التفاعل الثلاثة لا تعني التراتبية بالضرورة في كل الأحوال، ولا وجوب المرور عليها كلها، بل تختلف بحسب المنتج الثقافي.
إذًا، التناغم بين الفراغ والمنتج الثقافي كافٍ لخلق تفاعل ثقافي، ويسهّل ربطهما بأنواع التفاعل ومستوياته الصحيحة في تصور مساحات الخلق الممكنة. المكتبة الصغيرة هي مثال تقليدي لتبسيط الفكرة ليس إلا، فالمعماري والمصمم المحلي قادر على خلق حافزات خلّاقة تأخذنا لأبعاد ثقافية جميلة.
أخيرًا، الفراغ الخارجي العام الحيّ، حيّ بناسه وتفاعلاتهم التي تحصل من خلاله، وللثقافة أن تكون جزءًا أصيلًا منه. نستطيع القول: إن الفراغات الخارجية العامة المحلية فرصة مُهدرة لم تستغل لترسيخ أسس الثقافة، خصوصًا في وقتنا الحالي.