اللاهوت والفلسفة بعد الغزالي.. هل انتهت الفلسفة في زمن الإسلام؟

اللاهوت والفلسفة بعد الغزالي.. هل انتهت الفلسفة في زمن الإسلام؟

فرانك غريفل

 في محاضراته حول «تاريخ الفلسفة»، استبعد واحد من المفكرين الأكثر تأثيرًا في العالم الحديث أهمية الفلسفة العربية (الإسلامية). أعلن هيغل أن الفلسفة العربية «ليس فيها أي محتوى يثير الاهتمام». كذلك، أشار كتاب أوربيون آخرون مثل إرنست رينان إلى أن الفلسفة ازدهرت في العوالم الإسلامية ذات يوم -وصل التقليد الفلسفي الإغريقي إلى أوربا من خلال الترجمات العربية- لكن قوى «التعصب الإسلامي» دمّرت روح حرية التفكير. بعد ذلك بوقت قصير، حدد إغناتس غولدتسيهر وإدوارد براون، وهما شخصيتان بارزتان في الغرب في مجال دراسة الإسلام، شخصيةً معينة مسؤولة عن نهاية الفلسفة في زمن الإسلام: أبو حامد محمد الغزالي (توفي عام 1111 ميلادي؛ وعُرف بعدها باسم الغزالي).

أثر الغزالي

يُبجّل الغزالي اليوم من قبل ملايين المسلمين بوصفه في طليعة المفكرين الدينيين في عصره. فتأثيره في التقليد الإسلامي العلمي مماثل لتأثير الأكويني في التقليد المسيحي وتأثير موسى بن ميمون في التقليد اليهودي. وكثير من أعماله، ولا سيما كتابه «إحياء علوم الدين»، لا تزال تُقرأ في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية حول العالم سواء أكان ذلك بلغتها العربية الأصلية أو بعدد لا يحصى من اللغات المحلية التي تُرجمت إليها. لكنْ، في السنوات الأخيرة، كان الغزالي بارزًا أيضًا في دوائر أخرى، ولأسباب أخرى. كتب ستيفن واينبرغ الحائز على جائزة نوبل أن الغزالي «عارض فكرة قوانين الطبيعة بحد ذاتها». وناقش، بالاستناد إلى عمل الغزالي «تهافت الفلاسفة»، أن العلم في العالم الإسلامي باتباعه الغزالي سرعان ما شهد انحطاطًا لم يتعافَ منه قط. كذلك، ردد نيل ديغراس تايسون، أحد أعلام التواصل العلمي الأميركيين الأكثر شهرة، الرأيَ ذاته لمدة طويلة.

من غير المفاجئ أن كثيرًا من المسلمين اعتنقوا أيضًا هذه الآراء حول الغزالي. فالمسلمون المتحررون يعتبرونه مسؤولًا عن موت الفلسفة والعلوم الطبيعية في العالم الإسلامي، ويُنظر إليه على أنه يجسّد كل ما هو خاطئ في الإسلام التقليدي. بالمقابل، يرى المحافظون في دحضه المزعوم للفلسفة سببًا وجيهًا لكبح التفكير الفلسفي في المجتمعات الإسلامية. لكن، ماذا لو كان الغزالي نفسه فيلسوفًا؟ وكان يُعَدّ هكذا من قبل تلامذته المباشرين؟ ماذا لو أن أعماله لم تدمر التفكير الفلسفي في الإسلام بل ولّدت أنواعًا جديدة منه؟ هذه الأسئلة بالتحديد هي ما يتناوله كتاب فرانك غريفل الجديد الرائع «تشكّل الفلسفة ما بعد الكلاسيكية في الإسلام».

كان فرانك غريفل، حتى قبل نشر كتابه الأخير، يُعَدّ واحدًا من أبرز دارسي الغزالي في العالم. فبحثه السابق «اللاهوت الفلسفي للغزالي» كسب على السواء استحسان الأوساط الأكاديمية الغربية وحلقات المسلمين المتمسكين بالتقاليد. غريفل، وهو أستاذ في الدراسات الإسلامية في جامعة ييل، ناقش في كتابه السابق أن آراء الغزالي أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد «رفض» بسيط «لقوانين الطبيعة». هكذا، أدى كتاب غريفل إلى تخفيف حدة الادعاءات التي تقول بأن الغزالي يمكن أن يحمَّل مسؤولية انحطاط (مزعوم) للعلوم الطبيعية في الإسلام بعد القرن الثاني عشر. ويأتي كتابه الحالي ليتمم نقاشاته السابقة ويقدم دحضًا باهرًا لفرضية الانحطاط الفلسفي بعد الغزالي.

إن إستراتيجية غريفل بسيطة: أفضل دليل لإثبات أن الفلسفة لم تمت بعد الغزالي هو وجود الفلاسفة وكتب الفلسفة. ففي أكثر من ست مئة صفحة، يأخذنا غريفل في جولة مشوقة في التاريخ الفكري الإسلامي، مستكشِفًا حيوات وأعمال مجموعة كبيرة من المفكرين المسلمين في العقود اللاحقة للغزالي. في الحقيقة، إن هؤلاء الكتّاب، ونصوصهم، متعددون جدًّا، إلى درجة أننا نتساءل: كيف أمكن للباحثين السابقين أن يغفلوهم؟ وهذا السؤال يعود بغريفل إلى بحثٍ للغزالي استُشهد به مرارًا كإثبات على آراء الغزالي المعادية للفلسفة: «تهافت الفلاسفة».

في «التهافت»، قدّم الغزالي الفلاسفةَ بوصفهم أتباعًا غير نقديين لمواقف ابن سينا الفلسفية. زعم هؤلاء الفلاسفة أن مواقف ابن سينا كانت مبنية على الاستدلال اليقيني (شكلٌ من الجدال يؤدي إلى خلاصات أكيدة منطقيًّا وغير قابلة للدحض). ثم أثبت التهافت بطلان هذا الادعاء، مستخدِمًا مبادئ المنطق الأرسطي ذاتها التي أيدها الفلاسفة. حلّل الغزالي عشرين معتقدًا رئيسًا من معتقدات فلسفة ابن سينا؛ سبعة عشر: وجد فيها هرطقة ضد التعاليم الإسلامية؛ ثلاثة: كفر صريح. وفي الصفحة الأخيرة من الكتاب، أطلق الغزالي فتوى تقول: إن الشخص الذي يعتنق هذه المعتقدات الثلاثة -أبدية العالم، إنكار البعث الجسدي، إنكار معرفة الله بدقائق الأمور- يصبح غير مسلم ويستحق عقوبة الموت.

الفلسفة في ثوب الحكمة وعلم الكلام

رأى كثير من الباحثين الغربيين في الجملة الأخيرة إثباتًا على أن الغزالي كان جزءًا من «تعصب إسلامي» عازم على اضطهاد الفلاسفة. لكن غريفل يناقش بأن الكتّاب الغربيين هنا -كما في مواضع أخرى كثيرة- مذنبون بأنهم بمنتهى السهولة أسقطوا التجربة التاريخية للمسيحية الأوربية على تاريخ الإسلام. لكن، يظهر السجل التاريخي أن فتوى الغزالي كان لها القليل جدًّا من الأثر، في حين أن نقد الغزالي العام لفلسفة ابن سينا كان له تأثير عميق في الفكر الإسلامي. ويمكن ملاحظة هذا في تطورين رئيسين في القرن الثاني عشر. وفقًا لغريفل: «التطور الأول هو أن الفلاسفة الذين كانوا ملتزمين بالتقليد العلمي والنصي للفلسفة كما انحدرت من الإغريق إلى العرب تجنبوا كلمة «فلسفة» واستبدلوا بها كلمة أخرى اتخذت إلى حد كبير المعنى ذاته الذي كان للفلسفة حتى أواخر القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي] أي الحكمة[. ثانيًا، نلحظ نشوء نوع مختلف من الفيلسوف أي المتكلم، وهو الشخص الذي يكتب في الفلسفة وينخرط فيها تمامًا كما كان الفلاسفة في القرون السابقة، لكنه يرفض عمدًا سمة فيلسوف، وينأى بنفسه عن الفلسفة».

بكلمات أخرى، كثير من العلماء المسلمين بعد الغزالي كتبوا عن موضوعات مثل الميتافيزيقا، وعلم الأخلاق، واللاهوت. وانشغلوا عمدًا بعلماء سابقين كتبوا عن موضوعات مشابهة. بالتالي، كانت اهتماماتهم الفلسفية وانخراطهم بتقليد فلسفي كافية لوصف أعمالهم على أنها فلسفة. مع هذا، تجنب هؤلاء العلماء تسمية «فلاسفة» لأنفسهم و«فلسفة» لما يمارسونه؛ لأن نقد الغزالي جعل هذه المصطلحات غير ملائمة لذوق العصر. وفي حين أن الفلسفة لم تختفِ تمامًا؛ كان ثمة أولئك الذين استمروا باتباع تعاليم ابن سينا من دون الانشغال بنقد الغزالي، لكنهم لم يشكلوا سوى أقلية بين المجموعات التي كانت تمارس الفلسفة. في النتيجة، عندما بحث الباحثون الغربيون عن الفلسفة في العالم الإسلامي في المدة اللاحقة للغزالي -ما يدعوه الأكاديميون المرحلة ما بعد الكلاسيكية من الإسلام- قصروا بحثهم على الكتب التي عُرِّفت على أنها كتبُ فلسفةٍ، من دون أن يدركوا وجود نوعين آخرين من الفلسفة كانا أكثر إنتاجًا ودُعِيَا بأسماء مختلفة: الحكمة (التي كان يُدعى من يمارسها «حكيمًا»)، والكلام (الذي كان يُدعى مَن يمارسه «متكلمًا»).

(وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، كما يرد في القرآن. إن للحكمة، كتعبير، شرعية مقدسة. في الحقيقة، استُخدم تعبير الحكمة في كتابات ابن سينا مرادفًا للفلسفة بين الفينة والأخرى. هكذا، عمد الفلاسفة المسلمون الذين يسعون للنأي بأنفسهم عن الفلاسفة الذين انتقدهم الغزالي إلى التشبث بالتعبير كوصف ذاتي لممارستهم للفلسفة. علاوة على ذلك، وهنا تكمن ملاحظة غريفل الرئيسة، يشير التعبير أيضًا إلى نوع جديد من الفلسفة يميز نفسه عمدًا عن الفلسفة. وتسعى الكتب التي تنتمي لنوع الحكمة إلى تطوير نظام ابن سينا «من الداخل». إنها تنشغل بنقد الغزالي لابن سينا، لكنها ليست مهتمة سوى بالاستدلال الفلسفي؛ سواء كانت الخلاصات تدعم تعاليم الوحي أو تعارضها لم يكن بذي أهمية. كذلك، تقر هذه الكتب ضمنيًّا أن الغزالي، على الرغم من أنه كان مهتمًّا بتعاليم ابن سينا؛ لأنها بدت له معارضة للوحي، فإن نقده لها في «التهافت» كان مبنيًّا على حجج فلسفية سليمة.

في تطور الحكمة كنوع، كانت الشخصية الرئيسة هو يهودي اعتنق الإسلام: أبو البركات البغدادي (توفي 560هـ/1165م). وبعد تكلف عناء إعادة بناء سيرته الذاتية من إحالات متفرقة في مصادر عديدة، أثبت غريفل أن البغدادي كان فيلسوفًا يهوديًّا محترمًا حتى قبل اعتناقه الإسلام في وقت متأخر من حياته؛ يقال: إنه كان في نحو الستين من عمره حينها. مثل كثير من الفلاسفة في تلك الحقبة، كان البغدادي شكليًّا طبيبًا في بلاط الحكّام السلاجقة. وفي حين أن ظروف تحوله للإسلام غير واضحة، ما من شك حول أهمية عمله العظيم «الكتاب المعتبر في الحكمة». يقلع البغدادي، متأثرًا بالغزالي، عن فكرة أن الحقيقة الفلسفية يمكن إثباتها من البرهنة (الاستدلال اليقيني). ويطور كتابه، بدلًا من ذلك، منهجًا مختلفًا: الاعتبار (إمعان النظر) الذي تتم فيه مقارنة خيارات مختلفة من أجل الوصول إلى الأقرب للحقيقة بينها. هكذا، يُدخل البغدادي «انعطافة جدلية» إلى الفلسفة الإسلامية، وخطوةً فكرية تبلغ أوجها في أعمال الموسوعي المسلم الشهير، فخر الدين الرازي (توفي 606هـ/ 1210م).

لا أدرية الرازي

إلى جانب الغزالي، الرازي هو واحد من الكتّاب الأكثر إنتاجًا وتأثيرًا في تاريخ الإسلام. لقد ألّف كتبًا في حقول الطب، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك، والتاريخ، وغيرها، إلا أن أعماله الأكثر شهرة هي تفسيره القرآن الكريم وكتبه في الفلسفة. وقد أثارت هذه الأخيرة مشكلة عويصة للمؤرخين: يبدو أن الرازي كان يتبنى مواقف فلسفية متناقضة في أعماله المختلفة. على سبيل المثال، اتخذ في بعض النصوص موقفًا يرى أن العالم قديم، ورأى في أخرى أن العالم مُحدَث. فكيف يمكن شرح هذا التباين؟

يقدم غريفل شرحًا ذكيًّا: تتخذ أعمال الرازي المختلفة مواقف مختلفة؛ لأنها تنتمي إلى نوعين مختلفين من الفلسفة في الإسلام: الحكمة والكلام. رأينا تطور الحكمة بعد الغزالي، أما الكلام، أو الحديث، فكان سلفًا نوعًا قائمًا قبل الغزالي بوقت طويل. وهو يشير إلى كتب الخلاف بين الطوائف حول مسائل الميتافيزيقيا، أي نوع من اللاهوت العقلاني. وإسهام الغزالي الرئيس، وفقًا لغريفل، هو إدخال أدوات الفلسفة، ولا سيما المنطق الأرسطي، إلى الكلام. لقد استندت الحكمة، بالطبع، إلى المنطق الأرسطي أيضًا، لكن السمة الرئيسة للكلام هي تأكيده الوحي بوصفه مصدر المعرفة والحكمَ النهائي للحقيقة. شعر الرازي أنه مُطالَب بالإسهام في كلا النوعين، ولم تكن لديه مشكلة في تأييد مواقف مختلفة وفقًا لأنواع مختلفة.

مع هذا، يبقى السؤال قائمًا: أي موقف آمن به فعلًا؟ يعطي غريفل إجابة مذهلة: لم يستطع الرازي أن يختار بينهما. ففي نهاية المطاف، المعرفة الإنسانية محدودة. ببساطة، لم يعطنا الله في بعض المسائل ما يكفي من المعلومات للوصول إلى الحقيقة. والدافع ليس تمامًا دافع إيمانويل كانط (توفي عام 1804م): «إنكار المعرفة من أجل إفساح المجال للإيمان»، لكن المعضلات مماثلة للمعضلات التي دعاها الفلاسفة الأوربيون الشهيرون «تناقضات العقل».

إن التمييز بين الفلسفة، والكلام، والحكمة، ليس من صنع غريفل. فهو يقدم من مجموعة كبيرة من الأدلة لتمييزات مماثلة في مجموعة من قواميس السير الذاتية كُتبت في العقود التالية للغزالي. في الواقع، يشكّل استخدام الكتاب الواسع للمواد المصدرية أحد أكبر نقاط قوته.

فإضافة إلى مجموعة مثيرة للإعجاب من الأعمال الفلسفية وقواميس السير الذاتية التي كتبها مؤلفون مسلمون من العصور الوسطى -كثير منها لا يزال في شكل مخطوطة- يستند غريفل إلى المعرفة الموجودة حاليًّا في عدد من الحقول -علم التأريخ، وعلم الآثار، والدراسات الحضرية- من أجل تقديم أدلة على مشهد فكري مزدهر بعد الغزالي في مناطق تشكّل اليوم جزءًا من إيران، الشرق الأوسط، ووسط آسيا. كذلك، يذكّرنا غريفل بأن الكتّاب يحتاجون رعاية؛ في ذلك الحين، كما اليوم، وأن تأليف كتب الفلسفة غير كافٍ لكسب العيش. ويوضّح أن كثيرًا من الحكومات الحضرية في تلك المناطق عاشت نموًّا اقتصاديًّا في القرن العشرين. فأنفقت على ثقافة نشطة ذات حياة علمية وتعليم عالٍ. وبهذا، يعارض غريفل الفكرة المنتشرة القائلة بأن الغزوات المغولية دمرت الحياة الاقتصادية، وبالتالي، الحياة الفكرية في تلك المدن.

أثر الاستعمار

يحاول غريفل أيضًا أن يتصدى لفكرة أخرى مؤذية بقدر سابقتها يتبناها خطاب وسائل الإعلام الشعبية: أن المدرسة، المؤسسة التقليدية للتعليم العلمي الإسلامي، كانت مغلقة أمام العلوم العقلية كالفلسفة. فبالاستناد إلى أعمال سونيا برينتيس حول تاريخ الرياضيات في المجتمعات الإسلامية، والسير الذاتية للفلاسفة المسلمين، يحاول غريفل أن يُظهر العكس؛ أن المدرسة هي المركز المؤسساتي للفلسفة ما بعد الكلاسيكية في الإسلام. لقد كان نظام المدرسة التقليدي هذا لا يتعطل إلا عندما يوقف المستعمرون الأوربيون الهبات الدينية (الأوقاف) التي تدعم المدرسة؛ تخيلْ أثر مرسوم قانوني يوقف فجأة هبةَ رابطةِ جامعاتِ آيفي البحثية النخبوية. يتابع غريفل ليقول: إن كتب الحكمة كانت تعلَّم في المدرسة لقرون حتى جاءت «اللحظة التي أُدخلت فيها مؤسسات التعليم الاستعمارية وانتشرت الأفكار الغربية حول طبيعة الفلسفة».

تعاني هذه المزاعم الأخيرة نقصًا في التحديد ونقصًا في الأدلة. فمتى هي، بالضبط، «لحظة» القطيعة العظيمة هذه؟ أي مدرسة، على وجه التحديد، كان غريفل يقصد؟ أي كتب فلسفية كانت تاريخيًّا جزءًا من منهاج المدرسة، ومتى أزيلت؟ جدير بالذكر أن المناطق التي تشكّل اليوم الشرق الأوسط، وجنوب آسيا كانت لها تجارب مختلفة مع الاستعمار. وحتى ضمن هذه المناطق الكبيرة، كان للعلماء المسلمين في أمكنة مختلفة ردود أفعال متعددة ومعقدة لضغوطات الاستعمار. ولا يزال من الضروري إجراء المزيد من البحث فيما يخص تطور منهاج المدرسة عبر الزمن في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي؛ لأنه، قبل ذلك، تجازف المزاعم العامة حول مساوئ الاستعمار بدعم موقف يتجنبه المسلمون أنفسهم، وضع اللوم في كل ما هو خاطئ على المستعمرين.

لا تنتقص هذه الانتقادات من قدرِ مناقشة غريفل الرئيسة، بل تكشف قوتها؛ ازدهرت الفلسفة في العالم الإسلامي بعد الغزالي. فكثرة الأعمال الفلسفية في القرن الثاني عشر وما بعده هي ما يجعلنا نفكر: متى، أين، ولماذا، يمكننا تتبع «انحطاط» الفلسفة في العالم الإسلامي، إن كان قد حدث؟ وقبل أن نتساءل: «ما الذي جرى على نحو خاطئ» في المجتمعات الإسلامية، علينا أن نفهم على نحو أفضل «ما الذي حدث؟» الخطوة الأولى نحو تصفية استعمارِ التاريخ هي معرفة التاريخ الذي يتجاوز نظرة المستعمر.

إضافة إلى التأريخي، يرغمنا الكتاب على طرح أسئلة أخرى. لقد أظهر غريفل أن العلماء المسلمين القدماء المؤثرين جمعوا بين معرفة واسعة في العلوم الفلسفية وإتقان لموضوعات أخرى مثل: الحديث والقانون. وكانت إنجازاتهم مزيجًا من هذه الاهتمامات المختلفة. على سبيل المثال، رؤى الرازي في تفسيره للقرآن الكريم مدينة بالفضل لانشغاله بالفلسفة. فإذا كانت تلك هي الحال، ما الذي يخسره المسلمون اليوم عندما يديرون ظهورهم لتقاليد المعرفة التي تُعَدّ «علمانية»؟ اعترف المسلمون، بالطبع، منذ أيام الاستعمار، بالحاجة إلى دراسة مواضيع كالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لكن التسويغ بالعموم كان ذرائعيًّا؛ إذا لم يكن بوسعنا بناء طائرات خاصة بنا، كيف سنطير إلى مكة؟ غير أن كتاب غريفل يظهر أن المسألة لا تقتصر على الحاجة إلى دراسة حقول معرفية مختلفة لأجل المنافع المادية التي قد تنطوي عليها في هذا العالم؛ إنها بالأحرى أهمية الدراسة عبر حقول معرفية مختلفة من أجل فهم وحي الله على نحو أفضل. والمهم هنا أن كتاب غريفل يظهر أن العكس صحيح أيضًا: أي أن الفلاسفة -وممارسي العلوم الأخرى- يخسرون شيئًا أيضًا عندما يرفضون الانخراط في تقاليد المعرفة الأخرى، مثل التقليد الفكري الإسلامي.

إن كتاب «تشكّل الفلسفة ما بعد الكلاسيكية في الإسلام» هو، أولًا وقبل كل شيء، إسهام بارز في ذلك التقليد. لكن، كما أظهرت هذه المراجعة، إن فيه أيضًا كثيرًا مما يفيد المؤرخين، الفلاسفة، وأي شخص مهتم بكيفية صياغة الأفكار الإشكالية في الحاضر -مثل سرديات الانحطاط- لقراءات الماضي.

ابتكر نمطًا جديدًا في الشعر الأميركي ما بعد الحرب فرانك أوهارا: جماليات الأشياء الصغيرة

ابتكر نمطًا جديدًا في الشعر الأميركي ما بعد الحرب

فرانك أوهارا: جماليات الأشياء الصغيرة

يصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذين نشطوا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك واستلهموا أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977م).

لكن هذا التصنيف ليس دقيقًا تمامًا، كما سنرى. فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة في حد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جدًّا من نثر الحياة اليومية، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتيهما، والعبث أيضًا، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقًا مع موته العبثي حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو، عام 1966م، وهو في الأربعين.

سأحاول هنا أن أبين أن وراء قصائد الشاعر، التي تبدو من السطح عفوية وسريعة وارتجالية، ويمكن كتابتها في أي وقت وفي أي مكان، هي عملية واعية من البناء والتفكيك، وأن بناءه الشعري ليس مجرد تَشَظٍّ، وإعادة دمج، لذات الشعر الداخلية، كما تعتقد، مثلًا، ناقدة أميركية من وزن بيرلوف(1).

جماليات الأشياء العادية

في كل قصائده تقريبًا، وبخاصة مجموعته الشعرية «أفعل هذا، أفعل ذاك»، يضع أوهارا «كل شيء في القصيدة»، وهو أسلوب أصبح سمة مميزة في عمله الشعري. وقلما نجد شاعرًا معاصرًا يحتفي بالأشياء بهذا الشكل، كما يفعل أوهار(2).

يقول أوهارا عن شعره، مقارنًا إياه بشعر معاصره جون أشبري، وهو من أبرز شعراء «مدرسة نيويورك»، بأن شعره «مليء بالأشياء لذاتها»(3). ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع؛ بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما سنبين، كما أنه يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و«الأشياء المبتذلة» إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقًا بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معًا في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها.

ومن خلال «تأريخه» للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالبًا حميمية، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه «جمالية الأشياء الصغيرة». وبذلك ابتكر نمطًا جديدًا في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادمًا الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، وهو ما يجعلنا، حسيًّا وذهنيًّا، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني.

في قصيدته القصيرة «في الداخل مع جين»، على سبيل المثال، نرى أن تجربة أوهارا مع المكان هي تجربة حسية جدًّا. إنه يراكم الأشياء الحقيقية في مكان محدد ليخلق مشاهد مرئية، ويبدو كذلك أنه واعٍ تمامًا لوجوده في ذلك المكان المليء بـ«الأشياء الغبية»: علبة قهوة، حلق أذن قيمته 35 دولارًا، حفنة شعر. ومع ذلك، «فهذه الأشياء الغبية تفعل لنا الكثير»:

«أعني الأشياء الغبية حقًّا/ علبة قهوة/ حلق أذن/ حفنة شعر، ماذا/ تفعل هذه الأشياء لنا؟»

يخضع أوهارا في هذه الأسطر للتساؤل، ليس فقط بما تمثله هذه الأشياء، بل بفكرة أهمية الأهمية(4). وهو يفعل ذلك من خلال ثلاث حركات متداخلة: تنطلق القصيدة من التجريد في المقطع الأول، حيث يطرح الشاعر بعض أسئلة فلسفية، خالقًا حالة من التأمل تؤدي وظيفتها ككناية:

«رغبة الأشياء/ أن تكون ما نخاف أن نكونه/ لا يسعها إلا أن تحركنا/ هل/ هذه الرغبة تكون دافعًا فينا/ لفعل ما نرفضه؟» (قصائد مختارة، ص 21).

ومن هنا نحن لا نتفق مع ماجوري بيرلوف -في كتابها عن أوهارا المعنون «شاعر بين الرسامين»، وهو من أهم الكتب حول الشاعر- في استنتاجها بأن «ذات أوهارا تذوب في الأشياء التي يتأملها». تقول: «إن الذات لا تعود قادرة على فصل نفسها عن الأشياء التي تحسها، بل تذوب فيها، وتصبح جزءًا من المنظر الخارجي. «الأنا» تتشظى، على سطح الشيء الذي تتأمله. ولذلك، يستطيع الشاعر أن يخبرنا فقط عما يفعل، وأي الكتب يشتري، وأين يأكل، وأين يتمشى، وماذا يقول ولمن»(5).

صحيح إن أوهارا «يصب نفسه في شعره»، لكنه يفعل ذلك، في أفضل قصائده، لـ«يصهر المباشرية والإثارة مع المتعة الذهنية المفرطة والوعي الذاتي الحاد»(7). هذا الوعي، كما يقول مارك سيلفربيرغ بحق، يأتي «في مقدمة مشروع أوهارا». وأكثر من ذلك، فإن هم أوهارا الشعري هو أن يجعل القارئ يكتشف القصيدة، لا أن يتأملها»(8).

يشكك أوهارا في قصيدته، وبشكل واعٍ، بمفاهيمنا التقليدية عن الأشياء، و«يفكك الافتراضات الجمالية، في الحياة والأدب معًا»(9). وهو ينجح في إقامة صلات وجودية ومادية بيننا وبين الأشياء التي هي «بيننا كل يوم، حتى في السواحل، وفي النعوش، وأن لها معنى، وهي صلدة كالصخور»، كما يقول الشاعر في قصيدة «اليوم». (قصائد مختارة، ص 6).

 

في المقطع الثاني من القصيدة، يحاول أوهارا أن يحررنا من تصورنا الميكانيكي للأشياء؛ كي نعي العلاقة الجدلية بينها وبين العالم، كما هي وكإشارات أيضًا. أشياء مثل «علبة قهوة» و«حلق أذن» و«حفنة شعر» هي إشارات فارغة المعنى، ولكنها ترتبط مع إمكانية شيء آخر: جنسي، أو حميمي، أو محزن(10).

وهنا نتفق مع وجهة نظر الناقد مارك تيرسي التي يقول فيها: «إن أوهارا يدرك في القصيدة -المشار إليها- «سياسية» اللغة، والطريقة التي تعمل بها، وكذلك الطريقة التي تتلاعب بها الأشياء المترابطة، ولو اعتباطيًّا، بالكلمات، ليس فقط بطريقة إدراكنا للأشياء، بل تشكك أيضًا في طريقة اكتسابنا للغة»(11).

في السطور الأخيرة من القصيدة، التي تشكل حركتها الثالثة في سبعة مقاطع شعرية مؤلفة من بيتين، يتحرك الشاعر من مكان مفتوح، حيث الأشياء في كل مكان تبعث الحياة والطاقة، إلى مكان مغلق (الغرف)، حيث الشمس باهتة، والأشياء شبه ميتة: «… نحن/ دخلنا الغرفة، النوافذ/ عديمة الجدوى، الشمس باهتة/ تنزلق فوق الجليد و/ نشيج يبدأ، والسبب ببساطة/ إنها أبرد الأشياء التي عرفناها». (قصائد مختارة،21).

ينجح أوهارا في هذا المقطع في تمثيل وتجسيد تداخل العقل والشعور، وهو ما يساعد على تصعيد القصيدة إلى مستوى التجريد. ونعتقد هنا أن مارك توسي لم يكن على صواب في قوله: إن أوهارا في هذه القصيدة «يتجنب التجريد وبالتالي يفسر التجربة من خلال عدسات»(12).

شعر ماكر

في بيان له سماه «برسونيزم (شخصانية)، يميز أوهارا بين درجتين من التجريد: مطلق الحنين، والحنين إلى المطلق. إنه يرفض الأول لأنه ينطوي على إلغاء الماضي للشخصي، ويعتبر الثاني هو «التجريد الحقيقي». يكتب ما يلي:

«التجريد (في الشعر وليس في الرسم) يتضمن إلغاء شخصيًّا من قبل الماضي. وعلى سبيل المثال، إن القرار المتضمن عملية الاختيار بين «مطلق الحنين» وبين «الحنين إلى المطلق» هو الذي يحدد الموقف حول درجة التجريد. إن الحنين إلى المطلق هو الذي ينطوي على الدرجة الكبرى من التجريد، والإلغاء، وقدرية سلبية (كما في حالة كيتس ومالارميه). إن برسونيزم، وهي حركة أسستها أنا حديثًا، ولا أحد يعرف عنها شيئًا، تثير اهتمامي كثيرًا؛ لأنها على الضد كلية من ذلك النوع من النزع التجريدي، الذي يتاخم التجريد الحقيقي، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الشعر. (قصائد مختارة، 247- 248).

ومع ذلك، وبالرغم من كل ما تقدم، لا نشعر أننا منخرطون تمامًا، فيزيائيًّا وذهنيًّا، في هذه القصيدة، المكتوبة عام 1951م، أو «نعيش تجربة الشاعر»، ويبدو أسلوبه هنا، بشكل عام، بعيدًا من التلقائية والعفوية. إنها قصيدة عن موضوع ما، وليست هي الموضوع، مع إنها توحي بإمكانية التطور الذي سيحققه أوهارا لاحقًا في أفضل قصائده، حين أصبح أسلوبه «رفيعًا، صافيًا، انعكاسًا لوعيه الذاتي، وأصبحت القصيدة هي الموضوع، وليست عن الموضوع»(13)، في تحول كبير عن أسلوب معاصريه، الذي لم يكن يستسيغه. (قصائد مختارة، 249).

غير أن قسمًا من النقاد، الذين وصفهم أوهارا بأنهم «منتهكو البساتين» في قصيدته «الناقد» (قصائد مختارة، 17) أخفقوا في رؤية المعنى الأعمق خلف السطح الخارجي لقصائد أوهارا. فقد وصفت مجلات قيمة في الخمسينيات والستينيات -مثل مجلتي «شعر»، و«كينيون ريفيو»- أوهارا بأنه «داندي نيويوركي ينظم قصائد سريعة لتسلية شلته»(14)، ولأنه يكتب بسرعة شديدة، وغالبًا وهو يمشي أو في ساعة تناول الغداء في متحف الفن الحديث (حيث كان يعمل)، فقد افترضوا بأن شعره عادي وتافه»(15).

ومثال آخر على القراءة الخاطئة لشعر أوهارا هو نقد وليم كوربت. وهو يستشهد ببعض أبيات من مرثية ألن غينسبرغ لأوهارا: «أوه، إذن أوهارا/ لنمائمنا الماكرة»، ليستنتج بأن «النميمة الماكرة هي العبارة الملائمة لوصف الصفة الأكثر جاذبية في شعر أوهارا»(16). ولكن غينسبرغ لم يقصد باستعماله مفردة «النميمة» وصف شعر أوهارا، بل كان يشير إلى نوع من الكتابة «الديمقراطية»، بمعنى أن كل شيء ممكن أن يكون مادة لشعر أوهارا. يكتب غينسبرغ:

«كان شعر أوهارا نميمة، نميمة محلية، نميمة اجتماعية، مع «هوابط وصواعد مفاجئة». إنه باستلهامه صور نيويورك، المختلطة مع الكعكة العِنبية يلهمنا أيضًا. وهكذا كان يشعر بأن أية إيماءة يصدرها هي شعر. والشعر بهذا المعنى هو ديمقراطي كليًّا، حتى لا يكون هناك ملوك أو ملكات للشعر»(17).

ما كان يهدف إليه أوهارا في رأينا هو ليس فقط النميمة، بالمعنى الذي تحدث عنه غينسبرغ، أو أن يسجل فعالياته اليومية، بل ليكشف عن الدلالات المخفية وراء سطح الأحداث الآنية، ومن خلال ذلك يفكك أفكارنا التقليدية عن الحياة والفن، ويساعدنا على كشف الإمكانات غير المحدودة للوجود المادي.

أن ننظر للأشياء كما هي ومن الداخل

كان أوهارا يؤمن بأن ما يسميه «فن اللحظة» غير قادر دائمًا على تغيير قضايا اجتماعية بسرعة، لكن عندما يكون التركيز على الواقع اللحظي للفرد، فإن الفن يعبر عن الجوهر الحياتي ذاته(18).

لقد مضى أوهارا أبعد من معاصريه في انشغاله بالعالم كما يعيشه، من خلال تفكيك الحدود الفاصلة بين الفن والحياة، ومن محاولاته الشعرية في سبر العلاقات المحتملة بين الشعر والأشياء العادية. وفي معظم قصائد مجموعة «إني أفعل هذا، إني أفعل ذاك»، التي تتميز بانفتاحها الاستثنائي على تجاربه في الحياة، كان أوهارا، كما يقول مارك فورد، «مدركًا لنهجه هذا».

كان أوهارا يطمح إلى أن يطور نوعًا من الشعر مختلفًا جذريًّا عن ذلك الشعر الذي ينتجه وينشره معظم شعراء اللغة الإنجليزية. في حديث له نشر عام 1952م، هاجم أوهارا على نحو خاص أولئك الذين «يعملون تحت التأثير المخدر والقاتم والمتكلف» (قصائد مختارة، 2) يكتب في مقاله «الشخصانية: بيان»: «بعد كل شيء، ويتمان، وكرين، ووليمز فقط، من كل الشعراء الأميركيين، هم أفضل من الأفلام. الوزن والأدوات التكنيكية الأخرى هي من الفطرة السليمة: إذا أردت أن تشتري بنطالًا فإنك تريده أن يكون ضيقًا حتى يرغب كل شخص أن يكون معك (…). هناك شيء ميتافيزيقي حول ذلك، إلا إذا أردت بالطبع أن تخدع نفسك بالتفكير أن ما تحسه هو مجرد شوق». (قصائد مختارة، 247).

يحتفي أوهارا بالأشياء بطريقة والت ويتمان (هو يعُدّ ويتمان سلفه الأعظم في قصيدته «أنشودة»). كلا الشاعرين يؤمن بأن كل شيء، مهما كان ضئيلًا، جدير بالشعر، وأنه ممكن أن يخلق «دهشة قصيدة»، كما يقول أوهارا في قصيدته «اليوم». (قصائد مختارة، 6). وهو يؤمن أيضًا أن «الفن وُجِدَ حتى يستطيع المرء استعادة الإحساس بالحياة، وُجِدَ حتى يجعل المرء يشعر بالأشياء؛ ليجعل الفن الحجري يزيح الأشياء من مجال ميكانيكية الملاحظة»(19)، وهو يؤمن أيضًا، كما ورد في بيانه الشعري، بأن «الشعر يولد الصفة المحسوسة لحدث ما، وهو صلد جدًّا وظرفي». (قصائد مختارة، 247).

إن تسمية الأشياء بالنسبة له، هي «هدف فقط لرسم أشياء»، أما المفتاح فهو أن ندرك الأشياء لذاتها، أن ننظر للأشياء من الداخل، وليس بالعين» (قصائد مختارة، 7). وهكذا، يحاول أوهارا أن يفكك تصوراتنا التقليدية عن الأشياء، ويقودنا إلى وجودها الفيزيائي حتى نرى ما لا يرى:

«أوه، أيها الكنغر، أيتها الترترة، يا صودا الشوكولا! أنتن جميلات حقًّا! اللآلئ/ الهارمونيكا، العنّاب، الإسبرين، الشيء الذي يتحدثون عنه دائمًا/ لا يزال يخلق دهشة القصيدة! هذه الأشياء معنا كل يوم/ حتى في السواحل والنعوش، إنها/ لها معنى، وهي صلدة كالصخور» (قصائد مختارة، 9).

هذه القصيدة مبنية، كما يبدو، من أشياء غير مترابطة: حيوان، آلة موسيقية، دواء، وأشياء صغيرة، أو ضئيلة الأهمية (ترترة، شوكولا، صودا) بجانب أشياء ثمينة (لآلئ)، لكنها تبدو مترابطة داخل نسيج القصيدة العام، وفي توافق ليس فقط مع بعضها الآخر، ولكن مع الشاعر نفسه (إنها تدهش القصيدة)، ومع المحيط الموجود حولها، والشيء الأهم مع وجودنا نفسه. لهذه الأشياء معنى، وهي تتصف بالأهمية نفسها، سواء أكانت ثمينة أم ضئيلة الشأن، كما أنها في وحدة واحدة، بالرغم من أنها متباينة، أو لكونها متباينة. والقصيدة تحتفي بهذا الاختلاف، وتكشف في الوقت نفسه، العلاقات الداخلية بينها. وهكذا تفتح أعيننا لنرى الوقائع في حياتنا اليومية كما هي، وليس من خلال «تجميل العادي»، كما يقول مارك توسي(20)، من خلال تقديم الأشياء كما هي، ولذاتها، ومن خلال كشف دلالاتها الداخلية، بلغة الحياة اليومية، يشعر أوهارا بأن «الأشياء تحتاجه، كما أن السماء ينبغي أن تكون فوق الأرض»، وأن «الشعر لم يأمره بألّا يلعب مع الدمى»، كما يقول في قصيدته «يوم الذكرى 1950» (يوم 30 مايو الذي يحتفل فيه في أكثر الولايات الأميركية بذكرى الجنود الذين قتلوا في أثناء خدمتهم العسكرية)، ولكنه لا يضفي قيمة على الأشياء. إنها ثمينة في حد ذاتها، وهي موجودة لذاتها. وهو أيضًا لا يسعى لإعادة ابتداع المألوف، مثل الشاعر الإنجليزي فيليب لاركن على سبيل المثال، ولكن ليكشفه، ويجعلنا واعين لوجوده وأهميته.

يتكثف هذا الوعي عبر عملية التفكيك وتجريد الشيء من مألوفيته، وهو ما يسبب تحولًا في إدراكنا الحسي له، ويساعدنا على فهم دلالة المألوف، كأنما نراه للمرة الأولى. وهكذا ننخرط بالتالي في تجربة القصيدة، حسيًّا وذهنيًّا. ولكن عملية كهذه تحتاج من الشاعر إلى درجة عالية من اليقظة، كما تقول بيرلوف: «الفن يجرد الأشياء من مألوفيتها من خلال تقديمها كما لو أننا نراها للمرة الأولى، أو من خلال تحريف أشكالها، وفي مسعاه لتغريب المألوف، على الفنان أن يكون منتبهًا بقدر الإمكان للعالم الذي يحيط به»(22).

ولكن «الانتباه اليقظ» وحده لا يكفي لتحقيق عملية تغريب المألوف، الذي هو شرط مسبق لأية عملية إدراكية واعية، كما يُحاجُّ الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي بإقناع في كتابه «أساس الإدراك الحسي».

وحدة العادي والسامي

في المقطع السادس من القصيدة، يصور أوهارا «أشياء تافهة»، ثم يرفعها إلى مستوى السامي، وفي الوقت نفسه، يهبط بهذه الأشياء إلى مستوى العادي، في حركة ديالكتيكية، تمزج بينها في وحدة واحدة، خالقًا بذلك علاقة جديدة بينها داخل القصيدة، بلغة بسيطة «تبدو مجسدة في لحظة إنتاجها، وهي تنتقل من الذهن المتأمل إلى التجربة المرئية للعين»(26).

«الحب هو أول الكل في درس المرافق/ أسمع مياه المجاري تغني/ تحت مقعد مرحاضي الأبيض الناصع فأعرف/ إنه في مكان ما، وقت ما، ستصل إلى البحر: النوارس وسمك أبو سيف ستجدها أغنى من نهر».

قوة هذه القصيدة تنبع أيضًا من الطاقة الموجودة فيها، من تحولاتها، من تفاعلها، والعلاقة المتبادلة بين المادي والمجرد، والعادي والسامي، الخاص والعام، وبين الماضي والحاضر. وهناك أيضًا قوة التركيب، فيشعر القارئ، نتيجة لكل العوامل مجتمعة، أنه منخرط في هذه القصيدة، وأنه أصبح جزءًا من عناصرها المتمازجة التي تخلق، من خلال اختلافاتها كما يبدو الأمر من السطح، شعورًا موحدًا.

وتتجلى هذه الوحدة بين العادي والسامي، وبين الرفيع و«الوضيع» في معظم قصائد «أنا أفعل هذا، أنا أفعل ذاك» بشكل خاص، مثل «خطوة بعيدًا منهم»، (SP 109) «يوم ماتت السيدة»، (SP155) «رابسودي»، (SP156) «قصيدة شخصية» (SP 168)، وكذلك في مجموعته «وقت الغداء».

في قصيدته «خطوة بعيدًا منهم»، (SP109) التي تعد واحدة من أفضل قصائد هذه المجموعة، يتعامل أوهارا مع الأشياء من منظور مختلف تمامًا. فمنذ بداية القصيدة يكدس الشاعر الأشياء، لا للاحتفاء بها، أو لاستكشاف جمالياتها وأهميتها في حياتنا، كما يفعل في قصيدته «يوم الذكرى 1950م»، (قصائد مختارة 7) ولكن ليهيئ نفسه، والقارئ أيضًا، لحادثة غير متوقعة ستُكتشَفُ في وقت واحد في السطور النهائية.

إنها عملية تراكم وليس عملية تفحص أو مجرد ملاحظات كما في بعض القصائد الأخرى مثل «في الداخل مع جين» (قصائد مختارة، ص21) أو «عند جين» (قصائد مختارة، 30)، أو «في ذكرى شعوري» (قصائد مختارة، 102) على سبيل المثال. وعملية مراكمة الأشياء في هذه القصيدة (الساحرات، الكوكا كولا، السيارات، الجذوع، الشبكات، الدخان، النيون، الشوكولاتة، سندويش الجبن) هي سمة بارزة لتكنيك «السحب والدفع» الذي يستخدمه أوهارا، وهي «عامل رئيس في انفتاح القصيدة على تفسيرات متعددة، تتيح إمكانية انخراط القارئ في القصيدة(28). إنها، أيضًا، تجذب النظر «مثل ضوء ساطع لنافذة متجر»29 كما نرى في المقطع الأول من القصيدة: «إنها ساعة غدائي؛ لذا سأذهب/ للنزهة بين همهمة سيارات الأجرة الملونة./ أولًا، أسفل الرصيف/ حيث يُطعم العمال/ جذوعهم المتلألئة القذرة ساندويتشات/ وكوكا كولا/ وهم مرتدون خوذاتهم الصفراء/ (…) الشمس حادة، ولكن/ سيارات التاكسي تحرك الهواء./ أراقب/ المساومات على ساعات اليد. هناك/ قطط تلعب في نشارة الخشب» (قصائد مختارة، 10).

تبدو الأشياء هنا وكأنها علامات، بالمعنى المادي للكلمة، ولكنها، في الوقت نفسه، تعمل ككنايات تشير إلى فضاءات أعمق. الشاعر هنا لا يسعى لاستكشاف هذه الأشياء، ولا لفتح أعيننا على وجودها، ولا لتغريبها. إنها أشياء بذاتها، وتوجد بذاتها، لكن القارئ يشعر أنها تتمرد على الحدود، ليتصل بعضها ببعضها الآخر في عملية جدلية مستمرة. اللغة هنا هي لغة الحياة اليومية، عفوية، مستقرة، ومع ذلك فهي تتقدم للأمام مع نوع من السرعة، وهو ما يخلق، ولو على نحو غير واضح، إحساسًا بالكآبة «يتسلل إلى حافات القصيدة، إلى حد ما»، مع لمحة وجه بيلي هوليداي على غلاف صحيفة «نيويورك بوست»، التي تجعل الموت يتسرب إلى كل تفاصيل قصيدة «يوم وفاة السيدة»(30).

في المقطع الثاني، ينظر الشاعر إلى تجربته ويفسرها من منظور مختلف. ينقطع فجأة عن السرد في القصيدة، ولا يترك للقارئ المعنيّ خيارًا سوى متابعة القصيدة والانخراط في انشغال الشاعر الذي ينعكس بشكل غامض على سطحها: «إلى تايمز سكوير، حيث الإشارة/ تنفخ الدخان فوق رأسي، وأعلى منها/ يتدفق الشلال قليلًا/ حيث يقف الزنجي في المدخل ومعه مسواك».

تحت سطح القصيدة

في كتابه «شعراء مدرسة نيويورك والطليعة الجديدة»، يجادل مارك سيلفربيرغ على نحو غير مقنع تمامًا بأن تقنية أوهارا في هذه القصيدة، أو «تسطيح أوهارا»، كما يسميها، «يمكن أن تكون مرتبطة بـ فكرة فريدريك جيمسون عن «تضاؤل التأثير» بوصفه سمة مركزية لما بعد الحداثة(31).

لا نرى أي «تسطيح» في هذه القصيدة، بل عملية جدلية. أولًا، نرى مجموعة متنوعة من المشاهد والأصوات والأنشطة اليومية التي تحتفي بالحياة في مدينة مفعمة بالحيوية (نيويورك). كما رأينا في المقطع الأول (سيارات الأجرة الملونة، كوكا- كولا، شوكولاتة مملحة، فتيات الكورس، جذوع متلألئة، شطائر، خوذات صفراء). وفي المقطع التالي تنتقل القصيدة إلى مشهد مختلف حيث «الإشارة/ تنفخ الدخان» فوق رأس الشاعر، و«الشلال ينسكب قليلًا» وهو ما يمثل تحضيرًا شعريًّا ونفسيًّا لحادث مأساوي لاحق وهو الموت. وهذا يتناقض على نحو حادّ مع الطاقة الاجتماعية للمدينة، كما جرى عكسها في المقاطع السابقة: «أولًا/ مات الأرنب ثم جون لاتوش/ ثم جاكسون بولوك». وهكذا تحولت مواد القصيدة تدريجيًّا، في هذه الحركة الجدلية، إلى مستوى أعلى. لقد أصبح الناس والمكان جزأين من «موقع» القصيدة، حيث ارتبطت الأشياء بأهميتها المادية والاجتماعية:

«النيون في وضح النهار متعة كبرى،/ كما قد يكتب أدوين ديندي،/ كالمصابيح في ضوء النهار،/ توقفت لتناول ساندويتش جبن/ عند مطعم «جولييت»، جولييتا ماسينا،/ زوجة فيدريكو فيلليني،/ ذلك من دواعي سروري البالغ،/ كما يفعل إدوين ديندي/ أكتب كما المصابيح في وضح النهار» (المختارات 109).

ومرة أخرى، لا نتفق مع بيرلوف التي ترى أن سطح هذه القصيدة، تحت تأثير جاكسون بولاك، يعمل هنا كمجال يمكن للطاقات الفيزيائية للفنان أن تعمل فيه من دون أي تأمل(32). صحيح أن هذه القصيدة، التي كتبت في اليوم التالي لجنازة بولاك، تبدو ظاهريًّا وكأنها قصيدة تسجيلية عن مدينة نيويورك بأشيائها، وساعة تناول طعام الغداء المبهجة، وأنشطتها وإيقاعها اليومي، وأنها مثال واضح على قصائد الشاعر في «قصائد الغداء»، ولكن تحت السطح، هي، وعلى الرغم من إيقاعها السريع، قصيدة تأمل، في كل من الحياة والموت. نحن نواجه فيها جانبين متناقضين ذهنيًّا وحسيًّا: الحياة بطبيعتها الزمنية الزائلة، والموت الذي يبدو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم، لكن الحياة تستمر، والأشياء «التافهة» تواصل وجودها، ونحن نعيش تجربة الشاعر من كلا الجانبين:

«أولًا/ مات باني،/ ثم جون لاتوتش،/ ثم جاكسون بولاك./ ولكن هل كانت الأرض، مثل الحياة،/ مليئة بهم؟/ واحد يأكل وآخر يمشي،/ يمر بالمجلات ذات الصور العارية،/ والملصقات الخاصة بمصارعة الثيران،/ ومستودع مانهاتن لخزن السلع،/ الذي سيهدم قريبًا/ كنت أظن أن هناك عرض «آرموري»/ كوبًا من عصير البابايا/ وأعود للعمل. إنها قصائد لبيير ريفيردي».


هوامش:

(1) Frank O’Hara, ‘Personism: Manifesto’, in Frank O’Hara: Selected Poems, ed. by Mark Ford (New York: Alfred A. Knopf, 2009), pp.247- 248 (p. 247).

(2) Marjorie Perloff, Frank O’Hara: Poet Among Painters 2nd edn (Chicago: University of Chicago, 1977), p. 137.

(3) Frank O’Hara, Selected Poems, p.21.

(4) Mark Tursi, ‘Interrogating Culture: Critical Hermeneutics in the Poetry of Frank O’Hara’ http://neiveroja.colostate.ed/ issue4/ohara.htm [accessed 21 December 2010.]

(5) Perloff, p. 14.

(6) Lytle Shaw, The poetic of Coterie (Iowa: University of Iowa Press, 2006), p.102.

(7) Frank O’Hara, ‘Personism: Manifesto’, p. 274.

(8) Mark Silverberg, The New York School Poets and the New- Avant – Garde( Ottawa: Cape Breton University, 2010), p.1001.

(9) Mark Tursi, ‘Interrogating Culture: Critical Hermeneutics in the Poetry of Frank O’Hara’, in <http://neiveroja.colostate.ed/10 tursi>{ accessed 8 November 2010}.

(10) Tursi, Neiveroja on Line.

(11) Tursi, Neiveroja on Line.

(12) Tursi, Neiveroja on Line.

(13) Perloff, p. 137.

(14) Geoff Ward, Statutes of Liberty: The New York School of Poets 2nd edn (London: Antony Rowe), p. 59.

(15) Perloff, p.9.

(15) William Corbett, ‘Personally: Joe LeSuer’s take on Frank O’Hara’, in book review, phoenix on line. Line<http://www.bostonphoenix.com/boston/arts/books/documents/03000473.htm> [accessed 21 December 2010).

(16) Corbett, book review, phoenix on line.

(17) Allen Ginsberg, qtd in Lytle Shaw, The poetic of Coterie (Iowa: University of Iowa Press, 2006), p.102.

(18) David Kanfmann, ‘ Frank O’ Hara ‘s Timind’ in http://jacketmagazine.com/37/kaufmann-ohara.shtml{ accessed 5 November 2010}.

(19) Victor Shklovsky, qtd in Perloff, Frank O’Hara: Poet Among Painters, p.19.

(20) Tursy, Neiveroja on Line.

(21) Andrew Gibson, ‘Larkin and Ordinaries’ in Critical Essays on Philip Larkin: The poems, ed. by Linda Cookson and Bryan Loughrey (London: Longman), pp. 9- 18. (p.9).

(22) Perloff, Frank O’Hara: Poet Among Painters, p. 30.

(23) : Maurice Merleau –Ponty, The Primacy of Perception, ed.by James M.Edie 2nd edn ( New York: Northwestern press, 1968), p.6.

(24) Merleau –Ponty, p.6.

(25) R.A. York, The poem as utterance (New York: Methuen, 1986), p. 1.

(26) Ian Davidson, ‘Nowhere Else- The Later Poems’ in The Salt Companion To Lee Harward (Cambridge: Salt Publishing 2007), pp. 195-206 (p. 200).

(27) Gibson, p.10.

(28) Hazel Smith, ‘ Hyperscapes in Poetry of Frank O’ Hara: Differences/ Homosexuality/ Topography in English illinois <htt://.edu/mapslpoets/m_r/ohara/painter.htm> {accessed 8 December 2010}.

(29) Ward, p. 59.

(30) Ward, p: 59.

(31) Silverberg, p. 103.

(32) perloff, 33.

الإبل في الثقافات: شراكة في الحضارة قفْ بالمطايا، وشمِّرْ من أزمَّتها باللهِ بالوجدِ بالتبريحِ يا حادي

الإبل في الثقافات: شراكة في الحضارة

قفْ بالمطايا، وشمِّرْ من أزمَّتها باللهِ بالوجدِ بالتبريحِ يا حادي

آفاق السنام الواحد

عهود منصور حجازي ناقدة سينمائية

منذ فجر التاريخ، كان إدراك الإنسان لتقاسمه الأرض مع كائنات أخرى، مثارًا لتساؤلاته، ودافعًا لمحاولاته لاستحداث الطرائق التي تعبّد الطريق إليها، أو تقطعه عنها، استغلالًا، ورحمة، ومنفعة، وفهمًا، ودفاعًا، واجتنابًا.

وقد عُدّ الإنسان «حيوانًا ناطقًا»، في الفلسفة القديمة، لتميزه عن الحيوان، وهو ما يعني أن الفروقات بين العالَمين كانت موضع البحث والتأمل. من ثمّ، خُصصت أعمال مطوّلة لدراسة الحيوانات، ومعرفة مزاياها وفصائلها وأنواعها، وكل ما يتعلق بها، منذ أرسطو في «تاريخ الحيوانات»، مرورًا بالجاحظ في موسوعته «الحيوان» حتى يومنا هذا.

ولعل علاقتنا بالحيوان علاقة معقدة؛ لأنها تُقاسمنا الأرض نفسها، ومع ذلك تحظى باستقلاليتها، وإدراكها، وقدراتها المختلفة، والمتباينة أيضًا. لذلك، قامت الدراسات المتخصصة في المجال، ونشط المؤلفون للكتابة، وشاركت الفنونُ الفلسفةَ الاهتمامَ؛ ليكون الحيوانُ جزءًا حيويًّا من تلك الفنون، التي أنطقت الحيوان، وقرّبته من إدراك البشر، وفتحت الباب بين العوالم، داعمة رؤاها بالخيال تارةً، وبالتوثيق تارات، فحركت في القلوب الشعور تجاه الكائنات التي لا تتكلم. ولا شك أن السينما على رأس تلك الفنون، ومن خلالها أمكن الدخول بأمان إلى ذلك العالم المجهول، وغزل حكايات قائمة على تقاسم الكوكب بين الكائنات الحية.

وعلى اعتبار أن اجتذاب المتلقي ركن رئيس في إنتاج الأفلام، عمد الصناع إلى استخدام الحيوان موضوعًا، من باب إضفاء الإثارة والمتعة، والحرص على إبقاء شعلة ذلك المتلقي متقدة، بامتداد فضوله وشغفه. وكلما تعقدت القصة، واستطاعت التأثير في شعوره، ارتفع منسوب الربح، ونال العمل الشهرة والمجد.

الحيوان بطل رئيس

بنظرة على الأفلام التي قدمتها السينما، على اعتبار أن العلاقة بين الإنسان والحيوان علاقة صداقة ومحبة، ومع الاعتماد على عنصر الخيال بشكل أساسي، نجد أن أفلام (والت ديزني) فتحت الباب على مصراعيه لاستنطاق الحيوانات وأنسنتها، وإلباسها العقل والتفكير. مِن هذه الأفلام، فِلم «سندريلا» من إخراج كنيث براناغ، القصة المعروفة للفتاة المسحوقة التي تعشق أميرًا، فتهبّ لنجدتها الفئران والطيور، بمعية واحدة من الساحرات، محوّلةً الأسمال البالية إلى فستان أنيق، مع مشاهد خلابة للمرح والرقص والموسيقا، لتذهب سندريلا إلى الحفل، وتفوز بالأمير في النهاية.

وإذا ما استطردنا في ضرب الأمثلة السينمائية عن علاقة الصداقة التي تجمعنا بالحيوانات، فإن فِلم ماوكلي «كتاب الأدغال»، من إخراج جون فافريو، خير مثال على ذلك. فقد نشأ في الغابة، وتربى بين القطعان والأسراب. وإن كان لهذه القصة جذور تاريخية، إلا أن تناولها في الفِلم نقلها إلى مستوى مختلف من التعاطف مع الحيوانات التي أحاطت الفتى بعنايتها، وقدمت له الأمان، وأهدته العائلة والأصدقاء، كما أنها كانت حصنه الحصين وحامي حماه. وعلى الجانب الآخر، أبرز الفِلم الجانب الوحشي في عالم الحيوان، ذلك الجانب الذي لا يمكن مصادقته وليس بالإمكان مهادنته، ويُرفع فيه شعار البقاء للأقوى.

وإذا ما ابتعدنا من العالم الخيالي في أفلام ديزني إلى علاقة مختلفة مع الحيوان، تتمثل في كسب ودّه، رغبةً في تحقيق المصالح المشتركة. مثل فِلم «ألفا» لألبرت هيوز، الذي يبدأ بصراعٍ دراميّ مع الذئب، إلا أن تطور الحدث، يحول مفاهيم المواجهة إلى عقد أمانٍ ضمني بين الرجل والذئب، من أجل الخروج من المواقف الصعبة المشتركة معًا.

ومع اعتبار كفة الحيوان راجحة في اجتذاب تفاعل الجماهير، اتخذت بعض الأفلام من الحيوان بطلها الرئيس، جاعلة منه بطلًا نبيلًا كما في فِلم «هاتشي: حكاية كلب» للمخرج لاسي هالستروم، الذي يروي حكاية الكلب (هاتشي) الوفي مع الرجل الذي اعتنى به ورباه منذ طفولته، ليُشاهَد بعد وفاته كل يوم، وعلى مدى عشرة أعوام، أمام باب محطة القطار، منتظرًا صاحبه على أمل العودة. ومنها ما عدت الحيوان بطلًا شريرًا وعدوًّا صريحًا، مثل سلسلة أفلام (جوراسيك بارك)، من إخراج ستيفن سبيلبرج، التي تدور أحداثها داخل حديقة الديناصورات المتحررة من سيطرة الإنسان، والخارجة عن تحكمه، لتنقلب عليه، وتخطف أحبابه، وتدمر حياته. وكذلك فِلم «الفكين» لسبيلبرج أيضًا، الذي يبرز وحشية سمك القرش اللامتناهية، وانعدام التفاهم بينه وبين بني البشر، بتصوير مشاهد مثيرة للرعب، تجسدها الملاحقات، وافتراس الأحياء، وانخفاض فرص النجاة.

من صور الإبل في السينما

ومع اختلاف الزوايا التي تناولتها الأفلام عن الحيوان، يجدر انتقاء الإطار الذي تناول حيوان (الإبل) على وجه الخصوص. وذلك بمناسبة تسمية هذا العام بـ(عام الإبل) في المملكة العربية السعودية؛ لكونه واحدًا من أهم مكوّنات البيئة الصحراوية، بل يعد أيقونة لها، ويمتاز وجوده فيها بعلاقة وثيقة بينه وبين سكانها، جعلته ذا قيمة أعلى فيها، وأكثر حظًّا من بقية الحيوانات. إضافة إلى ذلك، فإن سلوك هذا الحيوان على وجه الخصوص، ومزاياه الفائقة في التكيّف والاحتمال، جعلت منه مادة جاذبة لصناع السينما، وللجمهور المتعطش للغريب والمألوف، على حدٍّ سواء.

ولعل البداية من الأفلام العالمية التي كانت فيها الإبل موضع اهتمام الإنسان، واستدرار رحمته، وتجييش خبرته من أجل بقائها. مِن هذه الأفلام «قصة الجمل الباكي» من إخراج بيامباسورين دافا ولويجي فالورني. وهي قصة درامية وثائقية يتدخل فيها الإنسان في حياة الحيوان، محاولًا مد يد العون له؛ لتسهيل حياته. هي قصة الناقة التي وضعت صغيرها، ورفضت إرضاعه، وهو ما اضطر البشر إلى إقامة الطقوس، وعزف الموسيقا، رغبة في إيقاظ غريزة الأمومة لديها، وتحريك مشاعرها تجاه الصغير الجديد. ثم تحدث المعجزة، وتتأثر الناقة بالمحاولات البشرية المتواصلة، ذارفة دموعها، ومقبلة على وليدها لإرضاعه.

وإن شئنا التمثيل على اتخاذ الإبل مفخرة لسكان الصحراء، ورمزًا شديد الالتصاق بها، فخير مثال على ذلك فِلم «لورنس العرب»، إخراج ديفيد لين، الذي لا يخطر على البال إلا وتنبثق معه صور الإبل في إطاراتها المتعددة داخل الأحداث. حيث تظهر القوافل بمعية الإبل بأعداد كبيرة، تعتلي بعضها الهوادج، ويتزيّا بعضها بأردية ملونة، حمراء وزرقاء وبنفسجية. وقد وُظِّفتْ في التنقل والحروب وإظهار القوة والتواصل الشعوري بينها وبين البشر. ويظهر من خلال الفِلم معرفة البدو الواسعة في التعامل مع الإبل، وقدرتهم الفطرية على توجيهها والسيطرة عليها.

وإذا ما اقتربنا من عالم الكوميديا، وجدنا أن الجمَل كان بطلًا مُشارِكًا في رحلة مُحاكية لاستكشاف أستراليا، من جنوبها إلى شمالها، سيرًا على الأقدام، في رحلة محكوم عليها بالفشل. وذلك في الفِلم الكوميدي «Wills & Burke» للمخرج بوب ويس، الذي ظهر الجمَل فيه على بوستر دعايته، متوسطًا بين البطلين البشريين.

وإن كانت الأفلام الناطقة بالإنجليزية قد وظفت الإبل، واستفادت من تطعيمه مادتها لاجتذاب روّادها، فقد فعّلت السينما العربية دور الإبل باحترافية، مستمدة ثقتها من الشعور الجمعي العربي، ذلك الشعور المستند في الدرجة الأولى من كون (الناقة) حيوانًا معجزًا في قصص الأنبياء عليهم السلام، إضافة إلى دعوة القرآن الكريم للتأمل في خَلقها على وجه الخصوص، ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، وكونها الحيوان الذي اعتاش العرب على لحومه وألبانه، «والتداوي بأبواله»، والتفاخر بكثرته. وفي فِلم «ذيب» من تأليف وإخراج ناجي أبو نوار، مثالٌ على ذلك. حيث برزت الإبل بصورة أساسية في المشهد الصحراوي لوادي (رُم) الذي يحاول الفتى ذيب النجاة منه والفرار بحياته.

من جانب آخر، عُدّت الناقة امتدادًا للشخصية العربية في الجاهلية، حيث كانت حاضرة في الشعر القديم بمستوى تعالقها مع تلك الشخصية، مشكّلة هيمنةً كُبرى، ذات دلالات رمزية، متصلة بقضايا الوجود والمصير. ولو أردنا فهم القيمة المعنوية للناقة في حياة العربي، يكفينا الاستعانة بفِلم «الرسالة» التاريخي الملحميّ، من إخراج مصطفى العقاد، الذي ظهرت فيه الإبل بدلالة مقدسة، حيث برز مشهد مشي الناقة البيضاء، حاملة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند دخوله المدينة المنورة، واستقبال الأنصار له، مرحّبين، ومتنافسين على شرف ضيافته. حين أمرهم بترك الناقة لتختار مكانها بنفسها: «خلّوا سبيل الناقة، فإنها مأمورة»، وحين توقفت الناقة، بُني مكان وقوفها بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومسجده.

الإبل في السينما السعودية

وإذا سلطنا الضوء على مساهمة السينما السعودية على وجه الخصوص في إثراء مادة الإبل؛ فسوف نجد لتلك المساهمة نصيبًا بارزًا بين الأفلام العربية والعالمية. منها ما عُرض في المهرجانات السعودية عرضًا أوليًّا، ومنها ما نُشر على نطاقٍ أكثر تداولًا، وأتيح للمشاهدة في صالات العرض السينمائية. وللتنويه، فإن مدلول (السينما السعودية) في هذا المقال يشمل الأفلام التي كان مُخرجها سعوديًّا، أو موّلتها جهات سعودية، وكذلك التي صُوّرت في السعودية، أو اتخذت من الثقافة السعودية أو أحد مكوّناتها مادة أساسية لها. ويمكن تقسيم هذه الأفلام إلى قسمين: قسم كان في استعانته بالإبل تحريكٌ للمَشهد، أو تتميم للحدث، ولا تستحوذ الإبل فيها على النصيب الأكبر. أما القسم الثاني فاتخذ من الإبل مادته الأساسية، التي هي أسّ الفِلم، أو جعله بطلًا أساسيًّا من أبطاله.

أما أفلام القسم الأول، فيمثَّل لها بالفِلم الوثائقي «درب زبيدة» للمخرجة دنيا العطوة. مصورًا أهمية الإبل في قطع ذلك الدرب، جنبًا إلى جنب مع وسائل نقل أخرى، كالخيل والدراجات الهوائية والمشي على الأقدام. مبرزًا قدرة الإبل على التحمل، والإشارة إلى زيادة لياقتها اطرادًا مع زيادة المسافة، وتناغمها مع راكبها، وفهمها له، وتأثرها بصوته. وليس بعيدًا منه فِلم «أصوات العُلا» للمخرجة ميتوشكا ألكوفا، المصوَّر في صحراء مدينة العلا السعودية، مستعرضًا لمحات من العيش مع الإبل جنبًا إلى جنب، وعدّها مساهمًا في بناء الحضارة، وعمودًا أساسيًّا من أعمدة الرفاه والبقاء.

بالانتقال إلى القسم الثاني، يمكن التمثيل له بثلاثة أفلام، تناول كل منها الإبل من زاوية مختلفة. أولها الوثائقي «حادي العيس» من إخراج عبدالله سحرتي، الذي حمل المشاهدين إلى رحلة عاطفية لحُدَاء الإبل -بمعنى أغانيها- مستعينًا بعنوان القصيدة الغزلية المنسوبة للشريف الرضي -التي جاء في مطلعها «يا حادي العيس عرّج بي على الدّمنِ، فكمْ لنا عندهنّ اليوم مِن شجنِ»- المعبّرة عن ألم الفراق، ووجع الفقد بين الشاعر وحبيبته، ليكون هذا الحُدَاء واسطة الفِلم للتوغل في عالم الإبل، وارتباط البشر بها ارتباطًا لا يخلو من التزام وشغف.

يحاول الفِلم الإجابة عن معظم التساؤلات التي قد تطرأ على الذهن حول هذا الحيوان المحوريّ في الثقافة العربية، فيذكر سبب تسميته بسفينة الصحراء، كونه اقترن بالفلك في القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)، معرّجًا على فصائله وأنواعه وألوانه، ومذكّرًا بفضائل الإبل وارتباطها بعلاقة تبادلية مع الإنسان، فهي تحب مَن يحبها، وتعرفه، وتستقبله حين يُقبل عليها، وهو يبادلها الأُلفة، فيُسمّي نياقه، ويتباهى بمعرفة أمهاتها وجدّاتها. كما يسلط الضوء على أهمية (الحادي) أي المغنّي لهذه (العيس) حيث لا بد من وجوده لقطيع الإبل طوال مسيرها؛ لأنها حيوانات ذوّاقة، تميّز الصوت الحسن من القبيح، وكلما كان الصوت شجيًّا، نشطت في سيرها، وأقبلتْ على الأكل والشرب، وبانت عليها أمارات الأنس والبهجة.

الناقة في فِلمين سعوديين

وإذا ما انتقلنا إلى فِلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، نجدنا أمام حكاية اجتماعية، تدخل فيها الناقة دخولًا جدليًّا، بدءًا من عنوان الفِلم، ودعايته المصوّرة، والأحداث التي مرت ببطلة القصة (سارة) التي تعيش في نطاق اجتماعي متشدد، بينما تحمل في داخلها الشخصية الراغبة في كسر العادات والانتقام من المحيط. فتخادع والدها للقاء صديقها (سعد) الذي يواعدها في الصحراء، لكنهما يصطدمان بناقة حُبلى، على وشك الولادة. يُلحظ سعى الناقة للانتقام، وسعي سارة نفسها للتمرد، كأن الناقة صورة موازية، أُسقطت عليها رغبات سارة نفسها، وحُمّلتْ غضبها ورغبتها في كسر القيد والفتك بالآخر المعتدي. وإن بدا الأمر محاطًا بالخوف كما يظهر عند (سارة) لكنه مدفوع بالغريزة الوحشية عند الناقة الأم. هذا الفِلم اختار أن يصوّر الإبل من ناحيةٍ لم تُطرق في الأفلام التي سبقته، فقد اعتبر الناقة عدوًّا، حافزًا لترقّب المُشاهد؛ كي يعرف المترتّب على ملاحقتها لمن ينالها بالأذى.

أما الفِلم الأخير الذي سيُختم به المقال، فهو الفِلم الروائي الذي نال العديد من الجوائز، وعُرض في السينما العالمية، مختطفًا إعجاب الجماهير، ومنتصرًا للعلاقة الإنسانية بين الإنسان والحيوان، وهو فِلم «هجان» للمخرج أبي بكر شوقي.

يمكن سرد قصة الفِلم باختصار بأنها حكاية الصبيّ (مطر) الذي يخوض معركة (حياتية) تفوق عمره الصغير، من أجل الانتقام لمقتل أخيه (غانم) والحفاظ على ناقته المحبوبة (حفيرة). لكنّ وصف الفِلم بهذا الاختصار مجحف في حقه، فدور الناقة (حفيرة) كان دور البطولة، جنبًا إلى جنب مع الفتى الصغير، ومن دون إغفال للأدوار المهمة الأساسية الأخرى، كدور الشرير (جاسر) الذي لا تتوقف محاولاته عن قطع الحبل بين الناقة وصاحبها، مرتكبًا أفعالًا مشينة، وأدوار الفتية سائقي الإبل -الهجانين- مسلوبي الحَوْل، والدور البارز لزوجة الشرير الماكرة وابنتها، التي تكون سببًا في التخلص من زوج أمها لاحقًا. لكن اللافت في هذا الفِلم هو المحبة الغامرة التي حملها الفتى (مطر) لناقته، واستماتته في الحفاظ على بقائها، وارتباط حياته بحياتها. ما يعيدنا إلى الوعي الجمعي للعربي القديم الذي يرى في الناقة امتدادًا لحياته.

تجدر الإشارة إلى القبول الواسع الذي تلقى به الجمهور قصة الهجان، متمثلًا في التفاعل الحي مع الأحداث في صالات السينما، ومتنوعًا في التعبير، بين التصفيق والهتاف، وكذلك في التعليق والضحك والبكاء في مواضع متعددة.

يخلص المقال إلى أن تناول الحيوان في الأفلام السينمائية له دور مؤثر في حَفْزِ المشاعر الإنسانية، متمثلة في التعاطف والغضب والحب والخوف. وهو ما ينعكس بالضرورة على صناعة الأفلام وإذكاء تنافسها، ودعم إيراداتها، من خلال ارتفاع منسوب الطلب على الأفلام التي نالت جماهيرية واسعة. وفيه دعوة إلى تسليط الضوء على العلاقة بين البشر والحيوان، وتحليل تلك العلاقة دراميًّا، والسعي إلى تقديم مادة غنيّة قوامها الاهتمام بالابتكار، والحرص على كسر آفاق التوقع لدى المتلقين، وهو ما يمنح العمل قيمة عليا، ويحدو به إلى مصافّ الخلود.


الإبل وعلاقتها بالبيئة البدوية في الكتابات المسمارية

قصي منصور التركي أكاديمي سعودي

شيء عن مفردة عرب        وارتباطها ببيئة الإبل

يرى المتخصصون في الآثار واللغات القديمة أن كلمة العرب مفردة مرتبطة بالبيئة والتغير المناخي. الكلمة مأخوذة من مادة «عرب» بمعنى «محل» أو «جدب» لكنها، بهذا المعنى في اللغة العربية، ماتت ولم تعد تستعمل إلا قليلًا في اللغات الجزرية المتأخرة نسبيًّا كالبابلية والآرامية والعبرية(1).

والإبل من أكثر الحيوانات ملاءمة للعيش في الصحراء من خلال تناول ما توفره البيئة المحيطة من غذاء مع شح المياه. ومن المكتشفات الحديثة من النقوش الثمودية المرافقة لرسوم صخرية في عموم المملكة العربية السعودية، اخترنا مشهدًا لامرأة تدعى «ملحة»، تلك المرأة التي كانت تملك الإبل وترعاها في مشهد جميل ومهيب (ينطر صورة الرسم الصخري رقم ١). يظهر في الرسم «ملحة» وهي تقف بين نوقها برشاقة جسمها وحركتها التي تتناغم مع القوس الذي تحمله، وهي تحاول صيد النعام. ومن خلال حروف النقش الستة، وبكل وضوح هي حروف ثمودية، تحمل اسم «ملحة»، وقراءة هذه الحروف هي «ل م ل ح ت» (لملحة) (ينظر صورة تفريغ النقش، صورة رقم ١-١)، وحرف اللام هنا يشير إلى العائدية والملكية.

بعض المفردات المرتبطة بالإبل في الكتابات المسمارية

نعود إلى أصول المفردات اللغوية العربية الفصيحة التي نستعملها اليوم، متأصلة لفظًا ومعنى في لغات ولهجات قديمة نشأت وترعرعت في أرض الجزيرة العربية واحتضنها وتحدث لها بكل اعتزاز إنسان الإبل في البوادي حيث البيئة الصحراوية. وسنبدأ بالإشارة إليها -ومدى ارتباطها كبيئة استيطان وعيش- بلفظ العرب، ثم سنعرج على أهم المفردات المرتبطة بحياة سكان الإبل.

اسم العرب المرتبط ببيئة الإبل في أقدم المدونات اللغوية من الألف الثالث قبل الميلاد

تخبرنا الكتابات المسمارية أن العلامة الصورية السومرية بلفظ «دُل.دو / تل» «DUL-DU / TUL» (ينظر صورة رقم -٢) التي يقابلها في اللغة الأكدية الجزرية اللفظ «تِلُّ» (tillu) الذي يترجم إلى «تَل» أو كومة أو كدس، كما تقرأ قراءة أخرى باللغة نفسها وبالخط المسماري، بلفظ «أرَدو/ عَرَدُ» (arādu)،(2) التي هي مفردة متطابقة مع لفظة علامتها المسمارية تقرأ «علوّ» (elû) الأكدية التي تعني ارتفاع، أي علوّ، علمًا أن صوت حرف «E» اللاتيني هو صوت حرف العين في اللغة الأكدية بلهجاتها البابلية والآشورية(3). ولو جاز لنا إبدال حرف الدال باء لأصبحت المفردة تتطابق تمامًا مع مفردة «عَرَب». ويوجد لفظ ثالث لهذه العلامة الصورية من نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، وهو لفظ «إردو» «eredu» التي تترجم إلى «نُزُل» أو «ينحدر من» التي ترد كثيرًا في كتابات الفأل(4).

وإذا أردنا أن نقرّب المعنى أكثر فإنه يعطينا صفة النزول، أي الساكن في المنزل وتحديدًا في الخيام ومفردها خيمة (ينظر صورة رقم ٢)، والشكل الصوري للمفردة يشير بكل وضوح إلى الخيمة. ولا بد أن للإبل الدور الكبير في صناعة أهم المواد الأساسية للخيمة العربية؛ إذ يستخدم وبر الإبل كثيرًا في مستلزمات صناعة الخيمة العربية في الصحراء.

ومن السياق نفسه الخاص بسكن العرب، استخدمت الكتابات المسمارية الآشورية اللفظ «عربوتي» (arbuti) للإشارة إلى الأرض التي يسكنها أناس دون بيوت مشيدة مسكونة بشكل دائم ولا طابوق بناء لديهم وأرضهم غير مزروعة، وذلك في النص الآتي:(5)

Itāt idiqlat ina nam ugarī ar-bu-ti ašar bītu u šubtu la bašu tīlu u epperu la šapkuma libittu la nadātu

وترجمة النص: (قمت ببناء مدينة آشور) على ضفاف نهر دجلة في المروج والحقول غير المزروعة، حيث لم يكن هناك منزل أو مسكن (دائم) ولا أنقاض، ولا يوجد طابوق بناء على الإطلاق.

ولدينا في المصادر المسمارية الآشورية إشارات واضحة كتابية ومادية تتمثل في المنحوتات الجدارية الآشورية. على سبيل المثال للملكة العربية «عدية» (Adiâ)، وأرجّح أنها مؤنث الاسم العربي المشهور «عَدي»، التي عاصرت حقبة حكم «الملك آشور بانيبال» (668-626 ق.م)، وذكر أنها ملكة العرب ولديها شعب، وكانت تتصف بالقوة والشأن، وأنها هي وشعبها يسكنون الخيام التي أحرقها بعد أن قبض عليها وهي على قيد الحياة وترجمة النص الآتي:

«أنا آشور بانيبال»، ملك آشور، عدية، ملكة العرب…، ألقي القبض عليها … عدية، ملكة العرب، ذبحت شعبها وأحرقت خيمتها وألقيت القبض عليها حية»(6).

وتجدر الإشارة إلى أن الملك «آشور بانيبال»، قد ترك نحتًا بحادثة حرق خيام بلاد ملكة العرب في أحد منحوتاته التي تظهر النار مشتعلة في مجموعة من الخيام.(7) (ينظر صورة رقم ٣).

مفردة الإبل والجمل والناقة في المصادر المسمارية

ورد في النصوص الأكدية ما يدل على أن الأكديين عرفوا الإبل، من خلال مفردتين: الأولى باسم «گ/جمَّلُ» (gammalu) والثانية بصيغة «إبلُ» (ibilu)(8) وهنا نجد التطابق التام، في اللفظ والمعنى، مع اللغة العربية. وكذلك نجد التطابق في رسم صورة رأس لحيوان من المرحلة الصورية من نهاية الألف الرابع، الذي يشبه رأس الجمل (ينظر الصورة رقم 4). ثم بكل وضوح في حقب لاحقة، منذ مطلع الألفية الثانية ق.م. وفي المدة المعروفة بالعهد البابلي القديم، ظهرت التسمية الوصفية للإبل في معجم لغوي قديم وضعه كتّاب بلاد الرافدين القدامى للتعريف بالمفردات والأفعال السومرية وما يقابلها في الأكدية، فجاءت التسمية الخاصة بالإبل، في اللغة الأكدية بثلاثة مقاطع صوتية، وبصيغة «إبِلُ» وبلفظ ومعنى يتطابق مع «الإبل»، وهي الصيغة المعروفة في اللغة العربية للجمع. كما تأتي بالأكدية بلفظ «جمّلُ» التي تقابل الاسم السومري «أنشي جمّلو» (ANŠE-GAM-MAL) وهي اللفظة العربية نفسها لصيغة الجمل، مع إضافة السابقة الخاصة بحيوانات الركوب في اللغة السومرية وهي «أنشي»(9). أما اللفظ الثالث، فيساعدنا في فهمه أن نعود إلى الشكل الصوري في مجموعة العلامة الصورية للفظ «أنشي»، حيث نجد من ألفاظها الأخرى المفردة «شآروّ» (šārû) التي من معانيها «جمل بسنام واحد»، أما الشكل الصوري لهذه العلامة المسمارية الصورية، فربما يوحي إلى رأس الجمل (ينظر الصورة رقم ٤)، وإن صح ذلك فهذا دليل على أن الجمل العربي ذو السنام الواحد عُرف في الكتابات الصورية منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد.

وعند البحث في صيغة الفعل لاسم الإبل، فإنه بصفة عامة، نجد لفظة إبل لها علاقة بجذر الفعل الأكدي «أبلو» abālu وكذلك «وبلو» wabālu ومعناهما «ينقل- يجلب- يحمل»، واسم الفاعل منه «آبيلُ» ābilu، أي الحامل والناقل(10). ومنذ عصور قديمة إلى يومنا هذا، فإن الجمال مرتبطة بالنقل والحمل، ومن الأرجح أن تكون إحدى المفردتين أساسًا للأخرى، وعلى أية حال فهي من الكلمات العربية الأصيلة.

أما فيما يخص تاريخ تدجين الإبل فالدراسات القديمة ترجع حقبة تدجينها الأولى إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وهذا ما لا نتفق معه على الإطلاق؛ لأن المكتشفات الحديثة والأدلة الميدانية للرسوم الصخرية أو المجسمات للإبل، تشير إلى أن الإنسان في الجزيرة العربية قد تعايش وخبر الإبل منذ الألف السادس قبل الميلاد، وربما قبل ذلك، وفقًا لدراسة قام بها فريق سعودي عالمي مشترك في موقع منحوتات الجمال في قلب واحة «سكاكا» بمنطقة الجوف، حيث ضم الموقع 21 نحتًا مجسمًا لجمال بالحجم الطبيعي.(11)

ولا بد أن يكون للناقة شيء مما عرضنا له عن اسم الإبل، فالناقة في اللغات القديمة ترد في المدونات الآشورية من القرن الثامن قبل الميلاد بصيغة «أناقاتي» (anaqate)، وهي صيغة جمع المؤنث السالم في اللغة الأكدية، إذًا لفظة «ناقة» في اللغات القديمة جاءت كتسمية لأنثى الجمل باسم «أناقة» (anaqate) منذ العهد الآشوري الوسيط والحديث،(12) بيد أن تكرار ذكر الاسم الدال على سفينة الصحراء التي يعرفها الجميع اليوم، كان من نصيب الجمل، الذي ذكرته المصادر المسمارية صراحة ضمن نصوصها منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد ولا سيما في أخبار الملك «شيلمنصر الثالث» في حملته على دويلات الشام في معركة القرقار سنة 853 قبل الميلاد(13). إذ يرد ذكر ملك بلاد العرب واسمه «جنديبو» (Gindibu) أو «جندب»، وأنه كان على رأس 1000 جمل تعود إلى بلاد العرب(14)، وقراءة وترجمة السطر هي(15):

I LIM ANŠE gam- ma- lu ša mgi-in-di-bu-u KUR ar-ba-a-a

«ألف جمل عائدة إلى جنديبو ملك بلاد العرب».

وفي لغات جزرية (سامية) أخرى من غير الأكدية والعبرية، ترد لفظة الجمل في آرامية المملكة النبطية والتدمرية(16)، والسريانية الفصحى(17)، واللهجات العربية القديمة مثل: اللحيانية، والصفوية، والثمودية، والسبئية(18).

أما لفظة «البعير» فتطلق على الجمل أيضًا في العربية الجنوبية والسريانية والآرامية والإثيوبية، وتستعمل العبرية لفظة «البعير» لحيوان الجمل عمومًا(19). كما أن الاستعمال القرآني للبعير يحدده بالحمل أيضًا. قال تعالى: (وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) (سورة يوسف، آية:72)، وتذكر المصادر اللغوية الخاصة بالتفسير أن اللفظ «كيل بعير» الوارد في سورة يوسف الآية 65، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ  ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، بمعنى «كيل حمار»، وأن البعير في اللغة العبرانية «كل ما يحمل عليه».(20)

الصحراء بيئة الإبل

الصحراء هي أول ما يمكن أن يكون له علاقة ببيئة الإبل، ففي لسان العرب ترد البادية كاسم لأرض لا حَضر فيها، وإذا خرج الناس من الحضر إلى المراعي في الصحارى قيل: قد بَدوا، والاسم البدو. كما توصف الصحراء بأنها الفضاء الواسع الذي لا نبات فيه، وجمعها صحارٍ وصحارى وصحراوات.(21) وفي أقدم اللغات الجزرية وهي الأكدية نجد لفظة «صيرُ» (Şēru) بمعنى السهل والصحراء، والرجل الذي يعيش في الصحراء يسمى برجل الصحراء أو رجل الأرض المفتوحة(22). وهنا اللفظة خالية من حرف الحاء؛ لأن الأصوات الحلقية (الهاء والحاء والعين) قد فقدتها الأكدية، إلا أنها احتفظت بالهمزة في بعض الكلمات أو فقدتها كليًّا، وفي بعض الأحيان يطرأ عليها تغيير صوتي في كلمات أخرى.

وفي العبرية نجد الأصل «صحراء» بمعنى اللون المائل للحمرة أو الأسمر المصفرّ، ومن المحتمل أن يكون لهذا الأصل علاقة بلون رمال الصحراء، وفي اللغة الأكدية قرب كبير وشبه في اللفظ بين الصحراء والأفعى التي يحتمل أنها شوهدت لأول مرة في الصحراء، فأخذت اسمها «صيرُ» الذي يلفظ (Şēru)،(23) واللفظ قريب من لفظ «الصّلّ» بإبدال حرف الراء لامًا، وهو صغير الأفعى، ويتوضح المعنى من خلال الرسم الصوري لشكل الأفعى منذ أواخر الألف الرابع قبل الميلاد في بلاد الرافدين (ينظر الصورة رقم ٥).(24)


الإبل في شبه الجزيرة العربية

وبلاد الشرق الأدنى القديم

  

حمد بن صراي أكاديمي إماراتي

شاع استعمال الإبل على نطاق واسع سواء في بلاد الشرق الأدنى. كما شاع استخدام مفردَتَي: «جمل» و «إبل» في شتّى اللغات السامية مع اختلاف كلّ منها في استعمال الجذر الخاصّ بها. مِن المحتمل أنّ استئناس الإبل قد بدأ في شبه الجزيرة العربية. وقد اختلفت الآراء حول متى كانت بداية استئناس الجمل، فقيل: إنّها كانت قبل عام 2000ق.م. وقيل: في بداية الألف الرابع ق.م. أو خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م. ولكنّها اتّفقت أنّ ذلك كان في حقبة قديمة جدًّا. ومِن شبه الجزيرة العربية انتقلت الجمال المستأنسة إلى فلسطين وسوريا وبلاد الرافدين وعموم بلاد الشرق الأدنى، ثمّ انتشر استعمال الإبل في أجزاء واسعة مِن إفريقيا. وعُثر على عظام الجمال في العديد مِن مواقع العصور الحجرية الوسيطة والحديثة.

الإبل في التراث الديني والأدبي

ذُكر الجمل في مواضع عدّة مِن العهد القديم، مِنها أنّ ملك مصر صنع إلى أبرام (إبراهيم عليه السلام) خيرًا… وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتُن وجمال. ولمّا أتت ملكةُ سبأ سليمانَ، عليه السلام، كانت في «موكب عظيم جدًّا بجِمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًّا وحجارة كريمة.» أمّا في القرآن الكريم فيرد ذِكر الإبل في سورة الأنعام، الآية: 144، وفي سورة الغاشية، الآية: 17. وتكررت في القرآن الكريم الإشارات إلى ناقة صالح، عليه السلام، في عددٍ من السور. ويرد أيضًا ذِكر الجمل في سورة الأعراف، الآية: 40. وورد جمع الجمع وهي «جمالات» في الآية: 33 من سورة المرسلات. وتوجد في القرآن الكريم أيضًا لفظة «البدن» للدلالة على الإبل في الآية: 36 من سورة الحج. وفي موضعين مِن القرآن الكريم وردت لفظة «بعير» في سورة يوسف، في الآيتين: 65، و72.

وفي السيرة النبوية اشتهرت ناقة النبي، صلى الله عليه وسلم، المعروفة بالقصواء والجدعاء والعضباء وهي الناقة التي هاجر عليها. وكان له جمل أحمر يدعى الثعلب، وهو الذي أركب عليه خراش بن أميّة الخزاعي وأرسله إلى مكة أيّام الحديبية فاعتدى عليه المشركون وعقروا الجمل.

وتزخر اللغة العربية عمومًا بالمصطلحات والعبارات التي تصف الجمل وطبيعته وحياته وشكله وعاداته ومراحل نموّه المختلفة. وقد تعدّدت وتنوّعت الكلمات التي تتعلّق بالجمل وتصف شكله وخلقته. كما تنوّعت أسماء الإبل بحسب السنّ والعمر، والقوّة واللون، والعمل والمهمة، وبحسب جماعات الإبل.

الإبل في التاريخ والآثار

استُخدِمت الجمال في النقل البرّي في منطقة شاسعة مِن بلاد الشرق الأدنى القديم حيث نقلت أنواعًا مختلفة مِن السلع والبضائع مِن جنوب شبه الجزيرة العربية وظفار، ومِن الهند عبر موانئ الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية. وكان يوجد عدد مِن الطرق البرّيّة الرئيسة التي كانت تسلكها القوافل محمّلة بالسلع والبضائع. وفي خارج شبه الجزيرة العربية تؤكّد الأدلّة الأثريّة والكتابية والتصويرية على استخدام الجمال في بلاد الشرق الأدنى القديم في عصور متعدّدة، ومِن هذه الدلائل:

عُثر على عظام جمال وتماثيل صغيرة لجمال في مصر وأشكال رؤوس حيوانات مصنوعة مِن الفخار يبدو أنّها لجمال، وتؤرّخ بفترات زمنية مختلفة تمتدّ من العصر الحجري الحديث إلى عصر البرونز المتأخّر (عهد الأسرة الثامنة عشر). وفي عدد مِن المواقع الأثريّة في بلاد الرافدين والمؤرّخة بحِقَب زمنية مختلفة التُقِطت مجموعة مِن تماثيل الجمال المصنوعة مِن مواد متعدّدة مثل تمثال الطين مِن مدينة أور وآخر مِن مدينة أوروك، ويعود إلى حقبة العبيد (نحو الألف الخامس أو الأف الرابع ق.م.). وتمثال آخر على شكل جمل كان يستعمل كتميمة مِن مدينة لاجاش.

وفي أثناء الحِقْبة الآشورية دلّت النصوص والرسومات على معرفة الآشوريين بالجمل. بل إنّ ما خلّفه الآشوريون مِن صور وكتابات ورسومات يُعَدّ أكثر ما وصلنا مِن دلائل عن الإبل في بلاد الرافدين. كما دلّت على استخدامه في مهام متنوّعة. وبخاصة في عهود الملوك: شلمنصر الثالث (860- 825 ق.م.) وتيجلات بلاسر الثالث (744- 727 ق.م.) وسرجون الثاني (721- 705 ق.م.) وفي سوريا تتعدّد الآثار والكتابات والرسومات الدالّة على وجود الجِمال واستخداماتها؛ فقد وردت في أحد نصوص موقع آلالاخ (تل عطشانة في شمال سوريا، الألف الثاني ق.م.) قائمة بأنواع متعدّدة مِن الحيوانات والسلع والمؤن كان مِن ضمنها «مكيال واحد للجمل». وفي تل حلف بشمال سوريا أيضًا عُثر على نحت لرجل ممتطٍ جمل، يؤرّخ بعام 900 ق.م. ومجوعة مِن العظام في تل جمة بفلسطين تؤرّخ بنحو القرن الثامن أو السابع ق.م.

كما انتشرت الإبل العربية في الهضبة الإيرانية منذ نحو القرن الثامن ق.م. إذ استخدم الفرس الجمال في الحروب والتجارة وصوّروها على حيطان العاصمة، بريسيبوليس. واستعان الملك الإسكندر الثالث (الكبير) بالجِمال في رحلته إلى معبد الإله آمون في واحة سيوه، قاطعًا بها الصحراء في عام 332 ق.م. كما استعان الملك السلوقي أنطيوخوس الثالث (الكبير) بالجِمال لحمل المُؤَن والأَزْواد والماء في موقعة مجنيسيا بآسيا الصغرى، مع الرومان في عام 189 ق.م. ونشأت في بلاد الشرق الأدنى عدد مِن مدن القوافل التي اعتمدت بصورة كبيرة على التجارة والطرق التجاريّة البرّيّة مثل مدينَتَي البتراء وتدمر.

أمّا الأدلّة الأثريّة التي تؤكّد وجود الإبل في شبه الجزيرة العربية منذ القدم فهي متعدّدة، مِنها:

في جزيرة أم النار (الألف الثالث ق.م.) بدولة الإمارات عُثر على رسم لجمل على حجر ضمن الجدار الدائري للقبر 3 في الجزيرة. وفي أمّ النار أيضًا عثر المنقّبون على كميات كبيرة مِن العظام، تمثّل عظام الجمال النسبة الكبرى مِنها. وفي دولة الإمارات أيضًا عثر المنقّبون على مجموعة مِن عظام الإبل في مواقع أثريّة مثل: البحيص بالشارقة، وذلك ضمن مقبرة كبيرة تؤرّخ بنحو الألف الخامس ق.م. وفي جزيرة غناضة وهيلي 8 وشمل. وتؤرّخ هذه المعثورات بالألفين الثالث والثاني ق.م.

وفي عدد مِن مواقع الآثار في اليمن -مثل معبد هريدة في حضرموت ووادي جثمة وهجر بن حميد- عُثر على رسومات وتماثيل على شكل جمل، أُرّخت بحقبة تمتدّ مِن القرن التاسع إلى القرن السادس ق.م. وأشار عدد مِن الكتّاب الكلاسيكيين إلى وجود الجِمال في شبه الجزيرة العربية. وفي قرية الفاو عثر الآثاريون على كثيرٍ مِن عظام الجِمال وعلى مجموعة مِن المواد الدالّة على وجود الجمل واستخدامه في هذه البلدة المشهورة. وفي مواضع أخرى متفرّقة مِن شبه الجزيرة العربية عثر المنقّبون على عدد مِن دمى الجِمال تعود لِحِقَبٍ تاريخية مختلفة تُراوِحُ ما بين القرنين السادس ق.م. والثاني م. مِنها مِن قصر الحمراء في تيماء، ومِن دومة الجندل، وفي موقع ثاج بالمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية التُقِطت دمى لرؤوس جِمال مزخرفة بزخارف محزّزة على الرقبة، ودمى لجِمال في موقع جاوان بشمال الظهران، وفي عدد مِن المواقع بدولة الإمارات، مثل: رميلة والدور.

كما انتشرت في مناطق واسعة مِن شبه الجزيرة العربية رسومات صخرية تصوّر الجمال في أوضاع وأشكال متعدّدة اكتُشِفت في مواضع مثل: منطقة القصيم، ومنطقة حائل، ووادي فاطمة، وشمال شرق تبوك، ومنطقة تيماء، ووادي العلا ومدائن صالح. وأغلبية هذه الرسومات غير مؤرّخة، ويبدو أنها تعود إلى حِقَب بعيدة مختلفة.

قبور الجمال

عُثر على عددٍ مِن قبور الجِمال في شبه الجزيرة العربية، مِنها: قبر لناقة في منطقة F بموقع «الدور» في دولة الإمارات، والمؤرّخ إلى ما بين القرن الثاني ق.م. والقرن الثاني الميلادي. ويبدو أنّ هذه الناقة قد دُفنت بالقرب مِن صاحبها الذي وُجد هيكله العظمي إلى جوارها. وفي منطقة AV مِن الموقع نفسه اكتُشِف هيكلان عظميّان لجملين على عمق نحو 80 مترًا.

وفي موقع مليحة بدولة الإمارات أيضًا عُثر على 12 قبرًا لجمال بالقرب مِن قبر صاحبها. ويوجد معها كذلك قبر لحصان. وتؤرّخ هذه القبور بالحقبة ما بين القرن الثالث ق.م. إلى القرن الثاني الميلادي. وفي موقع الإميلح بين الذيد والشارقة، عُثر في القبر رقم (4) على هيكل عظمي لجمل. ربما يعود زمنيًّا إلى ما بين عامَي 640 و680م. وبالقرب مِن قبر الجمل اكتُشِف قبران آخران تدلّ محتوياتهما على أنّهما لشخصين محاربين. كما عثرت فرقة التنقيب المحلية بالشارقة على هيكل جمل في موضع دبا.

وفي موقع المزروعة على بُعد 23 كم جنوب غرب الدوحة بقطر اكتُشفَت بقايا أثريّة، ومن ضمنها بعض الهياكل العظمية البشرية وفخاريات. وفي الجهتين الجنوبية والجنوبية الغربية لأحد القبور البشرية وُجد قبران لجملين.

وفي موقع بات بسلطنة عمان وُجد قبر لجمل، وكذلك في موقع سمد رقم (10) عُثر على هيكل عظمي لجمل ضمن مستوطنة تعود إلى حِقْبة ما قبل الإسلام. وفي موقع جد حفص أو جنوسان بالبحرين عثرت بعثة التنقيب الدانماركية عام 1954م على هيكل لجمل من دون قوائم. راوَحَ تأريخُه آنذاك بين العصر البارثي أو أبكر بقليل وبين القرن الثاني الميلادي أو بعده بقليل. وفي الظهران اكتُشِفت ثلاثة قبور لجمال في مدافن، أُرّخت بأواخر القرن الأوّل ق.م.

وفي الجمهورية اليمنية عثر المنقّبون على عددٍ مِن قبور الإبل في موقعين، هما: ريبون والبليس. وقد نُقِّبَ في ستّة مِن هذه القبور. ووُجدت الجِمال فيها بوضع القعود، وربما كانت مقيّدة القوائم والرقبة مفقودة. وأُرّخت بالحِقبة الممتدّة بين القرن السادس ق.م. وبدايات القرن الأوّل الميلادي أو ربّما بعده.

مكانة الإبل عند العرب بين التقديس والتقدير

ارتبط دفن الجمال في قبور خاصّة بغرض ديني معيّن، وكان لهذا الحيوان لدى عرب الجاهلية مكانة عالية يدلّ عليها الشِّعر والروايات والكتابات والنصوص. ومِنها النقش الذي عثرت عليه البعثة الروسية في حضرموت الذي يشير إلى ارتباط الجمل بالموت وطقوس الدفن. كما أنّ النقش النبطي المكتشف في وادي رم يربط الجمل بنوع مِن العادات الجنائزية. وقد عَبدَت قبيلة بكر سقبًا، وهو ولد الناقة. وكذلك ما رُوي مِن أنّ قبيلة تميم أقبلت في حربها ضدّ بكر بن وائل ببعيرين مجلّلَيْنِ مقيَّديْن، وجعلوا عندهما مَن يحفظهما وتركوهما بين الصّفّيْنِ. وقالوا لا نفرّ حتى يفرّ هذان البعيران. وعُرف هذا اليوم بيوم الزوْرَيْنِ نسبة للبعيرين.

ويُذكر أيضًا أنّ ناقة أبي دؤاد الإيادي المعروف بالزّبّاء كان يتبرّك بها الناس. كما كان ليزيد بن عمرو الغسّاني ناقة محماة في عنقها مدية وصرة ملح، كان يمتحن بها رعيّته لينظر مَن يجترئ عليه. ويبدو أنّ هذه المكانة المقدّسة للإبل، وإنْ لم تتّضح بصورة جليّة، كانت سببًا في تحريم عرب الجاهلية ركوب تلك الإبل المخصّصة للآلهة أو استخدامها.

وشبّه العرب أيضًا بعض النجوم بالإبل حيث سمّوا سهيلًا «الفحل» تشبيهًا له بفحل الإبل؛ وذلك لاعتزاله عن النجوم وعِظِمه. ومِن مظاهر تبرّك العرب بالناقة وإعلاء مكانتها أنّهم شبّهوها بالسماء والمطر والسحاب.

ومِن ملامح قدسية الإبل ومكانتها العالية عند عرب الجاهلية قول أحدهم إذا حضرته الوفاة لولده: «ادفنوا معي راحلتي حتى أُحشَر عليها، فإن لم تفعلوا حُشرت على رجلي» فيربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخّرها مما يلي ظهرها أو مما يلي كَلْكَلَها، ويأخذون وليّة فيشدّون وسطها، ويقلّدون عنق الناقة، ويتركونها عند القبر. ويسمّون تلك الناقة «البليّة» والخيط الذي تُشدّ به «الوليّة». وأشار إلى عدد مِن الشعراء الجاهليين إلى البليّة، ومِن هؤلاء: الجميح الأسدي، وبشير بن أبي خازم، ولبيد بن ربيعة بن مالك الكلابي.


نحو معجم لألفاظ الحيوانات في اللغات السامية الشمالية الغربية: باب الإبل

دراسة مقارنة

   

سحر طلعت الصمادي أكاديمية أردنية

حفلت النقوش السامية برسومات مرافقة للكتابات، جلّها كانت رسومات مصورة لحيوانات تمثل الحياة الاجتماعية لهم، من إبل وبقر ونعام وغيرهم، يتجول معها المهتم فيضع تصورًا حيًّا لطبيعة الحياة في قرون ما قبل الميلاد.

النقوش السامية

يطلق مصطلح النقوش السامية على اللغات التي تنتمي إلى فصيلة السامية الحامية. وأول من أطلق المصطلح هو العالم الألماني (شلوتسر) أواخر القرن الثامن عشر، مستنبطًا الاسم من التوراة (العهد القديم). وقسمت إلى غربية شمالية وغربية جنوبية والقسم الآخر الشرقية. أحيانًا نجد صعوبة في تحديد موقعها الجغرافي وامتدادها، فهي وإن كانت تمتد من شمالَيْ سوريا إلى اليمن جنوبًا، وبلاد الرافدين شرقًا والبحر المتوسط غربًا، إلا أنّ نقوشًا عثر عليها خارج هذه الحدود. على سبيل المثال وُجدت نقوش نبطية في الصحراء الشرقية من مصر وفي إيطاليا، ووجدت نقوش فينيقية في المغرب العربي وفي أميركا الجنوبية.

ولكن المشترك فيها كثرة الرسومات والكتابات التي تذكر وتصور الإبل وصفاتها، وبخاصة عند الصفائيين والثموديين والحضرية والنبطية (وهذه اللغات هي مجال الدراسة)، ولعل كثرة نقوش الإبل تدلل على استئناسها المبكر حيث يمكن تأريخه ما بين 1200-500 قبل الميلاد.

فمثَّل الناقش الإبل بأمومتها، وزينتها وحملها للأمتعة لكونها وسيلة التنقل في المنطقة، والاستفادة من جلودها ووبرها في صناعة الحبال، وفي القوافل التجارية التي كانت ممرًّا لها من الجنوب إلى الشمال والعكس. وعكست النقوش الحجرية التاريخية عمق الصلة بين الإنسان والإبل.

ولعل ما يلفت النظر اكتشاف رسم الجمل ذي السنامين في نقشين صفائيين؛ نشر أحدهما الدكتور صبري العبادي 2008م (نقش 82) في كتابه نقوش صفوية من وادي سلمى، والآخر اكتشفه ليتمان من منطقة العيساوي في سوريا (LP 325). وهو من النادر العثور عليه في المنطقة لكونه من الحيوانات التي تعيش في المناطق الباردة. فمن المعتاد الصيد على الخيل لكونها أسرع وأقل ضخامة وأقل ارتفاعًا من الإبل، وعلى الرغم من هذا فنجد أن الإبل استُخدمت في الصيد، ووثقت في رسومات كثيرة، وبخاصة عند الصفائيين.

وكذلك نُقشت الإبل عند الأنباط على عملتهم، فقد نشرت ليلى نعمة عملة نَبَطِيّة تعود للألف الثالث الميلادي، نُقش عليها جمل يحمل رجلًا (تاجرًا). فهذا يبرز اهتمام الأنباط والمنطقة بالإبل.

باب الإبل

أمّا عن الألفاظ الدالة على الإبل في النقوش فمنها: الجِمال والنوق والبعير… وما يسعى المعجم لإعداده هو حصر هذه الألفاظ مع توثيقها رسمًا وتحليلًا ومقارنتها بكتب التراث العربي.

يهدف المعجم إلى تأصيل الألفاظ التي استخدمت في النقوش السامية الشمالية الغربية للدلالة على الإبل، وذلك عبر دراسة مقارنة تحليلية لها؛ للوقوف على عمق تلك الدلالات واستمراريتها، وهل حدث تطور في دلالات تلك الألفاظ عبر الحِقَب التاريخية المختلفة. لكنّ هناك ألفاظًا في بعض النقوش يشك في قراءتها؛ قُرئت كأسماء للإبل وصفات لها، وهي في حاجة إلى تدقيق ودراسة قبل إلحاقها بالمعجم.

باب ألفاظ الإبل في النقوش الشمالية الغربية

ء ب ل: وردت في النقوش بصيغة الإبل: «الإبل لا مفرد لها من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا مفرد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، والجمع آبال.

وجاءت لفظة إبل صريحة في النقوش الصفائية مرافقة لرسمها على الأغلب. ففي النقش رقم 84 يذكر صاحبه أنه قد ذهب شرقًا بالإبل من حوران إلى الحرة. وفي الثمودية وردت بصيغة (إبل) بنقش (سكوبي 2004:208).

ب ل: ووردت في نقش (الذييب 2017: 90) بصيغة (ب ل) وهي اسم جمع من إبل، وفي اللهجات العربية تحذف الألف وتنطق (بل).

ب ك ر: وهو اسم يطلق على الأنثى من الإبل. وهي الفتيُّ من الإبل، والصغيرة من الإبل التي لم يلقِّحها الفحلُ، وهي من الألفاظ التي كثر ورودها في النقوش. وميز الناقش رسم الأنثى عن الذكر بارتفاع الذيل إلى الأعلى مع انحناء فيه، أما الذكر فيكون معقوفًا.

وردت في النقوش الصفوية ب ك ر (صغير الإبل) مذكر (Oxtoby 1968: 165) ل ح د ل ب ن ب ن ه ب ك ر. والأرجح أن اللفظة عند أوكستبي هي للدلالة على المؤنث وليس المذكر. و (ب ك ر ت): (Oxtoby 1968: 132) ل ن أ م ل ب ن ش ر ب ه ب ك رت، ورافق النقش رسم لبكرة، وهي تستعد للجلوس (تنوخ). بصيغة المؤنث.

ب ك ر ت ن: اسم مثنى، ورد في النقوش الصفوية (h b k r t n)(9WH:402)، ورافق النقش رسم لبكرتين معه وكتب النقش بينهما.

وترد كلمة بكرة في النقوش مسندة إلى ضمير الغائب، ولتدل كذلك على الملكية الشخصية، ففي نقش (حراحشة 2001: 314) ورد فيه أن صاحب النقش ع م ز قد وصل مكانًا وقد عطشت بكرته.

وفي النقوش الثمودية وردت (السعيد 2004: 24) (ب ك رت ي ه ث ع ن ع م ت و ن د م) بصيغة المفرد.

أ ر ك ب ت: وقد ترد بصيغة الجمع (أ ر ك ب ت) وهي الركاب، الإبل التي يسار عليها واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها وجمعها رُكُب. وهي الإبل التي تحمل القوم (حراحشة 2001: 313). وربما هي ما نطلق عليه الركوبة في لهجة بلاد الشام.

ب ع: ورد في نقش ثمودي ورد عند (أسكوبي 2004: 212) ولكن القراءة غير مؤكدة. ووردت في نقش صفوي والقراءة غير مؤكدة بصيغة (ب ع ب هـ) وهي من (ب ع)(LP: 888)، بمعنى الخطوة الطويلة، فإن أولت القراءة فتكون (ب ع) صفة للإبل لكونها طويلة العنق.

ولعل القراءة للنقش هي (ب ع ل س) ويقول (الأصمعي:105): ناقة دَلعس وبَلعَس وبَلعك ودلعك: وهنَّ العظام المسترخيات. فتكون صفة للإبل.

ج م ل: اسم جنس مفرد، يرد بكثرة في النقوش الصفائية بصيغة المفرد، وغالبًا معرفًا بأداة التعريف الهاء: (ل ي ع م ر بن ب ط ن ت ه ج م ل) (الخريشة 2002: 51) هذا الجمل ليعمر بن باطنة.

وورد (ج م ل) في النقوش الثمودية ففي (al-Theeb 2018: 9)، نجد الاسم مسبوقًا بأداة التعريف (هـ)، ووهب له الجمل. ورد اللفظ في النقوش الصفائية بكثرة لتدل على ذكر الإبل وهو زوج الناقة. ويرسم عادة ذيله مستقيم إلى الأسفل. ويقال: إنه يسمى جملًا إذا بلغ أربع سنوات.

ولقد ورد بصيغ عدة في النقوش الصفوية. مفرد الجمل (ه جمل)، ففي النقش رقم (WH 3500) يذكر يسلم أنّ له جملًا. ويصور نفسه راكبًا عليه.

أ ج م ل: صيغة جمع تكسير وردت في النقوش الصفوية (العبادي 2006: 80) (و ر ع ي ه أ ج م ل) ورعي الجمال.

ج م ل ن: ويرد كذلك بصيغة المثنى: «الجملان». ففي النقش رقم (CIS 1658= Dunand 388) يذكر صاحب النقش، وقال بن يعل: إنه يملك «الجملان» ويرسم نفسه معهما، ولعل النقش هنا يدل على الغزو وحصوله عليها من خلاله.

أ ج م ل: اسم جمع بمعنى أجمال، (WH: 3500).

ج م ل ي ا: وفي النبطية وردت بصيغة جمع التكسير المعرف (ج م ل ي ا) (CIS 157). وترد بصيغة الجمع «أجمل»، ففي النقش رقم (CIS 1148=Vogue 230a) يشير صاحب النقش سبان بن مالك الأجمل (أي له الجمال).

ووردت في النقش النبطي (CIS 157:1)، (ت ري ج م ل ي ا) (الجملان). ونلحظ أن الصيغة هي نفسها في الجمع، ولكن الذي أكّد أنهما مثنى، أن جملان أضيف إلى العدد «اثنان» (ت ري).

ر ح ل: لم ترد هذه الكلمة بكثرة في النقوش الصفائية ولعلها وردت في النقش الوحيد الذي نشره الدكتور سليمان الذييب التي تدل على الإبل. «الراحِلة من الإبل: الصالحُ للأَسفار والأَحمال، وفي حديث شريف: «تجدون الناس بعدي كإِبلٍ مئةٍ ليس فيها راحلة»، والجمع: رواحل». ففي النقش، غير الواضح للأسف، الصورة رسم وبجواره نقش يؤكد صاحبه ملكيته لـ(رحل)، أي الإبل التي في الرسم.

ع س: اسم جنس مفرد، ورد في الثمودية بمعنى الإبل؛ ففي نقش (الذييب 2006: 23): ل س ه ب ع د ه ع س بواسطة س ه ب (الذي) أحضر الإبل.

ع ي ر: والعير هي الإبل التي تحمل المِيرَةَ، يقال للرجال وللجِمال معًا، ولكل واحد منهما دون الآخر. مع أن لفظة عير تدل على الحمير والخيل، إلا أنها دلت على الإبل التي تحمل الطعام وغيره. ولقد وردت في سورة يوسف ثلاث مرات. ففي النقش المرفق نجد أن صاحبه قد كتب كلمة بعير مع رسم للجمل.

ق ت ب: م ق ت ب ي ا: اسم جمع مذكر معرفة، ورد في النقوش النبطية (Littmann 1953: 34) بصيغة (م ق تب ي ا) وفسرها بمعنى الجمال. ووردت عند الأصمعي القتب «والبِطانُ للقَتَب خاصة، والتصدير للرَّحل ويقال: أَقتَبت البعير أُقتِبُهُ إقتبابًا، إذا شددت عليه القتب. والقتب هو الرَّحْلُ الصغير على قدر سَنام البعير. وردت في نقش صفوي CIS 1383 وترجمت بأنها اسم مكان (قتابة).

ن ق: ن ق ت: (علولو 2001: 24): ل ر م م ت ه ن ق ت وترجمته: الناقة الرمامة.

الناقة هي أنثى الجمل، ووردت في النقوش الصفائية لتدل عليها «وهي تدل على المفرد وجمعها نوق، أو أنوُقٌ، وأينُق، وأيانِق، ونِياق» ويطلق على أنثى الإبل إذا كانت متوسطة العمر ناقة. ومن النوق المشهورة ناقة ثمود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم: «وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا»، وناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القصواء التي هاجر عليها إلى يثرب، وكذلك ناقة البسوس التي كانت سببًا في إضرام حرب بين قبيلة تغلب بن وائل وقبيلة بكر بن وائل.

وجاءت اسم مفرد نكرة في نقش (العبادي 2006: 17) (وذ ب ح ن ق ت) وذبح ناقة.

أ ن ق: صيغة جمع التكسير، ورد في النقوش الصفوية (علولو 2001: 97)، (ل ع ث م ت ب ن ق ن ه أ ن ق) لعثمة بن قن النوق. وكذلك جاءت بصيغة الجمع المؤنث المختوم بتاء التأنيث (علولو 2001: 325) (ل ك س ط و ل ه أ ن ق ت) النوق لكاسط.

ن ق: ووردت في اللحيانية بصيغة الجمع (ن ق) ففي نقش (أبو الحسن 1997: 1) في السطر الرابع نجد كلمة (ه ن ق) (النوق).

النقوش السامية، كما اصطلح عليها، وبخاصة مسميات الإبل التي تعود إلى ما قبل القرن السادس قبل الميلاد، تؤكد أن لغتها لغة عربية وإن اختلف الخط المكتوب به. وهذا ما نستنتجه من دراسة ألفاظ الإبل ومقارنتها.


الجمل في الحضارة

المصرية القديمة

  

سمير أديب أكاديمي مصري

تُعَدُّ صورة الجمل من الهيئات الحيوانية النادرة في الفن المصري القديم سواء في النقوش والرسوم الصخرية أو على هيئة دمى وتماثيل صغيرة. وقد حاولنا هنا تتبع صورة الجمل في الفنون المصرية على مر العصور كما يلي:

العصور الحجرية

عُثر على عظام الجمل في مصر في بعض المواقع الأثرية المؤرخة بالعصر الحجري القديم والوسيط بمنطقة بير طرفاوي على بعد نحو ٣٥٠ كم من نهر النيل بصحراء مصر الغربية. فقد كشفت الحفائر في الموقع BT-14 كميات ضخمة من العظام الحيوانية، كان منها عظام الجمل، التي أُرخت بنحو ٤٣٠٠ ق.م.

عصر ما قبل الأسرات: (3100 – 4000 ق.م.)

ظهرت هيئة الجمل كعمل فني لأول مرة -فيما هو معروف حتى الآن- حيث كشفت حفائرُ جامعة القاهرة في المعادي خلال موسم 1930- 1931م قطعةً من الصلصال المحروق وبها آثار للون أحمر ربما يمثل لجام جمل، ومحفوظة في متحف جامعة القاهرة.

كما توجد بمجموعة «والتر آرت جاليري» رأس تمثال لجمل من العاج غير معروف مكان اكتشافه، ويبلغ طول الرأس ٤,٧ سم، ويؤرخ بأواخر عصر ما قبل الأسرات . ويوجد في متحف برلين لوحة حجرية سوداء اللون (رقم ٢٢٦٩٧)، مكان اكتشافها غير معروف، تمثل جملًا باركًا.

وقد عُثر في المقبرة رقم 58C4 في أبو صير الملق على إناء من الحجر الجيري الأصفر مشكل على هيئة جمل بارك، يبلغ ارتفاعه 6.4 وطوله ١٠ سم في متحف برلين برقم 185.93، ويؤرخ بأواخر عصر ما قبل الأسرات (نقادة الثالثة). ويوجد أسفل حافة الإناء أربعة ثقوب ربما للتعليق، ومن المحتمل أن هذه القطعة تمثل جمل يحمل على ظهره حمولة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كان الجمل مستأنسًا في هذه المناطق، واستخدم في نقل البضائع التجارية منذ ذلك العصر؟

عصر الأسرات المبكر: (3100- 2686 ق.م.)

يُعرف هذا العصر أيضًا بعصر بداية الأسرات أو العصر العتيق، ويشمل الأسرتين الأولى والثانية، وكان ظهور الجمل هنا محدودًا بقطعتين في حدود معلوماتنا حتى الآن. القطعة الأولى وجدها بتري في معبد أبيدوس، وهي عبارة عن رأس جمل مُشكَّل من الفخار، يُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى، طوله ١٢ سم، وارتفاعه ٦سم، ومحفوظ في متحف كلية الجامعة بلندن.

والقطعة الثانية اكتشفها كويبل في معبد هيراكنبوليس (الكوم الأحمر)، عبارة عن رأس جمل من الفخار، مؤرخ أيضًا بعصر الأسرة الأولى، ومحفوظ في المتحف الأشمولي بأُكسفورد (E3266).

كما عثر (موللر) في منطقة أبو صير الملق داخل مقبرة من الأسرة الأولى على إناء مرهم من الحجر الجيري على شكل جمل راقد، وموجود الآن في متحف برلين.

وقد عثر زكي سعد على عظام رقبة جمل وبعض ضلوعه في المقبرة رقم 720H – 5 بحلوان، وترجع إلى عصر الأسرة الأولى. وقد دفعت هذه الشواهد الأثرية كلًّا من Emery و Childe، إلى الاعتقاد أن الجمل كان من بين الحيوانات التي استُؤنست في مصر في عصر بداية الأسرات، واستُخدِم في نقل البضائع والتجارة في المناطق الصحراوية، أو على الأقل معرفة المصريين له عن طريق احتكاكهم وتعاملهم مع جيرانهم في مناطق بادية الشام وشمال شبه الجزيرة العربية.

وقد أكد (بدج) «أن الجمل كان معروفًا لدى المصريين القدماء في عصر ما قبل الأسرات»، وقد عُثِر على أشكال خزفية للجمل في نقادة، كما اتفق (تشايلد وإمري) على مكانية إدراج الجمل ضمن الحيوانات التي كان يربيها المصريون القدماء خلال الأسرة الأولى والثانية.

عصر الدولة القديمة: (2687- 2190 ق.م.)

تشمل المدة الممتدة من الأسرات 3-6، وقد ظهرت هيئة الجمل في النقوش الصخرية في النوبة السفلى خلال عصر الدولة القديمة. كما يوجد نقش صخري بالقرب من أسوان، يُصوِّر رجلًا يقتاد جملًا بحبل، ومن أمامه نقش هيراطيقي مؤرخ بعصر الأسرة السادسة. وتُعَدّ هذه الصورة هي أقدم الصور الواضحة والمؤكدة والمؤرخة للجمل في الفنون المصرية القديمة.

والجدير بالذكر أنه عُثر في أثناء أعمال الحفر التي أُجريت في موقع أم الصوان شمال الفيوم في بدايات القرن العشرين على حبل أو خيط مفتول، طوله نحو ٣ أقدام و٦ بوصات. وقد أثبتت التحاليل المعملية أنه من وبر الجمال. وقد أُرخ هذا الحبل بناءً على الفخار الموجود معه بعصر الأسرة الثالثة أو بداية الأسرة الرابعة.

عصر الدولة الوسطى: (2000- 1650 ق.م.)

وقد وُجد ضمن ودائع أساس المعبد المصري في ميناء جبيل بلبنان على تمثال لجمل منحوت من الحجر، طوله ٤٢ سم، يمثل جملًا باركًا، به ثقب في الظهر، ونُحِتَ حول الفم حبل ملفوف، ويُعَدّ فريدًا في هيئته التي تصور الجمل يلتفت برأسه نحو الجانب. وعدّ مونتييه أن هذه القطعة مصرية الصنع، حيث عُثر عليها بين آثار مصرية تُؤرخ بالمدة الممتدة من 2000 إلى 1500 ق.م. كما عُثر أثناء المسح الجيولوجي في الفيوم على جمجمة جمل بجوار فخار مؤرخ بالمدة الممتدة من ٢٠٠٠ إلى 1400 ق.م.

عصر الدولة الحديثة: (1569- 1076 ق.م.)

يُعَدّ عصر الدولة الحديثة في مصر هو عصر الانفتاح على العالم الخارجي، ويشمل الأسرات من 18 – 20 حيث امتد النفوذ المصري ليشمل مناطق واسعة من بلاد الشام، وتوطدت صلات مصر وتأثيرها المتبادل مع مناطق الجزيرة العربية، وربما انعكس ذلك على ظهور الجمل بشكل واضح في بعض الأعمال الفنية.

وقد ذُكر أنه كان يوجد في متحف اللوفر تمثال صغير لجمل يقال إنه من عصر العمارنة (الأسرة 18) ولكنه لم يُنشر. كما عُثر على تمثال لجمل في الميدامود مؤرخ بالقرنين الخامس عشر والرابع عشر ق.م.

وفي إحدى المقابر بجبانة ريفة بأسيوط التي ترجع إلى عصر الأسرة 19، عُثر على تمثال من الفخار لجمل يحمل فوق ظهره إناءين، وهو ما يدل على استخدام الجمل ربما في نقل البضائع.

ومن معبد أوزيريس في أبيدوس عُثر على تمثال لجمل محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة (CG3830)، والتمثال مشكل من الفخار المزجج، لونه أزرق مائل إلى الخضرة، والتمثال مشكل يدويًّا، ويصور الجمل باركًا ورأسه مرفوعة لأعلى، والفم مفتوح. وفوق مقدمة ظهر الجمل يجلس رجل يمد يديه للأمام وكأنه يمسك اللجام، ويحمل الجمل على جانبي ظهره خمسة أوانٍ، وتدل ملامح ووضعية التمثال على أنه يصور جملًا وكأنه يتهيأ للوقوف، وهو يعود إلى النصف الأول من الألف الأول ق.م.

وفي أقصى جنوب مصر، اكتشف بتري نقوشًا صخرية بالقرب من جبل السلسلة، صورت مجموعة من الجمال، التي أرخها بالمدة الممتدة من 1320-1567 ق.م. ويدل وجود صور للجمل في جنوب مصر في مناطق النوبة السفلى والعليا على احتمال استخدامه في أعمال التجارة وتبادل السلع مع المناطق الجنوبية. كما تدل التماثيل الصغيرة المؤرخة بعصر الدولة الحديثة على استخدام الجمل في نقل البضائع إلى مصر.

العصر المتأخر: (1075- 332 ق.م.)

ويشمل الأسرات من 21- 30، ويتميز ذلك العصر بأن استخدام الجمل لم يعد مقصورًا فقط على نقل المنتجات والسلع التجارية، وإنما استُخدم أيضًا في مساعدة وتجهيز الجيوش في منطقة الشرق الأدنى القديم. فقد ذكرت النصوص أن القبائل العربية قد زودت الملك الآشوري «أسرحدون» بالجمال لمساعدة جيشه على اجتياز الصحراء في أثناء غزوه لمصر عام ٦٧١ ق.م. كما ذكر هيرودوت أن الملك الفارسي قمبيز أمر بحمل قِرَب الماء المصنوعة من جلد الجمال على ظهورها؛ لتزويد قواته في أثناء عبوره المناطق الصحراوية في حملته على مصر عام ٥٢٥ ق.م.

وظهرت صورة الجمل على كسرة من قاعدة طبق من الفخار المزجج والمحفوظ بالمتحف البريطاني (65553 BM.C)، فعلى أحد جانبي الكسرة إفريز من الحيوانات الصحراوية، وقد صور ضمن مجموعة من الحيوانات البرية التي شملت الظبي والغزال والوعل واللبؤة والنعامة، وعلى الجانب الآخر صورة المعبود بس.

كما نُقشت صورة جمل على قطعة من الحجر من أحد التلال الأثرية بمركز منوف، ويصور مجموعة من الحيوانات حول زهرة متفتحة في الوسط، والحيوانات هي الفيل والحمار والظبي والغزال إضافة إلى الجمل، كما نلحظ أن صورة الجمل تتقدم على الحمار، فهل قصد الفنان التعبير بذلك عن ازدياد أهمية الجمل بحيث أصبح وسيلة النقل البرية الأساسية في هذا العصر؟

كما عُثر على جمجمة جمل في شمال بحيرة الفيوم عام ١٩٣٤م، وهي محفوظة في المتحف الجيولوجي بالقاهرة. وقد أكدت التحاليل الكربونية أن الجمل المستأنس قد عُرف في مصر في أوائل الألف الأول ق.م. على أقل تقدير.

العصر اليوناني والروماني

وعندما دخل الإسكندر الأكبر مصر عام ٣٣2 ق.م، يبدو أنه استخدم الجِمال في رحلته إلى واحة سيوة لزيارة معبد آمون. وازداد استخدام الجمال في عصر البطالمة في مصر، فقد استخدم الملك بطليموس الثاني (285- 247 ق.م) الجملَ لنقل البضائع على الطرق الصحراوية.

ونتيجة لما سبق ازداد ظهور الجمل في الفنون المصرية في العصر اليوناني والروماني ومنها تمثال بالمتحف البريطاني (رقم 37628) يصور جملًا يحمل على ظهره حمولة مكونة من ستة أوانٍ، ثلاثة على كل جانب. كما يوجد تمثال آخر بإحدى المجموعات الخاصة (Fouquet) يمثل جملًا يشبه في طريقة تشكيله التمثال السابق، وإن كانت ملامح وجهه أكثر وضوحًا، وحمولته عبارة عن سلتين ممتلئتين بالعنب.

وعُثر على تمثال من الفخار في منف، وهو محفوظ في متحف كلية الجامعة بلندن (UC 48026) يصور جملًا واقفًا، وتتطلع رأسه لأعلى ويحمل ستة أوانٍ، ثلاثة على كل جانب. ويوجد تمثال لجمل من الفخار المشكل من الطمي، عُثر عليه في منف ومؤرخ بالعصر الروماني، وهو محفوظ في متحف كلية الجامعة بلندن (48033 UC).

كما يوجد في مخزن المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية تمثال صغير من الفخار الأحمر لجمل عثر عليه في الفيوم، ويؤرخ بالعصر الروماني رقم (P 10778). ويزين العنق زخرفة دائرية بارزة ربما ترمز إلى عقال البعير. وعلى جانب مقعد تمثال لأحد الأفراد من عهد تيبريوس، نقش يصور جملًا يقدم الساقين البعيدتين خطوة للأمام. وقد عُثر على هذا التمثال في مدينة هابو، وهو محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة (CG 1191).

ويوجد على موقع متحف كلية الجامعة بلندن أيضًا قطعة من الجص عليها صورة جمل مصور في حالة حركة، وقد وفق الفنان في تشكيل العناصر التشريحية للجمل، ولا سيما الجزء العلوي من الساقين القريبتين من المشاهد. ويمكن القول: إن هذه الهيئة تُعد من أوضح صور الجمل التي وصلت إلينا من مصر من العصور التاريخية القديمة.

الخلاصة

كان من الممكن أن يلقي اكتشاف تماثيل للجمال التي تعود للأسرة الأولى وبداية الحضارة المصرية القديمة مزيدًا من الأضواء على تاريخ الجمل في مصر القديمة، لو كان قد حظي بمزيد من الاهتمام. ويجب أن نتذكر أن البقايا النباتية والحيوانية، منذ وقت ليس ببعيد، لم تكن تحتل مرتبة عالية من الاهتمام بين علماء الآثار، ومن ثَمّ لا أحد يمكنه أن يعرف كميات عظام الإبل والحيوانات الأخرى التي جرى التخلص منها من جانب المنقبين قبل أن تُدرَس على نحو صحيح، أو تلك التي قد اندثرت وتحطمت.

وعمومًا فقد دلّت الشواهد الأثرية على معرفة المصريين القدماء بالجمل منذ عصر ما قبل الأسرات، وليس معنى ذلك أنه كان معتادًا في وادي النيل في مصر، ولكن على الأقل كان مستخدمًا في عبور المناطق الصحراوية، وفي الأقطار المجاورة لمصر سواءٌ في جنوبها أو شمالها الشرقي. وأصبح الجمل مألوفًا على الأقل في أواخر العصر المتأخر مع استخدام الآشوريين والفرس له في اجتياز الصحراء بتجهيزاتهم العسكرية.

واستُخدم على نطاق واسع في العصر اليوناني والروماني مع ازدهار التجارة في العالم القديم، فأصبح الجمل الحيوان الرئيسي لنقل البضائع والسفر عبر الصحراوات في مناطق الجزيرة العربية والشرق الأدنى. ونتيجة لذلك شاع تمثيل الجمل في الفنون المختلفة في هذه المناطق، ومنها مصر بطبيعة الحال.


«سفينة الصحراء» في المخيال العربي

  

صبحي موسى صحافي مصري

«أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري» لم تكن هذه مجرد صورة أدبية وضعها المُنَخَّلُ اليشكُريُّ، ذلك الشاعر العربي القديم، في قصيدة له، لكنها كانت تعبيرًا صادقًا عن مدى ارتباط الإنسان العربي بذلك الحيوان الرائع؛ حتى إن أفعاله صارت انعكاسًا لأفعال صاحبه، بما فيها الحب لناقة الحبيبة. ولِمَ لا والبعير أو الجمل أو الإبل عامةً كانت رفيقة درب الإنسان العربي على مدار قرون طويلة، فهي سفينة إنقاذه، وجواز مروره في تلك الصحراء الكبرى الممتدة من المحيط إلى الخليج، ولا وسيلة انتقال له سواها، وهي ثروته ومحدد مكانته الاجتماعية، وأحد مظاهر كرمه وعطفه وغناه، وهي مهر حبيبته ومصدر رزقه، ومرشده ودليل سفره في البيداء والبرِّيَّة والفلاة؛ لذا كان طبيعيًّا أن يكون للجمل أكثر من مئة اسم، كل اسم منها يعبر عن مرحلة من عمره، وعن صفة من صفاته.

وكان طبيعيًّا ألّا يخلو حدث في حياة العرب من وجود الإبل فيها، بدءًا من الميلاد حتى الوفاة، فهي حاضرة في أمثالهم، وسيرهم الشعبية، وأيامهم التاريخية، وخطبهم المنبرية، وقصائدهم المعلَّقة، ومواقفهم الشهيرة، وحروبهم وأسواقهم وأفراحهم وأتراحهم. وكان طبيعيًّا أن يتوقف المستشرقون حين يأتون إلى الشرق أمام الإبل، وأن يكتبوا عنها في كتبهم؛ لأنها جزء أصيل من حياة العربي، حيث تمثل الإبل الموجودة في المنطقة العربية نحو 60 بالمئة من الإبل في العالم، وهي الإبل الأجمل والأشهر، وهي التي لا تخلو معلقة من وصف وذكر محاسنها؛ لذا قررت المملكة العربية السعودية أن تحتفي بهذا الشريك الحضاري للإنسان العربي على مدى تاريخه بتخصيص عام 2024 عامًا للإبل، وكان لـ«الفيصل» أن تشارك في هذا الاحتفال عبر رصدها لصورة الإبل في الثقافة العربية.

الإبل في جبال ظفار

محمد الشحري – روائي عماني

في ظفار تُدحض الفكرة المأخوذة عن الإبل والجِمال؛ إذ انطبعت صورة الجمل والصحراء كثنائي لا يفترقان، ولكن النوق في ظفار ترعى في أعالي الجبال، وتنتقل بين الأحراش ووسط الغابات. ولعل من الواجب التذكير بأن الطقس في ظفار جنوب سلطنة عُمان يختلف أيضًا عن بقية المواسم والمناخات في الوطن العربي. وإذا كانت الفصول المتعارف عليها في بعض المناطق مقسمة بين خريف وشتاء وربيع وصيف، فإن في ظفار يبدأ الخريف في نهاية شهر يونيو، وينتهي بنهاية أغسطس، وبعد الخريف يأتي الربيع الذي يسمى بالصرب في ظفار، وبعد الربيع يأتي الشتاء، ثم يلحقه الصيف، وقد شكلت هذه الدورة الفريدة من دورة المواسم طبيعة الأنشطة الاقتصادية والحياة الاجتماعية في ظفار. ونتيجة لذلك فقد وجدت الناقة مكانتها بين الممتلكات الثمينة التي يفتخر بها الإنسان في ظفار؛ إذ كانت ضرعًا حلوبًا وظهرًا مركوبًا، ومن النادر أن تُذبح الناقة إلا في الحالات الحرجة مثل: مرضها أو كسر في قوائمها.

وكان امتلاك النوق يحدد المكانة الاجتماعية للفرد والعائلة، كما ارتبطت النوق بتجارة اللبان؛ إذ تُحمل المادة المستخرجة من جذوع الأشجار إلى الموانئ والأسواق، ثم تسلك الإبل في قوافل نقل المنتج العُماني الثمين في طرق سُمّيت طرق القوافل التي تنطلق من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها.

الميثولوجيا والحياة الاجتماعية

نظرًا لمكانة النوق في الحياة الاجتماعية والثقافية في ظفار، فقد جعل منها المخيال الشعبي أشبه بأسطورة؛ إذ وردت في الميثولوجيا الشفهية المنطوقة باللغة الشحرية (إحدى اللغات العربية الجنوبية الحديثة في جنوب الجزيرة العربية) أن النوق كانت ملكًا لأهل الخفاء، ثم احتال عليهم أشقاؤهم الإنس وأخذوها منهم، وبعدها افترق الطرفان بعضهما عن بعض، ولذلك فقد ارتبطت الإبل دائمًا بعالم الجن وأهل الخفاء.

يغلب نشاط الرعي في جبال ظفار، فإضافة إلى النوق توجد الماعز والبقر، ولكن رعي الإبل يمنح الإنسان الحرية في الانتقال بين مناخات ومناطق لا تتوافر فيها المياه بشكل دائم، على عكس رعاة البقر الذين يستوطنون حول موارد المياه وتخومها، أما رعاة الإبل فيمكنهم الانتقال بين ثلاث مناطق جغرافية؛ في المناطق التي تسقط فيها الأمطار الموسمية، وفي مناطق النجد، والسهول المتاخمة للسواحل. ونتيجة لذلك فقد تأسست طقوس اجتماعية خاصة برعاة الإبل، مثل عادة «خطيل الإبل» ولفظة (الخطليت) القادمة من اللغة الشحرية، وتعني تسريح النوق في المراعي واختلاط قطعان الإبل واستئناس الرعاة بالموسم، تحت تأثير نشوة اللقاء وبهجة المشاركة في الرعي بعد شهور من تباعد الرعاة وتعذر التجمع.

إن الخطليت التي عرفتها في الطفولة لم يتبقَ منها شيء سوى تسريح النوق في المراعي، فمعظم المعاطن لم تعد معاطن بعدما استقر بها الإنسان، وحولتها الحداثة إلى قرى تحرسها إضاءة الأعمدة الكهربائية. وزاد عدد قطعان الإبل أضعافًا مضاعفة حتى أصبحت تشكل تحدّيًا للبيئة والغطاء الشجري على وجه التحديد، ثم جاءت القوى العاملة، من خارج البلاد، ومارست نشاط الرعي؛ بسبب انشغال الرعاة المحليين بأعمالهم ووظائفهم، وغابت وجوه مشاهير الرعاة، وطرقهم في الرعي والعناية بالنوق والبيئة معًا. كما انقطع جزء من المجتمع عن المشاركة في الخطيل بعد أن كان حضور الأسر، نساءً وأطفالًا، جزءًا لا يتجزأ من الفرحة والمتعة، متعة اللقاء ودموع الوداع. كنا في الطفولة نتمنى «الخطلة» مع أسر لديها أطفال لنستمتع مع أقراننا باللعب وتقاسم اللحظات الجميلة.

يتواصل اللقاء بين رعاة الإبل طوال اخضرار المراعي ووفرتها، وحين تُستهلك الأعشاب والمراعي يبتعد الرعاة بنوقهم من المعاطن التي تستقر بها الأسر، فتبدو المعاطن في المساء خاوية من الحركة والنشاط، عدا ممارسة الأطفال للعبهم في ساحة المعطن، وانبعاث الدخان من الأثافي المنصوبة عند الخيام. حين يتفارق الرعاة الذين يحضرون الموسم بكل أناقتهم وزهوهم وفرحتهم أرى دموعهم تنداح خلال لحاهم المخضبة بالبياض. مشهد لا يفارق الذاكرة أبدًا رؤية الكبار وهم يتوادعون ويبكون، كانت الحياة بسيطة إلى درجة أن تنقل الأسر من مكان إلى آخر مُيسر وسهل على الدوام، لا يحتاج إلى نقل أثاث أو غيرها.

في الوقت الراهن

لا أبالغ إنْ قلت: إنّ النوق في جبال ظفار قد حجزت مكانة لها عند ملاكها إلى درجة ارتباطها بالموروث العائلي، أو ربما تُشكل جزءًا من ذاكرة الرعاة، إذ يعتني بها أصحابها عناية كبيرة سواء من ناحية الإنفاق المادي على أعلافها وقضاء أوقات كبيرة معها. وعلى الرغم من ظروف الحياة وشؤونها وشجونها، فإن إصرار مُلاك الإبل التقليديين ما زال قائمًا على التمسك بنوقهم وبالعادات الثقافية المرتبطة بها.

الإبل بطلة أعمالي

فتحي إمبابي – روائي مصري

تمتد علاقتي بالإبل إلى زمن الطفولة عندما عدنا من القاهرة إلى مسقط رأس العائلة في قريتنا بالمنوفية. كان مشهد الحقول والدواب من حمير وجاموس وجِمال وخيول كبيرًا في عيون طفل صغير، كان نقل الحطب والذرة وأكياس القطن الضخمة وجوالات القمح بعد الحصاد إلى الشون، ونقل السباخ من الحظائر إلى الحقول مهمة ملقاة على الجِمال. وكان الفلاح يسير خلف الجمال حاملًا خيزرانة طويلة، وعندما غنت السيدة أم كلثوم أغنية «أنت عمري» التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب، انتشرت انتشارًا ساحقًا بين الفلاحين وأضيف إلى مشهد الجِمال الساحر والفلاح حاملًا عصا الخيزران، جهاز الراديو الترانزستور على ظهر الإبل وصوت أم كلثوم يصدح في سماء الحقول تغني، فقط الأغاني التي لحنها عبدالوهاب لفرط بساطتها.

شرف الله

لكن المشهد الكرنفالي والاحتفال بقوافل الجِمال كان يبزغ خلال المواسم التي تعقب الحصاد أو جني القطن أو جمع محصول الذرة، حيث تنتشر الأعراس وتحمل الهوادج العذارى على ظهور الجِمال، وتبدأ عودة مواسم الاحتفالات بالموالد الشعبية والدينية، فتخرج قوافل الجِمال وتغادر القرى وعلى ظهورها الأطفال والنساء والفتيات والشباب والرجال والعجائز في ملابسهن الملونة الزاهية في الطريق إلى موالد سيدي إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، أو سيدي أحمد البدوي في مدينة طنطا بشمال الدلتا، حيث سماع القصص الشعبية وحلقات الذكر والسيرك والأفراح والغوازي، وكل ما يمكن أن يتحصل عليه الفلاح وأسرته من متعة تضمن زيارة أولياء الله الصالحين، الذين يُلجأ إليهم لشكاية أو مظلمة أو زواج عانس أو رد مطلقة أو إنجاب عاقر، وبعدها تنحر الذبائح والنذور. في هذا العالم الشعبي الخصب كتبت واحدة من أهم رواياتي وهي «شرف الله»، التي تحكي عن رحلة قرية على ظهور الجِمال إلى مدينة دسوق لحضور مولد سيدي إبراهيم الدسوقي.

رقص الإبل

«رقص الإبل» هي الرواية الثالثة من ملحمة «خماسية النهر»، وتدور أحداثها عن الحروب التي دارت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في السودان بين القوات الحكومية المصرية والحركة المهدية بقيادة عبدالله المهدي، وخليط واسع من القبائل السودانية من الإبالة أو رعاة الإبل، والبقارة «رعاة البقر». وتبدأ بقصة عشق بين صبي يدعي «التلب» وابنة عمه «مسك الجنة»، وهما من عشيرة تعيش على تخوم مدينة «النهود» غرب مديرية كردفان، ثم يخوض الصبي أولى مغامراته مع إخوته الكبار وهم يبيعون قطيع العشيرة من الإبل والماعز الذي يسمى بالحمر، ويستبدلون ببعضها على تخوم مديرية بحر الغزال قافلة من الرقيق. يسرع الإخوة على ظهور الإبل بالتسلل عائدين إلى أرض النهود، لكن على الحدود يصطدمون بوحدة للدرك تابعة للحكومة.

جرت معركة أنقذ فيها التلب أحد إخوته من الموت، بعدها يطلب الإخوةُ منه أن يقود بقيةَ القافلة وأخاهم المصابَ إلى أرض العشيرة. فدخل مضاربها وهو منهار من ثقل المسؤولية، ولم يفهم أزمته سوى مسك الجنة. سارا معًا على ظهر الناقة إلى جوف شجرة التبلدي التي يصل قطرها عشرين مترًا، وتستخدمها العشيرة خزانًا لحفظ مياه المطر، وفي الصباح استيقظ التلب وهو يتوسد فخذ الصبية التي أصبحت عشقه الأبدي. في العام التالي يزوج الجد مسك الجنة قهرا لابن قاضي مدينة الأبيض، مقابل ضم أراضي «القوز» للعشيرة، وسرعان ما تزوج العشيرة «التلب» لابنة خاله «ست النفر» وهي طفلة لم تبلغ الحيض. فتركها ليلة عرسها ورحل بحثا عن «مسك الجنة». وفي مدينة الأبيض يلتقي الدرويشَ الذي كان يستعد للإعلان عن كونه المهدي المنتظر، والذي يرسل إلى أنحاء السودان داعيًا القبائل للحاق به في قتال القوات الحكومية المصرية من أجل نشر صحيح الدين. يرحل التلب على ظهر ناقته من مضارب عشيرته بأرض النهود ليلتحق بالثورة التي اشتعلت في ربوع السودان، وكان القتال يدور على ظهور الإبل، حيث كان راكبوها يقاتلون بالرماح والسيوف، وراكبو الخيل من حملة البنادق التي استولوا عليها من الجيش المصري. وما إن انتهت المعركة حتى انطلق التلب بحثًا عن حبيبته، وعندما وجدها تخفت في زي صبي، وامتطت ظهر ناقته، وأسرعا بالهرب إلى دار زوجته في بركة الرهد. وكان زوج «مسك الجنة» هو أحد قادة المهدي، فأطلق فرقة من مطاردي العبيد الآبقين للقبض عليهما. في الرهد استقبلتهما زوجته ست النفر وأعطت لهما ناقة محملة بالزاد، فشكرها التلب ومسك الجنة، ثم انطلقا من جديد هاربين إلى أرض عشيرته في النهود.

الإبل في الثقافة الشعبية

هشام عبدالعزيز – باحث مصري

تحظى الإبل والأحصنة في البيئة العربية باهتمام بالغ، سواء في ذلك بواديها أو حواضرها، وإن كان الاهتمام بهذين الحيوانين في البوادي أكثر منه في الحواضر. ويصل هذا الاهتمام في بعض الأحيان إلى درجه أنسنتهما. وليس ببعيد مما نقول تلك الصور البلاغية النادرة التي يرسمها الشعر العربي للإبل والأحصنة، وإن كان الاهتمام بالإبل أكثر، وبخاصة في الحواضر والأرياف.

وقد وصل الاهتمام بالإبل إلى درجة تعددت معها أسماؤها في المعجم العربي وفي الثقافة العربية، فهي الإبل والنوق والبكور. بل إن كل مرحلة من مراحل عمر الناقة تأخذ صفة تحل محل الاسم أحيانًا، فهي الفصلان جمع الفصيل، وهو كل وليد فُصِلَ عن أُمّه بعد فطامه، ولا يكثر إطلاق هذا الاسم إلا على الإبل. وهي النجائب جمع نجيبة، وغيرها من الصفات/ الأسماء.

كما أن العربي لم يجد غضاضة في أن يسمي أبناءه وبناته بأسماء تتصل بعالم الإبل؛ فهند وهو اسم من أسماء النساء والرجال عند العرب، وإن غلب على النساء، يطلق هند على الجماعة من الإِبل يزيد عددُها على مئة، ويقلّ عن مئتين.

الإبل في الأمثال

كما تشهد الثقافة الشعبية العربية كثيرًا من التعبيرات والأمثال الشعبية والعادات والمعتقدات التي تتصل بعالم الإبل من قريب أو من بعيد. والجِمال في الثقافة الشعبية العربية تشير إلى الصبر، وكثيرًا ما عبر المصريون عن عموم الشعب بالجِمال وعن قائدهم بالجمّال. ومن مطالع مواويلهم الشهيرة: «أنا جمل صلب لكن علتي الجمَّال»، ومن التعبيرات الشعبية الشائعة في الثقافة المصرية والعربية تعبير «يضرب أخماس في أسداس». وهو المثل الذي تعرض له ابن أبي السرور البكري في معجمه: «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»؛ إذ أشار إلى أن هذا المثل يعني أن أحدهم يدبر مكيدة لآخر، وهو المثل الذي نتداوله اليوم إشارة إلى شدة الحيرة، غير أن هذا المثل الشعبي يرتبط بعالم الإبل في البادية العربية قديمًا، حيث يشير إلى استعداد العربي للسفر، فيقوم بتعطيش ناقته خمسة أيام ثم يسقيها، ثم يعطشها ستة أيام ثم يسقيها، حتى يصل إلى هدفين: الأول تدريب ناقته (سفينة الصحراء) على تحمل العطش. والثاني هو إجبارها على تناول كمية كبيرة من المياه وتخزينها في جوفها، حتى إذا ما احتاج إلى ماء في الصحراء يمكنه أن يذبح ناقته، ويأكل لحمها ويشرب مما خزنته في جوفها من ماء.

منتجات تتصل بالإبل

كما عرفت الثقافة المادية الشعبية المصرية والعربية عددًا من المنتجات التي تتصل بالإبل، مثل: الهودج، والتختروان، والشقدف والمحني، وكلها أشياء توضع على ظهر الإبل في حالات محددة، وبخاصة العُرس. وقد ورد ذكر بعض هذه الملامح المادية الشعبية في «معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية» الذي حققتُه، وقد نشرته مكتبة الإسكندرية عام 2016م.

ومما جاء في المعجم عن التختروان أنه «اسم للمَحَفَّة التي يحملونها على الجمال، وينقلون فيها العروس من بلد لآخر، وتستعمل كثيرًا في طريق الحجاز لمن يقصدون الحج، وهي كثيرة الاستعمال عند العرب. وتسمى أيضًا عند الفلاحين «الْحمْل الْمغَطّي». أما «الشُّقْدُف» فهو محفّة أصغر من «التختروان». و«الْمَحْنِي» محفة صغيرة أيضًا. فأما «التختروان» و«الحمل المغطي» فيُحمل كل منهما على جملين معًا، وأما «الشُّقْدُف» و«الْمَحْنِي» فيحمل كل منهما على جمل واحد. و«التختروان» أشبه بالسرير، ينصب على خُشُب يُوضع بعضها إلى جانب بعض، ثم يحمل على جملين معًا، ثم يُزَيَّنُ ظاهره بأنواع من النقوش الجميلة. ومن الناس من يتخذه من حرير، ومنهم من يتخذه من ناعم الصوف، وإلى غير ذلك، فكل على قدر طاقته. ومن ينقل فيه العروس من بلد لآخر هم أغنياء البلاد وذوو اليسار. أما الفقراء فيستعملون لنقلها «الشقدف» أو «المَحْنِي»، وهما متشابهان، إلا أن «الشقدف» لا يُزيَّن بزينة، بل هو عبارة عن أقمشة من صوف خالية من الزينة تنصب على خَشب يحمل على جمل واحد، وهو مربع الجوانب كالسرير، بخلاف «المحني» فإنه يزين من ظاهره وينصب على جريد النخل، ويكون ضيقًا من أعلاه واسعًا من أسفله على شكل رأس السكر. وتبدو أطراف الجريد من أعلاه خضراء تتمايل كالغصون، وأسفله خُشُب موضوع بعضها إلى جانب بعض. ويتخذ من حرير ومن صوف على مقدار غنى الشخص ويساره».

ملامح فنية

ومن أهم الملامح الفنية المرتبطة بعالم الإبل الحُدَاء. والحادي في الثقافة الشعبية العربية معروف، غير أن الثقافة الشعبية المصرية تحدثنا أيضًا عن «الحادية»، وهي المرأة التي تؤدي ما يؤديه الحادي نفسه. وقد ورد في عامية القرن التاسع عشر، على ما جاء في «معجم التحفة الوفائية»، أن الحَدْوَ هو أن تردد واحدة من البنات اللاتي يغنين أغنية ما، ثم تجاوبها بقية البنات على ترديدها، وذلك وقت أن يكنَّ مشتغلات بعمل من الأعمال، وهذا يقع منهن تسلية عن تحمل مشاق العمل. وكذلك الشغالون من الذكور يغنون وقت الشغل، وواحد منهم يردد الغناء، فهذا الترديد يسمى: «حَدْو»، فيقولون: «فلان بِيحدِي»، أي: يردد وحده الغناء، والباقون يجاوبونه على ترديده. و«فلانة بِتِحْدِي». ولا يقولون اسم الفاعل «حادي» أو «حادية». وقد جاء في معاجم اللغة الفصيحة: «حادي»: مَنْ يَسُوق الإبل. قال ابن الفارض: خَفِّفِ السَّيْرَ واتَّئدْ يا حَادِي *** إنما أنْت سَائقٌ بِفؤادِي.

الإبل في التراث العربي

محمد تحريشي – باحث جزائري

الإبل، هذه المخلوقات الجميلة التي رافقت الإنسان في حِلّه وترحاله، كانت ولا تزال رمزًا من رموز علاقة الإنسان بالحيوان في كل الشرائع البشرية؛ وهو ما جعلها تحظى بالعناية والاهتمام لكونها أيقونة من أيقونات البيئة والطبيعة والثقافة والتراث والأصالة. ومنها كان المركب والمأكل، وكانت هي سفينة الصحراء من دون منازع، ومنها اشتقت أسماء بعض وسائل النقل، فهي السيارة، وهي القافلة، وهي القطار.

حظيت الإبل بمكانة خاصة في القرآن الكريم، ودعانا الله إلى التفكر في هذا الخلق. يقول تعالى: «أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) » (الغاشية: 17- 20). قال الزمخشري في «الكشاف»: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ نظر اعتبار كَيْفَ خُلِقَتْ خلقًا عجيبًا، دالًّا على تقدير مقدر، شاهدًا بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة(١)، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمّتها: لا تعاز ضعيفًا ولا تمانع صغيرًا، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار…» وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِه: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ»؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ…». هذا وقد ذكرت الإبل في مواضع أخرى من القرآن الكريم لا يسعنا الوقوف عندها هاهنا.

أشهر الإبل

احتفظ التراث بأسماء بعض الإبل لشهرتها ولقيمتها المرتبطة بأحداث مهمة في تاريخ البشرية؛ منها: ناقة الله لثمود قوم صالح؛ الذين طلبوا منه آية على صدق دعواه عبارة عن ناقة عشراء تتمخض من صخرة، فاستجاب الله لهم، وكانت تَرِدُ يومًا وهم يَرِدُونَ في يوم آخر، ثم إنهم عقروها فكان هذا سبب وقوع العذاب عليهم. ناقة البسوس: والبسوس امرأة استجارت بجساس بن مرة، وحين رأى ناقتها «كليب بن ربيعة» ترعى في حماه قتل فصيلها، فثارت الحرب بسببها بين قبيلتي بكر وتغلب أربعين عامًا. وعُرفت بحرب البسوس التي انتهت بصلح. ناقة رسول الله القصواء: وهي التي هاجر عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال للأنصار حين استقبلوه: «دَعُوها فإنها مأمورةٌ».

من أخبار الإبل

حظيت الإبل بمكانة خاصة في كتب الأدب والمعاجم وفي رسائل الحيوان التي شكلت نواة المعاجم العربية، وقد اهتم رواة الأخبار بالإبل، فرصدوا ما قيل فيها من أشعار وأقوال مأثورة ومن حكم وأمثال، حتى إن ذكرهم امتزج بذكرها. قال المثقب العبدي:

تَقولُ إِذا دَرَأتُ لَها وَضيني

أَهَذا دِينُهُ أَبَدًا وَديني

أَكُلُّ الدَّهْرِ حَلٌّ وَارتِحالٌ

أَما يُبقي عَلَيَّ وَما يَقيني

فجعل الناقة تشتكي من كثر سفره وألبس عليها لباس البشر، فهي تحس وتشعر وتضجر وتشتكي. وأما امرؤ القيس فقد ضحّى بناقته من أجل إسعاد تلك العذارى في يوم الغدير، والقصة مشهورة:

وَيَوْمَ عَقَرْتُ للعَذارى مَطيّتِي

فيا عجبًا من كورِها الْمُتَحَمَّلِ

فظلَّ العذارى يرْتَمينَ بلحمها

وشحمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ الْمُفَتَّلِ.

وتوقف الجاحظ كثيرًا عند الإبل، فأشار إلى شيء من طباعها، وعاداتها، وأشكالها، وحالاتها في كتابه «الحيوان».

الإبل في الأمثال

كثرت الأمثال عن الإبل عند العرب، التي تعتصر تجربة الإنسان مع هذا الحيوان، فعرف طباعها وأشكالها وصفاتها وقدرتها على الصبر، وفي حالات نبهت إلى أن الجمل يكون حقودًا إنْ هو تلقى معاملة قاسية، وقد يقوده حقدُه هذا إلى قتلِ مَنْ تَسبّبَ في إيذائه. كما أن العرب تعرف كيف تعامل هذه الإبل بما يضمن هذه العلاقة الخاصة، فإذا لم يتقن أحد عملًا، أو لم يعرف كيف يقوم به قِيل له ما قال الشاعر مالك:

أَوْرَدَها سعدٌ وسعدٌ مُشتمِل

ما هكذا يا سعدُ تُورَدُ الإبل

والبيت يشير إلى أن سعدًا أورد الإبل ماء لا تصل إليه بالاستقاء، ثم اشتمل ونام وتركها، ولم يستقِ لها، أي يرفع لها الماء لتشرب، فصار البيت مثلًا لمن لا يجيد القيام بمهمته كما يجب. ومن الأمثال قول العرب: «لا ناقةَ لي فيها ولا جَمَل»، ويضرب لمن يطلب منه الاشتراك في أمر لا يهمه، أو عند التبرؤ من الظلم والإساءة. ومنها أيضًا قولهم: «إبلي لم أَبِعْ ولم أَهَبْ»، أي لم أبعها ولم أهبها. ويضرب للظالم يخاصمك فيما لا حقَّ له فيه.

صورة الإبل لدى المستشرقين

مفيد الزيدي – باحث عراقي

هناك علاقة بين الدراسات الاستشراقية في المنطقة العربية وحياة ودور الإبل فيها، فلا يمكن أن تجد دراسات لمستشرقين إلا وكانت الإبل محورًا فيها، أو صورة أو لوحة فنية لها؛ لذلك ندرس في هذه المقالة صورة الإبل في نظر المستشرقين الغربيين.

إن نظرة المستشرقين في الغرب تجاه الإبل في الجزيرة العربية، كانت محور اهتمام العديد منهم، فقد تناولوا موضوعاتها بطرق تعكس تصوراتهم عن الثقافة العربية، والرؤى المتنوعة عن الإبل وعدّها رمزًا لهذه الثقافة، نظرًا لقدرة الإبل على التكيف مع بيئة الصحراء، وعدّها رمزًا للثروة والمكانة الاجتماعية لدى القبائل البدوية. ولاحظ المستشرقون أهمية الإبل كوسيلة نقل في الصحراء ودورها في الرحلات الطويلة، وهم الذين تنقلوا أو عاشوا في الجزيرة العربية لسنوات وعقود طويلة، وأدركوا أن الإبل جزء أساسي من حياة البدو. وبذلك فإن المستشرقين الذين درسوا المنطقة قدّموا الرؤى تجاه الإبل؛ نظرًا لدورها في الحياة البدوية والثقافة العربية، وأبرزوا أهمية الإبل كجزء من الاقتصاد البدوي، بوصفها مصدرًا رئيسًا للغذاء كالحليب واللحم، ووسيلة للتنقل في الصحارى الواسعة، وسلعة قيّمة للتجارة، ولاحظوا دور الإبل في النسيج الاجتماعي للقبائل البدوية، فامتلاكه كان بمنزلة الرمز للثروة والمكانة.

وأشار المستشرقون إلى تكيف الإبل مع البيئة القاسية في الجزيرة العربية، وقدرتها على البقاء من دون ماء وتحمل درجات الحرارة العالية، ودرسوا كيفية تربيتها واستخدامها في الرحلات الطويلة عبر الصحراء، والمعرفة التي يمتلكها البدو في رعايتها وتربيتها، وشاهدوا استخدامها في المناسبات الثقافية والدينية، كالحج، حيث كانت الإبل وسيلة النقل التقليدية للحجاج، ودرسوا تكيف المجتمعات البدوية مع التحولات في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإبل، وقدّموا رؤية شاملة عن أهميتها في الحياة البدوية في الجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، مع مزيج من الاحترام والإعجاب بالإبل. («لوحات المستشرقين ومكنونها في الشرق العربي، الاستشراق يظل إرثًا ثقافيًّا كان له دور في فهم العلاقات بين العالميْنِ الغربي والشرقي»، 2023/04/04،https://www.middle-east-online.com/%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-).

التاريخ الثقافي

كما اهتمت دراسات المستشرقين بالتاريخ الثقافي للإبل؛ وأبرزت حضوره في النتاج الأدبي والفني لأشهر الأدباء والفنانين الغربيين، وتداخله في الموروث الشعبي للمجتمعات العربية. ومثال ذلك: أصدرت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض كتابًا بعنوان: «شمال نجد: يوميات رحلة استكشافية على ظهور الإبل»، من تأليف ألويس موسيل (1868-1944م)، وصدر أيضًا كتاب بعنوان: »الجمل: التاريخ الطبيعي والثقافي، للكاتب روبرت إيروين، وقد صدر بالإنجليزية في لندن عام 2010م.

وعلى هذا الأساس أصبحت السردية الاستشراقية عن الإبل مرجعًا للدراسات التاريخية المعاصرة عن الثقافة البدوية العربية، وعن طبيعة المجتمع البدوي في الجزيرة العربية على وجه العموم.


هوامش:

(1) باقر، طه، علاقات بلاد الرافدين بجزيرة العرب، مجلة سومر، الجزء الثاني -المجلد الخامس، 1949، ص 126.

(2) Labat R, Ibid, No.459, p.205.

(3) خالد الأعظمي، مصدر سابق، ص 179-185.

(4) The Assyrian Dictionary of the Oriental Institute of the University of Chicago, Chicago, 1956ff, vol. A, p.212, (= CAD).

(5) CAD, Ibid, A, p. 239.

(6) Lukenbill D D, Ancient Records of Assyria and Babylonia Volume 2: Historical Records of Assyria from Sargon to the End, Chicago, 1927, (=ARAB,) vol.2, par.1083-1084, p.400.

(7) Julian Reade, Assyrian Illustrations of Arabs, in: Phillips C.S, Polls D.T and Searight S, 1st edition, Brvpols, 1998, p.226, fig.6.

(8) Labat R, op.cit, no.208, p.119.

وللمزيد حول الإبل ودورها في النقل، ينظر: قصي منصور عبدالكريم التركي، التجارة البحرية بين العراق والخليج العربي خلال الألف الثالث قبل ميلاد السيد المسيح، رسالة دكتوراه غير منشورة مقدمة إلى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 2003-2004م، ص257.

(9) Labat R, op.cit, no.208, p.119.

(10) Black J and Others, A Concise Dictionary of Akkadian, (=CDA) Wiesbaden, 1999, p.1.

(11) المواقع التراثية في منطقة الجوف، سلسلة المواقع التراثية في المملكة العربية السعودية، هيئة التراث السعودية،2023م، ص 6.

(12) قصي منصور التركي، مصدر سابق، ص125.

(13) رضا جواد الهاشمي، آثار الخليج العربي والجزيرة العربية، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1984م، ص279.

(14) رضا جواد الهاشمي، آثار الخليج العربي والجزيرة العربية، (بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1984)، ص279.

(15) Grayson A Kirk (1996), Assyrian Rulers of the Early First Millennium BC II (858-745). RIMA 3, in: The Royal Inscriptions of Mesopotamia Assyrian Periods, vol.3, University of Toronto, p.23.

(16) Hoftijzer J and K.Jongeling, Dictionary of the North-West Semitic Inscriptions, Leiden. New York. Köln, 1995, p. 226.

(17) Payne Smith, Syriac English Dictionary, Oxford, 1979, p.72.

(18) سليمان الذييب، المعجم النبطي، الرياض، 2000م، ص63-64.

(19) Brown F and other, op.cit ,p. 129.

(20) هاشم الطعان، مساهمة العرب في دراسة اللغات السامية، الموسوعة الصغيرة 19، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1978م، ص 59.

(21) أبو الفضل جمال الدين ابن منظور، لسان العرب، المجلد الأول، ط1، دار صادر، بيروت، 1997م، ص178.

(22) Labat R, Manuel D’épigraphie Akkadienne, société Nouvelle librairie orientaliste, Paris 2002, no.168, p.109.

(23) Labat R, op.cit, no.374, p.171.

(24) ibid.

(25) Hoffman, M., Egypt Before The Pharaohs, New York 1979, p.68 ; Wendorf, F., The Prehistory of the Egyptian Sahara, Science 193, 1976, p.106.

(26) Menghin and M. Amer, The Excavations of the Egyptian University in the Neolithic Site at Maadi, (Cairo, I932), 33, pl. 20. I37.

(27) Rizkana , I. and Seeher , J., Maadi III : The Non-Lithic Small Finds and the Structural Remains of the Predynastic Settlement , Mainz am Rhein 1989 , pp.11-12 , pl. I: 3,5.

(28) Michael Ripinsky, The Camel in Dynastic Egypt, JEA, Vol. 71 (1985), p.135.

(29) Scharff, A., Die Altertümer der Vor-und Frühzeit Aegyptens II,Berlin 1931, p. 71, pl.21:103.

(30) MӒller , G., Ausgrabung der Deutschen Orient – Gesellschaft auf dem Vorgeschichtlichen Friedhofe bei Abusir-el-Meleq im Sommer , 1905 , MDOG 30 , 1906 , 17.

(31) Petrie ,F., Abydos II , p.27 , 49 , pl.10.

(32) Quibell , J.E. and Green , F.W., Hierakonpolis II , p.49 , pl. 62, fig.2.

(33) G. Moller, ‘Ausgrabung der Deutschen Orient-Gesellschaft auf dem vorgeschichtlichen Friedhofe bei Abusir-el-Meleq im Sommer, 1905’, MDOG 30 (1906), 17.

(34) Saad,Z., Royal Excavation at Helwan (1945- 1947), in: Supplement aux ASAE, Cahier 14, Le Caire 1951, p.38, pl. XLVIII a-b.

(35) Child, V.G., What Happened in history, London 1942,p.65f.; Emery, W.B., Archaic Egypt, Baltimore 1961, p.240.

(36) حسني عمار، المرجع السابق، ص 127.

(37) E. A. W. Budge, The Mummy. A Handbook of Egyptian Funerary Archaeology, 2nd ed. (Cambridge, 1925), 388.

(38) V. G. Childe, What Happened in History (London, I142), 65-6; W. B. Emery, Archaic Egypt (Baltimore, I96I), 240.

(39) Dunbar, J.H., Rock Pictures of Lower Nubia, Cairo 1941, p.49, pl.14, fig.64.

(40) Schweinfurth, G., Über alte Tierbilder und Felsinscriften bei Assuan, Zeitschrift für Ethnologie 44, 1912, p.633.

(41) Caton-Thompson , G. and Gardiner , E.W., The Desert Fayum,Bedford 1934, p.123 , no.191.

(42) سمير أديب، موسوعة مصر القديمة، ج 6 ، الحضارة، القاهرة، 2020، ص 249.

(43) Montet, P., Byblos et l΄Égypte I, Paris 1928, p.91, pl.52:179.

(44) Little, O.H., Recent Geological Work in the Faiyum and the Adjoining Portion of the Nile Valley, Bulletin de l’Institut d’ Égypte 18, 1935-6, p.215.

(45) صالح، عبدالعزيز، شبه الجزيرة العربية في المصادر المصرية، مجلة عالم الفكر، المجلد. الخامس عشر، العدد الأول ص ٣٠٢.

(46) Free, J., Abraham’s Camels, JNES 3, 1944, p.188f.

(47) Bisson de la Roque, M.F., Raport sur les Fouilles de Médamoud, FIFAo 7, 1929, p.56.

(48) Petrie, F., Gizeh and Rifeh, London 1907, p.23, pl.27.

(49) Mariette, A., Abydos II, pl.40; Von Bissing, F.W., Zur Geschichte des Kamels, p.68.

(50) Petrie, F., Ten Years digging, London 1892, p.75.

(51) حسني عمار، المرجع السابق، ص 132.

(52) Shaw, I. and Nicholson, P., British Museum Dictionary of Ancient Egypt, The American University in Cairo 1995, p.59.

(53) A General Introductory Guide to the Egyptian Collections in the British Museum, London1971, p.200.

(54) Daressy, G., A Travers les Koms du Delta, ASAE 12, 1912, fig.9.

(55) حسني عمار، المرجع السابق، ص 133.

(56) Murray, G.W., Early Camels in Egypt, p.105.

(57) Janssen, R. and Janssen, J., Egyptian Household Animals, Shire Publications, Aylesbury, London (1989); Journal of Archaeological Science, Volume 32, Issue 3, March 2005, Pages 451-463.

(58) Epstein, H., The Origin of the Domestic Animals of Africa, Vol.2, London 1971, p.566.

(59) Saber, A.S., The Camel in Ancient Egypt, Proceedings of the Third Annual Meeting for Animal Production Under Arid Conditions, Vol. I, 1998, 208-215.

(60) قادوس، عزت، فنون الإسكندرية القديمة، الإسكندرية ٢٠٠١ ، ص170 – 171، شكل 24.

(61) Rostovtzeff, M., The Social and Economic History of The Roman Empire I, Oxford 1957, pl.53:4.

(62) Ibid., pl.53:3.

(63) http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/ostraka/uc62835.html

(64) http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/ostraka/uc62835.html

(65) achtergael,G.,Le chameau,l’âne et le mulet en Égypte gréco-romaine,Cd’É 64,1989,294nº 13.

(66) Borchardt , Statuen und Statuetten, CG 1191.

(67) http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/ostraka/uc62835.html

(68) حسني عمار، المرجع السابق، ص 136 – 138.

  Michael Ripinsky, The Camel in Dynastic Egypt, JEA, Vol. 71 (1985), p.141.
  A. S. Saber, The Camel in Ancient Egypt, Proceedings of the Third Annual Meeting for Animal Production Under Arid Conditions, 1998 United Arab Emirates University ,Vol. 1: 208-215.

أبـي، صانعُ السعادة

أبـي، صانعُ السعادة

صار أبي يغفُل عن يدي الممدودةِ نحوه للتحية. أحاولُ أن أُمسكَ يده لأقبلها كما دأبتُ على أن أفعل منذ صغري، لكنه لا ينتبه. بلهفة يخطفُ حفيدَه ـ ابني من بين يديَّ ليقبله ويُلاعبَه قليلًا، إلى أن يُشبع بعضًا من شوقه، حينذاك فقط يلتفتُ نحوي. أضحك في سري، مُستمتعًا بهذه اللحظة الرائعة، ومُعاينًا كيف يُخرج ابني الصغيرُ الذي صار بالكاد يلثغُ بحروفه الأولى ويرتبُ أنصافَ كلمات؛ يُخرج أبي عن تحفظه، ويجعله يفرجُ عن مشاعره الأبوية أمامنا، هو من عهدناه كتُومًا مؤثرًا للصمت، يُفصحُ عن مشاعره بكلماتٍ قليلة وحركاتٍ أقلَّ.

– ١ –

أكون منهمكًا في العمل، جالسًا في المقهى أهدهد أحلامي المؤجلة كي لا تشيخ، غارقًا في تفاصيل كتاب، أو أمشي في الشارع مندسًّا وسط الحشود، عندما تقفز الصورة فجأة إلى ذهني دون سابق إنذار.. تدهَمُني وتحضر كاملةَ التفاصيل بألوانها، أصواتها وروائحها أيضًا: أراني برفقة أبي. أجلس فوق المقعد الأمامي للدراجة الهوائية، فيما يسوق أبي بمهل وحذر. أسمع صوت لُهاثه الخفيف، وأشم رائحة عرقه المميزة، وأنظر بدهشة إلى يديه المشعرتين البارزتي العروق، وهو يمدُّهما مُمسكًا بالمقود.

فيما يتولى هو القيادة بهدوء، وبِغير قليلٍ من المهارة أيضًا، أنصرفُ أنا إلى تأمل الأماكن والناس من حولي بفضول واستمتاع، شاعرًا بالأمان. قد نكون قاصدَيْن المدرسةَ التي يرافقني إليها أحيانًا، أو خارجَيْن في جولة حرة بالمدينة، أو أرافقه إلى لقاء صديق له يملك متجرًا صغيرًا في أحد أحياء مراكش القديمة.

تأتيني الصورة ذاتُها في كل مرة، تُؤثثها التفاصيل عينُها، فتقدح زنادَ ذاكرتي وتحرك فيضَ مشاعري نحو هذا الرجل الذي أتمنى أن أملك مثلَ رصيده من الأبوة الحانية لأسبغَها على ابني- حفيدِه الذي أوشك أن يُقنعني بصحَّة المثلِ السائر: أعزُّ مِن الابن.

– ٢ –

كُلما اجتمعنا في إحدى جلساتنا العائلية الخاصة التي صارت أقل مع مرور الوقت، رحتُ أنظر بحنقٍ إلى ذلك الجهازِ اللعين التي يبقى مشتغلًا بلا توقف: التلفاز. يتراءى لي مثلَ ضيفٍ ثقيل يفسدُ الجلساتِ، ويبرَعُ في جعلها أقلَّ دفئًا. يتحدث بالنيابة عنا، نُصغي إلى أكاذيبه وتفاهاتِه الكثيرة عوضًا من أن نصغيَ إلى
بعضنا الآخر.

اليوم، كأنما قرأ ما يدورُ في ذهني أَخمدَ أبي أنفاسَ الصندوق وهو يلجُ البهو ليجالسنا.

قالت له أمي فجأة: لو سمحتَ لحسن بالانخراط في فريق المدينة إبَّان طفولته لرُبَّما صار الآن لاعبًا مشهورًا، وجنى كثيرًا من المال.. لماذا منعتَه آنذاك؟

يبتسم أبي تلك الابتسامةَ ذاتَها التي فيها ما يشبه اعتذارًا خجولًا، ويصمتُ طويلًا كأنه لن يردَّ. وفي النهاية يقول:

– كنت أخاف أن تشغلَه الكرةُ عن الدراسة.

حقًّا كانت لي يسرى ماهرة، وكنت أداعبُ الكرةَ بغير قليلٍ من البراعة، وحظيتُ بشهرة في الأحياء المجاورة. ربَّما لم أكن لأذهبَ بعيدًا في لعبِ كرة القدم، لكنَّ ذكرى رائعة لا تبرحُ ذهني كلما استعدتُ شغفي باللعبة أو تحدثتُ عنها مع الأصدقاء.

كنا نلعب الكرةَ في ملعبٍ قريب من الحي. وكنت أنتعلُ صندلًا بلاستيكيًّا ممزقًا يعوق حركتي. وبينما كنت مستغرقًا في اللعب، سمعت أبي على مقربة من الملعب يناديني ويشير إليَّ، فركضت نحوه. سحب من خارج الدراجة كيسًا؛ فتحه وأخرج منه حذاءً رياضيًّا وبذلة رياضية كاملة كان قد اشتراها لي للتو. ارتديتُها بفرح غامر وأنا أستعجل العودة إلى الملعب. جمع أبي البذلة القديمة والصندل البلاستيكي في الكيس وغادر إلى البيت، فيما عدت راكضًا إلى الملعب. لا بد أني شعرت نحو أبي بعميق الامتنان آنذاك، ولا بد أيضًا أني شكرته بتلك الطريقة التي تعودت أن أعبر بها عن شكري وامتناني: تقبيل اليد. لا شك أني فعلت ذلك، لكن الامتنان الحقيقي الأكبر هو ما أشعر به نحوه الآن، بعد أن كبرت.

– ٣ –

أبي جعل مني رجلًا كَلِفًا بالأشجار!

تحفل حديقة حياتي، حقًّا، بأشجار متنوعة، رسخت جذورها في تربة ذاكرتي، وأحمل لبعضها كثيرًا من الامتنان والحب، لكن الشجرة التي جعلت مني عاشقًا كبيرًا للأشجار كانت شجرة نارنج، وكان أبي هو من قادني إليها. وإني لأجد متعة حقيقية ومتجددة في كل مرة أروي فيها حكايتي مع تلك الشجرة.

وأنا بعدُ طفل أرسلني والدي لأتبضعَ من محل البقالة، بعد أن سلمني قطعة نقد ورقية من فئة الـ 50 درهمًا. كان الشارع مظلمًا بلا إنارة عمومية، فيما تهب ريح خفيفة. وبينما كنت ماشيًا انقضت أصابع الريح في غفلة مني وخطفَت من يدي الورقة المالية وطارت بها بعيدًا. ذعرت ورحتُ أبحثُ عن الورقة المالية باندفاع عشوائي وسط الظلمة، وأنا ألوم نفسي بقسوة على غفلتي، وأفكر في توبيخ أبي القاسي، وكيف سيعتبرني غيرَ جدير بالمسؤولية. وبينما كنت مغمورًا بحيرتي وغضبي من نفسي، رأيت شُجيرة نارنج شبه ميتة على مقربة مني، فقلتُ: ماذا لو تركت الورقة المالية الخضراء كل هذا الفراغ وآثرت أن تلتصق بجذع هذه الشجيرة، رأفةً بطفل يخشى اللوم والتقريع، ويخشى أكثر أن يُعتبرَ غير جدير بالمسؤولية؟! اقتربت من الشجيرة بأملٍ خائف، لأجدَ الورقة العزيزة ملتفة حول الجُذيع الصغير وهي ترفرف. انقضضْت عليها بفرح غامر و«كرمشتها» بين أصابعي.

بعد ذلك بأكثر من عشرين سنة وجدتني أكتب قصة أسميتها «شجرة النارنج»، شخصيتها الأساسية هي هذه الشجرة التي كانت شجرة رئيسة في بستان طفولتي. وفي لحظة تجلٍّ انقدحَت تلك الذكرى البعيدة في ذاكرتي، وأحسست بأني لم أكتب هذه القصة إلا امتنانًا لتلك الشجيرة التي صانَت برعم كرامتي الصغيرَ بداخلي. فلِذكرى تلك الشجيرة ينحني طفل ما زال بداخلي لم ولن يكبر أبدًا!

– ٤ –

مُمتطيًا صهوةَ المقعد الأمامي للدراجة، شاعرًا بالأمان كنت أستمتع بقراءة اللافتات والكتابات على الواجهات والجدران، فيما أبي يقود الدراجة بمهل يناسبني على نحو مثالي. على تلك الصهوة اختبرت أول ما تعلمته على مقاعد الدراسة، وأبي ينتشي بذلك وأرى الفخر يُطلُّ من عينيه، كلَّما استنطقتُ لافتةً أو جهرتُ أمامه بفحوى إعلان. وفيما بعدُ صرت أجدُ لذةً خاصة في تصيُّدِ الأخطاء الفادحة في بعض اللافتات والإعلانات، مما كان يثيرُ سخريتي وغيرتي أحيانًا، وكثيرًا ما تمنيت لو أمد يدي إلى هذه اللافتة أو تلك لأُميطَ الأذى عن تلك اللغةِ التي صرتُ أعشقها.

«صانعُ الأسنان» (مع رسم رديء لضرس يكفي الأُمِّيين شرَّ الأبجدية) «صانعُ الأقفال والمفاتيح». «صانع الـ…»؟  تذكرتُ مثل هذه اللافتات التي كانت تأسرني في تلك الطفولة البعيدة، فجاءني للتو العنوانُ الذي أبحثُ عنه لما كتبتُه آنفًا. أجل لقد كان أبي صانعَ سعادةٍ بحق: سعادةِ الطفلِ الذي كنتُه آنذاك والرَّجل الذي عليه أنا الآن!

أبي.. شكرًا لك.. شكرًا وامتنانًا بحجم الحياة!

النسوية والترجمة.. أبعد من مجرد لغة شاملة

النسوية والترجمة.. أبعد من مجرد لغة شاملة

في 30 سبتمبر 2019م، شاركت في مؤتمر (Voiced: الترجمة من أجل المساواة) الذي ناقش نقص منظور النوع في دراسات الترجمة ومكافحة الصور النمطية. قدمتُ مع نُوريا مولينيس موضوعًا بعنوان: «اللسان المشقوق: النسوية والترجمة»، وهو جزء من سلسلة تأملات حول منظور النوع في الترجمة. تناولت هذه التأملات الأسئلة التالية: هل يمكن (أو يجب) الترجمة من منظور النوع؟ ما الذي يقدمه منظور النوع في الترجمة؟ ما الإستراتيجيات التي يمكن للمترجمين استخدامها للقيام بذلك بطريقة شاملة؟

نشأت هذه الندوة من الحاجة إلى: مناقشة نقص منظور النوع في دراسات البكالوريوس. مكافحة قلة أو عدم وجود وضوح للنوع النسوي، وبخاصة في الحالات الغامضة التي يحكمها مبدأ الذكورة بصفته قاعدة. مكافحة إعادة إنتاج الصور النمطية الجندرية -أي المبنية على النوع- التي تُستوعَب على أنها طبيعية.

أدركنا أن هناك كثيرًا من الكتابات حول اللغة الشاملة والترجمة، والنسوية والترجمة. فقد اعتقدنا أن مساهمتنا يجب أن تكون ذات طابع عملي، من خلال مناقشة تجربتنا المهنية مع دور النشر التي كلفتنا بترجمة كتب ذات طابع نسوي. كما لحظنا أن نظرية الترجمة لا تُولي اهتمامًا كافيًا لدور الفاعلين المشاركين في عملية تحرير الكتاب؛ لذلك نعتقد أن الاستماع إلى صوت المترجم ضروري لفهم أفضل لكيفية سير العملية التحريرية والعلاقات الهرمية التي قد تؤثر في قرارات المترجم. وعلى الرغم من أننا نسويتان تؤيدان استخدام اللغة الشاملة، فإننا نرى فرقًا واضحًا بين الترجمة ذات الطابع العرضي والنشط، التي تسعى إلى إعادة كتابة النص من منظور نسوي شامل، والترجمة المهنية التي تخضع لمعايير محددة وتواجه قيودًا في استخدام اللغة الشاملة. ولذلك نستخدم مصطلح «المترجم المهني» للإشارة إلى المترجم الذي يعمل بانتظام في مجال الترجمة، من دون التقليل من دقة ومهارة المترجم العرضي الذي يعمل بشكل غير منتظم.

شهد عصرنا ازديادًا ملحوظًا في الوعي بقضايا النوع، وهو ما ينعكس على مختلف المجالات، بما في ذلك القطاع التحريري. ففي المكتبات، نجد اليوم عددًا أكبر من الكاتبات مقارنةً بما كان عليه الحال قبل بضع سنوات، كما تزداد أعداد دور النشر المتخصصة في النسوية ونشر أعمال الكاتبات المنسيات أو غير المعروفات. وُصفت هذه الحقبة من بعض الباحثات بـ«الموجة الرابعة» للنسوية، مع تركيزها على قضايا جديدة تتعلق بهوية النوع والتنوع.

تُشكل النسوية المعاصرة حركة عابرة للحدود الوطنية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمطالبات الخاصة بالهوية وحقوق الأشخاص المُعرّضين للتمييز، وتسعى إلى تلبية مطالب النساء والمجموعات الاجتماعية الأقل وضوحًا. وقد امتد هذا التأثير إلى مجال الترجمة؛ إذ ازدادت أعداد المترجمات والكاتبات اللواتي يُعارضن هيمنة الذكور في اللغة، ويستخدمن صيغًا بديلة للمذكر العام؛ لعدم كفاية تمثيله للنساء والأشخاص غير الثنائيين.

 

منظور جديد للترجمة

تُقدم الترجمة النسوية منظورًا جديدًا للترجمة يُركز على المساواة والعدالة، رافضةً هيمنة الذكور في اللغة، وداعيةً إلى «ابتكار طرق تعبير جديدة لتفكيك العبء الأبوي للغة والمجتمع. من الأمثلة على ذلك حركة الترجمة النسوية الفرنسية الإنجليزية في كيبيك في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، التي أعلنت عن أخلاقياتها وسياسة الترجمة بوضوح، مُؤكدةً أهمية المساواة والعدالة في عملية الترجمة. من أهم خصائص حركة الترجمة النسوية في كيبيك: التركيز على تمكين النساء في الترجمة، عبر استخدام لغة شاملة تُمثل الجميع، وتجنب التمييز في الترجمة. والتحدي للمركزية الذكورية في اللغة، من خلال إعادة صياغة النصوص لجعل اللغة أكثر عدلًا ومساواة. والوعي بالسياق الثقافي للغة المستهدفة، من خلال مراعاة الاختلافات الثقافية بين اللغة المصدر واللغة المستهدفة.

ويُعد ازدياد الوعي بقضايا النوع ظاهرة إيجابية تُؤثر في مختلف المجالات، بما في ذلك الترجمة. وتُقدم الترجمة النسوية منظورًا جديدًا للترجمة يُركز على المساواة والعدالة، وهو ما يُساهم في خلق مجتمع أكثر عدلًا وشمولًا.

لذلك، فإن السؤال المُلِحّ هو: أيهما أكثر تلاعبًا؟

معظم الكاتبات النسويات (والمؤلفين) الذين ترجمتُ أعمالهم ينتمون إلى تيارات نسوية تهتم بقضايا العرق والنوع، مثل النسوية السوداء ونسوية الملونين. ويُركزون على نهج تقاطعي للنوع والعرق، والمثلية الجنسية أو المتحولين جنسيًّا. بعضهم من الولايات المتحدة أو بريطانيا، وينتمي بعضهم الآخر إلى أصول هندية (جاسبير بوار) أو باكستانية (سارة أحمد) أو إفريقية أميركية (بيل هوكس، روكسان جاي، مارلون تي. ريغز). وباستثناء مارلون تي. ريغز، الذي يخلط بين ضميرَي المذكر والمؤنث لخلق لغة هجينة، فإن العديد من هؤلاء الكتاب لا يكسرون الكود الثنائي في نصوصهم، ولا يستخدمون إستراتيجيات شاملة، وإذا فعلوا ذلك، فغالبًا ما يكون ذلك غير متسق.

وسأركز هنا على مقالة اتخذت فيها موقفًا داعمًا للغة الشاملة أو ما يُعرف بـ«المؤنث العام»، وسأشرح أسباب هذا التدخل.

حياة طبيعية

عندما كلفتني دار نشر بيلاتيرا بترجمة كتاب «حياة طبيعية» للكاتب والناشط العابر دين سبايد، مؤسس مشروع سيلفيا ريفيرا للقانون وأستاذ القانون في جامعة سياتل. طلبت دار النشر استخدام لغة شاملة تراعي النوع قدر الإمكان. وقد واجهتُ تحدِّيًا في ترجمة نص سبايد؛ بحيث لا ينحرف عن اللغة الثنائية الجندرية في خطابه، ولا يستخدم الضمائر غير الثنائية مثل «هم/هن».

للتغلب على هذه التحديات، اتخذتُ خطوات لجعل الترجمة أكثر شمولية، بما في ذلك استخدام التكرار (السجناء والسجينات) والعامة (الناشطون والناشطات) وتحييد بعض المصطلحات (الوالدين بدلًا من الآباء) واستخدام «الناس» بدلًا من مصطلحات محددة بالنوع (الناس السود) والأشكال غير الشخصية (الأشخاص الذين يواجهون التمييز). وأعتقد أن هذه الإجراءات ساعدت على جعل الترجمة أكثر دقة وشمولية، وهو ما يُعبّر بشكل أفضل عن أفكار سبايد وأهدافه. كما واجهتُ بعض التحديات الإضافية، مثل استخدام سبايد للتكرار بشكل غير متسق في النص الأصلي، وصعوبة ترجمة بعض المصطلحات مثل (لاتينيون ولاتينيات). ويُعدّ هذا المشروع مثالًا على كيفية ترجمة النصوص ترجمة شاملة مع مراعاة النوع، مع تأكيد أهمية التوازن بين دقة الترجمة واللغة الشاملة.

تأملات حول اللغة والنسوية

تُطرح أسئلة حول العلاقة بين اللغة والنسوية، هل يجب على الكتب النسوية استخدام لغة شاملة؟ يُمكن تقسيم الكتب النسوية إلى فئتين: كتب تُستخدم فيها لغة شاملة أو إستراتيجيات كتابة غير متحيزة جنسيًّا. وكتب لا تُستخدم فيها علامات خاصة للغة الشاملة. ولا يُشترط أن تسير هاتان الخاصيتان جنبًا إلى جنب، فوجود الفكر النسوي لا يعني بالضرورة استخدام لغة شاملة.

في ترجمة بعض الكتب النسوية، واجهتُ تحديات تتعلق بمدى التدخل في النص الأصلي. في النهاية، اعتمدتُ درجتي من التدخل على متطلبات الكتابة الأصلية كمساحة مقاومة.

يواجه استخدام اللغة الشاملة في الترجمة بعض الانتقادات؛ إذ يُنظر إلى عدم اتساق استخدامها في بعض النصوص المترجمة على أنه عيب. ومع ذلك، من الجدير بالذكر أن هذه الانتقادات لا تنطبق على النصوص المترجمة فقط، بل تشمل النصوص الأصلية أيضًا. لا أرى في تناقضات الهويات الجندرية أية سلبية، بل هي تعبير عن تنوعها ورفضها للثنائية، وهو ما يُسهم في خلق مجتمع أكثر شمولية.

تواجه اللغات التي تبدو «غير متحيزة جنسيًّا» صعوبات في الترجمة إلى اللغات التي تُحدد جنس الكلمات بشكل صريح. شخصيًّا، واجهتُ شعورًا بالرضى تارةً وعدم الرضى تارةً أخرى عند ترجمة نصوص من لغة إلى أخرى.

تشرح الكاتبة أنا برينغاس وزملاؤها الحل قائلين: استخدام صيغ تُثير صورة ذهنية غير تمييزية على المستوى المعرفي، فيمكننا كتابة نصوص متناغمة وأنيقة تُحافظ على احترام الجميع في الوقت نفسه. قد يُعد نهج الترجمة من منظور النوع الاجتماعي مبالغًا فيه أو معتدلًا، وهذا يعتمد على مستوى تقبل كل شخص للغة الشاملة. ويجب توضيح مشروع الترجمة من منظور النوع الاجتماعي في مقدمة الكتاب.

هناك العديد من المترجمات اللواتي تعاونّ مع مؤلفاتهن في مشروعات ترجمة من منظور النوع الاجتماعي. من الأمثلة الحديثة: ماريا ريمونديز في اللغة الغاليسية، والمترجمات الشابات للخيال العلمي.

الترجمة النسوية أو الشاملة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى المزيد من القراءات للنص نفسه، وبالتالي إلى إثرائه. وفي خضم التحديات التي تواجه نقل النصوص من لغة إلى أخرى، يبرز نهج آخر يتجاوز حدود اللغة الشاملة وطريقة الترجمة، ويُركز على «ماذا» نترجم. لذلك، علينا أن نسعى لترجمة -وإنتاج- نصوص متنوعة تُجسد أصواتًا مُختلفة. يمكننا الاستفادة من الترجمة كأداة فعّالة لنشر أصوات جديدة وخلق حوار ونقاش دولي حول قضايا النسوية. وبما أننا نُسلط الضوء على أصوات الآخرين، فلنغتنم هذه الفرصة لنجعل أنفسنا مرئيات أيضًا من خلال كتابة نصوص موازية، مثل: مقدمات، حواشٍ، ملاحظات، إلخ.


المصدر:https://vasoscomunicantes.ace-traductores.org/2019/09/30/feminismo-y-traduccion-mas-alla-del-lenguaje-inclusivo/


المراجع الإسبانية التي أُدرِجَتْ في المقال:

(1) El Libro Blanco de la traducción editorial en España (2016) distingue cuatro categorías en función de los libros que se traducen anualmente: traductores intensivos, traductores frecuentes, traductores moderados y traductores esporádicos.

(2) Uso el asterisco propuesto por Raquel (Lucas) Platero en trans*exualidades. Acompañamiento, factores de salud y recursos educativos, Bellaterra, 2014. Como él mismo aclara en nota al pie: “En el texto se usa preferentemente el término “trans*” con un asterisco, como un concepto “paraguas” que puede incluir diferentes expresiones e identidades de género, como son: trans, transexual, transgénero, etc. Lo que el asterisco señala es la heterogeneidad a la hora de concebir el cuerpo, la identidad y las vivencias que van más allá de las normas sociales binarias impuestas”.

(3) Véase, por ejemplo, mi traducción de su texto “Desatad a la reina”, en Cuerpo político negro, trad. de Malika Embarek y María Enguix, Ediciones del Oriente y del Mediterráneo, 2017.

(4) Véase, por ejemplo, el análisis feminista en la literatura de ciencia ficción del programa de radio “Qué haría Barbarella.