أن تكونَ وحيدًا دون أن تشعرَ بالعزلة

أن تكونَ وحيدًا دون أن تشعرَ بالعزلة

تعودتُ أن أجلسَ وحيدًا في مقهايَ المفضل؛ مقهى بسيطٌ يقع في شارع خلفي هادئ ويقابلُه متنزهٌ عمومي، لا تفصلُ بينهُما سوى خُطوات. يكفي أن تعبرَ الطَّريقَ أمامَ المقهى لتجدَ نفسكَ مباشرةً بين نباتاتِ وأشجارِ المُتنزه.

أجلسُ وحدي لكني لا أشعرُ -أبدًا- بأيِّ شكلٍ من أشكالِ العزلة، كما أنَّ السأمَ ترفٌ لا أعرفه. عندما أكون مُنهمكًا في الكتابة، يغدو المكانُ من حولي مجردَ صدى باهتٍ، أشعرُ بوجوده فقط كخلفية صامتة، يكادُ لا يعنيني، ينتصب جدارٌ ما بيني وبين أصواتِه وكائناتِه مهما ضجَّت وتعالى صخبُها. يستأثرُ عالمُ الكتابة بكامل جوارحي. وعادةً ما يلزمني بعضُ الوقتِ كي أعود منه استجابةً لضرورةٍ ما. أعبرُ ممَرًّا شفافًا يفصلُ بين عالمين مُختلفين تمامًا. يشبهُ الأمرُ الخروجَ من ممرٍّ مُعتم إلى باحةِ باهرةِ الضَّوءِ أو العكس. حينها أنتبه إلى أني جالسٌ في مقهاي، في زاويتي الأثيرة، من حولي زبناء جدد جاؤوا بينما غادرَ آخرون، تلفازٌ يثرثرُ بلا توقُّف ورقابٌ منحنيةٌ على شاشات الهواتف.. وأجدُ الجوَّ -هنا- أقربَ إلى الدفءِ، وأرى شمسًا صريحةً تتوسطُ السماء، ولا وجودَ لمطرٍ أو غيومٍ داكنة تُضاعفُ من عتمةِ المساءِ الوشيك، مثلما تركتُ الطقسَ هناك.. ثم يأتيني دفعةً واحدةً شلالُ الأصواتِ مثلَ شريطِ مسجِّل يعودُ إلى الاشتغالِ بعد أن أخرسَه العَطب..

وعندما لا أكتبُ فإن المكانَ من حولي يكادُ لا يخلو من جلساءَ كُثر يُؤنسونني، ويملؤون المكانَ من حولي بالحياة، وإن كان روادُ المقهى لا يرونَهم أبدًا ولا يَشعرون بوجودِهم. نتجاذبُ أطرافَ الحديثِ مثلَ أصدقاءَ حقيقيين لوقتٍ قد يقصرُ أو يطولُ ثُم نفترق؛ لذلك فأنا بحاجةٍ دائمة إلى كراسٍ إضافية وطاولاتٍ فارغةٍ إلى جانبي؛ كي أُعدَّ لهُم مَجلسًا. حتى إن النادلَ اليقظَ صار يفهمُني، ويشاطرُني الشعورَ بفرحتي الصغيرةِ كُلما وجدتُ ركني المفضلَ في المقهى شاغرًا، حيثُ أحجزُ طاولةً إضافية، أضعُ فوقَها حقيبتي وكُتبي.

قد أتذرعُ بأن دخانَ السجائر يؤذيني ويصيبُني بالصُّداع ( وهُو حقًّا يفعَل)، وأنَّ الشتائمَ المقذعةَ التي تتطاير من أفواه شبانٍ مستغرقينَ في لُعبةٍ إلكترونية جماعية تُفسدُ جلستي (وهي توشكُ تفعلُ لولا أني تعلمتُ كيفَ أبني جدارًا سميكًا بيني وبينَها)، لكنّي إنَّما أتخذُ ذلك، في النهايةِ، ذرائعَ كي أجلسَ، قدر الإمكان، في معزلٍ عن روادِ المقهى، فيكونُ مجلسي مُهيأً باستمرارٍ لاستقبالِ ضيوفي الذين قد يأتونَ في أيِّ وقتٍ، ودونما حاجةٍ إلى مناسبةٍ أو دعوة؛ يكفي أن أكونَ جالسًا صباحًا في مقهايَ المفضَّل، أمامي فنجانُ قهوتي وكُتبي ومُستعدًّا للشّرُود، كي يَتوافدوا تباعًا: إنهم شخصياتُ قصصي القصيرةِ التي كتبتُها من قبلُ أو التي لا أزالُ أكابدُ كتابتَها. يأتونَني فُرادى أحيانًا وزرافاتٍ أحيانًا أخرى. نجددُ أواصرَ الصلةِ بيننا، ونتجاذبُ أطرافَ الحديثِ، نتجادلُ حولَ المواقفِ أو الأفكارِ موضعِ الخلاف، وبحدَّةٍ أحيانًا، لكن دونَ أن يقطعَ ذلك حبلَ الودِّ بيننا.

مِن ضيوفي من يغتنمُ اللقاءَ ليُعربَ لي عن امتنانه لأني أخرجتُه من عَتمة الهامش، ومنحتُه صوتًا ليُعبرَ عن وجوده، ومنهُم من يلومُني لأنه كان بإمكاني أن أختارَ له مصيرًا أفضلَ، أو لأني حمَّلتُه أكثرَ مما يُطيق. وآخرُ لأني كنتُ مُتعجلًا، فلم أُنصِت إليه كما يجب وصوَّرتُه للقارئ كما اشتهيتُ أنا أو توهَّمت، لا كما هو عليه في الحقيقة.. أحيانًا يُجمعونَ على مُعاتبتي، ويجعلونَني في مرمى نقدِهم، وإن لم يَصل الأمرُ -حتى الآن- إلى درجةِ أن يُحاكموني، مثلما حاكمَت حنا مينه شخوصُ وأبطالُ رواياتِه، حسبَ ما وردَ في روايته «النجومُ تحاكمُ القمر».

هذا الصباح ما إن رشفتُ الرشفةَ الأولى من قهوتي السوداء، حتى شعرتُ بشخصٍ ما يجلسُ على مقربةٍ مني، وهو يتململُ في جلستِه كأنما يريدُ إثارةَ انتباهي. لستُ أدري متى حلَّ بالمكان. كان يمدُّ رجليه الطويلتين تحتَ الطاولة وقد بدا مُتأرجِحًا بين الحُضورِ وبين الغياب. رمَقني بنظرةِ عتابٍ حادة، فشعرتُ بأنَّ جلستي في المقهى هذا الصباح لن تكونَ هادئةً تمامًا مثلما أشتهي.

عرفتُه للتوِّ: إنه علال المحكور؛ الشخصيةُ الرئيسةُ في قصتي القصيرة «الزرافة تظهر في غابة الإسمنت». فكرتُ أن أدعوَه إلى احتساء مشروب؛ علَّني أجعله يسترخي فتخفّ حدَّةُ الغضبِ البادي على ملامحِه، لكني سرعان ما تراجَعت: حَتمًا لن يقبلَ دعوتي. أعرفُه جيدًا. سيُشيحُ بيدِه رافضًا بحَسمٍ.. كان يرنو إلى الأمامِ في صمت، بينما تعلو وتهبطُ جوزةُ عنقه البارزةُ وسطَ رقبتِه الطويلة، كما لو كانت الكلماتُ محتبسةً في حلقه.

– يا لكَ من أناني!

ألقى العبارةَ في وجهي، فانهرقَ شلالُ ماءٍ بارد فوق بدني. كان ينظرُ إليَّ، لكن نظراتِه بدت شاردةً في الآن ذاتِه، تتجاوزُني ناظرةً إلى مكانٍ أبعد.

قبلَ أن أهتديَ إلى مغزى عبارتِه، واصلَ بنبرةِ لوم:

– تركتَني هناكَ وسطَ الحديقةِ وحيدًا غريبًا، وفي مرمى النظراتِ الجارحةِ للفضوليين وهواتفِهم، ثم مضيتَ منتشيًا بلُقيتك.. ألستَ تُسميها هكذا؟

لم يَنتظر مني جوابًا، ولم يمنَحني وقتًا لأستوعبَ هجومَه المُباغِت. تابع بنبرةٍ أكثرَ حدَّة:

– لم أكن أنشدُ سوى أن أبقى في غفلةِ الظل، وأن يترُكَني العالمُ وشأني، لكنك لم تَجد أفضلَ من أن تُحولَني إلى زرافةٍ وتجعلَني أظهرُ من جوفِ العدم وسط غابة إسمَنت كما أسميتَها.. كمَ كنتَ ستُحسنُ صنعًا لو جعلتَني أكتسبُ هيئتي وهويتي الجديدةَ وسط غابةٍ حقيقية داخلَ أدغال إفريقيا.. ربَّما سأكونُ سعيدًا حينها!

أعقبَ كلامَه بتنهيدةٍ مديدة، ثم شردَ بعيدًا.

لم أُفكر في الأمرِ من قبلُ على هذا النحو. واستعدتُ في ذهني نهايةَ تلك القصة القصيرة «كان الخبرُ ينتشرُ في المدينةِ بسرعةٍ جنونية، ومن أذنٍ إلى أخرى كان يتخذُ صيغةً مزيدةً مختلفة، وكانت جحافلُ الفضوليين تتدفقُ صوبَ المنتزه عبر الشوارعِ والأزقةِ والحارات لرؤيةِ الزرافةِ الأكثرِ غربةً، وحدةً وحزنًا على وجهِ البسيطة».

ماذا لو كانَ على حَق؟ ربما كنتُ أنانيًّا مثلما وصفَني.. أسعفَتني تلك الحيلةُ الفنيةُ في التعبيرِ عمَّا أردت.. هُيئ لي أنَّ جعلَه يتحولُ إلى زرافةٍ تظهرُ من العدم وسط إسمنت مراكش -هو الخجولُ الطويلُ القامة الذي كان يتعرضُ للسخرية والإهانة من الكبارِ والصغار معًا، بل وحُرمَ من حقِّه في الحُب بسبب هيئةٍ خِلقية لم يخترها- قد يكونُ أفضلَ تَعبير عن فقدانِه لإنسانيتهِ؛ بسببِ مجتمعٍ مريضٍ يقدسُ المظاهرَ ويقسو على البسطاء.. اعتبرتُ ذلك لقيةً فنية انتشيتُ بها واستخفَّني العُجْبُ، فلم أُقدِّرْ هولَ الفاجعةِ التي حلَّت بشخصٍ لم يكُن يريدُ من العالم سوى أن يترُكَه وشأنَه ليكونَ ما هو عليه لا أكثر.

ألم يكُن من الوارد -أو من الواجب- أن أصطفيَ له نهايةً أفضلَ غفلتُ عنها؛ لأني كنتُ أنانيًّا؟

التفتُّ نحوه كي أرى إن كان ينتظرُ ردي على ملحوظاتِه، لكنه كان قد اختفى مثلَما ظهر..! أرسلتُ تنهيدةَ ارتياح. لقد تقبلتُ وجهةَ نظره، بل واقتنعتُ بها، لكني كنتُ سأجدُ حرجًا كبيرًا في أن أخبرَه بأن القصةَ قد كُتبت على ذلك النحو، وأن أمرَها قد خرجَ تمامًا من يدي، ولا أستطيعُ أن أفعلَ شيئًا من أجله.

لقد عايشتُه لأشهرٍ عديدة، وعرفتُه عن قُرب. إنه إنسانٌ مسالمٌ للغاية وقد يتنازلُ عن حقِّه كي يأمنَ أذى الناسِ أو يتفادى إزعاجَهم.. ربما التحقَ بي هذا الصباح على هذا النحوِ المُبكر، فقط كي يتخلصَ مما في صدرِه من كلامٍ يُثقله.. وعندما فعل استغلَّ لحظةَ شرودي، ثم انسلَّ مغادرًا.

*  *  *

وإذا لم يكُن في صُحبتي أحد من شخصياتِ قصصي، فهي فرصةٌ كي أعقدَ جلسةً أخرى مع نفسي. يحدثُ أن تجرفَني دوامةُ اليومي بعيدًا عنها أيامًا أو أسابيع، فأشتاقُ إليها. بيننا -على الدَّوام- كلامٌ عالق، نقاشٌ مؤجل وأسئلةٌ كثيرةٌ تنتظرُ الإجابةَ عنها بصراحةٍ وحسم، أو إعادةَ طرحِها بصيغٍ أخرى.. فأنا أحاولُ باستمرارٍ أن أقتربَ مني، وأن أطويَ مزيدًا من المسافاتِ إليَّ، عسى أفهمُني ولو قليلًا قبلَ أن أبلُغَ الخمسين.

وعندما يُتعبني الجلوس أقومُ وأعبرُ الطريقَ باتجاه الحديقة.

في الحديقة أتدربُ على المشي بهدوءٍ محاولًا أن أتعلمَ من جديدٍ لغةَ الطبيعة التي أوشكتُ أنساها: فالحفيفُ مصافحةُ الريحِ الخفيفةِ لأوراقِ وأغصانِ الأشجار/ همسُ الفراغِ من حولي موسيقا أحبُّ الإصغاءَ إليها/ ورحابةُ السماءِ تُلهمني درسًا يجعلُني أنتشي وأتمنى لو أطيرُ فعلًا لا مجازًا: الحرية هي القيمةُ الأنبلُ التي تتفرعُ عنها كلُّ القيم.

أغسلُ وجهي من ماءِ الصنبور المنعش وأثرثرُ قليلًا مع البستاني الودود. أسألُه عن أسماءِ الأشجار والنباتاتِ وعن مدى حاجتِها للماءِ ِكي تبقى على قيدِ الاخضرار. أمشي بين الممراتِ المرصوفةِ مُحاطًا بالأشجارِ والنباتاتِ المشذَّبة وأفكرُ بأن الجمالَ ليسَ في مكانٍ آخرَ بالضرورة، بل يوجدُ على مقربةٍ، يكفي أن تكونَ لنا أعينٌ تستطيعُ أن تراه.. وقد أجدُ معنى السعادةِ في طفلٍ يلهو بدراجته في الممراتِ الخالية، ترعاه نظراتُ والدِه، وفي الضحكاتِ الهادرة لشيخٍ يهزمُ منافسَه الشابَّ في لعبةِ الكرةِ الحديدية، فيُقهقِهُ عاليًا وهو يضربُ كَفًّا بِكَف.

*   *   *

أُنهي جولتي وأقفلُ عائدًا إلى المقهى.

أجمعُ أغراضي وأغادرُ. أندسُّ من جديدٍ وسط الحشدِ الذي سرعان ما ينقضُّ عليَّ ليَحرمَني من سَكينتي. أتركُ خلفي الهدوءَ والشرودَ والرحابةَ لأتخبطَ وسط الصخبِ والفوضى والامتلاء بالآخرين وبالأشياء حدَّ التخمةِ، وأضطرَّ إلى استنفارِ حواسِّي حتى حُدودها القصوى.. أحثُّ الخطى مبتعدًا، مُحتميًا بدرقتي التي تَقيني حِدةَ الصَّدماتِ، وأنا أشعرُ بأنَّ القليلَ من الخفةِ التي شعرتُ بها بعدَ أن تحررتُ من بعضِ أثقالي، بفضلِ جلسةِ المقهى وحصةِ المشي في المتنزه، قد بدأ يتلاشى.

أبـي، صانعُ السعادة

أبـي، صانعُ السعادة

صار أبي يغفُل عن يدي الممدودةِ نحوه للتحية. أحاولُ أن أُمسكَ يده لأقبلها كما دأبتُ على أن أفعل منذ صغري، لكنه لا ينتبه. بلهفة يخطفُ حفيدَه ـ ابني من بين يديَّ ليقبله ويُلاعبَه قليلًا، إلى أن يُشبع بعضًا من شوقه، حينذاك فقط يلتفتُ نحوي. أضحك في سري، مُستمتعًا بهذه اللحظة الرائعة، ومُعاينًا كيف يُخرج ابني الصغيرُ الذي صار بالكاد يلثغُ بحروفه الأولى ويرتبُ أنصافَ كلمات؛ يُخرج أبي عن تحفظه، ويجعله يفرجُ عن مشاعره الأبوية أمامنا، هو من عهدناه كتُومًا مؤثرًا للصمت، يُفصحُ عن مشاعره بكلماتٍ قليلة وحركاتٍ أقلَّ.

– ١ –

أكون منهمكًا في العمل، جالسًا في المقهى أهدهد أحلامي المؤجلة كي لا تشيخ، غارقًا في تفاصيل كتاب، أو أمشي في الشارع مندسًّا وسط الحشود، عندما تقفز الصورة فجأة إلى ذهني دون سابق إنذار.. تدهَمُني وتحضر كاملةَ التفاصيل بألوانها، أصواتها وروائحها أيضًا: أراني برفقة أبي. أجلس فوق المقعد الأمامي للدراجة الهوائية، فيما يسوق أبي بمهل وحذر. أسمع صوت لُهاثه الخفيف، وأشم رائحة عرقه المميزة، وأنظر بدهشة إلى يديه المشعرتين البارزتي العروق، وهو يمدُّهما مُمسكًا بالمقود.

فيما يتولى هو القيادة بهدوء، وبِغير قليلٍ من المهارة أيضًا، أنصرفُ أنا إلى تأمل الأماكن والناس من حولي بفضول واستمتاع، شاعرًا بالأمان. قد نكون قاصدَيْن المدرسةَ التي يرافقني إليها أحيانًا، أو خارجَيْن في جولة حرة بالمدينة، أو أرافقه إلى لقاء صديق له يملك متجرًا صغيرًا في أحد أحياء مراكش القديمة.

تأتيني الصورة ذاتُها في كل مرة، تُؤثثها التفاصيل عينُها، فتقدح زنادَ ذاكرتي وتحرك فيضَ مشاعري نحو هذا الرجل الذي أتمنى أن أملك مثلَ رصيده من الأبوة الحانية لأسبغَها على ابني- حفيدِه الذي أوشك أن يُقنعني بصحَّة المثلِ السائر: أعزُّ مِن الابن.

– ٢ –

كُلما اجتمعنا في إحدى جلساتنا العائلية الخاصة التي صارت أقل مع مرور الوقت، رحتُ أنظر بحنقٍ إلى ذلك الجهازِ اللعين التي يبقى مشتغلًا بلا توقف: التلفاز. يتراءى لي مثلَ ضيفٍ ثقيل يفسدُ الجلساتِ، ويبرَعُ في جعلها أقلَّ دفئًا. يتحدث بالنيابة عنا، نُصغي إلى أكاذيبه وتفاهاتِه الكثيرة عوضًا من أن نصغيَ إلى
بعضنا الآخر.

اليوم، كأنما قرأ ما يدورُ في ذهني أَخمدَ أبي أنفاسَ الصندوق وهو يلجُ البهو ليجالسنا.

قالت له أمي فجأة: لو سمحتَ لحسن بالانخراط في فريق المدينة إبَّان طفولته لرُبَّما صار الآن لاعبًا مشهورًا، وجنى كثيرًا من المال.. لماذا منعتَه آنذاك؟

يبتسم أبي تلك الابتسامةَ ذاتَها التي فيها ما يشبه اعتذارًا خجولًا، ويصمتُ طويلًا كأنه لن يردَّ. وفي النهاية يقول:

– كنت أخاف أن تشغلَه الكرةُ عن الدراسة.

حقًّا كانت لي يسرى ماهرة، وكنت أداعبُ الكرةَ بغير قليلٍ من البراعة، وحظيتُ بشهرة في الأحياء المجاورة. ربَّما لم أكن لأذهبَ بعيدًا في لعبِ كرة القدم، لكنَّ ذكرى رائعة لا تبرحُ ذهني كلما استعدتُ شغفي باللعبة أو تحدثتُ عنها مع الأصدقاء.

كنا نلعب الكرةَ في ملعبٍ قريب من الحي. وكنت أنتعلُ صندلًا بلاستيكيًّا ممزقًا يعوق حركتي. وبينما كنت مستغرقًا في اللعب، سمعت أبي على مقربة من الملعب يناديني ويشير إليَّ، فركضت نحوه. سحب من خارج الدراجة كيسًا؛ فتحه وأخرج منه حذاءً رياضيًّا وبذلة رياضية كاملة كان قد اشتراها لي للتو. ارتديتُها بفرح غامر وأنا أستعجل العودة إلى الملعب. جمع أبي البذلة القديمة والصندل البلاستيكي في الكيس وغادر إلى البيت، فيما عدت راكضًا إلى الملعب. لا بد أني شعرت نحو أبي بعميق الامتنان آنذاك، ولا بد أيضًا أني شكرته بتلك الطريقة التي تعودت أن أعبر بها عن شكري وامتناني: تقبيل اليد. لا شك أني فعلت ذلك، لكن الامتنان الحقيقي الأكبر هو ما أشعر به نحوه الآن، بعد أن كبرت.

– ٣ –

أبي جعل مني رجلًا كَلِفًا بالأشجار!

تحفل حديقة حياتي، حقًّا، بأشجار متنوعة، رسخت جذورها في تربة ذاكرتي، وأحمل لبعضها كثيرًا من الامتنان والحب، لكن الشجرة التي جعلت مني عاشقًا كبيرًا للأشجار كانت شجرة نارنج، وكان أبي هو من قادني إليها. وإني لأجد متعة حقيقية ومتجددة في كل مرة أروي فيها حكايتي مع تلك الشجرة.

وأنا بعدُ طفل أرسلني والدي لأتبضعَ من محل البقالة، بعد أن سلمني قطعة نقد ورقية من فئة الـ 50 درهمًا. كان الشارع مظلمًا بلا إنارة عمومية، فيما تهب ريح خفيفة. وبينما كنت ماشيًا انقضت أصابع الريح في غفلة مني وخطفَت من يدي الورقة المالية وطارت بها بعيدًا. ذعرت ورحتُ أبحثُ عن الورقة المالية باندفاع عشوائي وسط الظلمة، وأنا ألوم نفسي بقسوة على غفلتي، وأفكر في توبيخ أبي القاسي، وكيف سيعتبرني غيرَ جدير بالمسؤولية. وبينما كنت مغمورًا بحيرتي وغضبي من نفسي، رأيت شُجيرة نارنج شبه ميتة على مقربة مني، فقلتُ: ماذا لو تركت الورقة المالية الخضراء كل هذا الفراغ وآثرت أن تلتصق بجذع هذه الشجيرة، رأفةً بطفل يخشى اللوم والتقريع، ويخشى أكثر أن يُعتبرَ غير جدير بالمسؤولية؟! اقتربت من الشجيرة بأملٍ خائف، لأجدَ الورقة العزيزة ملتفة حول الجُذيع الصغير وهي ترفرف. انقضضْت عليها بفرح غامر و«كرمشتها» بين أصابعي.

بعد ذلك بأكثر من عشرين سنة وجدتني أكتب قصة أسميتها «شجرة النارنج»، شخصيتها الأساسية هي هذه الشجرة التي كانت شجرة رئيسة في بستان طفولتي. وفي لحظة تجلٍّ انقدحَت تلك الذكرى البعيدة في ذاكرتي، وأحسست بأني لم أكتب هذه القصة إلا امتنانًا لتلك الشجيرة التي صانَت برعم كرامتي الصغيرَ بداخلي. فلِذكرى تلك الشجيرة ينحني طفل ما زال بداخلي لم ولن يكبر أبدًا!

– ٤ –

مُمتطيًا صهوةَ المقعد الأمامي للدراجة، شاعرًا بالأمان كنت أستمتع بقراءة اللافتات والكتابات على الواجهات والجدران، فيما أبي يقود الدراجة بمهل يناسبني على نحو مثالي. على تلك الصهوة اختبرت أول ما تعلمته على مقاعد الدراسة، وأبي ينتشي بذلك وأرى الفخر يُطلُّ من عينيه، كلَّما استنطقتُ لافتةً أو جهرتُ أمامه بفحوى إعلان. وفيما بعدُ صرت أجدُ لذةً خاصة في تصيُّدِ الأخطاء الفادحة في بعض اللافتات والإعلانات، مما كان يثيرُ سخريتي وغيرتي أحيانًا، وكثيرًا ما تمنيت لو أمد يدي إلى هذه اللافتة أو تلك لأُميطَ الأذى عن تلك اللغةِ التي صرتُ أعشقها.

«صانعُ الأسنان» (مع رسم رديء لضرس يكفي الأُمِّيين شرَّ الأبجدية) «صانعُ الأقفال والمفاتيح». «صانع الـ…»؟  تذكرتُ مثل هذه اللافتات التي كانت تأسرني في تلك الطفولة البعيدة، فجاءني للتو العنوانُ الذي أبحثُ عنه لما كتبتُه آنفًا. أجل لقد كان أبي صانعَ سعادةٍ بحق: سعادةِ الطفلِ الذي كنتُه آنذاك والرَّجل الذي عليه أنا الآن!

أبي.. شكرًا لك.. شكرًا وامتنانًا بحجم الحياة!

أعشاب سامة

أعشاب سامة

.. التف بحذر حول خاصرة الجبل وتوغل في عتمة الخلاء. تنهد بارتياح: لم تكن الظلمة من الحلكة بحيث تعيق تقدمه. صحيح أن مدى رؤيته لا يكاد يتعدى خطوات قليلة، لكن ذلك كان كافيًا، بل ويناسبه على نحو مثالي: لم يكن بحاجة إلى أكثر من رؤية موطئ قدميه. ما عدا ذلك فإنه يعرف المكان جيدًا، وبإمكانه أن يحثَّ السير نحو وجهته دونما قلق..

قبل أن يبتعدَ من الجبل بمسافة تجعله يلوحُ مثل كائنٍ خرافي هاجع في حضن الظلمة، وقبل أن يستقيمَ خطُّ سيره فوق الأرض الخشنة المتحجرة؛ وخزته نبتةٌ شوكية اخترقَت سطح حذائه المطاطي. ندت عنه صرخة، وانحنى مقوسًا جذعَه كي يتفحصَ موضعَ الوخز. أخرج مصباحه اليدوي، وسلط ضوءه على الإصبع المصابة. كان قد انساب منها خيطٌ من الدم، لكن الرجل امتعضَ أكثرَ مما تألم: كان يريد أن يصلَ في الوقت المناسب، وكان يتمنى ألا يُعيقَه شيء. توسل إلى الإصبعِ ألا تنتفخ، فتزيدَ ألمه، ثم واصل السيرَ وهو يعرجُ على نحو خفيف.. امتدت يده بشكل تلقائي متحسسةً أعلى فخذه الأيمن، تحت الحزام بالضبط. شعر بالرزمةِ في مكانها، وضغط عليها لتستقر أكثر في قعر الجيب الداخلي. لقد خاط ذلك الجيبَ الإضافي بنفسه وثبته على نحو محكم، ثم أودعَ فيه المبلغَ الذي ادخره على مدى سنوات، كي يحققَ حلمه الذي يضرب من أجله الآن في ظلمةِ الخلاء: شراء بقرة.. استيقظ في الثالثة صباحًا، بعد ساعات قليلة من نوم مضطرب ومتقطع. لبثَ مستلقيًا بعينين مفتوحتين في الظلام، وقد وضعَ يديه خلف رأسه. استعرض في ذهنه من جديد مسارَ رحلته، توقيتَها وأخطارَها المحتملة، قبل أن يقومَ ويشرعَ في ارتداء ثيابه على ضوء شمعة تلفظ أنفاسَها الأخيرة. دسَّ علبةَ السجائر والمصباحَ اليدوي الصغير في جيوبه، ثم ألقى بالجلباب فوق كتفه. تململت الزوجةُ مكانها ثم قامت مندفعةً لكي تُعدَّ له زوادة الطريق، لكنه طلب منها بصوت خفيض أن تلزمَ فراشَها وتعودَ إلى النوم. كان يعرف أنها بحاجة ماسة للراحة، لأنها على وشك أن تبدأ يومًا طويلًا من الأعباء التي لا تنتهي.

وهو يحثُّ الخطو في الظلام، ويسمعُ أنينَ الحشائش اليابسة تحت ثقل حذائه، فكر: قبل غُبشة الفجر ستغادر فراشها. ستطعم الموقد الحجري بعضًا من الحطب، وبعد أن تضع قدرَ الحساء فوق النار، ستخترق عتمة آخر الليل باتجاه الزريبة لتحلبَ الشاة ذات الضرع المدرار، قبل أن يستيقظَ الحمَلُ وينقضَّ بنهم على الحلمات. ستملأ مقدار قدح صغير من الحليب الطازج ثم تسقيه الجروَ الصغير مثلما ألحَّ عليها. إنه ليس جروًا عاديًا، بل مشروع كلب صيد حقيقي.

وهو يربت على رأسه الصغيرة بالأمس، لاحظ برضى أنه يكبرُ على نحو جيد، وحدَس بنظرته الخبيرة أنه سيكون سلوقيًّا لا مثيل له. سيكون خير خلف ل «رطَّاح» الذي شاخ وصار يبرِّرُ أيامَه الأخيرةَ بصيد قنافذ تغادر مخابئها في رطوبة الليل التماسًا للطعام؛ يشم رائحة إحداها في الظلام فتنتصب أذناه توترًا، وعندما يجدها يدورُ حولَها ويوجه لها ضربات خاطفة بقائمتيه الأماميتين نابحًا أعلى فأعلى، إلى أن يصير على حافة الهيجان بسبب اللسعات الحادة للقنفذ الذي يتحول إلى كرة شوك دفاعًا عن نفسه. أما أرانب الجبل فلم تعد تهابه، بل وصارت تجرؤ على الاقتراب منه دون مساحة الأمان الضرورية.. لما مرَّ بالقرب منه لحظة خروجه هذه الليلة، نهض السلوقي العجوز نافضًا بدنَه ومحركًا ذيلَه بألفة معتقدًا أن صاحبَه سيصطحبه في رحلة أخرى لصيد القنافذ، لكن الرجلَ مسح على رأسه وهرشها بأصابع حانية ثم غادرَ بعد أن جرَّ مزلاج الباب الخشبي..

منذ أيام قليلة أخبره أحد الرعاة بأنه شاهد قطيعًا من الأرانب البرية يرعى غير بعيد من الجبل. شعر حينها برغبة حارقة في أن يخرج للصيد من جديد، لكنه كره أن يضع السلوقي العجوز في ذات الموقف المذل كما حدث في المرة الأخيرة؛ تلاعبت به الأرانب، وجرته في مختلف الاتجاهات إلى أن تبددت طاقته، دون أن يظفر منها بشيء. وفي الأخير توقف منهارًا وعاجزًا تمامًا. أخذ يلهث وقد تدلى لسانه بالكامل…

شعر فجأة بأنه يمشي في الاتجاه الخاطئ فتوقف. لقد شردَ طويلًا فشردَت خطاه. نظر إلى أعلى كأنما يبحث عن علامة يهتدي بها. التفت نحو الجهات الأربع، حيث ستائرُ الظلمة الغامقة لا تسفر عن شيء، ثم انحرف قليلًا باتجاه اليمين واستأنف السيرَ بخطى واثقة. أدخل يدَه في جيب كنزته الداخلية وأخرج علبة سجائر. استل منها سيجارة وولاعة وشرع في التدخين، دون أن يتوقف. تمنى لو يجلس على حجر ليستمتع بسيجارته في هدأة الليل، لكنه لم يرد أن يضيع الوقت. إذا جلس فإنه سيحس أكثر بوحشة الخلاء، وربما انتابه الخوف أيضًا، فآثرَ مواصلة السير. التدخين من متعه القليلة التي يقاوم بها حياة الشظف في بلدته المعزولة. اكتشفها مبكرًا، في مطلع يفاعته. كان أبناء البلدة الذين يعملون في المدن يأتون لزيارة عائلاتهم في المناسبات. وفي كل مرة يجلبون معهم شيئًا جديدًا: أشرطةً غنائية، قصاتِ شعر غريبة وعلبَ سجائر يرشقونها في جيوب القمصان كما لو كانت أوسمة فخر، ويوزعونها بسخاء على فتيان البلدة. يحرص دائمًا على رصيده الضروري من السجائر، كي لا تحاصره الرغبةُ الملحةُ وهو في الحقل البعيد، أو في الخلاء وسفوح الجبال راكضًا خلف الطرائد.. بقي ممسكًا بالعقب يمصه إلى أن أحرقَ أصبعيه فألقاه جانبًا، طاردًا الدخان من منخريه بانتشاء. شعر فجأة بالتعب وأخذ يلهث. هل المسافة أطول مما قدر، أم أن التفافَه حول الجبل كان أطول مما ينبغي؟ خطر له أن يتوقف قليلًا ريثما يستعيد أنفاسه، لكنه فضل أن يواصل. إنه يعرف نفسه جيدًا. إذا استسلم لرغبة جسده فإن الجسدَ سيخذله لا محالة. وقد يضطجع في أي مكان وكيفما اتفق مستسلمًا لسطوةِ النوم..

تمنى لو كان الآن على ظهر أتانه الطيعة. كان سيتفادى السفر عبر هذا الخلاء الموحش، ويسلك سبيلَ السوق المطروقةَ، بل أكثر من ذلك سيكون بوسعه أن يتخذ وضعًا مريحًا على مطيته، ثم يستغرق في النوم تاركًا أمرَ الطريق للأتان التي تعرفُ وجهتها جيدًا ولن تزيغَ عنها، لأن الطريق مجرد خط ترابي ضيق رسمته الأرجل والحوافر، وتحدُّه الأحجار من الجانبين.. لكن لم يكن أمامه من خيار: اللصوصُ وقطاعُ الطرق يكمنون في جنبات الطريق الوحيدة المؤدية إلى السوق الأسبوعي متربصين بالفلاحين وصغار التجار. لا يجرؤ على المرور منها سوى من كان مؤازرًا بأبناء شداد مسلحين بالهراواتِ والمناجلِ أحيانًا، بينما هو رجلٌ وحيد لا ذكرَ من صلبه. هو ليس رجلًا شجاعًا إلى درجة اقتحام هذا الخلاء الموحش ليلًا دونما خوف، لكن وحشةَ هذا العراء باتت ـ في الآونة الأخيرة ـ أكثرَ أمنًا من الطرقِ المأهولة التي يحفُّ جنباتِها قطاعُ الطرق مثلَ أعشاب سامة.. إنهم أجلاف قساة زادت العطالةُ وتعاقبُ سنواتِ الجفاف قلوبَهم قسوة. قد يُجهزون على ضحيتهم بلا رحمة بضربة حجر أو هراوة، قبل أن يسلبوه مالَه ويتواروا في جنح الظلام.. هو بعيدٌ منهم الآن. ولن يفكرَ أحدُهم في التربص به في ظلمة هذا الخلاء.. قدر أنه قطع معظمَ المسافة، فسرى ماءُ الطمأنينة في صدره. لاحظ أن الظلمةَ بدأت تتخففُ من دكنتها شيئًا فشيئًا. لسعه فجأة برد الفجر الوليد وأنعشَ قواه في الآن ذاته. سحب جلبابَه من فوق كتفه، ودسَّ جسدَه داخله، ثم خطا بهمة أكبرَ يغمره شعورٌ بالرضا..

* * *

كان النهيقُ أولَ صوت يبلغ أذنيه المتحفزتين. نهيقٌ بعيد حمله هواء الصباح وأطال أمده قليلًا في الفضاء قيل أن يتلاشى. عما قليل، وبمجرد أن يلتف حول هذه التلَّة الصغيرة، ستلوح له قطعان الحمير وقد رُبطت إلى مذاودها خلف الخيام المنصوبة في العراء. وعندما يقترب أكثر ستطالعه سحبُ الغبار التي تثيرها البهائم بحوافرها وأظلافها فوق أرض السوق المتربة، قبل أن تخترقَ سمعَه دفعةً واحدة جلبةُ السوق المحببة. غمره شعور بالرضا عن رحلته. لقد وصل في وقت مبكر مثلما تمنى، وسيحظى بالوقت الكافي لمعاينة قطعان الأبقار على مهل بحثًا عن بقرته. يعرف أنها تنتظره في مكان ما من السوق: بضرع معطاء، بطنٍ ولود وهيأةٍ تسرُّ الناظرين. لكنه قبل ذلك سيكافئ نفسَه بإفطار شهي يعيد إليه قواه. سيزدرد إسفنجتين ساخنتين أو ثلاثًا، مع كؤوس شاي مُعدّ بنعناع لاذع الطعم مثلما يحبه، ثم يُلقي بنفسه وسط جلبة السوق. تحسَّس من جديد الرزمةَ في مكانها ودفعها بطرفِ إبهامه لتغوصَ أكثرَ في قعر الجيب، ثم أسرع الخطوَ فيما مدى الرؤية من حولَه يتَّسعُ شيئًا فشيئًا..

ضيفٌ لا ينوي المكُوثَ طويلًا

ضيفٌ لا ينوي المكُوثَ طويلًا

بمجرد أن أزاحت اللِّحافَ عن وجهها عرفَت بأنه جاء. تسربت رائحتُه من خصاص النوافذ ومن الفجوة الصغيرة تحت باب الغرفة الخشبي. مسَّت الرائحةُ طرفَ أنفها فأسرَّت لنفسها: أجل، إنها رائحته، لا يمكن أن تكون لأحد سواه!

أسندت شيخوخَتَها إلى العكاز الساهر إلى جانب السرير، وخطت الهوينى باتجاه الحمام.

***

حملت فنجان قهوتها وقصدت الشرفة، حيث وجدتْه ينتظر. كان لا بد أن تتجملَ قليلًا وتتعطر، فليس من اللَّائق أن تُقابل ضيفًا مثله بهيئة مهملة وجسد تفوح منه رائحةُ النوم، كما لا تستطيع أن تبدأ صباحها دون فنجانِ قهوةٍ يحملها إلى مرتبة الصَّحو الكامل. عندما رأته شهقتْ رغمًا عنها فاضطرب الفنجان في يديها، حتى إنها أهرقت قليلا من القهوة في صحن الفنجان. تمالكت نفسها، وضعت الفنجانَ فوق الطاولة وجلست. كان هو في الطرف الآخر للشرفة الواسعة المطلة على الشارع، في عينيه وداعة، ويبدو غير مسترخٍ تمامًا في جلسته مثلَ ضيف لا ينوي المكوثَ طويلًا. فوق صدره العريض تنسَدلُ لحية مهيبةٌ ناصعةُ البياض، فيما عيناه تشعان فتوةً وحياة.

حيَّتْه بإيماءة خفيفة من رأسها مبتسمةً في وجهه، وشرعت ترشُفُ قهوتها على مهل، وهي تُعاين استيقاظَ الحياة في الأسفل. رأت شيوخَ الحي يدبون نحو المنتزه القريب مثلَ أشجار متحركة، تتساقط خلفهم أوراق العمر الميتة دون أن يأبهوا. رأت تلك اللافتةَ العملاقة بخطئها اللغوي الشنيع؛ أمضَت عمرًا كاملًا تتمنى أن تُصلحه كلما تجهَّم في وجهها وهي جالسةٌ في الشرفة. لطالما تمنت لو تقفزُ من مكانها، تسبحُ في الفضاء باتجاه المبنى التجاري الضخم، وفي يدها فرشاةٌ ووعاءُ صباغة. تُسعف جُرحَ اللغة ذاك، ثم تعود لتُكمل احتساء قهوتها.

رأت حارس موقف السيارات يؤرجح هراوته ويتثاءب بعد ليلة طويلة من الحراسة؛ رفع رأسه نحوها وحياها بإشارة من يده. بحركة صغيرة من رأسها التفتت جهة المقهى.. مثلما توقعتْ وجدت الرجلَ النحيف الأسمر متمترسًا في ركنه الأثير، يُشهر في وجه الصباح سيجارته المشتعلة على الدوام. راودها مرة أخرى ذلك الخاطرُ الطريف: حياة هذا الرجل سيجارة عملاقة يومًا ما سيدخنها كاملة؛ وحينذاك سيركب آخر دفقةِ دخانٍ ينفثها لتطيرَ به بعيدًا، مثلما تركب المشعوذاتُ المكانسَ في حكايات الأطفال..

ثم رأت نباتات شرفتها وقد مسَّها الذبول.. لامتْ نفسها لأنها نسيتها مرة أخرى، وقرَّرت تخصيص قدْر من الوقت هذا اليوم لتمُدَّ يد العناية لتلك الكائنات الهشة.. رشفَت رشفة أخيرة من قهوتها، وتأملت قليلًا قاع الفنجان، حيث رسمتِ الثُّمالة السوداء أشكالًا غريبة. بطرف عينها رمقتِ الضيفَ فوجدته على ذات الهيئة: لا يسترخي تمامًا كأنما يتهيأ للمغادرة في أي لحظة، ولا يتملْملُ في جلسته، كما قد يفعل شخصٌ عجولٌ أو متذمِّر. رغبت بحرقة أن تتفقَّد مرافقَ الشقة، وتمُسّ محتوياتِها ببعض العناية والترتيب، لكنها عجزت تمامًا عن النهوض. أدارت عُنقها قليلًا ملقيةً نظرةً نحو الداخل، فلم ترَ سوى ساعةِ الجدار والقفصِ المعلَّق أسفلَها.

تمنَّت لو كانت الخادمة هنا لتوصيها خيرًا بالشقة، بنباتات الأصص فوق الشرفة تحرّك وريقاتِها الرفيعةَ مُطالبةً بماء الصباح، وبالعصفورِ في القفص ينطُّ بعصبية وينقرُ الأسلاك.. ندمَت من جديد لأنها طردتها، لكنها كان لا بُدَّ أن تفعل؛ لقد استيقظَت ذات صباح لتدرك على الفور بأن رجلًا غريبًا أمضى الليل في شقتها التي لم يدخلها رجلٌ منذ عشرين عامًا. كانت تفوح في المكان رائحة فظيعة كما لو أن جثةً متعفنة نُسيت في أحد الأركان. حاصرت الخادمةَ في المطبخ. حدجتها بتلك النظرة الحادة لتُسبل الأخيرةُ جفنيها وتلوذَ بالصمت. ولم يكن الرجل سوى حارس موقف السيارات الذي حياها منذ قليل وهو يؤرج هراوته حينًا ويثبِّج بها(*) حينًا مِثلَ راعٍ في الخلاء..

تنهَّدت بعمق. ألقت نظرةً على الشارع، حيث كان وجهُ المدينة قد اكتأب فجأة. تهادت غيومٌ داكنة على علوٍّ منخفض، وبدا كأنَّ السماء على وشك البكاء. حينذاك قام الضيف واقفًا فلاحت قامتُه مهيبة توشك أن تخرقَ الفضاء. دون أن تُغادر نظرةُ الوداعة عينيْه ناداها بإيماءة خفيفة. أسندتِ العكازَ إلى جدار الشرفة. تقدمت نحوَه باستسلام، ومدَّت له يدًا معروقةً شاحبةَ الأصابع كما لو كانت ستُراقصه.. حلَّق بها بعيدًا.

* ثبج بالعصا: وضعها وراء ظهره وجعل يديه خلفها.