بواسطة الفيصل | سبتمبر 1, 2024 | سينما
أوضح المخرج السينمائي السعودي علي الكلثمي، أن المصادفة هي التي أوحت له بشخصية «فهد القضعاني»، مشيرًا إلى التخطيط الدقيق لبناء الشخصية، شكلًا ومضمونًا. الكلثمي تطرق في حواره مع «الفيصل» إلى العناصر المكونة لقصة فِلْمه الروائي الأول «مندوب الليل»، ودلالاتها من موسيقا تصويرية ومواقع تصوير حية وعدسات وزمان ومكان وإضاءة وألوان، بحيث توازنت هذه العناصر وأكملت بعضها وأسهمت في تحقيق رؤية متكاملة تعبر عن رحلة البطل بأسلوب واقعي ومؤثر. وتحدث الكلثمي عن المخاوف التي رافقت عرض الفِلم، محليًّا ثم عربيًّا وعالميًّا، وردود أفعال الجمهور التي عكست الخلفيات الثقافية المتنوعة، مؤكدًا أن لغة السينما والقصص الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الثقافية واللغوية، والوصول إلى قلوب الناس وعقولهم في كل مكان، وأن التفاعل الدولي مع الفِلم السعودي يحفز المخرج لصناعة أعمال، تعبر بصدق عن «قصصنا المحلية».
شخصيات من هامش المجتمع
● لنبدأ من أول أفلامك الروائية «مندوب الليل»، الذي يتناول حياة شاب ثلاثيني في ليل الرياض، شاب يفقد وظيفته، بينما يرزح تحت أعباء والتزامات عائلية، بين أبيه المريض وأخته وابنتها. ما التحديات التي واجهتك وأنت تحاول سينمائيًّا تجسيد شخصية فقدت عملها الرئيس ولجأت إلى العمل في مهنة خطرة؟
■ عندما بدأت كتابة فِلْم كرنمال (كرنفال + مال) الذي تغير اسمه لاحقًا إلى «مندوب الليل»، مع الكاتب محمد القرعاوي، كانت لدينا العديد من التساؤلات عن فهد ودوافعه، ولكن كنا دائمًا نعود إلى المشهد الأساسي الذي شاهدته أمام عيني خلال إحدى الحفلات، التي كانت مليئة بالمشهورين ولاعبي كرة القدم، ودخل وقتها مندوب توصيل الطلبات إلى منتصف المجلس، وكأنه خيال لا يراه أو يشعر به أحد وظل هائمًا، هل هذا وهم أم حقيقة. هذه اللحظة أثارت فيّ تساؤلات حول الشخصيات التي تعيش على هامش المجتمع وتكافح للنجاة في مهن خطرة.
كان التحدي الرئيس هو كيفية تجسيد هذا الشعور بالاختفاء والانتماء الهش في سيناريو الفِلم. حرصت على أن تكون تفاصيل الشخصية دقيقة وواقعية، بدءًا من طريقة تفاعله مع الآخرين وصولًا إلى تعابير وجهه ولغة جسده. كان من الضروري أيضًا العمل على الجانب النفسي للشخصية، بحيث يظهر فهد شخصية معقدة ومليئة بالصراعات الداخلية، وهو ما يعكس بدقة واقعه الاجتماعي والنفسي.
● الملحوظ أنك تجنبت الوقوع في فخ النمطية من خلال اهتمامك بالتفاصيل، سواء من حيث التصوير أو اختيار الموسيقا، والأهم اختيار الليل، بُعدًا زمانيًّا، أضفى عمقًا ومشاعر مختلفة. كيف وازنت بين هذه العناصر لتحقيق رؤية تعبر عن رحلة البطل؟
■ اختيار الليل خلفية زمنية للأحداث كان له دور كبير في إضفاء العمق والمشاعر المختلفة. الليل يضيف بعدًا من الغموض والتوتر، ويعزز من حالة العزلة والوحدة التي يشعر بها فهد. كما أن الإضاءة الليلية والألوان التي استخدمناها، مثل الألوان الخضراء والزرقاء والحمراء، ساهمت في خلق جو درامي يكثف من حالة فهد النفسية ويعكس التحديات التي يواجهها.
على مستوى الموسيقا تعاونا مع الموسيقيين فابيان ومايك كورتزير والموزع الموسيقي محمد الحمدان (أبو حمدان) من أجل صناعة موسيقا أصيلة تجذب المشاهد إلى المعضلات النفسية والعاطفية التي يعيشها فهد وتفاعله مع التحديات التي يواجهها؛ حتى تبني هذا العالم العاطفي الذي يواكب العالم المرئي، الذي صممته نيرفانا الشناوي.
عملنا على خلق توازن بين هذه العناصر من خلال الاهتمام بأدق التفاصيل في التصوير والموسيقا، بحيث تكون كل منها مكملة للأخرى، وتساهم في تحقيق رؤية متكاملة تعبر عن رحلة البطل بأسلوب واقعي ومؤثر.

شخصية المكان
● اتخذت من مدينة الرياض خلفية مهمة للأحداث في فِلْمك؛ إذ تبدو أكثر من مجرد مكان؛ فهي تكاد تكون شخصية في حد ذاتها، فكيف تعاملت مع تصوير المدينة وجعلها جزءًا لا يتجزأ من القصة؟ وما الدلالات الرمزية التي يحملها اختيارك لهذه الخلفية المكانية؟
■ على الرغم من أن الرياض مدينتي التي نشأت وتربيت فيها ولي فيها أعمق وأدق الذكريات، ولكن خلال التحضير للفِلم، تحديدًا قبل بداية التصوير بثلاثة شهور، كنت أخرج مع مدير التصوير أحمد طاحون، نجوب شوارع الرياض ونتناقش حول طبيعة كل حي وتاريخه على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وحول بعض الذكريات التي تخص كل شارع، وبدأنا في اختيار الشوارع ومواقف السيارات المناسبة للقصة التي تضيف إلى المشاعر الخاصة بكل مشهد.
الرياض في «مندوب الليل» ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي شخصية في حد ذاتها تعكس الحالة النفسية للبطل والتغيرات التي يمر بها. المدينة بشوارعها وأضوائها الليلية تمثل عالم فهد الداخلي المضطرب والمتغير. الدلالات الرمزية لاختيار الرياض كمكان للأحداث تعكس رحلة فهد في البحث عن ذاته والتحديات التي يواجهها في مجتمع سريع التغير. تصوير المدينة بهذه الطريقة كان يهدف إلى إظهار تباين الحياة في الرياض بين الأحياء المختلفة، من الأحياء الفقيرة إلى الأحياء الغنية، وهو ما يعكس التنوع الاجتماعي والاقتصادي في المدينة، ويعزز من واقعية القصة وتأثيرها في الجمهور.
الاعتراف الدولي وتفاعل الجمهور
● حصل «مندوب الليل» على جائزة الجمهور لأفضل فِلم روائي طويل في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2023م، فكيف تنظر إلى هذا الاعتراف الدولي وما الأثر الذي سيتركه في مسيرتك السينمائية وفي صناعة السينما السعودية عامةً؟
■ كان هناك تخوف كبير منذ انطلاقة الفِلْم في المهرجانات الدولية انطلاقًا من أحد المهرجانات ذات التصنيف A عالميًّا، مثل مهرجان تورنتو السينمائي الدولي. والتخوف كان لأننا عندما صنعنا هذا الفِلم كان الهدف هو الجمهور والمشاهد في السعودية، في الدرجة الأولى، فقد حرصنا أن يخاطب الفِلم الجمهور المحلي وأن يكون «مندوب الليل» منتجًا للسوق المحلي. الرائع أنه مع العرض الأول للفِلم في تورنتو، كندا، أذكر أنني جلست في نهاية القاعة الممتلئة عن آخرها وبدأت أتابع ردود أفعال الجمهور، الذي كان ينقسم إلى جمهور كبير في السن يتصدر الصفوف الأمامية، بينما انتشرت الوجوه الشابة في بقية القاعة، وقد كان تفاعل كل منهما مختلفًا تمامًا مع أحداث الفِلْم، ولكن القاسم المشترك بينهم أنهم شعروا بالتعاطف أحيانًا وبالغضب أحيانًا أخرى من سلوكيات وتصرفات فهد القضعاني. وقد كانت الجلسات النقاشية بعد كل عرض من عروض الفِلم متنوعة من حيث نقاش القصة أو الاستفسار عن أماكن التصوير، وهناك من تساءل عن أدوار محمد الدوخي وجميعهم كانوا منبهرين بأن الدوخي اشتهر بالأعمال الكوميدية.
الشاهد أن لغة السينما والقصص كلما كانت حقيقية وأصيلة، لامست الإنسان في أي مكان ومن أي ثقافة. وهذا ما أثبتته لي تجربة «مندوب الليل». لا شك أننا فخورون بكل التقدير والاحتفاء بالفِلم، ولكن يبقى رد فعل الجمهور وتفاعله مع الفِلم وأحداثه وشخصياته هو أكبر تقدير يشبع غرور أي مخرج محب للسينما.
هذا الاعتراف الدولي يعزز من مكانة السينما السعودية، ويحفزني على تقديم المزيد من الأعمال التي تعبر بصدق عن قصصنا المحلية. كما أنه يفتح الأبواب أمام المزيد من التعاون الدولي، ويزيد من الثقة في قدراتنا، نحن صناع السينما، وأننا قادرون على إنتاج أعمال تنافس على المستوى العالمي.
● عرض الفِلم أول مرة عربيًّا في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الدورة الماضية، حصد إعجاب الجمهور، لكنه لم يفز بجائزة أفضل فِلم، ما تعليقك؟
■ لا شك أن الدورة الماضية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي كانت المنافسة فيها شرسة؛ إذ شاركت العديد من الأفلام السعودية والعربية والعالمية القوية على المستوى الفني. كان هناك مستوى عالٍ من الإبداع والتنوع في الأفلام المعروضة، وهو ما جعل المنافسة صعبة جدًّا. بالنسبة لي، أن يكون العرض الإقليمي الأول لفِلم «مندوب الليل» بين أهله وناسه في السعودية من خلال مهرجان البحر الأحمر هو في حد ذاته إنجاز كبير. هذا التقدير من الجمهور السعودي، ودعم مهرجان البحر الأحمر السينمائي للفِلم، ساهم بشكل كبير في استكمال مسيرة الفِلم ووصوله إلى شريحة واسعة من المشاهدين المحليين.
حصول الفِلم على إعجاب الجمهور هو أمر نفخر به كثيرًا، وهو دليل على أن العمل قد تمكن من لمس قلوب الناس والتواصل معهم بشكل فعال. بالنسبة لي وللفريق، هذا التفاعل الإيجابي من الجمهور هو الجائزة الحقيقية، وهو ما يدفعنا لمواصلة العمل على تقديم قصص تلامس واقعنا وتعبّر عن تجاربنا. في النهاية، عدم الفوز بجائزة لا يقلل من قيمة الفِلم أو تأثيره، بل يزيد من حماستنا للعمل على مشروعات مستقبلية تتحدى معايير السينما، وتواصل تقديم محتوى مميز يلبي تطلعات الجمهور المحلي والدولي.
● عُرِضَ «مندوب الليل» في دول عدة؛ منها مصر وإيرلندا وبريطانيا، كيف تلقيت استجابة الجماهير في تلك الدول؟
■ انتابني شعور مختلف قبل عرض «مندوب الليل» في سينما زاوية في القاهرة. كنت قد رزقت بمولودتي الثانية «عزة»، قبل أيام من العرض، وكنت أعيش إحساس الأبوة للمرة الثانية من جديد. حرصت على حضور الجلسة النقاشية مع الجمهور المصري الذي كنت أتساءل في قرارة نفسي هل سيفهم الحوار واللهجة، هل سيتفاعل مع المشاهد التي تكاد تكون مختلفة عن الصورة النمطية للرياض. لكن تفاجأت بردود أفعال إيجابية ونقاش فني عميق مع الجمهور، وهو ما أكد لي أن القصص الأصيلة تستطيع الوصول إلى قلوب الناس في كل مكان.
في إيرلندا وبريطانيا، كان الوضع مشابهًا إلى حد كبير. في دبلن، كان الجمهور متحمسًا لمعرفة المزيد عن الحياة في الرياض، وكيف يجري تصويرها من خلال عيون فهد. النقاشات بعد العرض كانت مثرية حيث استفسر الجمهور عن تفاصيل تصوير المدينة، وكيفية التعامل مع العناصر المختلفة في الفِلم. في بريطانيا، وبخاصة لندن، كان هناك اهتمام كبير بالتفاصيل الفنية للفِلم. النقاد والجمهور على حد سواء أبدوا إعجابهم بالتصوير الليلي واستخدام الألوان لإبراز الحالة النفسية للشخصيات. كان من المدهش رؤية كيف أن تفاصيل دقيقة جدًّا، مثل الموسيقا والإضاءة، قد لاقت استحسان الجمهور ونالت إعجابهم.
بشكل عام، تلقيت ردود أفعال إيجابية جدًّا من الجماهير في هذه الدول، وهو ما يعزز من إيماني بأن القصص الإنسانية قادرة على تجاوز الحدود الثقافية واللغوية، والوصول إلى قلوب الناس في كل مكان. هذا النجاح الدولي يعطينا دفعة قوية للاستمرار في تقديم أعمال تلامس الواقع، وتعبّر عن تجاربنا بأسلوب سينمائي مميز.

وصفة للنجاح
● كيف تبني جسور التواصل والتفاهم مع فريقك الفني لضمان تجسيد رؤيتك السينمائية؟ وما أبرز الصعوبات التي تواجهها في هذا الجانب؟
■ بعد الانتهاء من كتابة الفِلم حرصنا، جميع رؤساء الأقسام، على مناقشة الجوانب الفنية ودوافع الشخصيات والمقترحات لأماكن التصوير، التي حرصنا أن تكون مواقع حقيقية دون اللجوء إلى أستوديوهات داخلية. هذه المرحلة من التعاون والتفاهم كانت أساسية لبناء جسور التواصل بيني وبين الفريق الفني، فكنا نتشارك الأفكار ونتبادل الآراء بخصوص كل جانب من جوانب الفِلْم.
أحد أبرز الصعوبات التي واجهناها كانت التحديات اللوجستية. التصوير والتنقل بين المواقع في مدينة الرياض المزدحمة كان أمرًا معقدًا جدًّا، وبخاصة أن الرياض مدينة لا تنام. كما أننا تعرضنا لحادث خلال تصوير مشهد النفق الذي يظهر في افتتاحية الفِلْم، حيث كان هناك خلل في تركيب إحدى رافعات الكاميرا وسقطت، ومعها أحد المصورين، ولكن بفضل الله لم تكن هناك إصابات. كانت هذه الحادثة صدمة لنا جميعًا، وتوقفنا أيامًا عدة لإعادة ترتيب أوراقنا والتركيز على تطبيق معايير أمن وسلامة تحافظ على الجميع.
● كيف تقيم النجاح التجاري للفِلم؟ وإلى أي حد تَتحققُ الموازنة بين النجاح التجاري والنجاح الفني في السينما السعودية الحديثة؟
■ لأني منتج تنفيذي لفِلم «مندوب الليل» والعديد من الأفلام من إنتاج أستوديو تلفاز١١، أعتقد أن المخرج عليه مسؤولية أن يتعامل بواقعية مع المعطيات الخاصة بالفِلم، سواء كانت الميزانية أو تكاليف الإنتاج وغيرها. وأعتقد أننا نعيش عصرًا ذهبيًّا تتوافر فيه سبل الدعم والإمكانات كافة لكي يعمل المخرجون على قصص سعودية أصيلة.
حرصنا على تقديم حملة تسويقية للفِلْم تجذب المشاهد المحلي وتمنحه الثقة في مشاهدة فِلم سعودي، بما يسهم في زيادة المداخيل الخاصة بالفِلم من شباك التذاكر. ولأكون صادقًا، لم نكن نتوقع هذا الإقبال الكبير، وأن يكون «مندوب الليل» أعلى افتتاحية لفِلم سعودي على الإطلاق. إن النجاح التجاري للفِلْم كان مصحوبًا بردود أفعال إيجابية من النقاد والجمهور، وهو ما جعلني أُومِن أكثر بأن تحقيق التوازن بين النجاح التجاري والنجاح الفني ممكن جدًّا في السينما السعودية الحديثة.
النجاح التجاري للفِلم يمنحنا الموارد والإمكانيات للاستمرار في إنتاج أعمال فنية متميزة، بينما النجاح الفني يساهم في بناء سمعة السينما السعودية وجذب اهتمام النقاد والجمهور العالمي.
التقنية في خدمة القصة
● تطور التقنية في صناعة السينما يفتح آفاقًا جديدة للإبداع. كيف تتعامل مع التقنيات الرقمية محتفظًا بالعمق الفلسفي والأدبي في أعمالك؟
■ حرصنا خلال مرحلة التحضير على الاستعانة بالعديد من الوسائل التقنية الخاصة بتصميم المشاهد حتى تكون الرؤية الفنية واضحة لأعضاء فريق العمل. على سبيل المثال، استخدمنا تقنيات الرسوم المتحركة التوضيحية (Previsualization) لتحديد كيفية تحرك الكاميرا وتوزيع الإضاءة قبل البدء في التصوير الفعلي. هذا ساعد في تقليل الأخطاء وزيادة الكفاءة في وقت التصوير.
ومع ذلك، كنت حريصًا على العودة إلى أساسيات السينما خلال التصوير. استخدمنا عدسات كلاسيكية من طراز Cooke Panchro، التي تعطي المدينةَ الطابعَ الحاد والدقيق الذي اشتهرت به تلك العدسات. هذه العدسات ساعدت في الحفاظ على الطابع الكلاسيكي للصورة، وأضفت لمسة من الأصالة والعمق البصري على المشاهد.
تكمن القدرة على الحفاظ على العمق الفلسفي والأدبي في الأعمال السينمائية في كيفية دمج التكنولوجيا مع الرواية الأصيلة. التقنية توفر الأدوات لتحسين الجودة البصرية والتنفيذ الفني، لكن الفلسفة والأدب يأتيان من القصة نفسها، من الشخصيات، من الحوارات، ومن اللحظات الإنسانية التي تنقل المشاعر والأفكار بصدق. لهذا، كنت أحرص دائمًا على أن تكون التقنية في خدمة القصة، وليس العكس، وهو ما يضمن أن يبقى العمل السينمائي محملًا بالعمق والمعاني التي نسعى لإيصالها. بهذا الأسلوب نتمكن من الاستفادة من التقنيات الحديثة لتعزيز تجربتنا الإبداعية من دون التضحية بالجوهر الفلسفي والأدبي للأعمال.
● تشهد السينما السعودية نهضة ملحوظة في السنوات الأخيرة. كيف تنظر إلى هذه التحولات فنيًّا؟ وما التطلعات التي تسعى إليها لتعزيز هذا الاتجاه ولإحداث تأثير دائم في الثقافة السينمائية المحلية؟
■ أعتقد أننا جيل محظوظ لأننا واكبنا انطلاقة الإنترنت والثورة المعلوماتية، وكانت انطلاقتنا على اليوتيوب فرصة للتواصل مع الجمهور السعودي وبناء علاقة فنية قوية. كنا نتناقش في قضايا تشغل بالنا وتهمنا جميعًا. ومع عودة السينما بقوة، كانت هناك فرصة لنحكي قصصًا تشبهنا وتعبر عن واقعنا وتطلعاتنا.
التحولات التي تشهدها السينما السعودية فنيًّا تتميز بالتنوع والإبداع. نشهد حاليًّا إنتاج أفلام تعبر عن مجموعة واسعة من الموضوعات والقضايا الاجتماعية والثقافية. هذا التنوع يعزز من قوة السينما السعودية، ويساهم في جذب جمهور متنوع. كما أن الدعم المتزايد من المؤسسات السينمائية والمهرجانات الدولية والمحلية يسهم في رفع مستوى الإنتاج السينمائي، ويوفر فرصًا للمخرجين والمنتجين السعوديين لتقديم أعمالهم على منصات أوسع.
التطلعات التي أسعى إليها لتعزيز هذا الاتجاه تتضمن محاور عدة:
دعم المواهب الشابة: الاستمرار في توفير برامج تدريبية وورش عمل للمواهب الشابة في مختلف مجالات صناعة السينما، من الكتابة والإخراج إلى التصوير والمونتاج؛ لتمكينهم من تطوير مهاراتهم وإبداعاتهم.
التعاون الدولي: تعزيز التعاون مع صناع السينما الدوليين لتبادل الخبرات والتجارب، وهو ما يساهم في رفع مستوى الإنتاج السينمائي المحلي، ويساعد في نقل القصص السعودية إلى جمهور عالمي.
تقديم قصص أصيلة: التركيز على تقديم قصص تعبر عن التجارب والواقع المحلي بصدق وأصالة. القصص التي تنبع من الثقافة والتاريخ السعودي لها قدرة كبيرة على التأثير والوصول إلى قلوب الناس في كل مكان.
تطوير البنية التحتية: الاستمرار في الاستثمار في تطوير البنية التحتية لصناعة السينما في السعودية، من خلال بناء أستوديوهات ومرافق إنتاج متقدمة، وتوفير المعدات الحديثة التي تساهم في تحسين جودة الإنتاج.
زيادة الدعم المالي: توفير برامج التمويل المتنوعة لصناع الأفلام السعوديين، وهو ما يمكنهم من إنتاج أعمال ذات جودة عالية تستطيع المنافسة على المستوى الدولي.
من خلال هذه الجهود، نسعى إلى إحداث تأثير دائم على الثقافة السينمائية المحلية، بحيث تصبح السينما وسيلة فعالة للتعبير عن الهوية والثقافة السعودية، وتساهم في تعزيز الوعي والفهم بين الثقافات المختلفة. نحن نطمح إلى أن تصبح السينما السعودية جزءًا مهمًّا من المشهد السينمائي العالمي، وأن تكون لدينا أفلام تتحدث عن تجاربنا وقصصنا بصوت قوي وواضح.

السينما وقضايا الوجود والمجتمع
● يتطلب الفن الشجاعة لاستكشاف المناطق المظلمة وغير المألوفة في النفس البشرية، بصفتك مخرجًا، كيف ترى تأثير السينما والأفلام ودورها في تشكيل الوعي الجمعي والثقافي داخل المجتمع؟
■ الفن بأشكاله كافة له دور مهم في بناء الوعي الثقافي وتشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمع. السينما، بوصفها أحد أشكال الفن الأكثر تأثيرًا، تمتلك قدرة فريدة على نقل التجارب الإنسانية والمعاناة والأفراح إلى الجمهور بطرق تجعلهم يشعرون ويتفاعلون مع القصة بشكل عميق.
لقد تربيت في مجلس والدي الذي كان راويًا متمرسًا يقص قصصًا من التاريخ، ويروي حكايات ونوادر من الأدب، وقد رأيت كيف كان يوظف تلك القصص والروايات في نشر الوعي عن قيمة اجتماعية أو فضيلة معينة، وكيف كان يستخدمها أحيانًا في تهدئة النفوس بين المتخاصمين وإصلاح ذات البين. هذه التجربة أثرت فيّ تأثيرًا كبيرًا وزرعت فيّ الإيمان بقوة السرد القصصي في تغيير القناعات وتعزيز الفهم.
أعتقد أن السينما تمتلك القدرة على استكشاف المناطق المظلمة وغير المألوفة في النفس البشرية، بطرق تجذب الجمهور وتجعله يفكر في قضايا قد لا يكون على دراية بها. من خلال الشخصيات المعقدة والمواقف الصعبة التي يجري تصويرها في الأفلام، يمكننا أن نعرض جوانب من الحياة الإنسانية التي قد تكون مخفية أو مغمورة في الظل. هذا يساعد في زيادة التعاطف والفهم بين الناس، ويعزز من الوعي بالقضايا الاجتماعية والنفسية.
على سبيل المثال، في فِلم «مندوب الليل»، حرصنا على تقديم شخصية فهد القضعاني بواقعية وصراحة، بما فيها من تناقضات وصراعات داخلية. كانت حواراتي مع محمد الدوخي خلال التحضير للشخصية تهدف إلى إبراز هذه الجوانب المظلمة من خلال علاقته بأبيه ومحيطه الاجتماعي. اقترح الدوخي أن يكون فهد بارًّا بوالده؛ لأننا لا نريد أن نرى الشر مطلقًا ولا الخير مطلقًا، بل نريد أن نعرض الشخصية بكل تناقضاتها الإنسانية.
من خلال السينما، نستطيع أن نثير تساؤلات حول قضايا الوجود والمجتمع ونحفز التفكير النقدي والتأمل العميق. الأفلام تساهم في تشكيل الوعي الجمعي من خلال طرح قصص تعكس تجارب الناس ومشاعرهم بطرق تجعلهم يرون الأمور من منظور مختلف. هذا يساعد في بناء مجتمع أكثر تفهمًا وتسامحًا، ويعزز من التواصل الثقافي بين الأفراد.
بوصفي مخرجًا، أسعى دائمًا إلى تقديم أعمال تثير التساؤلات أكثر من تقديم الإجابات؛ لأن الفن في جوهره يسعى إلى استكشاف المجهول وحَفْز النقاش والتفكير. أعتقد أن هذا هو الدور الحقيقي للسينما والأفلام في تشكيل الوعي الجمعي والثقافي داخل المجتمع.
● يسعى الفن بطبيعته إلى إثارة التساؤلات أكثر من تقديم الإجابات، فما الأسئلة الكبرى التي تأمل أن تثيرها من خلال أفلامك؟ وكيف ترى دور السينما في حَفْز التفكير النقدي والتأمل العميق في قضايا الوجود والمجتمع؟
■ في هذه المرحلة، كوني أعيش شعور الأبوة من جديد مع بنتي عزة وأخيها عزيز، أجد أن كثيرًا من التساؤلات في ذهني تدور حول الأسرة ومستقبل أبنائنا. من خلال أفلامي، أسعى إلى إثارة تساؤلات حول القيم الاجتماعية، الهوية، والتحديات التي يواجهها الأفراد في مجتمعنا الحديث. أتساءل عن تأثير التغيرات الاجتماعية والثقافية في الأسرة والعلاقات الإنسانية، وكيف يمكننا الحفاظ على التوازن بين التقاليد والحداثة.
● أحد الأسئلة الكبرى التي أطمح إلى إثارتها هو كيف يمكن للفرد أن يواجه تحديات الحياة المعاصرة دون أن يفقد هويته وقيمه. كيف يمكننا التعامل مع الضغوط النفسية والاجتماعية التي تفرضها الحياة الحديثة؟ وما الدور الذي تؤديه العلاقات الإنسانية في تحقيق التوازن والسعادة في حياتنا؟
■ السينما تشجع على التفكير النقدي من خلال طرح قضايا معقدة دون تقديم حلول جاهزة، وهو ما يدفع المشاهدين إلى تحليل الأحداث والشخصيات ومحاولة فهم الدوافع والنتائج. هذه العملية تعزز من قدرتهم على التفكير النقدي وتطوير وجهات نظرهم الخاصة. بصفتي مخرجًا، أهدف إلى تقديم أفلام تحفز الجمهور على التفكير والتساؤل والتأمل؛ لأنني أُومِن بأن الفن الحقيقي هو الذي يثير النقاش ويحفز العقل والروح.
بواسطة محيي الدين جرمة - شاعر يمني | سبتمبر 1, 2024 | نصوص
وخُذ خزعة من هواء نقِي
لتنسى كآبة عُمركَ
في مدن
عسكرتها الضباع.
وهاجِر إلى البر
والبحر في الأهل
والدفء.
والأرخبيل السماوي.
واسكن جمال الأسى،
ليس يُوجد في الحلم إلاك،
حدِّق إلى غيمةٍ في المساء
تهاطل من كرمها فستق
الشعر في سلة الجاذبية،
حدِّق إلى فمها يا غروبُ.
وخذ نَفسًا من عصافير
من زفرة الطفل في الحي،
والطير في الجو
من زهرة امرأةٍ
في طبيعتها الساحلية،
لا مِن جبال يشيخ بها الطفل
قبل الأوان
ولا من دخان
سجائر مُطفأة
في مسامات
ما خلفتهُ الحُرُوبُ.
خذ بلادًا من الريح
واترك لها فسحة
لاحتضان البنفسج
كي تستريح،
كما تشتهي
علها في الطريق
إلى عشب ظلّ هُنالكَ
تبصر سُكّرَها
في شِفاهٍ: يذُوبُ.
خذ الريح من نفسها،
الشمس من شمسها،
واللياليَ من أمسها
في غدِ البحر،
سِر في خيالِ خُطى
لا تسير عليها طريقٌ
ويختال ظلٌّ
من الشوكِ في ظلها
حين تخسر أشجارها.
بُح لماء النوارس بالسِّر
في الفجر
و -إن شئتَ- كُن موجةً
كلما استودعتك
الشواطئ مِرآتها
يا حبيبُ.
وإن سألوكَ
إلى أين؟!
-قُل: إن وجهتي البحر
والأكسجين
دعوني فقلبي جهات بلادي
وقبلتي الحب
لا الحرب
لِي (رئتان):
شمالٌ
جنوبٌ.
بواسطة حمادي تقوا - محمد الساهل - باحثان مغربيان | سبتمبر 1, 2024 | فكر
استنبات
لا يتعلق الأمر، هذه المرة، بما عودتنا عليه أفلام الكارثة، تلك التي تنحو منحًى عنيفًا في رسم نهاية العالم بالدم والنار. فكوكب الأرض لم يعد صالحًا للعيش، ليس بفعل التصحر أو الاحتباس الحراري، ولا بسبب العَوز وندرة الموارد، وإنما لكونه قد ازدحم بالنفايات والمتلاشيات: أفقيًّا، إذ غَزَتْ آخر شبر، آخرَ فرصة لاستثمار الفراغ في إعادة بناء الحياة على الأرض، وعموديًّا لأنَّ مخلفات الاستهلاك المحموم قد بلغت عنان السماء: أشجارٌ وناطحاتُ سحاب من ركامِ ما تركتْه الحيوانات الثديية الناطقة قبل أن تغادر الكوكب.
ولأن البشر قد فطنوا للهاوية التي كانت تنفتح أمام إمكانية استدامة الحياة (في كوكب صار أشبه بعمل فني «ما بعد حداثي» ضخم إلى درجة يستبعد فيه المتلقي وينفيه!)، ولأنهم كانوا يرعون أمل العودة، لم تُعوزهم الحيلةُ: تركوا روبوتات تنكبُّ على التنظيف والفرز وإنعاش الفراغ. فجأة يصير الفراغ الذي لطالما أرعب البشر ودفعهم إلى مجابهته بالملء والترميم والمراكمة، يغدو هذا الفراغ أعزّ ما يُطلب، إنه «ما يمنح أسباب الوجود»، كما يعلمنا لاوتسو.
تجري أحداث فِلْم Wall-e (إخراج أندري ستاستون، 2008م) في المستقبل، وبالضبط سنة 2805. فِلْم يتبنى أطروحة إيكولوجية قِوامها المقاومة ضد الفظاظة التي تُعامل بها الطبيعة بدافعٍ من حمى الاستهلاك، وبباعثٍ من الزحف المستمر على احتياطي الفراغ. يكون البشر قد قضوا ما يقرب سبعةَ قرون، معتصمين بالمركبة الفضائية (Axiom)، وتحت رحمة روبوتات برمجَتِ البشرَ على عدم القيام بأي شيء عدا الجلوس والتطلع إلى شاشة تبث إشاراتٍ تغذي الأمل (وكأن الفِلْم لا يبارح واقع الحال اليوم!).
يحدث كل هذا ريثما تتحقق المعجزة: العثور على كائن حي، على علامةٍ تنبئ بأن استنبات الحياة على الأرض لا يزال ممكنًا. لا يسعنا، في نهاية الفِلْم، إلا أن نمحض الروبوت وول-إي (ومعه «حبيبته» الروبوت إيڤا) الإعجابَ والتقريظَ. ففي خضم انشغاله بالفرز والتصنيف سيعثر الروبوت على نبتةٍ (نفكر في حكاية «جاك ونبتة الفاصوليا السحرية» معكوسةً!) يتعهدها بالرعاية، كي تكون شيفرةً تُوجه المركبة للعودة إلى الأرض واستئناف الحياة مجددًا.

عبدالسلام بنعبد العالي
حالُ الروبوت وول-إي، نقيضُ البشر وقد تحولوا إلى كائنات كسولة، هي حال البريكولور. والبريكولاج نمط من العيش تشده إلى الشرط الحداثي أواصر قوية. ربما كان سيوران يفكر في هذه الوشائج حين كتب: «أن تكون حديثًا هو أن تُصلح ما أفسده الدهر». إلا أن البريكولور، بعيدًا من التراتبية التي تقيمها البداهة، والتي ينزل بمقتضاها منزلة الهامش قياسًا إلى المهندس، لا يقنع بأن يُزجّ به في مهام الرتق ورأب الصدوع. للبريكولاج، بما هو نمط تفكير، وبما هو التفكير كتابةً، «منطق» مضاد لعقلانية تصلبت فغدت تقليدًا؛ لذا فإن مهمة البريكولور تنتعش في الانفصال وبعث الفراغ والإقامة في الفتق. ولأنه كذلك، فالبريكولاج، في التفكير كتابةً، متحرِّرٌ من حمى إنقاذ العالم.
ينبه جيل دولوز في «الأبجدية» إلى أنه أبعد ما يكون عن صورة المثقف ذي الذاكرة القوية، فهو لا يكاد ينتهي من عمل حتى ينسى ما يتصل به من تفاصيل ودقائق وإحالات. وهذا النسيان هو ما يدفعه إلى «البدء من جديد» كلما انهمك في عمل جديد. على أن هذا التنبيه (وإن كانت «الأبجدية» نفسها «تكذبه» باعتبار شساعة اطلاع دولوز وقدرته على استحضار قراءاته)، أقول: إنه تنبيهٌ ينطوي على رؤية للكتابة تُجنبها الاعتداد بما يُنجز، وتفتحها على ما لم يتحقق بعد، على تعلُّم مزمن لا توقفه غاية، وعلى أسئلة لا تهدئ من روعها الأجوبة.
هذا النمط من فاعلية التفكير كتابةً، ومن الوقوف ضد احتجاز هذه الفاعلية في مكاتب الخبراء، المسلحين بالدقة والحسم من جهة، وبالأجوبة الجاهزة والخطاطات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها من جهة ثانية، هذه المقاومة ضد البلاهة هي ما يسند عمل الأستاذ عبدالسلام بنعبد العالي: عمل يصيخ لنبض الحياة المعاصرة، ويستمد فرادته من خفته وعدم ركونه إلى خطاطة تحدد المنطلق والغاية.
بذرةُ هذا العمل الدؤوب، في ورشة التفكير كتابةً، مستنبتةٌ عند بنعبد العالي منذ أطروحته «مجاوزة الميتافيزيقا» وصولًا إلى شتاتها في مؤلفات تنهض على بعث الدهشة، وإذكاء الفضول، والتحريض على إعمال الفكر في ما تم التفكير فيه مسبقًا. وإن كان من الضروري ربط هذه الكتابة بغايةٍ ما تبرر هذا الاختيار (على افتراض وجود هذه الغاية وهذا الاختيار)، فستكون إنقاذَ الكتابة من ركام المعرفة الجادة المتجهمة الذي يخنق صيرورتها، والعثورَ على «شيفرة» توجه الكتابة صوبَ إثبات الحياة. وها نحن أولاء نعثر على شبيه لوول-إي في الساحة الفكرية العربية!
شعرية ما يتبقَّى
إجابةً عن سؤال عنترة: هل غادر الشعراء من متردم؟ يضيء عبدالفتاح كيليطو في «الكتابة والتناسخ» الاختلاف بين هوميروس والشاعر الجاهلي. الأول يستمد الإلهام الشعري من الأولمب، والثاني يلفي نفسه أمام تراث سابق عليه، أمام الكلام الشعري وقد استنفده الأسلاف. كتب كيليطو: «نعلم أن هوميروس يتوجه، في مستهل الإلياذة، إلى ربات الفن طلبًا للمعونة. أما عنترة فينادي «شعراء» الماضي وصوت السابقين، الصوت الوحيد الذي، خارجًا عنه، لا يتبقى شعر ولا ما يمكن أن يقال». وفيما يشبه اكتشافًا نراه بعيدًا ويراه كيليطو قريبًا يقرر: «في مستهل القصيدة، بل عند بداية الشعر، هناك اهتمام بالتكرار والتقليد. في فجر التاريخ العربي نلفي رجوعًا إلى فجر سابق، إلى أصلٍ وأساسٍ، فجرٍ مضى وامحى (ولم يخلف إلا بعض الآثار)، ولكنه، ما زال بالنسبة لعنترة، حاضرًا ينبض بالحياة. شعر عنترة الذي نميل اليوم للنظر إليه كشروق، كان انحدارًا نحو المغيب».
الآثار التي خلفها القدماء (أطلالهم التي تلتبس ببقايا ديار الحبيبة!) هي ما يتبقى لدى الشاعر حين تنغلق أمامه إمكانية الإتيان «بما لم تستطعه الأوائل». وفي مضمار قرابةٍ تَشدُّ البريكولور إلى الشاعر، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من إغراء المجاورة بين هوميروس والمهندس (من جهة كونهما يصدران عن علوٍّ ما يُلهم الأول تأسيسَ البدء الشعري، ويوحي للثاني بالقدرة على التنبؤ بالمآلات واستشراف الغايات)؛ ومن غوايةِ المواءمة، بالمقابل، بين عنترة والبريكولور (من جهة كونهما ينشغلان بما يتبقى، بما سبق أن قيل، بإدامة حياة الكلام اقتباسًا ونسخًا وتكرارًا). أما وقد أذعنّا إلى هذا الترقيع الذي يستوجبه «منطق البريكولور»، فإن بنعبد العالي، حين يُصرِّح باحتراف البريكولاج، لا يني يقرُّ بنسبه إلى شعريةٍ ترى في التفكير «عملًا لليد»، كما ينبهنا هايدغر، وتؤسس لكتابة تحتمي بحيوية التكرار كي تنقذ نفسها من التقليد.
البريكولاج وسياسة الفراغ
ثمَّة كُتَّاب لا تُعطيك كتاباتُهم أيَّ شيءٍ عنهم، عن حِرفهم المحتملة لو لم يكونوا كُتَّابًا، بينما آخرون في وسع المرء أن يقع بسهولة على حرفهم، على ما جنَّبتهم إيَّاه الكتابة. هذه الفئة لا تجد غضاضةً لا في الاعتراف بأقصى أمانيها، ولا في أن تجد لها عِوضًا في الكتابة. إنَّ حرفهم المجهضة (هل هي كذلك؟!) تجد لها تحقُّقًا في الكتابة، وكأنَّها قدرٌ لا رادَّ له.
بنعبد العالي بريكولور (خلوُّ من أيِّ معنى سلبيٍّ، نشدِّد)، نقول قولنا هذا لأنَّ الرَّجل يتدخَّل «فيما لا يعنيه». البريكولور يتجرَّأُ على كلِّ شيءٍ، ديدنه أنْ يضع يده في كلِّ شيء؛ مرَّ عليه هذا الشيء أم لم يمر، الأمر سيَّان. إنَّه لا يهابُ الأشياء، يأتيها دومًا كأيِّ ضليعٍ؛ لا يصيبه شكٌّ ولا خوفٌ. يتعلَّم مع الأشياء، إنَّها لوحُ «المْعَلَّم» وورشة التدريب في آنٍ معًا. معلموه الأوائل هي أشياؤه، هي محاولاته.
كأيِّ بريكولور؛ يضع بنعبد العالي يده على الأجناس كلَّها، لا لأنَّ الرجل تعوزه الحيلة أو لقلَّة ذات اليد، بل أساسًا لتقويض تلك «الجدران»، التي ما تنفك تُرفع في وجه الكُتَّاب، وكأنَّ الكتابة لديه هي تجربة الخوض في «ما لا يعنينا». الكتابة التي لا تقول إلا فيما تفهم.. ما فائدتها؟! أفكِّر أن بنعبد العالي يطأ أراضي يراها بعضٌ «مما ملكت أيمانه»؛ لا للتدليل على «علو كعبه»، ولا للبرهنة على أيِّ موسوعيةٍ من أيِّ نوعٍ، إنَّما ليُروِّع من هدوء «ثقافة الاختصاص». بريكولاج بنعبد العالي استعادة، بمعنى ما، «للمشاعة» في الكتابة.
ومن ناحية أخرى، بنعبد العالي لا يُفرِّط في براغيه، في اقتباساته. إنَّه كالبريكولور يعود إليها دومًا؛ يُلمِّعها، يُبدِّل مواقعها، يقلِّصها آنةً، ويُمدِّدها آنةً ثانيةً، هذه العمليات تُمليها الحاجة ومفاجآت المعالجة.
في هذه الورشة، الاقتباسات لا تثبت على حال، إنَّها منذورة للتَّحول، هذا التحوُّل لا يلحق «جلدها» وحسب، بل مواقعها كذلك. الاقتباسات، في هذه الكتابة، لا تظلُّ هي نفسها، بل تغدو دومًا شيئًا آخر، إنها مثل أشياء البريكولور التي يبدِّلُ دومًا «خِلْقتها». لكن، هذا التحول ليس دليلًا على أيِّ خيانةٍ من أيِّ نوعٍ، بل هي برهنة على أن الترجمة تتمُّ دومًا في جوٍّ من الندم الفكريِّ، إنها ميدان السُّخط لا الرِّضا، التنازلات لا الادِّعاءات. فضلًا عن ذلك، هذه الاقتباسات دائمة الترحال، دَيْدَنها التقلب في المكتوب، هذا التَّقلب ليس أمارةً على العوز والندرة، وإنما هو إيمان بأن الكلام لا يكشف عن نفسه إلا في تكراره. هذه الاقتباسات هي كأشياء البريكولور التي تغترب عن «بلدها» لتتجدَّد، لتربح حياة أخرى. التَّكرار الذي يقتل أشياء البريكولور هو، ويا للمفارقة، ما ينفخ فيها الحياة. بنعبد العالي يدبر أمره بما «يقع تحت يده»، لا يذهب بعيدًا، إنَّه يعالج كأيِّ بريكولور ما استجد بما في «صندوق براغيه». البريكولاج هو فنُّ الكفاف والإنفاق من الإقتار.
في هذا السياق دومًا، يحيط بنعبد العالي مصادره بالكتمان. إنه كالبريكولور الذي تجتمع لديه الأشياء، ولا علم له أنَّى وكيف جمعها. إنها هنا وكفى، إنها ملك له، يدوِّرها كما يشاء. إن جدواها لا تتبدَّى في الأمكنة التي اجتُزِئَتْ منها، ولا في الأسماء التي «ابتكرتها»، وإنما في الدور الذي تشغله، في العلاقات التي تنسجها.
البريكولور لا يحتقر «صغيرًا في مخاصمةٍ». إنَّه لا يجد غضاضةً في الاقتراب من الآيل للتلاشي، ومن «توافه» الأمور. وما البريكولور بظلَّام للأشياء. في هذه الورشة، لا شيء يُزدرى، إنه لا فرق بين هذا وذاك إلا باستعداده للتأقلم. أليس هذا حال بنعبد العالي؟! ألا يعتني في ورشته بالأشياء «الصغيرة»، بالموضوعات «البسيطة»؟ إنهما معًا يوقظان الغرابة في ما يظهر «سخيفًا» ولا قيمة له. البريكولاج قدرة على استلال الغرابة التي تطويها الألفة، وجرأة على فتحِ المسارب التي ضيَّقتها العادة، إنه استثمارٌ في احتياطي الإمكانات التي يختزنها المنسيُّ والمهمل والآيل للتلاشي؛ لذا فإن البريكولور ينطلق دومًا من أن هناك فرصة «ما قبل أخيرة» لمنح حياة أخرى لما «يقع تحت يده». ولعل هذا الـ«ما يقع تحت يده» هو ما ينقذ مهمة البريكولور من العلوِّ على الواقع والركون إلى التجريد، كما يحدث مع المهندس.
البريكولور فكَّاكٌ، ليس معناه أن البريكولاج هو دومًا صيانةٌ وإصلاحٌ. إنه ليس دومًا «خيرًا» كلَّه، يبثُّ الأمل في الميؤوس منه، ينفخ الحياة في الموتى، يكرِّم «عزيزَ قومٍ ذل». يحدث أحيانًا أن يُجهِز على الأشياء، أنْ ينزل عليها بضربة على «الرأس». البريكولور «يحيي ويميت، وبيده الأمر». أفكر أن لا شيء يسعد البريكولور، لا «الحياة الأخرى» التي يعطيها للأشياء، ولا تلك الدراهم التي يلقيها الناس خُفيةً في جيبه، أقول: إنَّ ما يسعده هو بُرغيٌّ نسي أنْ «يرده إلى أهله»، وقطعةٌ أبان الإصلاح أنَّها «زائدة». ومن ناحية أخرى، أفكِّر أن البريكولور لا يسعده لمُّ الأشياء، ولا ردُّ «شرايينها إلى مكانها»، وإنَّما فكُّ عُراها، جزُّ «رقابها»، وقدُّ «مفاصلها».
بينما يعود آخرون إلى نصوصهم لِرَتْقِ ما يبدو متصدِّعًا، ولشدِّ ما يبدو مهلهلًا، يعود بنعبد العالي إلى نصوصه لِيُفَكِّكَ وثاقها، ليقطعها «إربًا». في هذه الورشة، النُّصوص ما تنفك «ينقطع عقدها»، إنَّها تغدو شيئًا آخرَ، شذرةً، وكأنما لا يرضيها إلا «الرشاقة»، لكن، هذا «التَّنحيف» لا هو جريٌ وراء أيِّ حكمة من أيِّ نوع، ولا هو أمارة على أيِّ انسداد في الأفق أو أيِّ «عقم في الأرحام»، إنما هو دعوة إلى الكلام. النص الجيد لا يقول، وإنما يدعو إلى القول. هذا التشتيت هو قوةٌ نسبةً إلى تماسكٍ وهميٍّ ووهم التماسك. مقابل كتابة متماسكة؛ لا تترك فراغًا دون أن تردمه، ولا شرخًا دون أن تجبره؛ تقوم عند بنعبد العالي كتابة تَعْرق في «ابتكار الفصل»، و«فلاحة» الفراغ. وكأنَّ الكتابة هنا هي معرفة الفصل (لا حاجة إلى الوصل كما يوصي قدماؤنا). في عالم مُتْرَع بالكلام، بالامتلاء، لا يتبقَّى للكاتب إلا التدوير والاقتصاد. كتابة بنعبد العالي هي، من هذه الناحية، كتابة «صديقةٌ للبيئة»، كتابةٌ ترحم من في الأرض.
البريكولور يقتحم منازل الناس، في هذا الاقتحام لا يلزم صالة الضيافة، بل يدخل إلى المطبخ وكأنه ابن الدار، المطبخ الذي نتحايل دومًا لكيلا يتلصَّص عليه الغرباء، يؤذن له بالدخول إليه. ثم إنه يدخل في كامل «وسخه»، ويفرش فيه كل «فوضاه». البريكولاج وسخ، الهندسة نظافة. هذا الوسخ لا يقتل، وإنما يمنح جرعات الحياة.
بينما لا يكتب آخرون إلا داخل مكتب مكيَّف، وعلى طاولة منضودة؛ يكتب بنعبد العالي أنَّى كان. أتخيَّل دومًا طاولته تكتظ بالمسودات وبأصناف من المقصات والبراغي. إنها على خلاف طاولة ديكارت الممسوحة، وما ذلك إلا لأن الكتابة لا تُثبت معنى أول، لا تنطلق من فراغ، بل تسعى إلى بعثه فيما يوهم بالامتلاء، ولأن النص الذي ينتهي إليه المؤلف لا يعدو كونه نصًّا ثانيًا يُكتب بأيدٍ متعددة. لا يتعلق الأمر، والحالة هذه، بذات هي مصدر للمعنى، ولا بترتيب قِيميّ للمعاني (كما شدد الفكر المعاصر وهو ينحو باللائمة على التصور التقليدي للمعرفة وبناء المعنى) وإنما يتصل بذات تعي أن العالم، ومعه المعرفة والمعنى، مفعول للعلاقة. إن كان هناك درس يعلمنا إياه البريكولور فلن يكون أبعد من «احتراف قياس المسافات» وجس الجرح المزمن المخترق للكتابة، والإقامة في البين بين، أو لنقل مع إدوارد غليسان، لن يكون بمنأى عن «شعريةٍ للعلاقة».
بلغني أنَّ الأستاذ بنعبد العالي كان، في زمان ما، يكتب في المقاهي لا في البيت. ها هو الهدوء، بما هو دمغة تؤمِّن لهذه الكتابة المغايرةَ، تطلع من فضاءات صاخبةٍ. ها هو الكفاف اللُّغوي، بما هو سمة مائزة لهذه التجربة، تطلع من فضاءات تملأها «منويات مهذارة».
حين يكون بنعبد العالي مطالبًا بتبرير ممارسته للبريكولاج، لا يجد حرجًا من نعتها بـ«الوقحة»، ولا ينتج خطابًا «نظيفًا» يبرر به هذه الممارسة، بل يمعن في إذكاءِ اللبس عندما يستعين على هذه المهمة «الشاقة» بالاقتباسات والاستهلالات: يستعين بالبريكولاج نفسه للنظر في ممارسته البريكولاج.

السَّير دومًا باتجاه النَّجمة
من رحلات السندباد نتعلم أن الارتحال تَجدُّد وولادةٌ مستأنفة، ونتعلم أيضًا أن المترحِّل منذور لتدبر أمره، وللتخلص من مآزق غالبًا ما يخطو إليها بنفسه مُجتذَبًا إلى الخفي والمجهول. ينجو السندباد بفضل التمارين التي أكسبته القدرة على تمديد رحلاته، وينتهي إلى أن «المخاطرة جزء من النجاة». السندباد هو المؤسِّسُ الأول للبريكولاج، وهذا ما يؤهله كي يغدو «شخصية مفهومية» تنسجم وفرادة بنعبد العالي.
تفكيك الثنائيات الميتافيزيقية، والحرصُ على مجاوزة المنظور «المانوي»، من صميم ما تسهر عليه الكتابة بما هي مقاومة، إلا أن تفكيك بنعبد العالي هادئ، أو بعبارة أخرى تفكيك لا يترصد المُفكّك. لا يفكك بنعبد العالي على طريقة صاحب «أجراس»؛ لأننا «نشعر مع دريدا بنوع من الانتصار على النص المقروء»، بل يؤثر أن يهتدي بصاحب «المقابلة اللانهائية» (L’entretien Infini) حيث «نلمس عند بلانشو نوعًا من التواضع الفكري، ونحس بأن هناك، دومًا، صوتًا ما قد تقدمنا، وبأن مسألة الفكر هي خصام عشاق، وبأن الأمر يتعلق أكثر ما يتعلق بالعناية والرعاية اللامتناهية بما تقدم قوله». ويبدو أن بنعبد العالي يمارس هذه «الصيانة»، أثناء التفكير كتابةً، بملامح لا يعرف إليها التجهم سبيلًا. البريكولور غالبًا ما تعلو وجهَه سحابةُ ضجرٍ مما هو منكبّ عليه، قلما نتخيله مرحًا، أما زيارة ورشة بنعبد العالي فتَعِدُ بالانشراح، وتنفتح على إمكانية أن تتحول إلى لعب خلاق ينخرط فيه القارئ: اللعبُ بالعلامات وبالنصوص وخلطُ الإحالات، واللهوُ بالاستطرادات وتثمين «القفز والوثب» من موضوع إلى آخر، وتشييدُ الجسور التي لا تفضي إلى غير الجسور.. ينضاف إلى ذلك ما تشف عنه نصوص بنعبد العالي من تشديد على مزيةٍ تُؤجّج الرغبة في اللعب، ويندر أن نصادفها في الكتابة الفلسفية العربية: التشويق!
نقرأ في قصة لبورخيس:
«يُوكِل رجل لنفسه مهمة رسم العالم. وخلال سنوات يعمر الفضاء بصور الأقاليم والممالك والجبال والبحار والسفن والجزر والأسماك والغرف والأدوات والنجوم والخيول والناس. وقبل موته بقليل، يكتشف أنّ ما ترسمه تلك المتاهة الطويلة من خطوط هي صورة وجهه».
شتاتُ البورتريهات التي يرسمها بنعبد العالي للبريكولور ولأدواته: بورتريه للمسوَّدة حيث لا تراتبية تتحكم في تصريف المعنى، وحيث الشطب والحذف من صميم فعل الكتابة بما هي مكابدة وجهد، وبورتريه للممحاة كأداة تلغي ما قد يتهدد الأسلوب من تصلب، وبورتريه للمقص بما هو آلة اجتزاء وتشذيب. هذا الشتات حين ينظر إليه من مسافةٍ، وحين يتعود القارئ على الابتعاد منه بغرض الاقتراب مما ينتظمه من «خطوط»، هو وجه البريكولور، هو وجه بنعبد العالي.
«هكذا يبتكر اسمًا لوصفِ ما لا نكاد ندركه بسبب قربه الشديد»، بهذا الضرب من التكثيف يمتدح روديغر سافرانسكي في سيرة «معلم ألماني: هايدغر وعصره» اقتدار فيلسوف «الغابة السوداء» على تسمية الغريب المقيم في الألفة، ذاك الذي يحتجب من شدة انكشافه.
مع بنعبد العالي تصير الأشياء التي «تقع تحت اليد» محطَّ مساءلة وتثوير للإمكانات التي تختزنها وتحجبها. البريكولاج هو هذا العثور السعيد على التسمية/ الكنز دون سابق تصميم، وذلك بسلوك اللامباشَرة والطرق الملتوية والدروب التي لا تَعِدُ بغير السير الحثيث في اتجاه النجمة.
بواسطة وداد سلوم - كاتبة سورية | سبتمبر 1, 2024 | كتب
تنطوي المجموعة القصصية الجديدة لباسم سليمان وعنوانها «الفراشات البيضاء»، على ثلاثين قصة بين القصيرة والقصيرة جدًّا، وتتوالى في اتجاهين متكاملين: الأول يعتمد أسلوب الحكاية على لسان الحيوان لإيصال مقولته تارة، وتارة أخرى محاكاة للأسطورة في تفسيرها لمظاهر الطبيعة، لتفسير خصائص عالم الحيوان كتسويغ دموع التماسيح أو عدم قدرة الدجاج على الطيران، مع ذكاء استخدام الرمز واحتمالاته في النسق الحكائي، للدخول إلى عالم البشر. أما الاتجاه الثاني فيتناول عالم الإنسان المريض بالحروب والوحدة وأمراض العصر.
من كافكا إلى شهرزاد
تقول كاميلي باليا: «إن الفلسفة تكون أكثر عمقًا كلما كانت في سياق تناول الطبيعة بمظاهرها وتمثيلاتها المختلفة». من هنا، يذهب سليمان إلى الطبيعة مؤكدًا أنها الجوهر الضامن للبقاء ولتعرية الإنسان الذي جعل الخلل سلوكًا في الطبيعة ومع أبناء جنسه. ينوع سليمان بين الرمز والتهكم والفانتازيا في عرضٍ قصيرٍ مُشوّقٍ، رشيقِ اللغةِ وبسيطها؛ يجمع الرؤية الفكرية المتشبعة بالرؤية الفنية، وهو ما يمنح القارئ متعة الذائقة وإشباع العقل. يقول تيري إيغلتون: «إن العمل الأدبي الأكثر ابتكارًا يتألف من قصاصات وفضلات ما قبله من نصوص»، إشارة إلى الجرأة في إظهار القديم ثم تجاوزه في اتجاهات أعمق. وهذا ما يمكن ملاحظته عند سليمان، فهو يبدأ مجموعته بعنوان «كافكا»؛ ليشحن ذهن القارئ بفكرة مسخ الإنسان التي أطلقها كافكا وصارت سمة حقيقية لعصر يستعبد الإنسان بيد التقنية التي اخترعها، ليعود إليه مرة أخرى ساخرًا ومعاكسًا له في قصة «عندما استيقظ غريغوري سامسا»؛ فبدلًا من مسخ الإنسان إلى صرصور يقوم العالِم باستئناس وتعليم صرصور يقود رفاقه لمحو عالم البشر بالأسلحة النووية؛ إذ ستعرف الصراصير أنها الناجي الوحيد على الكوكب.
ويستمر الكاتب في طرق أبواب من سبقوه في قصة «جبران خليل جبران» البنفسجة الطموح التي كسرتها الريح حين رفعت رأسها عاليًا، ليكمل القصة بطريقته فنرى شخصية جديدة وهي الفراشة المتعالية التي تموت بمراقصة نار الحريق معتقدة أنها تقوده إلى النهر. بهذا يثير أسئلة تستفز آليات التفكير عند القارئ لاستكناه أثر الفراشة الذي لا يزول.
أما عنوان «وسكتت الدجاجة عن الكلام المباح» فيعيدنا إلى عبارة شهرزاد؛ في إشارة للواقع العربي المستغرق في حكايات الماضي والجدل السفسطائي الذي يعطل العقل. ويتابع ذلك في قصة «رصاصة الحسد» لنرى أن الإيمان بالغيبيات والخرافات تجتمع مع القوة المتحكمة في عالمنا لتضع سقفًا للتطور، عبر حوار تديره قذيفة هاون مع القذائف عن أمنياتها؛ فتقول لخردقة الصيد التي تتمنى أن تصبح قنبلة ذرية: «نحن يا صغيرتي أسلحة العالم الثالث لا يسمح لنا أن نصبح قنابل ذرية».
ينسحب هذا القصور على علاقة الإنسان مع الآخر، والنظر إلى الاختلاف كحالة مرضية. ففي قصة «ذبابة» يشفى الطفل المصاب بالتوحد عبر صداقته مع ذبابة، بينما يفشل ذويه؛ لأنهم يحاولون دمجه بتغييره للتشابه معهم. يقول الطفل: «لماذا لا يفهمون أني أجيد الصمت أكثر من الكلام»، ليقول السارد على لسان الطفل: «الصمت تواصل من نوع آخر». فهل تشفى الإنسانية من أمراضها الكثيرة بتجديد أفكارها وقبول الاختلاف وكسر التصنيف؛ فالذبابة حشرة صغيرة بدماغ كبير وتملك جملتها العصبية قدرات مدهشة حسب علماء الحشرات.
تذكرنا هذه القصة بقصة الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا الذي رمي في السجن في زنزانة مظلمة وكاد إحساسه بالمظلومية يجعله يفقد عقله لولا ذبابة عاشت معه في الزنزانة، فكان يأنس لها ويكلمها مما ساعده على التماسك وعدم الانهيار.
وحدة وصراع الأضداد
من قبول الآخر إلى تبادل الأدوار يعتمد سليمان على المفارقات الساخرة لتقديم مقولته؛ فلو حظي عصفور البغاث التافه بفرصة إطلاق عفريت من القمقم فما رغباته الثلاث التي قد يطلبها؟ تُحفظ الهويات في عالم الطبيعة بقوة الغريزة، أما الإنسان فهو وحده القادر على صنع هويته، فالبغاث وإن استُبدِلَ بجسده جسد النسر أو القط البري لَظَلَّ يفكر كعصفور البغاث دون أن يستوعب تبادل الأدوار، بينما حين يصبح صيادًا في الأمنية الثالثة فإنه يمتلك عقل الصياد الماكر فيعيد العفريت إلى القمقم، وسيكون آخر بغاث صاده هو الصياد.
تتفوق الفكرة أو المقولة في بعض القصص في رمزية تحتمل كثيرًا من التأويلات، لكنه يلون ذلك بالخيال الممتع كابتكار مفاهيم للمخلوقات الأخرى أو محاولة ترجمة مفاهيمها، كأن تقيس المخلوقات البحرية الزمن بعدد الموجات. مؤكدًا في أكثر من قصةٍ أهميةَ الحفاظِ على الهرم الطبيعي وبقاء ناموس الطبيعة وقانونها فاعلًا وحافظًا للوجود رغم قسوته، فالسلسلة الغذائية وحشية بامتياز؛ إذ تقوم على القتل وبقاء الأقوى، ولكن هذا لا يُسوّغ استهتار الإنسان وعدوانيته وجنونه في استغلالها.
وفي قصة «الأسماء» ينقلب السحر على الساحر، والحيوانات التي أوحت للحمار أنه حصان لترتاح من صوته في مكر وسخرية، خلقت لديه الهدف والطموح حتى صار من أشهر أحصنة السباق. أما دموع التماسيح الكاذبة فالإنسان هو العاقل الوحيد على هذه الأرض الذي صدقها ومارسها.
يعيدنا سليمان إلى قانون الديالكتيك في وحدة وصراع الأضداد؛ فالصراع هو جوهر البقاء، وهو ما يعني أن العدالة ستبقى مشروعًا غير محقق وهذا لا ينفي السعي إليها.
تحمل المجموعة عنوان «الفراشات البيضاء» وهي قصة الغريب البعيد من وطنه؛ إذ يدور في دائرة الألم من دون فكاك، إنه الكنغر الأسير في السيرك الذي يرى الثلج فراشات بيضاء تذوب على وجهه؛ فهو من بلاد تندر فيها الثلوج.
حروب وأمراض
نصل إلى الاتجاه الثاني من القص الذي يتناول عالم الإنسان بحروبه وأمراضه. فنلحظ تأثره بواقع الحرب السورية التي تخطف الأبناء. في قصتي «مقهى الأشباح» و«العطار» يكتب سليمان عن أمراض العصر، الوحدة والزهايمر، مثيرًا عواطف القارئ الجوانية ويشعلها بالتشويق والتأثير؛ فالعطار قد يصلح عبر عمليات التجميل ما أفسده الدهر، ولكنه لن يصلح العقل الذي أفسده الزمن. أما «مقهى الأشباح» فمن أجمل قصص المجموعة إذ تجمع الفكرة والمشهدية السينمائية وتحتدم بالمشاعر المؤثرة. وتنتهي المجموعة بالقصص القصيرة جدًّا وفيها يترك الباب مفتوحًا لخيال القارئ في فك الرموز، وتلوين المشهد باحتمالاته وغرائبيته التي تؤنسن الحجر وتمنحه الحياة بيد الفنان.
حافظ باسم خلال سرده على لغته الرشيقة، رغم تنوع الأفكار وابتكارها والذهاب بها إلى رؤى ومسارب مختلفة، مبتعدًا من التجميل اللفظي ومحافظًا على الأسلوب المكتنز بالمعنى والتعبير الممشوق من دون ترهل أو زيادات.
بواسطة نبيل سليمان - ناقد و روائي سوري | سبتمبر 1, 2024 | مدن وأمكنة
ما أكثر ما فكّر آسفًا أن والده كان قاسيًا، بل بالغ القسوة، عندما بدأ ينفذ مشروعه بهدم البيت الأيمن وبناء بديل، سيكون له سقف إسمنتي، وستتوزعه أربع غرف متراكبة، تتسابق أبوابها إلى الممر الضيق القصير. كان بدر -وهذا هو اسم الوالد- قد أحيل على التقاعد منذ سنة: دركي خيّال (شرطي صاحب حصان) أربعيني، ذو زوجتين، كبراهما تودع الثلاثينات، وله منها خمس بنات وثلاثة صبيان. والزوجة الصغرى تودع عشريناتها، وله منها أربع بنات، وهو مثلها في سباق إلى ذكرهما الأول.
كانت إذن أسرة كبيرة: خمس عشرة روحًا كما كان بدر يردد منتشيًا. وسيظل يردد منتشيًا، بل ومتباهيًا، عندما تصبح أسرته اثنتين وعشرين روحًا، وهو يودع خمسينياته. وقد كان له، كما لأسرته، أنه يفاخر بالبيت المديني الذي ليس في القرية مثله غير بيت واحد. وسيحضر البيتان في رواية «ينداح الطوفان» التي صدرت عام 1970م، ولكن دون أن يسمي الكاتب تلك القرية الجبلية -ارتفاعها 700 متر- التي تبعد من المدينة البحرية (جبلة) عشرين كيلومترًا.
والآن آن لقناع السرد بالضمير الثالث (الغائب) أن يتنحى، ليتقدم السرد بالضمير الأول (المتكلم). فأنا ابن الدركي المتقاعد الذي ورث المشيخة أيضًا عن أبيه. والقرية التي تنكرت في «ينداح الطوفان» فلم تحمل اسمًا، هي البودي التي دخلتها السيارة في منتصف خمسينيات القرن الماضي وستدخلها الكهرباء في سبعيناته، وكانت إقامتي فيها رهن الإجازات مثل والدي قبل إحالته على التقاعد.
وسط أكوام الكتب
في البيت الجديد انفردتُ بالنوم في أصغر الغرف على السرير الصغير الذي يشبه أسرّة العساكر. وكان قد لازمني منذ الإقامة في بيت من غرفتين في طرطوس، حيث احتفظ أبي بزوجته الجديدة وبناتها، ونفى أمي ورهطها إلى البيت العتيق الترابي في البودي. وسيرافقني السرير (العسكري) من بعد أثناء دراستي في الثانوية الصناعية في اللاذقية (1959- 1962م).
سوى السرير كان لي في الغرفة الصغيرة ركن تتوزع عليه كتبي بين الأرض الإسمنتية وكرسيين خفيضين متباعدين، يصل بينهما لوح خشبي عريض وعتيق. ثمّ ستتكوم المعلقات العشر وطبعات شعبية من دواوين مجنون ليلى وعنترة والخنساء وسواهم. وستتكوم، سنة بعد سنة، الكتب الضخمة لناصر الدين الأسد، وإحسان النص، وجودت الركابي، وأمجد الطرابلسي، وعمر موسى باشا، وصبحي الصالح، ومازن المبارك، والجرجاني، وعمر الدسوقي، وأنيس المقدسي، والغلاييني، وابن هشام، والقزويني، والسيوطي و… مما لا زلت أحتفظ بها بعد تجليدها فنيًّا. فهذه الكتب التي لخصتها جميعًا على دفاتر أحتفظ بها أيضًا، هي أبرز ما درست في قسم اللغة العربية في جامعة دمشق بين 1963- 1967م.
غير أن ما تكوم أيضًا، ولكن على الأرض بجوار اللوح الخشبي (الجامعي) كتب أخرى كانت لا تفتأ تغمزني وأغمزها كلما التقت نظراتنا ليل نهار، من الطبعات الشعبية للقصص التراثي الشعبي إلى روايات ألبير كامو «الطاعون»، وكولن ويلسون «ضياع في سوهو»، وهمنغواي «وداع للسلاح»، وسارتر «الغثيان»، ونجيب محفوظ (الثلاثية)، وحنا مينه «المصابيح الزرق» و… وبالطبع كتابٌ لجبران، وآخر لميخائيل نعيمة، وثالث لإحسان عبدالقدوس، ورابع ليوسف السباعي. وكانت هذه الفئة الأخيرة قد بدأت تلازمني منذ إقامتي في طرطوس أثناء الدراسة الإعدادية. وبين هذه الأكوام دسست قرابة ثمانين صفحة من محاولة روائية كتبتها بين أشجار المشمش العملاقة التي تتعانق يمين البيت الجديد، وعجزت عن إكمالها. كما دسست أوراقًا خططت فيها لكتاب عنوانه: «اللامنتمي في الأدب العربي» تيمنًا بكتاب كولن ويلسون «اللامنتمي». وعزمت على أن أبحر في الكتاب الموعود عبر عصور الأدب العربي، منذ الجاهلية إلى آخر ما قرأت آنئذٍ من قصيدة النثر في ميعة صباها: ديوان «أشياء عذبة» لصالح درويش.
كانت غرفتي تتحول يوم الجمعة إلى حمّام لأفواج الأسرة، فيُوصد الأباجور على نافذتيها، وأنأى عنها حتى تقرر والدتي متى يأتي دوري. وكنت، حين هدم والدي بيتًا وبنى بيتًا، قد حملت شهادة البكالوريا الصناعية على كتفي. ولأنه لا يستطيع أن يلبي طموح ابنه إلى دراسة الهندسة في جامعة دمشق -لم يكن طموحي أن أدرس الأدب العربي- اندسست في جحفله سنةً توّجتها بالثانوية العامة (الفرع العلمي)، وحملت البكالوريتين إلى قسم اللغة العربية في الجامعة؛ لأن ذلك لا يتطلب الدوام، ولا الإقامة في دمشق، وفي الآن نفسه حصلت على كنز الوظيفة: معلم وكيل في مدرسة القرية.
أطياف سكنتني صغيرًا
كان البيت العتيق يتوسط ما غدا إلى يمينه بيتًا إسمنتيًّا، وبيتًا ترابيًّا آخر إلى يساره، هو نصيب عمي من الإرث الذي ما كان ليتجاوز البيت العتيق لولا سنوات الدركي الخيّال التي أربت على العشرين، وتطوح خلالها في أرجاء سوريا. ولأن البيت الجديد أخذ يضيق بجحفلنا، ابتدأ الزحف على غرفتي، فأسرعت في الفرار مع كتبي إلى البيت الأيسر، فعمي عسكري لا يحضر إلا في إجازات متباعدة. أما البيت العتيق فقد أخذ الهجران ينال منه سريعًا. وكان جدي قد بنى هذ البيت قبل الحرب العالمية الأولى. ولما احتلت فرنسا البلاد، وثارت ضدها البلاد، كان نصيب قرية البودي قذائف المدفعية التي ستحرق واحدة منها هذا البيت الذي فرّ منه أهلوه كما فرّت البودي إلى مغائر الأحراج القريبة. وسوف يظل سواد الحريق يلوّن سقف البيت، بينما يضاعف السوادَ دخانُ التدفئة الشتوية المنبعث من حطب السنديان والبلوط ملء الحفرة التي تتوسط مصطبة (صالون) البيت، وهي شطره يسار الباب بارتفاع يسير.
من الأطياف التي سكنتني صغيرًا، فلا براح، ما جعلني أتهجد كبيرًا بما قاله الحارث بن عبّاد (570م): «أحنّ إلى تلك المنازل كلما/ غدا طائر في أيكةٍ يترنمُ»
كان الليل الشتائي العاصف، أثناء عطلة المدارس منتصف العام الدراسي، يزنّر حفرة النار بنا في دائرتين: الأمامية للجد وضيوفه ولحفيده المدلل الذي لا يناديه إلا محمد، ولا يُنادى في حضوره إلا بمحمد، وإن يكن اسمه «نبيل». أما دائرة التدفئة الثانية الخلفية فهي للنساء وللصغار. وتحت الجمر يتابع الجد شيَّ حبات البلوط: الدوّام، كستناء الفقراء، ومرة: البصل الصغير، ونادرًا جدًّا: بيضة أو اثنتين إكرامًا لضيف أو ضيفين. ولا تكتمل الوليمة الشتائية إلا بقرون الخرنوب وحفنات التين الذي جرى تيبيسه في الشمس وتخزينه في الصيف.
من الربيع إلى الخريف كانت والدتي وزوجة أبي وجاراتهما ينهضن فجرًا، وتتزنّر الواحدة منهن بمنجل قاطع صغير وحبل طويل. كنّ يتسللن إلى الغابة (الحرشة) القريبة، وتقطع الواحدة ما يربو على متر مربّع من الحطب. كانت أمي ترزم بالحبل حملتها وتنهض بها على كتفها، شأن الأخريات، ليبدأ السباق مع الشروق، تحاشيًا لحارس (حريشاتي) الغابة، ابن الحكومة الذي يصادر منجل المرأة وحملها ويغرّمها بخمس ليرات لا قِبَلَ لها ولا لذويها بسدادها.
قبل أن ينهض البيت الإسمنتي كانت أسمار الليالي الصيفية تتلوّن على المصطبة الخفيضة أمام البيت العتيق. وكان سحر السهر يتضاعف في الليالي المقمرة. أما في الليالي المعتمة فيكون لضوء اللوكس سحره أيضًا، فهو يشعشع أضعاف ضوء القنديل أو الفانوس. وإضافة إلى اللوكس من علامات التمدن، كان لنا أيضًا الراديو الوحيد في القرية. وكان أبي يخرج به من مكمنه إلى كرسي خفيض وسط المصطبة. كان الراديو يهيمن علينا وعلى الضيوف اليوميين من الجيران والأقرباء، وعلى الصبيان الذين ينبطحون على السطح، وتشرئب أعناقهم من عل، ويرهفون السمع لهذه التي تغني، أو هذا الذي يضحك من دمشق أو بيروت، فتترجّع الأغنية أو الضحكة في البودي!
مصاطب ممتلئة بالسهر
حول وأمام وخلف البيوت كانت الحواكير تزهو بشتلات الدخان إلى أن يتم قطافها وتهيئتها للتسويق، فتتحول حاكورة هنا وأخرى هناك إلى ملعب للشباب في السهرات. أما الصبايا فيتابعن مباريات الشباب في ألعابهم. وسواء هنا، أم في سهرات المصاطب أمام البيوت، تبرق المغازلات مواربةً أو جهيرة. وما لا أنساه ذات سهرة صيفية أن الحاكورة أضاءت عندما ظهرت شابة قيل: إنها (أميرة) القادمة من بيروت. وفي بيروت تعمل أميرة خادمة، لكنها في الحاكورة تسطع بشعرها القصير وتنورتها القصيرة وقامتها القصيرة أيضًا. وعندما انتبهتْ إلى الصبي الذي يلبس بنطالًا قصيرًا، وتلمع عيناه الزرقاوان، وتعبث النسائم بشعره الأشقر، بينما تأكلها نظراته، أومأت إليه، فبوغت وخاف، فأومأت ثانية ومدت ذراعها وضحكت، فدفعته أكفّ إلى حضنها. وأنّى للفتى أن ينام من بعد أن احتضنته أميرة وسألته عن اسمه وأوقفته إلى جانبها، ونسيت أصابعها في وعلى شعره!
بعد سنوات، أثناء عملي معلمًا في القرية بصحبة زميلين، تردد أن خادمة في بيروت وصلت إلى القرية المجاورة (العرقوب) التي يفصلها عن البودي الوادي ونبع المياه في قعره.
في مساء ذيوع خبر فريحة -اسم الخادمة- أسرع إلى السلام عليها المعلمون الثلاثة. وعلى المصطبة التي امتلأت بالسهارى، تصدر المعلمون، وإلى يمين أصغرهم جلست فريحة، فتوّهني عطرها ولهجتها اللبنانية. وانتبهت إلى صفّ شجرات التوت والدوالي أمام البيت، كما هو أمام بيتنا، فأحسست بالألفة التي كانت تملؤني فقط في بيت آخر من البودي، هو بيت السنديانة.
تنهض البودي صُعُدًا من الأسفل حيث البيت الإسمنتي الآخر الأقدم من بيتنا، إلى أن تبلغ القمة العامرة بالآثار قمة (نيبال) التي تعود إلى العصر الروماني، والشهيرة بـ(كتف البير)، نسبة إلى البئر المحفور في الصخر وسط المجمّع الروماني الديني. وما تقدم عن بيتنا العتيق تشترك فيه بيوت البودي. لكن منها ما يتفرد به مثل البيت الذي تظله سنديانة هائلة، تضرب في السماء ربما عشرين مترًا، وقطر ساقها متران ونيف. وتحتها مصطبة فسيحة، يتقاطر إليها الشبان عصرًا وعشيًّا، فللبيت سنديانة فاتنة أخرى، هي (سكّر) العشرينية المطلقة التي كانت وحدها من صبايا القرية تحمل جرة على كلٍّ من كتفيها إلى البيت.
سكّر رحلت، والبيت حلّ الإسمنت محله، لكن السنديانة لا تزال سامقة. ولا زلت أحوّر في قول ذي الرمة (696- 735م)، فأبدل اسم زينب باسم سكّر، وأنشد: «مررت على أطلال سكّر بعدها، فأعولْتها، لو كان إعوالها يغني».
في غير رواية «ينداح الطوفان»، حضر بعض ما تقدم، وذلك في رواية «هزائم مبكرة» التي صدرت عام 1985م. وبما أن الأوان الآن لم يعد للقناع السيري في الرواية، بل هو أوان السفور، أكتب أن شخصية أحمد في الرواية الأولى وشخصية خليل في الثانية هما ظل الكاتب الظليل. وفي الروايتين من بيوت البودي كثير. أما في رواية «تحولات الإنسان الذهبي» التي صدرت عام 2022م، فقد حملت البودي اسم (نيبالين) المشتق من قمة نيبال الأثرية. لكن البيوت تبدلت، وما بقي إلا بيت من الشعر أرسله الوليد بن يزيد (576- 744م): «منازل لو مرّت عليها جنازتي/ لقال الصدى يا حامليّ انزلا بيا».