مدير الكرملين

مدير الكرملين

روى لي هذه القصة في باريس مدير ملهى ليلي شهير في وقت مبكر جدًّا من الصباح، وأنا متأكد تمامًا من صحتها. لن أخبرك بالاسم الحقيقي للمدير أو لملهاه؛ لأن القصة ليست إعلانًا، واسماهما، بدلًا من ذلك، بوريس والكرملين. يحتل ملهى الكرملين موقعًا خاصًّا. يأخذ قبعتك ومعطفك عند الباب قوقازي أصيل تمامًا بمظهر شرس؛ يرتدي حذاء من أحذية ركوب الخيل ويحمل مهمازًا، وأجزاء وجهه التي لا تخفيها اللحية مجروحة وبها ندوب مثل وجه طالب ألماني قبل الحرب. على الجدران الداخلية سجاد معلق وأشياء حمراء منسوجة تمثل خيمة. وفيه فرقة غجرية جيدة جدًّا تعزف موسيقا الغجر، وفرقة جاز جيدة جدًّا تعزف حين يرغب الناس في الرقص. يقع الاختيار على النُّدُل الفارعين. وهم يرتدون أردية روسية رائعة، ويحملون أسياخًا مستديرة مشتعلة يبرز عليها البصل بين قطع مستديرة من اللحم. ومعظمهم ضباط سابقون في الحرس الإمبراطوري.

بوريس، المدير، شاب تمامًا؛ طوله ستة أقدام وخمس بوصات ونصف البوصة. يرتدي قميصًا روسيًّا من الحرير وبنطلونًا فضفاضًا وحذاءً عاليًا، وينتقل من طاولة إلى أخرى ليتأكد من أن كل شيء على ما يرام. من الثانية صباحًا إلى الفجر يكون الكرملين ممتلئًا دائمًا، وكثيرًا ما يلحظ الزائرون الأميركيون، الذين ينظرون بحزن إلى فواتيرهم، أن بوريس «يكسب كثيرًا منه» بالضرورة. وهو ما يحدث بالفعل.

تتغير الموضة بسـرعة هائلة في مونمارتر، لكنه يتحدث عن التقاعد في فيلا على الريفييرا إذا استمرت شعبيته الحالية لموسم آخر. في ليلة من ليالي السبت، أو بالأحرى صباح الأحد، شرفني بوريس بالحضور للجلوس على طاولتي وتناول كأسًا من النبيذ معي. وحينها روى قصته. كان أبوه جنرالًا، وقد اندلعت الحرب وبوريس طالب في الأكاديمية العسكرية. وكان أصغر من أن يقاتل، واضطر إلى مشاهدة انهيار الحكومة الإمبراطورية من خلف الخطوط. ثم ساد الارتباك بانتهاء الحرب العظمى، وانخرطت بقايا متفرقة من الجيش الملكي، بدعم فاتر من حلفائهم السابقين، في معركة خاسرة ضد البلاشفة.

كان بوريس في الثامنة عشرة. وقد قُتِل أبوه وهربت أمه بالفعل إلى أميركا. أغلقت الأكاديمية العسكرية، وقرر بوريس مع العديد من زملائه الطلاب الانضمام إلى الجيش الملكي الأخير الذي يحاصر، تحت قيادة كولتشاك، البلاشفة في سيبيريا.

كان جيشًا غريبًا جدًّا. كان هناك فرسان بدون جياد، وبحارة تركوا سفنهم، وضباط تمردت أفواجهم، وحاميات حدودية ومساعدون، وقدامى المحاربين في الحرب الروسية اليابانية، وأولاد مثل بوريس يشاهدون العمليات لأول مرة. وإلى جانب هؤلاء، هناك وحدات من قوات الحلفاء، يبدو أن حكوماتهم المتقلبة أرسلتهم إلى هناك ونسيتهم؛ وفيلق من المهندسين البريطانيين وبعض المدفعية الفرنسية؛ بالإضافة إلى ضباط اتصال وملحقين عسكريين في هيئة الأركان العامة. وكان من بين الملحقين ضابط فرنسـي في سلاح الفرسان أكبر من بوريس ببضع سنوات. وكانت اللغة الفرنسية، بالنسبة لمعظم الروس المتعلمين قبل الحرب، مألوفة مثل لغتهم الأم.

نشأت صداقة حميمة بين بوريس والملحق الفرنسـي. واعتادا التدخين معًا والحديث عن موسكو وباريس قبل الحرب. وبمرور الأسابيع، اتضح أن حملة كولتشاك لن تنتهي إلا بكارثة. وفي النهاية، قرر مجلس الضباط أنه ليس أمامهم سوى اختراق الساحل الشـرقي ومحاولة الهروب إلى أوربا.

وكان لا بدَّ من ترك قوة لتغطية الانسحاب، ووجد بوريس وصديقه الفرنسي نفسيهما مكلَّفَين بالبقاء مع حرس المؤخرة. وفي العمليات التي أعقبت ذلك، تعرضت قوة التغطية الصغيرة لهزيمة نكراء.

ومن بين الضباط لم ينجُ إلا بوريس وصديقه، لكنهما كانا في حالة بائسة تقريبًا.

فقدوا أمتعتهم ووجدوا أنفسهم معزولين في أرض قاحلة، تحرسها قوات العدو ويسكنها همج من
قبائل آسيوية.

إذا غادر بمفرده، تكون فرص هروب الفرنسـي ضئيلة، وقد بقيت هيبة معينة مرتبطة بزي الضابط الروسي في القرى النائية. أعاره بوريس معطفه العسكري لتغطية زيه العسكري، وكافحا معًا عبر الثلج، ملتمسين طريقهما إلى الحدود. وفي النهاية وصلا إلى مقاطعة يابانية. حيث كان جميع الروس موضع شبهة، ووصل بوريس مع الفرنسي بأمان إلى أقرب قنصلية فرنسية.

كان الهدف الرئيس لبوريس الآن الانضمام إلى أمه في أميركا. وكان على صديقه العودة للإبلاغ عن نفسه في باريس، وبالتالي افترقا هنا. كان وداعًا حارًّا، بوعد باللقاء مرة أخرى حين تستقر الأمور. لكن كل منهما كان يشك في أعماق قلبه في إن كانت الصدفة ستجمعهما معًا مرة أخرى.

مر عامان، وفي أحد أيام الربيع وجد شاب روسي نفسه في باريس ومعه ثلاث مئة فرنك في جيبه وكل ممتلكاته الدنيوية في حقيبة صغيرة. وقد اختلف تمامًا عن بوريس المبتهج الذي ترك الأكاديمية العسكرية للانضمام إلى جيش كولتشاك. وقد اكتشف أن أميركا مختلفة تمامًا عن أرض الفرص التي تخيلها. باعت أمه المجوهرات وبضعة ممتلكات شخصية تمكنت من أخذها معها، وبدأت مشـروعًا صغيرًا للخياطة.

وبدا أنه لا توجد فرصة أمام بوريس للحصول على عمل دائم، وقد تمكَّن، بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من الوظائف العارضة، من السفر إلى إنجلترا. وفي الأشهر التي تلت ذلك، حصل بوريس على عمل مؤقت نادلًا، وسائقًا، وراقصًا محترفًا، وعاملًا في أحواض السفن، وكان قريبًا جدًّا من المجاعة.

وأخيرًا التقى صديقًا من أصدقاء أبيه، سكرتيرًا أول سابقًا في السلك الدبلوماسي، ويعمل الآن مصفف شعر. نصحه هذا الصديق بأن يجرب حظه في باريس، حيث تكونت مستعمرة روسية كبيرة بالفعل، وأعطاه الأجرة.

وهكذا، في صباح أحد الأيام، وقد بدأت البراعم تتفتح للتو في شارع الشانزليزيه، والخياطون يعرضون أزياءهم الربيعية، وجد بوريس نفسه، في ملابس سيئة وبدون أصدقاء، في مدينة غريبة أخرى. وكان كل ما معه يعادل ثلاثين شلنًا تقريبًا. ولأنه غير متأكد مما سيحدث له، قرر تناول الغداء. ولا شك أن الرجل الإنجليزي الذي يجد نفسه في هذا المأزق كان سيجري حسابات دقيقة. وكان عليه أن يقرر أطول مدة تكفيه فيها أمواله، ويبقى بشكل منظَّم في نطاق ميزانيته، ويبدأ مرة أخرى في «البحث عن وظيفة»، لكن بوريس يقف ويحسب هذا المبلغ المحبط، عنَّ له شيء ما. ومع أقصى درجات الحرمان، لم يكن بوسعه أن يأمل في أن تكفيه لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. وفي نهاية تلك المدة، يكون في الوضع نفسه تمامًا، وقد كبر أسبوعين، وأنفق كل أمواله ولم يقترب من وظيفة.

لماذا لا يكون الآن كما بعد أسبوعين؟ كان في باريس، التي قرأ عنها وسمع عنها كثيرًا. وقرر أن يتناول وجبة جيدة ويترك الباقي للصدفة.

سمع أباه يتحدث أحيانًا عن مطعم يسمى لارن. لم يكن لديه أي فكرة عن مكان وجوده، فاستقلَّ سيارة أجرة. دخل المطعم وجلس على أحد المقاعد الحمراء الفخمة، ونظر النُّدُل إلى ملابسه بريبة.

نظر حوله بدون ارتباك. كان مظهره أكثر هدوءًا وأقل بهرجة من المطاعم الكبيرة التي مر بها في نيويورك ولندن، لكن نظرة سريعة على القائمة أخبرته أنه مكان لا يذهب إليه الفقراء غالبًا.

ثم بدأ في طلب وجبة الغداء، وسرعان ما تغير أسلوب النادل حين أدرك أن هذا العميل الذي يرتدي ملابس غريبة لا يحتاج إلى أي نصيحة حول اختيار طعامه ونبيذه. أكل كافيار طازجًا وأورتولانسان بورتو وكريب سوزيت؛ وشرب زجاجة من الكلاريت المعتَّق وكأسًا من الشمبانيا الفاخرة القديمة جدًّا، وفحص عدة علب من السيجار قبل أن يعثر على واحدة في حالة ممتازة.

وحين انتهى، طلب فاتورته. كانت بمبلغ 260 فرنكًا. أعطى النادل 26 فرنكًا بقشيشًا وأربعة فرنكات للرجل عند الباب الذي أخذ قبعته وحقيبته. وكانت تكلفة سيارة الأجرة 7 فرنكات.

وبعد نصف دقيقة وقف على الرصيف وكل ما معه بالضبط 3 فرنكات. لكنه كان غداءً رائعًا، ولم يندم عليه. وهو يقف هناك، يتأمل ما يمكن أن يفعله، سُحِب ذراعه فجأة من الخلف، والتفت ليرى رجلًا فرنسيًّا يرتدي ملابس أنيقة، ومن الواضح أنه غادر المطعم للتو. إنه صديقه الملحق العسكري.

قال: «كنت أجلس على الطاولة خلفك. لم تلحظني قط، كنْتَ منكبًّا على طعامك».

أوضح بوريس قائلًا: «ربما تكون هذه وجبتي الأخيرة لبعض الوقت»، وضحك صديقه مما اعتبره مزحة. سارا معًا في الشارع، وهما يتحدثان بسـرعة. ووصف الفرنسـي كيف ترك الجيش بعد انتهاء مدة خدمته، وصار الآن مديرًا لشركة سيارات مزدهرة.

قال: «وأنت أيضًا. يسعدني أن تكون أنت أيضًا في حالة جيدة».

«في حالة جيدة؟ في هذه اللحظة كل ما معي بالضبط ثلاثة فرنكات».

«يا صديقي العزيز، من لا يملكون سوى ثلاثة فرنكات لا يأكلون الكافيار في لارن».

ثم لحظ لأول مرة ملابس بوريس البالية. كان يعرفه فقط في زي الحرب، وبدا من الطبيعي في البداية أن يجده يرتدي ما يرتديه. الآن أدرك أن هذه ليست الملابس التي يرتديها عادة الشباب الأثرياء.

وقال: «صديقي العزيز، سامحني على الضحك. لم أدرك… تعال وتناول العشاء معي هذا المساء في شقتي، وسنتحدث عما يجب القيام به»، واختتم بوريس كلامه قائلًا: «وهكذا أصبحت مديرًا لملهى «الكرملين». لو لم أذهب إلى لارن في ذلك اليوم فمن المؤكد تقريبًا أننا لم نكن لنلتقي أبدًا! قال صديقي: «إنه قد يكون لي دور في عمله في مجال السيارات، لكنه يعتقد أن أي شخص يستطيع إنفاق آخر 300 فرنك معه على وجبة واحدة من المقدر له أن يدير مطعمًا. هكذا سارت الأمور. موَّلني. وجمعْتُ بعض أصدقائي القدامى للعمل معنا. والآن، كما ترى، أنا رجل ثري نسبيًّا».

كان آخر الزبائن قد دفعوا فاتورتهم ونهضوا للانصـراف مترنحين. ونهض بوريس أيضًا لينحني لهم. وأشرق ضوء النهار في الغرفة حين رفعوا الستار للخروج.

وفجأة، في الضوء الجديد، بدت كل الزخارف زائفة ومبهرجة؛ سارع النُّدُل إلى تغيير أرديتهم الزائفة. وفهم بوريس ما أشعر به.

قال: «أعرف. إنها ليست روسية. إن امتلاك ملهى ليلي شعبي لا يعني شيئًا حين يفقد المرء وطنه».


هامش:

إيفلين آرثر سانت جون وو (1903- 1966م) روائي إنجليزي وكاتب قصة قصيرة. وهو كاتب يراه كثير من النقاد من أبرز الروائيين الساخرين في عصـره. تلقى تعليمه في كلية لانسينغ، ساسكس، وكلية هيرت فورد، أكسفورد. بعد مدة قصيرة من دراسة الفنون والعمل مديرًا لمدرسة، كرس حياته للسفر الانفرادي وكتابة الروايات، وسرعان ما اكتسب شهرة واسعة لذكائه الساخر وتألقه التقني. في الحرب العالمية الثانية خدم في مشاة البحرية الملكية وحرس الفرسان الملكي. وفي عام 1944م انضم إلى البعثة العسكرية البريطانية لأنصار يوغوسلافيا. وبعد الحرب تقاعد وعاش في غرب إنجلترا. ومن أعماله التي ترجمت إلى العربية رواية «سبق صحفي» من ترجمتي، وقد صدرت عن دار يسطرون، السعودية، في 2023م، ورواية «حفنة من تراب» من ترجمة أسامة منزلجي، وصدرت عن دار المدى. وهذه القصة، «مدير الكرملين»، من مجموعة الأعمال القصصية الكاملة. وقد صدرت أول مرة ضمن سلسلة «قصص الحياة الحقيقية لمؤلفين مشهورين»، في مجلة «جون بول»، في 15 فبراير 1930م.

بمناسبة صدور كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء» خوسيه ميغيل بويرتا: نحن أمام مسؤولية إبراز التعايش مع الإرث الأندلسي بمفاهيم عصرية

بمناسبة صدور كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء»

خوسيه ميغيل بويرتا: نحن أمام مسؤولية إبراز التعايش مع الإرث الأندلسي بمفاهيم عصرية

بمناسبة صدور كتابه باللغة العربية «رياض الشعراء في قصور الحمراء» بالاشتراك مع الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع، والصادر بالتعاون بين جائزة الملك فيصل ولجنة إدارة الحمراء وجنة العريف، حاورنا البروفيسور الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا عضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة، أستاذ علم الجمال في جامعة غرناطة، والمعروف أيضًا بغزارة دراساته التي تتناول مظاهر الفنون والعمارة الأندلسية، ليوضح لنا الكثير من النقاط المشتركة بفهم وإدراك قيمة الحضارة الأندلسية متمثلة برياضها وقصورها وآدابها، التي تحتل فيها قصور الحمراء في غرناطة مكانة رفيعة قياسًا مع مثيلاتها، لما تتميز به من فنٍّ معماري نادرٍ وطرازٍ شكلي بديع، وقد لقيت هذه الحمراء عناية خاصة من لدن العديد من الدارسين العرب والأجانب.

والمعروف أن المستعرب الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا من مواليد عام ١٩٥٩م في قرية دوركَل، جنوبي غرناطة. تخرج في تاريخ الفن عام ١٩٨١م، وحصل على الدكتوراه في اللغة العربية في عام ١٩٩٥م. أول بحث له كان حول «البنية الطوباوية لقصور الحمراء»، وبعد ذلك كتب «تاريخ علم الجمال عند العرب.. الأندلس والفكر الجمالي العربي» الذي يتناول في أكثر من ألف صفحة مفاهيم الجمال والفن في الثقافة العربية منذ الجاهلية حتى سقوط الأندلس، وقد صدر في عام ١٩٩٧م عن أحد أهم دور النشر الإسبانية، ثم قررت دار بريل الشهيرة ترجمته إلى الإنجليزية ونشره.

كذلك أصدر كتابه «مغامرة القلم»، وهو أول كتاب عن تاريخ الخط العربي وخطاطيه وأنماطه، كما ترجم كتابين لغادة السمان «بيروت ٧٥» و«القمر المربع»، وكتاب «الصوفية والسوريالية» لأدونيس، وغيرها من كتب. وشارك في تنظيم بعض المعارض للفنانين العرب المعاصرين، أمثال «بورتافوليو غرناطة» للرسام والكاتب الفلسطيني كمال بلاطه، ومعرض «ذكرى لنمير» للنحات والكاتب السوري عاصم الباشا، وأول معرض للخط العربي المعاصر الذي أقيم في مدريد وقرطبة في العامين ٢٠١٠ و٢٠١١م.

الاهتمام بالحضارة الأندلسية

  ربما السؤال الأول الذي يبدر لذهن القارئ العربي، لماذا هذا الاهتمام الكبير بالأندلس والمظاهر الأدبية الفنية، وهل هو رهن لمرحلة معينة أم إنه هوس ودراسة اعتدت عليها ولم تتوقف هنا أو هناك في أي كتاب آخر؟

  الاهتمام بالتاريخ والمظاهر الأدبية والفنية للأندلس قديم وراسخ في الأوساط الأكاديمية والثقافية الإسبانية منذ بداية الاستعراب الإسباني في القرن ١٨م، إن لم يكن قبل ذلك بكثير. وللاستشراق الأوربي ميل واسع النطاق كذلك بالحضارة الأندلسية كجزء أساسي من أوج ازدهار الحضارة العربية والإسلامية. وماذا يمكنني أن أقول عن العرب، الذين شددوا اعتناءهم بالأندلس منذ بدء النهضة حتى يومنا هذا. تنوع الإنتاج الثقافي المادي والمكتوب الأندلسي ومساهمته، شأنه شأن الإنتاج العربي الكلاسيكي عامة، في تطور العلوم والآداب والنزعة الإنسانية على مستوى تاريخ البشر، من ناحية، وانتهائه القاطع والكارثي، هما السببان الرئيسان اللذان سيبقيان الأندلس للأبد فضاءً خصبًا للبحث والتفكير. بصرف النظر عن الموضات الأكاديمية أو المصالح السياحية البحتة التي كثيرًا ما تبسط بشكل انتقائي وخاطئ التراث الأندلسي في بلد كإسبانيا، التي تحظى بمعالم أثرية عربية-إسلامية عظيمة، يُعدّ العديد منها ضمن مواقع الإرث العالمي.

أنا شخصيًّا مِلتُ إلى الدراسات الأندلسية لحظة التخرج بعد أن زرت الحمراء بصحبة أستاذ كشف لي أن تلك العمارة الرائعة مزخرفة بكثافة بكتابات عربية. على الرغم من أنني تربيت، على غرار معظم جيلي دون أن نعلم شيئًا عن اللغة العربية بل حتى عن وجودها، ونحن أبناء غرناطة وطلاب كلية الآداب!

أقول على الرغم من ذلك، وبغرض تفهم عمارة الحمراء الجذابة والغريبة معًا، قررت دراسة اللغة العربية وقدمت أطروحتي في الدكتوراه حول تاريخ علم الجمال عند العرب، وانضممت إلى الجيل الجديد للاستعراب الإسباني، الذي شارك في فتح أقسام اللغة والدراسات العربية في مدن إسبانية عدة والذي سينجز فيما بعد مشروعًا طموحًا ألا وهو موسوعة «مكتبة الأندلس» (٩ مجلدات) بمشاركة نحو ١٦٠ مستعربًا بين عامي ٢٠٠١ و٢٠١٣م، جمعنا فيها معلومات وتحليلًا وتصورات لجلّ النتاج الأندلسي المكتوب.

هذا دليل، من بين أدلة كثيرة أخرى يمكن طرحها، على أن الأندلس ليست بالنسبة للإسبان هوسًا عابرًا بل ضرورة معرفية، ناهيك -إن أخذنا في الحسبان- عن المعمار والتحف الفنية المنتشرة في شبه الجزيرة الإيبيرية التي تشكل جزءًا مهمًّا من التراث الإسباني، وهو الجزء الذي تنفرد به إسبانيا إزاء بلدان أوربا المجاورة. التعايش مع الإرث الأندلسي المادي في عدد لا يحصى من المدن والضيع تجعل الإسبان، لا محالة، أمام تحدٍّ معرفي وأمام مسؤولية حمايته وعرضه أمام الذات أولًا وأمام العالم بمفاهيم سديدة وعصرية.

العمارة الشعرية

  كتابكم الجديد بعنوان: «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، كتاب ضخم ويضم محتوى ومعلومات جديدة إضافة إلى الصور المرفقة والملاحق الثانوية، كيف فكرتم فيه، وبخاصة أنك قد أصدرت كتبًا سابقة عن قصر الحمراء؟

  في أول كتاب لي حول الحمراء، المعنون «البنية الطوباوية لقصور الحمراء» (١٩٨٥م) اعتمدت بشكل أساسي على الأشعار المنقوشة في القصور النصرية بيد أنها لم تكن متوافرة آنئذ، سوى مجموعة من المقطوعات الشعرية والقصائد المتبقية في الجدران التي لم يتعد عددها ٣٠ منظومة شعرية. كان الموريكسي آلونسو ديل كاستييو قد دوّن وترجم إلى الإسبانية في عام ١٥٦٤ عددًا منها، ثم رجع إليها بعض الرحالة والباحثين الإسبان والأجانب في القرنين ١٨ و١٩م، كان أبرزهم لافوينتي القنطرة، إلى أن قام الاستعراب الإسباني الحديث بتحقيق تلك الأشعار بأساليب علمية وحديثة. سأذكر هنا على وجه خاص كل من كابانيلاس فرناندث بويرتاس وروبييرا ماتا، وغارثيا غوميث، الذي اشتهر كتابه «أشعار عربية على جدران ونافورات الحمراء» (١٩٨٥م) الذي يحتوي على ٣٠ منظومة بلا صور ومزودة بدراسة لغوية قيمة.

عبدالعزيز المانع

في هذا السياق، تناول الباحثان العربيان محمد الجمل وصلاح جرار، الموضوع عينَه، ودرسَا ونشرَا نصوص الأشعار المتبقية في جدران الحمراء مصحوبة بالصور، ولكنهما لم يتطرقا، ولا زملاؤهم الإسبان، إلى جمع الأشعار كلها في كتاب واحد مصور، حيث تفيدنا مصادر الدواوين النصرية أنها قد أُلِّفت لنقشها على جدران مباني القصور. وبما أن الشعر الجداري العربي بات نوعًا شعريًّا في حدّ ذاته، وبلغ ذروته في مملكة غرناطة حيث حظيت قصور ملوكها بأكبر مجموعة نقوش شعرية وبأكبر عدد من الدواوين والمصادر التي جُمعت، فقد اهتم الباحثون بها، وتسنّت لنا الفرصة لتقديم كتاب موحد وشامل لهذا الشعر، ولا سيما بعد أن جرى العثور ونشر وتحقيق -في النصف الثاني من القرن الماضي- بعض الدواوين غير المعروفة سابقًا.

لكن الحافز المباشر لخوض مغامرة إنجاز هذا الكتاب الجديد، «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، جاء حين تعرفتُ إلى الدكتور عبدالعزيز المانع في الرياض في أوائل سنة ٢٠٢٢م، واستأذنني لنشر الأشعار الجدارية المنشورة ضمن كتابي «قراءة الحمراء، الدليل البصري لصرح الحمراء من خلال نقوشه الخطية» (٢٠١٠، ٢٠١٥م) في كتاب جديد ومنفرد. وكان الأمر مرتبطًا كذلك بالناشر وكنت ملتزمًا مع إدارة الحمراء التي طالبتني منذ زمن نشر تلك الأشعار في كتاب مصور، وكنت أنوي القيام بذلك، ولكن بعد جمع جلّ أشعار نقوش الحمراء. هنا عرضتُ عليه أن ننفذ المشروع معًا، علمًا أن الكتاب سيستفيد من إلمام الدكتور المانع بالعروض وبالشعر العربي، وأيضًا من تجربتي في دراسة نقوش الحمراء ونشرها مع صور وخرائط لأماكن وفضاءات القصور النصرية.

كتاب مختلف

  كيف يتم الأمر عادة في التأليف المشترك، وبخاصة في كتابكما هذا «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، وهو مؤلَّف منكما أنت والدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع؟

  نعم، كانت عملية إنجاز كتاب مشترك من هذا النوع عملية صعبة؛ لأن مهام التصميم وإعداد النصوص والتصوير غدت أكثر تعقيدًا مما ظنناه في البداية، ورغم أننا كنا حريصَيْنِ على احترام آراء الآخر وبذل كل ما بوسعنا للتوصل إلى نتيجة ترضينا معًا في كل التفاصيل: طريقة تقديم الأشعار وترقيمها وأسلوب كتابة الملحوظات والهوامش، علاوة على إدراج المخططات والصور والمراجع، إلخ. كنا نتبادل الآراء والتعديلات يوميًّا تقريبًا. وهذا يجعلني أعتز كثيرًا لأن التعاون بين أستاذ عربي الأصل والنشوء وآخر إسباني الأصل والتربية، جعلنا نتمكن من إصدار كتاب نراه مفيدًا وجذابًا، بل نموذجًا لتحقيق بحوث مشتركة يتعلم فيها الواحد من الآخر ويستفيد منها القارئ.

بالنسبة لي وزميلي الدكتور عبدالعزيز المانع، هذا الكتاب مختلف، ليس فقط لأنه يحتوي بين دفتيه على نصوص الأشعار الجدارية للحمراء، ولأنه مزود بصور مهنية ممتازة وروعة قام بها المصور أغوسطين نونييث، صاحب دار نشر Edilux، المكلفة بالإخراج والطباعة، ولأنه يتضمن العديد من الخرائط والرسوم للمخططات وبعض الأبيات الشعرية، بل لأننا أخرجنا كتابًا فخمًا بالحجم الكبير وبتصميم راقٍ وحديث للمصممة السورية نيروز بكور، حَوَّلَ الكتاب إلى تحفة للاستمتاع بقراءته ومشاهدة صوره، وفقًا لما رغبنا فيه، للإحساس بمهابة هذه العمارة الشعرية وجمال ذلك الشعر المعماري وأساليبه الخطية الفريدة.

ثمرة التعاون

  كيف رأيت فرصة التعاون وإسهام جائزة الملك فيصل بإصدار الكتاب؟

عبدالعزيز السبيل

  أنا شخصيًّا فخور جدًّا بهذا التعاون، وبخاصة لأن موضوع الكتاب له علاقة بالعروبة المشتركة بين الرياض وغرناطة. ودعني أقول: إننا استمتعنا حين اخترنا كلمة «رياض» لعنوان الكتاب؛ لأنها تجمع بين اسم العاصمة السعودية وبين عادة النصريين اعتبار الكُتُب والقصور بصفتها «رياض»! أعتز كذلك بالتعاون بين «جائزة الملك فيصل» وإدارة «الحمراء»، التي سمحت لنا بالتصوير والعمل داخل القصور وفي متحف الحمراء. إن شاء الله هذا النوع من التعاون وسواه يدوم بين المؤسستين، أو بين إدارة الحمراء ومؤسسات سعودية وعربية أخرى. أنتهز الفرصة هنا لأعبر للدكتور عبدالعزيز السبيل عن بالغ امتناني وامتنان زميلي الدكتور المانع بحسن رعايته بصفته الأمين العام لـ«جائزة الملك فيصل» في عملية إنجاز هذا الكتاب وتمويله، كما سعدنا كثيرًا بإعجابه بالنتيجة. وجزيل شكرنا أيضًا لسفارة المملكة السعودية بمدريد التي نسقت مع الدكتور السبيل ومع المطبعة الغرناطية لنقل صناديق نسخ الكتاب إلى الرياض للتوزيع هناك.

  هنا كتاب آخر عن الحمراء، تخصصك الأساس ومنبع دراساتك التاريخية والفنية والجمالية، وسبق لك أن درستها في كتب أخرى. ما المختلف الذي أضفتما وتناولتما فيه عن كتبك الأخرى؟

  حين كنت بصدد إنجاز كتابي «قراءة الحمراء. الدليل البصري للصرح من خلال نقوشه الخطية» (٢٠١٠م) اطلعت على دواوين كل من ابن الجياب وابن الخطيب وابن فركون ويوسف الثالث، وبعض المصادر الأخرى، التي تتضمن أشعارًا للنقش في مباني الحمراء تعرضت للدمار بالكامل. لقد استفدت إلى أبعد مدى من ظهور «ديوان ابن زمرك»، الذي نشره مالك المخطوطة المعروفة الوحيدة حتى الآن، الأستاذ التونسي توفيق النيفر، وهو كتاب سمح لي باستكمال، ما ورد في كتابي المذكور عن المحور الشعري لقصر قمارش بثلاثة أشعار غير معروفة سابقًا، وبخمسة أخرى غير معروفة أيضًا للمحور الشعري لقصر الأسود، إضافةً إلى قطعة لبرج الأميرات، وبعضها لنقشها في قصر الدشار الذي دمره الزلزال، وغيرها.

لذا كانت تراودني الفكرة لجمع جلّ الأشعار المنظومة للنقش في قصور الحمراء المتبقية والمختفية في كتاب واحد وليس كما فعلته في «قراءة الحمراء»، حيث النقوش الشعرية ترد في مكانها في جوار النقوش القرآنية والسلطانية والأدعية الأخرى، وهو ما يصعب للقارئ تذوق الشعر الجداري أو المعماري في حد ذاته، كما يعسر الفهم بوضوح مدى الكُنْهِ الشعري لهذه العمارة التي أسماها السينمائي والكاتب التونسي ناصر خمير قائلًا: «إن قصر الحمراء هو القصر -الشعر الوحيد في العالم». أو بكلمة أخرى، كنت أريد إبراز أفضل صورة للتزاوج ما بين الشعر والعمارة المتمثل في قصور الحمراء.

كنز لا ينضب

  في رأيك الشخصي، هل لا تزال هناك الكثير من الخفايا التي تتعلق بقصر الحمراء ولم يَجْرِ دراستها والكشف عنها، أم قيل كل شيء عنها؟

  لم يكشف كل شيء عن الحمراء حتى اليوم بكل تأكيد. من الناحية الأركيولوجية تظل هناك أماكن عدة في انتظار التنقيبات المناسبة في تل السبيكة وداخل أسوار الحمراء والقصور. وفيما يتعلق بدرايتنا لتاريخ المملكة النصرية وتشييد قصورها ومبانيها العسكرية والسكنية، توجد مصادر غير مدروسة كما ينبغي، وسوف تظهر مخطوطات أخرى لا تزال مخفية. في الثلاثين عامًا الأخيرة عُثِرَ على مخطوطات عدة غيّرت جذريًّا رؤيتنا عن قصور الحمراء.

كل هذا، طبعًا، بغض النظر عن الجوانب الجمالية المحضة لعمارتها وزخارفها، وهو كما ذهب إليه أمبرتو إيكو من أن الفن «عمل مفتوح» ولا يمكن أن نفسره برؤية أحادية أو نهائية أبدًا. على غرار كل عمل فني كبير، ستبقى الحمراء دومًا قابلة لتحليلات جديدة ورؤى تفسيرية مختلفة. في مشواري البحثي المتواضع سعيت دومًا لتخطي الرؤى الأثرية الصارمة والمنشورات السياحية المبتذلة لمحاولة إحراز رؤى تفسيرية متعمقة للفنون الأندلسية والإسلامية. ومن أجل ذلك عكفت على سبر اللب العربي- الإسلامي لعمارة الحمراء وعلى إبرازه للجمهور، فهذا الكتاب يندرج في هذا السياق وعسى أن يساهم في ذلك ويجتذب أبصار القراء والمثقفين العرب إلى دراسة وفهم الحمراء بدقة أكثر.

  هل تعتقد أن دراسة الحمراء بشكل خاص والأندلس ثقافيًّا قد شكل حلقة كبيرة ومهمة في إسبانيا أم لا تزال الفكرة ناقصة، وما هي برأيك أسبابها سلبًا وإيجابًا؟

  أجل، أظن ذلك، والحق أننا نعيش حالة ازدهار جديدة في حقل الدراسات الأندلسية بإسبانيا. بفضل الضخامة والغنى المعماري الذي تحتفظ به الحمراء، على الرغم من اختفاء أجزاء منها، بات هذا الموقع الأثري الرائع متحفًا شاملًا لفنون آخر الأندلس وواحد من أهم المواقع الأثرية الإسلامية على مرّ العصور؛ لذلك سوف تظل عناصرها المكونة، سواء أكانت البنائية أو الزخرفية وتلك المرتبطة بفنون الزراع والبساتين وتوزيع المياه تسترعي أبصار الباحثين وعقولهم. في مضمار الأشعار المنقوشة نفسه، ما زلنا لا نعلم مؤلف بعضها ونشك في المكان الذي نقشت بعضها، كما أن العديد من القضايا لا تزال عالقة وغير محسومة، كتأريخ بعض المباني ووظائفها والتدقيق في البحث والتمثيل الرقمي الحديث لرسم الزخارف وإدراك معانيها بصورة أفضل، إلخ.

إن مجموعة قصور ومباني الحمراء وصلتنا شبه متكاملة مقارنة بالقصور العربية الأخرى المندثرة معظمها، مما يتيح للباحثين الفرصة لتوسيع فهمهم للعمارة والفن الأندلسيين وإغناء معرفتنا عن ذلك العصر، الذي كان مفصليًا في التاريخ الإسلامي وإسبانيا والعالم.

في أيامنا هذه يلاحظ نشوء تيار جديد من الباحثين يتجاوز الآراء النمطية والناقصة للفن الإسلامي والأندلسي ويطل على آفاق غير مسبوقة بالاستناد إلى الترابط بين الآثار المادية والمكتوبة. بكلمة واحدة، أعتقد أن المنظور الاستشراقي والأثري المحض والمنظور الاستهلاكي السياحي الصرف اللذين يسودان في الماضي، وإلى حد ما في الحاضر أيضًا، فيما يتعلق بدراسة الأندلس والحمراء، قد بدأ بالتراجع إزاء البحوث والرؤى الحديثة التي تتناول الحمراء، كقمة من قمم الفنون والثقافة العربية الإسلامية، بروح شمولية تعتني بالتفاعل بين البنية الثقافية ومخيلة المجتمع، من جهة، وبالتنفيذ الفني والمعماري من جهة ثانية؛ لذلك أتوقع أننا نتطلع إلى عهد جديد وإيجابي يمنح البحث حقه لحمراء غرناطة وبناتها ومعانيها في تاريخ الثقافة البشرية.

«حيث تجلس أيامي الميتة» باكورة الشاعر الإماراتي علي المازمي ينحني على جراحه الوجودية ومزقه المتناثرة غير القابلة للرتق

«حيث تجلس أيامي الميتة» باكورة الشاعر الإماراتي

علي المازمي ينحني على جراحه الوجودية ومزقه المتناثرة غير القابلة للرتق

ليس في ديوان الشاعر الإماراتي علي المازمي «حيث تجلس أيامي الميتة» (منشورات المتوسط) جنوح لبناء الكتاب الشعري، وفق إستراتيجية متولدة عن خطاطة مسبقة. بيد أن طموحه الشعري، يتجه نحو تركيب قصيدة نثر جديدة، تتبادل تراسلات وتفجرات ملتهبة، على امتداد نصوص الكتابة، التي تحتضن بنى ثيماتية هوسية لا تنفصل عن هوس تجديد الشكل النثري، في قصيدة متطلبة، منغرسة في أرض تجربتها الشعرية الوجودية. إن اتقاد تجربة الكتابة، بوحدة هواجسها الوجودية الحارقة، التي ما تفتأ تتكرر وتعود، على نحو هوسي خلاق، هو ما ينهض هنا مبررًا داخليًّا لبناء الكتاب، الذي يعتمد القفز والتوتر بدل الاسترسال والتدرج.

روح بريئة في عالم ملعون

لن نقارب إذن كتاب المازمي وفق تنامِ داخلي تفترضه أو تستدعيه بنيته النصية، وإنما وفق ما يمكن أن تسبغه القراءة على ثرائه النصي وتفجراته الشعرية، من وضوح يضيء ما تعتم أو خفي أو حتى تبدد بين الثنايا والتجويفات، مع التوكيد أن الشاعر لا يؤسس هنا تجربته الشعرية على منطق الغموض و«الرسالة التائهة»، بل يهبط (أو يقفز) إلى قيعانه الداخلية، مودعًا رؤياه العميقة، والمخيفة، في عبارات لا تتنازل، بالرغم من وعورة اللحظة الوجودية وحلكتها، عن حظها من الشفافية، التي تقتضي جهدًا في البناء وتطويع اللغة، وإن كان لا يظهر أثر ذلك، بشكل جلي، في جلد لغة الشاعر، التي تخرج من خضاتها الوجودية الهائلة، بنظارة أقرب إلى روح البراءة.

تتناثر صورة متخيلة ومركبة لـ«الشاعر» في كثير من نصوص المازمي. إن حلكة اللحظات الوجودية، كثيرًا ما تفرض انقلابًا للنظر باتجاه الداخل، الذي تتفجر منه الرؤى والأناشيد الملتاعة، المحملة بإحساس عميق باللعنة. هنا، وإن كان الشاعر يكشف عن شجرة أنسابه في ثراء الرمزية الفرنسية بشعرائها «الملاعين»، الذين يحولون الإحساس بالذنب أو الخطيئة أو حتى التمرد وسوء التفاهم، إلى فن وجمالية في الرؤية إلى الحياة والشعر والعالم- فإنه ينفرد بخصوصيته الشعرية، فيما هو يدفع بذلك الثراء «الملعون» نحو منابع الحياة نفسها، وما تنطوي عليها نواتها العميقة من قسوة وعبث وفقدان للمعنى، دون نسيان للشرط الإنساني نفسه، المفتقد، بحكم التقليد والدوافع الغامضة، إلى جدارته الإنسانية، التي تسمح لفسحة العيش بالتفتح والإيناع والنفاذ.

تبدو الحياة، في هذا المنظور، ليلًا من الأرق اللانهائي، لا ينفلت الشاعر من أسره، ويتخذ من جحيمه مكانه الأثير، الملعون؛ لامتصاص لهبه الداخلي ونفثه في وجه العالم والكلمات والأشياء. أرقٌ طويل وعميق في آن، يأخذ أحيانًا معنى الموت نفسه، لا يستيقظ منه الشاعر، ولا يخرج منه سوى بـ«جرعة شعر» (ص 35). هذا الدوران الوجودي، العبثي، المدوخ، في حلقة هذا الأرق، هو ما تكتبه الذات الشاعرة، وتجهد لتبني من خلاله عالمًا قائمًا بذاته، بظلاله وغيومه وشمسه السوداء وبرده ونزفه الداخلي الذي ينطلق من الذات، ليمتد سيلانه البطيء في كل مكان. إنه قدر الشاعر: «أتأوه سرًّا خلف الوجود» (ص 13)، يستسلم له بقوة، بوعي لا ينفصل عن الغريزة، مستقطرًا، في قصائد نثر سطرية مكثفة (غالبًا)، أناشيده الليلية الحارقة: «لا توقظوني…/ دعوني بقلقي/ باحثًا عن ارتباكات الوجود/ وثغرة الكون العظيمة» (ص 32).

ينفصل شاعر اللعنة، في كتاب المازمي، عن التراث الرؤيوي لشعرية النبوة في قصيدة الحداثة. فالشاعر ليس ذلك المعذب بتحولات تموزية تجعل منه رائيًّا ونبيًّا، يخترق الحجب والحدود، سابرًا غياهب المجهول، وإنما ذلك الكيان «الشقي»، الذي لم يملك، تجاه رؤاه اليائسة وأفعال الوجود العبثية، سوى جرح نفسه ورفع «نبراس العدم» وارتجال أعمال القسوة، الفظيعة والمجانية في آن: «هنا كنت في ماض قريب، على بعد خطوات من اليوم، عندما سرقوا آخر أصابعك، ورفعت نبراس العدم، ضربت بالمناجل المصلين، أنا دفنتهم ولم أبكِ» (ص 35). تذكر هذه النبرة بـ«أناشيد مالدرور» للوتريامون، وإن كانت تجد في تجربة الشاعر المازمي بعض التبرير الشعري، الذي يحولها إلى صرخة هلع واحتجاج في وجه عالم يغيب عنه (أو يغيب بقسوة) وجه الأم: منبع الحنان والارتواء الوجودي. وإذا كان ثمة، في عمل المازمي، من رؤيا معذبة باستحالتها، فهي رؤيا تكتبها الذات الشاعرة في قصيدتها التدشينية، بالإنصات إلى صوت المعذبين في الأرض بيتمهم: «رافعين أصواتهم، والريح تشتد: أول الأيتام أنا» (ص 5).

الجرح الأنثوي- الأمومي

إن الانعطاف نحو الأنا في الملفوظ الشعري، يشكل أحد مواطن الخصب في تجربة الديوان. بيد أن هذه الأنا ليست أنا الذات أو الآخر، على نحو مباشر ومتعين في الأحياز الخارجية، ولكنها أنا الشرط الوجودي، غير المنفصل عن تشكيل الكتابة وهواجسها، في جدلها غير السعيد مع الذات والعالم. هذا التشكيل هو ما يجعل منها تأويلًا أورفيًّا جديدًا للحياة، ينظر عميقًا في مواطن الجرح، ولكن دونما قدرة على الحلم بالتعافي أو الخلاص. إن الحياة تظل ممعنةً في هربها وانحدارها الغسقي الذي لا يتوقف، ما دامت الأم «تتعفن في وحشتها»، وما دامت الأشعار/ الأزهار، ليست أكثر من باقات عبثية، يرمي بها الشاعر «تتطاير في وجه العالم، في قبرها الكبير» (ص 36).

لا يصعد، من تجاويف الجرح، نزيف الأمومة بوحشة غيابها فحسب، بل تلتقي، في لحظة غامضة من الكتابة، جراح انقسام الأنوثة على ذاتها، فتبدو المرأة في توتر حارق مع نفسها أو تاريخها. إنها إحدى ذرى اللحظات الوجودية الصعبة، التي تسلل الشعر إلى حكايتها، المكثفة، الغامضة، من خلال عبور ميتافيزيقي لـ«الشط القديم»، تلتقي المرأةُ خلاله «سيدةَ الجذور»، لقاءً لا يترتب عنه البوح والاعتراف القاسي، المكتوم طويلًا فحسب، بل كشف مرير عن تاريخ من الجراح الذاتية المتعفنة، التي كانت المرأة/ الأم مصدرها وأداتها: «قالت: جئت إليك حافية، وعبرت تاريخنا بجراحي كلها، بساقي التي طالما هجوتها، وريشي المنتوف في الصبا، جئت إليك ولا عذر في يدي، أرى أنك ما زلت تحتفظين بدموعي الساحقة، كم كان مؤلمًا أن تضرب امرأةٌ بدموعها ! ذكريني كم مرة مت على يديك» (ص 37). إنها، فعلًا لحظة نادرة، يتكئ فيها الجرح الأنثوي- الأمومي على تمزق تاريخه الشخصي؛ ليكشف، في ملفوظ شعري مخترق بصوت المرأة نفسها، عن مأساة الإرادة الأنثوية المقيدة، أسيرة المثل الممْلاة عليها، وضحية افتراسها.

ليس «الشاعر» في عمل المازمي أكثر من «مغترب في خرائب الوجود» (ص59). مغترب تصعد أناشيده في صيغة كوابيس مبعثرة، ومزق وجودية حارقة، مستعصية على الرتق والالتئام، تستنفد الزمن بوصفه أرقًا وجوديًّا مديدًا، تنهار معه الحدود والبراهين والحقائق والجماليات، فـ«يغرس الضياع نابه العجوز في معانينا» (ص 8). ضياع تفتقد معه الجدوى، فلا تملك الذات الكاتبة إلا أن تعلن يأسها على لسان الشاعر: «سأغادر مقوسًا ظهري باتجاه الماضي، راميًا رأسي خلفي لينفجر» (ص11). مغادرة تستغرقها الالتفاتة العدمية إلى الخلف، عديمة الجدوى والقيمة، التي ترى الفساد ساريًا في الزمن والعلاقات الإنسانية، وفي صلب خلية الحياة نفسها، حيث لا خلاص يبدو ممكنًا، ما دامت القيم القوية «المثالية»، ومنها الحب، حتى الأنوثة، ترزح تحت عبء تمزقها ولعنتها الغامضة: «لنعدْ إلى ما قبل الحياة، يوم كانت في عيني، وكنت في دفئها أغتسل، ليس كمثلها أحد، انفرادةٌ محضةٌ، لكننا ولدنا، وسالتْ من مساقط رؤوسنا الدماء، تجرعْنا سم الأمهات» (ص 7).

وجود هش وعبثي

خلق الإنسان، في سياق هذه الرؤية العبثية، بمصنع. حيث «ماكينة عملاقة تصنع الأجساد وترمي الرؤوس عليها». مصنعٌ، خلق فيه الشاعر من شحنة، كان لا بد أنْ «يسهو عنها العمال». من قلب هذا الكشف، بوصفه نبوءة وثنية مضادة، يستقي الشاعر رؤياه المرعبة: «كل آلاف السنين كانت طريقًا للموت، والذين يحفرون هذا القبر العملاق، لا يعرفون شيئًا عن براغيث ناعمة، ولدوا داخل هذه الجثة» (ص 39).

على هذه الوثيرة، تستأنف الذات الشاعرة بناء عالمها الشعري، مدلية بوثائق ملتهبة من كوابيسها وأحلامها ومسرحها الداخلي، الذي يظهر فيه الإنسان عاريًا، مجردًا من مزاياه، التي تحولت بقوة قاهرة إلى لعنات ووساوس، لا مجال معها لتفاؤل الإرادة الشعرية، ما دامت كل الأفعال عبثية، وفاقدة للجدوى. إن سوء التفاهم وعلاقة التبرم القائمة بين الإنسان والحياة، متأصلة في نطفة «ملعونة» تخرب المعنى، وتشرف من منطقة غارقة في العدم، على انهياره. إنها تجربة ترثي ضياع الأمومة والحب والشعر واغتراب الإنسان، الذي لم يعد يجد في الحياة سوى أرق وجودي مديد، يمتد من النطفة إلى القبر. إن أناشيد الشاعر النثرية هي ابنة هذه السراديب، التي يتكرر فيها مشهد دفن لا ينتهي، يأتي على الإنسان والقيم التي ساندت وجوده
الهش والعبثي.

ينحني علي المازمي على جراحه الوجودية، ومزقه المتناثرة غير القابلة للرتق، فلا يصدر عن تصميم قبلي مفكر فيه، بل تصعد قصيدته النثرية من جوفه، ناتئة، ودامية، ناضجة بخبرتها الغريزية بعبثية الحياة وتجهم العالم، الذي لا يسمح للإرادة الشعرية بالتفتح والإيناع، في غير سراديبه وعوالمه السفلى. يندرج الحب في تجربة الشاعر المازمي، ضمن رمادية المنظور العبثي، الذي لا يجد في عالم الأرض أي أمثلة للوجود والحياة، بل نفخًا لا نهائيًّا في نطفة العدم الكبيرة.

تأويل المعنى في تجربة علي المازمي، يتصل بتمزق حبل الأمومة باكرًا، الذي حول الحياة إلى تجريد كابوسي معتم، فيما استحال العالم إلى قبر كبير، يصدر الشاعر من داخله أغانيه النثرية اليائسة. إن شيئًا وافرًا من «مثالب الولادة» يتسرب إلى عالم الشاعر علي المازمي، فيصله بتيارات التشاؤم الكبيرة بتراثنا (أبو العلاء المعري) أو تراث الإنسانية (إيميل سيوران). وهو بذلك، يكشف عن حساسية ميتافيزيقية، تساعدنا، بتعبير باشلار، على «التقرب من أوديتنا الليلية السحيقة».

نظرية «الهندوتفا» وأسسها الفكرية

نظرية «الهندوتفا» وأسسها الفكرية

تعود جذور نظرية «الهندوتفا» (Hindutva) القومية إلى تاريخ الهند البعيد. إنها فكرة عريقة تمتد على الأقل إلى ثلاثة آلاف سنة تقريبًا. ظهر وجهها الجديد في عهد الحكم البريطاني، حين تشكلت عام 1915م داخل حزب المؤتمر مجموعة ضاغطة باسم «هندو ماها سابها» (المجلس الأعلى للهندوسيين). ولاحقًا في عام 1925م أتت منظمة «راشترييا سوايام سيفا سانغه» (منظمة الخدمات التطوعية للوطن) المعروفة باسمها المختصر «آر أس أس» في حيز الوجود.

ومن أبرز منظري حركة الهندوتفا «فينايك دامودار سافاركار» (ت: 1966م). وله 38 كتابًا أهمها «هندوتفا» الذي يُنشر الآن تحت عنوان: Hindutva: Who is a Hindu(1). وهذا الكتاب يلقي الضوء على أسس «الهندوتفا».

سافاركار

كان «سافاركار» قوميًّا وملحدًا. وكان واقعًا تحت تأثير بالغ للفكرة القومية الأوربية والنازية. إن مرشد «آر أس أس» الثاني غول فالكار (ت: 1975م) هو الذي نشر فكرة «سافاركار» على نطاق واسع بمزيج من الفلسفة الهندوسية العريقة والفكرة الدينية والروحية. وفي العصر الجديد ترتكز أنشطة الهندوتفا على أفكاره التي تتمحور على كتابيه: «باقة من الأفكار (Bunch of Thoughts)(2)، و«تعريف قوميتنا»(3). وقد جرى تلخيص أفكاره في مجلد واحد تحت عنوان: «غوروجي: رؤيته ورسالته»(4). وتمثل جميع كتبه نظرية «الهندوتفا» وفلسفتها. وهو الذي كان يُعدّ في معظم الأحيان رمزًا من رموز الهندوتفا.

ويعد «دين دايال أوبادهيايا» (ت: 1965) منظرًا سياسيًّا حقيقيًّا لحزب «جانا سانغها» الذي تغيَّر اسمه فيما بعد إلى «بهاراتييا جاناتا». وفي أربع محاضرات ألقاها في مومباي عام 1965م شرح «أوبادهيايا» أصول حزب «جاناسانغها» باسم «الإنسانية المتكاملة». ومن شروط عضوية بي جي بي التوقيع على حلف الإنسانية المتكاملة(5). ويدّعي منظرو «آر أس أس» مرارًا أن لمنهجهم الفكري قابلية خاصة لاحتواء جميع الأديان والأفكار والمبادئ المختلفة. ويؤكدون دائمًا أن هذه القابلية هي صفتها البارزة التي يفتخرون بها. إن هذا الأمر إضافة إلى مواقفهم من المناهج العملية يستوجب النظر في منهجية «آر أس أس»، كما يستوجب تحليلها بالتفصيل. وأما إذا أخذنا في الحسبان مبادئ منظريها المعلنة ومواقفهم من الشؤون الاجتماعية، فيمكننا أن نشير إلى النقاط التالية على الأقل كخصائص لمنهجهم الفكري. وهي مبادئ تجعل بعض الأقوام من المواطنين، خارج عتبات الوطن دائمًا.

فلسفة «أدفيتا»: وحدانية الوجود

الأساس الحقيقي لأي منهج فكري هو رؤيته إلى العالم. ورؤية هندوتفا هي وحدانية الوجود. فهي فكرة تستمد من الفلسفة الهندوسية راسخة الجذور في كتبهم المقدسة و«فيدانتا». إنّ العالم، وفقًا لهذه الرؤية، لا يوجد فيه شيء إلا «براهما» هذا هو الأصل. والروح الإنساني أيضًا جزء منه. وفي الحقيقة إن جميع العناصر في الكون جزء من هذه القدرة العظيمة. ليست الموجودات إلا أشكالًا وهمية تنعكس من هذه الحقيقة الوحيدة. ويَعتبر منظرو هندوتفا هذه الفكرة أساس نظريتهم، ويتمنون أن يتبناها جميع سكان الهند. وقد تبدو هذه الفكرة نظرة روحانية، ولكن في الحقيقة لها ردود أفعال دينية وسياسية واجتماعية وثقافية عميقة.

دين دايال أوبادهيايا

كانت قد نشرت على نطاق واسع مقتبسات من حوار مُفصلٍ، أجراه الصحفي الدكتور سيف الدين الجيلاني مع «غولوالكار»، يقول فيه الأخير: هذه الفلسفة الموصوفة باسم «أدفيتا»، لا تنتمي إلى الهندوس ولا إلى المسلمين، بل هي فلسفة الجميع. يمكننا تلخيص هذا المبدأ هكذا: لا توجد في هذا الكون إلا قوة واحدة. هي الحق المطلق… التصورات المختلفة عن الإله هي تصورات محدودة عن الحق المطلق. يربطنا جميعًا أصل هذا الحق المطلق. وهذه الحقيقة لا تنحصر في ديانة خاصة؛ لأن الدين ليس إلا صورة من صور العبادة»(6).

هذه الرؤية الفلسفية هي التي ساعدت «دين دايال أوبادهيايا» على أن يجعل فكرته «الإنسانية المتكاملة» حركة سياسية واجتماعية(7). رفض «أوبادهيايا» التصور الغربي عن المذهب الفرداني. فهو يرى أن المجتمع ليس ما يتشكل، ولا ما يقوم بناءً على عقد اجتماعي بين الأفراد. المجتمع، كما يراه، كيان حيوي. وله روحه الخاصة. والجسد والنفس والعقل والروح هي مكوناته الأربعة الرئيسة(8). هذه المكونات الأربعة هي المرتبطة بسلامة «الحياة الاقتصادية والجنسية والأخلاقية والنجاة في الحياة الأخروية، وجميعها مرتبط بعضه مع بعض. أمّا المدارس الفكرية الغربية فلا تُخاطب إلا الجسد والنفس. وللمجتمع روح تمامًا كما للفرد». الحضارةُ الهندية «تخاطب العناصرَ الأربعة من روح المجتمع ونفسه وعقله وجسده، جميعها معًا. إن الفرد والمجتمع والطبيعة والكون هي أربعة مناحٍ من الشعور الإنساني. لا يتناقض بعضها مع بعض، بل جميعها متجانس، وحالة التوازن بين هذه العناصر هي المعروفة باسم «الأخلاق».

الدولة الهندوسية أو «بهارتا ماتا»

القومية المتطرفة هي التيار العام الذي ينتمي إليه جميع من يتبع هذا المذهب الفكري. القومية في الأصل تصور أوربي حديث، تَشكَّل من مبادئ من الوطن والعنصرية والحكم الوطني المطلق والدولة. طالما حاول مفكرو الهندوتفا أن يربطوا الفلسفات الهندوسية العريقة في كتبهم المقدسة، بالفلسفات الغربية الحديثة. ولم يتمكنوا من تحقيق هذه المحاولة، سوى بخلق مزيد من الإشكاليات والإبهام.

بدأت هذه المحاولات منذ عهد «سافاركار». كانت القومية بالنسبة لـ«سافاركار» فكرة قريبة جدًّا من الفكرة الأوربية الحديثة. السكان الأصليون في الهند هم فقط قوم في نظر «سافاركار». وهؤلاء هم الهندوس المتّحدون جغرافيًّا وإثنيًّا وثقافيًّا. وهو يرى المسلمين والمسيحيين خارج هؤلاء القوم(12).

ولما بدأت نظرية «وحدانية الوجود» تتكلم بلسان السياسة تغيرت هذه القومية، إلى اتحاد للهندوس. ولقد أوضح «غولوالكار» أن الإنسان في الفلسفة الهندوسية القديمة يُقصَد به الهندوس. وجميع من يسكن في الهند أجزاء من هذه المجموعة المقدسة. وإن الله محيط بكل شيء في العالم. وبما أن جميع الهندوس جزء منه فلهم صفات إلهية. والخدمة لهم بمنزلة الخدمة لله. ولا يجوز التمييز بينهم(13).

يقول «غولوالكار»: إن الناس يذهبون إلى المعابد ويُركِّزون اهتمامهم على الأوثان والتماثيل الموجودة داخلها. التصور عن الإله من دون صورة له لا يوصِّلنا إلى شيء. ذاك التصور لا يُرضي قومًا حيويين. إننا نحتاج إلى إله حيوي(14). هذه الفكرة هي التي تنعكس في نشيد ابتهال «فندي ماتارام» الذي ألفه الشاعر البنغالي القومي «بانكيم تشاندرا». وتقاليد «بهاراتا ماتا» والممارسات الدينية والأذكار إنما تتشكل من هذه الفكرة ذاتها. وما يجري في معسكرات «آر أس أس» من غسيل المخ والتدريب العسكري لكوادره أيضًا مبنيان على هذه الفكرة. ويبدأ التدريب اليومي في هذه المعسكرات كل صباح بهذا الدعاء: أحني رأسي دائمًا أمامك أمي بهاراتا». يعني أن مواطني هذه الدولة، حسب رؤية «الهندوتفا»، لا يكفيهم أن يحبوا وطنهم الأم وأهله، بل عليهم أن يعبدوها كصورة إله.

من هم الهندو أو بهاراتيّون؟

هنا لا بد من طرح السؤال: مَن هم هؤلاء «القوم المقدسون» الذين يبنون هذه «الأرض المقدسة»؟ وما تعريف هؤلاء القوم؟ يتسبب هذا السؤال في خلق ارتباكات كبيرة. ومع أنهم لا يزالون يرددون أن هؤلاء القوم يشملون جميع أتباع الديانات، غير أن السؤال عما إذا كان المسلمون والمسيحيون مشمولين فيه يبقى من دون إجابة واضحة.

وقد عرَّف «سافاركار» «الهندو» بوضوح تام. الهندوس في رأيه ليسوا أتباع ديانة خاصة، بل هم الذين يتّصفون بثلاث صفات خاصة؛ هي الولادة في الهند، والسلالة الهندية، والالتزام بالثقافة الهندية(16). ويمكن أن يُقال: إن هذا التعريف يشمل المسلمين والمسيحيين جغرافيًّا ونسلًا، لكن ماذا يقصدون بشرط الالتزام بالثقافة الهندية؟ أكبر مظاهر الثقافة، في رأي سافاركار، هي التقاليد والمهرجانات. فالمشاركة في الثقافة يعني المشاركة في المهرجانات مثل «كومبها ميلا»، و«ديفالي»، و«هولي» وغيرها من العادات الدينية(17). إن كان هذا هو المقصود بالثقافة، فالمسلمون خارج الشعب الهندي.

غولوالكار

وهناك شرط آخر كي يكون الواحد جزءًا من هذا البلد. في الهند أماكن مقدسة كثيرة. وهذا الوطن غني برجال الفكر والقادة التاريخيين الذين يجدر الفخر بهم. ومن يفتخر بغيرهم أكثر مما يفتخر بهؤلاء، يكفيهم أن يُحرموا من حقهم في العيش في هذا الوطن. ومن الواضح أن المسلمين والمسيحيين ليس بوسعهم استيفاء هذا الشرط على أكمل وجه.

المشكلة الأخرى التي تورطت فيها نظرية الهندوتفا هي مشكلة الطبقات الموجودة داخل المجتمع الهندوسي. نرى «سافاركار» يُسوِّغ نظام الطبقات الأربعة المعروف باسم «تشاتورفارنيا» حسب ظروف ومناسبات، ولو انقلب رأسًا على عقب في زمن لاحق(19). أما «غولوالكار» فنرى أنه لم يُسَوِّغ فقط هذا النظام، بل مدحه أيضًا.

تساؤلات مطروحة

ما ذكرناه آنفًا هو بعض العناصر الأساسية، التي تتعلق بنظرية «هندوتفا» وأصحابها. وثمة عدد من التساؤلات عما يتعلق بمواقفهم السياسية ومناهجهم التطبيقية. ومن أهم مزاعمهم أن التجمع تحت قيادة دينية واحدة مع كتاب مقدس فكرة دينية، تعادي حضارة الهند وثقافتها. وإذا كان الأمر هكذا فهناك ديانات هندية تنتمي إلى هذه الفئة. كيف يرون هذه الديانات؟ هل تُخرَج الديانة السيخية من حلقة الهند؟  لا يُجيب منظرو هندوتفا عن هذا السؤال. وهناك تساؤلات أخرى. إن كانت علاقة الهندوتفا ليست مع الدين ولا السياسة بل مع الثقافة فقط، إذن لتكن هذه الحركة حاملة راية التسامح مع دول الجيران؛ لأنه حسب التعريف المذكور أعلاه، فإن تلك الدول وشعوبها جزء من هذه البقعة الجغرافية. هل الابتعاد من الدولة الجارة وإقصاؤها إلى صفّ الأعداء أمر سليم؟ وهل الانفصال عنها يأتي بصفتها دولة أم لأنها تنتمي إلى دين؟ هذه التساؤلات لا تؤرق منظري الهندوتفا ولا تثير اهتمامهم. لكن هل مواقفهم ومقارباتهم العملية تؤيد أفكارَهم النظرية؟ هذا هو السؤال المهم. إذا لم تؤيد حركة الهندوتفا أي ديانة خاصة، فلماذا يصرخون دائمًا «الديانة الهندوسية في خطر»؟ ولماذا يوقدون نار النزاعات بين المعابد الهندوسية ومساجد المسلمين، حتى بعد هدم المسجد البابري؟

وهناك سؤال آخر، لماذا رموا عرض الحائط النظام الاقتصادي الذي قدمه «دين دايال أوبادهيايا» في نظرية «الإنسانية المتكاملة»، وراحوا يتبعون السياسات الرأسمالية الليبرالية المعادية للفقراء والبؤساء؟ إن مشاريعهم المنشودة ليست إلا محاولات لتجديد الهيمنة البراهمية، التابعة لنظام الطبقات القديم. في معزل عن العقائد والتعاليم الموروثة من الأنبياء والكتب المقدسة. ولهذا يحاول أتباع الهندوتفا دمج المسلمين والمسيحيين في نظامهم الثقافي الرئيسي.


المراجع:

(1) V.D Savarkar (1969) Hindutva. Who is a Hindu? Veer Savarkar Prakashan, Bombay.

(2) M. S. Golwalkar (2000)  Bunch of Thoughts, Shitiya Sindhu Prakshana, Bangalore.

(3) M. S. Golwalkar (1939 We or our Nationhood Defined, Bharat Publications, Nagpur.

(4) Vaidehi Nathan (2008)) Shree Guruji: Mission and Vission, Kurukshetra Prakashan, Kochi.

(5) Refer BJP Membership Form  at BJP website :
https://www.bjp.org/var/assets/regform/Membership%20Application%20Form.pdf
retrieved on 13-06-2021.

(6) Rakesh Sinha,(2020)Shri Guruji and Indian Muslims, Page 11 PDF available at
http://www.archievesofrss.org.Encyc/2014/12/23_0702_019mulim.pdf retrieved on 12-06021

(7) Deen Dayal Uoadhyay, Ed VR Pandit,(2002), Integral Humanism, Deen Dayal research Institute Delhi.

(8) IBID page 17.

(9) IBID page 19.

(10) For Details Refer: Internet Encyclopedia of Philosophy Plato: Organicism at
https://iep.utm.edu/platoorg/retrieved on 13-06-2021

(11) See Thomas Hobbes in Stanford Encyclopedia of Philosophy at
https://plato.stanford.edu/archivewin2020/entries/hobbes/

(12) V. D. Savarkar (1963) Hindu Rashtra Darshan Vol 2, Maharashtra Prantic Hindu Sabha,Pune p. 52.

(13) M, S. Golwalkar (1966) Bunch Of Thoughts, Vikraom Prakashan, Banglore, pp: 46 -47.

(14) Ibid p 24.

(15) Ibid pp 24-25.

(16) V.D. Savarkar,(1969) Hidutva: who Is A Hindu?, Veer Savasrkar Prakashan, Bomby, p 17.

(17) Ibid P. 115.

(18) Atal Bihari Vajpayee (2020), The Sangh Is My Soul, In Organiser issue dated 16 September 2019.

(19) For Example See V. D. Savarkar, (1969), Hidutva: Who Is A Hindu?, Veer Savarkar Prakashan, Bombay, pp 101 -104.

« فلسطينياذا» لعلي العامري.. وتد شعري في الأرض

« فلسطينياذا» لعلي العامري.. وتد شعري في الأرض

على غير ما اعتدنا من الشاعر علي العامري، في القصيدة المتوترة، القصيدة التي تقول كل شيء في بضعة أسطر، كقصيدة «الغرفة» مثلًا، يأتي ديوان «فلسطينياذا» (الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2024م) ليكون مدونة شعرية متماسكة من أولها لآخرها، يقف فيها الأنا الراوي، الشاعر، ضمير الخطاب، ويفتش بلغة شعرية شفيفة في دفاتر الأسطورة الفلسطينية، يفتش بين أكوام المتناهي في الجمال، والمتناهي في التحدي، ليرسم لنا هذه الملحمة. ولنا في هذا المجتزأ مثلًا. يقول: «كان جدي يوقد النار على مهلٍ/ يدق البن في المهباشِ في ظل العريشة. كان جدي يوقظ الصبحَ، ويسقي كرمة الدار ويمشي، مثل برقٍ في حقول الذكريات».

والفعل «كان» في المقطع السابق، ينبئ بإسناد الروي إلى زمن الماضي، والفاعل الجد. وهنا ملمح مهم؛ فالفعل «كان» فعل ماضٍ، والجد يشير إلى الماضي، ولكن الأفعال التي تأتي في المقطوعة أفعال مضارعة، كأن المقطوعة تقول بما في الأفعال المضارعة من أحداث، مع تغييب للماضي منها. هذا من زاوية الإسناد الفعلي، وأما من زاوية المعنى، فإننا واقفون على مسربين: المسرب الأول هو المتأتي من الوقائعي الذي يمكن حدوثه مع أي جد، وهو ما يتوافق مع العنوان الرئيس للمجموعة الشعرية «فلسطينياذا»، والمسرب الثاني هو الجانب الشعري؛ إذ يتفلت الشاعر من قميص الراوي، فينزاح الإسناد: «يوقظ الصبح/ ويمشي مثل برق/ في حقول الذكريات».

الإيقاع وشعرية النص

هذه الجمل والعبارات التي تتكرر إسناداتها ومخايلاتها في هذه المدونة، تُبقي النص في عالم الشعرية، وتخرجه من السردانية المحضة. والأمر الآخر هو الإيقاع، فلو دققنا النظر في الإيقاع في المقطع السابق بعد الانفعال الأولي سنظن أننا نقرأ كلامًا غير موزون، لكنه موزون على تفعيلة الرَّمَل، فاعلاتن، وانزياحها فعلاتن.

فالثابت الأول في شعرية النص هو الإيقاع، واختيار التفعيلة الترنمية (فاعلاتن) يسهم في نقل النص من عوالم علي العامري الشعرية، إلى العوالم الأخرى التي أراد لها أن تتوافق مع المدونة، وآفاقها المتشبثة بالأرض أولًا، والإنسان ثانيًا، وأثر الإنسان الباقي في الأرض ثالثًا، والاحتفائية الطقسية الغنائية رابعًا. وقد كفل السرد بضمير الأنا، والنقل بضمير الأنا ما جعل النص غنائيًّا، والغنائية بمفهومها النقدي، التي تعني معاركة الذات، وليست تلك الغنائية التصويتية، وإنما تلك الغنائية المغلفة، الملفوفة بغير لفاف، وهو ما يجعل المتلقي يمارس ما نسميه تعليق القراءة. فلو تأملنا: «يمشي مثل برق في الحقول»، هل هي السرعة؟ أم الضوء؟ أم البشارة بالماء؟ أم هذه الأشياء كلها، وهذه الأسئلة تقع في المسافة الزمنية التي نطلق عليها (تعليق القراءة).

علي العامري

ولنا مثال آخر؛ حيث يقول: «ظلالٌ معمرةٌ تتكلم عند الصباحِ عن امرأة عندما تتحرك نحو الحديقة يتبعها كوكبان… بأصوات موتى» (ص 27).

نلحظ أن تفعيلة فاعلن، هي السائدة مع إزاحتها فعلن، ولكن الملحوظة البنائية هنا أن التفعيلة النهائية جاءت مذيلة، وهي «جرة عبأتها بأصوات موتى». وبالنظر الدقيق ومطابقة المعنى للمبنى، أرى أن كلمة (موتى) تحمل في طياتها تلك المدة الصوتية البكائية بما جاء متوافقًا مع (تذييل) التفعيلة لتصبح (فاعلان) بدلًا من (فاعلن) وذلك بزيادة حرف ساكن على الوتد المجموع.

سألقي فيما يأتي نظرًا في مقطوعة اختص بها نهر الأردن: «منذ قرون يمشي نهر الأردن، ولا يتلعثم في أثناء الجريان، يدون في الأرض بلاغته الخضراء، ولا يتوقف. لكنْ قد يسري بهدوء أو يتعجلُ، وفق سجيته بين القصب العالي والطرْفاء، كمرآة سائلة ينساب ويروي الأشجار،… وأنا مشاء أبدي… في مائي ذوبت الوقت، وذوبت الصخرَ» (ص 40).

عندما قال الحكماء: أنت لا تستحم بالنهر نفسه مرتين، إن تبدل الماء فإن النهر ومجراه لا يتبدلان، ولديهما قصص كل من مر عليهما. وفي المعنى فيض آخر، عندما يُنطق النهر بقوله: «جبل الشيخ أبي، وبلاد الشام الكبرى أمي، والأنهار أشقائي»، وهذا ينقل إلى جوانية المعنى في ربط فلسطين، وحاضنتها بلاد الشام، وعمقها الجغرافي الممتد غير المنقطع ما امتد النهر.

وإذ يعلن النهر نفسه «مشاء أبديًّا» فإنه يعلن الاستمرارية الحضارية الأبدية، ليكون للعبارة أصداءٌ أخرى في تجاويفها، أصداء أن لا آخر يمكن أن يعلن نفسه بهذه الاستمرارية، والآخر هنا معروف!

ونقرأ: «نهر اليرموك ونهر الأردن شقيقان. هنا يلتقيان، ويمتزج الماء مع الماءِ. يسيران معًا… الماء حكايات فدائيين اخترقوا الليل، اخترقوا حاجز صوتٍ… اخترقوا دورياتٍ للمحتل تمشط دربَ ترابٍ بحثًا عن أثرٍ. يحكي نهر الأردن حكاياتِ فدائيينَ اخترقوا خط الصمتِ… لتطلع شمسُ فلسطين» (44).

إيقاع المعنى

نلحظ هنا، أن المعنى فرض إيقاعه الخاص، إيقاع المعنى، وانتقلت القصيدة من عوالم الإيقاع الغنائي إلى عوالم قصيدة النثر، ذات الإيقاع الداخلي. لماذا؟ فلنر إلى هدوء المقطوعة، ونبرة الحكاء المسيطرة، والنغمة المتسللة من بين المفردات، نغمة من لا يغني، إنه (تهبيط) لوتيرة الإيقاع الترنمي، إلى إيقاع قصيدة النثر، الذي يظنه كثيرون غير موجود، هو إيقاع المعنى، وعلائق الكلمات، والنظر في المقطوعة التي نتحدث عنها يرينا أن الراوي يُصدِر عن يقين، ليتعالق مع الشعري في انزياح الدلالة، وتتعالق مع الواقعي في اعتماد الجملة الخبرية. وهنا لا بد من النظر في (الصوت): من الذي يقول؟ من الراوي؟ وفي الإجابة عن السؤال، نرى أننا أمام لغة تُراوِح، كما أسلفت، بين الوقائعي، والشعري: اخترقوا… إلى أن تأتي خاتمة المقطوعة: لتطلع شمس فلسطين.

فالأفعال الماضية المسندة إلى فدائيين كلها تمضي لتقود إلى فعل مضارع مشفوع بـ(لام التعليل) لـ تطلع… فالمضي مستمر إلى الغاية، والمنشود النهائي: تطلع شمس فلسطين. وإذا نظرنا في ورود الفعل (تتحمم) المسند إلى أغصان الدفلى، فإننا ننظر في فعل يشكل وتدًا، فهو بين العامي والفصيح، والعامي في صيغته ينقلنا إلى لغة الناس، والفصيح يعيدنا إلى عوالم الشعر، هكذا يربط الأرض بالسماء، الأصيل بخياله ومخياله. فاللفظ (تحمم) لا يفضي في الفصيح إلى معناه الدارج، حتى إن الفعل حم نفسه من الأضداد، ولكن ما يهمنا هنا أنه استخدمه بمعنى يغتسل.

وفيما أحاول هنا قراءة ملحمة شعرية، تحمل كل ما تحمله الملحمة، تنقل فيها بين الإيقاع الخليلي وإيقاع قصيدة النثر، وفق التعالق بين المعنى والإيقاع كما بينت سابقًا، ليستفيد من ذلك التعالق الحرية في رسم النشيد الكامل للوجود الفلسطيني الأصيل، ومقاومة الطارئ الذي يحاول أن يكتب له مكانًا في الأرض، فلا الماء استطاع، مع جريانه وتبدله، أن يقبله، ولا الشجر أو الحجر أو البشر.

ولا نعدم لبناء الملحمة واكتمالها أن نجد فيها شخصيات تحمل شيئًا من الكلام، فنرى إلى شخصيتين في النص/ الملحمة: شخصية الراوي المخفي هنا وهناك، وحين يتعبه القص عن (عينه)، عين الشاعر، ورؤية الشاعر للأشياء، تظهر شخصية «مجنون التل»: «مجنون التل ينشف ضوءًا فوق جبال الجيران، ويكتب ما يمليه عليه الظل. يسيل أغنية في وادي (زقلاب) يرافق أشجار الليمون، يحدثها عن حرب حرقت أرواح الأخضر واليابس… طار الطين، وطار النهر، وطارت أشجار السرو، وطار المرعى، والشهر الخامس طار وطار قميص مثقوب عند الصدر…» (ص59).

بين الشعري والوقائعي، يسند الحكي إلى (مجنون التل) فيحدث بلغة شاعرة عن الحرب بالإشارة العابرة، «والشهر الخامس طار» حرب العام 1948م. وهذا الإسناد ينقل الوقائعي إلى الحلم، فكل الحالمين، الذين يتجاوزون بأحلامهم الواقعي يعدون في عالم المجانين. ولنا من القرآن الكريم دليل في ذلك، وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) (الدخان: 14). ونرى هذا المجنون بين ما يحمل في ذاكرة المكان، والتجول فيه ورسم معالمه، بلغة يمتاحها من الشاعر، بإزاحاتها الجميلة المتصاعدة، واستعاراتها الخلابة، إلى أن نراه مصرًّا على البقاء بالرسم على الأحجار، ونقل ذاكرة الأرض بما يذكرنا بالألواح الطينية في حضارة العراق، التي كفلت لتلك الحضارة الاستمرار في الزمان بما احتوته الألواح المسمارية السومرية والأكادية، ولكن الرسم والكتابة هنا على الأحجار، ليكون النحت مضادًّا للهجرة: «ويروح إلى الكهف المهجور لينحت صورة مجنون في حجر الفقدان» (ص 64).

استراحة في بحر الكامل

«سقطت مجرات مشينا كالظلال إلى الظلال. سقطت شظايا عتمة فوق البحيرة والسماء تقصفت في أطلس التهجير وانفتحت جهنم في المرايا، والعصافير الصغيرة رفرفت فوق الغياب» (ص64). تأتي هذه المقطوعة موزونة على تفعيلة الكامل، (مُتَفاعِلُن) بما يشكل استراحة استعادية تتواءم مع إيقاع هذا البحر، وتعطي للراوي المنشد لما يروي فرصةً يجر فيها نفسًا عميقًا، وفي النظر في المعنى نرى إلى ما يشبه تذكر أمر جلل، وهو أمر القنابل التي كانت تقصف الأرض، وتبني أطلسًا جديدًا لـ(التهجير) حتى ترفرف العصافير التي اعتادت الرفرفة فوق أهلها، ترفرف (فوق) غيابهم. فهل يتوافق المعنى مع الإيقاع، في هذه المقطوعة التي تشبه جر النفس عند الحكاء؟ إنه كذلك، فتفعيلة الكامل تمنح المقطوعة بمعناها الحزين تلك الغنائية الحزينة.

وهذه المقطوعة تمهد لروي وقائعي، وحوارية، وتدخل شخصية أخرى يسند إليها الحكي، ممهدًا بـ«قالت أمي» ويصف المشهدية الدموية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني/ الحصان الخشبي من صنع بريطانيا، بقر بطون الحوامل/ دوس قبور الموتى، قتل الأطفال والأشجار، مجزرة الطنطورة، حرق الدور وأشجار الزيتون. ويأتي حكي الابن في هذه الحوارية فيمر على النتائج والشتات، وعلى «غرف الانتظار الكونية» بعد الشتات، ويأتي صوت الأم ليفصح المثل الشعبي «ما يخلع الشوك من إيدك إلا إيدك»، وكما أسلفت، فإن استدراج الأمثال الشعبية يمثل ضرورة في شد الشعري إلى الأرض بين الفينة والأخرى؛ ليرينا أننا على أرض الحقيقة، وأن ما يمكن أن يكون خياليًّا قد حصل حقيقة.

ولا يني الراوي/ الشاعر يمر على بعض المعارك التي خاضها الفلسطينيون/ الفدائيون/ نقلًا من الحزن إلى مقاومة المحتل بشيء من فخر، كذكر معركة الطيبة، وغيرها من المعارك التي خاضوها، وأثبتوا فيها للمحتل أنه لن يكون له في هذه الأرض التي سرقها في أمانه المنشود. كما لا يني الراوي أن يرسم الخريطة التفصيلية للأرض، بالمرور بأغلب القرى المهجر أهلها، حتى لكأنه يقرأ في الخريطة، ليصل إلى: «نحن مثل النباتات إن عطشت أزهرت… نحن عطشى لأرض الجدود» (77).

ثم نعود إلى صوت آخر، وهو ما يشبه (التخطيب) في السرد، ولكنه يأتي على هيئة أسئلة، وهو ملتزم بتفعيلة الكامل، بإيقاعه الجميل، ويهيأ لي أنه راوٍ آخر، يدخل خشبة المسرح من حيث لم يحتسب الجمهور متحدثًا: «ماذا تقول مغارة للحرب؟ كان الموت أقرب من سياج الياسمين، وكان أقرب من رفيف الريف في فصل الخريف وكان أقرب من نعاس التوت قرب الباب، أقرب من هواء الناي في النغم الحزين… هذا الموت أعمى لا ينام دقيقة يمشي ولا يغمى عليه…» (82).

ولا نعدم إسناد الحكي إلى صوت راوٍ آخر: «في الحرب قال أبي: احضنوا الأشجار حين تغير طائرة العدو، إذا تعذر أن تروحوا نحو خندقنا هناك» (98).

كما تتسرب إلى مسرح النص صوت الـ(نحن) الذي يرسم جمالية المفقود، وسحره الأخاذ، وهو الصوت الخفي للشاعر نستشعره بالاستعارة الجميلة: «نريد يراع الحصيدة يومض مثل نقاط الحليب، نريد البنفسج إذ يتنفس كالصبح فوق التلال، نريد الغموض الفصيح لزهرة كعب الغزال، ونريد الندى،…لا نريد هناك نريد هنا» (103).

ونرى في هذه المقطوعة المنسوبة إلى صوت النحن، أنها على (المتقارب)، وهو ما يمنحها تلك الطاقة الغنائية الحادة: فعولن فعول… وعلى جمال الاستعارات في النص إلا أن إيقاع المتقارب جاء موائمًا تمامًا لفعل الإرادة المنشود: (نريد.. نريد) كإيقاع من يطلب الحق بكل ثقة ويقين، فيأتي الإيقاع بهذه الدفقة الموسيقية: فعولن المكررة.

ولا بد من بعض التوقيعات الشعرية، فهي يمكن أن تكون الخلفية الفكرية، وتكون المفاتيح الأيديولوجية، فضلًا عما تقدمه من كثافة شعرية، وهذه تتسلل في أواخر الملحمة، وبين مقاطعها:

«ابتعد كي ترى/ واقترب كي تحس بنبض الجبل.

كل بُعد يُرى عندما نستضيف الأمل….» (111).

وتأتي هذه التوقيعات بعد خطاب الـ(نحن) الذي لا يرى إلا طريقًا واحدًا، طريق البندقية، والثورة، والعودة بالقوة. ثم يأتي الخطاب المباشر الموجه للمحتل، محملًا بـ(شعرية التفاصيل) عندما يذكر التفاصيل التي لا تريد المحتل من أرض فلسطين، الأشجار، الأعشاب، الجبال، التقاليد، العادات، الملابس الخاصة، الأغاني، وهي كلها دلائل على رسوخ صاحب الأرض بها.

وبما يشبه التوقيع النهائي باسم الإشارة تنتهي الملحمة: «النار في حجر تنام/ ونحن نوقظها، هنا/ في وجه محتل يهد بيوتنا/ ويقيم فوق صدورنا/ هذا الجدار العنصري… هنا/ هنا في أرضنا» (129).

لقد اختصرت كثيرًا من المقطوعات، على كثرة ما جئت به؛ ذلك أن طبيعة الملحمة لا تساعد على الاختصار؛ إذ لا بد من المرور على الأصوات التي تتضافر في إيقاعها لترسم معالم الملحمة المستمرة في مقارعة المحتل. «فلسطينياذا» ملحمة شعرية متماسكة، تتعدد فيها الأصوات ويتعدد الإيقاع بما يتواءم مع المعنى، ولعل في هذه القراءة شيئًا من القراءة البنائية المنشودة لمثل هذا الشعر.