بواسطة فاطمة عبدالحميد - روائية وقاصة سعودية | سبتمبر 1, 2024 | نصوص
ليس لأن الأعراس مناسبة اجتماعية أكرهها بطبيعة الحال، برغم أن هذا وحده يعد سببًا كافيًا، لكن لأن أغلب السيدات في هذه المناسبات، حين يلتقينني يقلن هذه الجملة المكررة: «أنا أمك… ترى رضّعتك!».
سيدات من عائلتي وبعضهن من خارجها، ينظرن إليّ هن وأثداؤهن التي تمنّ عليّ بحليبها، وهي تطل باستعلاء من فتحات الفساتين، بحثًا عن بر فمي العاق.
حضرتُ البارحة عرسًا تجنبت الحشود فيه كالعادة. جلست على طاولة تحت الدرج الصاعد إلى الشرفة، قريبة من مخرج الصالة للهروب في أسرع وقت ممكن. صحيح أن العروسين سيزفان نزولًا من الدرج الذي أستجير به، ولكن في تلك الساعة المتأخرة ستكون كشافات الإنارة موجهة عليهما، وما تحت الدرج سيبقى مظلمًا كما أحب.
جلستْ على الطاولة نفسها سيدة وابنتها، التي ظننتها في مثل عمري، فأنا لا أحسن تقدير أعمار الناس عامة. تشبهني السيدة بشكل لافت ولكن ليس الآن، ربما بعد عشرين سنة. ترتدي فستانًا كستنائيًّا مثلي، لنصير ونحن متجاورتين صامتتين كراهبين بوذيين لا ينقصنا سوى حلاقة رأسينا. تبرز من عنقها رزمة من العروق كلما تحدثت تحركت تلك الرزمة، وتحرك معها سلسالها الضيق من نوع «شوكر». قلبها مرسوم في عينيها كحال علامة «الإيموجي» الأصفر في هواتفنا، إذا ما ابتسمت غاصت العينان إلى الداخل، وصار مكانهما قلبان أو هكذا شعرت… نعم غالبًا سأكون هكذا مع عروق أكثر فهي بارزة منذ الآن على أية حال. اختلستُ النظر مرتين تجاه صدرها لأتأكد إن كان قد تعرّف علي، والحقيقة أن ألفة سريعة تكونت بيننا، أقصد أنا والسيدة والنهدان حتى مشدّها المحيط بوسطها الذي تبرز حافاته من تحت حرير الفستان.
لم تشرب القهوة أو الشاي هي أيضًا، وحين دارت صحون المباشرة لم تمد يدها لتلتقط حبة من التمر أو قطعة شوكولا، فخمنت أنها مثلي لا تستسيغ المذاق الحلو. تجرأت وسألتها:
– تعرفينني؟
قالت بصوت انطلق كسهم:
– فاطمة، رحمة الله على أمك. كيف ما أعرفك؟!
بادرتها بسؤالي التالي من فوري، فأنا وقحة إذا ما اقتضت الحاجة، وأحيانًا حتى بدون الحاجة.
– رضعتيني أكيد. صح؟
خفقت عضلة في فكها ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة بطيئة:
– لا.
لا أعرف لماذا شعرت بإهانة بعد هذا الجواب السريع القاطع! وقلت بتباه مبالغ فيه:
– نصف القاعة وبدون أن أسألهن أتين إليّ ليقلن: إنهن أرضعنني، وأنت تقولين: «لا»! هكذا ببساطة وبدون محاولة تذكر حتى!
– لم أرضعك.
أرادت ابنتها أن تصحح شيئًا، فوضعت الأم إصبعها على شفتيها علامة أن تصمت. صرت أنا وهي وابنتها كدائرة كهربائية، باستطاعتنا أن ننير القاعة وحدنا من شدة ارتفاع حدة التوتر.
قلت لنفسي: لا عليك، سيسوء الوضع كثيرًا بيننا قبل أن يتحسن، هذه طبيعة علاقاتي مع الآخرين عامة.
حين حان موعد زفة العروسين التهيت بهاتفي، فمن يرغب في رؤية شابين يافعين يذهبان إلى قفص دون أن يطلق لهما نذير الخطر على الأقل! سبقتني السيدة وقامت بتصفح هاتفها بوجه خالٍ من الرضا كحال وجهي طوال الوقت، طال الوقت حتى صار لزجًا، فالعروس تمشي ببطء شديد ولا حيلة للعريس إلا مجاراة اعتزازها بنفسها. تلقت السيدة مكالمة من ولدها فزجرته حول شيء يخص المذاكرة، وتلقيت اتصالًا من ولدي فطار إبهامي فوق شاشة هاتفي متعجلًا إنهاء المكالمة قبل أن تبتدئ، فتأكدت أنها مثلي قليلة الحنان.
حين انتهت مراسم الرقص مع العروسين، فُتحت صالة الطعام ونودي للعشاء. تسرب الجميع من القاعة ومن بينهم ابنتها التي شاركتنا الطاولة، إلا أنا والأم الجاحدة.
– قومي للعشاء يا خالة!
قلت لها هذا مشددة على «خالة» لعلها تغتاظ وتعترف بأمومتها، وأظن أن هذا عنى لها شيئًا، فقد تهدل وجهها بحزن وهي تنظر إلي:
– لا… لا أحب العشاء المتأخر، معدتي لم تعتد عليه.
بسطتُ يدي على الطاولة، ووقفتُ غاضبة كما يقف خاسر، للتو فَقَدَ ماله ورهانه والصحبة الجيدة حول
طاولة اللعب.
– كل هذا وتقولين لم أرضعك!!
ملامحها باردة وابتسامتها كذلك، مستفزة مثلي تمامًا الآن وبعد عشرين سنة وإلى سنوات لا حصر لها، سأبقى هكذا باردة الأعصاب.
غادرتها دون استئذانها وبدون تحية وداع، وتوجهت لقسم استلام العباءات. في الطريق التقيت سيدة لها بنية هزيلة، في أسفل عنقها كهف مظلم، تخففتْ كثيرًا من الثياب حتى أن خيالي المراوغ آثر رؤيتها كإنسان بدائي زين نفسه بالعظام. كانت تدفع بلسانها حبة قرنفل لجهة معتمة من فمها وهي تقترب لتقول لي:
– يا لطيف! يا لطف الله! سلمي عليّ يا بنت! تدرين أنك بنتي؟ ترى رضعتك مع ولدي خالد!
وعلى الرغم من أنها ابتسمت لتثبت لي أن ألطاف الله التي كانت تطلبها، إنما هي نابعة من نية طيبة، رددتُ عليها بكراهية لها ولكل الأثداء المتهورة، التي تمارس دور الديّانة وهي تلاحقني طوال الليل:
– لا مذاق لحليبك، فمي لا يتذكر أحدًا للأسف.
وصلت خالتي وهي تذم برودة العشاء وقلّته، وحين لم تجد مني تجاوبًا مع نميمتها، قالت متسائلة:
– لمحتك تجلسين مع أمك زينة وبنتها!
– أمي؟!
– طبعًا أمك. كانت جارتنا وأرضعتك أكثر من سنة، بنتها أسماء رحمها الله كانت أكبر منك بنحو الشهر أو الشهرين، وتوفيت في حادث سيارة قبل سنتين!
تركتها تصحح الوقت فتضيف سنة وتنقص أخرى. وتوجهت بنظري للمطربة التي كانت تختم السهرة بشكر كل من أهل العروس والعريس والحضور، بينما مساعدتها توزع بطاقات مستطيلة عليها اسم الفرقة ورقم التواصل، ثم أضافت أنها ستختم الحفل بأغنية قريبة لقلبها، بالرغم من أنها قد لا تكون مناسبة لحفل زفاف. غنت بصوت يشبه العناق الدافئ:
«مرتني الدنيا بتسأل عن خبر… ما به جديد… عشاق ليل تفارقوا صاروا بعيد».
نظرت للطاولة تحت الدرج، كانت السيدة زينة تميل برأسها يمينًا ويسارًا مع الأغنية، وتفتح عينيها على وسعيهما لئلا تفسد الدمعة كحل العين حين تعبر الجفن، وشفتاها مزمومتان كأنما توشك أن تقبل أحدًا.
كانت خالتي تعيد سؤالًا لم أسمعه مع صوت الأورغ الكهربائي الذي يعلو فوق طبقة صوت المطربة:
– دار بينكما كلام؟
ابتسمت لها وأنا ألف الطرحة حول رأسي، وأفكر في السيدة زينة التي تهرب من التجمعات، وتظن مثلي أن الناس يبقون أحياء حين نتجنب إظهار مشاعرنا نحوهم أو صلتَنا بهم… عادة غريبة تبرأ الروح بها من مخاوفها ولو بكتلة ضباب تستتر خلفها مؤقتًا. هي خدعة لم أكن أعرف مصدرها لكنني الآن صرت أعرف.
ألقيت نظرة أخيرة على أمي زينة. كانت عزلاء في عالم الأحلام، تردد وهي شبه غائبة عن وعيها: «لا تاقف الدنيا وتسأل عن خبر».
أنا أيضًا أخلق قصصًا في البال كلما تماهيت مع أغنية، فللخيال مع الأغنيات مفعول مطهّر من الخيبات. أجبتُ خالتي التي أسدلت النقاب فوق وجهها إيذانًا بمغادرة القاعة:
– دار بيننا شجار بسيط، لا… هو مجرد جدال. يعني مثل أي جدال يدور بين أم وابنتها. هذا هو كل شيء.
بواسطة راما وهبة - شاعرة وكاتبة سورية | سبتمبر 1, 2024 | مقالات
يكتشف الغرب من جديد وجهًا مهمًّا من وجوه الحركة التشكيلية الحديثة، الفنّانة الألمانية غابرييل مونتر (1877-1962م) التي عاشت تجربتها الفنية في الظِّل، كسواها من الفنانات اللواتي عشن بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكم كان من الصعب حينذاك أن تفرض المرأة حضورها، وتكشف عن وجهها الإبداعي.
اليوم إذًا، تُقدَّم الرسامة الألمانية غابرييل مونتر بوصفها واحدةً من أعظم رسّامي الحركة التعبيرية، وذلك من خلال معرض فني يقام لأعمالها في متحف «تيسين بورنيميسا» الوطني في مدريد، بدءًا من (12 نوفمبر 2024م) إلى (9 فبراير 2025م). يهدف المعرض الذي يضمُّ أكثر من مئة لوحة ومطبوعة وصورة فوتوغرافية، إلى الكشف عن المرأة التي تمردت على قيود عصرها، وتمكنت، من خلال رحلاتها وتجربتها الفنية مع الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي، أن تشكِّل لوحة ارتباطات حميمة مع المدارس الفنية المتعددة التي تأثرت بها، وأن تمنح اللون بُعدًا إنسانيًّا تتجاوب اندفاعاتُه مع حركة الشُّعور.

من الانطباعية إلى التجريد
زمنيًّا، تُقَسَّم أعمال مونتر إلى مرحلتين: الأولى في أثناء حياتها في ميونخ، قبل سنة 1902م ولقائها بكاندينسكي، وهي المرحلة التي حاولت فيها تطوير الحركة الانطباعية إلى الانطباعية الجديدة أو التعبيرية، والثانية التي اتجهت بها من التعبيرية إلى الوحشية والتجريد بعد تأسيس حركة «الفارس الأزرق للفنانين التعبيريين» بمرافقة كاندينسكي.
في مرحلة الحركة الانطباعية خرجت اللوحة إلى النور الطبيعي، وأصبحت على احتكاك مباشر مع الضوء والنبات وتنفس الكائنات من حولها. كانت اللوحة تعبيرًا عمَّا يسمى الطبيعة الصامتة، حيث توحي الأعمال الفنية في تلك الحقبة بأن الوقوف أمام لوحة هو مثل الدخول إلى معبد لليوتوبيا فضاؤه اللون الذي لا يكون مفردًا وتجريديًّا في حسيَّته، بل هو كليٌّ وشامل الحضور بالنسبة إلى بقية عناصر اللوحة، للوصول إلى وحدة الإيحاء. ذلك ما نجده في الأعمال الموسيقية الكلاسيكية التي مهما تفرَّعت أبعادها اللَّحنيَّة تعود إلى ثيمة موسيقية تشكِّل نقطة البدء التي تشعُّ منها بقية الإيقاعات وتنساب في تناغم ضمني.
بالنظر إلى لوحات «أزهار النِّيلوفر» مثلًا لرائد المدرسة الانطباعية كلود مونيه، لا سبيل إلى توقّع شيء خارج الكمال الذي تشكِّله في جعل كل انطباع لوني جزءًا من انطباع آخر يحمل سمات التجربة الداخلية التي يكون الصمت أعمق تجسيد لها. حتى أمام الدائرة البرتقالية ذات الوجود المتعيِّن والمنفصل عما حوله في لوحة مونيه أيضًا، هل نسأل إن كانت تلك شمس الشروق كما تدل تسميتها «انطباع شروق الشمس» في ميناء لوهافر 1872م، أم هو الشعور الغائب عن العالم الذي يكاد يتلاشى في الأزرق الضبابي من حوله؟ مثَّلت تلك اللوحة ثورة الانطباعيين في تقديم الإحساس على التقنية، وقد شكَّلت تلك الانعطافة بداية التحولات الكبرى في تجربة مونتر التي تعرَّفت سنة 1902م، في أكاديمية الفنون التابعة لجمعية فالانكس في ميونخ، إلى معلمها فاسيلي كاندينسكي قبل أن تتحوَّل علاقتهما سنة 1911م إلى شراكة في الحياة والفن استمرَّت لمدة ثلاثة عشر عامًا في بيتهما المنعزل في إحدى القرى البافارية قرب بحيرة مورنو. البيت الذي عُرف فيما بعد باسم: البيت الروسي.

سنواتها مع كاندينسكي
في تلك المدة، كان كل واحد منهما طعامًا للآخر، يتغذَّى منه ويحصل على التَّوق إلى التعلم، والشغف في ممارسة الرسم، والحميمية التي تكثِّف لحظات العالم. نكتشف ذلك في بورتريهات رسمها كلٌّ منهما للآخر، مثل اللوحة التي رسمتها مونتر لكاندينسكي، بلحيته الأنيقة وسترته الزرقاء في جلسة لشرب الشاي، نلحظ نظرته العميقة للإبريق أمامه والببَّغاء الأخضر الذي يقف على حامله المعدني في الأعلى. تلك التفاصيل في الأشياء التي نعدُّها ميِّتة، تخرجها مونتر من جمودها في المادة إلى حيويتها في اللون والشعور. أما كاندينسكي فكانت لوحاته جزءًا من رؤيته للفن الذي يستمد روحه من المطلق، حيث يتخذ اللون والأشكال ووجوه الآخرين معبرًا للحظاتٍ تتشظَّى، وهذا ما يشكِّل جوهر انبعاثاته في التجريد الذي تحوَّلت إليه بالكامل أعماله الأخيرة.
لكن، في المرحلة التي شهدت تعاونهما معًا، بدت أعمالهما وكأنها تطوف في مناخ طبيعي وغريزي مشترك، حيث حاولا الكشف والتجديد في منح اللون القدرة على الاختراق الذي يكون في حالات حلمية تتعدى المنظور المسطح والأبعاد الواقعية للأشياء، وصولًا إلى أن تعرية الروح التي هي أكثر الموجودات انعزالًا. تقول مونتر: إنَّ كاندينسكي علَّمها «سرعة التَّجديف» من خلال الرسم بسكِّين الألوان بدلًا من الفرشاة التي كانت تجعلها ترسم بثقل يمنعها من بلوغ التدفُّق العفوي للحظات الحياة. في لوحات مونتر نجد بشكل صريح تأثيرات فان غوخ وهنري ماتيس وطبعًا مرشدها كاندينسكي في استعادة البراءات اللونية، والخروج إلى الطابع الوحشي في تعبيرية لا فاصل فيها بين الحواس التي ترغب والخارج اللامتناهي.
صحيح أن مونتر عُرفت بدايةً في رسمها المشاهد الطبيعية، تأثُّرًا بالانطباعية كما ذكرنا، لكنها من خلال ذلك انتقلت إلى تجربتها الخاصة في لوحة تجمع بين التعبيرية والوحشية والواقعية والتجريد. في أثناء الهجوم النازي وعودة كاندينسكي إلى روسيا زمن الحرب، وعلى الرغم من الخلافات التي أدَّت إلى انفصالهما، فقد تمكّنت مونتر من المحافظة على الإرث الفني المشترك لهما في قبو المنزل، لنراه في معارض ومتاحف العالم. بعد انتهاء علاقتهما سنة 1917م كان تأثر مونتر كبيرًا لدرجة توقفها عن الرسم لعقد كامل، تقول عن ذلك: «في عيون الكثيرين لقد كنت مجرد طبق ثانوي لا ضرورة له لكاندينسكي». ثم تضيف: «من السهل كثيرًا نسيان أن المرأة باستطاعتها أن تكون فنانة خلَّاقة تمتلك موهبة حقيقية تخصُّها». بينما عهد إليها كاندينسكي بجميع لوحاته التي رسمها في مدة حياتهما معًا جزءًا من «الأذى الأخلاقي» الذي تسبَّب فيه.
رسمت مونتر «البيت الأصفر» الذي عاشت فيه سنواتها مع كاندينسكي، و«في حديقة مورنو» وهي الحديقة التي تحيط بمنزلهما، و«الحياة في غرفة النوم» وهي تذكِّرنا بلوحة فان غوخ الشهيرة لغرفة نومه في النُّزل أو «البيت الأصفر» أيضًا الذي أقام فيه مدة مع الفنَّان بول غوغان. من اللافت في لوحتين لمونتر أنَّها رسمت نفسها بطريقة تشفُّ عن الغياب الذاتي الذي كانت تشعر به، في اللوحة الأولى «رحلة في القارب» لا نرى إلا ظهرها من الخلف وهي تجدِّف، بينما يقف كاندينسكي في المقدمة حيث بإمكان الآخرين تأكيد وجوده. في لوحة ثانية، تحت عنوان «فطور العصافير»، نراها جالسة إلى مائدة الفطور ولا تكشف عن وجهها أيضًا أمام مشهد العراء الثلجي من النافذة. كلُّ ما في تلك اللوحة من الستائر المنسدلة على الجانبين، والألوان التي لم تعد بإشراقاتها المعهودة في بقية أعمالها، حتى النافذة المغلقة على صقيع الخارج، يرسم وعيًا حادًّا بالمنفى الداخلي الذي واجهته مونتر عبر إنعاش العاطفة على أكثر الحواف انحدارًا، وهي بتلك الخصوصية جعلت فنها ينمو في ضوء كيانها ليشرق على عالم غير معروف، وكأنها تلوّح لنا من الأمكنة الأخرى؛ لتقول: عزلتي شجرة عصافير.
بواسطة علي عطا - كاتب مصري | سبتمبر 1, 2024 | كتب
في روايته «شجو الهديل»، ذات الطابع الرومانسي، عنوانًا ومضمونًا، يتتبع جار النبي الحلو حيوات ومصاير عدد محدود من الشخصيات، تجمعهم بناية من ثمانية طوابق في وسط مدينة صغيرة من مدن دلتا النيل في شمال مصر، هي المحلة الكبرى المشهورة بمصنع كبير للغزل والنسيج، كان له شأن كبير في بنية الاقتصاد المصري فيما مضى، قبل أن يتوارى تألقه في ظل متغيرات جذرية شهدها المجتمع المصري عمومًا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
يوازن الحلو في هذه الرواية القصيرة، التي ترصد خيبات الطبقة الوسطى وانهيار أحلامها بعد اعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر، بين سرد راوٍ عليم، يبدو أحيانًا كأنه أحد شخصيات الرواية، وسرد ذاتي تتولاه هذه الشخصيات. يبدأ بالشخصية المحورية، «فتحي عزت»، من اليوم الأول الذي سكن فيه أرضية منْور البناية، ثم ارتباطه بباقي السكان على نحو حميم على الرغم من الهوة الطبقية التي تفصل نظريًّا بينه وبينهم. تخطى الأربعين من عمره، يعاني ضعفًا شديدًا في البصر، ويتكئ على بنية هزيلة لتلبية احتياجاته البسيطة. جلبه «عبدالسلام» صاحب البناية، المولع بمضاعفة الأموال التي يجنيها من السكان ومن دكاكين القماش التي يملكها، من قريته ليقيم في منْوَر البناية، انطلاقًا من صلة قرابة بعيدة تربطه به. ظلَّ ثلاثة أيام ينظف أرضية المنور من مخلفات السكان، ثم فرش كرتونة كبيرة فوقها لينام عليها.
الحكاية بدأت ذات صيف، وهذا الاستهلال يسرده «فتحي عزت»، قبل أن يتسلم زمام السرد الراوي العليم: «في البداية كان مذعورًا من المكان، يدعك عينيه ليرى. صاحب البيت قرر، أن يرميه في المنور ليلقط رزقه»، وكأنه دجاجة عليها النكش في الأرض لتلقط ما يمكن أن تقتات عليه. ثم يعود السرد إلى «فتحي» ليحدثنا عن سكان البناية: «سهير هي أول من دقَّت عليَّ بابي، هذا الباب المشغول بالحديد ولا يخفي شيئًا، ولا يستر». خلع الجلباب وارتدى قميصًا وبنطلونًا جلبتهما له «سهير»: «تخيلتُ أنني صرتُ شخصًا آخر، وقررت أن أشتري مرآة صغيرة، سأعلقها على الحائط، وأبحلق فيها لأرى ما أنا فيه». كان صاحب البيت الذي يقيم في الطابق الثالث مع أسرته، قد اشترط عليه الحرص على أن يتصرف كأنه «أعمى وأطرش»، وإلا سيطرده على الرغم من صلة القرابة البعيدة التي تربطه به، التي لم يذكر أصلًا أي شيء عنها لأي من السكان، فظلت إقامة فتحي في المنور، أمرًا مثيرًا للدهشة بالنسبة إليهم، ومثيرًا في الوقت نفسه لمشاعر العطف عليه، عند بعضهم، ومشاعر اللامبالاة عند آخرين.
حمامتان
الشجو قاموسًا هو الهم والحزن، وفي المثل: «وَيْلٌ للشَّجِي من الخَلِي». أما الهديل فهو صوت الحمام، أو فرخ الحمام. ويبدو الهم قاسمًا مشتركًا بين شخصيات الرواية، بمن فيهم «عبدالسلام» مالك البناية الذي لا يعبأ سوى باكتناز المزيد من المال، ويشكل له ذلك همًّا يؤرقه طوال الوقت. ويقابله الشيخ علي المتطرف دينيًّا إلى حد التورط في نشاط يجعله هدفًا لشرطة أمن الدولة. ويلتقي الاثنان في التأذي من هديل حمامتين وثغاء عنزة مصدرهما المنور حيث يعيش فتحي. والحمامتان والعنزة أهدتهما بائعة جبن تدعى «اعتماد»، إلى «فتحي» ليتأنّس بها في وَحْدته. فيقرر «عبدالسلام ذبح الحمامتين والعنزة، ويقر «الشيخ علي» ذلك، ويفتي بأنه «حلال، حلال، حلال». لكن هديل الحمام بالرغم من شجوه كان يثير عواطف سكان آخرين، منهم كمال الذي يسكن حجرة فوق سطح البناية، فرسمهما في لوحة، ثم ألهمه ذلك أن يرسم لوحة أخرى لـ«آمال»، الابنة الكبرى لمالك البناية، التي لم تكمل تعليمها وبلغت الأربعين من عمرها من دون أن تتزوج. «ياه كبرت الزغلولتان، صارتا حمامتين وصرت أحب التنصت لهديلهما في الصباحات الباكرة، يرتفع كأنه تسبيح، كأنه تهدج، كأنه مغازلة، كأنه طلب الود».

جار النبي الحلو
هكذا تأملتهما «سهير»، قبل اكتشاف مرضها بالسرطان، ثم موتها وهي في ريعان شبابها. كانت آمال، كما يؤكد الراوي العليم، هي الوحيدة التي تعترف بأن «كمال» فنان. «كمال» تجاوز الخمسين من عمره، ترك الوظيفة الحكومية ليتفرغ للرسم. ارتبط وجدانيًّا بـفتحي وحمامتيه: «هو في حجرة صغيرة في المنور وأنا في حجرة صغيرة فوق السطح». كان «فتحي» موضع حسد من صاحب البيت الذي يراه بلا هموم، ومن ابنته «آمال» التي رأته يتمتع بحرية تتوق هي إلى مثلها لتتخلص من نظرات التأسي أو التشفي التي تراها في عيون المحيطين بها لانعدام أملها في الزواج… «آه يا آمال لو عندك حجرة صغيرة من خشب أو حجارة في قلب الصحراء، أو وسط الجليد، أو على شاطئ بحر، كنتُ أرتاح وأرمي هموم عمري، آه لو عندك يا آمال حجرة تطير فوق السحب، لا يحمل أحد همي ولا فرحي». وهنا يعلق الراوي العليم: «هكذا حدَّثت آمال نفسها، والدمعة انزلقت ولم يرها أحد، وضبطتْ نفسها تحسد فتحي على حجرته في المنور. همست بفزع: يا نهار أسود». ص 30.
أسرار
كان فتحي يحملق ليلًا في الشبابيك ليميزها: «هذا شباك يظل مضيئًا طوال الليل، وهذا شباك مظلم دائمًا، وشبابيك المطابخ يطفأ نورها ويضاء من حين لآخر». من مكانه هذا ستتهادى إلى أذنيه أسرار، تفشي بعضها مكالمات «سهير» الهاتفية، مع زميل لها في الجامعة. كانت تفضل الحديث هاتفيًّا معه ليلًا متكئة على شباك حجرتها المطل على المنور؛ حتى لا تسمعها أمها، من ناحية، ولأن شبكة الهاتف تكون ضعيفة داخل الشقة، من ناحية أخرى. «سهير»، على عكس أمها، نحيفة جدًّا، وهي معلمة لغة إنجليزية في مدرسة إعدادية، وترتبط بعلاقة عاطفية مع زميلها في المدرسة نفسها ويدعى «مالك». تكتشف أنها مصابة بالسرطان، فتقرر الانسحاب من تلك العلاقة.
يخاطب الراوي العليم القارئ مباشرة على الطريقة الشفاهية في أحد مواضع السرد بضمير الغائب، متحدثًا عن حنان ابنة مالك البناية: «بصفتي الراوي العليم أعرف أنها بالأمس وبعد أن نامت أمها وآمال نهضت في غضب وفتحت درج مكتبها وأخرجت خطابات حازم. مزّقتْها ورمتْها في سلة الزبالة. في اللحظة نفسها دخل عبدالسلام المنور ومعه جزار ليذبح العنزة». هنا يختم جار النبي الحلو الرواية بنهاية مفتوحة. وما بين البداية والنهاية، تتداخل الأزمنة وتتنوع أساليب السرد: استرجاع، تضمين، وتناصّ، وتَتتابَعُ المشاهدُ بما يشبه التقطيع السينمائي.
كما تحضر تقنية الحلم: «رأى فتحي في المنام الحمامتين تحلقان في السماء. استيقظ. أمسكهما ثم صعد إلى السطح وأطلقهما. اختفت الحمامتان بين سحب داكنة لم يرها في المنام». لكنهما سرعان ما عادتا إلى المنور. أما «آمال» فلاحظت أنها بدت في اللوحة التي رسمها لها «أصغر عمرًا، أكثر بهجةً، غير أن ألوانها داكنة». فيما كانت الحاجة نعمات، الموظفة الكبيرة، تعاني من الغلاء الذي بات يضرب كل شيء، ثم تجد نفسها غير قادرة على الوفاء بإيجار الشقة التي تسكنها مع ابنها الصبي، الذي لم ير أباه مطلقا؛ لأنه كان ابن سبعة أيام فقط عندما غادر الأب البيت. كانت ترفض أن تطلب من المحكمة الطلاق من الزوج الغائب، على أمل أن يعود يومًا ما. لكنها أصرّت في النهاية أن تفكر جديًّا في الحصول على الطلاق ومن ثم الاقتران بزوج جديد يعينها على أعباء الغلاء التي لم تعد قادرة على التصدي لها وحدها.
مات كمال، في حجرته، واعتماد لم تعد تأتي إلى البناية. أما فتحي مدير المدرسة، وهو غير فتحي ساكن المنور، فوجد نفسه بعد بلوغ سن التقاعد الرسمي، مضطرًّا إلى العمل مع ابنه في سوبر ماركت ليتمكن هو أيضًا من مواجهة موجات الغلاء التي لا تتوقف، كما لا يتوقف جشع «عبدالسلام». وعلى خلفية شجو الهديل، تحضر أصوات الشيخ محمد رفعت، وعبدالحليم حافظ وناظم الغزالي، وتتردد أسماء طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وإبراهيم أصلان، مقترنة بما تبثه الإذاعة وما يعرضه التلفزيون، وما يحكيه «عماد» و«كمال» و«مالك». والأخير هو حبيب «سهير» الذي كان يحب أن يسمع منها ما تحفظه من قصائد محمود درويش، قبل أن يقرأ لها مقتطفات من الروايات المولع بها.
بواسطة يوسف ضمرة - كاتب أردني | سبتمبر 1, 2024 | مقالات
ربما تكون قصة «البالون» التي نشرتها هند أبو الشعر في العدد الأول من مجلة صوت الجيل الصادر في عام 1972م هي الطريق الأولى لمعرفتي بهند أبو الشعر، قبل أن تتوالى قصصها في الصحف المحلية وفي مجلة أفكار، ثم تنشر مجموعتها القصصية الأولى «شقوق في كف خضرة». لم تختلف قصص هذه المجموعة وبعض قصص المجموعة الثانية «المجابهة» عن كثير من القص السائد آنذاك، من حيث الموضوعات والأشكال والبنى القصصية. ولكن الاختلاف بدا أكثر وضوحًا وجوهرية في مجموعتها اللاحقة «الحصان».
كانت القصص في المجموعة الأولى تتناول القضايا العامة في بنية واقعية إلى حد كبير، ولكن هند تميزت بجملتها القصصية الحركية، وبالتخلص قدر الإمكان من الفائض الإنشائي والوصفي الزائد. كما تميزت هذه القصص بإيلاء الحكاية الأهمية التي تستحقها، ومن هنا كانت الجملة فعلية قصيرة، معبرة وموحية، تشكل مع سواها نسيجًا متماسكًا، يتناول مفردة من مفردات الحياة اليومية. ولكنها في مجموعة «الحصان»، سلكت مسلكًا آخر مختلفًا تمامًا، من ناحية طريقة تناول الواقع الاجتماعي وقضاياه.
أصبحت ثمة بنية كابوسية جلية في هذه القصص، وأصبحت الدلالات أكثر أهمية مما كانت عليه في القصص السابقة. وتعددت الدلالات هنا ما بين الرمز والعلامة والإشارة، في حبكة أقرب ما تكون إلى بنية مشهدية، لا دور للأبطال فيها سوى المشاهدة، واقتراح الحلول للخروج من الكابوس الثقيل والمرعب، مع بعض المحاولات الخجولة للقيام بفعل ما، كما هي الحال في قصة «الحصان» ذاتها.
تُعَدّ هذه القصة من أكثر القصص قوة وتماسكًا؛ إذ يُعبَّر عن كل تفصيل بدقة محكمة. فثمة حصان مات للتو، ومجموعة من الناس تعلم أنه حصان قوي جامح، وهو ما يعني أن موته يشكل خسارة للجميع.
هنا تصبح الحكاية كلها، أو المشهد كله معادلًا موضوعيًّا لقضية ما، أو لحدث تاريخي ما، ربما امتد عقودًا أو قرونًا، وبخاصة حين تذكر الراوية أنها شاهدت الحصان أو مثيله يوم استسلام غرناطة، وتسليم أبي عبدالله الصغير مفاتيحها. وربما يكون هذا مفتاحًا لباب القصة. فيبدو الحصان هو المجد العربي أو القوة العربية التي خمدت وانطفأت. ومن هنا كان حرص المجتمعين كبيرًا على محاولة إنقاذ الحصان. وعلى الرغم من موت الحصان، فإن أحدهم استمر في تدليكه لعل وعسى.
لا تخبرنا القاصة عن الزمان والمكان، فهما هنا بلا أهمية كبرى طالما كان الأمر متعلقًا بمجد أمة وبتاريخها. ولكن الزمان الأقوى هو الحاضر والمستقبل. الحاضر الذي يظل قويًّا كلما قُرئت القصة، ولن يتحول إلى ماضٍ طالما القصة كُتِبَت، وجرت محاولات لإعادة الحصان إلى الحياة، ولا تزال تجري.
وفي قصة «الغزال يركض باتجاه الشمس» حال مشابهة لحال الحصان. فالمجموعة البشرية ذاتها، تتبع آثار الدم النازف على الأرض، الذي لا يجف ولا يبتلعه التراب. وتبدأ التفسيرات والتحليلات إلى أن يستقر الأمر على أنه دم الغزال الراكض نحو الشمس. والمفارقة هنا هي أن المجموعة البشرية تواصل مسيرتها وراء الدم بلا خوف.
نموذج القصة الكابوسية
على أن قصة «الوحل» تشكل نموذج القصة الكابوسية التي أشرنا إليها في هذه المجموعة. فالرجل الذي يخرج من منزله قاصدًا عمله، يفاجأ بطوفان من الوحل في الشوارع، ويفاجأ بالأعضاء البشرية، وببشر مكتملين، أموات وأحياء في بحر الوحل.
يحدث الأمر بلا مقدمات، ولكن من يَعِش الواقع الاجتماعي العربي يدركْ أن مثل هذا الطوفان بدلالاته، له من المقدمات عقود عدة من القهر والاستلاب. وبالتالي فإن استقبال بعضٍ هذا الطوفانَ بالترحاب لم يكن أمرًا غريبًا أو مفاجئًا. وما يميز هذه القصة هو هذا التكنيك الملائم للطوفان والفوضى البشرية. فالقصة هنا بنية وصفية حركية شديدة التكثيف، حيث تؤدي الجملة دورها في إيجاز حي، وتفتح الطريق أمام سواها لإكمال المشهد المتحرك، مع الحرص على كشف انفعالات البطل الرئيس، والشخصيات الأخرى.
الأجواء في قصة الوحل، تنتمي إلى القص الكافكاوي، الذي لا يحتاج إلى تقديم وشروحات. إنه قص يفتح الباب على مصراعيه أمام القارئ، ويوسع هامش التأويل إلى أبعد حد ممكن، بحيث تبدو القصة مفتوحة على احتمالات عدة، قد تبدو كلها صحيحة، طالما كانت تستند إلى المناخ العام للقصة نفسها. إننا أمام مشهد مفاجئ. ولكننا لا نعلم كيف حدث ولماذا يحدث أصلًا. والمفارقة هنا هي أننا نتقبل هذا المشهد، ونعيش أجواءه من دون استهجان أو استنكار، وكأننا كنا ننتظر حدوثه في أي لحظة، أو كأنه كان موجودًا، وجاءت الكاتبة لكي ترينا إياه. وهذه من سمات القص الذي ينبغي له أن يكشف المستور أو يفاجئ القارئ بما لا يريد أن يراه أو يعيشه أو بما يخافه. ومرة أخرى نتلمس تلك السخرية في مشهد كابوسي. والسخرية تتبدى في تقبل بعض الناس لهذا الوحل واستمتاعهم به.
مفارقات شبه مضمرة
وإذا كنا أكثرنا من استخدام كلمة «المفارقة»، فذلك لأن المفارقة عنصر رئيس في البناء القصصي. والمفارقة قد تأتي لفظية أو موضوعية أو حكائية. وهي تنم عن سخرية مرة، مكتومة أو معلنة. وفي هذه القصة كانت المفارقات شبه مضمرة. ولكنها مؤثرة في قوتها وإيحاءاتها ودلالاتها. فما معنى أن ترفض إحداهن الخروج من الوحل؟ وما معنى هذا الاستمتاع به، بينما نرى في مواقع أخرى رؤوسًا وأطرافًا بشرية؟ ثمة من يريد أن يشعرنا بمدى القسوة التي نعيشها، التي ربما لا ندركها جيدًا. إنها مرارة نبتلعها يوميًّا، وبعضنا يحس طعمها اللاذع، بينما بعضنا الآخر يبدي استمتاعًا بها. إنها حياتنا التي لا نريد أن نتوقف كي نتفحصها أو ندرك طبيعتها جيدًا. هو الرضا والسكوت والجهل واللامبالاة والاستلاب القسري والاختياري في الحياة. على أن القصص الكابوسية، لا تعني تخلي هند أبو الشعر عن القصة الواقعية، حتى في مجموعة الحصان. فهي في قصة «صبيحة يوم الجمعة» تحكي معاناة إنسانية يومية في مدينة الزرقاء، على أطراف السيل الذي كان يومًا نهرًا، ثم جف. وهي قصة فيها كثير من الأسى الذي نعيشه ونتلمسه في حياتنا اليومية، أو يعيشه كثيرون في الأقل.
وعلى الرغم من أن هند أبو الشعر لا تلجأ إلى الهجاء الطبقي المباشر، فإننا لا نستطيع تحييد الصراع الطبقي أو إهماله في قصصها. فأبطالها وشخوصها هم غالبًا من الطبقات الدنيا. الناس الفقراء والموظفون الصغار، الذين يعانون لكي يكسبوا لقمة العيش. وهي في ذلك تركز -قصدت ذلك أم لم تقصد- على دور الصراع في المجتمعات، كأحد عوامل التغيير الاجتماعي، إضافة إلى الوظيفة الاجتماعية عند دوركهايم، والدور الفردي عند ماكس فيبر.
ويبرز الصراع الطبقي منذ القصص الأولى لهند أبو الشعر، ويبدو جليًّا في مجموعتها «شقوق في كف خضرة». ولكنه صراع يخلو من الشعارات والخطابات الأيديولوجية التي درج كثيرون على توظيفها.
وفي قصص أخرى كثيرة، تبرز الكاتبة هموم الإنسان وهواجسه وأفكاره عن الحياة والموت والوجود والتأقلم والرفض والاستسلام. وليس غريبًا أن يكون الموت واحدًا من الموضوعات التي لا تغيب عن مجموعات هند أبو الشعر. ولكنه يأتي في صور عدة متنوعة، أي أنها لا تدعو إليه. وفي إيجاز، فإننا أمام تجربة قصصية ثرية، تصعب الإحاطة بها كلها في هذه الوقفة التي تتناول عددًا آخر من التجارب الزرقاوية في فن القصة.
بواسطة عبده منصور المحمودي - ناقد يمني | سبتمبر 1, 2024 | كتب
في اشتغاله على إنجازه السردي الجديد «روايات لا تطير – مصغّرات»، الصادر عن دار جدار، في الإسكندرية 2024م، استند الكاتب اليمني سمير عبدالفتاح إلى محورين رئيسين: الأول موقف القارئ ورؤيته فيما يقرأ من روايات. والثاني، رغبة الكاتب -أيّ كاتب- في استكمال ما لم يستطع استكماله من مشروعاته الروائية.
يحيل عنوانُ العمل على متنه غير المكتمل، من خلال صفة العجز عن الطيران، التي أُلْحِقتْ بكائناته النصية. والقارئ هو مَنْ باستطاعته منحها القدرة على الطيران، بما سيقوم به من استكمالٍ لتفاصيلها السردية. وإلى ذلك أشار ناشر العمل -في غلافه الخلفي- مُتحَدِّثًا عن فكرته الرئيسة، التي تستهدف إشراك القارئ في استكمال مصغراته السردية، مستأنسًا بما تضمّنَتْه كلُّ مصغرةٍ من إضاءات، كأسلوب الرواية ولغتها وضميرها، وفكرتها وأحداثها وحجمها.
ومن خلال قراءة تفكيكيةٍ للعمل، يتضح أن اجتراح نمطه السردي -هذا- مُؤَسَّسٌ على رؤيةٍ، تبلورت من خبرة القراءة الروائية الفاعلة في صياغة أفكار القارئ، وتقييمه، واكتشافه الفراغات التي يعمل على استكمالها. وقد حرص الكاتب على تضمين هذه الرؤية في هذا العمل؛ إذ انطلقت الفكرة الروائية في مصغرة «رواية النصف من أكتوبر»، من قراءة المايجور «ميكوفتش» لرواية «الشياطين» لـ«دوستويفسكي»، وما التقطه منها من مخططٍ ثوري ورد فيها، وما أضافه إليه من تعديلات متوائمة، مع ما يعرفه من تفاصيل متعلقة بآليات حماية أسرة «القيصر».
كما ظهرت هذه الرؤية التأسيسية لدور القارئ السردي -على نحو أوضح- في مصغرة «رواية تكميلية»، التي تضمّن عنوانُها إحالةً مباشرة على هذا الدور، وفاعليته في تشكيل مادة الرواية، ومعالجة بعض فراغاتها. فبعد أن انتهى بطل الرواية من قراءة رواية «الهارب»، لـ«فالنتين راسبوتين»، اكتشف أن فيها فجوة تجعل الأحداث غير منطقية، وأن الكاتب «لم يجرؤ على تدوين ما حدث فعلًا»، فعمل على معالجة هذه الفجوة.
ثم يقوده هذا الأمر إلى إعادة التفكير فيما سبق أن قرأه من روايات، فوجد أن كثيرًا منها بحاجة إلى ملء فراغاتٍ فيها، وصياغة نهايات مناسبة لها، وصولًا إلى رؤيته في دور القارئ السردي، التي لخصها بالقول: إن «على القراء في حالة عدم رضاهم عن نهايات الروايات التي قرؤوها، أو شعروا أنها لا تتناسب مع الجو العام للرواية، أو أنها نهايات مبتورة وكالحة، عليهم أن يقوموا بكتابة النهاية التي يعتقدون أنها الأفضل لتلك الروايات».
رواية «روايات لا تطير»
تحول مشاغل الحياة المعاصرة المتعددة دون استكمال الروائيين لمشروعاتهم السردية، ولا سيما تلك التي حددوا موضوعاتها وسياقاتها وآليات كتابتها، ويشعرون بالقلق من ضياعها. ويبدو أن هذه الحال، قد تنامت إلى حدّ صيرورتها تجربةً أدبية مأهولة بأبعادها السردية، التي أسهمت إسهامًا مباشرًا في إنجاز هذا العمل، بما تضمّنه من مشروعات روائية. وقد تجلت مركزية هذه الحال وحيثياتها، في المصغرة الأولى ــ «واكتبني» ــ التي أشار هامشها إلى أن فكرتها الروائية «عن كاتبٍ أُصيب في حادث سيّارة، ولم يعد قادرًا على الكتابة، وهو مشوش بشخصيات كثيرة، في رأسه لم يستطع كتابتها…؛ لذا طلب من كاتب آخر مهمة كتابتها لينزاح ثقلها من عليه. الكاتب الآخر اختار الكاتب الأول لشخصية الراوي». ومن خلال هذا النص وهامشه، تظهر نواة العمل، التي منها تشكلت هذه السردية الجديدة، بما هي عليه من معالمَ بنية سردية روائية، ولا سيما شخصية العمل التي يتوارى صاحبها خلف التجارب السردية التي يرغب في كتابتها، وكلّف كاتبًا آخر بإنجازها، بعد أن حالت عوائقُ دون اضطلاعه هو بتدوينها.
النسيان والتدوين
تتجلّى ثيمة «النسيان» والرغبة في النجاة منه نسقًا مهمًّا في استدعاء آلية الكتابة الجديدة في هذا العمل؛ إذ تَضَمَّنَها عددٌ من المصغّرات فيه. كما تَضَمَّنَ عددٌ من سياقاته فعْلَ (الكتابة)، الذي يمثّل ملاذًا محوريًّا للنجاة من النسيان. وقد ورد هذا الفعل بصيغٍ مختلفة؛ منها «ستكتب نفسك»، ولا مبالاة البحر في إمكانية أن يقوم هو بكتابة الإنسان، بعد أن فقد الإنسان إمكانية كتابته للبحر. بما في ذلك، محورية الحضور، التي تجلّى من خلالها فعلُ الكتابة في المصغرة «واكتبني»، وصياغاته المتكررة فيها.
ويتخذ فعل الكتابة مساراتٍ مختلفة في مواجهته للنسيان؛ إذ قد يأتي تدوينًا للمذكرات، كما في «اعترافات منسية» و«رواية بلا بداية ولا نهاية». وقد يأتي تدوينًا روائيًّا، كما في المخططات الروائية وأفكارها في المصغرات: «جفول»، و«رواية دمنهور». و«رحلة السواد ثلاثية شهرزاد».
خصائص فنية وموضوعية
من أهم الخصائص الفنية والموضوعية، التي قام عليها هذا العمل، تقسيم المشروعات الروائية فيه على أجزاء، كأن تكون جزأين، في مثل المصغرات: «عبارات معكوسة». و«سبتمبر مرة أخرى»، و«رواية الدال». أو ثلاثة أجزاء، في: «رواية الفتى الغبي قيس»، و«خفوت». ويغلب على هذه الأجزاء أن تكون هادفةً إلى تسريدِ موضوعاتٍ متعلقةٍ بمراحل الحياة وتحوُّلاتِها، ولا سيما محطات الانتقال بين المراحل العمرية: ميلاد، طفولة، شباب، رجولة، شيخوخة. أو تسريد مراحل الانتقال بين القرية والمدنية: الإقامة في القرية، الرحيل منها، الإقامة في المدينة.
ويتفاوت «المتن» و«الهامش»، في مضامينهما؛ من حيث الحجم؛ فالأغلب أن يأتي المتن أطول من الهامش. وبنسبةٍ محدودةٍ، قد يأتي الهامش أطول من المتن، الذي لا يزيد عن فقرة واحدة، في مثل مصغرة «العائد».
كما يتفاوت الهامش من مُصَغّرةٍ إلى أخرى، فمنها ما يستوفي إضاءته لفكرة الرواية، وحجمها. ومنها ما لا يستوفي ذلك، من مثل الهوامش، التي لا إشارةَ فيها إلى حجم الرواية، كما في المُصغّرات: «إشارات الموت السبع». و«العقاب والجريمة». و«رتم الانبثاق». و«كأس شاي أحمر».
وتتنوع شخصيات المُصغّرات وفضاؤها المكاني، بين المحلي والخارجي، الذي منه: شخصية المارشال الإنجليزي (جورج إليوت)، في مُصَغّرة «احترام كافٍ لرجل فقد نصف ذاكرته». والفنان الهندي في «وخز». وشخصيات الفرنسيين الثلاثة الباحثين عن كنز أجدادهم في «دمنهور». والجندي الألماني وجدار برلين في «رواية القبو».
وتتجلّى المكانة الخاصة، التي يحظى بها حرف «الراء» في تجربة الكاتب السردية، من خلال حضوره في صياغة عنوان مُصغّرة «رواية راء». ومثلها صياغة الجملة السردية: «اكتبْ إحداهُنّ في راء الريبة»، التي وردت في المُصَغّرة الأولى «واكتبني». وفي هاتين الصياغتين، تتجسّد هذه السمة الأسلوبية امتدادًا إلى حضورها في صياغة عنوان ثلاثية الكاتب القصصية «ثلاثية راء»: (رنين المطر، رجل القش، راء البحر)، الصادرة عن مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2001م.
لقد استثمر الكاتبُ إشكالية الزمن المعاصر، المزدحم بما لا يتسع له من تفاصيل؛ فمن خلال توظيف هذه المعضلة، استوعبَ هذا الشكلُ السرديُّ الجديد قلقَ الكُتّابِ من ضياع أفكارهم الروائية. كما اجترح للقارئ فضاءه السرديّ الخاص، الذي يمكنه من خلاله استكمال العمل الروائي؛ وفقًا لموقفه منه ورؤيته فيه، وبنيته الفكرية والثقافية، وتفضيلاته الجمالية.