«بصورة مفاجئة» لمنتصر القفاش الحياة في مرآة ألعاب المحاكاة والتجلي والخفاء

«بصورة مفاجئة» لمنتصر القفاش

الحياة في مرآة ألعاب المحاكاة والتجلي والخفاء

أمام المجموعة القصصية الجديدة للكاتب منتصر القفاش وعنوانها «بصورة مفاجئة» (دار الكتب خان بالقاهرة) يجد المتلقي نفسه بصدد تجربة مغايرة في السرد القصصي، تجربة تتسم بالعمق والطابع الإنساني، وتقدم خطابًا سرديًّا يمثل في ذاته قراءة جديدة للحياة في ضوء عدد من الألعاب الجمالية، مثل المحاكاة وثنائية التجلي والخفاء للمعاني والقيم والأشياء. والمجموعة وإن كانت تمضي في المسار ذاته من الجدية والمغايرة والعمق السردي، الذي يتسم به مشروع منتصر القفاش، إلا أنها تمثل نقلة في الابتكار والتقنيات السردية، التي تبلغ ذروة العفوية مع العمق والبراعة والثراء الجمالي والدلالي في الوقت نفسه.

إن أهم ما يميز هذه المجموعة القصصية هو تماسك نصوصها وارتباطها برباط خفي يجعل منها كتابًا قصصيًّا متناغمًا في إحساسه وتوجهه والحالة الشعورية العامة، التي تنتظم هذه التجارب الحياتية وتلك العوالم القصصية؛ إذ تمتد بعض الخيوط التي تربط هذه القصص وما فيها من النماذج والشخصيات، وتشمل الأفكار والإحساس والمعاني وكذلك بعض التقنيات أو الإستراتيجيات السردية مثل الدمج بين الحقيقي الماثل في الحواس والإدراك بصورة مادية، مع ما هو متخيل أو يُتوهم وجوده، وكذلك ألعاب المحاكاة والتجلي والخفاء أو الظهور والامِّحاء والطمس لأشياء هذا العالم وحدوده الفاصلة وبعض تفاصيله.

في عدد من هذه القصص يمثل الخفاء والغياب لبعض التفاصيل والأشياء والعناصر نسقًا عامًّا يربط هذه العوالم، ويكشف هذا النسق أن الحياة لها أبعاد متعددة حتى في صورتها المعيشة بعيدًا من نظريات الفيزياء المتقدمة المحكومة بأبعاد الوجود الأربعة من الطول والعرض والارتفاع والزمن، فالواقع أن الوجود يتحدد بحسب الأبعاد التي ندركها منه، وأن أفكارنا حوله إنما تتأسس على هذه الأبعاد الإدراكية وما نستوعبه من هذا العالم، وأن هذا الإدراك له حدود تختلف من شخصية أو من ذات إلى أخرى. وهكذا فإن تجلي الأشياء وظهورها وبالتالي تأثيرها وحضور معناها، إنما يتأسس كله على إدراكنا لها؛ لتكون الأحلام كاشفة عن بعد إضافي يجعل الوجود متمددًا ويصبح عبرها هو الآخر مشتملًا على بعد إضافي له معناه وله جمالياته وله تشابكاته مع الواقع أو مع عالم العلم والحس والمادة الملموسة. وكذلك الذاكرة لها دورها في إظهار أبعاد إضافية، عبر أدوارها ووظائفها وتأرجحها بين التذكر والنسيان. ويكتسب الوجود في هذه القصص بعدًا إضافيًّا يخص العمق الزمني، وبدلًا من أن يكون الوجود مسطحًا، يمضي في لحظته الراهنة فقط، يكتسب هذا العمق الذي يجعل الحياة تتجلى بقدر من التركيب والغموض.

وهكذا نجد أن الشخصيات التي تعيش أحلامًا ورؤى منامية هي أصحاب عوالم متعددة أو عوالم متعددة الأبعاد، يتشابك فيها الحقيقي مع الخيالي وما يُدرَك فعليًّا بالحواس، مع ما يحمل العقل في أعماقه من انفعالات ومشاعر وذكريات ومخاوف وغيرها، ما يشكل مسار الأحلام أو ينتجها. والأمر نفسه للأطفال الذين تصبح لهم عوالهم الخاصة التي لا يراها غيرهم، وهي في الغالب تعتمد على ألعاب محاكاة حياة الكبار والرغبة في القفز للأمام في الزمن بفجوات كبيرة لسد احتياجات التطلع والنضوج السريع، على نحو ما نرى في ألعاب الأطفال في الحرب والزواج واشتباكاتهما، وغيرها من تفاصيل حياة الناضجين التي لا يجد الأطفال لها سبيلًا غير اللعب والمحاكاة، وهي على الرغم من بساطتها الشديدة فإنها دالة على نزوع الشخصيات وتطلّعها إلى التحرك السريع في الزمن إلى الأمام، فتعكس قدر ما لدى الأطفال من القلق والتوتر النفسي والتكوين الداخلي النفسي الحافل بالغموض والغرابة.

لعبة الخفاء والغياب

وهكذا فإن هذا الخطاب السردي الحافل بالجمال يصبح مقاربة عميقة للإنسان وقراءة دقيقة لما بداخله، ويمثل تفتيشًا ناعمًا بداخل أنماطه ونماذجه الإنسانية بمختلف الأجيال والعلاقات الإنسانية، بين الرجال والنساء وبخاصة في دائرة الأسرة؛ الأب والأم والإخوة والجد والجدة والأعمام وهكذا، فيما يمثل تحركًا في مساحة ضيقة داخل الأسرة لكنها تبقى حافلة وثرية بالمعاني والقيم والأحداث المشحونة بالرموز والأشياء. وتبدو تفاصيل هذا العالم موظفة توظيفًا مثاليًّا سواء على المستوى الجمالي أو الدلالي. وأبرز الأدوار والتوظيفات الجمالية تكمن في صناعة الغموض وتحويل الحدث اليومي الذي يبدو عاديًّا وعابرًا إلى لغز مشوق أو حدث غامض يستدعي المطاردة والتتبع. على نحو ما نجد تحديدًا مع سلوكيات الأب مع أوراقه ورسائله، كما في هذا المقتبس: «اعتاد أبي أن يضع في لسان العرب الرسائل التي يعثر عليها في صناديق أو حقائب مركونة منذ سنوات، وأحيانًا كان يقرأ لي مقاطع منها كتبها أصدقاؤه الذين رحلوا عن دنيانا أو لم يلتقِ بهم منذ سنوات. ويضحك وهو يريني جملًا عكس كاتبها ترتيب حروفها. ويشتد ضحكه حينما أنجح في قراءتها. كنت أراها جملًا عادية لا تستحق أن تكون مشفرة كما اعتاد أن يصفها». المجموعة ص35.

منتصر القفاش

هذا المقطع دالّ على ذلك النسق الممتد من خفاء الأشياء في حياتنا وتجليها عبر الإدراك والتركيز، وهذه مسألة نسبية ترتبط بوعي الشخصية. فلدينا هنا لسان العرب الذي هو رمز عام للغة، ومفرداتها المنسية وإشاراتها وأساليبها وتاريخها وأشياء كثيرة دالة على علاقة الإنسان باللغة والخفي من اللغة تحديدًا، وبخاصة حين أشار الراوي إلى نمط قراءة الأب فيه بطريقتين؛ إما أن يبحث عن معنى كلمة محددة، أو يفتحه بشكل عشوائي ويقرأ الجزء الذي يقع أمامه، ثم داخل لسان العرب هناك الرسائل، والرسائل في صندوق مغلق، والصندوق وضع فوقه كم آخر من الكتب لتخفيه بحسب جزء آخر في القصة. وهناك فوق كل هذا من أساليب الإخفاء ولع الأصدقاء واعتيادهم تشفيرَ رسائلهم وكتابتها بطريقة غامضة، رغم كونها رسائل عادية. ويصبح ذلك نمطًا معتادًا إما لسلوك حقيقي ورغبة فعلية في الإخفاء والتكتم على بعض الأسرار، وإما لكونها مجرد عادات يومية أو ألعاب متكررة. وهكذا يكون لدينا أنماط عديدة من الإخفاء وصناعة الغموض والتشويق عبر هذه الحيل البسيطة.

فجوات إدراكية

في كل قصة من قصص المجموعة ثمة حكاية منتقلة عبر الذاكرة من جيل إلى آخر، الآباء يحكون لأبنائهم، والأبناء أحيانًا يحكون لآبائهم بعض مشاغباتهم وأسرار ألعابهم، ولكن دائمًا في كل حكاية ثمة فجوات إدراكية، فجوات في التصور، قد تكون ناتجة عن حالات من التوهم، وربما تكون ناتجة عن نظام الذاكرة ونمط عملها في الاسترجاع، وقد تكون ناتجة عن رغبة دفينة في امتلاك أسرار أو تخيل أشياء معزولة عن الواقع؛ لتملك الشخصية عبرها التميز أو التفرد عن جمود هذا الواقع.

من جماليات هذه المجموعة القصصية المتفردة أنها صنعت محاكاة دقيقة لما في أعماق الحياة من اختلاف وتفاوت في التصور والوعي والإدراك، وتباين في الأبعاد الواقعة في ذهن الشخصيات ومشاعرها، وهذه المحاكاة الدقيقة لما في الأعماق عكست هذه الفجوات الإدراكية المهمة على المستويين؛ الجمالي والدلالي. والحقيقة أن فجوات الإدراك هذه تحتاج لدراسة خاصة ومعمقة؛ لأنها دلت على منابع عديدة، وكانت لها تجليات كثيرة، ولم تكن محصورة في نمط واحد.

ويبلغ الخطاب القصصي حدًّا بعيدًا من البراعة في توظيف الألعاب السردية والإستراتيجيات الحكائية المختلفة عن السائد، بما يجعلها تنتج الشعرية السردية والتشويق والغموض والإحكام والثراء الدرامي بين الشخصيات في علاقاتهم؛ لنكون أمام عوالم قصصية مشحونة بالتوتر والقلق والطابع الحركي، وبخاصة في قصص معينة كانت على قدر كبير من الثراء الحركي، على نحو ما نرى في قصة الملاكم ومطاردة ألبوم الصور القديمة للبطل المتوفى منذ أربعين عامًا، وتوازي حركة البحث عن الصور مع حركة ارتداد الذاكرة لاستعادة تفاصيل حياة هذا البطل من منظور الجد/ابن عمه الذي كان مغرمًا بشخصيته ومشبعًا بالحزن عليه لموته في شبابه، واستمرار زيارته له في الأحلام وتلقينه بعض التدريبات.

وقريب من هذا التشويق والطابع الحركي والدرامي ما نجد في قصة وقائع العثور على اليوميات، حيث تتنوع أنماط البحث عن الشيء المفقود أو تتبع اللغز والأسرار ومواطن الغموض بين المادي والمعنوي، بين بحث عن شيء مفقود مثل لعبة أو صورة أو تمثال أو حصان خشبي أو مفتاح لصندوق غامض، وبحث في الذاكرة أو محاولات لاستكشاف معنى أو فكرة مجردة، أو مطاردة أغنية جميلة أو قطعة موسيقية أو حكاية قديمة.

غنائيات المنفى.. خارج الموطن واللغة والذاكرة – قصائد مختارات

غنائيات المنفى.. خارج الموطن واللغة والذاكرة – قصائد مختارات

في خطاب تنصيبها أول امرأة تتولى منصب رئاسة دولة أيرلندا، في ديسمبر 1990م، خلصت ماري روبنسون إلى القول: «إنني بصفتي امرأة، أتمنى أن تُعاد كتابة التاريخ لتُذكر أسماء كل النساء اللاتي شعرن بأنفسهن «خارج التاريخ»، على حد تعبير إيفان بولاند، ليجدن صوتهن حيثما كانت رؤيتهن». وعقّبت صحيفة آيريش تايمز على ذلك قائلةً: «لقد كان مناسبًا تمامًا أن تُذكر الشاعرة باسمها في تلك اللحظة الحماسية بالنسبة للنساء الأيرلنديات. فالقليل من الكتّاب بذلوا جهدًا يُذكر لتضمين التجربة الأنثوية في النتاج الشعري الأيرلندي الحديث». وفي واقع الحال فإن تعبير «خارج التاريخ» هو أيضًا عنوان ديوان إيفان بولاند السادس الذي صدر في عام 1990م.

عُرفت بولاند كأحد أبرز الأصوات في الأدب الأيرلندي المعاصر. فقد كانت شاعرةً وناقدةً وأستاذةً أكاديميةً يُشار لها بالبنان لمساهماتها العميقة في الحياة الأدبية والثقافية في بلد ذي طبيعة خلابة وتقاليد شعرية وثقافية عريقة، ولكنه مرّ بكثير من المحن السياسية والإنسانية على مدى تاريخه حتى عهد قريب.

ولدت الشاعرة عام 1944م بمدينة دبلن، وانتقلت صحبة عائلتها إلى لندن وهي لمّا تبلغ السادسة من عمرها لتبدأ الدراسة الابتدائية باللغة الإنجليزية التي وصفتها بلغة غريبة و«حوشية النطق»، ولتتعرف مباشرةً على النظرة المعادية لكل ما هو أيرلندي في المجال العام ببريطانيا. أكملت دراستها الجامعية بتفوق في مجال الأدب الإنجليزي، ومن ثم درّسته في عدد من الجامعات في أيرلندا وبريطانيا. ومنذ بداية التسعينيات من القرن الماضي انخرطت في تدريس الكتابة الإبداعية في جامعتي آيوا وستانفورد الأميركيتين حيث قضت وقتها مهاجرةً، عابرةً في ترحال دائم، بين مكان عملها ومسقط رأسها حتى وفاتها عام 2020م.

احتفاء بالمهمش في المرويات التاريخية

اشتهرت قصائد بولاند باحتفائها بما هو عادي في الحياة اليومية، وما هو مهمش ومسكوت عنه في المرويّات التاريخية، وبتناولها التحليلي الناقد للأساطير الملحمية والمحكيّات الرومنطيقية الفُلكلورية التي تلقي بظلالها على الوعي الجمعي في بلدها. حيث غالبًا ما تضع قراءها في خضم الخيارات الصعبة التي تواجهها الشاعرة في تناولها لسرديات بلد وثقافة خرجا مقطعي الأوصال، وفي حال من التشنج السياسي والجمود الفكري والاجتماعي، بعد معاناة احتلال أجنبي (بريطاني) استمرت قرونًا عدة، تخللتها مواجهات عنيفة، وحملات تهجير واسعة، وكوارث إنسانية، ومجاعات مروِّعة. وهي معاناة لم تنته تمامًا مع استقلال أيرلندا عام 1921م، حيث ظلت موجات العنف في صعود ونزول لمعظم ما تبقى من القرن العشرين في الإقليم الشمالي؛ «أيرلندا الشمالية» التي ظلت تحت التاج البريطاني.

فالموطن الأيرلندي، اليوم، يظل سليب أجيال من قاطنيه التاريخيين الذي هُجّروا قسرًا على مدى قرون متتابعة إلى أصقاع متناثرة من بريطانيا ومستعمراتها وفي أنحاء مختلفة من العالم الجديد. والثقافة الأيرلندية بدورها سليبة لغتها القومية (الغايلية) التي تقلّص استخدامها قسرًا وبصورة لا رجعة فيها، على مدى حقب زمنية متتالية تمتد حتى عهد قريب، لصالح لغة المستعمِر، الإنجليزية.

ولعله يصعب أحيانًا على المتلقي للأدب الإنجليزي تمييز الفارق بين ما هو «بريطاني» وما هو «أيرلندي». وهو فارق يمثل قلقًا وأزمة هوية كبرى بالنسبة لكتّاب أيرلنديين لهم بصمات رئيسة وفارقة في الأدب المكتوب بالإنجليزية، مثل: ويليام بتلر يتس، وأوسكار وايلد، وجورج برنارد شو، وجيمس جويس، وصمويل بيكيت، وشيموس هيني، وغيرهم.

فها هو جيمس جويس على لسان بطله في رواية «صورة الفنان في شبابه»، 1914م، يقول: «اللغة التي أتحدث بها هي لغته قبل أن تكون لغتي. كم هي مختلفة الكلمات على شفتيه وعلى شفتي! لغته، المألوفة للغاية والدخيلة للغاية، ستظل دائمًا بالنسبة لي لغة الكلام المكتسب. لم أصنع كلماته ولا أتقبلها. فصوتي يبقيها بعيدًا. وروحي حانقة في ظل لغته».

وعلى الوتيرة نفسها وبعد عقود عديدة، تأتي بولاند في ديوانها «الأرض المفقودة»، 1988م، تصف حالها، وهي التي انتقلت من مسقط رأسها دبلن إلى لندن صحبة عائلتها وهي لمّا تزل في سنوات الطفولة: «تلك هي اللغة/ حزن صالح للسكنى/ لحن في القول/ لما عهدنا وتعودنا/ من تعاف للجِراح، كجرحِ الفقد إيّاه/ إذ يوجع بما يكفي ليظل أثرُه ندبةً/ ويشفى بما يكفي ليصبح وطنًا».

القومية الأيرلندية

ويرى الكاتب الصحفي جيرارد سميث أن استكشافها للهوية أمر محوري في شعرها. فكثيرًا ما تناولت موضوعة القومية الأيرلندية وتعقيداتها. فقد كان لديها أيضًا ارتباط دائم بمدينة دبلن، المكان الذي أطلقت عليه اسم «مدينة الظلال». وكان عملها تأملًا مستمرًّا في أيرلندا وعلاقتها بها، وحوارًا مع الماضي ساعيةً على الدوام إلى تضمين من كانوا «خارج التاريخ».

وهذا الوعي «الشقي»، المثلث؛ وعي المنفى المؤبد: خارج الموطن، وخارج اللغة الأم، وخارج ذاكرة العدل الاجتماعي والجندري سيلقي بظلاله بصور متفاوتة على مجمل نتاجها الشعري.

فقد مضت في قصائدها إلى استكشاف الموضوعات المنزلية، وتجارب النساء في أدوارهن الحياتية المختلفة. وغالبًا ما تتعمق في توصيف هذه الأدوار في عزلتها وجمالها. وفي كل الأحوال، فشعرها يجمع بين نغمتها الغنائية العالية ومقارباتها التي تسائل البنى الفكرية التقليدية حول الأنوثة، وتقدم في الوقت ذاته رؤى جديدة حول الإرث الاجتماعي الأيرلندي.

وألمحت الشاعرة والناقدة روث باديل إلى «التزام بولاند بالشعرية الغنائية» حتى عندما تكون شخوصها «نسيج الحياة المنزلية، والأسطورة، والحب، والتاريخ، والمشاهد الطبيعية والريفية». وفي قصائد مثل: «كيف صنعنا فنًّا محدثًا على أرض قديمة»، و«الحال أن علم رسم الخرائط محدود»، تنطلق بولاند من لحظة تفاعل مع الطبيعة لتبني، بلغة أنيقة وتأملية، وصياغات مجازية مبتكرة، عالمًا تستدعي فيه التاريخ والحاضر والأساطير، لكنه يظل في نهاية المطاف عالمًا شخصيًّا مكثفًا. وهي وصفة أتقنتها بولاند في عملها منذ وقت مبكر.

وغالبًا ما يستكشف شعرها التحديات التي تواجهها لكونها أمًّا وزوجةً ومبدعةً في مجتمع أبوي. ورغم رهافة صورها الشعرية، وحميميتها في البوح، فإن عملها يتحدى الشعر الأيرلندي التقليدي من خلال إعطائها صوتًا لتجارب النساء، اللاتي غالبًا ما هُمِّشت أدوارهن في السرديات القومية المتوارثة. ومجموعتها الشعرية «امرأة بلا وطن»، 2014م، تأخذ عنوانها من عبارة الروائية البريطانية فيرجينيا وولف: «في الواقع، كامرأة، ليس لدي وطن». وقد أجادت إيفان بولاند في توصيف حالها شاعرةً من القرن العشرين تشق طريقها في ثقافة عريقة وثرية، ولكنها في الوقت ذاته «ثقافة تفتقر إلى صورة ذهنية واحدة تجمع، بصورة متصالحة، بين كلمتي: امرأة وشاعرة». ولعل هذا التوصيف يذكرنا بالجدالات الكبرى التي خاضتها في مطلع القرن العشرين فيرجينيا وولف ضد قيم العصر الفيكتوري التي شككت في موهبة الإبداع الأدبي والفكري لدى النساء على مدى التاريخ.

 

تعقيدات حياة المرأة

وكما أنجزت فيرجينيا وولف خطبتها العصماء في مقالتها المطولة «غرفة تخص المرأة وحدها» عام 1929م، لتقول: إن التمكين الاقتصادي والاجتماعي هو الشرط الحياتي اللازم لممارسة الفنون الذهنية والإبداع فيها، فقد أظهرت مجموعات بولاند الشعرية، مثل «رضاعة الليل»، عام 1982م، و«شعر ضد الحب»، عام 2001م، بلغة شفيفة وبلاغة قريبة من الروح، التزامها بتصوير تعقيدات حياة المرأة، والمكانة الكبيرة لقصص المرأة في التقاليد الأدبية، وقدرتها على نسج الروايات الشخصية ضمن السرديات الاجتماعية الأوسع.

لقد تركت مساهمات بولاند تأثيرًا دائمًا في عالم الأدب الأيرلندي. فقد قلب شعرها التصورات التقليدية للأنوثة. وفي ديوانها الخامس، «في صورتها الخاصة» (1980م)، تناولت موضوعات مثل العنف المنزلي، وفقدان الشهية العصابي، ووأد الرضّع، ومعاناة مرض السرطان، متحديةً التصوير التبسيطي للمرأة في الأدب والمجتمع الأيرلندي.

حصلت بولاند على العديد من الجوائز الأدبية، بما في ذلك جائزة مؤسسة لانان في الشعر وجائزة الصندوق الأدبي الأميركي الأيرلندي. وامتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من كتاباتها، حيث كانت أيضًا متخصصة في تحرير المختارات الشعرية، وأستاذة أكاديمية بجامعة ستانفورد ساهمت في دعم وتطوير طرق تدريس الكتابة الإبداعية، وشاركت شغفها بالشعر وقدرته على تشكيل الثقافة ومنحها رؤى مختلفة. وتخلص جريدة آيريش تايمز في مقالة تأبينية لها، عام 2020م، إلى أن «إرث بولاند يستمر في إلهام القراء والكتاب على حد سواء، حيث يظل شعرها شهادة على التأثير الدائم لصوت الشاعرة في تشكيل تاريخ الأمة».


مختارات

كيف صنعنا فنًّا مُحدثًا على أرض قديمة

معركة مدوِّيَة جرت في الوادي.

وأنت لم تفهم قصيدة الطبيعة تمامًا.

حتى الآن. حتى هذه اللحظة – وإذا بدت هذه العبارات

متناثرةً، وغير ذات صلة، فاتبع هذا

الصمت إلى حافته، ولسوف تسمع

تاريخ الهواء: هشاشة ورقة السرخس

أو التحليق التصاعدي وبراعة الالتفاف

لسُمَّنة أو شحرور مرسومَين عليها.

التاريخ الآخر صامت: مصب النهر

هناك. في حين قد حُسم الأمر هنا:

ملكان ليس بينهما من يرغب في التخلي.

أحدهما يسود والآخر عهده مندثر.

والآن ساعة الغسق الندي، والجراح القديمة

تنتظر اللغة، تنتظر حقيقةً مختلفةً:

عندما تنظر إلى حرير الصفصاف

والحافة الأوسع للنهر وهي تتحول

وتغدو عاتمةً ثم أعتم، وبعدها

ستدرك أن قصيدة الطبيعة

ليست هي المعركة ولا نهايتها: بل إنها

هذا الصدأ على البوابة المجاورة للشجر، وعلى

الجسور الحديدية للماشية تحت أقدامنا،

وعلى عمود عجلة القيادة: إنها

من نتائج الحرب، غطاء زينة ربما، بل حتى

بطريقتها المتواضعة، فنّ من فنون السلام:

أجرب قول «مسافة» فتترع الكلمة

بأشجار الجميز، وحبوب طلع تكفي لصيف بأكمله

وحين أكتب كلمة «وادي»، يمَّحي القش، والمعدن

والدم، والقسم العسكري، والدروع.

الصمت ينتشر ببطء من هذه الكلمات

صوب أشجار بلوط نصفها داخل، والآخر خارج،

الظلال المتساقطة على المخاضة الضحلة للنهر

في الضفة الجنوبية، بجانب «الجزيرة الصفراء»

في حين يُظهِر الشفق كيف يبدأ هذا التآكل الحلو

في الاكتمال: فما نراه أمامنا

هو ما تقوله القصيدة:

حلول المساء -الماشية، وظلال الماشية –

وشجيرات الجولق، وتبدُّل في النوء

على وشك أن يحوِّلها جميعًا: ما نراه هو كيف

أن هذا المكان وحزنه

قد تحررا من بعضهما الآخر، هذه اللحظة.

من لوحة «العودة من السوق» لـ«شاردان»

ملابسها بألوان يوم ريفي-

أزرق-رماديّ، رماديّ-مزرقّ، وأبيض مثل ريش النوارس-

تلك هي فلاحة شاردان

نلفيها دائمًا مستغرقةً في حلم يقظة عابر

نظراتها حائرة

بين خيالات الحب ومشتريات السوق،

عند قدميها أباريق نبيذ فارغة، وربطة الخبز تحت ذراعها.

جسدها ثبَّته شاردان بالألوان، وقلبها بالخطوط.

في يمينها جراب، تظهر منه رجلان خلفيتان لأرنب،

ومن خلال الباب، ثمة امرأة أخرى نلمحها

في ضوء النهار المصَّور.

لا شيء في هذه الحجرة العارية فُقد أو تبدَّل.

وها أنا أتفكَّر فيما لا يقوله الفن الخالد:

المخاطر والهلاك، ما مضى وما سيأتي،

التاريخ الخفي لهذه المرأة وقصص عشقها –

وحتى سوق الصباح، وقد عادت للتوِّ منها

ومن مساوماتها، حيث يتجمَّع الناس

ويتنقَّلون بين السلع، يتعلَّمون سبل العيش من يوم

لآخر، يسيِّرهم سبب مشترك للبقاء،

وإن ظهروا في الضوء المنهمر آحادًا متفرِّدين،

مثل الطيور على ثلج يتراكم.

أيا نبع باندوسيوم

على خطى الشاعر الروماني هوراس 3: XIII

وأنت مُتَجَلٍّ كالبلُّور، وزهي كالزجاج،

تتقافز مياهك فيما نقدم

حاملين إلى مزارك الغابي

نذورًا أبخس مما أنت أهل له:

أعناب وأزاهير – يا باندوسيوم-

وأكاليل الزعفران، ونبيذ معتَّق.

وغدًا، سنجلب أضحيتنا:

جَدي منازع، مقرَّح الصدغين

بقرون نبتت قبل أوانها.

غدًا، سيذهب هدرًا

ثغاؤه الفتيُّ، حين يلطِّخ

دمه الخاثر جليدك المتلألئ، ويصهره.

يا نجمة الشِّعرى اليمانية، يا شعلة الجفاف،

نار الصيف تخرج من إسار نعمتك

عذراء غير منتهكة في الغابات

حيث تنطلقين كل يوم، تؤازرين

الثور العتيَّ، وفي أثره،

ينطلق القطيع مفارقًا صون الراعي.

أمام كل ينبوع،

وكل عين تتدفق بالأسطورة،

سأخلِّدك في مديح وفيض سرمدي:

بهذه المياه التي تنزل خطَّالةً على الأرض، أحتفي.

بهذه الصخور النديَّة التي تطوقك، أحتفي.

وبهذا البلُّوط الأخضر، أحتفي.

خارج التاريخ

قصية وحوشية أبدًا، تلك النجوم

إيماءات حديدية لشتاء أيرلندي،

قد انبعث ضياؤها

لآلاف السنين قبل انبعاث ألمنا.

كانت، ولمَّا تزل خارج تاريخنا، بمعزل عنا.

وها هنا:

مشهد تعلمتَ فيه

أنك فانٍ كباقي البشر،

ووقت بين يديك لتتخيَّر بينها.

وقد اخترتُ:

من أسطورة في التاريخ قدِمتُ

لأكون طرفًا في فتنة عتمتُها

تأتيني الآن فقط من الحقول،

من الأنهار، من طرق حاشدة،

كما السماوات، بالموتى.

بطيئًا يموتون

فيما نركع بجانبهم نهمس في آذانهم

لكننا نأتي بعد الفوات. بعد الفوات دائمًا.

رسم امرأة على ورقة شجر

لقية لدى بائع الهدايا والتحف.

ناصعة كضوء الشتاء،

امرأة رُسمت على ورقة شجر.

خطوط رفيعة على سطح معروق

بإطار يدويِّ الصنع.

ليس وجهي. ولستُ من رسمها.

ورقة تسقط في حديقة.

القمر يؤسي اعتلال نسغها.

جوهر الصيف يباس على ضوء النجوم.

ثمة امرأة منقوشة هناك.

ليس موتًا.

وإنما توقف مروِّع للحياة.

أبتغي قصيدةً

بوسعي الشيخوخة فيها؛ قصيدةً بوسعي الموت فيها.

أبتغي أن آخذ

هذا الوجه المتخشب،

كما لو آخذ عصفورًا من خلف القضبان،

وأعيده إلى جوهر الهواء،

جوهر الفوات-

لعل ذلك الخريف

الذي كان ذات مرة

نظرةً فاحصةً لنجمة،

وتجهمًا على وجه بستاني،

وتدرجًا برونزيًّا للمسافة،

لعل ذلك الخريف يغدو،

من الآن فصاعدًا،

صوفانًا هشًّا تحت القدمين، عظام الخد، العينين

وفمًا يصرخ؛ أنْ دعني.

دعني أموت.

حزن صالح للسكنى

في الماضي

كنت طفلةً في بلد أجنبي:

أيرلندية في إنجلترا.

هناك تعلمتُ

لغةً ثانيةً

أفدت منها علمًا-

لغة مشتركة لأرض مفقودة-

لغة هجينة فيها

ما لم يكن قبْلًا.

أفق لا متناهٍ. قصيّ أبدًا

وممتنع. شغف نقيض

صوب الكمال.

تلك هي اللغة:

حزن صالح للسكنى. لحن في القول

لما عهدنا وتعودنا

من تعاف للجِراح، كجرحِ الفقد إيَّاه،

إذ يوجع

بما يكفي ليظل أثرُه ندبةً

ويشفى بما يكفي ليصبح وطنًا.

أطلانطس — سوناتة ضائعة

كثيرًا ما تساءلتُ كيف قُدِّر بحق السماء

لمدينة بأكملها -بأقواسها، وأعمدتها، وأروقتها،

ناهيك عن مركباتها ودوابِّها وكل شيء فيها-

أن ترسب، ذات يوم بعيد، في الأعماق؟

أقصد، قلت في قرارة نفسي، العالم صغير حينذاك.

لا بد أن مدينةً عظيمةً مثلها تُفتقد؟

وها أنا أفتقد مدينتنا القديمة –

الفلفل الأبيض، الحلوى البيضاء، وأنا وأنت نلتقي

في ضوء كوَّة. وسماوات خفيضة نعود إلى البيت تحتها.

لعل ما حدث بالفعل هو هذا:

بحث الحكاؤون الأولون، بلا جدوى، عن مفردة

دلالتها: أن ما مضى قد مضى وإلى الأبد

لكن خذلتهم اللغة وقتذاك ولم تسعفهم قط.

وهكذا، ووفقًا لأفضل الأعراف

من حيث تحدُّرنا، أطلقوا على حزنهم اسمًا

ومن ثم أغرقوه.

الشعراء

مثلهم مثل الكائنات كلِّها، وقد خُلقوا

من أجل الرفش والديدان،

ابتحثوا في عقولهم الفانية فوجدوا

الأنماط والأشكال

وبأيديهم العارية استخرجوا من الكلمات الصلدة

صورةً استأمنوها السر.

وفي الغربة: تحوِّم أرواحهم مثل كبرياء الأسود

يستميتون، مثل السباع المزدانة بالجواهر،

في كوكبة الأسد،

يرتعون بين الجوزاء والمريخ،

يرحلون للصيد، دونما راحة، بين الأجرام الشاخصة،

ويظفرون: فالشمس الصميمة لا تخطو

صوب غيابها كل يوم،

إلا لتستضيف قمرًا ساكنًا،

وتظل حتى انبلاج الصبح،

الربَّة الغائبة للظلام.

فراشات الليل

ليلة هواؤها برائحة عشب مقطوع.

ثمر التفاح على الأغصان يهترئ. والصيف بلا ريب

مكان مفقود بين ما نأمل وما نتذكر.

لهو صيف من العث.

لحظة حقيقتها بصحبة الظلام تأتي.

تكشف عن نفسها عند النوافذ

والعتبات. رميات مصوَّبة. ومضات واهنة.

قد طالعتُ كتبًا ملأى بالأساطير عنها:

عث برشاقة الأشباح في جموع راقصة ساعة الغلس.

أسرابها المتوادَّة. وكيف ينقاد بعضها عاليًا

نحو القمر.

النوافذ الخلفية مشرعة.

وليلة النصف من يوليو تضيء ما حولنا.

أقف بجانب السياج.

مرةً أخرى، ها هي قرب إبريز النافذة –

ترفرف خلف شجيرات الخزامى، بارتفاع ذراع من الأرض،

غرسات شاغلها حزنها فلا تنذر فراشات الليل

من سقوط مباغت

وأن الضوء حين يجتذبها،

فإنما صوب احتراقها المدوِّي فجاءةً حوله.

سوف تفنى-

وأفنى- على الحافة، لحظة يكون الضوء الخاطف

عين ما تفزع منه الطبيعة وتصبو إليه:

تلك صورة بارعة وطبق الأصل.

ومصباح المطبخ إذ يستدعيها

يُسقِط على الأرض ظلًّا لطفلتي يحجب ظلي.

صورة داخلية لبيت أيرلندي

تجلس عاكفةً على غزلها. امرأة واجمة.

إلى الخلف منها رجل واقف عند الباب.

هناك دائمًا: خلفية، وواجهة

هذا كلُّ ما نعرفه. لم يختارا أن يكونا هنا.

السنة 1890. الحبر قد جفَّ منذ زمن.

واللوحة عنوانها: «صورة داخلية لبيت أيرلندي».

السنة 1890. وقبل جفاف الحبر

أُقصي بارنيل، والكروم احترقت حيثما

شقَّ النقيبان -مونلايت، وبويكات- طريقهما.

في يدها عجلة الغزل. والنول في يده.

تلتفع بشال، في حين يقف بجانب منظر طبيعي

ربما لنهر، ربما لتلال، ربما لمزرعة

تنفتح على أفق لأغنية مائية وغابة

يتعذر عليهما بلوغها: لا شيء يخصُّهما سوى ذلك

الإيقاع وهذا الحيف وقنوط خيطان

نُسجت في أشكال مطرزة ومنظور مائل

تلتقطه العين في الفسحة بين يده

ويدها المسنودة على البكرة، لتؤكد

هذا الأمر ليس إلا: ثمة طرف قريب وآخر بعيد

تشتغل على أحدهما. فيما هو يغزل الآخر.

وحالنا لا يزال يتعيَّن تبيانه

فيما نحدِّق في الخيطانِ حتى تكاد تتلاشى حياتهما

وكل ما نراه -كل ما

نريد أن نرى- أماكن في الصورة عفا عنها الضوء،

مثل اتجاه التعريق في الخشب، والعقدة المحكمة

للخيط أعلى النول، وباب ينفتح على

على عشيَّة لن يتنعما بها أبدًا.

  

خرز الجَمَشْت

عندما أخرجها

من صندوقي الخشبي، فهذه الخرزات

بلون زهور البنفسج في الظل. ومن ثم يغمق لونها

في أسفل النحر حيثما

تبدأ الدموع.

والآن أزيِّن عنقي بنفائس قديمة

من البلُّور: سمة لتدبير دنيوي.

بريق غامض

تخلُّق في باطن أرض حيث لا شمس هناك

وإنما محض حكايات عن طفلة مفقودة وأم تفاوض

ملكًا مقطب الجبين. محاجَّة ومساومات:

ما الذي تأخذه منه، وما الذي تتخلى عنه.

الفتاة رهينة حبسه في فصل العتمة،

وطليقة في موسم البنفسج والتبرعم؛ تلك هي مفردات

التسوية. وهذا الخرز، وقد اختلس من موضع كذلك،

ليس بشيء إن لم يمنحنا

الحكمة الشافية للتسويات،

للبقاء. وعندما أزدانُ به

فكما لو أن بشرتي قد استقت

بلسمًا من الضوء؛ شيئًا من علاجات الأوَّلين.

حصا البان، ربما،

أو شيح أقحوان وضعوه جانبًا

لتهدئة الحمَّى؛ ووصفوه ذات مرة لراحة طفلة

تتقلب على أجنابها، وحبات العرق تمسك

وميضًا من قنديل السهر وتقبض عليه.

طفلة تصرخ في نومها:

«انتظريني. لا تتركيني هنا».

ولن تتذكر ذلك أبدًا.

لن تتذكر ذلك أبدًا.

فن كتابة الرسائل، كيف أضعناه!

وقتها كان التناسب بين الكتابة اليدوية وضوء النهار

كالذي بين حياكة الدانتيل ونعمة البصر.

كانت الورقة رهيفةً، وكأن حافاتها تجرح الهواء،

واليد نارًا والصفحة جمرةً تتقد.

كل شيء انقضى

ما خلا الفسحة ذاتها بين أصابعهم

ممدودة إلى ورق رسائل استبقوه جانبًا

ذخرًا للَّيالي الطوال عقب الرحيل،

يستقصون خبر من تركوا وراءهم،

ودائمًا، حتى عندما يسقط ظلُّهم على الصفحة

ويدركون أن الجواب ليس بقريب-

دائمًا ما يأدون الحركات ذاتها:

انحناءتهم في البدء، فإذا بالقلم

يستحيل عصا يجوسون بها في الحقول

فيما يتلاشون عميقًا في الذاكرة. ثم تسليمهم بالأمر،

بجرَّة قلم أكثر طوعًا تستعيد

العشب والزهور الشائكة، وعجلة دراجة

صدئة: طوق حديديّ يجرح العشب،

والأسيجة تتغطى بعشبة الزعرور مرةً أخرى،

في الوقت المواتي لابتهالات شهر مايو

حين تُتلى في هواء عليل، في طريق يؤدِّي

إلى آخر، ثم آخر ينفتح

على طريق سريع ذي أربعة مسارات، لينتهي في

بلدة جديدة على حافة مدينة

لن يروها أبدًا. وإذا قلنا:

إن فنًّا يتلاشى

عندما لا يعود يستنطق الحزن،

فتعالَ وتأمَّلْ كيف خسرناه:

بتكديسنا الرسائل في العِلِّية،

ونزولنا إلى الطوابق السفلى كي لا نسمع

الحقول في الليل تتقلب على الجمر

وتمسي جزءًا من الذاكرة

ومن ثم تعود، آن الفجر حبرًا صرفًا؛

ما فعلنا كي لا نسمعهم

وهم يهمسون بسؤال وحيد يحفظونه

عن ظهر قلب،

تعلَّموه من رسائل الهواء والأماكن القصيَّة،

السؤال: ألا تزال الأماكن هناك؟

«الآن في العراء» لحسام الرشيد.. رصد لنبض اللحظة التاريخية

«الآن في العراء» لحسام الرشيد.. رصد لنبض اللحظة التاريخية

في رواية يشوبها كثير من الحنين يكشف لنا حسام الرشيد في «الآن في العراء» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت) المرحلة الانتقالية ما بين هبة أبريل والانفراج السياسي في الجامعة الأردنية بين أوساط الطلبة الذين توزعت انتماءاتهم بين التيارات السياسية المعروفة. جيل قرأ عن النكبة وسمع قصص الآباء عن النكسة، ثم أمسك القلم وبسط أوراقه البيضاء واستعد ليكتب سيرته التي تحولت في طرفة عين إلى خيبة عريضة ومؤلمة. لعل هذه المرحلة المهمة أثرت في طلبة الجامعة من الروائيين الذين عدُّوا أنفسهم شهود عيان على ما حدث، فظهرت في أعمالهم وإنتاجهم الأدبي؛ لأنها تعكس توجهات المجتمع ككل وما اعتمل في صدور الناس في ذلك الوقت، ولعل الحنين إلى تلك الأوقات من دواعي هذا العمل الذي ما انفك صاحبه يحن لأول منزل.

رواية داخل الرواية

في تقنية باتت معروفة عند الروائيين ينسج حسام الرشيد رواية داخل الرواية. في الصفحة رقم (40) يكتب في ذيلها «فكانت هذه الرواية» لتبدأ الرواية الداخلية التي يعود فيها الكاتب قرابة ثلاثة عقود للوراء. كانت حيلة فنية موفقة في الرواية الخارجية عندما ظهر على مسرح الأحداث الروائي إلياس فريد، والمقصود هنا الروائي الراحل إلياس فركوح الذي يطلب من جاره أن يساعده بكتابة خاتمة للرواية التي بصددها، فينجح في هذه المهمة وينجز المطلوب. في المقابل يطلب الجار (نصر) من إلياس أن يساعده في كتابة مدخل للرواية التي يحاول إنجازها منذ سنوات. يكتب إلياس على أوراق الرواية ملحوظة: «لتنتظر الشرارة الأولى»، ثم يأتي الخبر الصاعق بموت إلياس في المستشفى. تلمع الشرارة الأولى في ذهن نصر عندما يقع على الكتاب السنوي لدفعته في الجامعة. يقلبه ليرى صورة حبيبته بين صور الخريجين، فتنثال عليه الذكريات من كل صوب وحدب، ويحول هذه الصور إلى نص أدبي روائي.

كما عمد الرشيد إلى توظيف تقنية المونولوج عند نصر الذي جاء السرد على لسانه بضمير الأنا ليكشف ما يمور في دخيلته من هواجس وأحلام وأفكار، كرد فعل لما يحدث في محيطه في الجامعة والمنزل وعن علاقاته مع أصدقائه ومشاعره تجاه سماء.

إلى أي حد تتقاطع هذه الرواية مع سيرة الكاتب؟ في مرحلة ما، أو في جزئية ما نحن نكتب أنفسنا مهما حاولنا التمويه، تتسرب ملامح من حياتنا إلى حياة الشخصيات بخفة لافتة؛ لأن الخبرات الحياتية تتراكم وتظهر في كتاباتنا، فحسام الرشيد يعمل في مجال الضريبة، ونصر بطل الرواية إن جاز التعبير يعمل في المجال نفسه، وحسام الرشيد درس القانون في الجامعة الأردنية في المدة المشار إليها تمامًا مثل نصر. إذن التقاطعات موجودة ولا سبيل لإنكارها لكن السؤال هنا: هل هي سيرة فسيفسائية تجمعت من سير جزئية كثيرة لأشخاص عرفهم الكاتب لتصبح سيرة جيل بأكمله، أم هو خيال منبثق من الواقع وصورة من صوره الكثيرة؟ لعل ما بين أيدينا هو مزيج أو خليط من الواقع والخيال؛ لأن الواقع المجرد لا يصلح في مفاصل كثيرة منه للسرد الروائي بسبب فتور الحدث أو النقلات الخشنة التي تحدث في حياتنا ونتقبلها بسلاسة، لكنها تحتاج لمبررات ومسوغات سببية في فن الرواية.

علاقات متشابكة

حركة الشخصيات في أجواء الطلبة في الجامعة الأردنية انخرطت في اتجاهين: الأول سياسي أيديولوجي والثاني عاطفي، وظل هذان المساران في مد وجزر حتى النهاية. بهجت مغرم بميادة ويلاحقها أينما حلت، نصر تطورت مشاعره تجاه سماء حتى أصبحت هاجسًا مؤلمًا، سليم يحلم بالقرب من جيتان لتحقيق مبتغاه من النجاح وتحسين أوضاعه المادية والاجتماعية. أحلام كبيرة وتوقعات عريضة على المستوى الشخصي والعام. تتشابك علاقات الصداقة والحب في أروقة الجامعة ومرافقها لكنها علاقات محكومة بالفشل وتدفع أصحابها نحو حافة الهاوية. أما عن العلاقة بالمكان فقد ظهر جبل الأشرفية ومسجد أبي درويش، وظهر أيضًا جبل النصر ورأس العين، وهي أحياء شعبية نشأت فيها شخصيات الرواية. ولا ننسى ملامح المكان في الجامعة الأردنية وتلك التفاصيل النابعة من الحنين. وما كان من تصرف بهجت بتجميع أكواز أشجار الصنوبر التي جلست ميادة في ظلها سوى تأكيد هذه العاطفة تجاه الإنسان الذي يندمج في المكان ولا يمكن الفصل بينهما، في سيل الذكريات والانثيالات التي تتراءى لنا كل حين.

في الجانب الآخر من حركة الشخصيات نرى نماذج متعددة من التوجهات السياسية المعروفة، مثل سليم القادم من بيئة فقيرة فيتحول إلى إنسان انتهازي ويتأثر بمبادئ مكيافيلي، وبخاصة «الغاية تبرر الوسيلة»؛ للخروج من هذا الوضع الصعب، ويتخذ من كتاب «الأمير» دليلًا ومنارة في السياسة والاجتماع والاقتصاد. ويحاول مثل كثير من التيارات كسب مؤيدين جدد من طلبة الجامعة. ويتحول نصر من القومية الناصرية إلى الشيوعية بتأثير من صديقه نجيب والرفيق أنيس، أما بهجت فلم يكن له اتجاه سياسي محدد في أثناء الدراسة، لكنه ينغمس في تيارات إسلامية متشددة بعد موت ميادة كرد فعل لهذا الزلزال الذي عصف بحياته.

الأب على الكرسي المتحرك الذي شارك في حرب 67 وفقد ساقيه ما زال يحتفظ بصورة رفاقه الخمسة الذين استشهدوا معلقة على الجدار إلى جوار صورة جمال عبدالناصر. يتحدث بمرارة عن الأحلام العريضة للقومية العربية قبل اندلاع الحرب. الشعور بالمرارة يتحول مع الوقت إلى حالة من العدمية وعدم الثقة بكل ما يمور ويحدث من حوله من حراك سياسي وانفتاح على الأحزاب وخلق مزاج جديد للكفاح والخروج من حالة الهزيمة والاستعداد للعمل والتضحية. جيل شعر أنه حمل الكرة الأرضية على كتفيه ومضى بها إلى آخر الدنيا بلا طائل.

ينجح أتباع الحزب الشيوعي في تنظيم مسيرة كبيرة في الجامعة؛ للتعبير عن رفضهم للحرب الدائرة في المنطقة، على الرغم من محاولة بعض مؤيدي الجهات الأخرى إجهاض هذه الفعالية السلمية على أساس أنها تجذر الانقسام وتشرذم الطلبة خلف دعوات إقليمية وجهوية ودينية. في المسيرة يظهر الأب على الكرسي المدولب، وتظهر أمل إلى جانب الرفيق أنيس، ويظهر سليم منهزمًا مكسورًا بعد أن قذفت جيتان فنجان القهوة في وجهه ولطخت قميصه.

وهذه صفة مشتركة جمعت شخصيات الرواية على العموم؛ كأنها تقول: إن النهايات السعيدة موجودة فقط في حكايات الجدات ليقتنع الأطفال أن الخير أقوى من الشر، وأن إرادة الحياة تطفو فوق كل شيء. سليم يُفصل من الجامعة بتهمة إثارة الشغب ويصاب بحالة من الاكتئاب بعد أن تخلى عنه الجميع، وينتهي الأمر بحرق كتاب «الأمير» ثم الانتحار. نجيب الشيوعي الصلب الذي يتأثر بموت الرفيق أنيس في ظروف غامضة، تأتي اتفاقية وادي عربة ليتخذ قراره بالهجرة إلى كندا. وبهجت يترك الجامعة ويتحول للتدين ويسافر إلى أفغانستان ويموت هناك. ونصر يعيش وحيدًا يجترّ ذكرياته بعد أن جرب الزواج وأخفق فيه. وميادة تموت بالسرطان، وسماء ترفض الارتباط بنصر لأسباب غير واضحة، وأمل يتخلى عنها خطيبها وعد لكنها تتجاوز أزمتها بعد حين وتمضي في حياتها. وربما جاء العنوان «الآن في العراء» نتيجة لهذا التشتت وهذه المصاير المحزنة، فالعراء يشتمل على معاني الألم والخوف والبرد.

«الآن في العراء» فيها من التأريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمرحلة مهمة انبثقت منها تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية طالت جميع طبقات المجتمع بتداعياتها. رواية ما زالت تبحث عن قارئ يدقق في صورها القريبة والبعيدة ويدخل في عوالمها ليخرج منها بحمولة معرفية وجمالية وازنة.

لن يختلف اثنان على أن اللغة في الرواية ارتفعت أكثر من الروافع الأخرى التي تسند أي عمل أدبي، سواء على مستوى الجملة أو المفردة التي دفعني الفضول في مناسبات كثيرة للبحث عنها في المعجم، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنها لغة مستعصية صعبة الانقياد، بل جاءت بدلالات طريفة في سياق مكشوف يثري جماليات النص الأدبي، من ناحية التركيب ومقاربة المعنى المنشود الذي راوَحَ بين الشعري والمباشر. كما جاء التشبيه في مواضع كثيرة شديد السطوع ومبتكرًا ومثيرًا للدهشة.

يستنتج القارئ بعد الفصل الأول أن الكاتب يمتلك ثقافة عريضة تجمعت لديه من مصادر متعددة، فنراه يذكر أن إرنست همنغواي كتب سبعين نهاية لإحدى رواياته قبل أن يستقر على واحدة، وأن عبدالسلام العجيلي أنهى إحدى رواياته في واحد وعشرين يومًا، وأن طه حسين كتب «الأيام» في إجازة قصيرة، وأن ابن زريق البغدادي كتب قصيدة «لا تعذليه» في ليلة واحدة، ثم مات. إن حسن توظيف هذه المعرفة في سياق الرواية يجعلها أكثر قبولًا للقارئ الذي يبحث عن المعلومة الطريفة والمتنحية، ويجد فيها متعة توازي متعة الحكاية. على أن المعرفة في الرواية لم تقتصر على أخبار الأدباء وأحوال الكتابة لديهم، بل تجاوزتها إلى موضوعات أخرى مهمة.

المسرح الجهنمي للحياة

المسرح الجهنمي للحياة

حفلة هستيرية لباخ وفريدا في غزة

أكيد الآن يمارسان طقسًا من طقوس الحب

في المساء مع نهاية العام

أكيد باخ يعزف وفريدا ترقص

والسماء تمطر

وهناك في زاوية ما من المسرح الجهنمي للحياة

الكل ينظر بغيرة وصمت وحسرة.

أحب فريدا

ولا أفضل باخ

لكن الآن الكل يصمت

وصوت صراخ الأطفال يرتفع

مع صوت بكاء ورجاء الأمهات

الآن فصل من فصول الرقص والمطر

فلتتساقط القنابل وليبدأ الجميع بالرقص

بأبيض والأسود

يا إلهي ما أشد وحدتي

يا لهذا الليل

سرق أجمل ألم كنتُ أستمتع بِه

حين أكون وحدي

لقد سرق الحزن

ألم محسوس يخترق روحي

ذلك الخط اللامرئي

يمر أمامي الآن

فِلْم أسود وأبيض

يعبرُ من تلقاء نفسه

ويلقي بكل موسيقاه

في ليلي الوحيد

إنها الحياة

الحياة لا تشبه الحياة

أفعى تسعى نحو الماء مرقطة

تلك هي الحياة

من أتقن تسلق شجرة الجوز

دون المرور بالشمس

قد يفهم الحياة

هناك أحد مات

في زاوية ما من العالم الآن

لا يجد من يهيل على ذكراه الكلمات

تلك هي الحياة

أيها الليل

خذني معك

لا تتركني هنا

فالليل في بلادي موحش وكثيف

أيها الليل سأبكي عنك

وأحمل عنك ألم الفراق

وعندي من الحسرة والفقد ما يكفينا

خذني معك أيها الليل

فالحزن سرق النجوم

فلا أب ولا أم

تبقى لي

ورفاقي يتصيدهم الموت كالدوري على الطريق

وحبيبتي

لا تخف ستأتي معنا أيها الليل

الحرب سيئة السمعة

أصحو دون نبوءة أو تعويذات

كان أمس يومًا طويلًا ورتيبًا

كجثة مثقوبة بالماء

حين صحوت

كانت الحرب

في الحرب، لا حلم يكثف الرؤية

ولا سماء صافية المعنى

ساعة واحدة

لا أريد من اليوم سوى ساعة واحدة

أجلس تحت الشمس

أداعب قطة الجيران

وأتذكر أمي وأبي

ساعة واحدة

أبكي أخي وأختي

ساعة واحدة

أنظر بحرية نحو السماء

ساعة واحدة

تترك في روحي فراغًا للحزن والألم

ساعة واحدة

أدخن أرجيلتي وأضحك على الهواء وهو يصعد نحو اللاشيء

ساعة واحدة

لا أرى فيها سوى

صورتكِ في السماء

غزة

بين الموتى كنتُ

حين أبصرت الحياة

تحوم حولهم

كان الدخان يخرج من المقبرة

ويمنح ماء الخلود

كل زائر جديد

طريق المقبرة

– ١ –

في طريق المقبرة

مرّت ثلاث نساء

وعربة واحدة

– ٢ –

في الليل ونحن نعد

وليمة من تأخروا من الموتى

كانت الشواهد ترقص دون موتاها

– ٣ –

أجلس على باب المقبرة

أهدهد على طمأنينة العالم

تمرين كأي شتاء

بارد وخفيف

– ٤ –

كسلم الموسيقا

أهدي إليها موتي

أغنية أغنية

الأدب والفلسفة، جدلية العلاقة وتنافس الحضور

الأدب والفلسفة، جدلية العلاقة وتنافس الحضور

لا يبدو أن أحقية «تمثيل الحقيقة» والتعبير عنها قد حسمه أفلاطون؛ عندما أقصى الشعراء من جمهوريته وجعل النطق بها، أو عنها، حصرًا على الفلاسفة. فعلاقة الفلسفة بالأدب قد تكون دافعها الحقيقي «المنافسة والغيرة»، وليس بسبب خشية أفلاطون من دخول الوهم وتفشيه في الفكر.

هذا هو الجديد في الطرح والمقاربة للحكم الأفلاطوني، الذي حاول تقديمه في مرافعته الطويلة الباحث في الأدب الفرنسي كاميل ديموليي في كتابه «الأدب والفلسفة، بهجة المعرفة والأدب»، الصادر حديثًا عن معهد تونس للترجمة، ومن ترجمة الصادق قسومة.

الفضاء المشترك

يعتقد ديموليي أن الانشقاق الذي جعل الفلسفة مقابل الشعر هو انشقاق قديم، وأنه عبارة عن خلاف موغل في القدم أعلنه سقراط في الكتاب العاشر من الجمهورية بقوله: «إنه سيصفي حسابه نهائيًّا مع الشعراء، وينفيهم من المدينة الفاضلة». أما جوهر نقد أفلاطون للفنانين والشعراء، كونهم لا يعرفون ما يقولون، ولأن الفنان هو في النتيجة «محاكٍ»، وإنتاجه بعيد من الطبيعة بثلاث درجات، حسب نظريته في المثل: الدرجة الأولى هي درجة الجوهر أو النموذج، والدرجة الثانية هي درجة النسخ أو «الأيقونة»، والدرجة الثالثة هي درجة «الصنم»، أو التلذذ المتخيل. هذه المحاكاة -حسب أفلاطون- تدخلنا ذلك العالم المكون من الصور الزائفة؛ لذا الرسام والشاعر هما ساحران صانعا وهم ليس إلا. لهذا يرى الباحث كاميل، في مقدمة كتابه، أنه آن الأوان للانتهاء من هذا الموضوع نهائيًّا، وعليه أتت فصول الكتاب محاولة لحسم هذا الجدل.

أول دحض لهذا الحكم الأفلاطوني المتعسف، حسب تتبع الباحث، أتى من أرسطو الذي عدّ جنس «المأساة» الأدبي فنًّا علاجيًّا، بينما الشكل العملي للرد، كان من السفسطائيين الذين كانوا يمثلون حكمة يُعبر عنها من خلال خطاب لا تمييز فيه ولا انفصال بين الفلسفي والشعري. وهذه الممارسة أسست لنهج فلسفي يراهن على أنه لا وجود مستقبلًا لأي خطاب فلسفي غير مشوب بالأدب وبتأثيرات الكتابة. ومن جهة أخرى، لا وجود لنص أدبي خالٍ من استعمال فلسفة ما أو أيديولوجيا معينة. وبناءً عليه، يصبح الأدب بصفته متصورًا مفهوميًّا، وبصفته ممارسة فعلية تاريخية تربط مصيره بمصير الفلسفة، ومن ذلك الالتقاء بينهما، يستمد الأدب جوهره.

وعن طبيعة هذا الالتقاء، والفضاء المشترك الذي يشتغل عليه الأدب مع الفلسفة، وعن ظروف الاقتراب والابتعاد -أحيانًا- بينهما، تأتي بقية فصول الكتاب، لتنوع على هذه الإشكالات، مستندة إلى شواهد من حقب زمنية مختلفة، مع ملاحظة مهمة يدعونا الكاتب للأخذ بها من أجل استكشاف تلك الأبعاد، وهي ضرورة أن يكون الأدب ملتفتًا إلى حركة الأفكار؛ فالحركات الأدبية الكبرى لا يمكن أن تُفهَم خارج الحوار الفلسفي في العصر المعني بالدراسة. ولتبيان هذه الإستراتيجية، يقدم الكاتب أمثلة عديدة، أحدها المثال «الباروكي».

فالحركة الفنية -الباروكية- التي بدأت في إيطاليا منتصف القرن السادس عشر، ثم انتشرت في بعض البلدان الأوربية الأخرى، وكانت تقوم على الإيغال في الزخرف، وعلى اعتبار أن الأضداد يمكن أن تكون منسجمة. فمنشأ هذه الظاهرة، يرجعه الكاتب، إلى أنه كان نتيجة لأزمة حقيقية في الوعي الأوربي؛ ساهمت في فتح الأبواب لعصر الأنوار، حيث تتمثل في الانتقال من تصور قديم للعالم قائم على رؤية عالم الفلك اليوناني بتوليمي (٩٠- ١٦٩م)، إلى تصور قائم على رؤية عالم الفلك الإيطالي غاليلي (١٥٦٤- ١٦٤٢م). أي الانتقال من رؤية خلق للعالم يمثل الإنسان غايته ومركزه، إلى قطيعة مع النظام الإلهي، كما يصف الموقف كاميل، وعندها صارت الأرض مجرد كوكب في كون لا نهائي، تأمله فيما بعد بليز باسكال برعب.

وبهذا المفهوم الجديد للكون والإنسان، ابتدع الباروكي، كما رأى دولوز، العمل الفني اللامتناهي، أو العملية اللامتناهية، حيث فتح هذا اللامتناهي عالمًا مرعبًا، مظلمًا، ولا شكل له. فلسفة الباروك قائمة على الإحساس بتدهور النظام الكوني، وبضياع القيم وبقطع العلاقة مع الله، وهذا الإحساس يتجسم في شخصيات الفن وينفخ الروح في الصور الكبرى المعبرة عن ثورة بروميثيوس. وهذا ما أدى إلى تراجع قيمة الأدب في جميع أشكاله من أثر ما طرأ على الفكر من تحولات.

تأثير متبادل

أما عن مناهج القراءة التي يمكنها فرز ما هو أدبي عما هو فلسفي، وعن وضع تصور للعلاقات التي تربط بينهما، فالمؤلف كاميل، يرى أن تذهب في اتجاهين: تأثيرات الفلاسفة في الكُتاب، وتأثير الكُتاب في الفلاسفة، التي كان تمظهرها على الأدب المقارن الذي أبرزها في ثلاث طرق: «مشاكل التلقي»، و«مسألة التأثير»، ودراسة «المقارنة بالمعنى الحصري». ولعل أعمال نيتشه كانت من أبرز الدراسات خصوبة المُطَبَّق عليها؛ وذلك لاعتبار فلسفته تجربة كتابة وحياة، وقد دُفِعَتْ إلى أقصى حدود العقل، وهذا ما جعل منه بطلًا أدبيًّا حقيقيًّا.

ثم أعقب ذلك طرائق عدة لقراءة النصوص من هذا المنظور: تأثير فيلسوف في كاتب، أو العكس. أو وجود عنصر فلسفي في أثر أدبي، أو ربما وجود فلسفة تكون فاعلة في الأثر وموجهة له، أو وجود مشهد فلسفي لعصر معين فيه يندرج النص الأدبي ويعكسه أيضًا.

لذا، عند النظر إلى العلاقة بين الفلسفة والأدب انطلاقًا من نص أدبي فإنها تطرح مسائل متعلقة بالمنهجية وبالقراءة المقارنة. ومتى نُظر إلى العنصر الفلسفي بصفته خطابًا غريبًا في النص الأدبي، يمكن أن تُسند إليه ثلاث وظائف جوهرية، كما بيّن ذلك الفيلسوف الفرنسي المعاصر بيار ماشيري، الذي ينقل عنه كاميل. وهذه الوظائف هي: أولًا «المرجعية الثقافية»، باعتبار أن الفلسفي يَظهر، بادئ ذي بدء في النص الأدبي في شكل مرجعية ثقافية، وذلك سواء تعلق الأمر بمفهوم، أو بإشارة، أو حتى باسم فيلسوف. والثاني هو «فاعل شكلي»، حسب درجة إشعاع الفلسفي في النص الأدبي، وفي هذه الحالة تكون للأطروحة الفلسفية وظيفة شعرية حقيقية. أما المظهر الثالث فيبرز من خلال «حامل رسالة نظرية»، الذي يتحقق عندما يقوى الإشعاع فيه حتى يتغلب على الأدبي ويجعل الأثر «حامل رسالة نظرية»، هي الوظيفة التي نجد خير مثال عليها في الروايات ذات الأطروحة.

أما عن «الفلسفة الضمنية» للأدب، التي هي بصدد التطور بالتوازي مع الفلسفة، كما يقول ماشيري، فهو يتبع دروبًا غير مفهومية، وينظر إلى المشاكل على نحو خاص. وبدل أن يجيب عن سؤال أو أن يطرح نظرية، فإنه يرسم خطوط حدوده، ويوجد مواد ينشر من خلالها الفكرة ويجعلها مدار تدبر. والحاصل إذن، أن الأمر متعلق هنا باعتبار الأدب بصفته فلسفة، وهذا ما ختم به ماشيري قوله بالاستنتاج التالي: «هكذا، فإنه من خلال كل ما يقوله الكُتاب أو يكتبونه، فإنهم يمارسون الأدب بهذا المعنى، أي الأدب بصفته تدبرًا، وذلك بحلوله في العنصر الفلسفي السابق لجميع الفلسفات الخاصة. فمن واجب الأدب إذن أن يطرح الفلسفي الذي في الفلسفة».

لهذا يستنتج الباحث أن الأدب هو فكرة الفلسفة وذلك بمعنيين: أولًا هو فكرتها في معنى أنها ما وضعه قبالته؛ أي أنها إبداعه أو ابتداعه. ثم إنها مدار دراسته. وهكذا لا يوجد أبدًا أدب إلا للفلسفة، وهكذا صار الأدب هو منبع الفلسفة. إنها تعود فيه وكأنها تعود إلى أصلها المَنسيّ.

كان ذلك عن الأدب، أما الفلسفة، فهي منذ أصولها الأولى كانت تستعير من أشكال متعددة للخطاب الأدبي، وهي الأشكال التي تعتبر أنها غريبة عنها: الشعر، الحوار، الأسطورة، الحكاية، القصة… إلخ. فالفلسفة إذن منذ بواكيرها كانت تتزيّا أساسًا بالخطاب الأسطوري. ومؤخرًا، جاءت الحركة الرومانسية، ونقد نيتشه؛ ليقدما محاولات جادّة في إعادة الفلسفة والأدب إلى أصلهما الشعري، حيث الفلسفة يمكن أن تكون ضربًا من الشعر المتحجر، أي خطابًا بواسطة الصور والمجازات، أو هو بمنزلة قصة مثلية نسيت طبيعتها التخييلية. وإن الفلسفة تتعرف إلى ذاتها في الوجه الآخر منها؛ في الأسطورة، وفي الحكاية، وفي الأدب. والمفارقة أن الفلسفة كانت تفكر دائمًا ضد هذه الأشكال من الخطاب والإبداع، والآن صارت تفكر معها، بشرط أن تكون خواتمها دقيقة وألّا تحجّر الأدب لكي تجد مجددًا تفوقها عليه.

يختتم الكاتب في فصله الأخير، بأن الحقيقة تُحدد بكونها ثغرة في المعنى، وعليه فاللجوء إلى القصيدة هدفه احتلال المكان الشاغر، وإن المآل النثري للأدب يرافق مآلًا نثريًّا للعالم الذي عملت عليه الفلسفة، وأن هذا العالم هو ما نقوله عنه، وهو متخيلنا؛ لذا يدرج باحثنا الفرنسي كاميل ديموليي، مقولة للأديب والناقد الأميركي المعاصر كراولي، ونختم بها: «هذا يعني أنه بدل أن نقرأ الرواية بوصفها تصويرًا لفلسفة، يجب أن نقرأ الفلسفة بوصفها تعبيرًا عن منطق قصة».