سيف الرحبي.. هذا الرأسمال الثقافي العربي الكبير

سيف الرحبي.. هذا الرأسمال الثقافي العربي الكبير

أُومِنُ بأن لا شيء يدوم، كل زمن له جيله، بما في ذلك الأزمان الثقافية والمؤسساتية، ومع ذلك، ولأنني أعتبر «نزوى» بيتي الثقافي فقد شعرت بنوع من الحزن الغريب، يتعالى على المنطق، وأنا أقرأ خبر مغادرة الصديق سيف الرحبي هذا النزل الأدبي والفكري العريق، شعور يشبه من يرى بيتًا وقد هجره أهله بعد مقام وأصبح طللًا أو قفرًا لا يجيب.

عرفت الشاعر الكبير سيف الرحبي منذ كنت طالبًا في ثمانينيات القرن الماضي بدمشق، ولم تنقطع صداقاتنا منذ ذلك الزمن، صداقة أدبية وفكرية وإنسانية متينة.

كنت من أوائل من اطلع على مجموعته الشعرية الأولى «نورسة الجنون» وهي لا تزال مخطوطة، وبعد صدورها عام 1981م احتفلنا بها في دمشق معية مجموعة من الكتاب والصحفيين، احتفالًا يليق بها وبصاحبها الذي بدأ حضوره يشكل فارقة أدبية لافتة.

منذ ديوانه الأول هذا حتى آخر كتاب نثري صدر له وهو «ليل المحطات والنجوم» عن دار العين بمصر 2024م، أربعون سنة ويزيد من الكتابة، ودالة سيف الرحبي الإبداعية في تصاعد وتنوع في الأساليب وفي الأجناس، وظل هو في تواضعه وفي إنسانيته العالية في التعامل مع مجايليه ومع الأسماء الجديدة العمانية والعربية والمغاربية.

سيف الرحبي شاعر أولًا في حياته، يتجلى ذلك في طبيعة سلوكه مع ذاته ومع الآخرين، فهو على انسجام مع محيطه وعلى تناقض معه في الوقت نفسه، انسجام لا يقبل الذوبان أو المجاراة القائمة على النفاق الأيديولوجي أو الاجتماعي، وتناقض ليس فيه أي عداء أو كراهية للمختلف عنه.

حين أدقق النظر في مسيرة أربعين عامًا من إبداعات سيف الرحبي أشعر بأن ليست هنا مسافة كبيرة بين القصيدة التي يكتبها والحياة التي يحياها من خلال يومياته في الأسفار وفي علاقاته مع المثقفين في المشرق والمغرب، فهو يحافظ على صورة المثقف الحر فيه وعلى استقلاليته في رؤيته للعالم.

حين تعارفنا بدمشق عام 1980م، كان مشروع إصدار مجلة متميزة يشغله، وفي هذا الإطار حاولنا نحن الأربعة: «سيف الرحبي، والروائي الأردني غالب هلسا، والقاص السوري جميل حتمل، وأنا» إصدار مجلة اخترنا لها عنوانًا هو: «زوايا»، إلا أن المشروع لم يتحقق لظروف الوضع السياسي في سوريا آنذاك، وافترقنا بعد أن عدت أنا إلى الجزائر وسافر سيف الرحبي إلى أوربا والمغرب، وبعدها توفي غالب هلسا، وسافر جميل حتمل إلى فرنسا.

وبعد سنوات حين عاد سيف الرحبي إلى عمان وأطلق مجلة «نزوى»، أذكر أني قلت له في واحدة من جلساتنا: ألا يصعب على سيف الرحبي الشاعر صاحب المزاج الخاص والمثقف الرحالة أن يبني بيتًا بعماد حول مشروع ثابت كمجلة «نزوى»؟

رؤية متحررة من سلطة الأيديولوجيا

لكن يبدو أن أمرين أساسين ساهما في إنجاح واستدامة مشروع مجلة «نزوى» هما: أولهما شبكة العلاقات المميزة والمحترمة التي تجمع سيف الرحبي بالمثقفين من المشرق والمغرب، على اختلاف مشاربهم الفكرية والجمالية واللغوية، فلا يوجد مبدع في المنطقة العربية وشمال إفريقيا، من الجيل القديم أو الجديد، لا يعرف سيف الرحبي. وثانيهما هو الرؤية التنويرية الحداثية المتحررة من سلطة الأيديولوجيا التي ينخرط فيها مشروعُه الإبداعي كشاعر وكاتب مدافع عن الحرية وعن القيم الإنسانية الكبرى.

استنادًا إلى هذين العاملين بنى سيف الرحبي مجلة نزوى، وكان يريدها أن تكون استمرارًا لإبداعه، لم يكن يتعامل مع المجلة كمدير أو رئيس تحرير فقط، بل كان يريدها أن تكون جزءًا من قصيدته أو نصه النثري، حيثما حل في سفرياته كانت المجلة تصاحبه دون أن تكون عقدة أو عقبة أو حصارًا له، فقراءة لافتتاحياته العديدة تكشف عن هذا الارتباط بين كتابات سيف الرحبي المسافر وهاجس المجلة، فكما يحرص على نحت نصوصه بهدوء مجنون ظل يحرص على أن تكون المجلة مرآة لهذه الجدية والتنوع.

بكثير من الإيمان والحفر المستمر العنيد، استطاع سيف الرحبي أن يصنع من اسم قرية عُمانية صغيرة منسية ومهمشة هي نزوى، بيتًا ومدينةً يحج إليها الكثير من مثقفي ومبدعي العالم العربي المتوسطي. قليل من كان يعرف نزوى، ولكن المجلة منحتها جواز سفر إلى قلوبنا جميعًا. وقد حول سيف الرحبي من خلال «نزوى» مدينة مسقط العاصمة التي كانت هامشًا إلى مركز مرجعي من مراكز الثقافة في العالم العربي وشمال إفريقيا.

لقد تمكنت مجلة نزوى خلال ثلاثين سنة برئاسة سيف الرحبي من تحويل الهامش إلى مركز، وأن تجعلنا كمثقفين نعيد النظر في مفهوم الأطراف والهواش في الثقافة العربية، وأن لا وجود لهامش دائم، ولا لمركز مفروض أبدي.

ظل سيف الرحبي في رؤيته التحريرية لنزوى، وهذا سر من أسرار نجاحه، محافظًا على التراث المحلي من جهة، ومنفتحًا على كنوز العالم الأدبية والفكرية الحديثة عربيًّا وعالميًّا من جهة ثانية.

حلقة وصل إبداعي وفكري

منذ الأعداد الأولى كان سيف الرحبي يسعى لأن يجعل من منبر نزوى حلقة وصل إبداعي فكري ما بين القارئ العربي وما ينتج من خيرات في الآداب العالمية الجديدة، دون أي اعتبار للغة أو الجغرافيا أو الفلسفة. وقد نجح إلى حد كبير في تقديم تجارب أدبية عالمية تكتب باللغات المختلفة من الإنجليزية إلى الصينية مرورًا باليابانية والإيطالية والإسبانية والفارسية. وقدم أصواتًا مغاربية عديدة تكتب بالفرنسية، وبعضها لم يكن معروفًا لدى القارئ العربي في المشرق، وبخاصة الأسماء الجديدة فيها. وأذكر أنه صدر في الأعداد الأولى من المجلة ترجمة لفصلين من روايتي التي كتبتها باللغة الفرنسية، بعنوان: «إغفاءة الميموزا» ترجمها إلى العربية الدكتور محمد عضيمة. وأذكر أيضًا أنني وبطلب منه أعددت للمجلة ملفًّا خاصًّا بالروائية الجزائرية وعضو أكاديمية اللغة الفرنسية آسيا جبار نشر في واحد من أعدادها.

من خلال رئاسته تحرير مجلة نزوى تمكن سيف الرحبي من خلق حوار جاد وجديد بين الكتاب المشارقة والمغاربيين من أجيال مختلفة ومن حساسيات فلسفية متعددة، حوار مستمر ودون روتين.

على مدى ثلاثين سنة من عمر المجلة، لم يشعر القارئ في صحبته لجميع الأعداد بالروتين أو التكرار في مواد المجلة أو في المشاركين في تحريرها، ففي كل عدد هناك شيء ما يميزه، من اسم جديد أو طرح مغاير، أو ملف مثير، أو ترجمة جادة.

لم تكن نزوى، خلال تجربتها الطويلة برئاسة سيف الرحبي، بذخًا أو استعراضًا ثقافيًّا خارجًا عن السؤال المتعدد والمختلف للقارئ العربي والمغاربي، بل كانت حاجة ثقافية وفكرية منتظرة من قبل المثقف في منطقتنا.

اليوم والشاعر سيف الرحبي يغادر رئاسة تحرير نزوى كيف يمكننا قراءة هذا التغيير؟ متأكد أن سيف الرحبي يترك المجلة وهو سعيد ومرتاح الضمير؛ لأنه بعد ثلاثين سنة من هذه المسؤولية لم يتغير ولم يبدل جلده كمثقف تنويري حر، وأن قبيلة الأصدقاء الذين يحبونه قد توسعت أكثر فأكثر، وأعتقد أيضًا أن سيف الرحبي سيجد الوقت الكافي لاستكمال كثير من المشاريع الأدبية التي لطالما حدثني عنها.

إن ما يملكه سيف الرحبي وما راكمه من رأسمال كبير وقيم في تجربة الإدارة الثقافية لا يمكنه أن يذهب سدى، فنتمنى أن يستثمر بشكل جيد وواعٍ، وأن يوظف في جهة الخير للثقافة العمانية والعربية، فصناعة مثقف ومبدع مثل سيف الرحبي ليس بالأمر الهين، فهو نموذج تحتاج الأمة إلى سنوات لصناعته، فليس كل يوم يولد سيف في بلداننا.

كما أن الإعلامية والروائية السيدة هدى حمد التي تسلمت مهمة رئاسة تحرير المجلة بعد سيف الرحبي ليست غريبة عن هذا المشروع، فقد كانت ولسنوات طويلة منسقة موادها، وبهذا فهي ذات خبرة كبيرة تؤهلها لاستكمال المهمة، وهو ما نتمناه لها حتى تظل نزوى بيت المثقفين والكتاب والمبدعين في المشرق وشمال إفريقيا.

صمتُ الجثة الغريبة بين الغرباء

صمتُ الجثة الغريبة بين الغرباء

(جملٌ يُطلُّ بعنقه الطويل، إلى مئذنةٍ على حافة الصحراء، بسَمْتٍ مهيبٍ كأنما يُصغي إلى النداء الربانيِّ الذي يمنحه العزاءَ والطمأنينةَ بعد رحلته الشاقة في بحر الرمال الغاضب).

هذه إحدى اللوحات التي تركها لي كهديةٍ الفنان العراقي الراحل (حَمّادي) الذي صارَ يوقعُ لاحقًا بِاسمِ (حمادي الهاشمي). أتذكره عبر هذه اللوحة كل صباح؛ لأنها معلقة في الصالة التي أتناول فيها القهوة والشاي وأستمع إلى الموسيقا مطلع كل يومٍ قبل الانطلاق إلى مكانٍ آخر. كان حمادي يعيش ضمن عراقيين كُثُرٍ في بلجيكا، وأتذكر أول مرة التقيته فيها بأمستردام حين أقامت جمعية الهجرة مهرجانًا شعريًّا، وكنت حينها مُقيمًا في (لاهاي) أو (دنهاخ). جاء إلى المهرجان جمْعٌ من الأصدقاء منهم سعدي يوسف، عبداللطيف اللعبي، فينوس خوري غاتا، ربيعة جلطي، عبدالمنعم رمضان. وكان حمادي قادمًا من بلجيكا القريبة، وقد كان بين الفترة والأخرى يزور عُمان كل شتاءٍ حيث تذكره هذه البلاد ببعض أجزاء العراق.

حمادي بشَعره الذي أطاله كثيرًا حتى أصبح يشبه شجرةً على الرأس، كان يحاول التحدث مع فينوس خوري باللغة الفرنسية، وهي تحاول الإصغاء إليه من غير أن تفهم القصد والدلالة. ذلك البَوْن الشاسع بين لغة أرستقراطية فرنسية لبنانية وفنان فوضوي لا يقيم وزنًا لقواعد أو ما شابهها. لكنّ الأديبة الكبيرة والحنونة دائمًا تصغي إليه وتخلط الحديث بلهجتها اللبنانية. أخبرني عيسى مخلوف في زيارتي الأخيرة إلى باريس أن فينوس بلغتْ حدًّا من وهن التقدم في العمر أطاح بمعظم قدراتها وجمالها الأخّاذ، حتى إنها صارت تستعجلُ النهاية الحتمية. ذات مرة خرجتُ من الفندق الذي كنا ننزل فيه ووجدتها أمامي بادرتني القول: «شو سيف صاحبك سعدي ليه عم يشرب قبل الفطور والقهوة؟» أجبتها: لا ست فينوس، لا أعتقد ذلك. قالت: كيف؟ قبل شوي شفت المشروب الأبيض اللألاء قدامه، تقصد المشروب الشعبي الهولندي… بعد فترة ليست بالقصيرة التقيتُ سعدي، لا أعرف بأي مدينة، ضمن الحديث الطويل قال منذ أيام كتبت رسالة إلى فينوس خوري بذاتها، الصديقة فينوس مطلعُها: «أنا صاحب الأبيض اللألاء، وأكملتُ الرسالة».

بشعره الطويل الأشيب

كان حمادي بشجرة شَعره الباسقة التي يعتني بها جيدًا يحضر يوميًّا الندوات والجلسات. ومرةً انبثق من العدم عراقيٌّ آخر أكثر غرابةً، أعرفه من الشام هو (أبو روزا وولف) كما كان يسمي نفسه في النصوص القليلة التي يكتبها وكان لاجئًا هو الآخر في هولندا. قال قرأتُ اسمك وجئت لأراك. بشَعره الطويل الأشيب المجدول كعقصٍ أخذ أبو روزا يتدفق بالحديث عن أيام بيروت والشام وتجربته في مجلة الرصيف، بمعية علي فودة ورسمي أبي علي، وكيف أن علي فودة أصابته قذيفةٌ أثناء الغزو الصهيوني الشامل على منظمة التحرير بفصائلها المختلفة، وفي مقدمتها (فتح) في لبنان آنذاك، وسقط فودة حيث أخذه الإسعاف الفلسطيني في منطقة الفاكهاني إلى ثلاجة الموتى، بعد فترة وجدوا فيه نَفَسًا ونبضًا وأسعفوه حتى استيقظ من غيبوبته. وتذهب الرواية إلى أنه قرأ خبرَ استشهاده في الجرائد وبعدها مات ميتةً حقيقية.

أتذكر أبا روزا في مطعم (اللاتيرنا) على جلسةٍ فيها مازات لنأكل وقت الغداء حين قال: «أنا نباتي لا آكل اللحوم». «طيب كُل حمص ومتبل وتبولة يا أبا روزا». أخذ يأكل ثم صرخَ صرخةً رهيبة: «شوفوا شوفوا، لحمة وسط الحمص مش معقول، أكيد المخابرات الأميركية والإمبريالية هي التي دست هذه اللحمة في الحمص لتدمير معتقداتي التي تحرم أكل اللحوم».

في رحلتي الأخيرة إلى باريس التقيتُ أدونيسَ وهو على ما أظن يكبرُ فينوس خوري غاتا، لكنه كان على نحوٍ جيدٍ من تماسك ذهني وجسدي وقد بلغ الخامسة والتسعين مثل الأديب الفرانكفوني الكبير صلاح ستيتية، الذي هو من أهم أصدقاء فينوس حيث رحل عن مثل هذا العمر، وقد كان ستيتية أيام هذه الندوة الشعرية في أمستردام سفيرًا للبنان في الأراضي المنخفضة، وألتقيه دائمًا وأستفيد من موسوعيته الفلسفية والأدبية العميقة. وكذلك مثقفةٌ أخرى كانت هناك سفيرة هي ليلى شهيد سفيرة فلسطين التي عرفتْ كيف تخاطب الرأي العام الأوربي بعدالة القضية، خطابًا عميقًا مقنعًا وكان لها حظوة بين مثقفي أوربا، وثمة نصٌّ مشتركٌ مع (جان جينيه).

وحده عبداللطيف اللعبي الذي التقيته في الرحلة الفرنسية إياها بدأتْ تستحوذ عليه هواجس الموت، فيمضي في مونولوج حول اقتراب النهايات، لكن ذلك لم يؤثر في وتيرة حيويته الخلاقة كتابةً ونضالًا من أجل قضايا العرب والإنسانية.

جملٌ أمام مئذنة

يصغي لأذان المغرب وزئير الصحراء

حمّادي في غيبوبته في البرزخِ الفاصلِ بين الموتِ والحياةِ، في المستشفى الذي زاره فيه الصديق نوري الجراح، وظل لدقائق يخاطب صمتَ الجثة وفي آخر نبضٍ لها قبل الرحيل، ربما قال له: يا صديقي، ما الذي أوصلك إلى هذا الحال؟ وما زلتَ لم تغادر فترة الشباب، ما الكوابيس التي مزَّقتْكَ إربًا في ليالي الغرب المدلهمة بالوحدة والصقيع؟

صمتُ الجملِ أمام المئذنة الوحيدة ورعب الصحراء، وهناك صمتُ الجثة الغريبة بين الغرباء.

السودان: نحو عقد اجتماعي جديد

السودان: نحو عقد اجتماعي جديد

إن التاريخ الاجتماعي السوداني لم يكتب بعد بالطريقة التي تسمح لأي باحث أن ينظر بأدواته نظرة موضوعية غير متحيزة. إن الذي نقع عليه في غالبه تحيزات وانصراف أكثر للمنهج الوصفي الذي من عيوبه أنه يركز على الإجابة على أسئلة «ماذا؟» بدلًا من، ما «سبب؟» موضوع البحث. فالغرض الرئيس من المنهج الوصفي في الدراسات الاجتماعية كما هو معلوم وصف طبيعة التركيبة السكانية التي تُدرَس بدلًا من التركيز على «السبب» في وجودها المستمر. وهذا هو الضرر من تعظيم المنهجية الوصفية في البحث، والباحث الذي يؤسس تحليله على الوصف فقط، فإنه يقع في التعميمات ويعجز عن الوصول إلى حقيقة الارتباطات بين المنهج والواقع. وزعمنا أن المنهج الوصفي هو الأطغى في العمليات البحثية فيما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي للسودانيين.

الهويات المتداخلة ودور الاستعمار

إننا نعتقد أن المدخل الصحيح لفهم طبائع التفكير العرقي عند السودانيين ينبغي أن يبدأ من البحث عن المصدر الذي تستقي منه الثقافة السودانية ثنائيتها، ولعل هذا المصدر يتعمق حضوره أكثر في مناطق غنية بالتعقيد، وبحاجة إلى مِلَاحَة جادة لفهم أسرارها. فلو اكتفينا بالتحقيب التاريخي لمعرفة مصدر الثنائية فانظر إلى مملكة سنار أو ما يسمى بـ(لقاء العرب بالفونج) وهو لقاء أنتج مقولات (الهُوِيَّة المَزِيج)، وصنع السؤال الخالد: أنحن عرب؟ أم أفارقة؟ والإجابة أننا كل ذلك وأكثر.

ثم جاء الاستعمار التركي، وصنع فينا ثنائية أخرى وهي (الحكم التركي في السودان)، وبدوره صاغ سؤال مشرقية السودان من إفريقيته، أو طرح وجوده في فضاءين؛ أولهما: متوسطي مشدود إلى الشرق الأوسط، والآخر: إفريقي يتمدد في الغرب الإفريقي. ثم جاء الاستعمار (الإنجليزي/ المصري «الخديوي») وصنع مؤسسات للحداثة محروسة بالتمييز والمغايرة؛ لينشأ المتعلمون في أحضان سؤال (الأصالة والمعاصرة) (الحداثة والتراث) وغيرها من مفردات معجم الثنائية السودانية.

حقيقة، لا يمكننا أن نتغاضى عن الدور الاستعماري الذي يتحمل الوِزْر في تفشي العصبية القبلية، نعم، الاستعمار ليس مؤسسة خيرية تقدم لنا خدماتها من دون أن يكون ذلك دليلًا لتحصين وجود المُستعمر، ولست من دعاة إلقاء اللوم في كل مشكل اجتماعي عندنا على دور الاستعمار، لكن أيضًا إذا أردنا الخلوص من الأزمات فإن أُولى خُطانا ستكون التعرف إلى مكامن الأذى، والاستعمار هو الأذى كله.

لقد صُمِّمت هذه البلاد على أسس « قَبَلِيَّة» حتى يسهل على المستعمر إدارتها، وقد استقر في روع المُستعمِر وهو يقلب النظر داخل جغرافيا شاسعة، وبالطبع مُكلفة، أنه بالإمكان إحكام القبضة الاستعمارية في السودان عبر إقامة شكل من أشكال الشراكات مع السكان والأهالي. ولأن دوافع الاستعمار تتلخص في حفظ الأمن أولًا، فقد تقرر منح القبيلة في السودان دورًا في الإدارة أو ما بات يُعرف بـ«الإدارة الأهلية»، ومنحها صلاحيات تنفيذية، وهذا ما عزز حضورها ومنحها سلطة اجتماعية استقرت بالتقادم، فالقبيلة وجدت لنفسها موقعًا سياسيًّا وتحت حماية المُستعمِر. وهذا بالضرورة مكّن للخيال القَبَلِيّ من أن يؤسس وعي المجموعة الإثنية أو التي تدخل في حِلفِهِ جغرافيًّا، ففي ١٨ أكتوبر ١٩٢٦م عيّن سير «جون مافي» حاكمًا عامًّا للسودان، وقد كان قبلًا حاكمًا للإقليم الشمالي الغربي بالهند. وقد قال سير جون في تقريره عن سنة ١٩٢٧م: إنه مقتنع بتوسيع الإدارة الأهلية وبتطبيق توصيات لجنة «ملنر» ١٩١٩م و١٩٢١م وقد خوَّل الأمر الصادر من مجلس الحاكم العام في سنة ١٩٢١م بأن يكون له تأليف «محاكم أهلية»، أي تؤلَّف من الأهالي في أي جهة، وأن يكون هناك نوعان من المحاكم: المحاكم العليا والمحاكم الصغرى. («السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية» (الجزء الثاني) – 1935م – ص 149- منشورات مؤسسة «هنداوي» 2013م).

تجهيز القبيلة بسلاح الإدارة والمال

لم يقتصر الأمر عند منح الأهالي سلطات قضائية لحفظ الأمن؛ إذ وسَّع الاستعمار هذه الصلاحيات حتى يكون للقبيلة القوة في إدارة مجتمعاتها، ومن أجل ذلك مدّها بالمال والسلطة. ونقرأ كيف وُسِعّت الإدارة الأهلية عن طريق السماح للمشايخ الأكفاء والموثوق فيهم بالرقابة على ميزانيات القبائل، وألفت جمعية تعاونية مَدَّتها الحكومة بالمال تحت إشراف محكمة أهلية في طوكر بإدارة المال المخصص للسُّلف الزراعية للزرَّاع في دلتا البركة. وقد جعلت قبائل البجة مع الهدندوة تحت مديرية كسلا بدلًا من محافظة بورتسودان. وفي نهاية ١٩٢٩م كان هناك (72) محكمة أهليَّة في شمال السودان سمعت أكثر من عشرة آلاف قضية. وفي سنة ١٩٣١م صدر قرار بشأن القبائل اللادينية في الجنوب. كما صدر قرار آخر في صدد المحاكم الأهليَّة في الشمال حل محل التشريع السابق. (السابق- ص 150).

نعم لقد رتّب الاستعمارُ السودانَ على أساس التكوينات القبلية، وبذا جُهّزت القبيلة بسلاح الإدارة والمال حتى غدت مؤسسة بالمعنى الاجتماعي؛ أي لها أدوار ووظائف تتجاوز حدود تكوينها الأصل، والسلطات التي مُنحت لزعمائها أثمرت في الوعي الاجتماعي العام، ولم يستطع العقل السياسي أن يتخلص من حضور القبيلة، أو على الأقل أن يوجد بدائل سياسية تحل محل هذه السلطات. حتى قانون عام 1970م القاضي بحل الإدارة الأهلية، كانت تعوزه المعرفة الثقافية بأوضاع السودانيين؛ لأنه ليس بكافٍ أن تلغي قانونًا وتستبدل به آخر من دون أن يكون القانون الجديد قادرًا على تلبية مشاغل المجموعات القبلية، وأن يقوم بالأدوار ذاتها التي كانت توفرها قيادة الزعماء المحليين في مناطق السودان المختلفة؛ لذا يذهب عدد من المراقبين إلى أن العنف الذي انفجر في دارفور يعود إلى غياب الإدارة الأهلية التي كانت تحفظ السلم الاجتماعي بين الرعاة والمزارعين.

نعم، يمكننا وضع كل هذا الذي سبق في سياقه الطبيعي لتطور المجتمعات، وليس بمستغرب أن تعيش مجتمعات قديمة معركتها مع التحديث، والسودان ليس استثناءً، لكن المجتمع السوداني لم تَجْرِ فيه تحولات جذرية وظلت مشكلاته مُرَحَّلة وبصلاحيات غير نهائية. فقد ظلت القبيلة تتصف بقوة السلطة على أفرادها ولم يستطع المثقفون/المتعلمون أن يقيموا نظامًا سياسيًّا وطنيًّا يلبي حاجات السودانيين، بل ظلت الأنظمة (عسكرية/مدنية) في حالة خِصام مع البعد الثقافي للمجتمع، واعتقدت أنه من اليسير حُكم بلد شديد التنوع مثل السودان من داخل القصر الجمهوري فقط، أو أن شكلًا من أشكال الفيدرالية النظرية يصلح لحكم مجتمع التنوع.

العنف وأزمة الهوية

إن الثنائية التي مارست أقسى أنواع العنف ضد المجتمع السوداني هي ثنائية (نيل/غرب) أو (الشمال النيلي) و (الغَرّابة) وهي ثنائية تنتمي إلى ما قبل ظهور خُطة محمد أحمد في طرد الأتراك، وقبل ذلك دولة العنف الديني للخليفة عبدالله. هذه الثنائية هي خلاصة مُركزة للعنف الاجتماعي في السودان، وبمقدورنا نسبة مظاهرها إلى الحقبة السنارية والتركية، وقبلها إلى تاريخ الدويلات والشراكات القبلية التي ظهرت في سودان القرن الخامس عشر- الثامن عشر. فما  الطبيعة المعرفية لهذه الثنائية التي تُعَدّ المصدر الرئيس لكل أشكال الصراع في السودان؟

هي المشهد الأكبر لأزمتنا في الهوية بين (أبناء البحر وأبناء الغرب) وإذ أردنا الخلاص؛ الخلاص من العنف في مستقبل بلادنا، فإنه ينبغي العمل على إزالة هذا الورم السرطاني من الجسد الاجتماعي السوداني، وعلينا أن نطرح الأسئلة الحقيقية حول الصراع المؤجل والمكتوم بين (أبناء البحر) ويقصد بهم أبناء الشمال والوسط السوداني، و(أبناء الغرب) من كردفان ودارفور وجبال النوبة، وبالطبع شرق السودان حالة ينبغي دراستها، لكننا هنا نشتغل على ثنائية (شمال/غرب).

لكن السؤال، هل هذه ثنائية عنصرية؟ أم هي شكل من أشكال اللاتوازن الاجتماعي بين السودانيين جميعًا؟ وما هذه الثنائية إلا مظهر سطحي لأزمة أكبر. والسؤال كذلك، هل أبناء غرب السودان هم جماعة ثقافية واحدة؟ أي أنهم متساوون في الامتياز الهوياتي لكونهم يعيشون داخل إقليم واحد؟ أم إن هناك ثنائيات مخفية يعيشها غرب السودان نفسه؟ ثم هل أهل شمال ووسط السودان هم أقلية ثقافية تعيش حالة من التعالي العرقي والاجتماعي على بقية السودانيين؟ هكذا ضربة لازب.. هذه أسئلة يجدر بنا البحث فيها ليس فقط طمعًا في الإجابة عليها بشكل نهائي، وهذا ليس بشغل المعرفة، ولكن بحثًا في حقيقتها المعرفية قبل كل شيء.

وباعتراف صريح ينبغي أن يُقِر السوداني المحكوم بالقبيلة أن عَقد الزيجات من خارج القبيلة أو الجماعة الثقافية مواجهٌ بتعقيدات تنتمي إلى الخلفية العرقية والإثنية لمن يراد مصاهرتهم. هذا يحدث في غرب ووسط وشمال وشرق السودان؛ لذا محاولة اتهام طرف دون آخر بهذه «العائقة الاجتماعية» التي تقف أمام محاولات التمازج الوطني تهمة يعوزها الدليل وتحتاج إلى الاعتراف بأنه فعل نقوم به كلنا وجهًا لوجه؛ لأن متاعب هذا النوع من المصاهرة، والمصاهرة من صَهَرَ، وتقول المعاجم العربية: صَهَرَ الشَّحْمَ بِالنَّارِ: أَذابَهُ. أي حوّله إلى كتلة واحدة. نقول: إن الذي يقف حائلًا دون عمليات المصاهرة بين السودانيين جميعًا، يعود إلى هيمنة الموروث وتقليدية البنى الاجتماعية التي لم تتطور بالصورة التي تجعلها تتخلص من ذاكرتها الحرجة تجاه نفسها والآخرين.

فالمجتمعات التي تعيش فيها القبيلة أطول تعاني متاعب في الاتصال والتواصل، أي أن قنوات العلاقات بين قبيل وآخر تحتكم إلى قوانين لا تنتمي مباشرة إلى الموضوع. بمعنى أن رفض المصاهرة بين الشمال والغرب لا يرتبط إلا بسبب عِرقي مقيت، وهذا السبب يقوم قانونه على (وهم) النقاء العرقي عند بعض المجموعات الثقافية، وهذا النقاء هو حصيلة تراكم الهوية بالعرق لا الثقافة؛ لأن معامل العرق لا يصلح لبناء معرفة جادة بالهوية الفردية أو الجماعية، وذلك لأن العرق ليس اختيارًا، ولا يمكنه أن يعيش في حالة يباس دون الاتصال بالأعراق الأخرى، وبالتالي يستطيع أن يعيش مدة أطول داخل أي مجتمع، بمعنى أن الهوية العرقية (وهم)؛ لأنها تقوم على مفهوم خاطئ للذات، مفهوم يفترض أن اللون؛ لون البشرة، وجَعَادة الشعر، وطول الأنف، وغلاظة الشفاه هي محددات ثقافية، وفي الأصل هي محددات عرقية تنتسب إلى دراسات الاستعمار حول الشعوب، وهي تلك التي تربط بين العرق والوعي.

وقد عادت العلوم الاجتماعية اليوم لتسخر من مفهوم (الهوية العرقية)؛ فمصطلح العرق «مفيد جدًّا»؛ لأنه لا أحد يعرف بالضبط ما يعنيه، وأنه من الصعوبة تحليل نشاط المجتمعات على أساس عرقي، كما أن مفهوم المجتمع «الإثني» يتلاشى عندما يحاول المرء تصوره بدقة. (نهاية العرق (بالفرنسية) -كريستل مولر- الصفحات (15). ولذلك يظل مسعانا يتصل بقبولنا هذا الاختلاف لكن مع العمل على تطوير المجتمع عبر الكتابة والبحث والدراسة، أن نعيد تركيب المناهج بالصورة التي تكشف عن محددات تضامننا الاجتماعي وليس تعزيز الفوارق، فلا مصلحة لأحد في هذه الجغرافيا الغنية بالإنسان والموارد أن يظل أبناؤه في اقتتال على تخريبه لا إعماره، تخريب يستند على مشكلات زائفة ولكنها تجد التوظيف المؤذي. حقيقة إن السودان بلد يستحق منا أفضل مما نفعل.

الوريث أو رحلة أيوب المضنية إلى اللايقين

الوريث أو رحلة أيوب المضنية إلى اللايقين

«الوريث» (دار الكتاب، تونس) هو النص الروائي الأخير للكاتب والمسرحي حازم كمال الدين. يختزل الكاتب من خلال العنوان الحالات الثقافية والاعتقادية والتاريخية للأبطال، وأيضًا الأحداث السياسية الكبرى التي مر بها الوريث منذ جنينيته إلى مرحلة شبابه، والتي لم تمنحه نضوجًا بقدر ما هوت به إلى القاع وهو لا يزال على حالته الطفولية.

فما رمزية الرواية في متن المسرحي والروائي العراقي حازم كمال الدين؟ وماذا يمكن أن يورث شخص مولود في جغرافيا معينة راكم الإحباطات والفواجع؟ على امتداد المسافة الفاصلة بين الصفحة الأولى والصفحة 375 تتوالى صور الفواجع والمفاجآت، محاولًا تجسيد سخطه وكفره بما آل إليه وضع الإنسانية والتجارب النضالية كذلك. فإذا كانت الميتا سردية تكفر بكل السرديات الكبرى عبر هدم كل الحقائق المطلقة، فإن الكاتب في «الوريث» اتجه لنقد كل أشكال النضال كافرًا بكل بوادر الأمل في التغيير في واقع بلاد الرافدين. هذا الكفر يمتد إلى واقع المنفي في بلاد الاستقبال أيضًا، حيث تسود مظاهر الانتهازية والغش والكذب والخيانة والعمالة، وقد تصل إلى حد تشويه المناضل. فأي تغيير يمكن أن يأتي من أولئك الذين لم يستطيعوا تغيير واقعهم ورؤاهم في عالم يتغير باستمرار… وأي رسالة تاريخية يقدمها نص «الوريث»، إن لم تكن سوى إيهامنا بأن ما يمكن أن يورث هو مجرد وهم الواقع ووهم التغيير…؟ لن يرث البشر من الوريث سوى أضغاث أحلام وأوهام ستقوده إلى غياهب المنفى وجراحاته، التي لا تقل إيلامًا وعذابًا عما قاساه في رحم اتسع له وهو يزن 900 كلم، بينما ضاقت عليه بلاد كثيرة وقد انكمش إلى حد 2 كيلو ونصف. أليست هذه مفارقة مضحكة محزنة تمامًا كما الشر حيث فيه من الهم ما يضحك؟

الكاتب في نصه هذا يؤمن، كما دأبه، بأنه كلما ازداد التزمت الديني كبرت غابة التمرد، ما دفعه لمعانقة الأفكار اليسارية وهو الذي ترعرع في بيئة دينية محافظة. غير أنه لا ينكر أن الفقه علمه الانتصار للمضطهدين. هذا الانتصار الذي جسده في نصوصه الإبداعية.

فأية رسالة أراد الكاتب حازم كمال الدين أن يرسلها لنا عبر نص «الوريث»، هل هي رسالة إنذار؟ خطاب وعيد؟ أم وصية من خَبر كل الإكراهات والهزائم في طريق المغامرات الطويل وربما غير النهائي؟ أم هي في النهاية تعويذة من ولي صالح اجتاز كل الأساطير، والإخفاقات السياسية، والفكرية، والوجودية؟

تقنيات النص الميتا سردية

الحوار مقلص إلى أبعد حدوده، بل ربما إلى درجة انعدامه في النص وهو ما يوحي بأن الكاتب يؤمن بأن البيئة التي يتحدث عنها، وثقافتها، تحارب الحوار والجدال، بل هي منطقة الأمر والنهي دون مناقشة أو حوار. من هنا سيلحظ القارئ بأن مساحات الحوار قليلة جدًّا وقصيرة اختزلها إلى الحد الأدنى، وفي الآن نفسه تعددت المونولوغات، أي الحوارات الداخلية. الشخصيات تُختزل إلى كائنات تحدث نفسها؛ لأنها لا تستطيع البوح وبالتالي المواجهة. والكاتب يحيل إلى بيئة القمع وثقافة تكميم الأفواه وتعطيل العقول، التي تتصف بها المجتمعات الدكتاتورية سياسيًّا ودينيًّا.

هذه الحوارات الداخلية أو المونولوغات جعلت من نص الوريث نصًّا يمنح الشخصيات مكانة مناسبة تجعل من كل شخصية كيانًا قائمًا بذاته، ولكن دون أن يفقد اتصاله بالآخرين وبواقعه، بل الأهم بذاته، من خلال المونولوغات المكثفة التي تمثل أحد يقينيات ما بعد الحداثة حيث لا حقيقة مطلقة. وحدها النسبية سيدة الموقف في عالم يعج بالمعلومات الافتراضية المتدفقة التي تفتقد للمصداقية، فالعالم في النهاية، شرقه وغربه، ليس سوى أيقونة لمجتمع الصورة الزائفة كما يرى عالم الاجتماع الفرنسي بودريار.

الاسترجاع والاستباق

يتخذ نص الوريث شكل الاسترجاع، من خلال اعتماد فكرة الأحلام؛ إذ يحكي الراوي أحلام الشخصية الرئيسة، غير أن ما يثير الفضول هو اعتماد الكاتب على فكرة استنطاق الجنين في بطن أمه، إنه أيوب الذي لا يشبه باقي الأجنة. فائض الوزن، ولكنه متقد الذاكرة حين يروم استرجاعها، يعود لغابر الزمن ليحكي مآل حضارة وشعب وأفكار قد تكون مرت، ولكنها ما زالت تعود وتتكرر عبر الحِقَب، وكأن الزمن استحال سكونًا في الواقع ولكنه يستمر جريانه في ذاكرة أيوب.

إن تقنية الاسترجاع التي تتخذ من الذاكرة وسيلة سردية تجعل من التجول في الماضي ومن فكرة الزمن أساسًا للسرد والحكي، فلا يمكن أن تقوم هذه التقنية خارج الزمن. فالجنين ينمو ويكبر مستمرًّا في ممارسة الاسترجاع من خلال الزمن الماضي والمستقبل دون أن يبتعد كثيرًا من الحاضر الذي هو نتيجة الزمنين على أية حال. الاسترجاع أيضًا كتقنية يعتمد الاستباق من خلال أحلام أيوب، هذه الأحلام التي هي مثل نبوءة تأتيه جنينًا وتستمر معه بعد الولادة، مستدعيًا هنا تقنية الاستباق كما يعرفها جيرار جينيت: «بأنها حركة سردية تقوم على أن يروى حدث لاحق أو يذكر مقدمًا» (جيرار جينيت عن حميد لحميداني، «بنية النص السردي»، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب،1991 ص 65). كما لا يخفى أن مثل هذه التقنيات وغيرها من تقنيات النص الروائي ما بعد الحداثي تدخل ضمن ثورية النص على القوالب الجاهزة ضمن التحولات الكبرى للميتا سردية. وهو أمر يضعنا أمام حقيقة أن ثورة النص ما بعد الحداثي لم تكن مجرد ثورة شكلية بقدر ما هي ثورة موقف ورؤية. كما أن تقنية الانعكاسية الذاتية كإحدى تقنيات رواية ما بعد الحداثية، وظفت في النص على نحو لافت حيث نجد صدى الأحداث السابقة تعود من خلال استعادة تجارب أيوب الذي لا يمكن أن ينفصل عن تجربة الروائي نفسه.

وحازم كمال الدين حينما يطرح أسئلة من قبيل: «هل يجب أن أذوّب كودتي لكي أقترب من كودة الآخر وننسجم؟ ألا مناص إلا من قبول الغرب بوصفه مركز العالم، وما تبقّى، وأنا منه، ليس سوى هامش على مشروع تهجين الغرب؟ هل يتوجّب تكسير رأسي لتكون العقلانية هي الحقيقة المركزية الوحيدة؟ هل لزامٌ عليّ إقرار أنّ البشرية مُؤسسة كما كتب ديكارت «أنا أفكّر إذن أنا موجود»، أو «في البدء كانت الكلمة؟» وهل عليّ الخضوع وترتيب بيت نفسي لإقرار المعلوماتية بوصفها الأسلوب الأمثل للتطور المعرفي وأدثّر «الفعل والتفاعل» وأضعهما في قفّة أدفعها لتخوض أمواج بحر مُتلاطم؟».

بهذه الأسئلة التي طرحها الكاتب بوصفه مسرحيًّا؛ يجعلنا نُقِرّ، من خلال نصوصه الروائية والمسرحية عبر زمنه الإبداعي الممتد إلى أزيد من نصف قرن، أن نص الوريث كان بحق خلاصةً وجوابًا لكل هذه الأسئلة. ففي نصه الروائي هذا تمكن حازم كمال الدين من بلورة تصوراته عن العملية الإبداعية من خلال تقنيات رواية ما بعد الحداثية، وأيضًا تصوراته حول نضاله الفكري والوجودي والأيديولوجي، وذلك من خلال محاكمة مصيره في ارتباط وثيق مع مصير كل مناضلي تلك البقعة (بلاد الرافدين) التي تعيش ولم تبرح جراحاتها منذ أكثر من سبعة قرون، وهي حقبة السبات الطويل والمستمر للإنسان العربي، مع أنه وجب تأكيد أن «الوريث» هو أيضًا نص عابر للأمكنة، وليس فقط الأزمنة، كما جاء في مقدمة الرواية بقلم فتحي بن معمر؛ ذلك أن الحكي انتقل من بلاد الرافدين إلى بلاد الاستقبال (بلجيكا هنا) مرورًا بالأسواق البابلية في بلاد الرافدين وأسواق عكاظ العربية.

الصوت النسائي الطاغي

في عمله هذا أراد الروائي كمال الدين، على ما يبدو وكما هي أغلب أعماله السابقة، وضع الصوت النسائي في مكانة مهمة في نسيج أحداث الرواية. فالعمة البتول، وهي الشخصية النسائية المهمة، لها أدوار رئيسة ومتعددة. فهي، إضافة لكونها عمة البطل أو الشخصية الرئيسة وهو أيوب، تؤدي دورًا ثقافيًّا وسياسيًّا، بل حتى وجوديًّا إن صح التعبير، بل هي كل الأساطير والأفكار المتوارثة التي تتحكم في سكان القلعة الجليلة، وهي أيضًا المتحدثة باسم «الفهود»، هذه الكلمة التي تحيل على ثقافة منطقة وادي الرافدين، وفي الآن نفسه أراد الكاتب أن يمنح اسمًا لكل متحكم في الحياة والسياسة، بل الوجود بشكل دكتاتوري.

الروائي في عمله هذا جعل للأنثى صوتًا على الرغم من أنه ليس مسموعًا دائمًا، بل هي تعبر بالجسد ومعاناته، ما يحيل إلى المعاناة النسائية الأبدية في مجتمعات القمع الأبوي. والروائي في لفتة ذكية جعل من صورة المرأة وفي شخصية العمة البتول (عمرها 750 سنة وهي أيضًا سنوات انحطاط الأمة) رمزًا لأجيال التخلف الفكري الذي تكرسه النساء من خلال التربية القامعة والأبوية المدعمة بسيل من الشعوذة والسحر. ما زال الروائي كمال الدين، كما هو دأبه، يتخذ في نصه شكل عنكبوت متلونة، حيث تتشابك خيوط اللعبة/الرواية، في محاكاة لخيوط الخيبة في الواقع السياسي والثقافي للعالم غربه وشرقه.

تقنيات المسرح على ركح الوريث السردي

لا يمكن أن يتغاضى أي قارئ لرواية «الوريث» عن استدعاء تقنيات المسرح الياباني، وبخاصة مسرح «البوتو» الذي أسسه الفنان الياباني أجي كاتا والذي يعتمد على حركات الجسد، وهو يمثل التعبير العنيف للإنسان في عالم يتسم بصراع الإنسان ضد نفسه وضد الأوضاع السائدة. فاستدعاء البوتو في أعمال حازم كمال الدين ومن بينها روايته الأخيرة «الوريث» يحيل إلى الوضع القاسي الذي آل إليه أيوب الشخصية المحورية للنص، ولكن أيضًا الصدمة التي تلقتها الشعوب العربية بعد «الربيع العربي» تمامًا وفي توازٍ فني جميل صدمة الشعب الياباني بعد الحرب العالمية.

في المحصلة هل يمكن للإنسان العراقي هنا أن يتخذ موقفًا معينًا، ففي زمن يصبح الوطن فريسة لقوى عديدة ومتناقضة يغدو الانحياز إلى أي جهة خيانة للمبادئ، فلا يمكن دائمًا أن نطبق دعوة أنطونيو غرامشي بضرورة الانحياز لموقف معين، فزمان أيوب المرتبط بعراق الزمن المعاصر في «الوريث» ليس كمثل زمان غرامشي في إيطاليا الفاشية. ليظل موقف الحياد والاستسلام، على الرغم مما يحمله من الإحساس بالهزيمة، أشرف موقف في زمن انعدام المواقف. وليعلن الكاتب على لسان أيوب: «نسيت خياراتي ولا خياراتي».

ثلاثيةُ الهزائم والكرامة والانتصار

ثلاثيةُ الهزائم والكرامة والانتصار

في بعض هزائمنا كرامةٌ تفوقُ الانتصار، وحكمةٌ أعمقُ في تحمل المسؤولية، ورؤيةٌ بعيدة المدى، تنظر إلى المستقبل في بعده الإنسانيّ؛ الفرديّ والأمميّ. وهي فرصةٌ، أيضًا، لتأمُّلٍ أعمقٍ في فهم المسؤولية الإنسانية، عندما نَحتَكِمُ إلى النصوص الدينية، والمذاهب الفكرية الوجودية، والإنسانية العلمانية. ولعلنا نبدأ بتساؤل فلسفي مفتوح، حول جوهر الإنسانية: «مَنْ نحن؟»، وما السبيل إلى ذلك في السياقات الدينية، والفلسفية، والعلمية، وفي كل محطة من حواراتنا، وصولًا إلى ربطنا لهذه المفاهيم بكيفية تأثيرها في دورنا في هذا العالم، ومكانتنا فيه؟

وجه آخر للانتصار

تثير ثلاثيةُ الهزائمِ والكرامةِ والانتصارِ تفكيرًا عميقًا حول قيمة النجاح والفشل في حياتنا، وتشكل تحديًا للفهم التقليدي للنجاح، كقيمةٍ نسعى إلى تحقيقها، وإلى الفشل كمنقصةٍ يجب تجنبها. ولعل الأمرَ، في بعده الفلسفي، نِسبيٌّ في سياقات تقتضيها محكاتٌ لا انفكاك منها، فقد تكون الهزيمةُ نتيجةً للتَّمسُّكِ بالمبادئ الأخلاقية أو القيم الشخصية، وإن لم يؤدِّ ذلك إلى تحقيق النجاح بالمعنى التقليدي، فهذا النوع من «الهزائم» هو انتصارٌ للكرامة واحترام للذات، وإعلاء للمبادئ والقيم الفردية والعامة.

إنّ الكرامة والأخلاق مسألتان محوريتان في تكوين هويتنا الشخصية والعامة، ويرى الفيلسوف كانط أن الكرامة تنبع من القدرة على التصرف وفقًا للقانون الأخلاقي العالمي، بغض النظر عن العواقب. وبالتالي، قد تكون الهزيمة التي تحافظ على كرامة الشخص، وتمسكه بالأخلاق، على المدى الطويل، أكثر قيمة من انتصار يكون ثمنه الخيانة، أو التضحية بالمبادئ. واحتكامًا إلى هذا المفهوم، علينا التفكير فيما نعتبره نجاحًا في حياتنا، وكيف يمكن لقراراتنا أن تعكس القيم الأساسية التي نحملها.

في كتاب «الأمير» لمكيافيلي، وعلى الرغم من أنه يُعرف بنظرته البراغماتية للسلطة، في مقولته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، فإن هناك أجزاءً في النص تناقش أهمية الفضيلة والشرف، حتى في وجه الهزيمة. ويتناول فريدريتش نيتشه في «الإنسان الأخير»، فكرة الإنسان الذي يتنازل عن كل شيء من أجل النجاح، لكنه في النهاية يفقد كرامته وهويته. وتظهر المسرحية اليونانية القديمة «أنتيغون» لسوفوكليس، كيف تتمسك أنتيغون بمبادئها، وتُعارض القانون الظالم، وهو ما يؤدي إلى هزيمتها ولكن بكرامة. وفي الأدب الإنجليزي تأتي فكرة «البطل المأساوي»، التي تجسدت في شخصيات مثل هاملت وأوديب، اللّذَين واجها الفشل والمصاير المحتومة، ولكنهما ظَلّا محتفظين بكرامتهما، من خلال التمسك بالحقيقة والمبادئ الأخلاقية. ويناقش جوزيف كامل في روايته «البطل بألف وجه» الرحلة البطولية، التي تضمنت العديد من الصراعات، والهزائم، والتي أسهمت في صقل الشخصية البطولية، وأكسبتها معنى أكثر عمقًا، وجمَّلتها بالكرامة. وفي «الحرب والسلام» لتولستوي، يواجه العديد من الشخصيات تحدياتٍ وهزائمَ تُظهر قوتهم الأخلاقية ونبلهم، حتى في ظل الخسارات. كل هذه الأعمال، وغيرها، تعكس فكرة أن النجاح، ليس دائمًا، ما يُحَقِّقهُ المرءُ بالفوز أو الانتصار، ولكن، أحيانًا، بالثَّباتِ على المبادئ، والحفاظ على الكرامة؛ حتى في وجه الفشل.

يُعد الشيخ سانتياغو في رواية «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، مثالًا بارزًا للبطولة التي تعكس المقولة الشهيرة: «قد يُحطم الإنسان ولكن لا يُهزم». هذه المقولة تسبر أعماق الصراع الإنسانيّ بين الإرادة والمصير، وبين الانكسار الجسديِّ والثَّباتِ الرُّوحيِّ.

وقد يُفَسَّرُ الصّراعُ بين الهزيمةِ والنصر في الرواية، من خلال مفاهيم الـ«أنا» و«الأنا العليا» في النظريات النفسية، خصوصًا تلك التي طورها سيغموند فرويد. فالـ«أنا» تمثل الجانب الأكثر واقعية وتكيفًا في الشخصية، التي تحاول التوفيق بين الرغبات البدائية والمطالب الأخلاقية والاجتماعية. أما «الأنا العليا» فتمثل الجانب الأخلاقي والمثالي في النفس. في قصة سانتياغو، تظهر الـ«أنا» في تصميمه على البقاء والقتال ومحاولة التغلب على الظروف الصعبة من أجل البقاء، والفوز بالصيد الكبير. لكن «الأنا العليا» تتجلى في احتفاظه بكرامته، واحترامه للطبيعة والمخلوقات التي يصطادها، وفي تَقَبُّلِهِ للهزيمة، دون أن يفقد إحساسه بالذات الأخلاقية والمعنوية. فالمنطقة بين الهزيمة والنصر في هذه الرواية تنبع، إذًا، من صراع داخلي بين هذين الجانبين من النفس، حيث يجد سانتياغو الكرامة حتى في الهزيمة؛ لأنه لم يفقد إنسانيته، ولم يتخلَّ عن مبادئه الأساسية. هذا مدعاةٌ للتفكير في القيم التي تحدد النجاح الحقيقي، وكيف أن الكرامة والثبات، يمكن أن تكونا أهمّ من الفوز الظاهريّ.

دروس الهزائم

كان الصراع، في تاريخ البشرية، دومًا، جزءًا لا يتجزأ من التطور الاجتماعي والسياسي. كل حرب تُخلف وراءها طيفًا واسعًا من النتائج، من الانتصارات التي يحتفل بها فريقٌ، إلى الهزائم التي تجلب الأسى والدمار للآخرين. إنّ الانتصار في أي صراع تاريخي، لا يعني كسب المعارك العسكرية وحسب، بل يشمل تأثيرات طويلة المدى في الثقافة، السياسة، والهويات الوطنية والشخصية أيضًا.

ويظهر الصراع، سواء كان قسريًّا أو اختياريًّا، كيف تُقْسَم المجتمعات بين فائزين وخاسرين، وكيف يُشَكِّل كلٌّ من الانتصار والهزيمة الهوية الجماعية، ولكن الهزائم، على وجه الخصوص، قد تكون لحظات تعلم مهمة، ففي كثير من الأحيان، تكشف الهزائم عن قوة الروح الإنسانية، والقدرة على الصمود، وإعادة البناء. لقد شهدت أوربا بعد الحرب العالمية الثانية هزائم مدمرة، لكنها شهدت، أيضًا، تعاونًا وتكاتفًا ملحوظين في إعادة البناء والتعافي، الذي أسّس لتكوين الاتحاد الأوربي، ففي هذا السياق، كانت الهزيمة بمنزلة بداية لعملية بناء شكلٍ جديدٍ أكثر نفعًا وجدوى.

وحَرِيٌّ بنا النظر إلى الصراعات والحروب من منظور نقدي، يأخذ في الحسبان، إلى جانب التأثيرات، العسكرية، والجغرافية السياسية، الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية. حيث علّمنا التاريخ أن الهزائم تحمل دروسًا عميقة، لا تقل أهمية عن دروس الانتصارات. إنَّ التاريخ مليء بالأمثلة التي تُظهر كيف أن الانتصارات والهزائم مرت وتلاشت، بينما استمرت الإنسانية في التطور والتكيف، فمع مرور الزمن، تُصبح الأحداث التاريخية الكبرى جزءًا من الذاكرة الجماعية، وتشكل جزءًا من الهوية الثقافية والوطنية، وتستمر الحياة اليومية للناس بتحدياتها وآمالها وطموحاتها.

لقد شهدت الحضارات العظيمة، كالأكادية والبابلية والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية والعثمانية وغيرها، فترات من الانتصارات العظيمة والهزائم المؤلمة كذلك، ولكنّ ما تركته من إنجازات في العلوم، والفنون، والهندسة، والفلسفة، والآداب وسواها، ما زال يؤثر في حياتنا حتى اليوم. لقد أثرت الهزائم التاريخية في فهم وتشكيل السياسات المستقبلية، وتعزيز العلاقات الدولية، وفي تطور النظريات الاقتصادية والسياسية، فالصدمة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، أدت إلى إنشاء الأمم المتحدة، ونظم جديدة للحكم والتعاون الدولي، تهدف إلى منع تكرار مثل هذه الكوارث، ولكنها بكل أسف تحدث، نتيجة غطرسة القوة وزيف الانتصارات الميكانيكية على حساب الإنسانية. إن هذه الأمثلة، وسواها، تُظهر أن الإنسانية تستمد قوتها من القدرة على التعلم من التاريخ، والبناء على الماضي، سواء كان ذلك الماضي مليئًا بالانتصارات أو الهزائم. ومن هذا الوعي تكون قادرة على المضي قدمًا، وإعادة التفكير في الذات، والمجتمع، بما يُحدد مسار التقدم الإنساني.