بواسطة الفيصل | أكتوبر 7, 2024 | تقارير
قد لا تتوافر أرقام دقيقة حول الأعداد الكبيرة التي ترددت على معرض الرياض الدولي للكتاب، ولا ما أنفقته هذه الأعداد من مبالغ مقابل اقتناء كتبهم المفضلة، إلا أن المتابع لفعاليات المعرض، والمهتم بتقصي أخباره، سيلحظ أن المعرض، شأنه في كل سنة، تحول إلى مناسبة ثقافية مفتوحة، حفلت بفعاليات متنوعة لم تقتصر على الكتاب وثقافته، إنما تخطت ذلك إلى فنون ومجالات مختلفة، جذبت إليها شرائح مختلفة من المتلقين. وبات الحضور الكثيف للمعرض، سمة بارزة لهذه التظاهرة الثقافية الكبرى. تجاوزت الأنشطة التي نظمها المعرض 200 فعالية تناسب جميع الأعمار، وشملت عددًا من الندوات والجلسات الحوارية، والمحاضرات والأمسيات الشعرية، والعروض الفنية والمسرحية، وورش العمل التي تناقش موضوعات مختلفة في شتى المجالات، بمشاركة نخبة من الأدباء والمفكرين والمثقفين من السعودية والمنطقة والعالم.
وبات معرض الرياض الدولي للكتاب الحدث الثقافي الأبرز في المملكة، ومن بين أبرز الأحداث الثقافية في العالم، ومنصة ثقافية تجمع صناع الأدب والنشر والترجمة من المؤسسات ودور النشر المحلية والدولية مع القراء والمهتمين بشؤون الثقافة ومجالات المعرفة. واستضاف المعرض كوكبة من الشخصيات الأدبية والفنية ورواد الثقافة من المنطقة والعالم، كما خَصَّصَ فعالياتٍ ثقافيةً وترفيهية متنوعة للأطفال في منطقة الطفل، وركنًا خاصًّا لعرض أعمال المؤلفين السعوديين، ومنصات لتوقيع الكتب التي تتيح للجمهور التقاء مؤلفيهم المفضلين لتوقيع أحدث إصداراتهم.
من ناحية، سعت النسخة الجديدة من المعرض إلى تقديم تجربة جديدة من خلال استثمار التقنية في عالم النشر الرقمي، ودعم الابتكارات في صناعة الكتاب، مع التركيز على إصدارات الكتب الإلكترونية، ومنصات القراءة التفاعلية، حيث يمثل ذلك جزءًا من رؤية المملكة 2030؛ لتعزيز التحول الرقمي في مختلف المجالات، بما فيها المجال الثقافي.
ويجسد معرض الرياض الدولي للكتاب 2024م، طموحات المملكة نحو تطوير الفكر والثقافة، حيث يعكس الاهتمام بإبراز أهمية الكتاب في بناء أجيال واعية ومتعلمة، وبناء مجتمع معرفي رائد.
الرياض تقرأ
وكان المعرض، الذي تنظمه هيئة الأدب والنشر والترجمة، قد انطلق تحت شعار «الرياض تقرأ» في حرم جامعة الملك سعود (26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر 2024م)، بمشاركة أكثر من 2000 دار نشر، من أكثر من 30 دولة، موزعة على أكثر من 800 جناح، إضافة إلى مشاركة هيئات ومؤسسات ثقافية سعودية وعربية ودولية، فشكل المعرض منصة رئيسة للناشرين وللتبادل الفكري والثقافي، وملتقى للأدباء والمفكرين وصنّاع الثقافة والمعرفة وعشاق الكتاب من دخل المملكة وخارجها.
وحلت دولة قطر ضيف شرف للمعرض هذا العام، فقدمت لزواره تجربة ثقافية مميزة تعكس منجزاتها الأدبية والفكرية، وموروثها الثقافي الأصيل وتاريخها وفنونها المتنوعة، وذلك من خلال جناح يستعرض مخطوطات وإصدارات وزارة الثقافة القطرية، بمشاركة رموز الثقافة القطرية والمواهب والمبدعين القطريين، ضمن برنامج ثقافي منوع وثري.
وقال الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور محمد حسن علوان: «نعمل وفق إستراتيجية متكاملة تترجم رؤية وتوجيهات وحرص القيادة الرشيدة على تعزيز الريادة الثقافية للمملكة عربيًّا وعالميًّا، وتحويل الثقافة لأحد أهم ممكنات النهوض بالوعي المعرفي والثقافي للمجتمع، ودعم اقتصاد الصناعات الإبداعية والفكرية، وتمكين صناعة النشر وتزايد حركة التأليف والترجمة السعودية، بما يسهم في الارتقاء بجودة الحياة، ودفع عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي الوطني لتحقيق أهداف الإستراتيجية الوطنية للثقافة المنبثقة من رؤية المملكة 2030».
وأوضح أن نسخة هذا العام تشهد تطورات متعددة، أتت في إطار جهود الهيئة المستمرة لتطوير هذا الحدث وفتح آفاق ومجالات جديدة تعزز شمولية ما يقدمه قطاع الثقافة والنشر محليًّا.
وأشار الدكتور علوان، إلى أن اختيار دولة قطر ضيف شرف للمعرض، يعكس الدور الثقافي والفكري الرائد لقطر في مشهد الثقافة الخليجي والعربي، وعمق الروابط الثقافية والتاريخية الوطيدة التي تربطها بالمملكة.

جوائز وتكريمات
كرمت هيئة الأدب والنشر والترجمة، الفائزين بجوائز المعرض، ففاز بجائزة التميز في النشر، «مجموعة تكوين المتحدة للنشر والتوزيع»، وفاز بجائزة التميز في النشر لفئة الأطفال، «جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وفازت «دار جبل عمان ناشرون» بجائزة التميز في النشر لفئة المنصات الرقمية، وتُوِّجَتْ دار عصير الكتب للنشر والتوزيع بجائزة التميز في النشر لفئة الترجمة. أما جائزة التميز في النشر التي تأتي دعمًا وتشجيعًا للإبداع المحليّ، وتُمنح للمحتوى السعودي المتميز الذي يعكس ثقافتنا وتراثنا الغني، ففازت بها دار «تأثير للنشر والتوزيع».
المسلم والفانتازيا
من فعاليات المعرض التي شهدت حضورًا كثيفًا، ندوة للكاتب والروائي أسامة المسلم، الذي يُعَدّ من أكثر الكتاب الذين لهم أكثر الكتب مبيعًا في العالم العربي، إنْ لم يكن أكثرهم على الإطلاق، في هذه الندوة أكد المسلم أهميةَ دور معرض الرياض الدولي للكتاب، في إثراء الحراك الثقافي في المملكة والمنطقة، ودعم حركة النشر، وحَفْز الأدباء للمزيد من الإبداع على نطاق أكبر، مشيرًا إلى أن هناك تطورًا ملحوظًا لأدب الفانتازيا في السعودية، وتسير الإصدارات في هذا الاتجاه على الخط الصحيح نحو الانتشار في العالم العربي. وقال المسلم، في ندوة بعنوان «الرواية والفانتازيا»: إن الإبداع في أدب الفانتازيا، يتطلب ضرورة إلمام الكاتب بالإرث العربي الزاخر بالقصص والحضارات؛ إذ يبرز دور الروائي من خلال تقديمها بطريقة مستساغة، لافتًا إلى أنه لا يوجد خيال أو واقعية مطلقة، بل يجب المزج بينهما.
وحول مدخله إلى أدب الفانتازيا، أوضح المسلم، أنها كانت بداية خجولة، حين كان أدب الفانتازيا في نظر بعض النقاد لا يعدو كونه أشبه بمكمل غذائي لا أكثر، مبينًا أن استمراريته في مجال أدب الفانتازيا جاءت على خلاف توقعاته في بداية مشواره؛ إذ كان يعتقد أن رواية «خوف» ستكون البداية والنهاية معًا.
دعم الكُتّاب الشباب
من الأدوار المهمة التي يلعبها معرض الرياض، دعم المؤلفين الشباب في إطلاق باكورة أعمالهم الأدبية؛ لذا ينتظر كثير منهم هذه المناسبة لتقديم مؤلفاتهم لجمهور القراء من الزوار، متطلعين إلى أن يسهم المعرض في التعريف بهم وبأعمالهم، في هذا الشأن يرى الكاتب الدكتور تركي بن ماطر الغنّامي، بوصفه أحد المؤلفين الذين استفادوا من هذه التجربة من خلال نسخة سابقة من المعرض، أن معارض الكتاب ذات دور مهم في هذا الشأن، بل إن الساحة الثقافية والأدبية طالما كانت تدين لمعارض الكتاب بذلك الفضل، بإسهامها في إثراء الحراك الثقافي بصفة مستمرة بأجيال جديدة من الكتّاب والمؤلفين. وعدّت الكاتبة أمل حمدان معرض الكتاب النافذة الأولى لها لتقديم باكورة أعمالها الأدبية، فالمعرض أتاح لها فرصة لقاء جمهور القراء، والحديث معهم عن كتابها الأول «بصمة أمل» الذي جمعت فيه ملخصًا لتجربتها الممتدة لأربع سنوات، بين العمل كإعلامية ومثقفة مرتبطة بالعمل الأدبي والثقافي.

ورش عمل
شهد المعرض عقد عدد من ورش العمل والجلسات النقاشية في فضاء مفتوح بين أجنحة دور النشر، وهو ما جذب الزوار وأتاح لهم فرصة التفاعل المباشر مع الكُتاب والمفكرين. وتسهيلًا على رواد المعرض لم يُشترَط التسجيل المبكر لحضور الورش والجلسات إلزاميًّا، فأمكنهم الاستفادة من خبرات الضيوف عبر الدخول مباشرة إلى الورش، التي تميزت بالمحافظة على خصوصية طابع الورش على الرغم من إقامتها في فضاء مفتوح. وتوافقت موضوعات ورش العمل في المعرض مع مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للثقافة، التي تسعى لتعزيز التنوع والثراء الثقافي.
هموم الترجمة
في ندوة حول الترجمة، بعنوان «الترجمة وصناعة الهوية الوطنية» نظمتها جمعية الترجمة بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، أكّدت متخصصتان في الترجمة ضرورة استثمار التقنية للوصول إلى الشعوب الأخرى والتركيز على المحتوى السمعيّ البصريّ، ودَعَتَا إلى عدم الاكتفاء بالترجمة للغة الوحيدة، والانتقائية في اختيار الأعمال الصالحة للترجمة، والتعامل الممنهج مع وسائل الذكاء الاصطناعي، مع المحافظة والاعتزاز بالهوية الوطنية.
شاركت في الترجمة رئيس قسم الترجمة بجامعة الأميرة نورة الدكتورة فادية الشهري، وأستاذة الترجمة السمعية البصرية الدكتورة عبير الفيفي، وأدارتها أستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة مشاعل الحماد. وأبرزت الندوة دور المؤسسات المهتمة بالترجمة سواء الحكومية أو الخاصة في التعريف بالثقافة وتمثيل الهوية وتصديرها للآخر. وأكدت الدكتورة فادية الشهري ضرورة انتقاء النصوص المراد ترجمتها ودراستها. من جانبها قالت الدكتورة عبير الفيفي: «إن الترجمة تجعل الشعوب تسمع منا لا عنا، وهذا يتحدى الصور النمطية والأفكار السائدة عن المجتمعات».
وأضافت أن على المترجم ألا يكتفي بلغتين، بل عليه فهم اللغة التي ترجم منها ولها وكيفية التعامل مع المشكلات الناتجة عن الترجمة، وتعزيز الهوية الوطنية عبر الثقافات.
وكان المعرض قد احتفى باليوم العالمي للترجمة، فخصص خمس فعاليات ضمن برنامجه الثقافي، تناولت عددًا من الموضوعات المتعلقة بالترجمة. ومن ضمنها ورشة عمل بعنوان: «جودة الترجمة السمع بصرية في الأعمال السينمائية»، قدمتها عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتورة عبير القحطاني. وركزت الورشة على أهمية الترجمة السمعية البصرية في ضمان تجربة مشاهدة متكاملة وشاملة للجمهور مع مراعاة الفوارق العمرية في الترجمة من صغار السن إلى الأشخاص البالغين، كما جرى استعراض عناصر الترجمة، مثل دقة النصوص والتزامن المثالي مع الحوار، ووضوح الخطوط وسهولة القراءة، وأهمية الترجمة الثقافية في نقل المعاني بين الثقافات المختلفة.
وخلال ورشة العمل الثانية التي حملت عنوان «الترجمة الفورية: كيفية التعامل مع المصطلحات المتخصصة»، استعرض عضو الاتحاد الدولي للمترجمين المعتمدين مازن الحربي، مهارات المترجمين الفوريين وكيفية تغلبهم على التحديات التي تواجههم، وأهم تحديات الترجمة الفورية. وناقش الأكاديمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالرحمن الشبيب في ورشة أخرى «أثر التقنية الحديثة في الترجمة»، فأكد أن المترجمين يواجهون اليوم منافسة شرسة من برامج الترجمة الآلية، وتلك المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، في ظل انفتاح العالم ثقافيًّا وانتعاش الحاجة للوصول إلى المعرفة وتبادل المحتوى العالمي، فيما أكدت المترجمة والمستشارة في الإنتاج والتواصل المعرفي نهى الحجي أن المجالات كافة تشهد اليوم تطورات متسارعة ناجمة عن الانفجار المعرفي والتقني الذي أسهم في دخول مجال الترجمة إلى عالم «الترجمة الذكية» القائمة على مزيج من قدرات البشر وقدرات الآلة، وذكاء الإنسان والذكاء الاصطناعي. وكانت هناك ورشة بعنوان: «الترجمة في المجال السياحي»، قدمتها المترجمة السعودية عزة الغامدي.

فعاليات قطرية
من الندوات التي شهدها المعرض ندوة بعنوان: «مونديال قطر: التجربة الاستثنائية»، ضمن فعاليات ضيف الشرف تحدث فيها الرئيس التنفيذي لبطولة كأس العالم في قطر 2022م ناصر الخاطر وأدارها الإعلامي السعودي عبدالرحمن الحميدي. واستعرض الخاطر أبرز ملامح التجربة التنظيمية والإدارية الناجحة لدولة قطر في استضافة المونديال، والاهتمام بتوفير الإمكانات والمتطلبات كافة التي تساعد الجمهور على الاستمتاع بتجربة استثنائية في مشاهدة مباراة كروية، وتوفير جميع الخدمات للمشجعين بكل فئاتهم، ودعم كامل لذوي الاحتياجات الخاصة في البنية التحتية والخدمات المقدمة، إضافة إلى الحرص على ارتباط جميع الملاعب والمنشآت الرياضية بالتراث والثقافة القطرية والعربية والإسلامية، والمجتمع والبيئة المحلية، مثل: ملعب الثمامة، وملعب الجنوب، وملعب البيت، وغيرها.
وفي ندوة أخرى لضيف الشرف، أكد الباحث القطري في الأنثروبولوجيا الثقافية حمد الملا، خلال ورشة عمل «الأغنية الفصيحة بين الماضي والحاضر»، أن التحولات الأساسية التي مرت بها مجتمعات الخليج والجزيرة العربية أثرت في الإنتاج والتوزيع واستهلاك الأغنية في المنطقة. واستشهد الملا بالتحولات التي مرت بها القصيدة العربية، بدءًا من الشعر العمودي إلى التفعيلة إلى قصيدة النثر، منوهًا بأن هذه التغيرات أثرت بشكل أساسي في الكلمات التي تستخدم في الأغنية الفصيحة أولًا، كما تطرق إلى تأثير أنماط التلحين، مبينًا أن القوالب اللحنية التي كانت رائجة في البحرين وقطر قد تغيرت، وظهرت قوالب جديدة، حيث مزج الملحنون بين أكثر من قالب، واستوحَوْا ألحانًا من مصادر مختلفة، لافتًا إلى أن الأغنية تتفاعل مثل أي فن آخر مع محيطها، واليوم دول الخليج في تفاعل إيجابي مع كل محيطها سواء القريب أو العالمي.
أهمية الفنون
وتحدث مشاركون في معرض «الرياض تقرأ» عن أهمية الفنون في جذب الجمهور إلى القراءة، وفي هذا السياق، أكدت مديرة النشر في دار نشر كويتية، إسراء القرني أن الفنون تسهم بشكل كبير في تعزيز شغف القراءة، «وعندما تُقدم الكتب من خلال العروض الفنية أو الفعاليات الثقافية، نجد أن الزوار يتحمسون لاستكشاف المزيد من العناوين». من جانبه، أشار العارض في دار الأفق حسين العتيبي، إلى أهمية الفنون في رفع مستوى الوعي الثقافي، وقال: «كانت تجربتي في بيع الكتب التي استُمدت منها أعمال فنية، سواء كانت أفلامًا أو مسرحيات أو أعمالًا أدبية، مذهلة، ولقد رأيت كيف يمكن لهذه الفنون أن تجعل الكتب تنبض بالحياة، مما يزيد من اهتمام الزوار».
وعبّر العديد من الزوار عن تجاربهم الفريدة في المعرض، وقالت ريم الكيلاني، زائرة ومهتمة بالأدب: «بعد مشاهدتي لفِلْم سينمائي استفاد من رواية، شعرت برغبة قوية في قراءة الكتاب، حيث إن الفنون تجعل القصة أكثر تفاعلًا وواقعية. في حين أوضح الزائر خالد الأحمد، أن تجربته في اكتشاف الشعر العربي من خلال الأعمال السينمائية التاريخية مثل: «الزير سالم» و«الحجاج»، مشيرًا إلى أن هذه الأفلام كانت مليئة بالأبيات الشعرية التي دفعته للبحث عن القصائد الأصلية.

الصندوق الثقافي
عبر جناح الصندوق الثقافي في المعرض، تعرف الزوار إلى خدمات «التمويل الثقافي» الذي يُعَدّ الأول من نوعه في السعودية. ويهدف المشروع إلى دعم نمو المشروعات الثقافية للمنشآت عبر حلول تمويلية مرنة، وذات مزايا تنافسية تمكنها من بدء أعمالها وتوسع نموها باستدامة وربحية وأمان. ويسعى الصندوق الثقافي إلى تمكين المنشآت العاملة في القطاع الثقافي بما يدعم توسعها ونموها، إضافة إلى حَفْز مساهمة القطاع المصرفي في تنمية القطاع الثقافي اقتصاديًّا، والاستفادة من الفرص التي يقدمها، ودعم استدامة نمو القطاع الثقافي لينعكس أثره على المجتمع.
الفكر العربي وتحديات الوضع الراهن
في ندوة بعنوان: «الفكر العربي وتحديات الوضع الراهن» شارك فيها كلٌّ من المفكر المغربي الدكتور محمد أفاية، وأستاذ الدراسات الفلسفية الموريتاني الدكتور عبدالله السيد ولد أباه.
وناقشت الندوة، التي أدارها الدكتور عبدالله البريدي، أحوال المفكرين العرب، مؤكدةً أن المثقفين والمفكرين يتميزون بالإنتاجية، ويحللون ويفهمون مشاكل المجتمع، ويتناولونها بأسلوب واضح ومناسب. ولفتت الندوة إلى أن للمفكر العربي مهمات متزامنة، بعكس الغربي تكون متعاقبة، حيث يتأثر العربي من التفكير الديني المتجذر والثقافة المتأصلة.
وتطرقت الندوة إلى أن المفكرين العرب يعدّون ضحايا لعدم اعتراف العالم بجدارة ما تنتجه الثقافة العربية. وأكد المشاركون في الندوة أن للثقافة أدوارًا كبرى في ارتقاء الإنسان بمجتمعه، وأنه يجب أن يعرف صاحب القرار السياسي كيف يدمج الثقافة في المشاريع والخطط الكبرى لبلده، لافتين إلى أننا نشهد اليوم تركيزًا أساسيًّا على دور عملية إعداد العقل وتوجيهه وإعادة بنائه من أجل وضع مسارات تنموية ناجحة.
قطاع النشر السعودي
أكد المدير العام للإدارة العامة للنشر، بهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور عبداللطيف الواصل، أن قطاع النشر السعودي جاذب وحافز للاستثمار، خصوصًا مع ما يحظى به من دعم. وأوضح، خلال جلسة حوارية بعنوان: «الاستثمار في قطاع النشر» بمشاركة عبداللطيف المبارك من قطاع الإستراتيجية تطوير الأعمال بالصندوق الثقافي، أن هناك رغبات جادة للاستثمار في المملكة، «وهذا ما لمسناه خلال مشاركات هيئة الأدب والنشر والترجمة في الخارج، وسؤال الكثيرين عن إمكانية الاستثمار في السوق السعودي»، وقال: «نطمح إلى زيادة المنافسة الاستثمارية في قطاع النشر، والنتائج الواردة في تقرير الحالة الثقافية تفيد أن قطاع النشر والكتب حاز النسبة الكبرى من مشاركة القطاعات الثقافية في الاقتصاد الوطني التي شكلت ٣٦.٤٪».
وعن دور معرض الكتاب في نمو القطاع، أشار الواصل إلى أن معرض الرياض يحتل مكانة قوية بين المعارض الدولية، على الرغم من أن تركيزه ينصبّ على المبيعات المباشرة، وهو ما يشكل للناشر فرصة لزيادة مداخيله، وأن إضافة منطقة الأعمال لهذا العام جاءت لتعزيز الجانب الاستثماري وتنمية الأعمال، عادًّا المعرض حجر أساس في نمو قطاع النشر.
واستضافت الجلسة بعد ذلك ثلاث دور نشر عربية حاصلة مؤخرًا على ترخيص استثماري في المملكة، وهي الدار العربية للعلوم ناشرون من لبنان، ودار عصير الكتب من مصر، ودار جبل عمان من الأردن. وأكد أصحاب الدور أن قوة قطاع النشر في المملكة ونجاح مشاركاتهم في معرض الرياض شجعتهم على استخراج الرخصة والدخول في السوق السعودي.

الذييب والكتابات العربية القديمة
بحضور الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، استعرض المؤرخ السعودي الدكتور سليمان الذييب، البعد الحضاري للمملكة والجزيرة العربية الضارب في التاريخ، عبر حكايا عن المكان والزمان والإنسان، وقصص حول النقوش والكتابات العربية القديمة ودلالاتها، والنقوش المكتوبة بالأحرف العربية، والتراث والآثار.
وسرد الدكتور الذييب في ندوة بعنوان: «الكتابات العربية القديمة» وأدارها الإعلامي عبدالله المحيلان، جزءًا من تاريخ شبه الجزيرة العربية، ودورها الحضاري والثقافي، وعناصرها المتباينة بين اللغة والهوية، وألقى الضوء على المظاهر الاجتماعية والدينية والاقتصادية، والنقوش والفنون الصخرية والجدارية والمعثورات، والكتابات والنقوش الشاهدة على الجذور والعمق التاريخي والإرث الحضاري والثقافي.
وأكد الذييب أن الجزيرة العربية لم يسكنها قديمًا أو حديثًا سوى العرب، لافتًا إلى أن الأجناس الذين قطنوها في حقب زمنية كانوا بصفة مؤقتة، مشيرًا إلى أن لفظ «عربي» أطلق على مجموعة من القبائل في حقبة الآشوريين في القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد.
وأوضح الذييب أن الهجرات من الجزيرة العربية بدأت من منطقة الوسط باتجاه الشمال إلى بلاد الرافدين والشام العظمى ومصر، واستقروا وبنوا ممالك هناك، لافتًا إلى أن أقدم اكتشاف لنقش عربي وجد في منطقة تابعة لفلسطين وتحديدًا مدينة لخيش، وهو نقش ثمودي يعود إلى 1300 قبل الميلاد، وفي البداية ظنوا أنه فينيقي ويعود إلى 1509 قبل الميلاد، وتبين بعد ذلك أنه يجمع الخط المسند والحروف الثمودية.
وذكر أن شبه الجزيرة العربية، وحاليًّا تشكل المملكة العربية السعودية جزءًا كبيرًا منها، هي من أكثر المناطق في العالم ثراءً بالكتابات القديمة المتنوعة؛ مثل: الآرامية، والنبطية في الحجر، واللحيانية، إلى جانب الكتابات الصفائية شمال المملكة، والدادانية في العلا، والحسائية، والسبئية، والكتابات المعينية نسبة لقبيلة معين، والكتابات التدمرية شمال الجزيرة العربية، إضافة إلى الخط اليوناني، والخط اللاتيني، والكتابات المسمارية في تيماء، والنقوش الثمودية في منطقة حائل. وقدم الذييب مقاربةً بين الكتابات العربية القديمة في شبه الجزيرة والحضارات التي نشأت في محيطها القريب؛ لأغراض التبادل التجاري والمعيشة.
ويعد الدكتور سليمان الذييب من أهم رواد التاريخ في مجال الاكتشافات الأثرية في المملكة، والكتابة عن الحضارات التي تعود إلى آلاف السنين في شبه الجزيرة العربية، والحياة الاجتماعية بأبعادها المختلفة، وهو كاتب ومؤرخ وباحث وأستاذ الكتابات العربية القديمة بجامعة الملك سعود، وعالم في مجال الآثار واللغات القديمة في الجزيرة العربية، قام بالعديد من الرحلات الاستكشافية الأثرية، وله عشرات المؤلفات والدراسات والأبحاث المنشورة باللغة العربية في مجال التراث والبحث التاريخي والحضاري، وصاحب بصمة في التنقيب في التاريخ السعودي القديم.

الكتاب العربي والحضور العالمي
في ندوة بعنوان: «الكتاب العربي والحضور العالمي»، كشف رئيس مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن معظم الكتاب العرب لا يقبلون بتدخل المحررين في نصوصهم، وهو ما يعكس غياب الثقافة النقدية في الكتابة والنشر العربي، مشيرًا إلى أن المحرر في العالم الغربي يحظى بدور بارز في تطوير الأعمال الأدبية، حيث يكون جزءًا من العملية الإبداعية، فيما أوضح رئيس جمعية الكتاب والأدباء العمانية سابقًا الدكتور ناصر البدري، أن المحررين في دور النشر الغربية يُعَدُّون نجومًا في حد ذاتهم، فهم يساهمون في صياغة النصوص بشكل يحقق تفاعلًا أكبر مع القارئ. الندوة التي نظمها منتدى الجوائز العربية ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الرياض شارك فيها إلى جانب رشاد والبدري الروائي الكويتي طالب الرفاعي، وأدارها الروائي السعودي يوسف المحيميد. واتفق المشاركون في الندوة على أن الكتاب العربي كثيرًا ما يُكتب من دون مراعاة القارئ الغربي، وهو ما يؤدي إلى عدم تفاعل الكتابة العربية مع الثقافات المختلفة، فيما أشار طالب الرفاعي إلى أن هناك كُتَّابًا عربًا يكتبون بلغة غير العربية، وهو ما قد يؤدي إلى تعزيز حضور الأدب العربي في الأوساط العالمية.
وعن علاقة الجوائز العربية بالترجمة، تساءل المشاركون عن أسباب عدم اهتمام دور النشر الغربية بالجوائز العربية، وأكدوا ضرورة أن تكون الجوائز الأدبية معروفة عالميًّا لجذب الناشرين العرب والأجانب على حد سواء، مشيرين إلى أن الجوائز الأدبية العربية غالبًا ما تفتقر إلى الاعتراف الدولي، وهو ما يؤثر سلبًا في إمكانية ترجمة الأعمال الفائزة إلى لغات أخرى.
وتناولت الندوة الصعوبات والمعوقات التي تواجه الكتاب العرب في الوصول إلى القارئ العالمي، فأشار المشاركون إلى أن صورة العرب في الإعلام الغربي غالبًا ما تكون مشوهة، وهو ما يجعل القارئ الغربي يتردد في قراءة الأدب العربي، وتطرقوا إلى قضايا حقوق الملكية الفكرية والقرصنة، حيث يعاني الناشرون العرب صعوبةَ حماية حقوقهم، وهو ما يؤدي إلى تأثير سلبي في صناعة النشر.
من جانبه قال الأمين العام لمنتدى الجوائز العربية الدكتور عبدالعزيز السبيل: «إن منتدى الجوائز العربية كيان ثقافي أسس في عام 2018م، ونحرص دومًا مع هيئة الأدب والنشر والترجمة على أن يكون في كل عام هناك ندوة لمنتدى الجوائز العربية، وفي كل مرة موضوع مختلف يتناسب مع المرحلة التي نحن نعيشها، وموضوع هذا العام يناقش قضية الترجمة التي تعد مسألة مهمة جدًّا، تبحث غياب الكتاب العربي عن اللغات الأخرى هل هو بسبب الترجمة؟ هل هو بسبب أن دور النشر ليست على مستوى من حيث التوزيع؟ هل المادة المترجمة التي قد تصلح للترجمة لثقافة لا تصلح لثقافة أخرى؟ مشددًا على أن هذه القضية التي تهم الكتّاب مكانها الحقيقي للنقاش هو معرض الكتاب».
بواسطة الفيصل | سبتمبر 26, 2024 | مهرجانات
نجحت هيئة المسرح والفنون الأدائية إلى حد كبير، في تنظيم الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المسرح الخليجي، التي أقيمت في جامعة الأميرة نورة بالرياض. ولئن كانت المرة الأولى التي تستضيف فيها السعودية حدثًا مسرحيًّا مثل هذا، فإن التنظيم الجيد عبّر عن خبرة في إقامة فعاليات وأنشطة كبرى، وهو ما يجعل المتابع يفتش عن الأسباب التي حالت بين السعودية وبين استضافة إحدى دورات المهرجان من قبل؟ على الرغم من الإسهام النوعي للمسرحيين السعوديين في المهرجان الخليجي، طوال دوراته السابقة. لعل السبب يكمن في عدم وجود جهة مختصة تعنى بالمسرح وسائر الفنون الأدائية، كما هو حادث اليوم، بوجود هيئة المسرح والفنون الأدائية.
من هنا، جاءت استضافة هذه الدورة من المهرجان ضمن مبادرة هيئة المسرح والفنون الأدائية لاستضافة الأحداث المسرحية الدولية، وتقديم أبرز الأعمال المسرحية الوطنية والدولية لمختلف شرائح الجماهير، سعيًا إلى خلق مناخ مسرحي مزدهر ومتجدد، فضلًا عن الاحتفاء بالمسرحيين الخليجيين الذين أثروا الحياة الثقافية، وإقامة منصة تواصل قوية بينهم وبين الجمهور.
طوال سبعة أيام، مدة المهرجان، (من 10- 17) تحول المسرح الأزرق وبهو الجامعة وفندق مداريم، إلى ما يشبه العرس المسرحي، ليس فقط للمسرحيين الخليجيين، إنما أيضًا للمسرحيين من الوطن العربي كافة؛ إذ حضر وشارك عدد من أهم المسرحيين العرب، فَحَفَلَ المهرجان، إلى جانب العروض الرسمية، بندوات ونقاشات سواء خلال الفعاليات الرسمية، أو على هامش هذه الفعاليات، وخلال اللقاءات الجانبية، إضافة إلى السهرات التي شهدها فندق مداريم، حيث تسكن الوفود المشاركة وضيوف المهرجان.
في كل مكان من هذه الأمكنة كان النقاش مستمرًّا، حول المسرح وقضايا الإنسان المعاصر، وحول المسرحيين في الخليج والشوط الذي قطعوه ليكونوا في مستوى واحد مع أشقائهم العرب، وحول المدى الذي بلغه المسرح الخليجي في معالجة الموضوعات المستجدة التي تطرأ على الحياة في الخليج، وكيف استوعب التحديات طوال تاريخه.
أسماء بارزة للتكريم
في حفل الافتتاح الذي قدمه الممثل فيصل الدوخي والممثلة ميلا الزهراني، أكد رئيس هيئة المسرح والفنون الأدائية سلطان البازعي اهتمام الهيئة بالمسرح والمسرحيين، وتطرق إلى المهرجان وأهميته في حياة المسرحيين في الخليج والوطن العربي. وفي الحفل نفسه كرم المهرجان ستة من المسرحيين الخليجيين، الذين أثروا تأثيرًا واضحًا في تطور المسرح في بلدان الخليج، وهم: الكاتب والمخرج المسرحي العماني عماد الشنفري، والكاتب المسرحي القطري صالح المناعي، والفنان الكويتي محمد جابر، والفنان الإماراتي أحمد الجسمي، والمسرحي البحريني الراحل الدكتور إبراهيم غلوم، والمسرحي السعودي فهد ردة الحارثي.

عروض متنافسة
وقد شهدت هذه الدورة عروضًا مسرحية مهمة، عبرت عن تطور كبير في وجوه المسرح كافة، كما كشفت عن وعي حاد ودقيق لدى المسرحي الخليجي بقضايا أمته. تنافست هذه العروض فيما بينها على نيل جوائز المهرجان، فمن دولة الإمارات العربية عرضت مسرحية «أشوفك» من تأليف إسماعيل عبدالله، وإخراج حسن رجب، وقد جمعت ما بين الكوميديا والتراجيديا، ومزجت بين الدراما الوطنية والرؤية التاريخية والكوميديا الاجتماعية، متطرقة إلى مرحلة تاريخية مهمة في بعض دول المنطقة، ومدى التأثير الثقافي فيها. ومن مملكة البحرين شاركت مسرحية «عند الضفة الأخرى»، من تأليف حسين العصفور وإخراج طاهر محسن. والمسرحية عبارة عن تنقلات بين النور والعتمة، والواقعية والرمزية. وقد حصلت على جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في مهرجان البحرين المسرحي، الذي أقيم العام الماضي. وتعد هذه المسرحية واحدة من الأعمال الاستثنائية التي تبث عددًا من الرسائل الفكرية والمفاهيم الفلسفية، عبر فصولها العديدة، وفيها تُستكشَف آفاق الوعي والتغييب والسجون الفكرية والسلوكية التي يبنيها الإنسان حول نفسه.
ومن السعودية شاركت مسرحية «بحر» التي حصدت عددًا من جوائز المهرجان، من بينها جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، وهي مستوحاة من نص «النهام بحر» للكاتب المسرحي الراحل عبدالرحمن المريخي؛ وتعالج أحداثها ثيمات تُراوِحُ بين المحبة والقلق، والخداع والاستغلال. كما تعالج الاختلافات الطبقية، وما يرافق ذلك من استغلال يتعرض له النهام بحر، حتى يستمر عمل النواخذة والبحارة. وشاركت من سلطنة عمان مسرحية «الروع»، تأليف وإخراج طاهر الحراصي. ويأتي عنوان المسرحية من اسم أحد الكائنات الخرافية في الموروث الشعبي العماني، وتقوم على سرد مبتكر لثنائية النور والظلمة، والجهل والتنوير، متخذةً من بعض الأساطير العمانية محورًا لقصتها، حيث تستطلع شيئًا من أثر التضليل والأوهام في شل المجتمعات وتعويق تقدمها في إطار إبداعي ممتع. ومن الكويت عرضت مسرحية «غصة عبور» التي تدور أحداثها حول جوانب مختلفة من التراجيديا والكوميديا. وشاركت قطر بمسرحية «الخيمة»، التي فازت بجائزة أفضل أزياء، وجائزة أفضل إضاءة، فضلًا عن منح المسرحية شهادة تقديرية في الكوليغراف. والمسرحية من تأليف عبدالرحمن المناعي ومن إخراج ناصر عبدالرضا.

ندوات فكرية
وشهدت هذه الدورة عددًا من الندوات الفكرية من بينها ندوة حوارية خصصت للمكرمين في المهرجان، واستطلعت الأوراق المشاركة المسيرات المهنية للمكرمين، كما أتاحت الندوة للمكرمين إمكان تقديم رؤاهم وقصصهم أمام الجمهور مباشرة. وكان من بين المتحدثين فيها الفنان الكويتي الشهير محمد جابر الصخي، الذي صرح بأن الشرارة الأولى التي مهدت له الدخول إلى عالم المسرح كانت عام 1958م، وذلك باشتراكه في عمل مسرحي مع شخصيات مسرحية بارزة كالممثل الكويتي محمد النشمي. بينما قال الممثل الإماراتي أحمد الجسمي: إن بداياته كانت في المسرح المدرسي، موضحًا أن المسرح الإماراتي مر بنقلة نوعية كبيرة، وذلك بدعم من الحكومة وشغف من الممثلين. وقال الكاتب المسرحي السعودي فهد ردة الحارثي: إن بداياته كانت في المسرح المدرسي، مؤكدًا أن مسيرته في مجال المسرح تطورت إلى أن أشرف على أول صفحة في جريدة سعودية عن المسرح في صحيفة البلاد، وأسس فرقة مسرح الطائف، التي تعد من الفرق القليلة التي ما زالت مستمرة بلا انقطاع منذ أكثر من 40 عامًا، وحصدت أكثر من 70 جائزة على مستوى العالم العربي. وذهب الممثل القطري صالح المناعي إلى أن مسيرته في مجال المسرح بدأت منذ سن مبكرة، وأن تركيزه خلالها كان على التأليف أكثر منه على التمثيل، وقال: إنه كتب أكثر من 70 نصًّا مسرحيًّا خلال مسيرته الإبداعية. وتحدث في هذه الندوة أيضًا الكاتب العماني عماد الشنفري، الذي عبر عن شغفه بالمسرح من منظور تميزه عن التلفزيون، من ناحية أنه يتيح فرصة للتفاعل بين الجمهور والممثل، ويخلق محبةً وشغفًا يربطان الممثل بالخشبة. وقد عبر نزار غلوم، نجل المسرحي الراحل الدكتور إبراهيم غلوم، عن تقديره وامتنانه للمملكة العربية السعودية وهيئة المسرح والفنون الأدائية، لقاء تكريمهم والده ومسيرته الفنية، مؤكدًا أن ذلك شاهد على تقدير المملكة للمبدعين وإنتاجهم الفني.
البنية الأساسية
كما أقيمت ندوة بعنوان: «البنية الأساسية للمسرح في دول مجلس التعاون»، تناولت أوراق المشاركين فيها جوانب مختلفة من تقييم وتحليل العناصر الأساسية التي تشكل بنية المسرح في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تشمل المؤسسات التعليمية والأكاديمية ودورها في تشكيل واقع المسرح. وقد ركزت الجلسة الأولى منها على العناصر الأساسية في دعم تطور المسرح، وركزت الجلسة الثانية على جذور وأسس مجال المسرح الخليجي وأهم الأدبيات التي وثقت بداياته. أدار الجلسة الأولى عبدالله صالح، وعبرت فيها شريفة موسى عن الاهتمام البالغ الذي يتلقاه قطاع المسرح في الإمارات العربية المتحدة، موضحةً الخطوات التي قادت لإدراج المسرح في قائمة المواد الدراسية في المدارس الإماراتية.
وطالب الدكتور علي العنزي بضرورة تنمية حس الإبداع والتفكير الناقد والمستقل لدى طلاب الأكاديميات المسرحية. كما أكد ضرورة تقديم قراءة واضحة وشاملة لمستقبل البنية التعليمية لمجال المسرح، موضحًا أنها السبيل الوحيد لوضع المسرح الخليجي في المقام الذي يستحقه بين المجالات الفنية العالمية. وتحدث أحمد السروي عن أبرز المحطات في طريق تطوير مجال المسرح في السعودية، مشيرًا إلى برنامج الماجستير في الأدب المسرحي في بعض الجامعات السعودية، وقدم لمحة عن تاريخ المسرح المدرسي وبداياته في المملكة. وفي الجلسة الثانية التي أدارها أحمد مفتاح نوقشت المراحل التي مر بها النقد المسرحي والحركة النقدية في دول مجلس التعاون، والذاكرة التاريخية لتطور قطاع المسرح في هذه الدول. وقد شارك فيها كل من الدكتورة آمنة الربيع من عمان، والدكتور محمد السلمان من البحرين، والدكتورة سعداء الدعاس من الكويت. كما شهد المهرجان ندوة بعنوان: «القيم الفكرية والفنية في المسرح الخليجي»، تحدث فيها كل من الدكتور مرزوق بشير (قطر)، والدكتور حبيب غلوم (الإمارات)، والدكتور عبدالكريم جواد (عمان).

جوائز المهرجان
وفي ختام المهرجان أعلنت اللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون الخليجي عن أسماء الفائزين بجوائز المهرجان، ففازت فرقة مسرح الطائف بجائزة الفرقة الأهلية المتميزة. ونالت مسرحية «غصة عبور» الكويتية جائزة أفضل عرض مسرحي، وحصلت مسرحية «بحر» السعودية على جائزة أفضل إخراج مسرحي وجائزة أفضل موسيقا مسرحية. وجاءت جائزة أفضل نص مسرحي مناصفة بين مسرحية «أشوفك» الإماراتية ومسرحية «غصة عبور». كما فازت الممثلة العمانية أسماء العوفي بجائزة أفضل ممثلة «بدور أولي»، والممثلة السعودية «فجر اليامي» بجائزة أفضل ممثلة «بدور ثانوي»، والممثل السعودي «شهاب الشهاب» بجائزة أفضل ممثل «بدور أولي»، وفاز الكويتي «عبدالله التركماني» بجائزة أفضل ممثل «بدور ثانوي». أما جائزة أفضل إضاءة وجائزة أفضل أزياء مسرحية فقد ذهبت إلى مسرحية «الخيمة» القطرية، في حين فازت مسرحية «عند الضفة الأخرى» بجائزة أفضل ديكور مسرحي.
إبراهيم غلوم: خمسون عامًا من المسرح
أمضى المسرحي الراحل الدكتور إبراهيم غلوم قرابة خمسين عامًا من عمره في العمل المسرحي، قدم خلالها العديد من الدراسات النقدية والفكرية في مختلف المجالات الثقافية التي كان المسرح في طليعتها. ومن أبرز مؤلفاته: «ظواهر التجربة المسرحية في البحرين»، «القصة القصيرة في الخليج العربي- دراسة تحليلية»، «رومانسية السخط»، «المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي: دراسة في سوسيولوجيا التجربة المسرحية في الكويت والبحرين»، «الثقافة وإشكالية التواصل الثقافي في مجتمعات الخليج العربي»، «تكوين الممثل المسرحي»، «دراسة لطبيعة التكوين الفني والاجتماعي للمثل»، «مسرح إبراهيم العريض»، «دراسة وتوثيق لبدايات النقد الأدبي في الخليج العربي»، «المسرح الموازي»، «بنية الكوميديا الهزلية»، «مسرح القضية الأصلية»، فضلًا عن العديد من النصوص المسرحية، من بينها «عذابات أحمد بن ماجد»، «الخيول»، «رأيت الذي سوف يحدث»، «الحديد» وغيرها.
وكان غلوم قد عمل أستاذًا للنقد الحديث في جامعة البحرين، وأستاذًا زائرًا لأدب الخليج والجزيرة العربية بجامعة الكويت 1986م، وقد أنشأ فرقًا مسرحية عدة، وشارك محكمًا في العديد من الفعاليات والمهرجانات الدولية، وحصل على «وسام الكفاءة من الدرجة الأولى» عام 2012م من الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وعلى «قلادة تكريم المبدعين» في دول مجلس التعاون الخليجي عام 2012م، وعلى «جائزة البحرين للكتاب».

فهد ردة الحارثي: من الوجوه البارزة في المسرح العربي
يعد الكاتب السعودي فهد ردة الحارثي واحدًا من أبرز وجوه وكتاب المسرح في السعودية والخليج، بل العالم العربي، الذي ولد عام 1963م في مدينة الطائف. وأظهر اهتمامًا مبكرًا بالأدب والمسرح، كان له تأثيره الواضح من خلال كتاباته المسرحية التي تناول فيها العديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية بأسلوب فني مميز، كانت أولى أعماله المسرحية عام 1990م بعنوان: «يا رايح الوادي»، التي كانت الانطلاقة الكبرى في مسيرة ما زال عطاؤها مستمرًّا حتى الآن. فقد أبدع العديد من المسرحيات التي رسخت مكانته بين صفوف الكتاب البارزين، من بينها «الأوراق الثلاث»، «بيت العز»، «النبع»، «شدت القافلة»، «بازار»، «عصف»، «حالة قلق»، «رحلة البحث»، «أريد أن أتكلم»، «العرض الأخير»، «سفر الهوامش»، «أبناء الصمت»، وغيرها. وقد حظيت أعماله بتقدير النقاد والجمهور لما تميزت به من أسلوب جمع بين النقد الاجتماعي والرمزية والحوار فضلًا عن البناء الدرامي المحكم. يصفه الكاتب والناقد المسرحي البحريني يوسف الحمدان قائلًا: «الحارثي ليس مؤلفًا مسرحيًّا فحسب، بل هو أكاديمية مسرحية متميزة واستثنائية في الخليج والوطن العربي، وأغلب نصوصه المسرحية تشكل وهجًا مسرحيًّا مستقبليًّا في مسرحنا الخليجي»، ويؤكد الحمدان أن تجربة الحارثي نهلت من معين الثقافة المسرحية الخلاقة، تأليفًا وإخراجًا وتدريبًا وفكرًا.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | سبتمبر 1, 2024 | مقالات
لم تحظَ الإبل في أي ثقافة إنسانية بمثل ما حظيت به من اهتمام في الثقافة العربية والإسلامية، فقد عدَّها الإنسان في الجزيرة العربية شريكًا فعليًّا بالغ الأثر والتأثير في حياته اليومية، فهي ليست فقط وسيلة تنقُّل فرضتها طبيعة الحياة الصحراوية القاسية، إنما هي أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية الأصيلة التي رسخت عناصرها على مر العصور، وصارت موروثًا يعتز به الإنسان العربي عامة، والإنسان السعودي خاصة؛ لأن الإبل على الرغم من كل التقدم الذي تعيشه المملكة العربية السعودية على مختلف المستويات، فإنها لا تزال حاضرة وفاعلة، وكأنها الجسر الذي يعبره الزمن ليربط بين الماضي والحاضر، وإن كانت العلاقة بين الإنسان والإبل في الجزيرة العربية قد بدأت فردية ومرهونة بالمهام الوظيفية التي يحددها الإنسان وتنفذها الإبل وفق متطلبات واحتياجات الحياة اليومية، إلا أنها تجاوزت مع الوقت تلك المفاهيم الوظيفية، وتغلغلت في المفاهيم الاجتماعية بكل أبعادها الثقافية، ومثلما رسَّخت حضورها في ماضي الحياة اليومية للعرب، رسَّخت أيضًا حضورها في شعرهم، وأدبهم، وسيرهم، وسردياتهم، ومجالس سمرهم، وقصص فخرهم، وقوافل ترحالهم، وحركة تجارتهم، وتفاصيل أحوالهم الاقتصادية، وقياس مستوياتهم الاجتماعية، إضافة إلى حضورها المؤثر في أزماتهم وغزواتهم وحروبهم، وغير ذلك من الأمور التي جعلتها جزءًا من الهوية، ومصدرًا من مصادر الفخر والاعتزاز.
ولعل المبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة السعودية باختيار عام 2024م ليكون عام الاحتفاء بالإبل، من المبادرات الثقافية التي تعبّر عن صورة الإبل لدى المجتمع السعودي، وتعكس مدى اهتمام مؤسسات الدولة بمكونات الثقافة السعودية، وقد أسهمت الفعاليات التي أقيمت تحت مظلة هذه المبادرة في تعزيز وعي الأجيال الجديدة بقيمة الإبل، والتعريف بمكانتها كجزء من هويتنا الثقافية التي نفاخر بها، ونسعى إلى تفعيل عناصرها التراثية، ليس فقط على المستوى الاجتماعي المحلي عبر المسابقات والمهرجانات، وإنما على المستوى العالمي عبر المشاركات الدولية في المناسبات المتعلقة بالإبل.
ونحن بدورنا في مجلة «الفيصل» نحتفي بعام الإبل على طريقتنا الثقافية والمعرفية، فقد خصصنا ملف هذا العدد لمواكبة الجهود التي تبذلها وزارة الثقافة من خلال مبادرة «عام الإبل»، وبأقلام مجموعة من الكتَّاب والمختصين نقدم لقرائنا في كل أرجاء الوطن العربي ملفًّا متكاملًا عن صورة الإبل في مرآة الثقافة العربية.
بواسطة موسى برهومة - كاتب أردني | سبتمبر 1, 2024 | مقالات
بعد نحو اثني عشر كتابًا بالعربية، وكتبٍ ودراسات أخرى بالفرنسية، تنتسب في مجملها إلى فضاءات البحث الأكاديمي، يحط المفكر فهمي جدعان رحاله على ضفة البحث الحر، مختارًا عنوان «رسالة» لكتابه الأخير (ونرجو ألا يكون أخيرًا) «معنى الأشياء» الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت (2023م).
تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه «قولٌ مرسَل»؛ إذ ينبه المؤلف في مقدمته: «لا أسيج ما أرسله، أو ما أقرره، أو ما أجنح إليه أو أميل إليه باستحضار موثق لما أسوقه من أقوال أو أفكار أو نصوص لهذا المفكر أو الفيلسوف أو الكاتب، وَفقًا لهذه الطريقة أو تلك من طرق التحقق والتثبت المتداولة».
ويضمر هذا التنبيه رغبة جدعان في أن يرسل قوله إلى منتهاه، من دون تقيد بمنهج، أو امتثال لمذهب فكري، في ظل اعترافه بأنه لا ينتمي لمدرسة فلسفية بعينها، أو أي من «المذاهب المتداولة في السوق الفلسفية المألوفة؛ وأنا شديد التعلق بالاستقلال الثقافي والفكري، خلافًا للجمهرة من المشتغلين في هذا الحقل».
رسالة إلى مدينتنا العربية
الهدف الذي يتوخاه «معنى الأشياء»، على ما يُفصح عنه الكتاب (366 صفحة من القطع الوسط)، بجلاء أو تورية، هو أن يبين عن أفكار المفكر/ الفيلسوف في أحوال النفس والعالم، والتركيز بشكل خاص، على «مدينتنا العربية» التي وصفها بأنها «بلا أسوار» وفي غضونها «تتدافع بلا رحمة النظمُ والأفكار والإرادات والأهواء والرغائب. وعند بواباتها تتحفز كتائب الثأر والإفناء والكراهية والاغتصاب. وفي أعطافها تنتشر أعلام الشك والحيرة وزَيْغ التبصر والظنون والقلق والغضب، ويعلو الشر على الخير، والظلم على العدل، والاستبداد على الحرية».
إذًا، ما القول الذي يستطيع المفكر «في حدود عقله التأملي، المعرفي، والوجداني، أن يرسله في مدى البقاء أو الفقد؛ كي لا تظل المدينة بلا أسوار»؟
القول الذي يجهد المؤلف في بناء أجزائه «الفسيفسائية» الدقيقة، ينتظم في إطار رسالة. وفي ذلك يتجلى تميز هذا الكتاب عما سبقه من أعمال المؤلف. وقد اختار مثالًا يدل على ما يقصده بـ«الرسالة» من خلال رسالة «التربيع والتدوير» للجاحظ، لكن هذه الرسالة تمثلت المعنى الحرفي لأدب الرسائل، حيث ثمة من يخاطبه الجاحظ، ومن يبث من خلاله آراءه الساخرة، وقد اختار صاحب «البيان والتبيين» أن يكون المرسَل إليه رجلًا يدعى «أحمد بن عبدالوهاب».
بيْد أن الدكتور جدعان لم ينشئ كتابه على هذا النحو. ولعل أقرب مثال إلى ما جاء في «معنى الأشياء» هو ما خطه الكندي في كتاب الرسائل الفلسفية، الذي تضمن موضوعات عن «حدود الأشياء ورسومها»، و«في إيضاح تناهي جرم العالم»، و«في القول في النفس»، و«في ماهية النوم والرؤيا» و«رسالة في العقل»، وسواها.
وعلى هذا النحو يأتي هذا الكتاب/ الرسالة الذي يأمل أن يستقطب ثلاثة أمور متراكبة؛ «الأول: إنها تنطق بما انتهى إليه تفكري فيما أقدر أنه أكثر الأشياء أهمية في وجودنا المشخص المباشر». والثاني «إنها تتمثل في الآن نفسه ما يشخص في هذا الوجود من مستصعبات تخطر في أعطاف الصيرورة التاريخية لجماعات العرب». والثالث أن هذه الرسالة «ضاربة في معنى ما يُحاد دارة الفلسفة ويخالطها بعض المخالطة؛ لأنه ليس للفلسفة شاطئ بَينٌ وحد قاطع». لذا فالفلسفة هي «نظر إنساني في أكثر الأشياء أهمية وجوهرية في وجودنا
الحي المباشر».
حديث الإيمان والألوهية
يعيد المؤلف، المتحرر من إسار المنهج الأكاديمي الصارم، النظر المتعمق في كل ما يدور في أنحاء المدينة التي «بلا أسوار»، ابتداءً من طبيعة الخطاب الذي يحكم أهل هذه المدينة، ويخص هنا المثقفين الذين يتلبس خطابَهم «الدعاة» الدينيون، وكذلك المثقفون، ومَن يلحق بهم «ممن ينعتون بمثقفي النخبة». ويغمز المؤلف من قناة أولئك المنبهرين بالمقولات والمفاهيم السائرة في أعمال فلاسفة الغرب الأوربي أو الأميركي؛ «وذلك مما يجعلني لا أخشى من إرسال القول: إنهم غرباء عن وجودهم الاجتماعي والتاريخي، وإنهم لا يؤدون أي دور إيجابي ومفيد في أمر التقدم الاجتماعي -الثقافي- السياسي العربي، وإن على القادمين إلى هذا الحقل أن يعدلوا المسار».
واستطرادًا، يقرأ جدعان في «الدين أولًا»، ويقصد به دين الإسلام، وفيه يتوسع في تفصيل أن الدين ليس عِلمًا طبيعيًّا، وإنما هو «علمٌ عَلِي، أو عالٍ على الطبيعة، مفارق لها، آتٍ إليها من خارج» أي أنه وحي وتنزيل، وهو ما خاض فيه متكلمو الإسلام.
ويحكم هذا الإقرارُ «الإيماني» القولَ في موضوعات الكتاب كافة، ولا سيما في القضايا ذات البعد الميتافيزيقي الذي يحتل الجزء الأخير في الكتاب، تحت عنوان «حدث الموت» وهنا يقصد الموت بالمعنى الأنطولوجي، «أي الموت الذي يعني السؤال عن حقيقة الموت الوجودي، أي ما يتعلق بمطلق واقعة الوجود والموجود والتموضع في العالم وامتداده في مستصعب المصير، أو العدم». ويستصحب ذلك حديث عن الإيمان والألوهية، وما يتخللهما من تناقض وحيرة وتمزق. لكن قطعة من أفكار باسكال تجد لدى المؤلف استحسانًا يرى أنه لا يخلو من «مكر»: «لنفكر في الربح وفي الخسارة في حالة التصديق بأن الله موجود، ولنقدر هاتين الحالتين: إنك إذا ربحت ستربح كل شيء، وإذا خسرت لن تخسر شيئًا. فراهن إذن على أنه موجود دون تردد».
وبين حدي الدين والموت تتقلب الأشياء بحثًا عن معناها في التاريخ، منذ الدعوة النبوية حتى اللحظة الراهنة، فيما تظل الأشواق بوضع عربي ناهض هاجسًا ما انفك المؤلف يلهج بتحققه، منذ كتابه الأشهر «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث».
نبرة متفائلة
ترافِق «معنى الأشياء» مسحةٌ متفائلة في أن يكون للعرب مكان تحت الشمس، وتحاجج، بل تدحض الأفكار المتخاذلة القائلة بـ«النهضة المستحيلة»، التي يصفها المؤلف بأنها «زعم يضرب في العدمية المُذنِبة». وتتجلى في أكثر القضايا الموضوعية المتصلة بأحوال «مدينتنا العربية» نبرة تتوخى التقدم وتستشرف النهضة والترقي، معترفة بالأنواء العاصفة والعقابيل الصعبة التي تقف في الطريق؛ فـ«تاريخنا كأي تاريخ آخر، معطى قوامه التضاد، عين الرضا، وعين السخط، عين القبول، وعين النفور. بأيدينا تقييمه وتقويمه وتعظيمه، هو مقوم رئيس من مقومات العالم الحديث، بل إنه باعث القيم الكبرى التي تقومت بها الحداثة وعالمها الحديث».
وفي مقابل هذا الاستشراف المزنر بالأمل، فيما خص الواقع الموضوعي، فإن المؤلف وهو يغوص في الوقائع الذاتية المتصلة بتحولات النفس، يؤول في مستخلصات عدة إلى ريبة وفقدان يقين، على ما توحي به نظراته إلى الصداقة، على سبيل المثال، في المقطع التاسع من الكتاب «في البدء، الإنسان»، الذي يتناول الصداقة والحب والرحمة، وكذلك العدالة والكرامة والحرية والحياة والموت.
يتساءل جدعان «هل الصداقة، ومنها ما يُنعت بالصداقة الحقيقية، ليست علاقة منزهة؟ وأن دوامها وبقاءها مرهونان بدوام ما تجلبه من منفعة أو لذة أو خير خاص؟».
وإذ يجيب بـ«نعم»، فإنه يوضح في نوع من الاعتراف: «جل الذين ظننتهم أصدقاء أنكروا هذا المعنى لواحد أو أكثر من هذه المعاني والعوارض: جنوح إلى المنفعة، أو اختلاف في الرأي، أو خلل في المزاج، أو انقضاء أمر الحاجة، أو تباعد في المكان، أو تفضيلات نابتة، أو لظنون نجمت.. أو غير ذلك».
ولئن كان «طائر التم» سيرة ذاتية تروي «حكايات جَنى الخُطا والأيام»، فإن «معنى الأشياء» سيرةٌ لأحوال «مدينتنا العربية» يبث من خلالها فهمي جدعان قوله المرسَل في «الجوهري من وجودنا المباشر»، وفي كلا الكتابين اللذين صدرا متتابعين، تكتمل الوحدة بين «الذات» و«الشيء» أو الأشياء. وقد كان كانط يدرك أن هذه الوحدة لا تتأتى، وحسب، من إنتاج الذات للشيء على مستوى فهم الاختبار الحسي، ولا بد بالتالي، أن يتحد العقلان النظري والعملي؛ لتتمكن الذات من أن تكون مصدر الأشياء.
وعند جدعان فإن «العقل الوجداني» هو من يلضم الذات بالشيء، وهذا ما يمكن إدراكه في جل دراسات وكتابات هذا المفكر الذي يصبو، تماثلًا أو اشتباكًا مع كانط، إلى القدرة على الوصول إلى نظرة ثاقبة في وحدة القوة العقلانية الخالصة بأكملها، وبالتالي توحيد الاختبار الإنساني، أي اختبار الذات للشيء، واشتقاق المفهوم العملي للخير الأسمى.
بواسطة نادر الصمعاني - أستاذ الفلسفة التحليلية المشارك بجامعة القصيم | سبتمبر 1, 2024 | مقالات
إن الناظر في التراث الإسلامي يلحظ تسرب بعض المسائل والقضايا الفلسفية إلى العلوم الشرعية وتحديدًا أصول الفقه، وعلوم الحديث. وورود مباحث ومسائل في الأدبيات الشرعية، مما ليس داخلًا في حدود الفن الذي وردت فيه بمعناه الضيق، ليس غريبًا(1)، إلا أن ثمة خصوصيةً في طبيعة العلاقة بين المسائل الفلسفية -أو أغلبها- والعلومِ الشرعية التي دخلت عليها، فالناظر يلحظ أنها تعمل كخلفية نظرية يحتاج إليها الشرعي أحيانًا للبت في مسائل فنه. فمثلًا نجد الأصوليَّ عند نظره في مسألة العمل بحديث الآحاد كدليل شرعي محتاجًا للنظر في الأسئلة الماقبلية لهذه المسألة كالقيمة الإبستيمولوجية لأخبار الآحاد عمومًا (هل تفيد العلمَ أم الظن، وهل للقرائن أثر في ترجيح القيمة المعرفية للخبر وغيرها؟)، ثم نجد أن هذا قد يدعوه أيضًا للبحث في الخلفيات النظرية لهذه المسائل كذلك كحد العلم، وحقيقتِه، ومدارك العلوم، ومراتبها، وتقاسيم الأخبار وغيرها…
علاقة مألوفة ومتكررة
كل هذه مسائلُ فلسفيةٌ صرفة تقف كمسلمات وافتراضات نظرية خلف المسائل الأصولية، وليست داخلة بشكل دقيق في حد أصول الفقه وموضوعه(2)(3)، وهذه الخصوصية لطبيعة العلاقة بين المباحث الفلسفية، والعلوم الشرعية مثيرة للاهتمام؛ لأنها علاقة مألوفة ومتكررة بين العلوم الشرعية بعضها ببعض. فالعلوم الشرعية ينبني بعضها على بعض من الناحية النظرية، فالفقيه مثلًا يعنى بتحصيل الأحكام العملية من الأدلة التفصيلية، وهو بعمله هذا يبني على مجموعة من الافتراضات والمسلمات النظرية التي نشأ عن مساءلتها فرع معرفي آخر هو أصول الفقه؛ الذي كما يقول أبو يعلى (ت: ٤٥٨هـ): «عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به» (العدة لأبي يعلى: ٧٠)، بل إن الاصطلاح المستقر على تقسيم العلوم الشرعية، لعلوم غاية، وعلوم آلة، يمكن ترجمته جزئيًّا كتقسيم على أساس العلاقة بين مجموعة من العلوم الشرعية: (علوم الغاية)، وخلفياتها النظرية (علوم الآلة).
فالعلوم الشرعية صدرت وتفرعت أولًا عن النص بشكل مباشر؛ فكان القرآنُ والحديث تحملًا وروايةً، ثم التفسير والفقه شرحًا واستنباطًا، ثم نجد وراء هذه العلوم علومًا كان موضوعها البحثَ في المسلمات والافتراضات النظرية التي بنيت عليها المعارف الشرعية الأساسية؛ فكان أصول التفسير، وعلوم الحديث والمصطلح، وأصول الفقه…
ولقد تمايزت هذه العلوم بعضها عن بعض شيئًا فشيئًا؛ ذلك أن مسائل كل فن من فنون الشريعة تكون عادة في أول الأمر جزءًا من فن نشأ قبله، ثم تنفصل عنه بعدُ فنًّا مستقلًّا؛ إلا أن هذا الترقي النظري الذي نشأت وتفرعت عنه العلوم الشرعية انقطع -في تقديري- أبكر مما يجب، فالمسائل الفلسفية التي نبتت على هوامش علوم الآلة كان ينبغي أن تستقل كذلك بفرع معرفي خاص بها، تكون علاقته بعلوم الآلة (أو بعضها) كعلاقة بعض علوم الآلة بعلوم الغاية بحيث يناقش هذا الفرعُ المعرفيُّ -الذي يمكن أن نسميه الفلسفة الإسلامية- الخلفياتِ الفلسفية لعلوم الآلة ذات الصلة سواء خلفياتُها الإجمالية التي بني عليها العلم بكليته، أو الخلفياتُ لبعض مسائلها على التفصيل، فيختص هذا الفرع المعرفي بالمباحث والمسائل الفلسفية الناشئة عن قضايا العلوم الشرعية، فيكون من ناحية «فلسفة» باعتبار أن مباحثه مباحث فلسفيةٌ خالصة، ومن ناحية ثانية «إسلامي» لاقتصاره على المباحث الفلسفية الناشئة عن العلوم الشرعية دون غيرها.
وبالتالي؛ فلا يدخل في هذا الفرع المسائل الفلسفية غير ذات الصلة بالمباحث والقضايا الشرعية، كما أنه لا يدخل فيه -وتمييز هذا أعوص- المباحث الشرعية العقلية غير الفلسفية كالخلافات الكلامية في الصفات مثلًا، ولعل المعيار في تمييز الأخير هو أن يكون الشق الفلسفي من المسألة -منزوعًا عن الشق الإسلامي- من شأن الفيلسوف بوصفه فيلسوفًا بغض النظر عن أي وصف زائد له، فإن لم تكن المسألة كذلك فهي غير داخلة في هذا الفرع. ومن هنا؛ فهذا الفن -أعني الفلسفة الإسلامية- مقيد بقيود خارجية تميزه داخل فرع الفلسفة لكنها لا تخرجه عنها(4).
الأدوات والمحتوى الفلسفي
إن استقلال المسائل الفلسفية الإسلامية سالفة الذكر بفرع خاص سيمكنها -كما حصل للفروع المعرفية الأخرى- من أن تأخذ حقها من النظر والاستثمار المعرفي؛ فتجمع من شتاتها على هوامش علوم الآلة المختلفة، ليضم بعضها إلى بعض، وتتهيأ البيئة المناسبة لتولَد قريناتُها وشبيهاتُها. ثم إن من المهم أن تقارب هذه المسائل بأدوات التفلسف المحايدة (التي تعتني بها وتطورها منذ عقود الفلسفة التحليلية)، مع الحرص على تحاشي الخلط بين الأدوات، والمحتوى الفلسفي، فالأدوات متجاوزة ومتاحة لكل أحد للتنظير والحجاج، أما المحتوى فهو إنتاج الفيلسوف الذاتي (أو تقليدِه الفلسفي) الذي هو في المجمل عبارة عن آراء ظنية صادرة عن شبكة معقدة من الاعتقادات والافتراضات التي لا يصح أن يكون لها سلطة قبلية مفروضة على أحد.
وبهذا يتحرر هذا الفرع المعرفي من بعض القيود التي قيدت النظر العقلي التراثي من غير حاجة، فما عرف تراثيًّا بالفلسفة الإسلامية -وإن سلمنا بأنها لم تكن مجرد وصلة للفلسفة اليونانية- قد اصطبغت بطابعها، وتمسكت ببعض عناصرها الظنية كمسلمات وحدود قبلية للتفلسف، وهذا حرمها -جزئيًّا أو كليًّا- من أن تكون امتدادًا طبيعيًّا للتراث الشرعي الذي كان حجر زاويته النص، وصدر عنه متحررًا إجمالًا في ترقيه المعرفي من القيود الوافدة(5). وهذا الإشكال ينطبق -وإن بشكل أقل صرامة- على وليد التراث الشرعي، علمِ الكلام؛ الذي لم يسلم كذلك -ولا سيما بعد نضجه- من لزوم ما لا يلزم من المفردات الميتافيزيقية التي تسربت إليه من الفلسفة اليونانية بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وهو ما جعل مكانه ومكانته في خريطة العلوم الشرعية محل خلاف قديم(6)(7).
إلا أن هذا لا يعني هجر المحتوى الفلسفي والاقتصارَ على الأدوات عند تناول المسائل الفلسفية محل النظر؛ ذلك أن المتأمل في أي مسألة منها سيتقاطع ضرورة مع محتوى فلسفي عريض ومركب ومستحق للنظر والأخذ في الحُسبان. فاطلاع الباحث على هذا المحتوى ضروري لمعرفة الإجابات التي وردت في الموضوع وحججِها والحجج المضادة لها وتطوراتها إن وجدت، وتطلعه على كيف تناول الآخرون السؤال نفسه، ولماذا اختلفت إجاباتهم… لكن هذا الاتصال اللازم بالأدبيات الفلسفية يجب أن يقرن به دوامُ استحضار أنها إجمالًا آراء تقبل، وترد، وتؤخذ، وتترك، وليست مسلَّماتٍ يجب قبولها، بل ربما كان من المشروع أن يستصحب الفيلسوف في نظره الفلسفي اعتقاداتِه المبررةَ الأخرى التي قد تلعب دورًا في ترجيح رأي على رأي، أو قبولِ حكم ورد آخر.
وبهذا الفرع المعرفي تكتمل اللبنة النظرية الأخيرة في العلوم التراثية الشرعية التي ابتدأت بالنص، وتتبعت الافتراضات النظرية لكل ما صدر عنه واحدًا بعد آخر حتى انتهت (أو كان ينبغي أن تنتهي) إلى قواعده النظرية الأخيرة؛ أعني أسسه الفلسفية.
هوامش:
(1) فمن المألوف أن يجد المطالع مباحث لغوية، وتاريخية مثلًا في أدبيات العلوم الشرعية.
(2) الذي هو العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية وطرق ثبوتها، وشروط صحتها، ووجوه دلالتها على الأحكام، وحال المستدل (انظر مثلًا: المستصفى للغزالي: ٦؛ ونهاية الوصول للساعاتي: ٧).
(3) وهذا تمايز لم يفت علماء الأصول؛ فنحن نجد أبا المعالي الجويني (ت: ٤٧٨هـ) مثلًا يعنون لبعض المباحث الفلسفية الواردة في كتابه البرهان في أصول الفقه بـ«فصل يشتمل على مقدار من مدارك العقول تمس الحاجة إليه في مسائل الأصول» (البرهان للجويني: ٢٩).
(4) مع الإقرار باحتمال وجود مناطق رمادية محتملة بين الفلسفة وجيرانها من الفروع المعرفية الأخرى يصعب القطع بنسبتها لفرع دون آخر.
(5) ذلك أن معظم القيود التي تحكمت في النظر الشرعي ولا سيما في بواكيره كانت جزءًا منه، أو نبتت داخله بشكل طبيعي كأحكام اللغة، وقواعد القياس الأصولي.
(6) للاستزادة بشأن الخلاف في شرعية علم الكلام؛ انظر: (إحياء علوم الدين للغزالي ج١: ٩٤-٩٩).
(7) لعل عددًا من المسائل التي مثلنا بها كمسائل فلسفية على هوامش العلوم الشرعية قد قوربت في التراث على طريقة علماء الكلام؛ فلربما لحق تلك المقاربات أو بعضها ما أوردنا من إشكالات تلطخ به النظر الكلامي عمومًا، فإن كان ذلك؛ فينبغي إعادة مقاربتها متحررة من تلك الإشكالات.