صناعة النخب في الوطن العربي

صناعة النخب في الوطن العربي

صورة النخب وجدل الأدوار

محمد شوقي الزين باحث جزائري

مثل المنطوق الأوربي (elite)، تنطوي مفردة «النخبة» في اللسان العربي على فكرة الانتخاب أو الاصطفاء باختيار الأفضل والأمثل من بين الأشخاص الذين لهم الكفاءات في إدارة الشأن العام في مختلف تجلياته العملية: الإدارة، والسياسة، والاقتصاد، والمعرفة. ومن ثمة فإن أبسط تعريف لمفردة «النخبة» هي الأقلية التي تمتاز بقدرات وملكات، وتمارس السلطة المادية (الإدارة، والسياسة، والاقتصاد) أو الرمزية (المعرفة، والقيمة، والدين)، وتركز الموارد المادية والبشرية في الاضطلاع بهذه المهمة التنظيمية. وعندما نقول «أقلية» لها الكفاءات، فإنا نستنتج بأن «الأغلبية» هي التي تمارس عليها هذه السلطة المادية أو الرمزية. كذلك، عندما نقول: إن النخبة هي الأقلية التي تتميز عن الأغلبية بأن تمتاز بقدرات تعد سامية وربما عبقرية، فإنا نضع في الحسبان أن هذه الأقلية لها مواقع النفوذ، ومصالح، ومزايا، سواء أكانت مادية أم رمزية.

السلطة والسيادة

وعليه، فإن مفردة «النخبة» تتطلب آليًّا الفاصل بينها وبين العامة، وهو فاصل جذري كما بين البر والبحر. وهي ثنائية بين «القائد» و«المقود». فالنخبة لها إذًا القيادة (ترأس) مثلما لها السيادة (تهيمن)، تبعًا لطبيعة هذه النخبة إذا كانت سياسية أو عسكرية، فهي «ترأس أو تقود» بمختلف الوسائط الإدارية والبيروقراطية التي تسخرها؛ وإذا كانت دينية أو اقتصادية، فهي «تهيمن» بمختلف المرجعيات المقدسة والروحية التي تتكئ عليها أو بمختلف الشركات ورؤوس الأموال والبنوك التي تتولى إدارتها، ثم إن مفردة «النخبة» تطرح مشكلة الأشباه والنظائر. من هذه النخبة؟ هل هي النخبة الإدارية المتخرجة في المدارس العليا، ومن المعاهد المتخصصة في الإدارة، التي على عاتقها تنظيم القطاعات الحيوية للدولة وتسييرها؟ وهل هي النخبة الثقافية والفكرية والدينية التي تتلخص في مجموع الكفاءات النظرية والعملية من تدريس، وتأليف، ونشر، وتوزيع، ووعظ، وإفتاء، ومراقبة السلوك العام؟ وهل هي كذلك البورجوازية التي تستولي على وسائل الإنتاج (كما تذهب الماركسية) أم الأرستقراطية التي كانت بالأمس مجتمع النبلاء والتي هي اليوم المجتمع التكنوقراطي (أوليغارشية) الذي يستولي على المعرفة التقنية وأدوات التواصل، ومجتمع الأثرياء (بلوتوقراطية) الذي يستحوذ على وسائل الربح ومصادر تخزينه وتوزيعه مثل: البنوك والبورصة والشركات المتعددة الجنسيات؟ وهل هي مجموع الفاعلين علميًّا من أطباء، وباحثين، ومدرسين، ومهندسين؟ وهل هي مجموع الفاعلين اقتصاديًّا من تجار، ومقاولين، ومصرفيين، وسماسرة؟ وهل هي مجموع الممثلين تنظيميًّا من نواب في البرلمان، وعمداء البلديات، ورؤساء المحافظات، ومديري المؤسسات، ووزراء، ومستشارين؟ وهل هي مجموع الممثلين فنيًّا من مشهوري الفن، والرياضة، والسينما، والثقافة؟

ينبري من هذه الأشباه والنظائر مسألتان على الأقل:

الأولى، إن النخبة هي دائمًا ما «يتميز» عن البقية بزائدةٍ يمكنها أن تكون معرفة أو حظوة أو ألمعية. هناك إذًا «سادة» من جهة، و«سواد» من جهة أخرى على أساس تراتبي بين فاعل ومفعول أو بين قائد ومقود. والثانية، إن النخبة، بما هي تتميز عن البقية بشيءٍ من قبيل العبقرية أو التفوق، هي محطّ استهجان إذا كانت «تتسلط» بالأدوات التي تحتكرها (مثلًا، الأدوات الرأسمالية في إغناء أصحاب الأسهم وإفقار العوام) أو محط استحسان إذا كانت «تسود» بالقيمة الرمزية التي تكتسيها (مثلًا، عالم حائز على جائزة نوبل أو مفكر أو كاتب أو إمام).

بهذا المعنى، صارت مفردة «النخبة» محل ازدراء إذا كان المراد بها «التسلط» والاحتكار والمضاربة والاستغلال، وقد تكون محل احتفاء إذا كان المراد بها «التسيد» والتوزيع العادل للثروات والمساواة في الحقوق والواجبات بين الناس. والعلاقة بين السلطة والسيادة هي عكسية وشبه رياضية: كل من يتسلط لا يسود كالمارقين والجائرين، وكل من يسود لا يتسلط كالأنبياء والحكماء والعظماء، شيء شبيه بما قاله الحكيم الصيني لاوتسي: «الإنسان السامي شديد البأس لكن لا يقسو؛ حاد مثل السيف، لكن لا يجرح؛ صريح، لكن لا يهين؛ ساطع، لكن لا يتألق». ويصعب أن يجد الواحد في النخبة هذه الفضائل السيادية التي يقطن فيها البسط في عين القبض، «بوجود الضد في عين ضده» (ابن عربي)؛ لأن المراد من ذلك أن تكون النخبة صارمة في أداء الأدوار المصيرية لكن سخية ونبيلة، «عقل صلب وقلب رؤوف» (جاك ماريتان).

وهذه المواصفات التي قد تتوافر في النخبة، يمكنها أن تكون حصيلة تحالف بين حدي المثلث البلاغي الذي سنه أرسطو في علم الخطابة. إما التحالف بين العقل والطبع، الذي يعطي السيادة، وإما الائتلاف بين التأثر والطبع، الذي يعطي السلطة. بعبارة أخرى، إما أن نقصي العقل ونستعمل الانفعالات والعواطف في سياسة الحشود؛ وإما أن نستبعد العواطف ونستعمل العقل والحكمة العملية في إدارة الشؤون العامة. في الحالة الأولى، تتسلط النخبة وتستعمل مفعول الحمية في قيادة الجموع الغفيرة وكل ما يترتب عن ذلك من شعبوية وتضليل؛ وفي الحالة الثانية، تتسيد النخبة وتستعمل التعقل والروية في إدارة الشؤون العامة وتصاحب المجتمع نحو تنويره وتحريره.

الإستراتيجية والتكتيكية

جاء هذا الفاصل الحاد بين النخبة والبقية من ناحية أن العلاقة بينهما هي مثل العلاقة بين الصخرة الصماء والسيل الجارف. في كل «نخبوي» ثمة الصلب، والصارم، والجاد، والمتفوق، والقائم على أسس متينة من التكوين أو الموالاة. نسمي «الإستراتيجية النخبوية» هذه، الطريقة في صناعة النخب التي تخطط، وتستشير، وتداول، وتقرر، وتنفذ (صناعة القرار) بمعية أو على خلفية مؤسسات أسهمت في صناعتها، أي في تكوينها وتدبيرها وغرس روح المبادرة أو الولاء فيها. على الخلاف من ذلك، في كل «عامي» ثمة اللين، والبسيط، والساذج، والأصيل، والفار، والشريد الذي ينفلت والذي تستعمل إزاءه النخبة أدوات الضبط، والحصر، والمراقبة من أمن وقضاء وإعادة تأهيل؛ لأنه مثل الماء الجاري الذي يتطلب الحواجز والسدود.

نسمي «التكتيكية العامة» السلوك العفوي والجماعي الذي ينفلت بطبعه من الضوابط، ويمقت القواعد والقوانين، ويسعى لأن يخط لذاته نقاط التلاشي أو أخاديد الفعل الحر. يفسر هذا الأمر الصدام الحاصل بين النخبة والبقية الذي يتمظهر من الأولى في الاستبداد ومن الثانية في العصيان على مر العصور وفي أقاليم عدة. ومن يتأمل في المسألة يجد أن العلاقة بين النخبة والبقية تقوم في الغالب على هذا العراك بين من يسن القواعد والقوانين لتنظيم المجتمع ومراقبته، وبين من يسعى للإفلات من هذه الإكراهات التي يؤولها على أنها أدوات قسرية تستعملها النخبة للذود عن مصالحها أو إذا تحدثنا مثل الماركسية، نقول: إنها «طبقة اجتماعية» تستخدم وسائل الإنتاج لضمان نفوذها وسيطرتها على البقية. لكن، لا يمكن تفسير الصراع بين النخبة والبقية على أساس اقتصادي صرف.

هناك بالأولى حدود تتفق أو تفترق تبعًا للمعطيات والظروف الملائمة. مثلًا، تلجأ النخبة، التي تتولى مسؤولية إدارة الدولة، إلى تغليب «العسكري» إذا كانت مصالحها تقتضي ذلك، أو تغليب «السياسي والدبلوماسي» إذا كان الأمن العام والسلم العالمي يترتب عن ذلك. وهذان المعطيان (القوة أو السياسة) يستقلان بمنطقٍ لا يمكن إرجاعه دائمًا إلى الاقتصاد. تمامًا مثلما أن النخبة الثقافية أو الدينية تستقل بإطارٍ فكري أو مذهبي أو بمشروعٍ تعمل على غرسه في المجتمع أو ترويجه في الرأي العام، الذي قد يتنافى أحيانًا مع الوجهة التي يتولاها المجتمع بناءً على قيم أو أصولٍ هو متمسك بها لأنه متطبع عليها بحكم الانتماء التاريخي والجغرافي والثقافي.

وقد تكون وسائل النخبة في الترويج هي الإعلام، والإشهار، والدعاية، وهو ما يخلق توترًا بين نخبة تعي امتيازها عن البقية، وهذه البقية التي ترى بعين الريبة المخططات التي تطبق عليها. لكن، هل يمكن دائمًا إسناد نيات قبيحة لدى النخب؟ ألا تسعى بعض النخب إلى مرافقة المجتمعات نحو تنويرها، والوعي بحقوقها وواجباتها، والدفاع عن مكتسباتها، عبر المجتمع المدني مثلًا.

العقل الكثيف والعقل اللطيف

مدار الحديث عن العلاقة بين النخبة والجمهور هو الفاصل بين امتياز موهوب فطريًّا أو مكتسب بالتكوين والامتحان أو التوريث، وبين العامة التي غالبًا ما ينظر إليها على أنها كتلة منزوعة النباهة وما يترتب على ذلك من نعوت مستخفة: رعاع، ودهماء، وسوقة،… إلخ. لكن مهما كانت مواهب النخب أو مكاسبها، فإن الغالب في نمط إدارتها للمجالات الحيوية هو خضوعها لما سميناه «مكْننة» العالم. معنى ذلك أن نمط مقاربتها للأشياء والوقائع، وطبيعة قراءتها للسياقات والوضعيات، وطريقة تطبيقها للبرامج والمناهج هي على العموم بإيعازٍ من «العقل الآلي أو التقني» الذي هو عقل حسابي، يكتفي بالعد والإحصاء والتنسيق والجدولة والبرمجة، ويلقي بظلاله على جميع الحقول والميادين، في الإدارة، والاقتصاد، والسياسة، والمعرفة. حصيلة ذلك هي أن مقاربة المجتمع ستكون مقاربة آلية بترجمة الوقائع إلى رموز رياضية، وتحويل الأفراد إلى أعداد، وعد المجتمع فضاءً هندسيًّا تجوبه نقاط هي الأفراد والجماعات.

بهذا التصور الآلي فإن المجتمع يفقد من قيمته فضاءً دلاليًّا وثقافيًّا يؤدي فيه المعنى دورًا بليغًا. ولعل هذه من خطايا النخب، التي تفسر الهوة السحيقة بينها وبين الجمهور، وعنيت بذلك تجريد الأفراد والجماعات من التمثلات والرغبات والرؤى التي تحملها عن الحياة وعن العالم، باختزالها في سلالم عددية ورمزية تبرز هيمنة العلم الإيجابي (الوضعي) بحجة المقاربة الموضوعية للوقائع والأفراد. ومن ثمة، فإن عزل موضوع الدراسة، وإن كان «ذاتًا» كالأفراد في المجتمع، يجعل الذات الدارسة والعالمة في مقام «النخبوية»، أي في مقام السلطة. وأحسن من عبر عن ذلك هو ميشال فوكو في تحليله لنظرة العيادي للذات العليلة، وبشكل موسع نظرة الجنائي للذات السجينة، ونظرة التربوي للذات المتعلمة، إلخ.

إن العقل الآلي الذي تستعين به النخبة في قراءة الواقع وتفسيره هو ما ننعته بـ«العقل الكثيف» ومرادفات الكثافة من فظاظة وجفاف، من حيث إن المعيار الذي تستعين به النخبة هو المعيار الذرائعي في أولوية الوسائل على الغايات، حيث الوسائل هي الوسائط التنظيمية التي تنتهي بأن تصير نفعية وربحية (الشكل)، والغايات هي القيم الإنسانية (المعنى).

وتنخرط في القيم الإنسانية ما نسميه «العقل اللطيف» ومرادفات اللطيف من: ناعم ووقور، وهو الذي يؤديه «العقل الفهيم». الفاصل بين العقلين (الكثيف أو الآلي، واللطيف أو الفهيم) قديم قدم الفكر ذاته، ولعل أول من أبرزه في العصر الوسيط هو توما الأكويني بالفاصل الذي أجراه بين العقل المحض الذي يدرك الأمور بساطةً وحدسًا، ويتقاطع في ذلك مع «الوجدان» (العقل اللطيف)، والعقل المركب الذي يدرك الأمور نظريًّا وهو الأقرب إلى «البرهان» (العقل الكثيف). شايعه في ذلك نيقولا دي كوزا أو الكوزاني الذي ينظر إلى العقل النظري على أنه شكل متدهور ومتردّ من العقل المحض. ولم تكن الانتقالات المعرفية من العصر الحديث إلى اليوم سوى سرديات «التدهور» المشهود للعقل في مساره الحثيث نحو التقدم.

ربما كانت البدايات محمودة بالتحالف مع العلم الذي أتاحته التجربة والرؤية السببية للعالم. لكن ما إن تحالف العقل مع التقنية، فإن «التدهور» تضاعف وكشف عن المكْننة والآلية التي كان يتوجه نحوها العالم، ومعها تقسيم العمل إلى يدوي وصنائعي في صورة «العامل»، وإلى إداري وتقني في صورة «الخبير». وعليه، فإن التدهور لم يمسّ فقط تقسيم العمل وما ولده من تفاوت اجتماعي وطبقي منذ عصر التصنيع (القرن التاسع عشر)، بل مس كذلك النخبة ذاتها التي تطبعت على النظرة الآلية للعالم التي تبدي انعكاسات مهولة من جانبين: الأول، التنظيم الاقتصادي والاجتماعي بـ«مكْننة» العمل و«تقْنوة» العمليات، والنتيجة هي ارتفاع معدل البطالة والتهميش أو أولوية الوسيلة في تعزيز الربح على الغاية التي هي الإنسان. والجانب الثاني، تنظيم الأمن القومي بتصاعد دواعي التسلح من جراء الأزمات التي تندلع في هذا الإقليم أو ذاك وما يترتب على ذلك من تأمين القطر وتعزيز حماية المواطنين.

ندرك جليًّا أن «العقل الكثيف» يغذي بواعث تدهوره وتسْهم النخب في التعجيل من هذا التقهقر ما دامت المعادلة التي تسلكها هي أولوية الوسائل (الذرائعية) على الغايات (الإنسانية). كما أنا ندرك غياب (أو تغييب) «العقل اللطيف» الذي به يكون السلم العالمي والتفاهم الدولي. لماذا إذًا أخفق العقل اللطيف في أداء مهامه وطغى العقل الكثيف المولد للأزمات والمصائب ما دام أنه يغذي ما يسعى أساسًا لاستبعاده وتفاديه وهو التدهور الحاصل في مساره التاريخي والحضاري؟


المجتمع الخليجي وصناعة النخب… الوسائل والصعوبات!

محمد الرميحي أكاديمي وكاتب كويتي

يقدم لنا الاجتهاد التاريخي الإنساني نظريتين في تطور المجتمعات: إما أن تتطور تطورًا دائريًّا، كما ذهب ابن خلدون لتفسير قيام الدول وانهيارها، أو هي تتطور تطورًا تصاعديًّا، ولم يستقر البحث العلمي على اتفاق بين النظريتين، فكل منهما لها ما يثبتها في التاريخ البشري.

المستقر عليه أن النخب هي التي تقرر أو تساعد في ذهاب المجتمعات إما إلى صيرورة دائرية أو إلى صيرورة تصاعدية. والثابت أن المجتمعات لا تبقى على حال لزمن طويل، وعدم بقائها على أي من الحالين هو نتيجة لسلوك وتصرف النخب فيها، وبخاصة النخب القائدة في السياسة والاقتصاد والدين والعسكرية.

لذلك دراستنا عن دور النخب بشكل عام في مجتمعات الخليج (دول مجلس التعاون) تواجهها منهجيًّا العديد من العوائق، ربما بسبب غموض المصطلح نفسه وعسر تطبيقه على هذه المجتمعات. فالنخبة بشكل عام كمصطلح تعني «مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة في التأثير من غيرهم على تطور الأحداث في مجتمعهم». إن أخذنا بهذا التفسير العام، نستطيع أن نلج إلى موضوع (النخب في الخليج ودورها في التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي) بشكل أفضل.

نخب دول الخليج بشكل عام تغيرت طبيعتها بتغير النظام (الاقتصادي والاجتماعي)؛ فنحن أمام مرحلتين فاصلتين: الأولى، خليج ما قبل النفط، والثانية، خليج ما بعد النفط، على الرغم من أن بعض النخب استمرت في التأثير بطريقة أو بأخرى في الحالة الأولى والثانية، لأسباب تراثية عابرة للحقب.

نخب ما قبل المرحلة النفطية

كان لمجتمعات الخليج نسب في البر وفي البحر سبب، أي أنها إما بادية ومناطق زراعية محدودة، أو هي تستقي معيشتها من البحر، مثل صيد اللؤلؤ والسمك، والتجارة البحرية وصناعة السفن الصغيرة. وكانت مجتمعات شبه معزولة عن العالم الخارجي، تتصل بالجوار الإيراني أو الهندي وشرق إفريقيا. كما أن نظامها الاقتصادي (الصحراوي/ البحري) استمر لقرون طويلة، فهناك شواهد في كتب التاريخ، التي كتبت قبل مئات السنين، أن النشاط الاقتصادي لمنطقة الخليج استمر كما هو دون تغيير لحقبة زمنية طويلة مع إنتاج النسيج الاجتماعي نفسه بقواعده السلوكية والثقافية.

لذلك نجد أن النخب بالمصطلح المتداول اليوم في وقتها كانت أولًا قليلة، وثانيًا تقليدية، فهي تعتمد على التكوين القبلي في التنظيم الاجتماعي. وكان شيخ القبيلة أو شيوخ القبيلة، القليلون هم من يقررون أو يؤثرون في الأحداث، يقيمون التوافق أو يعلنون الحرب على الآخرين المنافسين، كما أنهم في الغالب من يحتكرون الثروة، سواء كانت ثروة غير منقولة، حيوانات وبساتين، أو منقولة مثل المال والسفن.

في الساحل الخليجي الذي يتعامل مع البحر، فإن أهل النخبة هم من جديد شيوخ القبائل الذين تحولوا إلى حكام، والتجار المهيمنون على الثروة المنقولة أو الثابتة، يساعدهم نخبة يمكن تسميتها بالدينية، وهم من أصاب شيئًا من التعليم الديني في بلاد مثل الأحساء التي كانت مقرًّا للتعليم الديني في ذلك الوقت.

هذه النخب كانت تتفاعل مع بعضها من أجل ضبط قواعد التعامل المجتمعي، التي كانت في الغالب تقليدية ومحافظة وهرمية، ولم تكن مطلة على العصر إلا في بداية القرن العشرين، بعد أن قُدّمت إصلاحات في بعض البلاد، التي كانت بريطانيا قد بسطت عليها نفوذها، مثل المواني المختلفة، كمسقط ودبي والبحرين والكويت والدوحة. شهدت تلك الحقبة ضغوطًا بريطانية للقيام بإصلاحات، من بينها تحرير العبيد. شجعت السلطات البريطانية على تحرير العبيد، وكان كل من يلجأ لقنصلياتها في تلك الحقبة في السنوات الأولى من القرن العشرين، يسلم ورقة تحرير، كما توصف، ويمكن أن يعود إلى أسياده دون أن يكون لهم الحق في بيعه. وقد بقيت مظاهر تلك العبودية في معظم أرجاء الخليج حتى النصف الثاني من القرن العشرين. كما نَظّمت السلطات البريطانية العلاقة بين الغواص وأصحاب السفن، (النواخذة). لكن كانت تلك الإصلاحات محل معارضة ورفض من النخب، وجرت محاولات من أجل الاتفاق عليها، إلا أن تلك الإصلاحات في النهاية -ومع دخول عصر النفط- استقرت واتخذت السلطات البريطانية طوال نفوذها الأكثر تدخلًا (في النصف الأول من القرن العشرين) خطوات لدفع إصلاحات محدودة.

النخب الخليجية بعد اكتشاف النفط

اختلف تاريخ دخول الدولة الخليجية الحديثة إلى عصر النفط؛ بعضها اكتشف النفط فيها مبكرًا وبعضها متأخرًا، وامتدت تلك الحقبة بين ثلاثينيات القرن الماضي حتى ستينياته. لكن بيع النفط وتسويقه بدأ تقريبًا في أربعينيات القرن، بعد انتهاء الحرب العظمى الثانية، وكانت الكميات المنتجة في البداية قليلة والأسعار متدنية، وبمرور الوقت أصبحت الكميات المنتجة أكبر والأسعار أعلى من السابق، وتدفقت ثروات ضخمة أنتجت ما عرف لاحقًا بالمجتمع الريعي، الذي كتب في نواقصه كثير من مثقفي الخليج المستنيرين.

في هذه المرحلة، بدأ العصر التنظيمي الحديث في دول الخليج من خلال بناء هيكل الدولة الحديثة الذي بدأ متواضعًا، ثم اشتد عوده مع مرور الزمن. بنيت المدارس، وهي في الحقيقة بدأت مبكرًا قبل العصر النفطي، نتيجة وعي مبكر في بداية القرن العشرين، ولكنْ بعدد قليل جدًّا، كما في البحرين والكويت في عشرينيات القرن العشرين، أما بعد اكتشاف النفط فقد اتسع نطاق وخدمات التعليم للبنين والبنات، وقد وجد تعليم البنات مقاومة اجتماعية في البداية، إلا أنه سرعان ما انتشر.

ظهرت بعد النفط نخب جديدة غير معروفة من قبل في المجتمع الخليجي. مثل: الموظفين الذين احتاجتهم الدولة الحديثة، ورجال الأمن، ورجال الجيش، والمتعلمين الجدد، الذين تخرجوا في الجامعات في الداخل والخارج، وشهدت ستينيات القرن الماضي وصول أول دفعات الخريجين الجامعين وتلاهم في السبعينيات وصول الخريجين من حملة الدكتوراه من البلاد العربية والأجنبية.

في هذه الحقبة أيضًا، منذ النصف الثاني للقرن العشرين، شهدت دول الخليج ظهور طبقات اجتماعية جديدة منها عمال شركات النفط، ودخلت هنا عملية تنظيم الوقت، وصرف مرتبات مالية منتظمة، عكس نشاط الغوص مثلًا، الذي لا يمكن لأحد أن يعرف كم من الدخل يمكن أن يحصل عليه الغواص في آخر الموسم!

التحقت نخب جديدة، رجالًا ونساء، بسلسلة المرتبات، أي من يحصلون على مرتبات منتظمة، وكثر رجال التعليم الحديث، وحاملو السلاح الحديث (شرطة وجيش) مع وجود النخب القديمة ومنها شيوخ القبائل، الذين تحولوا إلى حكام، وأيضًا رجال الدين، الذين حصل بعضهم على شيء من التعليم الديني في المعاهد الدينية العربية كالأزهر، والتجار الذين اتسعت أمامهم فرص العمل والتجارة في سلع لم تكن معروفة، كما اتسعت طبقتهم بسبب فرص العمل والتجارة والمقاولات التي سهلتها المداخيل النفطية في الدولة الحديثة.

هنا نجد أن المجتمع أصبح فيه تنافس بين النخب، نخب حديثة تريد تطوير مجتمعها، منها الخريجون وبخاصة خريجو الجامعات الخارجية، والتجار الجدد، ورجال الشرطة والجيش وأيضًا النخب التي قدمت من الخارج وبخاصة العربية التي كان الاقتصاد الحديث يحتاجها، وهم المدرسون والأطباء والمهندسون، والموظفون الفنيون الذين تحتاجهم الخدمات الحديثة في مجال الكهرباء والمياه وشق الطرق.

هذه النخب العربية القادمة من الخارج، أثرت كثيرًا في المجتمع الخليجي الجديد، وبخاصة في طلاب المدارس، فعرفت مجتمعات الخليج أشكالًا من الاجتهادات السياسية التي كانت تموج بها الدول العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، كالبعث والقومية العربية والأحزاب الدينية.

صناعة النخب في الخليج

صنعت النخب الحديثة في الخليج في المدارس الحديثة، واشتركت في صناعتها ثلاثة عوامل: الأول، إهمال الدولة لأهمية التعليم وتأثيره في المجتمع، والنظر إليه على أنه عمل حكومي روتيني يُنتِج موظفين للدولة الجديدة. والعامل الثاني، المبني على الأول، أن التعليم ترك لجماعات الإسلام السياسي، التي ملأ منتسبوها المدارس، فوجدت قيادات ذلك التيار ملجأ آمنًا لها ولمؤيديها، وتركت تلك الجماعة حرة في تكوين وعي الشباب. وبما أن الدولة الخليجية محافظة فلم يكن هناك تناقض بين ما تدعو إليه تلك الجماعة، والصالح العام.

العامل الثالث هو ما مرت به مجتمعات الخليج، بعد اكتشاف النفط، من اختلال في المفاهيم نتيجة التغير الفجائي والجذري بين ما كانوا عليه، وما أصبحوا فيه. هذا الاغتراب سهل استقبال الأفكار التراثية للتخلص من ذلك الشعور الاغترابي. وأصبح الشعور الديني عامل توازن في شخصية الخليجي، فأُعلِيَ مِن الأفكار الدينية على أنها المخلص من ذلك الاغتراب.

النخب التي يمكن أن يطلق عليها (مستنيرة أو تقدمية) وهي التي حصلت على تعليم في الغرب، في الغالب انقسمت إلى ثلاث شرائح: الأولى، التحقت بالمحافظين وقدمت لهم حججًا منهجية مستخدمة في الغرب لتطوير دعاواهم، والثانية التزمت الصمت وركزت على تخصصاتها الفنية، والثالثة وهي الأقل عددًا فضلت المواجهة، وكانت مواجهة صعبة، وصلت إلى حد تكفير الأفراد الذين دعوا إلى الانفتاح وتحرير المرأة والتفكير العلمي لتطوير المجتمع. هذا الصراع في مجتمع الخليج استمر وتنامى من خمسينيات القرن الماضي حتى بداية القرن الحادي والعشرين، وكان مُنحناه الأعلى في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حيث ظهر مع ما عرف بالصحوة، وفي جزء منها استفادت من قلق جماعي من ثورة إيران الدينية/ الشيعية فقررت جماعة الصحوة أن تقدم نفسها بديلًا مدافعًا عن كيان الدولة الخليجية.

الدخول في الحداثة

تقول لنا شواهد التاريخ لأمم مختلفة في ثقافاتها: إن الدخول في الحداثة يستلزم أن تغير تلك المجتمعات العناصر التراثية التي تعرقل التحديث، إلى عناصر حديثة مثل الاعتماد على العلم ومراجعة الأفكار التراثية غير العقلانية، فالجماعة التي تستمد معارفها من الماضي تبقى في الماضي، وإن لبست أثوابًا تبدو وكأنها حديثة. ما يمكن تلخيصه أن النخب العاملة على تحقيق النهضة تتطلب تجاوز عدد من المعوقات الثقافية، والاعتماد على العقل والعلم، وعلى قيادات نخبوية لها رؤية، ورجال تنفيذ ذوي كفاءة، حيث يستطيع التائهون في مجتمعاتنا التخلص من متاهاتهم، مع ضرورة مفارقة جبال الأفكار المتخلفة والمعوقة للحداثة.

الأمر يصعب مع الثورة الرقمية التي تقدم لنا المعلومة بسرعة ويسر. ما ينقص هو التفكير النقدي الذي سُلب من النخب، بسبب تلك الثورة الرقمية؛ لذلك تحتاج نخب الخليج إلى تأكيد التفكير النقدي، وبخاصة في الموروث الذي يقدم وكأنه حقائق صلبة لا تناقش، على الرغم من أن المستنيرين، مثل الشيخ محمد عبده، قالوا: إن العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، وإن الأحكام في المعاملات تختلف باختلاف الزمان والمكان.


صناعة النخب وآلياتها

موليم العروسي – باحث مغربي

النخبة هي مجموعة محدودة من الأشخاص المتميّزين غالبًا، يحظون بالسلطة أو النفوذ الكبير في مجال معين، سواء كان في السياسة، أو الاقتصاد، أو الثقافة، أو التعليم. الفكرة الأساسية هي أن هؤلاء الأفراد أو المجموعات، بفضل مهاراتهم أو وضعهم الاجتماعي أو ثروتهم، يمارسون سيطرة أو تأثيرًا على الأغلبية. فيما يتعلق بمنطقتنا العربية، يصبح المرء جزءًا من النخبة وفقًا لعدد من المعايير، وهذا بعض منها: المكانة والنبالة؛ سواء عن طريق النسب أو عبر الانتساب إلى زاوية، قبيلة أو من خلال المستوى الثقافي والفكري.

الثروة؛ يُعَدُّ الشخص جزءًا من النخبة إذا تميز بثروته وما تمنحه إياه أمواله من قوة. فهو بذلك يساهم في تنمية منطقته أو بلده، ويقترب منه المسؤولون الحكوميون. في دول مثل الولايات المتحدة لا يُعَدُّ خطيئة تكوين شبكة من الأشخاص الأثرياء لتمويل حملة انتخابية، والفوز بالانتخابات، وخدمة مصالح المتبرعين بالدفاع عن مصالحهم، لكن في بعض الدول الأخرى مثل فرنسا يحاول المترشحون العثور على طرق ملتوية للوصول إلى الهدف ذاته. أما في منطقتنا العربية، فيُرفع شعار أخلاقي صارم غالبًا ما يكون مبنيًّا على مبادئ دينية هشة لتقديم المرشح في صورة قديس. ولكن من أين يأتي المال الذي يُضَخُّ في الحملات الانتخابية، وكذلك في جيوب الناخبين لشراء أصواتهم؟

غالبًا ما تُستخدم طرق غير قانونية. وبعد مراقبتي لبعض الحملات الانتخابية استنتجت أن كل شيء مباح، من التهديد إلى الفساد. ولا يمكن استثناء أي تيار: سواء كان اليمين أو اليسار، أو الإسلام السياسي.

فالتحكم في شبكة معينة، التجارة غير المشروعة مثلًا، يؤدي إلى تراكم المال وخلق الشخصية البارزة. وتُدعم هذه الشخصيات البارزة في بعض المناطق، حتى في أدنى المستويات، من السلطات المحلية، ليس لأنه مشروع من السلطة المركزية، بل لأنهم يستفيدون من هؤلاء الأشخاص في خدمات محددة. هؤلاء الأعيان الجدد يضعون أصوات الناخبين المحليين تحت تصرف الأحزاب، وهو ما يؤدي إلى انتخاب بعض المستشارين البلديين الذين يضمنون الأصوات في الانتخابات التشريعية، وبالتالي يتحكمون في الخريطة الانتخابية ويوفرون أيضًا البرلمانيين. لكن تكوين نخب أحزاب الإسلام السياسي تخضع لقواعد أخرى. فهي تعتمد على جماهير ليست بالضرورة مثقفة، إضافة إلى بعض الفئات المهنية، نجح الإسلاميون في اختراق شبكات تجار المخدرات، والتجار المتوسطين والمهربين، وبخاصة في التجارة غير الرسمية. وتتمثل وسائل فسادهم في الصدقة أو المساعدات المقدمة للفقراء قبيل الانتخابات.

ضرورة النخب

ولعل أهم مدخل لمعرفة النخب وكيفية اشتغالها، بل كيفية التحكم فيها، هو فكر إدوارد بيرنيز صاحب كتاب «البروباغاندا». يُنظر إلى بيرنيز، (1891- 1995م) على أنه الأب المؤسس للعلاقات العامة الحديثة، وهو صاحب رؤية واضحة جدًّا حول دور النخب في إدارة الجماهير. هذا الفكر مستوحى من أعمال خاله، سيغموند فرويد، حول سيكولوجية الجماهير. كان بيرنيز يؤمن بشدة أن الجماهير غير عقلانية وسهلة التأثر. وبحسبه، كان من الضروري أن تقود نخبة مستنيرة وتوجه الرأي العام للحفاظ على النظام والاستقرار في المجتمع. ومن الأفكار الرئيسة لهذا المؤلف الخطير، التلاعب بالرأي العام. كان بيرنيز يعتقد أن الرأي العام يمكن توجيهه بواسطة أقلية متعلمة تفهم علم النفس البشري وآليات الإقناع. وأكد أنه من أجل مصلحة المجتمع، يجب على النخبة استخدام هذه المعرفة للتأثير في اختيارات الجماهير وتوجيهها. كما أكد أهمية الدعاية وأعاد تأهيل مصطلحها حيث كان يرى أنها أداة ضرورية للتحكم في الطريقة التي تُقدم بها الأفكار والمعلومات للجمهور. كان يرى أن النخبة يجب أن تتقن فن الدعاية لتشكيل الرأي العام بطريقة مفيدة وتجنب الفوضى المحتملة في الديمقراطية المباشرة.

وهكذا دافع في كتابه «الدعاية» (1928م)، عن فكرة أن الديمقراطية الحديثة، على الرغم من أنها تسمح بمشاركة الجميع، تحتاج إلى إدارة خفية من جانب أقلية كفؤة ومستنيرة لتكون فعالة. وكتب: «إن التلاعب الواعي والذكي بالعادات المنظمة وآراء الجماهير هو عنصر مهم في المجتمع الديمقراطي. أولئك الذين يتلاعبون بهذه الآلية غير المرئية للمجتمع يشكلون حكومة غير مرئية وهي القوة الحقيقية الحاكمة لبلدنا».

يرى بيرنيز أن النخبة مرشد أخلاقي وثقافي، وأن النخبة يجب أن توجه الجماهير ليس فقط في المسائل السياسية والاقتصادية، ولكن أيضًا في القضايا الثقافية والأخلاقية. وكان يؤمن بأن النخبة يجب أن تروج لقيم إيجابية وحضارية لرفع مستوى وعي الجمهور.

تعرضت بالطبع رؤية بيرنيز لدور النخب للانتقاد بسبب طابعها الأبوي، والمناهض للديمقراطية. رأى النقاد في أفكاره تبريرًا للتلاعب بالجماهير من قبل مصالح خاصة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام السلطة. ومع ذلك، دافع بيرنيز عن أن هذا النوع من التلاعب كان ضروريًّا من أجل حسن سير المجتمع، معتبرًا أنه من دون توجيه، يمكن أن تقود الجماهير إلى الفوضى أو اتخاذ قرارات غير عقلانية. باختصار، بالنسبة لإدوارد بيرنيز، كانت النخبة تؤدي دورًا أساسيًّا في هيكلة المجتمع واستقراره من خلال التحكم في أدوات الاتصال والإقناع من أجل الصالح العام. وعلى الرغم من انتقاد العديد لهذا الموقف فإن كل قوة اجتماعية أو سياسية صعدت إلى مقاليد تسيير الشأن العام، تقوم بالأساليب نفسها وتتبنى بعضًا من أفكاره.

ومن هذا المنظور، فإن للدولة دورًا كبيرًا في صناعة النخب السياسية والفكرية والثقافية يتضمن جوانب رئيسة عدة منها تحديد معايير النخبة حيث تضع السلطةُ المركزيةُ المعاييرَ التي تحدد من يُعَدُّ نخبة في المجتمع. قد تشمل هذه المعايير التعليم، والثروة، والنفوذ، أو حتى الولاء للسلطة. واتصالًا بهذا غالبًا ما تساهم السلطة في إنشاء مؤسسات تعليمية تُعزز من تكوين النخب الفكرية والثقافية، من خلال توفير التعليم العالي والتدريب المتخصص. كما يمكن للسلطة المركزية أن تحدد من يحصل على المناصب القيادية في الحكومة والقطاع الخاص، وهو ما يؤثر في تشكيل النخب السياسية. كما يمكنها دعم المشروعات الثقافية والفكرية عبر التمويل، وهو ما يعزز من ظهور النخب الثقافية. علاوة على سيطرتها على وسائل الإعلام حيث تؤدي دورًا مهمًّا في تحديد ما يُنشر ويُبث، مما يؤثر في تشكيل الرأي العام وظهور النخب الفكرية من خلال التحكم في المحتوى والمعلومات.

من جهة أخرى قد تسعى السلطة إلى تشكيل تحالفات مع نخب معينة لدعم سياساتها وتعزيز استقرارها. يمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور نخب جديدة ترتبط بمصالح السلطة. كما يمكن أن تشجع أو تقمع المبادرات الثقافية والسياسية التي تخرج من المجتمع المدني، وهو ما يؤثر في تنوع النخب وتوزيع القوة والنفوذ في المجتمع. على نحو عام، تلعب السلطة المركزية دورًا محوريًّا في تشكيل النخب من خلال تأثيرها في التعليم، والاقتصاد، والثقافة، ووسائل الإعلام.

صناعة النخب عبر وسائل التواصل

كيف تصنع وسائل التواصل الاجتماعي النخب اليوم ولمصلحة من؟ تُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أدوات قوية تؤثر تأثيرًا كبيرًا في تشكيل النخب في المجتمعات الحديثة. تتجاوز تأثيراتها حدود التواصل الشخصي لتصبح منصة لتسويق الأفكار والآراء، وتكوين جماعات ضغط ونخب جديدة. تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي مجموعة من الآليات التي تسهم في تشكيل النخب، ومنها:

الترويج لما يسمى بالموهوبين: توفر منصات مثل تويتر (X) وإنستغرام ويوتيوب فرصة للأفراد؛ لإبراز مواهبهم وأفكارهم على نحو سريع وفعال. يمكن للأشخاص المبدعين أن يحصلوا على متابعة واسعة، وهو ما يسهل عليهم بناء قاعدة جماهيرية تؤهلهم لأن يصبحوا نخبًا في مجالاتهم.

الانتشار السريع للمعلومات: يمكن لمحتوى معين أن ينتشر بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يساهم في تعزيز شعبية أو نفوذ شخص ما. فعندما يحصل شخص على عدد كبير من الإعجابات والمشاركات، يصبح مرجعًا في مجاله، حتى لو كان محتواه غير موثوق أو سخيف.

التفاعل والمشاركة: تتيح وسائل التواصل الاجتماعي تفاعلًا مباشرًا بين الأفراد والجماهير، وهو ما يسهل تشكيل مجتمع حول موضوعات معينة. يمكن للأفراد ذوي الاهتمامات المشتركة أن يجتمعوا لتبادل الأفكار، وهو ما يزيد من فرص ظهور نخب جديدة.

التصنيف والتأثير: تتبنى وسائل التواصل الاجتماعي نظام تصنيف يعتمد على عدد المتابعين والتفاعل. تجعل هذه التصنيفات بعض الأشخاص أكثر ظهورًا من غيرهم، وهو ما يساهم في تعزيز نفوذهم؛ لكونهم ممثلين لنخب معينة.

الأهداف والمصالح وراء صناعة النخب

تعمل وسائل التواصل الاجتماعي لمصالح متعددة. تسعى الشركات إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتها من خلال التعاون مع المؤثرين والنخب الذين يمتلكون جمهورًا واسعًا. هذه النخب تُستخدم لخلق صورة إيجابية عن المنتجات وجذب عملاء جدد. كما تستخدم الأحزاب السياسية وجماعات الضغط وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام. تُعَدّ النخب الجديدة على هذه المنصات أدوات فعالة لنشر الأفكار السياسية وزيادة الوعي بما يدعون أنه قضايا اجتماعية حقيقية. ولعل أكثر شيء طفا على سطح المجتمعات هو تعزيز الهويات الثقافية والاجتماعية حتى الهامشية منها؛ إذ أصبح بإمكان الأفراد من مختلف الخلفيات استخدام هذه المنصات للتعبير عن آرائهم وتعزيز قضاياهم، وهو ما يسهم في تشكيل نخب ثقافية جديدة.

على الرغم من الفوائد، فإن صناعة النخب عبر وسائل التواصل الاجتماعي تواجه تحديات عدة. فعبر هذه المنصات تنتشر المعلومات المضللة بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور نخب تحمل آراء غير صحيحة أو مضللة، وهذا يثير تساؤلات حول خطاباتها ومصداقيتها. من جهة أخرى، ومع تصاعد التأثيرات التجارية والسياسية، فقد تجد النخب نفسها متورطة في أجندات معينة، وهو ما يقلل من استقلاليتها وقدرتها على تمثيل مصالح المجتمع عامة. لكن الأخطر من ذلك هو ما يشعر به الأفراد من ضغط لتحقيق مستوى عالٍ من التفاعل والمشاركة، وهو ما يؤدي إلى ظهور نخب تتبنى آراء غير متسقة أو تعكس توجهات ضيقة.

تُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي أدوات رئيسة في تشكيل النخب اليوم؛ إذ تتيح للأفراد الفرصة لبناء نفوذهم والشعور بالتأثير في مجالاتهم. ولكن مع هذا التأثير تأتي مسؤوليات وتحديات، وهو ما يتطلب وعيًا نقديًّا من الجمهور في تقييم النخب ومحتواها. في النهاية، تبقى النخب التي تُصنع عبر وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من منظومة معقدة تتداخل فيها المصالح التجارية والسياسية والثقافية.

وسائل التواصل وتحكم النخب في المجتمعات

مع وسائل التواصل الاجتماعي وفتح الحدود أمام التجارة العالمية أو عولمة الاقتصاد؛ أصبحت النخب عابرة للقارات تمامًا كما الشركات المتعددة الجنسيات. لا يعني هذا أن هذا النهج السياسي المهيمن لم يكن موجودًا من قبل. نعرف جيدًا أن القوى العظمى كانت تتعامل مع نخب الجيش أو بعض النخب السياسية المستعدة لذلك. في حقبة الحرب الباردة كانت الأنظمة الشيوعية أو الاشتراكية تتعامل مع نخب من النقابات أو الأحزاب أو التيارات المتطرفة للضغط على أنظمة ما كان يسمى بالعالم الثالث. وكانت الأنظمة المسماة رأسمالية تتعامل مباشرة مع نخب الجيش فتضغط إما بالانقلابات أو التهديد بها. لكن مفهوم التغيير المجتمعي أخذ اتجاهًا آخرَ؛ إذ أصبح الحديث عن التغيير السلمي ونبذ العنف والتداول على السلطة هو الرائج والمدعوم عالميًّا.

من هذا المنطلق أصبحت الأنظمة المهيمنة عالميًّا تتعامل مع النخب التي تتبنى قضايا حقوق الإنسان. وقد تُمنح هذه النخب شرعية دولية، وبخاصة إذا كانت تحظى بدعم منظمات غير حكومية عالمية أو منظمات حقوقية. هذه النخب تصبح مدافعة عن المعايير الدولية (بصرف النظر عمن وضعها) وتستخدم لإحراج الأنظمة المحلية أو الضغط عليها للتغيير. قد يكون الهدف ليس فقط تحقيق العدالة الاجتماعية، بل أيضًا التأثير في سياسات تلك الأنظمة وتوجيهها بما يخدم مصالح القوى الكبرى. وسواء وَعَتْ هذه الفئاتُ، التي تدافع عن حقوقها بِنِيّةٍ صادقةٍ، أم لم تَعِ ذلك، فإن القوى العالمية تستفيد في الأغلب من هذا الحراك. تستخدم النخب التي تُعزز هذه القضايا كوسيلة لإدخال هذه المعايير إلى الدول النامية، وهو ما يُعَدُّ تدخلًا في الشؤون الداخلية من طرف الأنظمة المستهدفة. هذا التدخل، سواء حدث بوعيٍّ من تلك النخب أو لا، يضعف الأنظمة السياسية القائمة، ويدفع الدول النامية أو الفقيرة إلى البقاء في دائرة النفوذ العالمي. وقد اتضح ذلك جليًّا إبان ما سُمِّيَ الربيع العربي.


مواد أولية عن النخبة السعودية المؤسِّسة

 

علي الشدوي – ناقد سعودي

يمكن القول: إن الخصم الذي يقارع النخب الطليعية في المجتمعات هو رد فعل تجاه القضايا التي تطرحها هذه النخب؛ ذلك الخصم الذي نصفه بالذهنية التقليدية. ويمكن أن توضح الحكاية التالية ما أعنيه بهذه الذهنية. يتعلق الأمر بإبراهيم الفلالي الذي عرض كتابه «رجالات الحجاز» على الرقابة للموافقة على نشره. استدعاه الرقيب واستكتبه تعهدًا بعدم نشر الكتاب.

يورد الكاتب السعودي محمد عبدالرزاق القشعمي في كتابه «الفكر والرقيب» أن سبب منع كتاب الفلالي هو إساءة الكتاب -من وجهة نظر الرقيب- للصحابة. فقد وصف المؤلف الفلالي ذهن الصحابي عبدالله بن عباس بـ«عدسة الآلة المصورة التي لا ترى شيئًا، ولا تمر على شيء إلا التقطته». يشرح الرقيب قائلًا: «أي كفر أبلغ من هذا؟! ذهن ابن عم رسول الله كعدسة آلة التصوير التي صنعها النصارى.. أيشبه صنع الله تعالى في صحابي جليل بصنع النصارى؟ هذا كفر». (ص 100).

الجيل الحجازي

هذا مجرد مثال واحد، في هذا الكتاب المهم، لما واجهته النخب الطليعية في المملكة العربية السعودية. لكن يمكن للمفهوم الهيغلي المعروف بـ«الرغبة في الاعتراف» أن يغني أفعال النخب معرفيًّا في المرحلة التي سأهتم بها هنا وتقع بين عامي 1924-1953م. فقد تلاقت في الحجاز في تلك المرحلة كل التيارات الثقافية المعروفة آنذاك، وتمازج في بيوت الحجازيين أغلب دماء العروق التي صنعت منه مجتمعًا متناغمًا. وبما أن الحجاز إقليم مضياف يستقبل آلاف الحجاج والمعتمرين سنويًّا، وبما أنه حظي بموهبة نادرة في المجتمعات هي «موهبة التلقي» فقد جذب الحجاج لكي يبقوا، وقد حلا لهؤلاء العيش في جو اجتماعي تجاوزوا فيه العرق واللغة والأحقاد إلى حد كانوا فيه «مواطنين عالميين» من غير أن يعوا ذلك بحكم طبيعتهم.

من البدهي أن يؤثر ذلك ثقافيًّا. وبالفعل يتحدث محمد حسين هيكل في مقدمته لكتاب «وحي الصحراء» لخوجة وبالخير، عن جيل حجازي بين الثلاثين والأربعين يطفر بالحماسة، شديد الولع بالاطلاع، ينقد الكتب التي يقرؤها، ويقف على أدق صور التفكير الحديث. ليس من قبيل الصدفة إذن أن يعنون الفلالي أحد أهم كتب تلك المرحلة بـ«نفثات من أقلام الشباب الحجازي». فالفعل (نفث) يتضمن تضمنًا ملموسًا حالة مصدور لا بد له من أن ينفث، وفكرة النفث فكرة توتر وسرعة ونفخ، وهي أفكار تطابق التحرر الذاتي، وتحطيم الإنسان سجنه لكي يجعله أرحب وأوسع، أو على الأقل أن يتجاوز ضيق سجن من أن تستغرقه قيوده.

محمد سعيد خوجة

فضلًا عن ذلك فقد نبه الصبان في مقدمة الكتاب ذاته إلى هذه الروح الجديدة، وأبدى قلقه منها. لا أحد يعرف هل هو الخوف عليها أم الخوف منها. كل ما في الأمر أنه طالب الشباب بالاعتدال، والاستفادة من خبرة الشيوخ، وهو ما لم يكن في بال هؤلاء الشباب؛ إذ توازن بعض مقالات الكتاب بين جيل ينشأ بروح متقدة ويرنو إلى الغد، ويعمل من أجل المستقبل، وجيل شيوخ انتهى، أو هو على وشك أن ينتهي.

تشكل من هؤلاء الشباب وسط ثقافي غير مسبوق من قبلُ في المملكة العربية السعودية؛ حيث تُقام الندوات الأدبية والثقافية، وتُعقد الاجتماعات لمناقشة القضايا الفكرية والفلسفية. يقضي هؤلاء الليالي، وفق تعبير عزيز ضياء، في حوارات عن آراء أفلاطون في جمهوريته، والفارابي في مدينته الفاضلة، وداروين ونظريته في أصل الأنواع.

ولقد استُعِينَ بهؤلاء في إدارة شؤون الدولة. يورد محمد علي مغربي في كتابه «أعلام الحجاز» ما يلي: «إذا كان لنا أن نقول كلمة في شأن الوظيفة والشاعر، فإن سواد الناس ومنهم الأدباء والعلماء يعملون في الوظائف، هي سبيل معاشهم، ولا ينظرون إليها هذه النظرة المتعالية، ومنهم من يأخذ على مجتمع الوظائف ما قد يكون فيه من غرور بعض الرؤساء، وانتهازية بعض الزملاء، وسخف بعض المترددين، لكن الحياة تحفل دائمًا بهذه الأشكال من الناس، وباختلاف الطبائع والغايات، والرجل الحصيف هو الذي يكيف نفسه مع واقع الحياة، دون أن يفقد أصالة الخلق، ويعامل الناس المعاملة الكريمة اللائقة به وبهم» ( 1994 جـ4/67).

حمزة شحاتة نموذج للمثقف الطليعي

يبدو هذا الكلام لمزًا من طرف رجل أعمال لما كانت عليه بعض تلك النماذج الاجتماعية الجديدة التي ظهرت في هذه المرحلة التاريخية التي نتكلم عنها؛ فحسين سرحان كان يؤثر أن يعيش بين الكتب، ولم يكن يرغب في الوظيفة، بل إنه هجاها بقصيدة اعتبر فيها العيش مع الجن، على سوئه وفظاعته، أحسن حالًا من العيش في الوظيفة. ويبدو أنها قصيدة مقذعة حتى إن ناشر ديوانه «أجنحة بلا ريش» وضع في مكان بعض الأبيات نقطًا مما يشير إلى أن فيها ما ينافي الذوق العام، أو ينال من الموظفين والوظيفة. هناك حمزة شحاتة الذي كان لا يطيق البقاء في عمل واحد، حتى لو في شركة مع أخيه (مغربي جـ2/133). كان حمزة شحاتة من الشخصيات القلقة التي لا تستقر على حال، وكانت طموحاته تتمرد على العمل الروتيني الممل والرتيب، كالوظيفة. كانت أفكاره أقوى من واقع حياته (نفسه، 135). وهناك أحمد عبدالغفور عطار الذي استقال من الوظائف الحكومية ليتفرغ للبحث والتأليف (نفسه، 43).

حمزة شحاتة

حمزة شحاتة الذي وُلد في مكة وتكون في كتابها، ثم في مدرسة الفلاح، كان نموذجًا للمثقف الطليعي الذي وعى الزمن الجديد وما يقترحه لصورة المثقف، بدءًا من هيئته؛ حيث يرتدي الثوب القصير، وتحته السروال الطويل الذي يشبه البنطلون، ومن الطرائف التي يرويها محمد علي مغربي في كتابه المذكور آنفًا (جـ1/ 165) أن أحد الأساتذة المصريين وصف حمزة شحاتة قائلًا: «الأفندي اللي هيئته كويسة».

انفتح حمزة شحاتة على حقول ثقافية ومعرفية وجمالية لم تكن مجال اشتغال المثقفين في هذه المرحلة التاريخية، فقد عكف على دراسة الموسيقا العربية ومصادرها عند الفرس والأتراك. يورد عزيز ضياء في كتابه عن حمزة شحاته أنه كان يقع على أخطاء في تلحين كبار موسيقيي مصر وما تأثروا به؛ ولا سيما ألحان سيد درويش، وكان بارعًا في الشطرنج، عارفًا بتاريخه، مذهلًا في لعبة (الكيرم) حتى إن المشهورين في هذه اللعبة كانوا يسافرون من جدة إلى مكة أو العكس لكي يشاهدوه (50/ 53) فضلًا عن ذلك كان مجيدًا في صنع الأطعمة وعازفًا متمكنًا على العود، ويحتفظ في بيته بمكتبة تسجيلات غنائية لكبار المغنين والملحنين، كما يورد مغربي في كتابه الآنف الذكر. (ص 167).

عبدالله بالخير

وفق هذا الإطار، لم يكن حمزة شحاتة يلائم تصور المثقف في المجتمع التقليدي، فقد تلاقى في شخصيته العلم والفن، ومن يقرأ اليوم محاضرته المشهورة «الرجولة والخلق الفاضل» لا يستطيع القول ما إذا كانت هذه المحاضرة عملًا أدبيًّا أو دراسة علمية، ولا ما إذا يجب تصنيفه على أنه عالم أو فنان. يبقى السؤال ما السبب في أن الشعور والعقل كانا مرتبطين على نحو وثيق عند حمزة شحاتة؟ ربما كان السبب في صورة المثقف الجديدة، في التغير الذي كوّن هذه الصورة للمثقف.

صورة المثقف الجديدة

يجتمع هؤلاء في نادي «آل جمجوم» عصر كل يوم وصدرًا من ليله (مغربي جـ1/20)، وفي مقهى أطراف «الشهداء» من غروب الشمس، ويمكثون هناك يتدارسون كل جديد في الفكر والأدب الحديثين (مغربي جـ1/24)، وأسسوا في جدة أول نادٍ لأغراض ثقافية واجتماعية، تلقى فيه القصائد والمحاضرات (مغربي جـ1/142). كانوا يجتمعون في نزهات برية بعيدة من أعين المجتمع، يأخذون معهم دوائر معارف، وكتبًا حديثة، ومجلات وصحفًا خارجية، يقرؤون، ويكتبون خلالها مقالات يمزقونها فيما لو كان أسلوبها كلاسيكيًّا يشبه أسلوب المقامات الأدبية القديمة أو متكلف البلاغة ومحشوًّا بالمحسنات البديعية.

يقضون الليالي وهم يتناقشون في كتب فكرية حديثة ومترجمة. كانت محاضر الجلسات البرلمانية والخطب التي تدور بين الأحزاب والحكومة في مصر تصل إلى الحجاز تباعًا، وقد انتقل تشيع هؤلاء المثقفين لبعض الأحزاب إلى صحافة الحجاز (صوت الحجاز). لديهم من الوقت ما يقضونه في القراءة، نقاشهم دائمًا في «الأصائل والأماسي» (مغربي، 151). بإمكانهم أن يتقابلوا في «جمعية الإسعاف» للاستماع للمحاضرات العامة في شتى المجالات والعلوم كالطب والدين والقضايا الإسلامية والتاريخ والتراجم والصحافة والاجتماع والاقتصاد والتعليم. وبفضل نقاشاتهم سيعترف بعضهم ببعض، فقد مارس بعضهم أستاذية حقيقية كالعواد (محمد حسن عواد) الذي أصبح ذائع الصيت؛ فقد كان أستاذًا لكثير من الأسماء كحمزة شحاتة، وأحمد قنديل، ومحمود عارف، وعباس حلواني، ومحمد علي باحيدرة، ومحمد علي مغربي (مغربي جـ1/179).

محمد حسن عواد

وكأي نخبة قد تعمل هذه النخبة بوصفها نخبة متماسكة حينًا وغير ذلك. قد تبدو العلاقات حسنة أحيانًا، وسيئة أحيانًا أخرى. كان أحمد قنديل على علاقة ممتازة مع حمزة شحاتة، تتخلل علاقتهما فتور في فترات متقطعة (مغربي جـ1/20) وكان ضياء الدين رجب على صلة مستمرة بمحمد سرور صبان (مغربي جـ1/27). قد تتحول الخصومات إلى نقد لاذع كالذي جرى بين محمد حسن عواد وعبدالقدوس الأنصاري حول رواية «التوأمان». وقد تأخذ الخصومة شكل مهاجاة شعرية يتناول أحد الشعراء الآخر تناولًا بذيئًا وسيئًا إلى حد أن الصحف تمتنع عن نشرها لمجافاتها الذوق العام، وهو الأمر الذي عوض عنه بأن تكتب وتنسخ وتوزع على الناس مثلما حدث بين حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد (المغربي جـ1/187).

غير أن هذه الخصومات لم تكن تمنع آخرين من أن يشجعوا الإنتاج الأدبي وأن يرعوه. كمحمد سرور صبان الذي يوصف بأنه بارٌّ بالمثقفين، يواسي ويدعم ماديًّا، ويطبع مؤلفاتهم (مغربي، جـ1/ 242)، وصالح شطا الذي يشجع الكفاءات الأدبية الشابة التي لم تعرف أسماؤهم، ولم تظهر مواهبهم. كان يتتبع ما يكتبونه، وحينما يتعلق الأمر بمناقشة الموضوع يستدعيهم ليستضيء بآرائهم (مغربي جـ1/60) وعبدالرؤوف صبان الذي حمل رواية محمد علي مغربي إلى الأمير فيصل نائب الملك على الحجاز، وقد كتب له الأمير خطابًا يتمنى فيه له التقدم في عالم الأدب (مغربي جـ1/ 106). كان محمد نصيف يشجع أصدقاءه على طبع كتبهم، وقد طبع بعضها على حسابه الشخصي (مغربي جـ 1/239).

صراع النخب الطليعية والمحافظة

في هذه المرحلة وجدت الرغبة في الاعتراف، بوصفها مجالًا ثقافيًّا للصراع بين مشروعين. فمفهوم الرغبة في الاعتراف يستند إلى افتراض أن التحديث يرتبط بطريقة ما بالصراع بين النخب التقليدية والمحافظة والنخب الطليعية؛ فالنخب المحافظة ترغب في أن تحافظ على ما هو موجود؛ أي أن يبقى الواقع كما هو، بينما ترغب النخب الطليعية في أن يُعترف بمجموع أفكارها. وإذا ما طورت النخب الطليعية أفكارًا حول سمات الحداثة والتحديث، واكتسبت أفكارهم مغزى اجتماعي وثقافي، يمكن أن تصبح هذه الأفكار مجالًا للمعارضة من النخب المحافظة، وإذا لم تتفق النخبتان، فإنهما مختلفتان. فالعلاقة بين النخبتين معقدة؛ فأفكارهما جزء من أيديولوجيا؛ لذلك يجب أن يُدرس اختلافهما جزءًا من عملية الحديث.

عبدالقدوس الأنصاري

لم يكن مجال هؤلاء سهلًا. أُقصيَ عبدالله عريف عن رئاسة تحرير جريدة البلاد بسبب ما كان يكتبه من مقالات (مغربي جـ1/130)، وفقد محمد حسن عواد مكانته الممتازة أستاذًا بارزًا في أشهر مدرسة في الحجاز (الفلاح) بسبب كتابه «خواطر مصرحة» (مغربي جـ1/183). وأُوذِيَ بعضهم اجتماعيًّا، فقد أطلقوا على من يقرأ الكتب الحديثة، والصحف والمجلات كلمة (فرسوني) أي منحرف ومنحل العقيدة والأخلاق. كما أن مراقبي الصحف يتصرفون في مقالاتهم؛ فقد عانَى عبدُالقدوسِ الأنصاريُّ أحدَ الشيوخِ، كان يشطب من مقالاته عبارة «السعادة الاجتماعية» (مغربي جـ4/39)، ويعلل الشيخُ تصرفَه بعدم وجود سعادة في الدنيا، وحصرها في الآخرة.

ومع ذلك فقد كان الإنسان الحديث هو بطل هؤلاء الشباب إن جاز التعبير، وهو العصب لمشروعهم التحديثي. لم ينصب تفكير هؤلاء الشباب على الإنسان بوصفه موضوعًا نهائيًّا ومنتهيًا، إنما على الصيرورة التي تؤدي إلى أن يكون إنسانًا حديثًا ومعاصرًا. يتعلق الأمر بتحليل الحياة الذي سيبدأ بما سُمي آنذاك «فلسفة الحياة العصرية» ومضمونها دساتير الحياة الحديثة التي ساهم في وضعها تاريخ الفكر الإنساني والحياة البشرية والطبيعة ومسار الحضارات المتعاقبة، التي أخذت في حُسْبانها احتياجات الإنسان الأساسية كالحرية وإعمال العقل، والعيش من أجل الحياة، والعمل والطموح واستقلالية الإنسان.


إنتلجنسيا ومثقفون

ثائر ديب – كاتب ومترجم سوري

يكاد يتعذّر أن نتناول موضوع النخب العربية الثقافية والفكرية الحديثة، أيّ تناول فيه قدر من الاكتمال، من دون التطرق إلى جوانب أربعة على الأقل: علاقة منطقتنا مع الآخر، الأوربي غالبًا، منذ غزو نابليون مصر وصولًا إلى الآن؛ وعلاقة النخب مع السلطات بتعاقبها واختلافها من مدة إلى أخرى؛ وعلاقة النخب مع الشعب، بعدًا منه أو قربًا، مع فشل يكاد يكون ذريعًا على هذا الصعيد ونجاح نسبي ومبعثر؛ وعلاقة النخب فيما بينها وفي داخل كلّ نخبة في حدّ ذاتها.

اتجاهات النخب العربية

كان لرد الفعل تجاه العلاقة العنيفة مع الآخر الأوربي أن يدفع النخب العربية إلى أسئلة تتعلّق بالتفاوت بين الأنا والآخر، وتتعلّق تاليًا بالهوية والتراث والماضي من جهة، وبالإصلاح والتجديد والحاضر والمستقبل من جهة أخرى. ومن هنا انقسام النخبة العربية إلى اتجاهات تقليدية محافظة وأخرى إصلاحية مع خلائط عديدة من الاتجاهين. وكان لعلاقة النخب العربية مع منظومة القوة أو السلطة أن تدفع هذه النخب إلى أسئلة تتعلّق بالتفافها حول دوائر صنع القرار أو انفضاضها عنها بحسب اتجاهاتها، مع ملاحظة صعود اتجاهات جديدة غير التقليدية والإصلاحية: اتجاهات تغييرية، انقسمت بدورها إلى نخبة داعمة للسلطة التي رأت فيها بانيةً للدولة الوطنية ومحققةً التحرر الوطني، وأخرى ناقدة للسلطة على تقصيرها في كلّ ذلك. كان ذلك في مرحلة محددة، يمكن القول: إنّها امتدت من الاستقلالات إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين؛ لتطرأ بعد ذلك تطورات مهمة على السلطات العربية وعلى علاقة النخب بها تحالفًا أو نقدًا.

نيكولاي تشيرنيشيفسكي

أمّا العلاقة مع الشعب، فكان لها أن تفرّق بين اتجاهات كثيرة بالغة التعقيد، لا يسهل دومًا مديح بعضها على شعبيتها (أو شعبويتها)، ولا يسهل دومًا نقد بعضها الآخر على انعزالها عن الشعب (وربما نقدها له)، أو تحميلها دومًا مسؤولية ضعف تأثير ميراثها من المبادئ والأفكار في مواقف هذا الشعب.

ما تشير إليه علاقة النخب المختلفة فيما بينها وفي داخل كلّ نخبة على حدة هو مقدار الاستقطاب الناجم عن تبنّي مواقف سياسية وأيديولوجية يصعب جمعها أو التوفيق بينها أو يُقَصَّر في ذلك، وعن تداخل دور المثقف مع ما هو ديني وسياسي، والاستئسار لمنافع اجتماعية وسياسية، وغلبة النفعية والأنانية. يُضاف إلى ذلك اليوم هجرة (أو نفي) أقسام من النخبة، ليست بالقليلة، إلى خارج أوطانها، وهو ما يضعف أثرها، الضعيف أصلًا.

تنبع ضرورة هذا التناول (أو التناولات) مما تشير إليه مفردة «النخبة» أصلًا، سواء في معاجم العربية -«المُختار من كلّ شيء»- وهو الأمر الذي يضعنا مباشرة أمام فكرة التميّز المُدَقَّق، أم فيما داخَلَ مفهوم النخبة من معنى حديث، متأتٍّ من التفاعل مع الثقافات الأخرى ومع العلوم الاجتماعية والاقتصادية الحديثة التي تناول منظّروها وباحثوها موضوع الـ«elite» (وهي مفردة شاعت ترجمتها في العربية إلى «نخبة» أو «صفوة»)، ورأوا فيها مجموعة اجتماعية تتسم بأنها الأثرى أو الأقوى أو الأعلم أو الأَخبَر في المجتمع، وهو الأمر الذي يقرن التميّز إلى الاقتصاد أو السلطة أو الثقافة والعلم أو المهارة والحرفة، ويتيح المجال للكلام على نخب مميزة في هذه المجالات جميعًا، مع العلم أنّ ترابط هذه المجالات هو القاعدة وليس الاستثناء؛ إذ غالبًا ما يتيح الثراء السلطة والخبرة والمعرفة. ولقد سبق أن قيل، على الأقلّ، أنّ المعرفة قوة أو سلطة.

نوع من المقارنة الموجزة

تنصرف مقالتي هذه إلى موضوع يطول ما يُدعى «النخبة الثقافية»، الإنتلجنسيا أو المثقفون بشيء من التوسّع والتعميم، مع أنني سأفرّق بين هذين المصطلحين الأخيرين في سياق مقالتي. ولن ألجأ إلى أدبيات الموضوع ومنظّريه الكبار مثل ماكس فيبر أو غرامشي أو ميلز أو سواهم لدينا لضيق المجال، بل سأدلف مباشرة إلى عقد نوع من المقارنة الموجزة بين الإنتلجنسيا الروسية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والمثقفين السوريين منذ خمسينيات القرن العشرين إلى الآن.

يبدو المثقفون السوريون، على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم الفكرية والأدبية والسياسية، منذ نصف قرن إلى الآن أشبه ما يكون بالإنتلجنسيا الروسية في القرن التاسع عشر وصولًا إلى أكتوبر 1917م، وهو الأمر الذي يغري بمقارنةٍ مدقِّقة.

«الإنتلجنسيا» هي فئة اجتماعية منخرطة في عمل ذهني معقد يهدف إلى لعب دور قيادي في ثقافة المجتمع وسياساته. وهم غالبًا أهل فنّ وكلمة لديهم مبادرة ثقافية وسياسية، سواء كان دورهم الاجتماعي محافظًا أم تحرريًّا.

عادةً ما يقيم «الإنتلجنسيون» مسافة واضحة بينهم وبين الجمهور، بخلاف «المثقفين» الذين هم أَمْيَل إلى مجاملة العامة والشعب. والإنتلجنسي ذو معرفة أولًا، وذو قدرة على صوغ هذه المعرفة في رؤية للعالم بديلة للوضع القائم، وهو ما يجعله، بالضرورة، أقلية في المجتمع، ويؤهّله لأن يتخلّص من شعبوية عموم المثقفين، فلا يتنازل عن معرفته العلمية على الرغم من انحيازه، غالبًا، لقيم تحررية ولمصالح الناس.

ديستويفسكي

لعبت الإنتلجنسيا الروسية أدوارًا فلسفية وأدبية ودينية وسياسية جعلتها مثالًا للإنتلجنسيا. وواجهت مصاير مريعة، قتلًا ونفيًا وسجنًا وانتحارًا، كما حظيت بانتصارات عزّ نظيرها. لعلّ السبب في ذلك كلّه يكمن في تاريخ روسيا الاجتماعي الثقافي، وموقع هذه «الإنتلجنسيا» فيه. لعلّه يكمن فيما برز، بعد بطرس الأكبر (1672- 1725م) وإصلاحاته الكبرى، من انشقاق حادّ وصارخ بين الفئة الحاكمة وهذه الإنتلجنسيا، فشَكَّلَ واحدًا من أكبر الأحداث المصيرية في التاريخ الروسي، وانضاف إلى تلك المشكلة الأساسية التي وَسَمَتْ تاريخ روسيا منذ بطرس الأكبر فصاعدًا، ألا وهي انقطاع الصلة بين ثقافة الإنتلجنسيا الرفيعة مطردة الصقل، والثقافة الشعبية البسيطة المنتشرة التي كانت في أخفض مستوياتها.

هكذا شهد التاريخ الروسي فئةً لا مثيل لها في التاريخ من حيث التهاب نشاطها مع أن الاستبداد القيصري الرهيب ورقابته المُحْكَمة كانا يحدّان بصورة وحشيّة من قدرتها على إيصال أفكارها لمن يُفترض أن تصل إليهم؛ فئة تُطْلِق أجرأ الأفكار في بلد إمبراطوري ليست لديه أيُّ تقاليد راسخة في الحرية؛ وفئة ترنو إلى الاستقلال مع أنها ليست -في الغالب- سوى جزء من الطبقة المعوزة في المدن.

أفضى ذلك كلّه إلى نشوب صراع هائل بين الإنتلجنسيا والحكم القيصري المطلق دام أكثر من قرن، وعرف آلاف الشهداء والضحايا. ولعلنا نقرأ تاريخ روسيا في القرن التاسع عشر بوصفه سلسلة من محاولات المثقفين، اليائسة والمحزنة غالبًا، للاتصال بالشعب. وليس السؤال «ما العمل؟» الذي تطرحه سونيا في رواية دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» سوى سؤال مصيري يتردد في الأدب والفكر الروسيين محاولًا تهيئة جواب، من شاداييف إلى لينين، مرورًا بتشيرنيشيفسكي وروايته الموسومة «ما العمل؟»

قيل عن الروس: إنهم يتناولون الأفكار عاطفيًّا، فلا يكتفون بدراسة الفلسفة بل يعيشونها، ويرومون من وراء المعرفةِ النظريةِ نتائجَ عمليةً، ويبحثون في أيٍّ نظرية عن طريقة حياة. أمّا الأدب، فيكاد يشكّل جماع حياة روسيا الفكرية والثقافية، ففي بلدٍ حُرِمَ من المنافذ المتاحة في سواه من البلدان، وبخاصةٍ الغربية منها، كان العمل الأدبي حدثًا اجتماعيًّا وسياسيًّا على الدوام. وكان تأثيره الأخلاقي والعاطفي أعظم وأعرض منه في أيّ مكان آخر في أوربا، حتى إن القصة أو الرواية، التي هي في الغرب وسيلة من وسائل تصوير السلوك البشري، باتت تمتلك في روسيا إيقاع العاطفة النبوئية والتغييرية وطرائقها.

المثقفون السوريون وغياب المشاريع

ما أراه هو أنّ المثقفين السوريين في نصف القرن الماضي وإلى الآن، بما يُبْدُونه للوهلة الأولى من شبه كبير بالإنتلجنسيا الروسية في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، لم يكونوا كذلك في كتلتهم الأساسية إلا سطحيًّا وفي الظاهر. ولعل السبب في ذلك كله يكمن في تاريخ سوريا الاجتماعي الثقافي. ففي حين بدا هؤلاء المثقفون أصحاب مبادرة ودور قيادي في ثقافة المجتمع وسياساته، مستعدين لدفع أثمان باهظة مقابل نشاطهم الملتهب -كتلك الإنتلجنسيا- نجد حين ندقّق أنهم كانوا في كتلتهم الرئيسة والسائدة بعيدين من ذلك كل البعد.

ليس لدى المثقفين السوريين أيّ مشروعات نظرية وفكرية يمكن أن نضعها إزاء ما ابتدعته الإنتلجنسيا الروسية؛ ولا أعمال أدبية يمكن أن ترقى بحال إلى ذلك الحشد من الروائع الروسية، على الرغم من بعض الأسماء اللامعة التي تدين بإبداعها إلى مراحل أسبق في الحقيقة؛ ولا مشروعات أو برامج ثقافية سياسية؛ بل إننا نكاد لا نجد حتى دراسات ذات قيمة عن بنية البلد الاجتماعية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية وتاريخ تكوّنها. جُلّ ما نجده شعارات ومطالب سياسية تُحسَب خطأً أنّها رؤى فكرية. حتى الأطروحة السياسية الأهمّ لدى هذا التيار، أطروحة «التغيير الوطني الديمقراطي»، ببعد نظرها وإدراكها تكوين البلد وتناقضاته وتوازن قواه، سرعان ما كانت تُرمى جانبًا كلّما لوّحت لهؤلاء سلطة ما، سواء كانت رسمية أو غير ذلك.

إذا ما كانت الإنتلجنسيا بعيدة من شعبوية عموم المثقفين، لا تتنازل عن معرفتها العلمية على الرغم من انحيازها لقيم بديلة ولمصالح الناس، فإنّ المثقفين السوريين يبدون انتقالًا سريعًا ومفاجئًا من التقليل من شأن الشعب الصامت إلى تقديس الشعب الصارخ، من الدعوة إلى العمل الثقافي البعيد من السياسة إلى الانخراط السياسي التام الذي لا يقبل بأقل من الإطاحة المباشرة بما هو قائم إلى ما يشبه الفرار حتى من المناطق التي أطيح فيها بذلك الوضع. هكذا نجد انتقالات وتحولات واسعة، من المديح العاطفي غير النقدي للنظام إلى المفاجأة بهزائمه، كأنّها نزلت من سماء صافية خارج كل سياق، ثمَّ إلى التغنّي بأي خصم من خصومه ورفع هذا الخصم إلى ممثّل لـ«الشعب» من أقصى البلاد إلى أقصاها.

صادق جلال العظم

هذا هو الإطار الذي نفهم به ما يقوله لنا الدكتور صادق جلال العظم في تقديمه طبعة 2007م من كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، من أن أدونيس أوقظه صبيحة اندلاع حرب حزيران 1967م ليعلمه ببدئها وبأن الطائرات الإسرائيلية تتساقط والجيوش العربية تتقدم وَفقًا لأجهزة الإعلام العربية والبيانات العسكرية الرسمية. يقول العظم: «تبادلنا الحديث عن الحرب باطمئنان وبلا قلق زائد؛ إذ إن فكرة الهزيمة لم تخطر في بال أحد، كما أن احتمال الانكسار العربي لم يكن واردًا». ثم لا يلبث العظم أن يقول: «لا أعتقد أن أحدًا من الجيل الذي أنتمي إليه قد شفي حقًّا من ضربة السقوط المفاجئ من هذا الارتفاع الشاهق إلى قعر هاوية الهزيمة السحيق، وكلّه خلال لحظات معدودات». هكذا تغدو الهزيمة مفاجأةً لا سيرورة.

كذلك هذا هو الإطار الذي نفهم فيه التحاق ليبراليين في السنوات الأخيرة بمشروعات سياسية وثقافية تقليدية محافظة، ومطالبات نخب بتدخل قوى خارجية سبق أن كانوا من عتاة مناوئيها، من دون أي تبرير نظري يتعدى مظالم النظام وخزعبلات شعبوية مفادها أنهم لا يسمحون لأنفسهم بأن يتعالوا على «حراك الشعب» أو بأن يطالبوا «الشعب» بغير ما يفعله.

وكما يُفَسَّر الدور اللافت الذي لعبته الإنتلجنسيا الروسية من خلال تاريخ روسيا الاجتماعي الثقافي وموقعها فيه، لناحية الانشقاق الحاد بينها وبين الفئة الحاكمة وانقطاع الصلة بين ثقافتها الرفيعة والثقافة الشعبية المتدنية، فإن تفسير الدور الذي أداه المثقفون السوريون يكمن أيضًا في تاريخ سوريا الاجتماعي الثقافي وموقعهم فيه، لناحية الانشقاق غير الحاد بينهم وبين الفئة الحاكمة إلا متأخّرًا وفجأة، وعلى نحو مترع بالأخطاء وسوء الفهم في كلّ المرات التي جرى بها، ولناحية الالتحاق بمشروعات سياسية مناقضة لمشروعهم والانخراط في تصوير هذه المشروعات على أنّها مشروعات شعبية بغية تغييب كل نقد جدي لها على غرار تغييب كل نقد جدي للشعب الثائر.

هذه التبعية لمشروعات أخرى، سلطوية وإسلامية سياسية، تفاقمت في العقود الأخيرة بتحول عالمي أطاح بدور المثقفين النقدي والأخلاقي لمصلحة فكر ليبرالي ضامر يركّز تركيزًا قاصرًا على حقوق الإنسان، ويفهم العدالة فهمًا ضحلًا وفوضويًّا، ويُحِلُّ الناشطَ محل المكافح، والمنظمات غير الحكومية المتمولة والمرتبطة محل الأحزاب الكفاحية والنقابات، ويحتفي بصعود التيارات الهوياتية الطائفية والقوموية الشعبوية ذلك الاحتفاء الخطر الذي يكاد يكون مجرمًا.

بعد سنوات من رحيله… زيارة جديدة لإبراهيم أصلان

بعد سنوات من رحيله… زيارة جديدة لإبراهيم أصلان

ربما كان الدافع الأساسي لكتابة السطور التالية هو اكتشافي لنفاد غالبية كتب الراحل الكبير إبراهيم أصلان 1935– 2012م، عندما تاهت من مكتبتي بعض أعماله التي كنت أريد إعادة قراءتها، فبحثت عنها في المكتبات من دون جدوى، وهو ما جعلني ألجأ إلى نسخ إلكترونية.

أصلان الذي غادرنا منذ اثني عشر عامًا فقط، توشك أعماله على الانقراض، بعد أن نفد بالفعل كثير من أعماله. أصلان الذي شكّلت أعماله إضافة كبرى للسرد العربي، وتوقف النقد طويلًا أمامها، نكاد نفقده للأسف. ربطت بيني وبين أصلان -على الرغم من أنه يكبرني بخمسة عشر عامًا- صداقة ممتدة وعميقة منذ التقينا عام 1969م، على الأرجح على مقهى ريش لحضور ندوة نجيب محفوظ، أو على مقهى إيزافيتش الذي كان أحد المراكز الكبرى للقاءات الكتاب الجدد.

على مبعدة شارع من النيل

امتدت لقاءاتنا إلى إمبابة حيث كان يسكن أصلان في الحي الشعبي العريق، وبالتحديد في منطقة الكيت كات -ومن هنا جاء اسم الفِلْم بالغ الجمال والمحقق لنجاح جماهيري وضعه في القمة وكتبه وأخرجه داود عبد السيد عن رواية أصلان الأولى «مالك الحزين»- التي تضم عددًا كبيرًا من الحواري والشوارع، لكنها تتميز بأنها الأقرب للنيل، ولا يفصل بين مسكن أصلان مثلًا والنيل إلا شارع واحد؛ لذلك تعلم السباحة في النيل في سنواته الأولى مع عشرات الأطفال، وكذلك صيد السمك مبكرًا، ولم تكن هناك قوة على الأرض قادرة على أن تعطله عن النيل الذي كان مكانًا لممارسة الحياة واللعب والسباحة. وعندما ارتكب جُرمًا فظيعًا وهو لا يزال في سنواته الأولى، عاقبه أبوه بربطه بحبل متين إلى مقعد كبير ليمنعه من الخروج، لكن ذلك لم يكن عائقًا له. لما عاد الأب ولم يجده في البيت، توجه إلى النيل فوجد الطفل الصغير قد اصطحب المقعد وجلس مربوطًا به على الشاطئ يشارك بلسانه في كل ما يجري!

كثيرًا ما أعارني عشرات الكتب من مكتبته، وهو الأمر الذي استمر بعد ذلك لسنوات، وكانت مكتبته ثمرة جولات يومية، لعقود، لسور الأزبكية الشهير الذي كان يضم كتبًا نادرة مستعملة. وكان قريبًا جدًّا من مكان عمله في هيئة المواصلات في شارع رمسيس. أدين وأعترف بفضل أصلان، فقد كنت أذهب له بالكتب التي أكون قد قرأتها، وأحمل من حجرته الصغيرة كل أسبوعين حِملًا ثمينًا من الكتب التي أسهمت بلا شك في تكويني.

آنذاك تعرّفت، مرات عدة، إلى قهوة عوض الله القريبة من النيل، وجلست مع أصلان وبعض أصدقائه على مقاعدها نحتسي الشاي، إلا أنني لا أتذكر الشيخ حسني الكفيف بطل الرواية، وهي القهوة التي كانت مسرحًا لأحداث «مالك الحزين» أولى رواياته الصادرة عام 1983م.

في حياة أصلان مكان ظل يتردد عليه لعقود؛ سوق الجمعة في إمبابة. كان مولعًا بالمرور عليه أسبوعيًّا؛ ليشتري منه أغراضًا لا حصر لها، وكلها مستعملة أو تسللتْ إلى السوق بطريقة أو بأخرى لكن ثمنها في السوق لا يقارن بثمنها الحقيقي. وتحفل قصصه القصيرة بمشاهد تمتُّ كلها إلى تلك الخبرات الإنسانية التي شكلت وجدانه منذ وقت مبكر.

من أثمن ما حصل عليه، بحسب ما كتب، عن بدء اهتمامه الحقيقي بالموسيقا الكلاسيكية: «استطعت تدبير مجموعة من أجهزة الاستماع ابتعتها تباعًا من على عربات يد مركونة في بعض مناحي وسط، كنت دائم المرور عليها، مجموعة قديمة كلها إلا أنها على كفاءة عالية (بيك آب كولارو إنجليزي مجهز لعشر أسطوانات وإبرة ماسية غير قابلة للتآكل. جهاز جروندج ألماني صغير. راديو إنجليزي بلمبات ماركة صوت سيده)». وكثيرًا ما شاركته أنا وآخرون من أصدقائنا الاستماع- على هذا الجهاز الساحر في حجرته الصغيرة- لأعمال كورساكوف وتشايكوفسكي وبيتهوفن.

من إمبابة إلى الوراق

ولحسن الطالع سكنّا متجاورين نحو عشر سنوات في أوائل ثمانينيات القرن المنصرم. فعندما تزوج أصلان، غادر منطقة إمبابة إلى إحدى امتداداتها، وهي منطقة الوراق، وكنت أنا قد فعلت الشيء نفسه قبله بعامين أو ثلاثة. كانت الوراق منطقة شديدة العشوائية مكدسة بالمباني التي تنبت كيفما اتفق، وبلا مرافق، والناس يتدبرون أمرهم بصعوبة شديدة. لكن ما خفف الأمر أن مجموعة كبيرة من الكُتَّاب في الحقبة نفسها عرفوا طريقهم إليها بالمصادفة، ولمجرد وجود شقق خالية، في وقت كانت أزمة المساكن مستحكمة. سكن كل من الشاعر عزت عامر والقاص الراحل يوسف أبو رية، والقاص الراحل إسماعيل العادلي، في مربع واحد متجاورين تقريبًا، وسكنتُ أنا بعدهم ببضع حوارٍ، ثم إبراهيم أصلان بعدنا.. لذلك كنتُ أنا الأقرب له، وكثيرًا ما التقينا منفردين في بيت أحدنا، بينما سكن الروائي إبراهيم عبدالمجيد في منطقة مجاورة تدعى «أرض الجمعية»، ولذلك السبب لم تكن علاقاتنا به منتظمة آنذاك.

وائل عبدالفتاح

بطبيعة الحال اعتدنا قضاء سهرات عديدة كان أكثرها في بيت يوسف أبو رية فهو الأعزب الوحيد، وكنا نستضيف بعض الأصدقاء من خارج الوراق مثل محمد المخزنجي أو الدكتور شاكر عبدالحميد أو عبدالعزيز جمال الدين أو غيرهم. إذا كتب أحدنا قصة أو قصيدة جديدة كان يقرؤها ونتبادل النقاش حولها، إلى جانب الحديث عن قراءاتنا الخاصة أو ما يثار من أفكار وآراء في أثناء لقاءاتنا الثرية. أتذكر على سبيل المثال أن أصلان كان مفتونًا بهمنغواي، وخصوصًا ما قاله الأخير عن الجملتين اللتين تلخصان عالمًا كاملًا كبداية لقصة شهيرة له، عن الجندي الذي يهبط من القطار ويسير بساق واحدة مستندًا على عكاز… تلخصان الحرب والفظائع والكوارث والمعارك ومستقبل الجندي… إلى آخر ذلك من التداعيات. انشغل أصلان منذ وقت مبكر بالاستبعاد والحذف واللغة المتقشفة والابتعاد من العاطفية والغنائية. أدين له بقراءة أغلب أعمال همنغواي المترجمة للعربية وكتابين ممتازين حوله وحول عالمه: الأول همنغواي وعالمه القصصي لكارلوس بيكر، والثاني بابا همنغواي لكاتب نسيت اسمه.

لكنني أتذكر أيضًا حادثة شهيرة. كان أصلان قد تمكن من الإيقاع بسيارة فولكس فاجن طراز 1958م الشهيرة التي تشبه الخنفساء، واستطاع بمعاونة أصدقائه من الحرفيين توضيبها وتجديدها. وفي مساء اليوم الذي كنا قد حددناه للقاء عند يوسف أبو رية، جاء من يخبرنا أن هناك من يسأل عنا، وخرج بعضنا ووجدنا أصلان يقود سيارته الفولكس (أظن أنها كانت المرة الثانية التي يجرب فيها قيادة سيارة؛ لذلك كانت مفاجأتنا أشبه بصاعقة) والمشكلة لم تكن هنا، بل لأن الحارة التي قاد فيها السيارة مسدودة ودخلها بالخطأ، ولم يكن ممكنًا أن يخرج من ذلك الفخ بسبب المساحة الضيقة إلا بأن يتراجع، ويعبر الحارة مرة أخرى بظهر السيارة. أتذكر جيدًا أنه كان غارقًا في العرق ووجهه يتفصد لا يعرف كيف يواجه تلك المعضلة. المعجزة أن ذلك الرجل الذي لم يتعلم القيادة نجح في العودة بظهر السيارة كل تلك المسافة دون أن تصاب الفولكس بخدشة واحدة!

تجربة «الحياة»

وبعد سنوات، وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي تزاملنا في تجربة قصيرة مرة أخرى، وكنت أنا قد نقلت سكني من الوراق إلى شبرا، واقتصرت لقاءاتنا على المقاهي، لكنني حظيتُ بمشاركته بعد ذلك في السفر إلى المغرب وربما العراق وإسبانيا لحضور مؤتمرات أو لقاءات أدبية. وعندما عمل أصلان في القسم الثقافي بجريدة الحياة اللندنية (وهي واحدة من أهم التجارب الصحفية إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وكان تمويلها السخي يسمح لها باختيار كتابها وصحفييها وموضوعاتها، وقد أصدرت ملحقين أسبوعيين؛ أحدهما ثقافي وهو آفاق، والثاني فكري باسم تيارات، وأظن أنها كانت تنشر أثمن وأرفع المقالات والتحليلات في الصحافة العربية).

جمال الجمل

وبسبب احتياج هذين الملحقين للمواد المختلفة قرر مكتب القاهرة أن يستعين بثلاثة محررين ينسّق معهم أصلان ويشرف على المادة المرسلة. الثلاثة هم الصحفيان جمال الجمل ووائل عبدالفتاح وكاتب هذه السطور. كانت خبرة ثمينة أعتز بها، وتجربة ذات تأثير شديد من الزاوية الصحفية، أي المهنية، ولا سيما أنني كنت أعمل آنذاك محررًا في أخبار الأدب في بداياتها. وهناك سبب آخر لا يقل أهمية، وهو استمرار علاقتي المنتظمة والمستمرة بإبراهيم أصلان الذي كانت أعماله القليلة تُنشر تباعًا. ولا بد أن أشير هنا إلى أنه ظل كريمًا معي في إعارتي كتبه، وكان لا يزال مولعًا بالبحث والتنقيب عن الكتب المستعملة عالية القيمة. لم تستمر تجربة العمل في الحياة طويلًا ولا أتذكر السبب، إلا أنه تقرر أن نعمل منفردين وليس ضمن فريق منتظم.

أصلان كما عرفته

ومع ذلك توالت لقاءاتنا وكنت شديد الحرص على علاقتنا، فهو واحد من أكثر من عرفتهم خفة دم وابن نكتة مصري وابن بلد لا يشق له غبار. خبرته بالكتابة شخصية إلى أبعد الحدود، وكان بعيدًا من المقولات الجاهزة والأحكام القطعية والتشبث بالرأي، وفي الوقت نفسه لم يكن مولعًا بالظهور والانتشار. كان أيضًا معروفًا بتجنبه للمصالح الصغيرة وعطايا المؤسسة الرسمية من دون أن يكون هناك داعٍ للاصطدام بها… يكفيه تجنبها والابتعاد من مرماها. للكتابة عنده مكانة ويكاد يقدسها.

أما علاقته بالكتابة، فقد تأخرت قليلًا، حيث نشر قصته الأولى عام 1965م، وإن كانت علاقته بالقراءة قد بدأت قبل ذلك بالطبع. نشر منذ البداية في مجلات وصحف ذات مستوى مرموق مثل مجلة «المجلة» و«مواقف» وغيرهما، إلا أن مبادرة المجلة الطليعية «جاليري 68» بنشر ملف خاص به لفتت إليه الأنظار بقوة. الملف -وهو الوحيد من نوعه الذي نشرته المجلة- كان يضم ثلاث قصص جديدة له ودراستين نقديتين، ولذلك عندما صدرت مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء» عام 1971م كان أصلان وجهًا معروفًا نسبيًّا، واستقبلت تلك المجوعة استقبالًا مذهلًا، وكتبت حولها عشرات المقالات والتعليقات.

كانت المجموعة حدثًا أدبيًّا فريدًا وتستحق الإشادة بها؛ بسبب تبنيها للتجديد والحداثة، كما ضمت عددًا من القصص التي كانت بذرة جنينية لكثير من أعماله الروائية اللاحقة مثل: قصة «بحيرة المساء» التي خرجت منها روايتي «مالك الحزين» و«عصافير النيل»، ومثل قصة «الطواف» التي خرجت منها روايته الأخيرة التي صدرت بعد رحيله «صديق قديم جدًّا». وتوالت أعماله الأدبية. بعد رحيله جُمعت زواياه الصغيرة التي كان ينشرها في الأهرام بعد ثورة 25 يناير 2011م في كتاب «انطباعات صغيرة حول حادث كبير»، والمفاجأة أن الأسرة اكتشفت أنه كان قد انتهى من روايته «صديق قديم جدًّا» وبادرت بنشرها عام 2015م، لكن المؤسف أنه كان على حاسوبه رواية أخرى فُقدت بسبب خطأ تقني لم يكن هناك سبيل لإصلاحه على الرغم من الاستعانة بمتخصصين.

هذا العالم الصغير

وفي كل تلك الأعمال كتب أصلان عن عالمه الصغير ولم يكد يغيّره تقريبًا، ومع كل ذلك الضيق، إن صحّت المفردة، شكّلت تلك الأعمال عالمًا بالغ الرحابة. كتب أحد عشر كتابًا فقط: أربع مجموعات قصصية، وأربع روايات، وثلاثة نصوص سردية، شكّلت معًا واحدة من التجارب السردية الكبرى. وإذا كانت مجموعته الأولى «بحيرة المساء» قد لفتت إليه الأنظار إلا أنه داخَله الخوف والتردد، وأمضى أربعة عشر عامًا قبل أن ينشر روايته الأولى.

مجموعة «بحيرة المساء» هي معطف أصلان، ومنها خرجت أعماله التالية التي تكاد تنحصر الحركة فيها بين إمبابة حيث عاش، وبين وسط البلد حيث عمل، سواء في البريد أو التلغراف. في «مالك الحزين» مثلًا تدور الأحداث في ليلة واحدة تنتهي بإتمام خديعة تاجر الفراخ، واستيلائه على المقهى وحرمان كل الذين تحولت القهوة لديهم إلى مكان لممارسة الحياة وليس مجرد تناول القهوة.

رواية تتصف ببناء فني خفي يتيح لها أن تتدفق على مهل بشخصيات عديدة تقطع حواري الكيت كات، وتلتقي في قهوة عبدالله آناء الليل وأطراف النهار. رواية ترصد انهيار عالم وقيام عالم آخر على أنقاضه بكل قسوة وفظاظة.

سأكتب كلمات قليلة عن بعض أعماله كأمثلة بسبب المساحة. روايته القصيرة «وردية ليل» ذات البناء الساحر، تتكون من مشاهد متتابعة ليلية بين التلغرافات المرسلة والواردة، وجميع تلك المشاهد المتفرقة تشكّل في النهاية جسم الرواية القصيرة المكتنزة. و«عصافير النيل» هي رواية المصاير والنهايات لساكني إمبابة والكيت كات النازحين من الريف. خطاياهم ومباذلهم وجسارتهم وانحيازهم لقيم جرى التخلي عنها بكل فظاظة، بينما «عصافير النيل» تحلق باحثة عن غذائها.

أما «صديق قديم جدًّا» التي عُثِرَ عليها ونُشِرَت بعد رحيله، فهي بالغة العذوبة وتليق بأن تكون آخر كلمات كتبها أصلان. فيها يعود إلى الصبا الباكر، حيث الراوي يوزع الخطابات في البنايات الفخمة، ثم ينتقل إلى الأرياف حيث يركب الدراجة بين القرى يسلم الخطابات أيضًا، ويعود ليحضر حفلات الكريسماس التي يقيمها خدم السادة مستغلين سفرهم خارج البلاد، يرتدون ملابس سادتهم، ويدخنون ويشربون مثلهم، ويمثلون التمثيلية بكل جدية وانضباط، وبعد انتهاء السهرة، يخلعون ملابس السادة ويواصلون حياتهم منتظرين عودتهم.

السطور السابقة مجرد إشارات سريعة لعالم بالغ الثراء والعذوبة شيّده أصلان على مهل وفي تبتل وعكوف، عالم أخشى أن نفقده إن لم تُعد طباعة أعماله التي نفدت، والتي أتمنى أن تتاح للأجيال الجديدة.

المخرج الجزائري سعيد ولد خليفة: ما يثير اهتمامي دائمًا هو المصاير الفردية للأبطال اليوميين... وفي الجزائر المقاومة كانوا يُعدون بعشرات الآلاف

المخرج الجزائري سعيد ولد خليفة:

ما يثير اهتمامي دائمًا هو المصاير الفردية للأبطال اليوميين... وفي الجزائر المقاومة كانوا يُعدون بعشرات الآلاف

يملك المخرج الجزائري سعيد ولد خليفة تصوّرًا مختلفًا للسينما، تشكّل من خلال تقاطع حياته الشخصية المصقولة على نار الغربة وحياته المهنية، التي وإن انتهت به إلى أن يكون مخرجًا سينمائيًّا ذائع الصيت، فإنها ما كانت لتتميّز لولا خوضه تجارب فنية وأدبية على غرار النقد والصحافة والمسرح الذي برع فيه بنحو استثنائي، جعله واحدًا من أفضل المسرحيين الذين قدموا أعمال كاتب ياسين، صاحب النصوص المسرحية الأكثر تأثيرًا في الركحين الجزائري والفرنسي معًا.

في هذا الحوار لـ«الفيصل» يخبرنا المخرج سعيد ولد خليفة عن أكثر ما جعله يحب السينما ويشتغل فيه، يحدثنا أيضًا عن دور المنفى والغربة في صناعة الفنان الذي أصبح عليه، وعن لغته الأم التي لم يرضعها، بل قاتل من أجل امتلاكها.

طفولة غنية بالدروس

  تظهر سيرتك الفنية عوالم مختلفة سمحت لك بالتقاطع مع فنون مختلفة كالمسرح والصحافة والسينما، بل حتى النقد. هل يحتاج المخرج السينمائي إلى كل هذا القدر من الجهد تأثيثًا لفنه، أم إنها مسألة تتعلق بك شخصيًّا وترتبط بحبك للمسرح والصحافة؟

  بعد التفكير، أعتقد أن كل شيء كان مرتبطًا بمرحلة الطفولة… لقد أنهيتُ المرحلة الابتدائية في ثلاث سنوات بدلًا من خمس! ربما كان المحيطون بي يظنون أنني موهوب بشكل استثنائي، ولكن في الحقيقة، كان سرّي هو وعد والدتي لي: «إذا حصلت على درجات جيدة، فستعود معنا إلى الجزائر!».

والداي من نسل المنفيين فقد رفضا قبول أن الأرض الكبيرة التي تبرعا بها للإدارة الاستعمارية لبناء مدرسة استُخدمت لبناء مركز للدرك. جدي لم يقبل أن يُرفع العلم الفرنسي أمام منزله، فأخذ جزءًا من عائلته الكبيرة معه إلى تونس، والجزء الآخر إلى فلسطين، باستثناء الذين قد سُجنوا في كاليدونيا الجديدة. وُلد والداي أيضًا في المنفى وعادا إلى الجزائر بعد الاستقلال الذي نشطا في تحقيقه. ولكن، بمجرد الوصول إلى الجزائر، لم تعد الأمور تسير كما ينبغي، لأجدني قد عدت تلميذًا متوسطًا لبعض الوقت.

لكن الذي أعاد لي الرغبة في التعلم كما أعتقد كان حسي بالفضول.. حسٌّ كنت قد طورته دون أن أشعر بذلك في أثناء طفولتي. كنت أقرأ الصحيفة التي اعتاد والدي شراءها كل صباح في محاولة لفهم سبب اهتمامه اليومي بها. كنت أحفظ عن ظهر قلب أبياتًا من القصائد التي كانت أمي، وهي شاعرة، تؤلفها، دون أن أفهم شيئًا. لم أكن أتحدث العربية، خلافًا لأختي وإخوتي. تعلمت هذه اللغة بعد وصولي إلى الجزائر. في تونس، عندما كنت أطلب «قهوة بالحليب»، كنت أقول «حليب أسود».

وهكذا، من هذه الطفولة الغنية بالدروس، اكتشفت محاسن الفضول. ولأني كنت طفلًا انطوائيًّا، أصبح الفضول أفضل رفيق لي ولا يزال كذلك. المعرفة بالنسبة لي شيء مختلف، إنها العلم الذي طالما جذبني. إجابة طويلة عن سؤالك الأساسي، التي يمكن، في الحقيقة، تلخيصها في كلمتين: الفضول وحب الآخرين.

مركز وطني للسينما

  كثيرًا ما يطرح السؤال بخصوص واقع السينما الجزائرية اليوم، وبخاصة أننا نعيش حقبة خفّ فيها الإنتاج السينمائي الجزائري بشكل واضح، إلى درجة أن الإعلان عن صدور فِلم واحد أصبح حدثًا في حدّ ذاته، بغض النظر عن جودته أو أثره لاحقًا. في رأيك ما سبب هذا الوضع؟

  وُلدت السينما الجزائرية في حرب التحرير من فكر استشرافي لعدد من المناضلين الجزائريين (مثل محمد يزيد، رضا مالك، فرانز فانون، ورينيه فوتييه، وغيرهم) الذين أدركوا أن أفضل وسيلة لمواجهة الدعاية الفرنسية الاستعمارية (كقوة عظمى في حلف الناتو) كانت إنتاج صور وعرضها حتى في الأمم المتحدة. لقد جابت الأفلام القصيرة التي صنعها رينيه فوتييه، ومحمد الأخضر حمينة، وأحمد راشدي، وجمال شندرلي العالم. واستمرت هذه الديناميكية بالزخم نفسه بعد الاستقلال ولمدة تقارب العقدين.

لكن في سنوات حكم الرئيس الجزائري الأسبق شاذلي بن جديد، تحولت الدولة، منتهجة سياسة انفتاحية، وكان ذلك بداية الانحدار نحو النسيان، على الرغم من الفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1975م. كان هناك أمل في أن تستعيد السينما الجزائرية قوتها بشكل دائم بعد العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي. لكن للأسف سقطت السينما الجزائرية في روتين الاحتفالات الوطنية.

أعتقد أن علينا أن نبقى متفائلين، فقد كان عبدالمجيد تبون، الرئيس الحالي للجزائر السياسي الوحيد الذي تحدث عن إعادة إطلاق صناعة السينما، ليس الآن فحسب بل قبل ذلك، في مدة وجيزة من توليه رئاسة الوزراء في عام 2017م، ثم أعاد إطلاق هذا الحلم بمجرد أن انتخب رئيسًا للبلاد. لكن بقية الهياكل يجب أن تتبع هذا التوجه وتتحرك بسرعة أكبر. يجب أن يكون هناك مركز واحد فقط لاتخاذ القرار كما هي الحال في معظم الدول حول العالم… مركز وطني للسينما. يبقى أن يُعهد بالسينما إلى مديرين يساعدهم منتجون. اللجان بين الدول العربية لا ينبغي أن تكون في أيدي السياسيين الذين لا يمكنهم، في كل الأحوال، أن يكونوا وزراء للسينما؛ مهمتهم أوسع من ذلك.

جرح أكبر من السينما

  واكبت في مسيرتك السينمائية المهمة -المتضمنة أفلامًا خُلّدت في الذاكرة الفنية الجزائرية والعربية على غرار «ظلال بيضاء» و«عائشات» والفِلم التاريخي المهمّ «زبانة»- سنوات الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي، هل ساهمت السينما الجزائرية وقتئذ في فضح الإسلام السياسي ورسم الصورة الحقيقية للمجتمع الجزائري وقتئذ، أم ترى أنها لم توفق في هذه المهمة؟

  المسؤولية مشتركة. من جانب الدولة، يجب أن نتذكر أن الراحل عبد العزيز بوتفليقة، عند توقيعه على القانون الشهير «المصالحة الوطنية»، قد ثبط عزيمة العديد من المخرجين السينمائيين. تحت غطاء «العفو»، كان من غير المقبول تقريبًا التحدث عن أكبر مأساة وطنية بعد الحقبة الاستعمارية بالطبع. هنا، كان الجرم أكبر، حيث كان المتطرفون يقتلون باسم الدين، الإسلام، الذي هو إرث مشترك لكل الجزائريات والجزائريين لأكثر من 14 قرنًا!

لقد قمت شخصيًّا بإخراج فِلم حول هذه المأساة بعنوان «شاي آنيا» (2004م)، وقد عُرض للجمهور مرة واحدة فقط، في العرض الأول. لم يبدأ المركز السينمائي الجزائري في عرضه أحيانًا إلا منذ عامين. ولكن قدوم جيل من الفتيات والفتيان المصممين على صنع صورهم الخاصة بدأ في تحريك الجميع، وهذا أمر جيد. دائمًا ما تكون السنونو هي التي تبشر بقدوم الربيع.

مشكلة التمويل

  منذ فِلمك «زبانة» الذي حاولت فيه بعث سيرة أحد أهم شهداء الثورة الجزائرية التحريرية «أحمد زبانة» لم نشاهدك تعود إلى هذا النوع السينمائي، هل لذلك علاقة بتمويل هذا النوع من الأفلام المتعلّق بالذاكرة أم بسبب قناعات فنية أملت عليك ذلك؟

  بصراحة لم أفكر يومًا في إخراج فِلْم حرب، فمهاراتي الفنية تذكرني بواقعي. لكن فِلمًا عن الحرب؟ نعم! هذا ما قادني إلى «زبانة!». قصة حميدة زبانة هي قصة جيل استجاب بشكل فردي وعفوي لنداء الأول من نوفمبر 1954م. كان هؤلاء الشباب، في الغالب، من الكشافة، يحبون مباريات كرة القدم والسينما. كانت هذه هواياتهم المسائية. لهذا السبب، في المدن الداخلية، لم تكن جلسات السينما متاحة لجميع الجزائريين، حتى بعض الأفلام عن الحرب العالمية الثانية.

أنا الآن أعيد قراءة سيناريو حول أستاذ جامعي شاب اختُطف في عام 1957م وتوفي تحت التعذيب، ولم يُعثَر على جثته أبدًا. لم يُعتَرف بمسؤولية فرنسا عن هذه الجريمة كجريمة دولة إلا في سبتمبر 2018م، عندما زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أرملة هذا الشهيد. وقد أطلقت الجزائر المستقلة اسمه على واحدة من أجمل ساحات الجزائر العاصمة. كان يُدعى موريس أودان؛ لذا ما يثير اهتمامي دائمًا هو المصاير الفردية لهؤلاء الأبطال اليوميين؛ وفي الجزائر المقاومة، كانوا يُعدون بعشرات الآلاف. ولكن من المؤكد وبشكل عام، أن التمويل لهذا النوع من الأفلام يتلاشى بسرعة مثل الثلج تحت أشعة الشمس.

  معظم الأفلام الجزائرية المتخطية للحدود المحلية والمشاركة في أهم المهرجات العالمية للسينما هي من إنتاج مشترك خاصة مع فرنسا. هل استحال النجاح خارج نمط الإنتاج المشترك، أم هي طريقة كغيرها من طرق الإنتاج؟

  يجب أن نعيش وفقًا لعصرنا. معايير الإنتاج قد تغيرت تمامًا. وعندما نتحدث كثيرًا عن فرنسا في هذا المجال، فذلك لأن البلد الذي اخترع السينما هو أيضًا من وضع أفضل قانون للسينما. للمعلومة، صاغت النقابات والأحزاب اليسارية هذا القانون لمواجهة التوجهات الأميركية التي كانت تهدف في عام 1945م إلى إدراج السينما وجميع دور العرض تقريبًا تحت الوصاية الأميركية في إطار خطة مارشال.

بالعودة إلى الإنتاج المشترك، على سبيل المثال، كان هناك 20 فِلمًا أجنبيًّا أُنتِجُوا بشكل مشترك مع المركز الوطني للسينما الفرنسي (CNC) واختيروا رسميًّا في مهرجان كان هذا العام. وفي عام 2023م، أُنتِجَ 120 فِلمًا مشتركًا بين فرنسا و33 دولة أجنبية.

اليوم، لكي يوجد فِلم ويتجاوز حدود المهرجانات، يحتاج إلى أن يُنتَج بشكل مشترك. في الغرب، يجب على المنتجين تقديم حسابات لمموليهم إذا أرادوا الاستمرار في العمل، وبالتالي يجب أن تكون أفلامهم قابلة للتصدير. في بلداننا، لم تُدرك بعد القيمة الاقتصادية للفِلم بشكل جيد. ولكنها بدأت بالكاد.

  هل هناك ورقة طريق وشروط مسبقة توضع للمخرج الجزائري المستفيد من الإنتاج المشترك وبخاصة الفرنسي منه، ولا سيما ما تعلق منه بإنتاج أفلام تحيل إلى الذاكرة بنحو ما؟

  يجب أن نعلم أن لجان القراءة في المركز الوطني للسينما في فرنسا تتألف فقط من محترفين في جميع مجالات السينما وتُجَدَّد بانتظام. يتدخل المركز فقط في مراجعة الملفات المقبولة لتقييم التكاليف وتحديد المبالغ. والأمر المهم هو أن أموال المركز تأتي من السينما نفسها، ولا توجد ميزانية مخصصة من قبل الدولة.

  هل هناك مشروعات سينمائية تُحَضّر لها في القريب العاجل؟

  لقد أنهيت كتابة سيناريوهين. «أودان»، وهي قصة جزائرية كما ذكرت سابقًا، و«الدائرة المستقيمة»، وهي قصة فلسطينية. لقد تخيلت تكملة لفِلم «المخدوعون» لتوفيق صالح، تلك التحفة الفنية المقتبسة من رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، حيث أتصور «حراقة» فلسطينيين يغادرون بلدهم، كل منهم لسبب مختلف عن الآخر. والسؤال الذي يطرح نفسه: أي بلد سيقبل استقبال الفلسطينيين دون أن يسجنهم في وضعية اللاجئين بهدف السيطرة عليهم، مع إبقائهم في حالة مؤقتة دائمة؟

تلوين الترجمة… الخلفية العرقية للمترجم، وسياسات الترجمة الأدبية

تلوين الترجمة… الخلفية العرقية للمترجم، وسياسات الترجمة الأدبية

في يناير 2021م، وقفت الشاعرة الأميركية «أماندا جورمان» لتلقي قصيدتها «التل الذي نصعده» في حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن. تحتفي الشاعرة الشابة الملونة في هذه القصيدة بتضافر الجهود نحو الأمل المنشود لمستقبل الأمة. نُشرت القصيدة بعدها مباشرة في كتاب مستقل، وبدأت دور النشر في ترجمة القصيدة للغات عدة. ثار الجدل عندما كُلفت مترجمة من العرق الأبيض لترجمة القصيدة إلى اللغة الهولندية؛ وبرر المعارضون موقفهم بأن مثل هذه القصيدة لن يتمكن من نقل خبرتها الشعورية، ودقائقها الثقافية إلا مترجم من الملونين، لما تحمله القصيدة من معانٍ وإيحاءات الشاعرة الملونة، وإحساسها في تلك المناسبة الفريدة التي تلت مناوشات التعصب في أثناء الحملة الانتخابية، وما تلاهما من أحداث الهجوم على مبنى الكابيتول. ثار الجدل في الإعلام الأميركي والهولندي الرسمي ووسائل التواصل؛ وهو ما حدا بالمترجمة أن تعتذر عن المضي قدمًا ضمن فريق الترجمة؛ وتكرر الأمر مع أعضاء آخرين في الفريق.

وقع ذلك الجدل، بينما كانت الكاتبة كورين تاختيريس تحضر لكتابها الذي عنونته «الترجمة والانتماء العرقي»، ونشر مطلع هذا العام (2024م) عن دار النشر روتلدج. مثلت حالة الجدل هذه للمترجمة والأكاديمية الأميركية مثالًا عمليًّا لتبيان إغفال دراسة أثر الانتماء العرقي، ودور التوجهات العنصرية في مجال الترجمة، والتحديات التي تواجه المترجمين الملونين ودارسي الترجمة من غير العرق الأبيض في الغرب، وغير الغربيين في العالم. سلطت جدلية ترجمة القصيدة الضوء على قضايا متجذرة في مجال الترجمة تؤثر فيها الهوية العرقية للمترجم على عملية إنتاج الترجمة وتلقيها. فكان ذلك الجدل من الشذرات التي أوقدت النقاش حول الانتماء العرقي، وتنوع التمثيل، ودور السلطة في الترجمة، والمناداة بمزيد من التنوع في مجال الترجمة، والسعي لفهم أعمق لدور العرق والهوية في الترجمة. فجاء الكتاب ثمرة لخبرة كاتبة من العرق الأبيض إبان عملها في ترجمة أعمال كتاب ملونين من ثقافات غير غربية، وارتباطها بنشطاء الحركات النقدية العرقية.

هيمنة الغرب الأبيض

تنطلق الكاتبة من فرضية الهيمنة «غير المقبولة» للعنصر الأبيض على الترجمة في الغرب، سواء من حيث الممارسة أو التنظير، في دراسات الترجمة. أثرت هذه الهيمنة في معايير وممارسات ونظريات الترجمة، كما أثرت في حضور المترجمين والكتاب الملونين وتقدير دورهم. فالهوية العرقية للمترجم لها دور حاسم في هذا الحضور وما ينتج عنه من تقدير لصالح العرق الأبيض. أضحى «البياض» هو الأصل، ونتج عن ذلك نقص شديد في التنوع العرقي في مجال الترجمة. وكان لهذا التفضيل للعنصر الأبيض تأثيره أيضًا في نوعية ما يترجم، وطريقة ترجمته، وهذا أدى إلى تهميش الكتب التي تنتمي إلى خلفية غير بيضاء أو خارج نطاق الثقافة الغربية، أو ترجمتها من منظور غربي ينمطها وفق ذائقة وتوقعات الغرب الأبيض.

تتبع الكاتبة تطور مفهوم «الرقيق» وارتباطه بالترجمة الذي تبدى في استخدام مصطلح «ترجمة الرقيق» أو «الترجمة الخانعة» لوصف الترجمة الحرفية المعيبة. في القرن الثامن عشر شاع استخدام هذا المصطلح لوصف الترجمة الرديئة، وترى الكاتبة أن هذه النظرة نشأت بالتوازي مع مفاهيم العرق والعنصرية حينئذ، وأن تحليل هذه الخطابات العرقية والعنصرية في الترجمة توضح بجلاء الأفكار التي بُنيت عليها السياسات الغربية التي تحدد من يترجم، وكيف يترجم. وأشارت إلى نتاج دراسات الترجمة التي تتبنى نظرية ما بعد الاستعمار وما كشفت عنه من طرق استخدم فيها الأوربيون الترجمة في استعمار الشعوب غير البيضاء، فقد كانت الترجمة إحدى أدوات الإمبريالية التي استُخدمت لتصوير تلك لشعوب وفق المنظور الغربي. فتمثل الرفض العام للترجمة الحرفية باعتبارها «خانعة» وغير مناسبة للترجمة الأدبية بربطها بمفهوم الرق العنصري، بينما رُبطت طلاقة الترجمة بالعنصر الأبيض.

هذا الربط في المعايير الغربية البيضاء للترجمة يتجاوز مفهوم «العبودية» الجمالي والسياسي إلى ربطه بتصور عن نقص المهارة والإبداع. وبهذا يتضح للكاتبة أن معايير الترجمة الغربية الحديثة التي تؤخذ على أنها بديهيات ومسلمات، مثل تجنب الترجمة الحرفية، تحمل في طياتها نظرة عنصرية تدلل على تفوق العرق الأبيض. ومن هنا ترى أن أخذ دور العرق في الترجمة على محمل الجد سيتطلب إعادة تقييم تاريخية ومعاصرة للمعايير التي ينظر إليها الآن على أنها من المسلمات في مجال الترجمة.

تورد الكاتبة العديد من الدراسات والإحصائيات والأمثلة التي تبين هيمنة العنصر الأبيض على قطاع الترجمة عامة، والترجمة الأدبية خاصة، لتثبت التفاوت العنصري وعدم المساواة في قطاع الترجمة الأدبية، سواء من حيث عدد المترجمين والكتاب الملونين، أو أنواع ولغات النصوص المترجمة إلى اللغة الإنجليزية. فغالبية النصوص المترجمة إلى الإنجليزية كتبها مؤلفون من العرق الأبيض، وترجمها مترجمون ينتمون إلى العرق نفسه. وهذا أدى إلى فقدان التنوع في أنواع الأعمال التي تترجم وتتاح للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية، كما أن لغات النصوص المترجمة هي في الغالب الأعم من الدول الغربية، وهو ما عزز هيمنة العرق الأبيض على قطاع الترجمة. وتستند الكاتبة إلى استطلاعين أجرتهما نقابة المؤلفين وجمعية المترجمين الأدبيين الأميركية لبيان هذه الهيمنة. يبين استطلاع أجري عام 2020م أن المترجمين الأدبيين الذين شملهم الإحصاء؛ يمثل العرق الأبيض فيهم 72%، بينما يمثل العرق الملون 3% فقط، والبقية من انتماءات أخرى.

وبمقارنة نسبة تمثيل كلا العرقين في إحصاء سكان الولايات المتحدة في ذلك العام، تستنتج الكاتبة أن المترجمين الأدبيين البيض ممثلون تمثيلًا يزيد على نسبتهم في السكان التي تبلغ 62% من سكان الولايات المتحدة، والمترجمون السود ممثلون تمثيلًا يقل عن نسبتهم في السكان التي تبلغ 12% من سكان الولايات المتحدة. وأظهر إحصاء ترتيب اللغات الأكثر ترجمة إلى اللغة الإنجليزية في المملكة المتحدة، هيمنة اللغات الأوربية على اللغات الآسيوية والإفريقية في التراجم التي تمت ما بين عامي 2000-2012م. أما عدد الكتب من مناطق مختلفة من إفريقيا والشتات الإفريقي التي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية، فيظهر التمثيل المنقوص للأدب الأسود المترجم.

دور الرأسمالية العنصرية

تفسر الكاتبة هذا الوضع على أنه نتاج «الرأسمالية العنصرية» التي تربط الرأسمالية بالتوزيع العنصري للثروة والسلطة، وكيف أصبح الانتماء إلى العرق الأبيض شكلًا من أشكال رأس المال. ثم تسقط ذلك على الترجمة الأدبية التي تعيد سياساتها إنتاج ودعم عدم المساواة، كما يتضح مما يواجه المترجمين الملونين من عوائق وإجراءات تحد من وصولهم إلى رأس المال الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي اللازم لدخول المهنة والنجاح فيها؛ وبهذا تحولت الملكية الفكرية إلى شكل من أشكال رأس المال الذي يقوم على مفاهيم عنصرية تمنع المترجمين الملونين من نيل حقوقهم الإبداعية والاستفادة من قيمتها. وترى الكاتبة أن تغييرًا جذريًّا في سياسات الملكية الفكرية وما يكتنفها من مبادئ الرأسمالية العنصرية بات أمرًا حتميًّا لقطاع الترجمة الأدبية كي يتخلص من منطق تفوق العرق الأبيض الذي يحدد قيم الترجمة، ويتحكم في رأسمالها.

لم تنج دراسات الترجمة من هذه الهيمنة البيضاء، وكان لهذا تداعياته على ممارسة وتنظير الترجمة، وكذلك على تداول وانتشار نتاج هذه الممارسات عالميًّا. ترى الكاتبة أنه في الوقت الذي تشابكت فيه دراسات الترجمة في الغرب مع جميع التوجهات، فإنها تجاهلت الدراسات العرقية، رغم أنها أثبتت حضورها في الدراسات الأكاديمية. كل ما اهتمت به دراسات الترجمة الغربية كان الاختلاف العرقي بين الدول الاستعمارية ودول ما بعد الاستعمار، دون إعطاء أثر التنوع العرقي في الترجمة في الغرب حقه من الدراسة. وإذا ما أعطيت هذه القضية حقها من الدراسة ستكشف أن المفاهيم والأنماط التي تسير مجال الترجمة في الغرب ليس فقط غربي التوجه، لكن يقع تحت هيمنة العرق الأبيض.

تحت هذه الهيمنة تهمشت تقاليد الترجمة وممارساتها ونظرياتها من خارج الغرب، وتعزز مفهوم الغرب كمصدر للمعرفة والقيم العالمية. لقد أبرز حضور الترجمة في الدراسات العرقية النقدية دور الترجمة في إنتاج ونشر الوعي بحضور الانتماء العرقي في الترجمة، ولا سيما في تحدي هيمنة الأطر اللغوية الأميركية والإنجليزية. وتضرب الكاتبة أمثلة عن الانحرافات والفجوات الدلالية في المعنى التي تحدث في ترجمة المصطلحات والمفاهيم العرقية بين اللغات والثقافات المختلفة، من نصوص متعددة حول السواد والزنوج لكتاب مثل فرانز فانون وأكيلي مبيمبي.

تكرر بالكتاب مصطلحا «الغرب» و«هيمنة العرق الأبيض»، وكل مفهوم منهما يمثل للكاتبة بنية تاريخية واجتماعية، له أبعاده السياسية، والثقافية التي ترتبط بعلاقات السلطة والاضطهاد. لكن هذه المدلولات والأبعاد أُخفيت وطُبعت لتكتسي برداء المعايير العالمية الثابتة، حيث ساوى الخطاب الغربي بين هذين المفهومين ومفاهيم العقلانية، والحقوق الفردية، والليبرالية، والإنسانوية، والديمقراطية. وبهذا مُرِّرَ مفهوما «الغرب» و«هيمنة العرق الأبيض» بموقفه العنصري ليمنح امتيازات ومزايا للعرق الأبيض في مختلف المجالات، مثل القانون، والتعليم، والنشر، والترجمة، ويضع المجموعات العرقية الأخرى في مرتبة أدنى. وقد ساعدت عمليات الاستعمار والاستعباد والاستعمار الاستيطاني في بسط هذه الهيمنة، وفرضها ضمن المعايير العالمية. وبهذا تغلغل المفهومان إلى معايير وممارسات الترجمة في الغرب، ليهمشا الترجمات والمترجمين ونظريات الترجمة التي لا تنتمي للغرب، أو العرق الأبيض.

جهود مجابهة هذا الوضع

هذه الامتيازات التي اقتنصها العرق الأبيض من بقية الأعراق في مجال الترجمة أعطتْ لهم أحقية الوصول إلى الموارد اللازمة للترجمة، ورأس المال الثقافي الذي يؤسس لها ويدعمها. وأضحى المترجمون ودارسو الترجمة من العرق الأبيض يُنظَر إليهم على أنهم أكثر تأهيلًا وكفاءةً في الترجمة من نظرائهم من بقية الأعراق حتى عندما يترجمون نصوصًا من ثقافات تلك الأعراق. ومن أجل فرض تلك السيطرة دون تصدير عقبة الاختلاف العرقي، سعى دارسو الترجمة إلى استبعاد الاعتراف، أو التقليل، من أثر موقف المترجم العرقي والآثار العرقية لخيارات الترجمة التي يقومون بها. وقد ساعدهم على هذا هياكل آليات السوق الأدبي والأكاديمي المنحازة للعرق الأبيض. بل وصل الأمر في دفاع المترجمين والأكاديميين عن تلك الامتيازات إلى اتهام من ينكر عليهم هذا بالعنصرية، والسعي إلى تقليل فرصة إتاحة كتابات الملونين وذوي الأعراق المختلفة لجمهور أوسع باللغة الإنجليزية. ترى الكاتبة أن هؤلاء يتدثرون في ثياب «المنقذ الأبيض» الذي يسعى لمد يد العون لغير بني عرقة، دون أن ينتقص من الامتيازات التي ينالها من بنية هيمنة العرق الأبيض، بينما تؤدي سياساته وممارسته على تقوية تلك البنية العنصرية.

أماندا جورمان

وفي إطار تقديمها لجهود مجابهة هذا الوضع، تتناول الكاتبة بالتفصيل مفهومي «التحالف الأبيض»، و«التوجه السياسي المبني على الهوية»، حيث تتكاتف جهود بعض المترجمين والأكاديميين البيض لاتخاذ موقف محالف للعدالة العرقية، بإلقاء الضوء على وجهات نظر الملونين، ومعارضة رفقائهم من العنصر الأبيض، مع اتباع التوجهات السياسية المبنية على الهوية المتضامن مع الفئات المهمشة في الترجمة من تضامن ائتلافي يسعى لسياسات ترجمة بعيدة من الانقسام. فالكاتبة ترفض الرؤية الإنسانوية الليبرالية لمفهوم «التنوع» التي تعيد إنتاج معايير تفوق العرق البيض بما يقلل من تحيزه العرقي ليظهر في ثياب التعدد العرقي، وتطالب برؤية مختلفة كليًّا ضمن عدالة عرقية تحويلية. وتستعرض الكاتبة حالة الجدل الدائر حول ترجمة قصيدة أماندا جورمان كمثال على سياسات الهوية في الترجمة، فترى أن الانتقاد الموجه لاختيار المترجمين كان نابعًا من مجموعات تتبنى سياسات هوية راديكالية وائتلافية تتحدى معايير هيمنة العرق الأبيض في الترجمة، التي تنبع بدورها من آراء مجموعة من النسويات السود اللواتي تبنين تحليلًا متعدد الجوانب ومناهض للرأسمالية وممارساتها القمعية، ودعين إلى التضامن مع المجموعات المهمشة. وقد انعكس هذا في محاولات المترجمين الملونين، وبخاصة النساء السود، الترجمة بطرق مغايرة تأخذ في الحسبان العرق، والطبقة، والجنس، والجنسانية، والشتات. وتقدم الكاتبة أمثلة على المترجمات السود اللائي يسنون سياسات الهوية في ممارستهن.

إستراتيجيات للمقاومة والتغيير

تستعرض الكاتبة التحديات التي تواجه ترجمة الخطاب العنصري في النصوص، والإستراتيجيات اللازمة لها، فهي ترى أن المترجمين لا ينبغي أن يبنوا تراجمهم على نية المؤلف أو معايير ثقافة المصدر، بل على تأثير الخطاب العنصري في الثقافة المستهدفة وقرائها، وخصوصًا الأشخاص الملونين. وتبين أن هناك إستراتيجيتين رئيستين: الأولى، تخفيف الخطاب العنصري أو إزالته؛ والثانية، الحفاظ عليه وتكثيفه. تهدف الإستراتيجية الأولى إلى تجنب إدامة العنصرية عن طريق تخفيف أو إزالة اللغة أو التمثيلات العنصرية من النص المصدر. ترى الكاتبة أن إشكالية هذه الإستراتيجية تكمن في حجب أو تعتيم عنصرية النص، خصوصًا في النصوص التاريخية التي تظهر أسس الفكر والسياسات العنصرية الحالية، إلا إذا استخدمت أخلاقيًّا بأن تكون مصحوبة بتعليق نصي يشرح ويضع سياق خيار تخفيف العنصرية أو إزالتها، أو استخدمت لإصلاح العنصرية العرضية أو اللاواعية في نصوص المؤلفين الأحياء. وتضرب أمثلة لذلك من ترجمات أدب الأطفال، والروايات الهايتية، والنصوص اليهودية القديمة.

أما الإستراتيجية الثانية، فتسعى إلى فضح وإدانة عنصرية النص بالحفاظ على اللغة أو التمثيلات العنصرية من النص المصدر وتعزيزها. ترى الكاتبة هذه الإستراتيجية أكثر فاعلية في الكشف عن عمل العنصرية في النصوص التاريخية، وفي النصوص التي تنتقد أو تدعم وجهة نظر عنصرية. ويمكن استخدام هذه الإستراتيجية بمسؤولية عندما تكون مصحوبة بتعليق نصي يشرح ويضع خيار الحفاظ على العنصرية أو تكثيفها في سياقه، أو عندما تستخدم للطعن في الوضع القانوني للنصوص العنصرية. وتضرب أمثلة لذلك من ترجمات رواية «قلب الظلام»، ورواية «ذهب مع الريح»، وكتاب «ألف ليلة وليلة». تقترح الكاتبة أن يتبنى المترجمون نهجًا أخلاقيًّا مناهضًا للعنصرية لترجمة الخطاب العنصري، الذي يتضمن التفكير في كيفية عمل العرق والعنصرية في النصوص والثقافات، وتحمل المسؤولية عن التأثير الاجتماعي والثقافي للترجمات، والانخراط في الحوار والتعليق مع المؤلفين والقراء وأصحاب المصلحة الآخرين. وهكذا تخلص الكاتبة إلى أن التغيير الذي ترنو إليه في مجال الترجمة ليحقق العدالة العرقية ليس مجرد مطالبة بزيادة أعداد المترجمين الملونين، وتقديم دراسي الترجمة الملونين، وإدراج الدراسات العرقية النقدية في المناهج الدراسية، ونشر عدد أكبر من الكتب للمؤلفين والمترجمين الملونين، بل هو تحول جذري في الهياكل والأفكار.

وتختم الكاتبة بطرح رؤيتها لنظرية الترجمة وممارساتها في مجال الترجمة الأدبية ومناهضة العنصرية، فبقدر ما كانت دراسات الترجمة وممارساتها على أرض الواقع مشروعات عنصرية تنتج وتعيد إنتاج المعاني والبنى العرقية، فإنها يمكن أن تصبح مشروعات للمقاومة والتغيير. ومن المبادئ والإستراتيجيات التي تقترحها الكاتبة للترجمة المناهضة للعنصرية: الاعتراف بالموقف العنصري للمترجمين وعلماء الترجمة ومُساءَلَتهم على ذلك أخلاقيًّا، إبراز صوت المترجمين ودارسي الترجمة الملونين، ورفع معدل ترجمة أعمال المؤلفين الملونين، ومن اللغات والثقافات المهمشة، وترجمة أنماط التعبير، وعناصر الخطاب العنصري دون اجتزاء، والمشاركة في الدراسات العرقية النقدية وغيرها من المجالات التي تعمق دراسة أثر العرق والعنصرية، وتطوير أخلاقيات الترجمة التي تهتم بالسياقات التاريخية والمعاصرة للاضطهاد العنصري والتحرر من القيود العنصرية.

وهكذا قدمت الكاتبة نهجًا نقديًّا متعمقًا لفهم وتفسير الطرق التي تتجذر فيها قضايا الانتماء العرقي والعنصرية في نظريات وممارسات الترجمة، جمعت فيه بين دراسات الترجمة والدراسات العرقية النقدية.

ضوء أخير على الكتاب

يقع الكتاب في مئة وتسع وثمانين صفحة، ويضم مقدمة وخمسة فصول وخاتمة. بدأت الكاتبة بتحليل تأصيل الظاهرة تاريخيًّا، حيث تتبعت الربط التاريخي بين الترجمة والنظرة العرقية الدونية لغير العرق الأبيض. ثم انتقلت إلى تفحص دقيق لامتدادات وتداعيات هذا الربط في الوقت الحالي، مظهرة استخدام الترجمة أداة للتمييز العنصري، ووسيلة لتشكيل وتعزيز الأفكار حول الأعراق والثقافات المتنوعة. واستمرت الكاتبة في تحليل العلاقة بين الترجمة والرأسمالية العرقية، موضحة كيف تسهم هذه العلاقة في تثبيت عدم المساواة الاقتصادية على أساس العرق. بعد ذلك، استعرضت الكاتبة حلولًا تتجاوز الدعوات السطحية لتحقيق التنوع في مجال الترجمة، حيث ركزت على دراسة دور سياسات الهوية في الترجمة بناءً على نقد فاحص ضمن الدراسات العرقية النقدية. وفي الختام، قدمت الكاتبة تصورها الخاص الذي يهدف إلى معالجة هذه القضية المعقدة والحساسة المتعلقة بترجمة الخطاب العنصري، مُلقية الضوء على التساؤلات حول أخلاقيات الترجمة والإستراتيجيات المتعلقة بها.

وعلى الرغم من أن الكاتبة تناولت بإيجاز دور العولمة في مجال الترجمة، فإنها أغفلت أثرها في القضية المطروحة بتحليل أعمق وتفصيل أكثر. يمكننا النظر إلى كيفية تأثير العولمة في تفاقم اختلالات القوى العالمية، حيث تظهر الثقافات السائدة بوضوح في النصوص المترجمة. يجب أن ننظر أيضًا إلى تأثير التقنية والترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي في هذا السياق، حيث تؤدي هذه العوامل دورًا حيويًّا في قضايا العرق والتمثيل. فضلًا عن ذلك، يجب أن نلقي الضوء على دور التحيزات العرقية في الخوارزميات، وكيف يمكن أن تؤثر هذه التحيزات في المحتوى المترجم. فالخوارزميات غالبًا ما تُظهر الانعكاسات الاجتماعية والثقافية للمبرمجين، وهو ما قد يؤدي إلى تحيزات مقصودة وغير مقصودة في الترجمة الآلية. وهذا يضع التحولات الثقافية والتقنية في سياق أوسع، حيث يصبح فهمنا لقضايا العولمة والترجمة أكثر اكتمالًا عندما نأخذ في حسباننا هذه الجوانب المعقدة والمتداخلة.

ومع التزايد المطرد لحركة الترجمة في العالم العربي، وشيوع دراسات الترجمة، يعد هذا الكتاب، والنهج الدراسي الذي اتبعته الكاتبة في دراسة سياسات الترجمة وممارستها، مثال يغذي دراسة قضايا عديدة للترجمة في العالم العربي، وبخاصة تأثر الترجمة في العالم العربي تاريخيًّا بالقوى الاستعمارية، والجهود التي تلت ذلك، ودور الدراسات العرقية النقدية، ونظرية ما بعد الاستعمار في إثراء دراسات الترجمة في العالم العربي والنظر في تأثير التاريخ الاستعماري في الأعمال المترجمة والجهود المبذولة لكشف الرؤى وتحدي الموروثات الاستعمارية عن طريق الترجمة. ويظل للكتاب، وكاتبته، خصوصية ثقافية ترتبط بسياق اجتماعي وتاريخي من الخطأ تعميمه وإلا وقعنا في الدائرة نفسها من هيمنة المنظور الغربي بجميع ألوانه وتقلباته بين البياض والسواد.

طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية

طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية

أعلنت «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، اختيار الأديب الكويتي الكبير طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية، في مناسبة اختيار دولة الكويت عاصمة للثقافة العربية لعام 2025م، حيث إن الرفاعي من أكثر الشخصيات الأدبية حضورًا في مجال الأدب والثقافة والإبداع، وهو يُعَدُّ اليوم أحد أهم وجوه الثقافة الراهنة في دولة الكويت.

وقد سبق للمؤسسة العربية للدراسات والنشر أن اختارت أسماء عربية فاعلة وحاضرة في المشهد الفكري والإبداعي العربي؛ أمثال: نجيب محفوظ، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، وعبدالرحمن منيف، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمد الماغوط، ورضوى عاشور، وعبدالعزيز المقالح، ومصطفى وهبي التل، ومحمد خضير، وإبراهيم الكوني، وقاسم حداد، والطيب صالح، ومحمد رشيد رضا. وبمناسبة الكويت عاصمة للثقافة العربية لعام 2025م، وقع اختيار المؤسسة على الأديب الكويتي طالب الرفاعي لينضم إلى قائمة شخصيات العام الثقافية.

طالب الرفاعي، مهندس مدني، سلك طريقه الإبداعي قاصًّا وروائيًّا، وطّد علاقته بالساحة الثقافية الكويتية والخليجية والعربية، من خلال عمله قرابة ثلاثة عقود في «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب»، ثم مستشارًا ثقافيًّا لوزير الإعلام. كانت قدرة الرفاعي لافتة في انتمائه لعمله من جهة، وإصراره على الإخلاص للكتابة والدراسة من جهة أخرى؛ إذ أكمل دراساته العليا في «الكتابة الإبداعية» من جامعة «آيوا» الأميركية، ثم جامعة «كينغستون» البريطانية؛ ليتفرّغ خلال السنوات العشر الماضية مُحاضرًا يُدرِّس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية في الكويت، وفي العديد من المعاهد والمراكز الثقافية حول العالم.

أصدر الرفاعي عشرة مجاميع قصصية، وثماني روايات، إضافة إلى عشرة كتب أكاديمية وبحثية، وقد عُرف طالب الرفاعي بمبادرته الإبداعية والثقافية، فقد كان صاحب فكرة «جريدة الفنون»، ومدير تحريرها ومستشارها سبع سنين؛ إذ أطلقتها دولة الكويت، من خلال مطبوعات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 2001م، بمناسبة اختيار الكويت عاصمة للثقافة العربية وقتذاك، كما فتح الرفاعي بيته بوصفه صالونًا ثقافيًّا كويتيًّا وعربيًّا «الملتقى الثقافي» منذ عام 2012م، وقد عبّر عن عشقه لفن القصة القصيرة من خلال تأسيسه «لجائرة الملتقى للقصة القصيرة العربية» عام 2015م، التي أصبح يُشار إليها اليوم بوصفها الجائزة الأهم والأرفع للقصة القصيرة العربية.

قُلّدَ الرفاعي وسام الآداب والفنون برتبة فارس، من الجمهورية الفرنسية 2023م، وكان «شخصية العام الثقافية» في الشارقة عام 2021م، ونال جائزة المبدعين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 2019م، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2013م عن مجمل الأعمال القصصية والروائية، وحصل على جائزة الدولة في الكويت لمرتين عن رواية «في الهُنا» عام 2016م، ورواية «رائحة البحر» عام 2002م.

تُرجمت أعمال الرفاعي الروائية والقصصية إلى عدد من لغات العالم؛ من بينها: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والألمانية، والصينية، والتركية، والهندية، وقُدّم العديد من دراسات الماجستير والدكتوراه في أعماله في جامعات عربية وعالمية.

وكانت «الفيصل» قد نشرت ملفًّا تناول فيه عددٌ من الكُتاب والأدباء العرب، من زوايا مختلفة، التجربةَ الإبداعية والثقافية لطالب الرفاعي. نعيد هنا نشر الملف.

طالب الرفاعي