فيليب ماينلاندر… فيلسوف الخلاص

فيليب ماينلاندر… فيلسوف الخلاص

شنق الفيلسوف الألماني فيليب ماينلاندر نفسه ليلة 1 إبريل 1876م مُتخذًا من أكداس نسخ كتابه حديث النشر منصة أنجز فوقها عمله الخِتامي. لم يكن انتحاره حادثًا عرضيًّا ولا نتيجة لمزاج قاتم عابر أو خيبة طارئة، بل كان عملًا سالف التدبير ومحكم التخطيط ومقصود الدلالة ومكين العماد. كان ماينلاندر يرمي إلى جعل موته شهادة على عبثية الحياة، واحتجاجًا على قسوتها، ووصية فلسفية عملية تعضد بنيانه الفلسفي النظري المتمثل في كتاب «فلسفة الخلاص» (1876م) الذي صدر قبل أيام من انتحاره، واحتوى رؤية للعالم متكاملة تستغرق شتى أفانين الفلسفة من ميتافيزيقا وإستطيقا وفيزيقا وإيتيقا وبوليتيقا.

وُلد ماينلاندر سنة 1841م في مدينة «أوفنباخ أم ماين» الألمانية لعائلة بورجوازية ثرية. لم يتلق تكوينًا فلسفيًّا أكاديميًّا، بل كان تكوينه الرئيس في مجال التجارة والأعمال، أما في مجالي الفلسفة والآداب فقد كان ذاتي التحصيل، وذلك ما ساهم في بساطة أسلوبه وأصالة فكره؛ إذْ لم تصبه لوثة الرطانة الأكاديمية والتعقيد المتكلف. اشتغل ماينلاندر مدةً في التجارة والأنشطة المصرفية، كما أشرف مدة على مصنع والده، لكن هذه المهن جميعها لم تناسبه؛ ذلك أنه كان شغوفًا بالنشاط الفكري، وتاق إلى أن يكرس بقية حياته للفلسفة والأدب، ومن أجل تلك الغاية استثمر في المضاربة علَّه يكسب ثروة تُغنِيه عن العمل، وتُهيئ له ظروف التفكير والتفلسف، فما كان له إلا أن قُصم ظهره وخاب مسعاه إثر الأزمة الاقتصادية الكبرى وانهيار الأسهم سنة 1873م. حقق بعد ذلك حلمًا قديمًا بأن يصبح جنديًّا، وصار فارسًا في الجيش الملكي البروسي، كان من المفترض أن تدوم مدة تجنيده ثلاث سنوات، لكنه غادر الجيش بعد سنة واحدة لأسباب صحية وعائلية، وانتحر بعد ذلك بستة أشهر، كانت أخصب لحظات عمره وأكثرها إنتاجية، اجتمعت في شخصيته الفذة مُفارَقات عدة، فهو ملحدٌ صميمٌ، عظَّمَ المسيحَ وعدَّه مثالًا أخلاقيًّا، وفردانيٌّ جذريٌّ أنكَرَ ذاتَه وعاش زاهدًا، ومتشائمٌ عدميٌّ سانَدَ الحركاتِ اليساريةَ ودافَعَ عن المسحوقين.

ثورة الشك الأولى

شرع ماينلاندر في مطالعة كتب الفلسفة مبكرًا، وكان لقاؤه الفلسفي الأول سنة 1858م مع الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632-1677م) من خلال كتاب «رسالة في اللاهوت والسياسة». يقول ماينلاندر متحدثًا عن هذه التجربة: «لقد أحدث هذا الكتاب ثورةً داخلي، كما لو أن ألف غشاوة رُفعَت عن ناظري، وكأن ضباب الصباح الذي لا يُخترق قد تبدد، وكأني أرى الشمس تُشرق للمرة الأولى، كنت في السابعة عشرة من عمري فقط، وعليَّ أن أشكر مدبر الأقدار لأن رسالة ذلك الرجل العظيم كانت أول كتاب فلسفي وُضع بين يدي». لقد زرعت أطروحات سبينوزا في عقل ماينلاندر بذرة الشك الأولى تجاه اللاهوت التقليدي، ودفعته إلى الاعتناء بجوهر المسيحية الإيتيقي، وإلى الإعراض عن كل ما عداه من قشورٍ.

أما لقاؤه الفلسفي الثاني والأهم فقد حدث بعد سنتين، حين عثر على كتاب «العالم إرادةً وتمثلًا» لآرثر شوبنهاور (1788-1860م)، كان ذلك «أهم يوم في حياته». يقول واصفًا ذلك اليوم المشهود: «ذهبت إلى متجر كتب، وأخذت في تقليب بعض الكتب القادمة حديثًا من لايبزيغ. هناك عثرت على «العالم إرادةً وتمثلًا» لشوبنهاور. لكن من يكون شوبنهاور؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل. تصفحت العمل فقرأت عن إنكار إرادة الحياة، كما اعترضتني بعض الاقتباسات التي أعرفها، وهو ما جعلني أحلم، لقد غفلت عن كل ما يحيط بي وانغمست في القراءة، وأخيرًا قلت: «كم ثمن الكتاب؟»- «6 دوكات». – «تفضل هذا هو المال»! أمسكت بكنزي وهرعت إلى البيت كالمجنون حيث قرأت المجلد الأول بسرعة شديدة، ثم شرعت في إعادة قراءته، أمضيت الليل كله في القراءة من دون انقطاع ولم أتوقف إلا بمطلع اليوم التالي. شعرت عندما نهضت بأنني وُلدت من جديد (…) شعرت أن أمرًا ذا أهمية غير عادية قد حدث في حياتي». دأب ماينلاندر بعد ذلك اليوم على قراءة كتابات شوبنهاور التي صارت وِرده اليومي، يقول: «أقرأ شوبنهاور مثلما تقرأ رُوحٌ وَرِعةٌ الكتابَ المقدس: لتقوية نفسي».

على الرغم من افتتان ماينلاندر بشوبنهاور وفلسفته، فإنه لم يكن يوافقه في كل ما ذهب إليه، بل كانت له وقفات نقدية مع بعض أفكاره؛ ذلك أنه لم يكن يتبنى المثالية الترنسندنتالية (Transcendental Idealism) القائلة: إن العالم الخارجي يقع حصرًا في تمثلاتنا، وكان يرفض واحديته (Monism) التي تفترض وجود إرادة كونية واحدة تسري في جميع الإرادات الفردية، كما لم يكن متفقًا مع الأطروحة القائلة: إن معيار الأخلاق كامنٌ في لا ذاتية الأفعال، وخالفه أيضًا في أفكاره السياسية ونزعته المحافظة. لكنه كان يوافقه في مبدأين رئيسين: أولًا، أن إرادة الحياة هي الشيء -في- ذاته، أي أنها تمثل الجوهر الباطن (النومينون) الذي يكمن وراء عالم الظواهر (الفينومينون). ثانيًا، أن كُنْه الحياة معاناةٌ؛ لأنه إذا ما قدرْنا اللذات والآلام التي تصيب أي إنسان طوال حياته، فإننا سنلحظ طغيان الألم، وعليه فإن العدم أفضل من الكينونة.

عقيدة خلاص حديثة

بسط ماينلاندر فلسفته في كتاب «فلسفة الخلاص». قد يوحي عنوانه بأنه كتاب في الوعظ الديني أو في اللاهوت التقليدي، ذلك أن للفظة الخلاص دلالة تتعلق بالمسيحية خاصةً. لكن الكتاب أبعد ما يكون عن الأغراض اللاهوتية المتعالية، بل أراد له ماينلاندر أن يكون إنجيلًا أرضيًّا يبشر بخلاص المعذبين ويدلهم على سبيل انعتاقهم. لقد لحظ فيلسوفنا أن الإنسانية الحديثة تعيش توترًا مُعضِلًا؛ لأن الإنسان الحديث فقد إيمانه الديني لكنه يشعر في الوقت نفسه بالحاجة إلى الدين، أي أنه يحتاج إلى عقيدة خلاص توفر له سبل النجاة من عذاباته المحتومة، وبما أن التدين التقليدي لم يعد ذا مصداقية بالنسبة إلى الإنسان العارف الملمّ بالعلوم الحديثة، رأى ماينلاندر أن غرض فلسفته صياغة عقيدة خلاص حديثة متسقة مع الرؤية الطبيعية للعالم. تكمن خلاصة هذا الإنجيل في تعليمين أساسيين: أن لا سبيل إلى الخلاص والانعتاق سوى الموت، وأن الموت يكمن في العدم المطبق حيث يفنى الجميع ولا يبقى للحياة أثرٌ.

بنى ماينلاندر فلسفته على دعائم إبستمولوجية حتى يضمن اتفاقها مع العلوم الطبيعية الحديثة، ويحفظها من سوء الفهم وفوضى التأويل؛ لذلك خصص المجلد الأول من كتابه لمناقشة الأسس المعرفية والميتافيزيقية التي تشد عماد بنيانه الإيتيقي، ويمكن إجمالها في ركيزتين رئيستين: تتمثل الأولى في مبدأ المحايثة (Principle of Immanence)، أما الثانية فهي الاسمانية (Nominalism). يعني مبدأ المحايثة اقتضاء مكوث الفلسفة في حدود التجربة الإنسانية، ونفي جميع الافتراضات التي لا يمكن اختبارها وتصديقها في تلك الحدود. إن الفلسفة المحايثة طبيعية المنزع، أي أنها تفسر كل شيء وفق القوانين العلمية، ولا تأخذ في الحسبان القصص الخارقة لقوانين الطبيعة. إن لمبدأ المحايثة عميق الأثر في إيتيقا ماينلاندر، فهو يؤسس لأخلاقيات إنسانية محضة، وينأى عن كل أخلاق مؤسسة على سلطة متعالية أو فوقية. لا يمكن للخلاص أن يتأسس على الإيمان بالأخرويات، نحن لا نرى أبعد من الموت؛ لأن الموت نهاية التجربة الإنسانية، وعنده تنتهي خبراتنا. أما الاسمانية فهي الاعتقاد بأنه لا توجد غير الأشياء المتعينة والمُحددة.

إن كل ما نختبره ونشعر به ونحدسه هي أشياء تنتمي إلى حيز المتعينات المُفردة، خلافًا للكيانات المجردة من أجناس وأفكار وكليات ونماذج بَدْئِية، فهي ذات مرجعية متعالية لأنها لا تدخل حيز خبراتنا. يقول ماينلاندر: «لا يوجد في العالم سوى الأفراد»، وهو يشير دومًا إلى أن العالم يتكون من مجموع الأفراد، حيث لا وجود لأي وحدة تتجاوزهم، وعلى أساس هذا المنزع الاسماني، يثبت فيلسوف الخلاص إحدى عقائده التأسيسية: «لا يوجد في العالم سوى مبدأ واحد: إرادة الحياة الفردية». إن في تشديده على «فردية» الإرادة وتعددها منازعةً لعقيدة شوبنهاور القائلة بوجود إرادة كونية واحدة تثوي في الوجود كله وتبقى حتى بعد زوال الأفراد واندثارهم. يرى ماينلاندر أن الإرادة الفردية هي المبدأ والمُنتهى، ولا يبقى بعد فنائها سوى العدم. كما أن الفرد عنده مسؤول تمامًا عن أفعاله، فالطبيعة الفردية للإرادة تفرض المسؤولية والاستقلالية الذاتية، لذلك كان رفضه لفكرة الإرادة الكونية قاطعًا؛ لأنها تجعل الحرية الفردية محل ريبةٍ، ذلك أن افتراض إرادة كونية واحدة يقتضي أن يكون الفرد دميةً ولن تكون أفعاله سوى إنجاز إملاءات تلك الإرادة التي تعمل من خلاله.

 

الانسحاب الطوعي من الأرض

تتمثل مهمة الفلسفة حسب ماينلاندر في التحرر الذاتي، أي في انعتاق الإنسانية من عبوديتها التي تفرضها على ذاتها. والتاريخ في نظره إنما هو قصة عن خطوات الإنسانية نحو هذا التحرر. ويمر مسار التحرر عبر ثلاث مراحل كبرى: بدءًا بتعدد الآلهة، ومرورًا بالتوحيد، ووصولًا إلى الإلحاد، تتعلم الإنسانية خلال هذه المراحل أن تكون أكثر نقدًا تجاه ذاتها، وأكثر وعيًا بقدراتها، وتدرك أنها استعبدت نفسها وأخضعتها إلى كيانات من صنعها، يؤدي هذا الإدراك إلى نمو استقلالها الذاتي، وإلى إحكام سلطانها على غاياتها ومثُلها. كان ماينلاندر يرى أن عصره يمثل مرحلة «وحدة الوجود» (Pantheism) التي تمثل بدورها آخر مراحل «التوحيد». وهذا يعني أن الإنسانية توشك أن تبلغ المرحلة الأخيرة، وأن تلك اللحظة التاريخية تؤذن بانبثاق الإنسان الفردِ المتملك لذاته.

يرى ماينلاندر أن رؤية الهيغليين الجدد تتسم بالتفاؤل الساذج؛ ذلك أنهم كانوا يحسنون الظن في الحياة، ويرون أنها تستحق العيش إذا ما عشناها وفق مُثلنا وقيمنا التي نبتدعها بأنفسنا. إن مصدر المعاناة بالنسبة إليهم لا يكمن في الوجود ذاته، بل في المؤسسات الاجتماعية والسياسية الفاسدة والاستغلالية؛ لذلك ركزوا أعمالهم على نقد الدولة والكنيسة، ولم يتجاوزوا ذلك إلى نقد الوجود برمته.

يرى ماينلاندر أن كل فرد مجبولٌ على الكفاح من أجل تحقيق سعادته الخاصة، والأفعال الإنسانية كلها إنما هي مدفوعة بالمصلحة الفردية، بما في ذلك أفعال الإحسان والرحمة والتضحية بالنفس، يعود كل فعلٍ –مهما بدا عليه من إيثار- على صاحبه بمنفعة ما. لا يعني ذلك أن المصلحة الفردية تنفي عن الفعل أخلاقيته، يرفض ماينلاندر الإيتيقا الشوبنهاورية المؤسسة على الرحمة أو الشفقة التي تقتضي أن تكون الأفعال الأخلاقية لا ذاتية/ إيثارية (Selfless)، حيث يمكن للفرد أن يحل مكان فردٍ آخر فيفقد ذاته، ويتماهى مع الآخر ويشعر بعذاباته. يفنّد ماينلاندر هذه الإمكانية؛ ذلك أنه ليس بمستطاعنا أن نفقد ذواتنا في الآخرية، بل نحن حين نتعاطف مع شخصٍ ما ونحزن على حاله، فإننا نفعل ذلك داخل ذواتنا، ونساعده على تخفيف عذاباته من أجل أن نشعر بالرضا الذاتي.

تحسين شروط الحياة

تهدف إيتيقا ماينلاندر إلى تحديد معنى السعادة وإيجاد طرائق بلوغها، وتتمثل أرقى صور السعادة عنده في «سكينة القلب التامة». لكن ما الذي يحول بين الفرد وهذه السكينة؟ إنها رغائبه التي تُحكم شد وثاقه إلى الحياة، «إن الدافع الجنسي هو الرابط الأقوى الذي يشدنا إلى العالم بوثاقه؛ إنه الصخرة الكبرى التي تفصلنا عن سكينة القلب»؛ لذلك نذر ماينلاندر حياته للبتولية، وتَصَوَّنَ من العلاقات الجنسية، فلم يعرف امرأةً قط، وكان يرى في النُّسّاك المسيحيين أسعد الناس، وعدّ المسيحَ وبوذا أرقى النماذج الأخلاقية؛ لأنهما يرمزان إلى التعفف عن الرغائب وعدم التعلق بها. يقطع ماينلاندر مع العقيدة المسيحية وينقضها، لكنه لا يقطع مع القيم المسيحية المبنية على التواضع والتعفف ونبذ الذات، ولا يرى ضيرًا من الاستئناس بها واستلهامها بما يتوافق مع نسقه الفلسفي.

رغم تشاؤم ماينلاندر ونزوعه إلى الزهد وإنكار الذات، فإنه لا يتخلى عن فكرة النضال من أجل تحسين شروط حياة الفرد، ولم يُنكر حقه في طيب العيش وتحقيق الرفاه؛ لذلك كانت أفكاره السياسية يسارية المنزع، وكان مسكونًا بالهاجس الاجتماعي. ساند الحركات الديمقراطية والاشتراكية في عصره، وتعاطف مع العمال والطبقات الدنيا، ودعا إلى التوزيع العادل للثروات، ورأى في الدولة ضامنًا لحقوق الأفراد وأمنهم، لكنه لم يطمع في أكثر من «تحسين شروط الحياة». لم يكن يعتقد إمكانية استئصال شرور الحياة الجذرية وتحقيق السعادة الإنسانية عبر الوسائل السياسية. لا يمكن لأي تغيير أو إصلاح سياسي انتشال الناس من بؤسهم، وليس بمقدرة أي دولة جعل الحياة جديرة بالعيش.

الألفة الأولى في فضاء البيوت وأعماقها… استعادة

الألفة الأولى في فضاء البيوت وأعماقها… استعادة

«ليس كل منزل تقطنه يُدعى بيتًا».

قصيدة «البيت»، إدغار غيست.

«حين نتذكر البيوت والحجرات، فإننا نتعلم أن نسكن في داخلنا. كما كانت تفعل هي في صمتها الشاخص» باشلار.

«البيت أغنية ناقصة ما لم تفرش حجراتِه بإيقاع أنينِك»

عبود الجابري، «في مهب البيت».

ذاكرة الطين الفسيحة

… ولما كنتُ قد سكنتُ عبر عقود حياتي السبعة بيوتًا عدة، أحسب متيقنًا أن وصف البيت لا يصدق إلا على قليل منها.

سوف تأخذني ذاكرتي إلى البيت الأول؛ بيت الطفولة والنشأة الأولى. البيت العتيق بتعبير باشلار، ذاك الذي يتبادر إلى الذاكرة كلما ذُكر البيت. فما سكنتُ بعده من بيوت ليس إلا محاولة لاستنساخه أو استرجاعه كحلم يقظة أو ألبوم صور. أعود إلى البيت الأول، بيت اللاوعي الذي يبني الوعي في فضائه تصوراته عن الأمل والحلم والنسيان والفقد، والشظف والتطلع، والبدايات والمحاولات، والفشل والفرح العابر والأحزان الجمَّة، والوجوه: وجوه تظل محنَّطة في الذاكرة، كالفراعنة في فراغ قبورهم آهلين بالحياة، كأني بتلك العودة أترجم للإمكان قول أبي تمام:

«كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبدًا لأول منزلِ»

لا أذكر شيئًا عن البيت الذي سقط رأسي فيه. هي (الكرادة) المكان في رصافة بغداد قرب الضفة اليسرى لنهر دجلة، حيث أبي يدرّب طلاب الكلية العسكرية على الفروسية. لكنني أذكر جيدًا أيام طفولتي في بيتنا الطيني بقرية الرستمية التي انتقلتْ إليها الكلية في النصف الثاني من الأربعينيات.

يتمثل لي البيت الآن بصورتين: المكان والبشر، بتلازم شديد يميز بيوت الأُسر عادةً.

واسع تتقدمه ساحة ترابية تنتهي بباب مشرَع لا أذكر أنه يغلق، كأبواب بيوت القرى. لكن مسحة مدنية أكسبته مذاقًا آخر. فهو قريب من مقهى القرية ودكّاتها الطينية ومذياعها المعلق قرب السقف الواطئ. وثمة دكانان أو ثلاثة تبيع الحاجات البيتية والخضر والفواكه والحبوب، وبضعة محلات صغيرة لحلاق القرية ومضمدها وخياطها وإسكافيِّها وغيرهم.

أتمثل البيت الآن، ذلك العش والرحم، مساحة مفتوحة، غرف كثيرة للنوم والطعام والجلوس، للمؤونة والأنقاض والأشياء التي فقدت ألوانها ولكن ظلت تنبض بحياة ما وذكريات. مباخر وفوانيس وأعذاق ثوم وخضر مجففة، وأكياس حبوب، وحطب، وأوعية من نحاس، وزير من الفخار، ومناضد بلا قوائم أو مقاعد فقدت أغلفتها الجلدية. لم أكن أفقه سببًا لبقائها في زحام الأرضيات والرفوف الطينية، لكن رائحتها تكمل مذاق البيت. أتحسس الأشياء لأتعرف إليها. وفي الزاوية ماكنة لحفظ النفط -فهو طاقة النور والطبخ الثمينة- ألهو مستمتعًا بفتح صنبورها ليسيل وتملأ رائحته المكان، حتى عبثتُ بصبِّ النفط على ما تبقى من كيس طحين مخزونٍ لأيام الخبز القادمة.

تهَب بساطة البيت حريةً لتشكيله كما نشاء. سأسترجعه لا كما يفعل بعض كتّاب السيرة مجمّلين ماضيهم حاذفين أو مضيفين. عند ذاك سيفقد البيت أهم عناصر تميزه كمكان: الألفة. نذهب لباشلار مرة أخرى، وفاء لانتقاله من فيلسوف علوم إلى ظاهراتي فذٍّ يتعقب البيت وزواياه وأركانه وتمثيلاته الصغرى والكبرى كاشفًا جمالياته. استحق منا هذا العَود الدائم كلما حرّك المكان شجننا أو حسراتنا على فقْده. ونتوقف عند الألفة التي أصرّ على ألا نستذكر البيت من دونها. إننا بحسب ما يقترحه للصلة النموذجية بالبيت القديم الذي هو -كما يقول- كوننا الأول وركننا في العالم، يجب أن (نقرأ) ذلك البيت بهدي قيم الألفة فيه: لكل ما يحتويه قلبه وما يسكن في سلامِه. بيت الذكريات هو كوننا الأول وركننا في العالم. ولا يصح رسم صورة مبالغ في جمالها للبيت؛ لأنها كما يقول، تلغي الألفة عنه. ثم حين نتذكر البيوت والحجرات، فإننا نتعلم أن نسكن في داخلنا. كما كانت تفعل هي في صمتها الشاخص. ولما كانت البيوت الحقيقية للذاكرة كبيت الطفولة، لا تمنح نفسها بسهولة للوصف فسنتعثر في زواياها وعلاماتها، باحثين عن أنفسنا، وعنها أيضًا في داخلها.

عبود الجابري

يتسع بيتنا الطيني في (الرستمية) لدزينة الإخوة والأخوات، ولضيوف الأسرة الدائمين: أعمامًا وأخوالًا ينزلون لبغداد من ريف الكوت والعمارة ليحلوا بيننا، ريثما يعثرون على بيت. وثمة الزوار الكثر الذين لا تتحدد إقامتهم فيصبحون نزلاء معنا شبه دائمين أحيانًا، يتعقبون معاملاتهم في بغداد، أو يوفون نذور الزيارة لأضرحة الأولياء والأئمة جالبين معهم روائح الريف وأشياءه وثماره وحبوبه، وأسماكه وطيوره، وحكاياته أيضًا. كنا نحفظ مكان خزن تلك الأشياء فنتناهبها في غفلة عن الأهل.

تتكامل صورة البيت بتأثيث مفرداته. لا ضوء سوى الفوانيس والقناديل الزجاجية النفطية. نقرأ مجتمعين حول ضيائها المحاط بفَراشٍ يشاركنا شظف عيشنا أو يأنس لألفتنا وسعاداتنا الطارئة.

الساحة التي تتصدر البيت صُممت تلقائيًّا لعبثنا ولهونا وتجمّعنا. أطارد في ساحة البيت طيور الدجاج التي تتنزه حرة بين الأرجل خارج بيوتها وتسابق الصغار في جريهم في أنحاء الساحة الشاسعة. في ركن يقبع الوعاء الجلدي الذي تمخض فيه أمي اللبن، وفي ركن آخر أتخيل التنور الذي لا تهدأ ناره مرتين في اليوم. ولا بد أن ما علق في ذاكرتي هو البيت في موسم الربيع والصيف؛ لأني أسترجع الباحة الكبيرة وأغمض عيني عن الغرف الكثيرة المصطفَّة في الخلف، تؤدي إليها فتحات كبيرة لا تسترها أبواب، بل ستائر سميكة تؤدي وظيفتها. تلك الباحة تنثر الأسرة أشياءها اليومية فيها أيضًا. قطع الخشب التي تُقَطَّع حطبًا للتنور أو للموقد تعتليها فأس ضخمة. وإذ نلهو مع أطفال الجيران، يهوي أحدهم على إصبع أخي عبدالستار بالفأس. الأم الشجاعة الجنوبية التي يناديها قلبُها قبل سمعها هرعت وألصقت قطعة الإصبع التي انسلخت قبل أن يجف الدم ويفقد حرارته، فالتصق.

لا بد أن الجدران كانت تبعث تلك الرائحة التي ظلت في الذاكرة كلما لامس المطر الأرض. يمنح الطين حبات المطر رائحة يمتزج فيها التراب والعشب معا. ولا تضاهيها إلا رائحة الأرض بعد أن ترشها العائلة صيفًا عصر كل يوم إيذانًا بالانتقال إلى الحوش الخارجي لتناول الشاي. شاي العصر الذي أصبح جزءًا من حياة البيت العراقي وطقوسه، نتناوله متلذذين بما نغمسه فيه من كعك تعدّه الأسرة أو يجلبه الهابطون من المدينة.

العبور من البيت إلى الشارع لاستكمال طقس اللعب لا يكلفنا مشقة. خطوات وتصبح في الشارع الصغير الذي تصطف فيه البيوت مختلفة في هيئاتها بحسب ساكنيها.

منتصف الخمسينيات زارنا ضيف عجيب. جلب والدي من أسواق مركز المدينة جهاز راديو بماركته الشهيرة آنذاك: «فيلبس» بعينه السحرية الخضراء التي تلمع في ظلام الغرف شتاء، وشاشته الشبيهة بنسيج بساط. كان دوري هو أن أدوّن لأخي الأكبر برامج الإذاعة التي تتوقف لساعات قبل بدء بثها المسائي. للراديو مكانة خاصة؛ فقد وُضع على رف خشبي، وليس على دكة طينية كباقي الأشياء. وفي الأسفل تجلس بهيبة وفخامة بطاريته الكبيرة. حين تبدأ الفترة الغنائية عصرًا، نكون موزعين في فضاء الحوش الكبير، مرتمين على البسط المنسوجة باليد، وبالألوان التي يدهشني تنوعها وتوزيعها على وجه البساط. أقداح الشاي الصغيرة ترن فيها الملاعق وتتداولها الأيدي. بهجة تمتزج فيها العطالة والمرح والشعور بالدفء الأسري. في الصباح يتغير المشهد؛ فالأكف ترفع عنا الأغطية، تأخذنا من دفء اللحف والبطانيات والشراشف الخفيفة الملونة، لننهض مبكرًا. تعلو أصوات قارئ القرآن الكريم، وتتصاعد أبخرة الموقد حيث يقلى أو يسلق البيض غالبًا، بينما تغرينا بالإفاقة روائحُ الخبز الخارج توًّا من التنور.

لم أكن أشعر بضيق في رحبة البيت، عكس شعوري عند دخولي غُرفَه الموحشة في الغروب؛ لأنها بلا ضوء.

يمنحنا الحوش فرص اللهو والجري بلا توقف. وحدث أن داست قدماي فرخ دجاج حديث الولادة. ظلت قدمي اليمنى التي دهسته تشعرني بالتنمل فترة طويلة، بل صرت أخشى أن ألمس الأفراخ أو اقترب منها بعد ذلك.

تتلاصق البيوت وتمنح أمانًا غريبًا. فيمكن أن نرى الجيران عبر الأبواب المفتوحة ونحن خارجون لشراء حاجة أو ذاهبون لمدرسة القرية.

تتزين جدران الغرف الطينية بصور منتزعة من المجلات المصرية لفنانين وفنانات يضعها إخوتي الكبار في غرفهم. ولكن ما كان يستوقفني طويلًا هو (المحمَل) الخشبي الذي يبدو أنه مِلك والدتي كجزء من جهاز مهرها. دولاب خشبي أفقي بألوان زاهية وخزانات واطئة، وسطح يتسع لنضد الفرش والأغطية فوقه. بينما تحتل جانبيه صورتان: صورة للإمام علي بسيفه ذي الفقار، وهو يصرع عمرو بن ود العامري. وأخرى لبنت (المعيدي) التي يقال: إن ضابطًا بريطانيًّا أحبّها لفرط جمالها وتزوجها.

تلك النقوش والصور تمثل ميل القرويين إلى تلطيف عراء الجدران، وربما لتغطية المنظر الطيني للجدار، أو لجلب الألفة التي يحسّونها عبر تلك المرائي والتخيلات التي تبعدهم قليلًا عن شظف العيش وخشونته.

ستأخذ مني المدرسة الابتدائية ساعات ثقيلة، صغيرًا قبل استحقاقي القانوني في رغبة من الوالد في تعليمي كما يفعل مع سائر الأولاد، فأشتاق فضاء البيت، وأتلهف لأعود إليه.

في البيت كنت أغفو مستنشقًا دخان المدفأة النفطية التي تتوسط شتاءً أكبر الغرف، وأغالب النعاس مستجيبًا لنداءات أخي الكبير هاشم، وهو يساعدني في حلّ واجباتي المدرسية الثقيلة التي لا أفقه كثيرًا منها، وأتعثر في تعيين المطلوب مني، ثم أواصل إغفاءتي وأتتبع الحشرات ساكنة على الجدران وفي الأسقف، فأتساءل عن مغزى سكنهن داخل الغرف وضيقهن بالفضاء. ثم أتنبه لأخي يتأفف مطفئًا الفانوس، معلنًا يأسه وحلول وقت النوم.

تعلو ثانيةً في الظهيرة رائحة التنور المسجور، والعجين على جانبيه مكوّر بانتظار أن تتلقفه النار. والأرغفة تولد تباعًا حارّة ناضجة شهية من أتونه، ووجه الأم معروق مكلل بفرح خجول، وهي ترانا نتدافع لنتقاسم رغيفًا مستبقين الغداء.

الليل وحده كان يشعرني بالعزلة والخوف. يسكن كل شيء. وتزيد العتمةُ وحشةَ الغرف، ويبدو الخروج حتى لغرض ضروري ضربًا من الواجب الثقيل. أتطلع للظلام وبصيص ضوء يذبل رويدًا في الفانوس الناعس، وقد تعلق في مسمار على خشبة كبيرة وسط الغرفة.

من أين يأتي البيت بهذه السعة؟ تزوج في فضائه الكثيرون، وفارقنا من يغادر لعمل أو سفر. لكنه ظل تلك العلامة التي لا تكف عن عملها لتجتذب أسماعنا وعيوننا وذاكراتنا، وأفئدتنا بالضرورة.

قلوب البيوت الحجرية

بيوت كثيرة سأسكنها من بعد. بيوت من إسمنت وحجر وزينة وحدائق تتقدمها. بعد قيام الجمهورية عام 1958م حصلنا على بيت حكومي صغير في مدينة (الحرية) شمال بغداد، يمكن وصفه بالحضري، لا لأنه مزود بالكهرباء والماء وفي مدينة ضاجّة وقريبة من (الكاظمية) الصاخبة المحتشدة بالسكّان وبيوتهم الضيقة وبالزائرين يملؤون الطرقات، بل لأنه مختلف في عمارته وبنائه، وتغيَّر نمط العيش بفعل إيقاعه. افتقدتُ رائحة الأرض المبتلة والسعة ورؤية الشروق والغروب يوميًّا. لكن ما جذبني فيه، وأنا في سنتي الثالثة عشرة، أنّ له سطحًا نتخذه منامًا في أصياف العراق اللاهبة. فأظل أحدق في السماء التي تمتلئ بالنجوم أو الغيم، وربما أيقظنا مطر خفيف فهرعنا إلى الداخل. وذاك ما لم أكن أعهده في بيت الرستمية.

سأحصل بعد زواجي وعملي على بيت حديث في حي سكني جديد ببغداد. كان مختلفًا عن بيت الأسرة. تتقدمه حديقته الواسعة بأشجارها ووردها. ثم يأخذني المسلك المخصص مرآبًا للسيارة، ليدخلني في هندسة البيت الحديث التقليدية. هنا صار للضيوف غرفة وللطعام أخرى. وما كان ذاك في سكن سابق. وغرفة المعيشة حيز منفصل يجعل الإطلالة على الحديقة ممكنة ومبهجة. استجابت العمارة لمتطلبات العيش الجديد. قلَّ عدد أفراد الأسرة فقلَّت الغرف، وتراجعت للخلف كي يظل الفضاء مفتوحًا في المقدمة.

سكنتُ قبل ذلك بيتًا مشابهًا في مدينة الكوت بواسط حيث عملتُ مدرسًا. لكنه فقدَ نكهته لتكرار هندسته. ففي حداثة العمارة العراقية تلك الفترة تقليد وتكرار، باستثناء إطلالاته على نهر دجلة، وهو يستعد ليجدد قوته بمروره من السدّة الشهيرة التي بناها البريطانيون في مدينة الكوت عام 1939م. لم أكن أشعر بانتماء كبير لهذا البيت لكونه مؤجرًا. ثمة شيء ما يفصلني عن الأماكن المؤجرة، ربما لشعوري بأنها مؤقتة.

افتقدتُ بعد البيت الأول معنى البرد العذب في العصاري والمساءات وليالي الصيف. لقد صادرتْ الأبنيةُ الإسمنتية بغلظتها وجمودها تلك العذوبة. وكم تحمست لمباني الطين، حين قرأت لاحقًا عن العمارة الطينية التي تبناها في مصر معماري شهير هو حسن فتحي، ونادى بتعميمها. وقد تجسدت تلك الفكرة مبكرًا في العمارة الطينية في شبام حضرموت باليمن وعمارات الطين التي ينفذها بناؤون محترفون. وحين زار روائي نوبل، الألماني غونتر غراس، اليمنَ مرتين مطلع الألفية الثالثة؛ أذهلته العمارات الطينية أو ناطحات السحاب كما يسميها الناس. فقرر أن يفتح مدرسة تُعلّم الأولاد صنعة البناء الطيني كي لا تنقرض.

غاستون باشلار

وأذهلتني عمارة البيوت الصنعانية حين أقمت في اليمن. وكأنها تخفي سرًّا بتطاولها وفراغات فضائها وانتهائها بتلك الشواقيص الصغيرة، والشبابيك الزجاجية الملونة بالغة الصغر. يمكن لمن في الداخل أن يرى من خلالها كل شيء في الخارج، لكن العابر لا يكاد يرى إلا ما تسمح به ضلفتا الشباك الصغيرتان. وفي الليل تتوهج القمريات وتذر النور عبر زجاجها بمهرجان ألوانها، وكأنها تعوّض مَن يراها ليلًا عما خصت به النهار، حيث ترسل ضوء ألوان زجاجها إلى الداخل. وتنقلنا بذلك إلى دورة الليل والنهار وزمنية العيش وتبدلاته. ويتعلق كثير منها في تعز وإب وسواها بالجبال معتصمة تلامس الأفق والغيم، وفضاء الكواسر من الطيور، وكأنها تسرد عزلة الإنسان ولجوءه إلى الطبيعة في أحوالها المختلفة. وتتفوق مرائيها البصرية على البناء الحجري والصخري المتين الذي تبنى به الجدران الصلدة والأسس المتينة.

بينما رأيت أثناء إقامتي المبكرة في عدن بعد استقلال الجنوب، بيوتًا يكسوها الصخر من الخارج، وتفرض الرطوبة والحرارة الفائقة في جوها بساطة في تزيين الخارج، والاستغناء عن الفضاءات الخارجية. بينما تنتشر على السواحل وقرب الضفاف والمراسي عشش الصيادين وأسرهم، تلوح أحيانًا كرواسم شبحية تخفق في الريح السموم والقيظ والرمال.

جماليات التناظر الممل

في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» تذكر الشاعرة نازك الملائكة عوامل اجتماعية عدة لانبثاق الشعر الحر، من بينها ما سمّته (الهروب من التناظر)، معترفة بأنها تحس الآن أن دعوتها إلى الشعر الحر -في كتابها الشعري «شظايا ورماد» 1949م- التي كانت ثورة على طريقة الشطرين الخليليين، إنما هي في جذورها تجسيد لنفورها من هيئة المنزل المتناظر الذي يتطابق جانباه تمام التطابق، وأنها كانت تستشعر ضيقًا شديدًا بنظام البيت البغدادي، سواء القديم منه الذي ينشطر إلى نصفين تتوسطهما حديقة صغيرة، أو البيت المشيَّد في بدايات التوسع السكني الحديث على الطراز الغربي الذي لم ينجُ من هيمنة النظام الشطري الخليلي، فيقسم المهندسون المسكن إلى قسمين متساويين يمينًا ويسارًا بتناظر تام يعكس استمرار هيمنة البيت الشعري ذي الشطرين والنسق المتساوي، فيما بدأ طراز المباني يتغير مع ظهور الشعر الحر، فلا نجد ذلك التناظر، وإنما هو نثر لا تخطيط، كما تقول. وتلخص القول: إننا نتأثر بطراز المباني التي نحيا فيها، وتلك من علامات ارتباط الشعر والفن بالحياة.

لكنها -في تأويل ممكن- تعبير عن إسقاط الوعي والشعور والإدراك على شيئية البيت وكينونته، وقراءة دلالته بما تحفُّ به من علامات واردة في سياق التلقي. فالبيت العراقي في تلك الحقبة الأربعينية يستجيب لدواعي الحجْب والستر. كما أنه يزدحم بالمقابل بالحيوات الضاجّة، حيث تفرض طبيعة الخلية الأسَرية العراقية أن يلتم الأهل مهما تباعدوا تحت سقف البيت، حتى صار البيت يعني العائلة مجازًا. فيقال: هو من بيت فلان أي من صُلبهم. وليس مُساكِنًا لهم بالضرورة. وذاك يضيق بالشاعرة المرهفة المتمتعة أصلًا بالميل للعزلة والوحدة.

لقد كانت تستدعي ما عرفته في علم العَروض من سبب تسمية السطر الشعري بالبيت، تشبيهًا له ببيت السكنى، فهو يضم الكلام الذي يجتمع فيه، كما يضم الساكنينَ البيتُ أو الخيمة بالأحرى. وصارت مقاطع البيت الشعري أوتادًا، ونصفاه مصراعين كما تُسمى الأبواب. أو كما جاء في «لسان العرب» أن البيت من أبيات الشعر سُمي بيتًا؛ لأنه كلام جَمع منظومًا، فصار كبيتٍ جُمع من شُقق، ورواق، وعَمد.

ولا أدل على أن حكم نازك جمالي صرف وليس وظيفيًّا، أنها هرعت إلى فضاء سطح البيت لتكتب قصيدتها الحرة الأولى «الكوليرا». وانتشرت من سقف هذا البيت تلك الشرارة وتطايرت، لتحرق هشيم النَّظْم التقليدي الذي جثم قرونًا على متن القصيدة.

وبالنسبة لي ظل الهروب من التناظر شاغلي الأول، والبحث عن الألفة أكبر الموجّهات في اختيار البيت سكَنًا للجسد والروح معًا.

بيوت مموّهة في أميركا

القادم مثلي من شرق أُسَري وبيوت نابضة بحياة عارمة مهما بلغ فقرها، ستصدمه مرائي بيوت أميركا المشرعة للنظر. لا تحدّها أسيجة ولا أبواب خارجية. تتقدمها حديقة صغيرة كأنها ترحب بالقادم أو تترك أثرًا أخضر فيمن يغادر. زرتُها وتمعنتُ في هندستها التي تستجيب لطبيعة النفوس التي ترتاح للعزلة. فغرفة المعيشة هي أس البيت ومركزه. المطبخ مفتوح عليها أو قريب من فتحة كبيرة تفضي لباقي الغرف، تلك التي تُغلق طويلًا على الأبناء القليلين، يسكنونها كنزلاء فندق يعلمون أنهم مغادروه قريبًا. السلالم تتقاطع فوقها الأجساد مسرعةً. ولا تتطاول المنازل، تكتفي بطابق غالبًا او بطابقين؛ نبوءة عن مصير مساحة البيت التي تفرغ بعد سنوات وتكف عن حميميتها. تلتقي في أفيائه الأسرة من بعد في المناسبات الكبرى وحسب. يأتي الأولاد من أماكن مختلفة، ليحتفلوا بالأعياد؛ كعيد الشكر وأعياد الميلاد ورأس السنة، ويشرعون بالوداع فور انتهاء الإجازة. فماذا يحملون من البيت إذن؟ أتساءل.

وأجيب نفسي: القصائد وحدها ومخيلة الروائيين، والصور هي من تعيد تشكيل البيت جانبيًّا ولغرض ذاتي. تظل البيوتُ منازلَ، ولا تكتسب صفةَ البيت غالبًا.

لا تقوم البنية المعمارية هنا على متانة وخشونة وقوة عهدتها في بيوت بغداد وصنعاء مثلًا. فالأخشاب تغطي السقوف والجدران، ونراها عارية كجسد معروض بأشعة تصويرية، ولا سيما حين تتعرص المنطقة لعاصفة أو إعصار يكثر حدوثهما في أوقات مختلفة من السنة، فتتناثر الألواح الخشبية على الأرض كما لو دهستها حافلة مسرعة. وتتناثر معها الذكريات والأشياء. ولا ترى العين إلا خشبًا متكومًا في فراغ البيت الذي كان منزلًا، فطوته الريح وعصفت بموجوداته.

في السكن الأميركي براغماتية ساطعة الحضور شأنها في الأواصر والوظائف والصداقات، والحب أيضًا. لا شيء ثابت. تجد وظيفة أكثر دخلًا؟ اذهب وانتفع بها. لا منزل أول تحنّ إليه. المسنّون والمتقاعدون والعاطلون وحدهم يتخذون في أبهاء البيوت الكبيرة سمت الأشباح. لا يظهرون في فراغ الغرف والباحات إلا لرمي القمامة أو تفقد صناديق البريد أو قيادة السيارة للنادي الصحي والمواعيد. تراهم عيناك حيث لا سياج يحجب وحشتهم ولا أبواب. تظل لهم الغرف يُخبِّئون عزلتهم فيها ويمارسون أوهام لياليهم بما يمنح الغياب لذة مؤقتة، وينفضون سأم نهاراتهم بالأقداح، وترتيب المواعدة المتصنعة، وانتظار المصير الإنساني المعتاد.

سكنتُ أماكن بديلة للبيت؛ شققًا مستأجرة تتداخل غرفها، ولا ينفتح الباب إلا عن غرفة المعيشة حيث التلفاز وفتحة تؤدي للمطبخ المنفتح بأريحية عليها. الجوار لا يدعم فكرة البيت. جُزر بين الناس يصعب اختراق أديمها رغم المشاطرة اليومية في الممرات ومواقف السيارات وباصات الأولاد المدرسية. ورغم انفتاح حدائق البيوت الأمامية على بعضها دون أسيجة أو محددات. تظل ثمة ندّات خارج سياق العزلة، ولكن على حافاتها: الانحناءة، والإيماءة، والابتسامة، والكلمة المتطايرة عنوة من الشفاه حين تتلاقى الأعين. ابتسامة تنطوي على رسائل يسهل تأويلها. الجار مستعجل أو الفتاة ضجرةً من التحديق بها أو المُحْرَج يهبُ الابتسامة رشوة للاكتفاء بها عن يد التعارف وانفتاح القلب لقلب آخر. لا ضوء تنشره البيوت غروبًا. تعجبُ أين يمضي الناس وكيف تختفي مواقيتهم. لغز السنجاب نفسه. أين تمضي هذه الحيوانات الصغيرة الملساء وهي تملأ الأشجار في الربيع والصيف؟ أين تختفي شتاء؟ لا أحد يبصرها رغم عراء الأشجار وسقوط ما يغطيها شتاءً. أعشاش قليلة تبدو للعين من وراء زجاج النوافذ، ولكن لا إشارة لوجود ما. وهكذا هي البيوت، أعشاش سناجب فارغة تمتلئ بالصمت والظلمة والفراغ، فلا يظل لعمارتها وهندستها الداخلية إلا ما تحمله الصورة من سكون ممضٍّ وعراءٍ موحش وعجزٍ عن الكلام.

الرواية السعودية في مهب التحولات الكبرى

الرواية السعودية في مهب التحولات الكبرى

منذ نحو قرن من الزمان، وبالتحديد في عام 1930م، صدرت الرواية السعودية الأولى «التوأمان» لعبدالقدوس الأنصاري. وفي عام 1947م، صدرت الرواية الثانية «فكرة» لأحمد السباعي. وفي عام 1948م، صدرت الرواية الثالثة «البعث» لمحمد علي مغربي. ثم كرت سبحة الإصدارات الروائية، بإيقاع بطيء حتى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وبإيقاع سريع منذ ذلك التاريخ، في حركة روائية متسارعة، راحت تنمو، على الزمان، كمًّا ونوعًا، وتمخضت عن مئات الروايات التي صنعت للرواية السعودية موقعًا متقدمًا على خريطة الرواية العربية.

على أن الدارسين يجنحون إلى تجزئة هذه الحركة الطويلة إلى مراحل، لكل منها ميزاتها المختلفة عن الأخرى. وفي هذا السياق، يقسم الدارس السعودي حسن النعمي تاريخ الرواية السعودية إلى أربع مراحل تنتظم حركتها، هي: مرحلة النشأة (1930–1954م)، مرحلة التأسيس (1955–1979م)، مرحلة الانطلاق (1980–1990م)، ومرحلة التحولات الكبرى (1991– حتى تاريخه). ولكل من المراحل الأربع علاماتها الفارقة؛ ففي حين تتسم الأولى بالضعف الفني والرؤية المحافظة، وتتصف الثانية بقلة الإنتاج العددي وعدم الاختراق النوعي، وتشهد الثالثة الانفتاح الاجتماعي والتطور الاقتصادي والنمو التعليمي، تشكل الرابعة مرحلة التحولات الكبرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي يتجرأ فيها الروائيون على الخوض في المسكوت عنه والحفر في الممنوع، مستفيدين من الهوامش التي أتاحتها التحولات المختلفة. (حسن النعمي، الرواية السعودية واقعها وتحولاتها). وإلى هذه المرحلة الرابعة والأخيرة، تنتمي الروايات التي تتناولها هذه الدراسة.

حسن النعمي

رواية التحولات الكبرى

تشغل التحولات الكبرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيزًا ملحوظًا في الروايات المدروسة؛ فعلى المستوى السياسي، تطرح رواية «ساق الغراب» ليحيى أمقاسم سؤال التحول من إطار العشيرة إلى إطار الإمارة، في مرحلة ما قبل توحيد المملكة، وهو ما يتوافق مع سنة التطور التي تقول بالانتقال من الأطر الصغرى إلى الأطر الكبرى، وينجم في الرواية عن اصطدام بين منظومتي قيم مختلفتين، تتمخض عنه سيطرة المنظومة الكبرى على الصغرى، على الرغم من الممانعة التي تبديها الأخيرة.

على المستوى الاقتصادي، تطرح رواية «كائن مؤجل» لفهد العتيق سؤال المرحلة الانتقالية التي عاشها المجتمع السعودي، غداة الطفرة الاقتصادية الناجمة عن اكتشاف البترول، وهي مرحلة لا تزال ترخي بظلالها عليه، زمنيًّا ومكانيًّا وإنسانيًّا. فعلى المستوى الأول، ثمة انتقال من الماضي إلى الحاضر، وعلى المستوى الثاني، ثمة انتقال من بيوت الطين في الحارات القديمة إلى بيوت الخرسانة الجديدة والشقق السكنية، وعلى المستوى الثالث، ثمة انتقال من حياة الفقر والكفاف إلى حياة الاستهلاك. وفي هذه المرحلة الانتقالية، يبدو الكائن قيد التحقق؛ فانتقال خالد، بطل الرواية، من بيت طيني قديم إلى فيلا حديثة يجعل الأسرة تترجح نفسيًّا بين مكانين اثنين، تحن إلى الأول، على ضيقه، لعلوق رائحته بأجساد أفرادها. وتضيق بالثاني، على رحابته، لافتقاره إلى الروح. على أن هذا الانتقال المكاني يتزامن مع انتقال آخر، في الاتجاه المعاكس، على المستوى النفسي، حين تنتقل الأسرة من الطمأنينة والسكينة إلى الغربة والقلق والملل والفراغ وعدم الاستقرار. وهو ما تعكسه شخصية بطل الرواية، من خلال: تغييره الدائم للعمل، إحساسه برتابة الأيام، الخلل في علاقته مع الأب، الخوف من كل شيء، الخوض في وحول الحياة السفلية، وعدم تحقيق الأحلام. وبذلك، نكون إزاء منظور روائي سلبي للطفرة الاقتصادية المترتبة على اكتشاف البترول.

على المستوى الاجتماعي، تطرح رواية «سقف القرية… قاع المدينة» لمحمد عبدالله الغامدي سؤال التحول، من خلال العلاقة بين الريف والمدينة، في عالم مرجعي تتراجع فيه منظومة القيم الريفية القائمة على المشاركة والتعاون والتضامن، لصالح أخرى وافدة من المدينة، تقوم على المصلحة والتشدد الديني والعلاقات المادية العابرة.

الفرد والجماعة

إذا كانت التحولات الكبرى غالبًا ما تصنعها الجماعات، فإن عائداتها تعود على الأفراد، وتبعاتها تقع عليهم. على أن الرواية قلما تهتم بالعائدات، وغالبًا ما تشتغل على التبعات، في محاولة منها لمساءلتها وتحويلها إلى عائدات، إذا ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وهو ما ينطبق على الرواية السعودية وغيرها؛ لذلك تشغل علاقة الفرد بالجماعة التي ينتمي إليها حيزًا كبيرًا في الرواية السعودية، وحين تصطدم رغبات الفرد وميوله ونزعاته بقيم الجماعة، تترتب على ذلك الاصطدام ترددات كثيرة، تختلف من فرد إلى آخر. وهو ما نراه في عدد من الروايات المدروسة. في «الحَمَام لا يطير في بريدة» ليوسف المحيميد، تتمظهر ترددات الاصطدام في عدم التكيف والاغتراب وعدم الانتماء والقمع الفكري والكبت الجنسي، وهو ما يدفع الفرد إلى الرحيل عن المكان الذي تقيم فيه الجماعة. فهد السفيلاوي، بطل الرواية، يتذكر، خلال رحلة بالقطار من لندن إلى غريت يارموث في تموز 2007م، حياته الماضية، وما وقع عليه من تحرش جنسي وموت الوالدين وتسلط العم، ما حدا به إلى الرحيل وتلمس سبل الخلاص، عبر الرسم وصورة الأب والصداقة والحب والعلاقات العابرة، فيستعيد في الحاضر توازنًا أفقده إياه الماضي.

على أن الترددات الناجمة عن الاصطدام بين رغبات الفرد وقيم الجماعة قد تتعدد في الرواية الواحدة، وتتوزع على مجموعة من الشخوص الروائية، وهو ما نراه في رواية «العتمة» لسلام عبدالعزيز التي تتجاور فيها القَبَلية والطائفية والقمع الإداري والكبت والخيانة الزوجية والعقلية الذكورية، في آنٍ واحد. وتكون لها تمظهراتها في وقائع روائية مختلفة.

المرأة والرجل

وتغدو وطأة الترددات أثقل حين تقع على كاهل امرأة، ولا سيما أن المرأة هي الحلقة الأضعف في المجتمعات المحافظة، وتُلقى على عاتقها تبعات المحافظة. وهو ما يطرحه عدد من الروايات المدروسة، من زوايا مختلفة. في رواية «الشيطان يحب أحيانًا» لزينب حفني التي تتناول العلاقات غير المتكافئة بين الرجل المرأة في مجتمع ذكوري، تزدوج فيه المعايير، وتختل الموازين، تبدو المرأة خاضعة للرجل، مغلوبة على أمرها، تلوذ بالصمت ولا تجرؤ على المطالبة بأبسط حقوقها. ويبدو الرجل حاكمًا بأمره، يقوم بما تُسول له نفسه من الأعمال، وليس ثمة من يجرؤ على محاسبته. وهو ما نراه من خلال العلاقة بين الزوجين، مالك وعواطف؛ فالأول شخصية مدللة، غير مبالية، عابثة، متهتكة، منخرطة في حياة اللهو والمجون، على شيء من الخبث والدهاء، ولا يتورع عن ارتكاب شتى الموبقات دون أدنى تقدير للعواقب؛ لذلك، نراه يتزوج مرتين، ينخرط في علاقات عابرة، يخوض مغامرات غرامية، ويرتكب خيانات متعددة. والثانية شخصية ضعيفة، خانعة، تؤثر الصمت على المواجهة، وتتخذ موقفًا سلبيًّا من مسألة حيوية تتعلق بحقها الزوجي وكرامتها الشخصية؛ لذلك نراها تعجز عن الاحتجاج على ممارسات الزوج ووضع حد لخياناته المتكررة، وهو ما لا يتناسب مع نشأتها في أسرة داعمة لها، وامتلاكها حق اختيار الزوج، وممارستها رياضة ركوب الخيل، ودراستها اللغة الإنجليزية، ما يطرح مسالة بناء الشخصية على المحك. غير أن ما تعجز عواطف عن القيام به، من وضع حد لخيانات مالك، تتكفل به الأقدار بدلًا منها، فيُصاب بجلطة دماغية تؤدي إلى شلل جانبه الأيسر، وتعطيل وظائف جسده الحيوية، فيتردى في مهاوي الندم، ولات ساعة مندم.

وفي رواية «الأرجوحة» لبدرية البشر، تتعدد مصادر القمع الواقع على المرأة وأنواعه وردود الأفعال عليه؛ فتُراوِحُ مصادره بين الأب والأخ والزوج والحبيب. وتُراوِحُ أنواعه بين الضغط الزوجي والاستهتار الأبوي والتسلط الأخوي. وتختلف ردود الأفعال عليه من امرأة إلى أخرى باختلاف التربية والظروف. إن العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات المحافظة كثيرًا ما تفتقر إلى التكافؤ بين طرفيها؛ فالرجل يمتلك القدرة على الهجر والطلاق والإغواء والتحرش والخيانة والإيقاع بالمرأة والتخلي عنها والتهرب من المسؤولية. والمرأة هي الضحية، ترزح تحت تلك الأفعال، وتدفع الثمن الغالي لرزوحها الذي قد يكون حياتها، في بعض الأحيان. هذا ما تطرحه مريم النويمي في «أنوثة شاغرة»، من خلال رصدها تحولات العلاقة بين وليد عمران، تقني المختبر المنتحل صفة دكتور، وفرائسه من النساء؛ ذلك أنه يحاصر الواحدة منهن باتصالاته وهداياه وعروضه، حتى إذا ما وقعت في شباكه ونال منها مأربًا، يتخلى عنها ويبحث عن فريسة جديدة. وهكذا، تسقط اثنتان من طرائده الثلاث في براثنه، وتؤولان إلى مصير قاتم، فتسقط هبة جثة هامدة، وتقف حنان على باب جمعية نسائية طالبة الإيواء مقابل أي عمل. بينما يتدخل القدر في مصلحة ندى قبل السقوط، فيعود زوجها من هجرته في الوقت المناسب.

والدليل على ما نقول أن المرأة في رواية «عبث» لإبراهيم محمد النملة هي التي تمتلك زمام المبادرة في علاقتها بالرجل؛ ففي وسط اجتماعي محافظ، تتعذر معه علنية العلاقة بين الرجل والمرأة، تجترح الأخيرة مسارب سرية محفوفة بالمخاطر والصعوبات لإقامة العلاقة. وعليه، تبادر القارئة اللعوب إلى استخدام الرسائل الإلكترونية والتواصل الهاتفي واللقاءات المباشرة للإيقاع بكاتب صحافي، زاعمةً أنها معجبة بمقالاته، حتى إذا ما نجحت في ذلك واعترف لها بحبه، تقلب له ظهر المجن، وتمتنع عن الإجابة على اتصالاته، وتغير مكان إقامتها، وهو ما يذكي أوار عاطفته المشبوبة، ويؤجج مشاعره نحوها، ويجعله يتردى في مهاوي الفقد والحزن والخيبة. وتكون الطامة الكبرى حين يكتشف أنه كان ضحية فتاة مغرورة، اتخذته وسيلة لإثبات ذاتها وإرضاء غرورها، في لحظة تحدٍّ لرفيقاتها، وهو ما يجعل الحب، من جهتها، نوعًا من العبث بمشاعر الآخرين. هنا أيضًا تُطرح مسألة بناء الشخصية على بساط البحث، فكيف لفتاة مغرورة أن تخدع كاتبًا صحافيًّا يُفترَض أنه أعلم منها ببواطن الأمور.

السياسة والدين والمجتمع

إضافة إلى ذلك، تشغل السلطة، على أنواعها، السياسية والدينية والاجتماعية، ثلاثًا من الروايات المدروسة، بوتيرة نوع واحد لكل منها؛ ففي «مملكة جبران»، يطرح إبراهيم الهطلاني، سؤال السلطة السياسية، من خلال آليات ممارستها في فضاء روائي متخيل، في القرن السابع عشر. وفي «الخطيب»، يطرح هاني نقشبندي سؤال السلطة الدينية، ويفكك ممارسات بعض القائمين بهذه السلطة الذين يتخذون الدين مطية لمآرب خاصة، ولا يتورعون عن ارتكاب الخطايا مستغلين سذاجة العامة وجهلهم وبلاهتهم. ويبين خطورة استخدام الشعائر الدينية في غير ما وُضعت له في الأصل ما يخرج بأماكن العبادة عن وظيفتها، ويجعل منها مقارَّ للتطرف والتكفير والحض على العنف والإرهاب بدلًا من أن تكون بيوت الله والصلاة والتسامح. هذا ما يفعله الروائي من خلال تفكيك ممارسات الخطيب والمؤذن في إحدى القرى، ورصد تأثير النشأة في أداء كل منهما؛ فالخطيب الذي ينشأ في أسرة مفككة، ويعاني قسوة الأب، ورحيل الأم، ما يؤدي إلى قتل الإنسان فيه وإصابته بخواء عاطفي، يهرب من واقعه إلى الدين، ويمارسه ترهيبًا وغضبًا وانتقامًا لا حبًّا. والمؤذن الذي يعاني موت الأب وزواج الأم، وينشأ في كنف الأخ الأكبر إلى أن تطرده زوجته، وتحول قلة تعلمه دون العثور على عمل يعتاش منه، تتقطع به السبل ويجد نفسه على عتبة المسجد، فيعثر عليه الإمام ويعينه مؤذنًا، تنعكس نشأته على أدائه.

يحيى أمقاسم

وفي «زرياب» التي يستوحي فيها مقبول العلوي سيرة المغني المشهور في العصر العباسي، يطرح سؤال السلطة الاجتماعية، المتداخلة مع السياسة، ويتناول حياة القصور في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وما يحاك فيها من دسائس ومؤامرات، وما تصنعه من مصاير ومسارات، وما تفاجئ به من تقلبات وانقلابات، ما يتكشف عن ازدواجية الطبيعة البشرية، وتقديم المصالح على المبادئ، والتناقض بين المظهر والمخبر، واتخاذ الدين مطية للتسلق واقتناص المناصب، واندلاع الصراعات على السلطة، وتنوع الخلفاء وتفاوت مستوياتهم، وطبيعة العلاقة بين السادة والعبيد، وهو ما نستخلصه من حياة زرياب التي امتدت سبعة عقود ونيف، جاب فيها الأصقاع المتباعدة، وخاض فيها تجارب عديدة، وتقلب بين الخلفاء والأمراء إلى أن استقرت به الحال لدى أمير الأندلس عبدالرحمن بن الحكم الذي احتفى به وقدره حق قدره، وفي كنفه تتحقق أحلامه، وينجح في إدخال حضارة بغداد إلى الأندلس.

الحرية والإرادة والقدر

وبعد، إذا كانت التحولات الكبرى، والعلاقات المتعددة الأطراف، والسلطات على أنواعها، هي الأسئلة التي تشغل العدد الأكبر من الروايات المدروسة، مما تناولناه آنفًا، فإن أسئلة أخرى تشغل العدد الأصغر من الروايات، كالحرية والإرادة والقدر، مما نفصله فيما يأتي. في هذا السياق، يطرح غازي القصيبي في «شقة الحرية» سؤال الحرية من زاوية أنها سلاح ذو حدين، فالحد منها يحول الفضاء العام إلى سجنٍ كبير، والإفراط فيها يحوله إلى برج بابل؛ لذلك لا بد من الحرية المسؤولة كي لا تخرج الحرية عن حدها، وتنقلب إلى ضدها. هذا ما يقوله القصيبي من خلال رصده حياة أربعة شبان بحرينيين، قصدوا القاهرة، أواخر خمسينيات القرن الماضي، في طلب العلم، وأفادوا من هامش الحرية الواسع فيها تعويضًا عن ضيق هذا الهامش في بلدهم الأصلي، ومارسوا نشاطهم في الدراسة الجامعية والعلاقات العابرة والعمل الحزبي، وانخرطوا في الحوارات السياسية والفكرية، وانغمسوا في مواقعة اللذات، وانحرفوا عن جادة الصواب، وأسرفوا على أنفسهم بداعي الحرية، وهو ما ترتب عليه نتائج وخيمة بالنسبة إلى كل منهم.

وإذا كانت الحرية فعل إرادة بشرية بامتياز، فإن فعل الإرادة هو السؤال الذي تطرحه مها محمد الفيصل في «توبة وسليى»، من خلال مسارين سرديين متداخلين، واقعي/ أسطوري وأسطوري، يؤولان إلى مصيرين متشابهين، تنتصر الإرادة البشرية في كل منهما؛ ففي المسار الأول ينطلق فارس آل رضوان في رحلة سندبادية، يواجه فيها المخاطر والأهوال، وتقوده خطاه إلى مركب العطاء والقبطان مراد والجارية سليى التي تنسج سجادة تسجن فيها الأحياء، حتى إذا ما قام القراصنة بسرقة كتابها الأحمر، يضع فارس نصب عينيه استعادته، ويخوض دونه المغامرات الخطيرة، ويتمكن من تحقيق هدفه، في نهاية المطاف. وفي المسار الثاني ينطلق الراعي، في رحلة سندبادية، بحثًا عن دواء لحبيبته نوران، يلتقي خلالها فتاةَ الشوكِ التي تسببت في مرضها، وتبحث عمن يخلصها من ثوب الشوك الذي يلازمها عقابًا لها، وتقودهما الرحلة إلى البحيرة عاشقة القمر، حيث تنخطف هي بعد سقوط ورقة رائعة الجمال من الجنة في حجرها، ويعود هو بعبق القمر ونمير الأبصار دواءً يمسح به جبين حبيبته، فتشفى. وبذلك، تعلي الرواية قيمة الإرادة البشرية، وتقول بقدرة الإنسان على تحقيق أهدافه إذا ما أراد ذلك.

على أن هذه الإرادة قد تنجح في رسم مسار الإنسان في حياته لكنها تخفق في تحديد مصيره النهائي، وهو ما يتولاه القدر بتدخله المفاجئ، حتى إذا ما حاولت الإرادة إعادة المياه إلى مجاريها، يكون الأمر قد تأخر. هذا ما يطرحه محمد حسن علوان في «طوق الطهارة»، من خلال رصد العلاقة بين بطلي الرواية، حسان وغالية، في تحولاتها المختلفة؛ ذلك أن القدر يتدخل، بطريقة سلبية، في حياة كل منهما؛ فحسان الذي يتعرض للاعتداء في طفولته، ويعيش الرتابة والفراغ في شبابه، ينغمس في علاقات نسائية عابرة، حتى إذا ما التقى غالية، رفيقة الصبا المطلقة عن ولد وحيد، وانخرطا في علاقة حب، وشارفا الزواج، يتدخل القدر بقيام الزوج السابق بخطف الولد وتخيير غالية بين حبيبها وابنها، فتختار الأخير، وتؤثر وحيدها على حبيبها، وهو ما يجهض العلاقة الوليدة.

أسئلة الواقع السعودي

وعَوْدٌ على بدءٍ، هذه الأسئلة وغيرها هي أسئلة الواقع السعودي، واستطرادًا العربي، في هذه اللحظة التاريخية، وهي تُراوِحُ بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، وهي تُسائِلُ الواقع المحافظ من دون أن تتمرد عليه أو تكسر مزراب عينه، فالغاية الإصلاح والتطوير وليس الهدم والتثوير. ولعل هذه الأسئلة وطريقة طرحها هي التي تمنح الرواية السعودية موقعها المتقدم حاليًّا على خريطة الرواية العربية، إلى جانب أخواتها العربيات، فتتصادى معها وتتناغم وتتكامل في إطار المشهد الروائي العربي العام، من دون أن تفقد أي منهما خصوصيتها النابعة من خصوصية المكان/ الفضاء الذي ينتظم في علاقة تنوع ضمن وحدة الأمة العربية. وهذا ما يجعل قراءة الرواية السعودية من الأهمية بمكان، في لحظة تاريخية فارقة، مفتوحة على كثير من التحولات.

رواية «عقلان» لمحمد الشجاع ملحمة شعبية برؤية جمالية مختلفة

رواية «عقلان» لمحمد الشجاع

ملحمة شعبية برؤية جمالية مختلفة

ليست الأعمال الروائية اليمنية الجديدة نصوصًا صمّاء تفضي إلى أيديولوجيا محضة، كما أنها ليست رسالة تقتفي أثر الموعظة أو الإثارة أو السرد الدراماتيكي والتراجيدي للأحداث والوقائع الاجتماعية والتاريخية؛ بل هي مفهوم واسع يتجاوز مفهوم الواقعية بتشعباتها الاشتراكية والسحرية والفانتازية مفضيه إلى ما بعد الحداثة بحساسيتها الجديدة. ما يهمني هنا أن رواية «عقلان» لمحمد عبده الشجاع (صدرت في القاهرة عن دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر – بما يقارب 500 صفحة) تعد رواية إبستمولوجية تنحو باتجاه طرح الأسئلة المعرفية والفلسفية على ألسنة الشخصيات التي تعيش في منطقة رمادية، وقعت تحت تجاذبات الاشتراكيين في جنوب اليمن، والرأسماليين في شماله.

الواقع أن الرواية أثارت جدلًا متنوعًا؛ لما تحمله من قدرة على التشعب والاختزال في الوقت نفسه. تندرج رواية «عقلان» ضمن ما يمكن أن أسميه رواية ما بعد الحداثة التي لا تلتزم بالمعايير الجامدة، وتحتفي بلغة جزلة وعوالم مفتوحة وأبطال كثيرين متمردين على الواقع، يتحركون في مكان معلوم وزمان مفتوح على العديد من الأزمنة المقيدة بخيوط أعدها السارد مسبقًا؛ فثمة نسق ثقافي معتاد يقابله نسق يتوق إلى أفق جديد.

عتبة النص

تعد عتبة النص من أهم الركائز التي تتوازى مع المتن، معبرة عن كينونته المتماسكة. فالعتبة الروائية ليست ملحقًا بالنص، ولكنها باب وفضاء ومفتاح ومرآة لكل الاعتمالات التي يحملها الخطاب، وكثيرًا ما عدت مرآة جاذبة وبوابة فضائية في سماء النص، وكلما كانت رمزية العنوان أكثر حضورًا وثراءً جذبت القارئ وتركته مشدودًا إلى معرفة كلية النص. إن مشروعية النص في اكتماله تأخذ في الحسبان مشروعية أن تكون العتبة في وظيفتها ليست إشهارية، وإنما نسق دال يؤدي إلى تداولية الفكرة وعمقها. ومن العتبات أيضًا- توزع الرواية في فصلين هما: «عكاز في الظل، وأشتات فصول» إضافة إلى عديد من العناوين.

وقد أثار فضولي في النص ظهور شخصية عمر عقلان الذي يترك اسمُه عددًا من الإيحاءات، إضافة إلى أنه دخل إلى النص من أولى العتبات، ثم تلاشى في كل الانتقالات؛ ليظهر في نهايات الرواية كمن يغلق الباب، وفي تصوري أنه يشبه صاحب المنزل.

جاء عمر عقلان إلى القرية قادمًا من مدينة عدن، المستعمرة البريطانية التي تحررت حديثًا في الزمن السردي. جاء مكتنزًا خبرة نضالية عميقة اكتسبها من مقارعة الاستعمار، وفي القرية حدثته نفسه عن القيام بفعل ثوري -ضد السلطة التقليدية في شمال اليمن- شبيه بالذي صنعته المقاومة في عدن؛ «وحده عمر من تنبه دون غيره للفارق بين رعوي ومواطن محاولًا رفع الوعي لدى الجميع» ص14. وكاد عمر ينجح في أسر قلوب الناس وألبابهم بحكمته ومعارفه وصبره، ولكن العيون اتسعت من حوله وكادت تقتله لولا عودته إلى عدن؛ في إشارة إلى أن فعل التنوير يتلاشى دائمًا في بلادنا. وفي تجلٍّ محوري لرمزية العنوان، عقلان: يشير السارد إلى أن «الصراع بين عبدالفتاح ويوسف، صراع العقل والعقل الآخر» ص103.

حقبة غامضة عنيفة

يمكننا ببساطة وصف الجو العام في الرواية بأنه ملحمة شعبية بأدوات سردية جديدة، وهي ملحمة حقًّا إذ تدور أحداثها في المناطق الوسطى من اليمن لتغطية مرحلة ما بعد استقلال الجنوب، تلك الحقبة الغامضة العنيفة العاطفية من تاريخ اليمن، المرحلة التي ابتعدت منها الأقلام إلا ما ندر. وكما هيمنت أجواء الصدام الدامي على الحياة، فكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك في سطور الرواية، من خلال الصراع بين الشخوص.  وأهم الديناميات التي رفعت منسوب السرد في الرواية، الأحداث الدرامية والتراجيدية التي يبثها إعلام النظامين المتنافسين، وما رافق ذلك من نشوء شخصيات متناقضة تمجد النظريات والفلسفات والحوارات. يمكننا القول: إن الرواية وسط هذا الجو المضغوط قدمت شخصيات استثنائية، مستوحاة من إشكاليات الواقع المطروحة حتى اليوم. فشخصية عزيز مثلًا استخدمت السؤال والفلسفة، فيما ذهب الفقيه إلى إثارة الجدل وتعميقه، والأعمى الرائي رفع من شأن التجليات، أما الشيخ الشاب عماد الذي كان حضوره لافتًا في العملية السردية، الذي ورث والده كحلقة وصل بين الضحايا والبسطاء من جهة، وبين رموز النظام من جهة أخرى، قرر الرحيل حين «شعر بانفلات الهيبة وتقويض الأحلام وتتابع النوازل، والملمات، وتعالي همهمات الرعية». بهذا الوصف يمكننا فهم طبيعة الحياة يومها، ولكن ذلك قاد الشاب إلى مقاومة ما يحدث عبر الاصطفاف مع النظام.

يطفو على سطح الرواية كثير من الشخصيات الرفيعة في حضورها، ومن ذلك الطبيبة السويدية مارغريت التي تحاول الاقتراب من الناس وإصلاح ما يمكن بتكريس العلم والمعرفة، بعد أن كانت الوسائل التقليدية هي السائدة. من خلال العملية السردية سنرى أن ثمة شخصيات كثيرة ساهمت في تنامي الأحداث، وهي شخصيات ثرية تشير إلى أن العمل السردي لا يتحدث عن شخوص بعينهم، وإنما يقدم ملحمة شعبية.

شعرية اللغة

إن أهم ما يميز رواية «عقلان» تموضعها بين مقولة الفن مفيد بذاته، والفن من أجل الانسان، فهي رواية معبأة بكمية كبيرة من الشاعرية اللغوية. وهناك جانب ساحر في اختيار الشخصيات المتناقضة، وما تثيره من شاعرية في حواراتها وتنافسها وأحلامها وآمالها الرومانسية. وكل ذلك يشبه الواقع اليمني بحرفية إبداعية. فهذا عمر عقلان يظهر ويختفي بسرعة، مع أن وجوده، وفق الكيفية التي حددها تنامي العملية السردية، يضفي على الاستعارة اللغوية نمطًا خاصًّا في الحكي. وفي تصوري أن اختفاء صوته أفقد المفارقة السردية حيويتها القاموسية، «صوت يساري يقابل أصواتًا يمينية»، لكني أعود فأقول: إن ذلك يعكس تناقضات واقع الحال؛ لأن طبيعة الواقع لا تتحمل شخصية متمردة بأفق حداثي، كما هي متجسدة في عمر عقلان.

الرواية تصور ما حدث بالأمس، وتحذر من تكراره اليوم. وتبقى غاية الرواية تقديم رؤية جمالية مكتملة الأركان، مترفعة عن التقريرية والمباشرة، بملحمية جديدة بالغة الدقة. وهي لا تحتفي بالبطل الإشكالي الواحد؛ لأن المجتمع بتعدد أصواته وثقافته ومعارفه يقفز إلى السطح، فهناك مخزون بشري ضخم يريد التعبير عن وضعه الهوياتي والتاريخي. فعودة عمر عقلان في نهاية الرواية، يشير إلى أن الصدام السياسي والفكري والثقافي غير ثابت، وأن العلاقات الإنسانية تتعرض للنكوص والتقهقر، ولكنها تتشكل وفق منظور جديد.

أنتِ أمي التي وأبي

أنتِ أمي التي وأبي

أنت أمي التي

أرضعتني

حليبَ العصافيرِ

حينَ

مرضتُ

ثلاثينَ يومًا

فهامتْ

على دمعها،

ابيضَّ

كُحلُ العيونِ

من الحزنِ

……..،

طيفُ أبي

عندما غيَّبَتْهُ الشجونُ

وعشقُ القُرى

وحنينُ الحقولِ

…وأختي

التي رَحَلَتْ

ذاتَ

صُبحٍ

ثقيلِ الخُطى

فابتأسنا

وعشَّشَ

في بيتنا الهمُّ

عشْرًا

نِحافًا

عجافًا

وأنتِ

بناتُ الهجيرِ

تسربلنَ

بالوردِ والأغنياتِ

اختبأنَ

عنِ الضوءِ

تحت ظلالِ النخيل

ليسبحنَ

في النهرِ

بعضًا

من الخوفِ

يخرجنَ

بلَّلَ أثوابهن الثقيلةَ

نهرُ الصباباتِ

حدَّد

ما قد تحدَّدَ

من برتقال

وسوقٍ

كأعمدةٍ

من رخامِ المجرَّاتِ

بل

أنتِ

أنتِ

ابتداءُ الهوى

لصبىٍّ

يلعثمهُ

الخجلُ القرويُّ

ويطلقهُ

كالحصانِ الجموحِ

إذا طَلَعَتْ

في سهولِ الخيالِ

فتاةُ الندى

-والمدى ساحلٌ

لا بحارَ لهُ

أو مواقيتَ-

تبت يدا

زمنٍ

قد مضى

وانقضى

وأحالَ الفتى

محضَ كهلٍ

ليشتعلَ القلبُ

شيبًا

ويبكي

حزينًا على حُلمهِ

يا

ب

ل

ا

د

ي