أحلام من آبائنا

أحلام من آبائنا

أبي العزيز:

مع اقتراب الذكرى العاشرة لرحيلك، لا يبارح تفكيري كرهي للوداع. يحل شهر يناير 2017م حاملًا معه اثنتين من أصعب تجارب الوداع على الإطلاق. نحن مضطرون لتوديع أول عائلة سوداء تتولى البيت الأبيض، وفي الوقت نفسه، نودع حلم الحقوق المدنية، تلك المعركة الطويلة التي أنجبت كلًّا من أوباما وأنا. كان هو الأمل، وأنا الإيمان، كلانا «نصف-إفريقي»- نحن أطفال الحقوق المدنية، مولودان لأمهات أميركيات بيض متفائلات وآباء أفارقة سود. متفائلات؛ لأنه على الرغم من مقتل المزارع الأسود هربرت لي الذي لديه تسعة أطفال برصاصة في الرأس في عام ميلاد أوباما لمحاولته تسجيل الناخبين السود، إلا أنه كان أيضًا العام الذي هزت فيه حركات الحرية الجنوب وأنشأت جيلًا من قادة الشباب. متفائلات؛ لأنه على الرغم من تفجير جماعة كو كلوكس كلان لكنيسة في برمنغهام أدى لمقتل أربع فتيات صغيرات سود وإطلاق النار على ميدغار إيفرز والرئيس كينيدي في عام ميلادي، إلا أنه كان أيضًا العام الذي رسم خريطة طريقنا اليوم- مسيرة المحرومين في أميركا إلى واشنطن بأعداد غير مسبوقة للمطالبة بالحرية والتعبير عن حلمنا.

من أجل الآخرين

قبل ثماني سنوات في شهر نوفمبر، جلست مصدومة بين متطوعي الحملة المبتهجين، يا أبي، متمنية أن تكون قد استمرت لوقت كافٍ لتشهد ذلك بنفسك. «لا أستطيع أن أصدق ذلك»، همستُ لنفسي، «لقد فعلناها… لا يمكنني تصديق ذلك. نعم، نحن قادرون». نحن، التجسيد الحرفي لنضال أمتنا، الأبيض مقابل الأسود، الأثرياء مقابل الفقراء. نعم، نحن الذين لن نُظهر فقط كيفية الاتحاد، بل سنقود الطريق أيضًا. لكن كل هذا قد تبخر وكنتُ أقل مفاجأة في نوفمبر الماضي. «لا، لا يمكنكم»، صاح المتسلط النرجسي. «إنها لي فقط!» وهكذا، مات الحلم.Haut du formulaire

يا أبي، إنها أيضًا الذكرى العاشرة لرحيلك عن هذا العالم تجاه الآخر، التي لو كنتُ ابنة فُضْلى لكنتُ قد سافرت إلى نيجيريا لإحيائها بكل الطقوس المذهلة واستنزاف الأموال اللائقة بمكانتك السياسية وتضحياتك الشخصية في البلد. ولكن بدلًا من شراء الماعز وتوظيف المسالخ، ها أنا أتخبط في أميركا، قلبي مثقل جدًّا بوداعك وأوباما. على أية حال، ماذا لو استطعتُ أن أجبر نفسي على الذهاب إلى القرية لأقف عند قبرك ذي الصدأ الأحمر، ما الذي يمكنني أن أقوله لك؟

فيث أدييلي

عائلتنا لطالما تحاورت بشكل أفضل عبر الصفحات. فوق كل شيء، كان هذا هو المكان الذي التقينا فيه لأول مرة. لقد راودت أمي أولًا ثم راودتني أنا من خلال الرسائل- رزم من الورق الأبيض الرقيق الأشبه بجلد البصل ورسائل البريد الجوي الزرقاء بلون زهرة الذرة الملطخة بحبر أقلام ذات الأسنان العنكبوتية. ظهرتَ في التاسعة والعشرين من عمرك، طالب دراسات عليا في جامعة ولاية واشنطن، تتعلم من أجل وعد بالاستقلال في نيجيريا. كانت أمي طالبة جديدة تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا مهووسة بالجغرافيا السياسية، ابنة مهاجرين نرويجيين نقلوها إلى جامعة على الجانب الآخر من الولاية لإبعادكما. لكن بدلًا من ذلك، كنت تكتب لها كل يوم: حسنًا يا جو، لا أعرف ما يخبئه المستقبل، ولكن انقلي عني قولي: «بحلول عام 1971م سأكون في قلب السياسة النيجيرية. ربما موظف حكومي يُسمى وزير الخارجية (هنا تسميه وزير الدولة). لكن لا تلعني وتسبيني بعد باستخدام مصطلح ممارسة السياسة».

لا، أَبَتِ، لن نفعل ذلك. لن نلعنك. بعد كل شيء، كانت نيجيريا قد استعادت استقلالها للتو من بريطانيا بعد أسابيع قليلة من وصولك إلى واشنطن. في عقد من الزمان قضيته في الدراسة بالخارج، أولًا في لندن ثم في الولايات المتحدة الأميركية (جذبتك بعيدًا من المستعمر بفعل أخبار الحقوق المدنية للسود)، لم تتحْ لك العودة إلى الوطن أبدًا، ولم ترَ نيجيريا المستقلة، ولم تكن حرًّا قط. من لا يطمح في ظل هذه الظروف بالعودة للوطن من فور استقلاله؟ أعتقد أن المرء لا يمكن أن يعيش في دوامة فراغ. لا يمكن أن يعيش في عزلة. إنه عضو في قبيلة، وكنيسة، وعائلة، وحزب سياسي، أو نادٍ اجتماعي؛ يتأثر بهذه الأشياء ويؤثر فيها بنفسه. لا نعيش لأنفسنا. نحن نعيش من أجل الآخرين. ربما في سلم القيم الإفريقي، تحتل الحرية مرتبة عالية. أود أن أقول: إن أفضل دور يمكن لأي مجموعة أن تؤديه ربما هو دور الحرية. وعلى الرغم من أننا لم نلتقِ قط إلا عندما بلغت أنا السن التي كنت تغادر فيها أنت إلى نيجيريا، إلا أنني كنت أعرف، تمامًا كما عرف أوباما ولا يعرف ترامب، ما هو متوقع منا في العالم الجديد. لقد كان الفوز بالحرية صعبًا جدًّا لعائلتنا المكونة من الخدم الفنلنديين المتعاقدين والعمال السويديين والأمهات العازبات الأميركيات والأفارقة المستعمرين. كما قلت سابقًا: لا نعيش لأنفسنا.

وبالتالي عندما اتصلوا بك من الوطن، أجبت ولبيت الطلب. «أريدك أن تعلمي أن هذا ليس وداعًا»، كما أعلنت بسذاجة من سفينة بخارية في وسط المحيط الأطلسي، «سأتطلع إلى لقائنا طالما نحن جميعًا على قيد الحياة».

أبعاد التغيير

غادرتنا ورست بك السفينة في لاغوس قبل أربعة أشهر من عيد ميلادي الثاني، وانطلقت مسرعًا إلى جنون الانتخابات. البريطانيون، مهندسو ذلك الخلق الفوضوي المسمى نيجيريا (والآن البريكست)، أعدوا لك الفشل، حيث سلموا السلطة للشمال. الآن الدولة الوليدة من جميع مناطقها -الشمال الصحراوي/ الجنوب المداري، الشمال المسلم/ الجنوب المسيحي، الشمال الهاوساوي/ غرب اليوروبا/ شرق الإيغبو- كلها تستشعر داخلها غضبًا عارمًا. الوتيرة سريعة ومزعجة وخطيرة، حيث يواجه كل حزب سياسي وأنصاره صعوبة في خوض معارك كبيرة. أنت كذلك كنت قلقًا: «يشعر المرء بأن شيئًا ما يغلي وسيفيض قريبًا!» هنا في أميركا أيضًا، كنا نناضل من أجل الأشياء نفسها. استعد نشطاء حقوق التصويت للسير من سيلما (ألاباما) إلى مونتغومري. في يوم الأحد الدامي، الذي يسبق عيد ميلادي الثاني بيومين، هاجم جنود ولاية ألاباما ست مئة متظاهر سلمي بهراوات وغاز مسيل للدموع وسياط البقر. اليوم، يستبدل الجمهوريون بالهراوات تشريعات تقوض قانون حقوق التصويت؛ تجتاحنا الشركات بالغاز المسيل للدموع من خلال الإعلانات والبرامج الواقعية؛ حتى يصبح التصويت الوحيد الذي نهتم به هو برنامج «أميركان أيدول»؛ لكن أقسام الشرطة تلتزم بالمجرب والمضمون، حيث تذبح الرجال السود في الشوارع، حتى أمام الكاميرا إذا لزم الأمر.

قفزتَ إلى قدرة الحساء النيجيري، بمرح شديد من الرحلة البحرية الطويلة و«الحرارة الزائدة» على بدلتك السوداء النحيلة: «لقد تغيرت الأمور لدرجة أنني لست متأكدًا من أي شيء ولا من مكان وجود أي شخص»! كنت في الثانية والثلاثين من عمرك، وكانت هذه هي المرة الأولى لك في بلد يملكه السود. نيجيريا مكان جديد بالفعل! كتبت لنا «ليس لديكم فكرة عن مدى التغيير والصراع». وعلى ما يبدو أنك أنت أيضًا لم تكن تعرف ولا تتوقع أبعاد هذا التغيير. هناك دائمًا شيء يغلي في البلد. هناك دائمًا من يريد أن يلعب دور السيد الاستعماري. لم يطل الأمر قبل أن تنجرف نيجيريا في خطاب نحن/ هم، ليبدأ قادتها بلعب ورقة الانقسام العرقي ويثير المواطنين ضد مواطنيهم وجيرانهم بزعم سرقة وظائفهم وحظهم السعيد. الشعبوية: أسرع طريق للصعود بالنسبة للسياسي. هل يبدو لك أي من هذا مألوفًا؟

لم تكن تلك الحالة متصورة بالنسبة لك في ذلك الوقت، في أكبر دولة وأغناها وأكثرها تعليمًا في إفريقيا، رابع أكبر ديمقراطية في العالم. ولكن إذا كان بإمكان ملياردير عنصري وكاره للنساء صنع ثروته من خلال استغلال العمال أن يرتدي قبعة بيسبول، ويتصرف على أنه من الطبقة العاملة، ويستولي على السيطرة على ما يسمى «معيار الديمقراطية- أميركا»، فبالتأكيد يمكن لبعض الجنود والسياسيين النيجيريين أن يظهروا على موجات الأثير ويثيروا حالة من الهياج. هل رأيت علامات التحذير كما أراها الآن؟ هل كنت تقول: «لا تحدث مثل هذه الأشياء هنا، عندما بدأت المذابح؟ عندما قُتل ثلاثون ألفًا من إخوتك الإيغبو وجُرح أو عُوق خمسون ألفًا؟ بينما كان يجري القبض على أولئك الذين يحاولون الفرار من شمال البلاد في المطارات ومحطات الحافلات والقطارات وتشويههم واغتصابهم وقتلهم من الجنود والمدنيين، ثم إرسال الجثث إلى مسكن الإيغبو؟

نعم نستطيع Haut du formulaire

في المرحلة الرئيسة من أعمال القتل، منذ خمسين عامًا فقط، كتبت إلينا: «أوه، لن تصدقي أن أختي الكبرى من بين القتلى. كانت تزور بعض الأقارب في الشمال. يصعب تصديق ذلك، لكن يمكن أن يحدث لنا نحن أيضًا في أي يوم الآن. البلد الذي أحبه كثيرًا مشتعل بالنيران، لكني آمل أن يصمد!» كتبت رسالتك الأخيرة قبل عيد الميلاد: «أجد صعوبة بالغة في سرد قصتي المتعلقة بالقتل الجماعي للشرقيين في شمال نيجيريا. فقدت عددًا كبيرًا من الأقارب هناك. لا يزال الاضطراب معنا. تواجه نيجيريا أسوأ أزمة في تاريخها، وإذا نجونا من التفكك الكامل، فسنكون محظوظين حقًّا. نحن نعيش في خوف كل يوم». أبي، ماذا ستقول لي اليوم، تشعر بعدم الارتياح أم لا، الآن وقد أصبح الاضطراب ملازمًا لنا؟ الآن وقد أصبحنا نعيش في خوف، على الرغم من أنه من الإنصاف القول: إن معظم الأميركيين السود يعيشون دائمًا بهذه الطريقة وليس لديهم رفاهية البكاء على هذه الحالة. هل تتذكر أنه كان لدي ثماني أخوات وأخ واحد؟ مات اثنتان من أخواتي إضافة إلى والدتي وأبي.

أنت الذي شعرت بالسعادة عندما انفصل الشرق، مشكلًا جمهورية بيافرا. بدا الأمر وكأنه تقرير المصير، هذا التحدي الأول للحدود الاستعمارية. ولكن بعد بضعة أشهر فقط، بعد وقت قصير من إضفاء المحكمة العليا الأميركية الشرعية على الزواج بين الأعراق في قضية لوفنج ضد فرجينيا، أعلنت نيجيريا الحرب وغزت بيافرا. توقفت رسائلك. كل ما رأيناه كان الصور الأيقونة المروعة لأطفال بيافرا الجوعى في عمري، والصور الأيقونة المروعة لمارتن والسيناتور بوبي كينيدي وهما يُقتلان بالرصاص. أتمنى لو كنت أستطيع أن أسأل عما جعلك تستمر في تلك السنوات من الحرب والصمت. كيف تعيش عندما تريد حكومتك موتك؟

أخيرًا، وبعد تسعة أشهر من نهاية الحرب، وصل خطابك إلى مزرعة العائلة. كان مهترئًا ومخططًا بأحبار مختلفة الألوان، ولم يحمل سوى أسمائنا والبلدة: سانيسايد، واشنطن. كشف أثر الأحبار أنه قد تسلل ببطء عبر شوارع واشنطن العاصمة (حيث بعد تسعة وثلاثين عامًا ستلوح ابنتك بلافتة «نعم نستطيع» في حفل التنصيب)، إلى أن أعلن مدير البريد «لا يوجد شارع بهذا الاسم مثل سانيسايد» وأعاد توجيهه غربًا إلى ولاية واشنطن.

وفجأة، بعد ثلاث سنوات من الصمت، كنت أنت هناك، تزعم أنك فقدت الأمل لكنك تبدو متفائلًا كالمعتاد: «أطيب التحيات. كنت أتساءل كيف يمكنني الوصول إليكم لإعلامكم بأنني ما زلت على قيد الحياة. لقد نجوت من الحرب الأهلية النيجيرية على الرغم من أنني فقدت كل شيء بما في ذلك مفكرتي التي تحتوي على عنوانكم. منزلنا وأصولنا وممتلكاتنا ومكتبتي، وجميع كتبي وشهاداتي ودبلوماتي وأطروحتي وأطروحة الدكتوراه وثوبي الأكاديمي وقلنسوتي، وكل ما يمكنك تخيله قد دُمّر. كل ما لدي الآن هو الملابس التي كنت أرتديها في يوم انتهاء الحرب. أتطلع إلى سماع أخباركم بعد أن فقدت كل أمل في رؤيتكم مرة أخرى».

جيل جديد من الأفارقة

كلما شعرت بالضعف أو التذمر، أقرأ لك. أنت الذي سامحت زملاءك النيجيريين؛ لأن رواية وطنية كانت أكثر أهمية بالنسبة لك من رواية الضحية. الظروف بعيدة كل البعد من كونها طبيعية هنا. ما زلت أفتقر إلى أكثر من 90٪ من الضروريات. المال نادر جدًّا وبالكاد يكفي راتبي الشهري لإعالة العديد من العيال الذين اكتسبتهم نتيجة الحرب الأهلية لمدة أسبوع! الدمار ساحق جدًّا لدرجة أن كل ما يُفعَل ليس سوى قطرة في محيط لا حدود له! لقد فقدنا عددًا لا بأس به من «عشيرتنا» بسبب الغارات الجوية والرصاص والقصف! إنه تعذيب حقيقي أن نتذكرهم وأفضل أن أترك الأمور كما هي. أجد صعوبة في تحمل تذكر المآسي ولن أفيد ابنتي فيث بأي شيء بإرسال سجل من الأقارب المتوفين! عندما تكبر ستصبح جزءًا من التاريخ الذي يجب عليها تجميعه، على ما أعتقد. بصفتك مهزومًا، كانت خياراتك قليلة. ومع ذلك، بعد ثلاث سنوات من المقاومة المدمرة، اخترت البقاء، لإعادة البناء، لجعل نيجيريا عظيمة، وهو ما يعني بالنسبة للرؤيوي بلدًا جديدًا. بلدًا شاملًا للجميع.

قبل ثماني سنوات من شهر يناير، حملت أقمشة الزينة وربطات الرأس النيجيرية، وقدت بسيارتي إلى واشنطن العاصمة لحضور طقوس التنصيب «الخاصة بنا» (كما نقول في نيجيريا). في كل محطة شاحنات ومحطة وقود في «أرض الولايات الحمراء والزرقاء»، كان الأميركيون السود يبتسمون بمرح بعضهم لبعض. لقد استغرق الأمر كثيرًا من الجهد للوصول إلى أوباما هناك لأن الجميع، وفي معظم المقاطعات، أرادوا الاحتفال. وقد اصطف كذلك جميع أقاربي -الكتاب والفنانين والناشطين- لأداء العروض.

قبل عشر سنوات من شهر يناير، عدت إلى نيجيريا لحضور «دفننا». لقد استدعى الأمر كثيرًا لتوديعك: رئيس أساقفة واحد، 4 أساقفة، جوقة واحدة ترتدي ملابس تحمل صورتك، وملك قبائلي محلي، 3 مشعوذين للمطر، 3 أبقار، العشرات من الماعز، المئات من البطاطا الحلوة، 60 حبلًا من الحطب، 2000 وجبة أرز، شاحنة تبريد للمشروبات، جيش خاص للإيجار، 6 أسابيع من التحضير، 1600 قميص تي شيرت، 1600 مروحة، 1600 تقويم، تغييرين في الملابس، وفرقة موسيقية. بصفتي الابنة الكبرى، جلست في المقدمة في السيارة الجنائزية، أحمل صورة لك في حضني. هرع القرويون إلى الشارع لمشاهدة عودتك إلى الوطن. داخل بوابات المجمع، رقص شبان يرتدون بدلات بيضاء وقمصان سوداء ونظارات شمسية ملفوفة وقفازات بيضاء، وحملوا نعشك على أكتافهم، وخفضوا أنفسهم لأسفل -لأسفل- لأسفل، حتى يكادوا يركعون على ركبهم، ثم لأعلى -لأعلى- لأعلى، والكَتِفانِ تَتحركانِ، لا أيدي، بالكاد تثقل عليهم جثتك الصغيرة الآن.

لكن في الذاكرة أنت عظيم: «أنا جيل جديد من الأفارقة. نحن نؤمن بالدور المستقبلي لتلك القارة. نحن مقتنعون بأن لها قدرًا ومساهمة تقدمها للعالم. لقد عانت مدة طويلة، ونامت، وأُسيءَ فهمها، واستُغِلت، وتنقلت، وتُكلم عنها. الآن حان دور إفريقيا للقيام بالتحدث إلى العالم». وأثنى رئيس الأساقفة في رثائه على أعمالك الصالحة كمفوض للتعليم، وذكر الأطفال المتبنين من غرب إلى جنوب إفريقيا. «لا نعيش لأنفسنا». لقد استُخلص رثائي من المعجبين في نيجيريا وأميركا الذين وصفوك بأنك «واحد من السياسيين القليلين النزيهين» و«عملاق لا يخشى التضحية من أجل وطنه». وكما قلت في السابق: في سلم القيم الإفريقي، تحتل الحرية مرتبة عالية.

استمر العديد من القادة الأفارقة بعدك في مشروع الاستعمار حيث تحولوا إلى طغاة متعجرفين، لا يحترمون الصحافة أو حقوق التصويت، يصرفون الانتباه بالتوتر العرقي بينما يسلمون المفاتيح للمحسوبين واللصوص. ويبدو أنهم ليسوا وحدهم. تريفور نوح، الأخ الجنوبي الإفريقي المختلط العرق لأوباما من شرق إفريقيا ولي أنا من غرب إفريقيا، يمزح قائلًا: «زوما وترامب [مثل] إخوة من أم أخرى!» أبي، لقد كان قلبك ينكسر فعليًّا لرؤية قادة إفريقيا؛ ماذا ستفعل حيال هذا المعادي للمثقفين الذي يدير البلد الذي علمك؟ ما الذي تعلمته والذي يمكن أن ينقذنا الآن؟

الرئيس أودوميغو أوكوجوو، ابن المليونير، قائدنا السابق الذي مول شخصيًّا نضال بيافرا ضد هجمات الحكومة النيجيرية، كتب على نحو شهير: «نحن بشر. نحن نعيش. نحن نقاتل؛ لأن قرار الحرية هو قرار يُتَّخَذ بحرية وجماعية». إذن، عندما اتصل بك يا أبي، أجبت: «لنحصل على إفريقيا حرة وموحدة ومستقبلية وتحترم نفسها، إفريقيا بحاجة إلى مواطنين مخلصين وواضحي الرؤية وملتزمين ومحررين ذاتيًّا. تحتاج إلى مواطنين لديهم الجرأة على تحديد تطلعات وتوقعات ومشكلات ووعود الشعوب الناشئة والعيش معها. في هذا النضال من أجل الواقع والحق، لا أستطيع أن أرى نفسي آخُذ دورًا مشكوكًا فيه أو أبقى على جانب الحلبة. يجب أن أدخل وأدخل فعليًّا. سأقف الموقف الصحيح. لن أكون محايدًا».

أبي، في هذه الذكرى العاشرة لرحيلك، ربما أستطيع أن أكون ابنة فُضْلى ليس بالسفر إلى نيجيريا لتكريم مكانتك السياسية وتضحياتك الشخصية، ولكن بالبقاء هنا في أميركا وأخذ كلماتك على محمل الجد. لتجسيدك، أختار الوطن قبل نفسي. أختار المعركة على الحب. لا، بل إنني أختار المعركة كحب.


المصدر: النص مقتطف من كتاب (2017م) Radical Hope: Letters of Love and Dissent in Dangerous Time (أمل جذري: رسائل الحب والانشقاق في زمن محفوف بالخطر) وهو عبارة عن رسالة شخصية كتبتها فيث أديل إلى والدها الراحل بينما تحاول الكتابة عن الأمل وما يعنيه لها. (pp.54-62).

العمارة العربية من التقليدية إلى ما بعد الحداثة

العمارة العربية من التقليدية إلى ما بعد الحداثة

إن العمارة العربية بمنتجاتها قد تأثرت وتفاعلت مع ما حولها. وكثير من المشروعات قد نتجت بسبب التفاعل المحلي والغربي أو العالمي إن صح التعبير. وبالتالي فإن التمثيل المحلي للعمارة قد تفاعل مع مدخلات من خارج سياقه؛ لتجسيد وخلق معانٍ مختلفة عما هي عليه في سياقها الغربي. فنجد أن هناك تأثيرًا وتبنيًا لبعض الأفكار المعمارية الغربية. فقد اعتمدت العديد من الدول العربية على التصميمات المعمارية الغربية الحديثة، مثل الأبراج العالية والمباني الزجاجية ذات الطابع العصري.

مدن مثل دبي، وأبوظبي، والدوحة نجدها أصبحت أيقونات للعمارة الحديثة مع ناطحات سحاب شهيرة مثل برج خليفة في دبي وغيره. كما ظهر العديد من المدن الجديدة التي اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على النموذج الغربي في تخطيطها، مثل العاصمة الإدارية الجديدة في مصر وغيرها. وهذا ما يقودنا إلى محاولة معرفة ما يدور على أرض الواقع عندما تأتي المكاتب الاستشارية العالمية داخل سياقاتنا العربية. وما ستؤول إليه هوية ومعنى ومضمون هذه المنتجات التي ستُقدم لنا، متجاوزةً السياق والمضمون المحلي للمكان.

من التقليدية إلى الحداثة

إن واقع المدينة العربية اليوم يسعى جاهدًا للتحول من سردية التقليدية إلى الحداثة، في محاولة للتعبير عن مدى التقدم والازدهار. فيما هناك العديد من المحاولات التي حاولت المزج والتكامل بين العمارة المحلية والأفكار الغربية التي تبنتها العديد من المدارس الغربية، والتي تحاول جاهدة خلق نمط معماري مميز يعبر عن الهوية المحلية مع الاحتفاظ بسمات الحداثة. وفي المقابل هناك حركة ملحوظة لإعادة إحياء العمارة التقليدية والتراثية من خلال استخدام التصاميم القديمة في المباني الحديثة، مثلما هو الحال في مدينة مسقط في عمان، حيث تحافظ المباني الجديدة على الطابع التقليدي بشكل ملحوظ.

الحقيقة أن هناك مجموعة من التطورات والتغييرات في مجال العمارة في العالم العربي في القرن العشرين، حيث شهدت المنطقة نشاطًا معماريًّا ملحوظًا يتمثل في إنشاء مبانٍ جديدة بأساليب معمارية متجددة ومتطورة. ولعل جُل هذه المشروعات اشتركت فيما يتعلق بالبحث عن الهوية، والسعي نحو التوازن بين الحفاظ على الهوية والثقافة العربية التقليدية، وبين قبول التطورات الحديثة والمفاهيم الغربية في العمارة. وهذا يعكس السعي لإيجاد تعبير معماري فريد يعبر عن الهوية الوطنية. إضافة إلى ذلك فهناك تقبل واضح لاستخدام التقنيات المعمارية الحديثة والمواد المتطورة، وهذا بدوره انعكس على تطوير تصاميم معمارية متقدمة تتناسب مع الظروف البيئية والثقافية المحلية، من دون تجاهل تام لمسألة التطورات الاجتماعية والثقافية في المنطقة، وهو ما أدى إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي وحَفْز التفاعل الثقافي.

المعماريون العرب

إن الحركة المعمارية الرائدة في الوطن العربي قد مرت بمجموعة من المعماريين العرب الذين تلقوا علومهم من أقطار مختلفة، حيث تمركزوا بعد عودتهم إلى العالم العربي في مرحلة انطلاق نشاطاتهم. وقد أوضح ذلك مرارًا الدكتور وليد السيد -رحمه الله- في العديد من أطروحاته، حيث صنّف هؤلاء المعماريين فئتين من حيث منهجهم التجديدي، وهما: المجددون من الداخل، والمجددون من الخارج. فعبر عن الفئة الأولى بالمعماريين الذين تخلقت ثقافتهم وعلومهم ضمن بوتقة الثقافة العربية كإطار وكمحتوى، وتكونت أفكارهم ورؤاهم المعمارية ضمن هذا الإطار؛ مثل المعماري المصري حسن فتحي. أما الفئة الثانية التي تلقت أفكارها وعلومها ضمن الإطار المحلي، وفي الوقت ذاته صِيغت أفكارها ضمن الإطار الغربي في مرحلة من حياتهم الأكاديمية أو العملية، وهي مجموعة ليست بسيطة، وقد انفتحت على الغرب مما زاد من انفتاح العمارة العربية المعاصرة على الغرب بشكل موسع. ومنهم المعماري محمد مكية، وعبدالواحد الوكيل، ورفعت الجادرجي، وعبدالحليم إبراهيم، وراسم بدران. فنجد المحاولات التي سعت لإحياء وإبراز وتفعيل التراث كما عمد حسن فتحي إلى ذلك، كما هي محاولاته للتجديد من الداخل. بينما هناك من يسعى لتطبيق نظريات على التراث المحلي ضمن إطار البحث عن الهوية والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وهم فئة المجددون من الخارج. وعلى الرغم من اختلاف المنهجية والأدوات فإن غزارة الإنتاج الفكري من الفئة الثانية يعد ملموسًا وواضحًا على أرض الواقع المحلي المعاصر.

يمكن القول: إن العمارة الحديثة في الوطن العربي قد مرت بمراحل عدة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. ولعل أولى هذه المراحل كانت في أوائل القرن العشرين، حينما كانت مرحلة التقليد المباشر واستيراد الأفكار واقعًا ملحوظًا بسبب قلة المعماريين العرب، ورغبة العديد من الدول العربية في بناء العديد من المباني الحكومية والتجارية والسكنية، التي كانت بتصاميم مستوحاة بشكل كبير من العمارة الغربية، دون تعديلات كبيرة لتناسب البيئة المحلية، وهو ما سهل من عملية استيراد الأنماط المعمارية الغربية بشكل مباشر. فنجد كثيرًا من المدن مثل: الجزائر وبيروت والقاهرة، قد بُنيت فيها مبانٍ ذات أنماط كلاسيكية وحديثة أشبه ما تكون بتلك التي في أوربا. تلت ذلك مرحلة دمج العناصر المحلية التي أتت مع قدوم المعماريين العرب، حيث عملوا على أن تلامس تصاميم المباني ثقافتنا وبيئتنا. ثم مع مرور الوقت، تطورت العمارة في العالم العربي لتصبح أكثر إبداعًا وابتكارًا. فبدأ المعماريون في تطوير أنماط جديدة تجمع بين الحداثة والتراث بطرق فريدة تعبر عن الهوية الثقافية المحلية، مثلما فعل المعماري راسم بدران في مشروع تطوير منطقة قصر الحكم في العاصمة الرياض.

دور محوري

وكما هو معلوم فالمعماريون العرب الذين تلقوا تعليمهم في الخارج، ثم عادوا إلى الوطن العربي أدوا دورًا محوريًّا في تشكيل المشهد المعماري الحديث في المنطقة. هؤلاء المعماريون جلبوا معهم أفكارًا وتقنيات جديدة، وهو ما ساهم في تطوير وتحديث العمارة المحلية. ويمكن تلخيص توجهاتهم وتأثيرهم في محاولة المزج بين المحلي والعالمي وكذلك الابتكار والتجديد والحفاظ على الهوية الثقافية. فحينما عاد العديد من المعماريين العرب بفهم عميق لكيفية دمج التقنيات الحديثة مع الطرز التقليدية المحلية، أسفر عن ذلك تصاميم تجمع بين الأصالة والحداثة. على سبيل المثال، حسن فتحي من مصر الذي اشتهر بمزجه للتقنيات التقليدية بمواد البناء المحلية مع الأفكار المعمارية الحديثة. بينما هناك من المعماريين ممن درسوا في الخارج قد استخدموا أحدث التقنيات ومواد البناء المبتكرة لتقديم تصاميم معمارية حديثة تلبي الاحتياجات العصرية. المعمارية العراقية الشهيرة زها حديد أبرز هذه الأمثلة التي عُرفت بتصاميمها المستقبلية والهندسية الفريدة. فيما قام المعماريين الذين تأثروا بالتعليم الغربي في الخارج بإعادة تفسير العمارة التراثية بطريقة معاصرة، وهو ما يساعد في الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للمدن العربية. المعماري محمد مكية الذي اشتهر بقدرته على مزج العناصر التقليدية الإسلامية مع الأساليب المعمارية الحديثة، وهو ما أسفر عن تصاميم فريدة تعكس الهوية الثقافية الإسلامية. يُعد مكية من الرواد الذين عملوا على إحياء العمارة الإسلامية ودمجها في التصاميم الحديثة. وكان يعتقد أن العمارة يجب أن تعكس الهوية الثقافية والدينية للمجتمع.

رواد جدد

يمكن العمل على إعداد رواد ومعماريين جدد لهم دراية بالتراث العربي والإسلامي، وفهم أسسه وقيمه ومفاهيمه المعمارية عبر تعزيز الوعي بالتراث والفهم العميق لاحتياجات المجتمعات المحلية والثقافة والبيئة التي يعيشون فيها. وبالتالي المساهمة في تطوير تصاميم تتجاوب مع هذه الاحتياجات بشكل فعال وملائم من خلال استخدام التقنية والابتكارات الحديثة في تصميماتهم، مع الحفاظ على العناصر الثقافية والتراثية من ناحية الجوهر والمعنى والوظيفة ما أمكن. كما ينبغي أن تكون هناك محاولة لإنتاج تجارب معمارية لا تتسم بالشكلانية والسطحية، ولا تضيف للعمارة العالمية كثيرًا حسبما يطرح الدكتور مشاري النعيم، بل يجب أن يكون هناك عمق تاريخي محلي مرتبط بقيادات ثقافية معمارية ملهمة، وهذا ما يسعى إليه النعيم من خلال العديد من أطروحاته وأعماله الفكرية.

عمارة ما بعد الحداثة

عند الحديث عن عمارة ما بعد الحداثة وتأثيراتها ومآلاتها، فلا شك في أنها قد أتت كردّ فعل على المدرسة الحديثة، التي كانت تعتمد على المبادئ الوظيفية والتقنية والجمالية. تُعد عمارة ما بعد الحداثة تطورًا للتفكير المعماري، حيث تنتقل من التركيز الكبير على الوظيفة والتقنية إلى التركيز أكثر على السياق الاجتماعي والثقافي والبيئي لعكس الهوية المحلية. ولعل العامل البيئي هو أحد أبرز هذه الجوانب؛ إذ تُعَدّ الاستدامة أمرًا حاسمًا في البيئة الصحراوية، حيث تواجه التحديات، مثل نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة.

عمارة ما بعد الحداثة تتناغم مع هذه الظروف عبر استخدام تقنيات توفير الطاقة وإدارة المياه بفاعلية. كما أن العمارة في البيئة الصحراوية تعتمد على استخدام المواد المحلية المتاحة، مثل الطين والحجر، وتدمجها بشكل مبتكر في التصاميم؛ لتوفير عزل حراري فعّال وجودة بيئية أفضل. بشكل عام، يمكن أن تتناغم عمارة ما بعد الحداثة مع البيئة الصحراوية العربية عن طريق تبني مبادئ الاستدامة والتقنية المبتكرة والاحترام للهوية الثقافية، وهو ما يؤدي إلى إنشاء تصاميم معمارية تتناغم بشكل فعّال مع البيئة الصحراوية، وتلبي احتياجات المجتمعات المعاصرة. وعلى الرغم من اختلال توازن العمران في المدينة العربية؛ بسبب اقتناع الكثير بهذه التقنيات الحديثة القادمة من الغرب، فإن هناك محاولات دعت إلى ضرورة البحث عن تقنيات متوافقة مع بيئتنا المحلية وإمكاناتنا البشرية كنوع من البحث عن الذات وبديل للتعبية الفكرية والثقافية. كما أن هناك محاولات أيضًا لإعادة اكتشاف التراث وتفكيك جوهره وتوظيفه في النظرية المعمارية المحلية المعاصرة.

كما يجب أن يكون المنتج العمراني في مرحلة ما بعد الحداثة منتجًا اجتماعيًّا أكثر منه إنجازًا فرديًّا حتى يتوافق مع البيئة المحلية. وبطبيعة الحال لا يمكن إغفال التقدم العلمي والنظريات المعمارية الغربية المتلاحقة التي أصبحت تقدم للعالم العربي بوصفه مستوردًا لها ومتلقيًا دون قدرته على إنتاج ما هو موازٍ، وبالتالي سيزيد ذلك من قدرة توفير حلول محلية تتناسب مع السياق الجغرافي والطبيعي المحلي للمنتجات العمرانية المقدمة لواقع المدينة العربية.

أم كلثوم ونجيب محفوظ نسيج متداخل وروابط متعددة

أم كلثوم ونجيب محفوظ نسيج متداخل وروابط متعددة

في أحد اللقاءات التلفزيونية الموجودة على «اليوتيوب» سأل الإعلامي المصري الراحل مفيد فوزي عميد الرواية العربية نجيب محفوظ: هل يزعجك أن توصف بـ«أم كلثوم الرواية العربية»؟ وبعد أقل من دقيقة صمت وتأمل أجاب محفوظ بابتسامة عريضة قائلًا: «بل يسعدني هذا»، ثم أضاف «سعيد لأن حياتي ارتبطت بأعظم صوت رجالي وهو محمد عبدالوهاب وأهم صوت نسائي وهي أم كلثوم».

والمتأمل في نصوص محفوظ وحواراته لا يمكن له أن يتجاهل شغفه البالغ بالغناء والموسيقيين؛ حتى إنه أكد في أكثر من حوار أنه كان يتمنى لو أصبح مغنيًا في حال فشله في احتراف الكتابة، كما أنه تناول في أدبه أحوال الموسيقا والغناء قاصدًا قضايا الهوية والعلاقة مع الزمن، فضلًا عن مسألة الصراع الحضاري(1). لكن علاقته بأم كلثوم تظل استثنائية بمعنى ما، فقد انطوت دائمًا على العديد من مظاهر التقدير التي نتوقف أمامها. وقبل ذلك يمكن التقاط مساحات من التشابه في مسيرة الكاتب العربي الأهم والمطربة العربية الأشهر، وهو تشابه يصعب حصره فقط في نقطة «الجماهيرية الواسعة».

أول ما يلفت النظر هو وجود كثير من مساحات التداخل بينهما، أولها: أنهما قد نجحا في تغيير الصورة النمطية للمهنة التي قررا احترافها، فقبل نجيب محفوظ كان من الصعب جماهيريًّا الوصول لتعريف جامع مانع لمهنة الروائي التي كانت تقع في دائرة التباس بين مهن عديدة منها ذات صلة بالكتابة، لكن محفوظ كرس جهده لفن الرواية، وأعطى لصفة الروائي الصورة التي نعرفها الآن. وتحول تدريجيًّا إلى «مؤسسة أدبية فنية مستقرة وشامخة لا تستمد قوتها من الاعتراف الرسمي فقط، وإنما من الاعتراف غير الرسمي كذلك؛ لأنها «مؤسسة شعبية» يتحدث عنها بسطاء الناس بمحض الاختيار في المقاهي والمنازل(2).

وكما غيّر محفوظ من صورة الكاتب فقد نجحت أم كلثوم في القيام بعمل مشابه تمامًا في الفن، وغيّرت من الصورة النمطية التي حاصرت المغنيات أو الفنانات إجمالًا حتى الربع الأول القرن العشرين، فقد كان عالم الفن إلى ذلك التاريخ عالما ذكوريا وكان ينظر إلى النساء العاملات فيه نظرة متدنية؛ لأن المهنة كانت مرادفة للفجور، والبغاء أحيانًا(3).

إلا أن تمسك ثومة بالقيم الدينية والاجتماعية التي حملتها من بيئتها التقليدية مكنها بعد سنوات قليلة من مقاومة هذا النوع من الغناء وتجاوزه بسرعة، بل راهنت على إنتاج نص غنائي مغاير، يرى الروائي فتحي غانم(4) أنه عبر عن حضور الطبقة الوسطى عقب ثورة 1919م. وبتعبيره «لا يمكن فهم الطابع الفني لأم كلثوم منذ جاءت للمدينة إلا بدراسة الطبقة الوسطى التي عاشت فيها وغنت لها» بحيث أصبح هذا الغناء انعكاسًا لطموح هذه الطبقة ورغباتها وتطلعاتها التي وصلت لذروتها مع ثورة الضباط الأحرار في عام ١٩٥٢م، وفيها «ارتفعت المغنية إلى ظاهرة قومية للأمة العربية وصوت رسمي للثورة العربية الشاملة»(5).

الراعي الرسمي

جدير بالانتباه أن أم كلثوم ونجيب محفوظ انطلقا من محطة واحدة وبرعاية رجل واحد؛ إذ تُجمع السير المرتبطة بحياة أم كلثوم على الدور الذي لعبه شيخ الأزهر الدكتور مصطفى عبدالرازق (1885-1947م) عالم الدين العصري ذو الثقافة الرفيعة، الذي جاء من عائلة أرستقراطية ودرس في باريس وكانت له نظرة جمالية شاملة، تنحاز إلى قيم الاستنارة الرصينة في مواجهة الانغلاق المدمر والتهتك الرخيص من جهة ثانية.

نجح الشيخ في تأمين أول شقة سكنتها أم كلثوم في شارع قولة بعابدين غير بعيد من منزله، بل عاملها معاملة واحدة من أفراد أسرته؛ إذ كانت صديقة مقربة من إحدى بناته التي تولت تعليمها اللغة الفرنسية وآداب الطعام بحكم خلفيتها الأرستقراطية(6).

ويشير إلياس سحاب في كتابه الموسوعي حول سيرة أم كلثوم إلى أن شيخ الأزهر وفر لأم كلثوم بيئة اجتماعية وفنية قاهرية بعثت الاطمئنان والسكينة في نفس الفتاة الصغيرة وعائلتها الريفية البسيطة، كما أنه ساعدها أيضًا على توجيهها إلى الطريق الثالث الذي ينبغي أن تسلكه غير الانغماس في الغناء الترفيهي الرخيص السائد وغير الانكفاء في دائرة الإنشاد الديني(7).

ووقف الشيخ كذلك في مواجهة أول حملة صحفية استهدفت أم كلثوم شنتها مجلة المسرح لحساب منيرة المهدية عام 1926م، وخصص شيخ الأزهر سلسلة مقالات في صحيفة السياسة دفاعًا عن أم كلثوم وصد الحملات التي قامت ضدها(8). وفي المرحلة التي تكرست فيها نجومية أم كلثوم وشهرتها تحول الشيخ من راعٍ رسميّ إلى مرشد أمين لثقافة المغنية، ويؤكد سحاب أن هذه العلاقة حفرت عميقًا في تكوينها في ثقافتنا المعاصرة.

ومن المثير كذلك أن الشيخ مصطفى عبدالرازق كان له دور مماثل مع نجيب محفوظ الذي كان تلميذًا له في قسم الفلسفة في كلية الآداب جامعة القاهرة، فبعد أن راحت على نجيب فرصته في السفر إلى أوربا، ضِمن منحة حكومية لدراسة الفلسفة، اقترح عليه الشيخ أن يعمل سكرتيرًا برلمانيًّا له ضمن أفراد مكتبه. ويؤكد محفوظ أن الشيخ أكثر أساتذته تأثيرًا في حياته الجامعية، فهو ذو عقلية علمية مستنيرة، هادئ الطباع واسع الثقافة.

واحتفظ محفوظ بالوظيفة نفسها بعد أن جاء الدكتور علي عبدالرازق، شقيق الشيخ مصطفى عبدالرازق، وتولى منصبه وزيرًا للأوقاف بدلًا منه(9). وظل نجيب يمارس عمله في وزارة الأوقاف لسنوات عدة، إلى أن نُدِبَ إلى وزارة الثقافة عند تأسيسها حيث عمل في مصلحة الفنون تحت رئاسة الكاتب يحيى حقي.

نسيج روحي

من خلال متابعة حضور أم كلثوم في نصوص نجيب محفوظ يمكن تأمل حالة الانتقال من صيغ المتابعة والرصد إلى عملية التخييل الأدبي ذاتها؛ بحيث باتت أغنيات أم كلثوم مرجعية لدى شخصياته الروائية؛ وهو ما يعني أن المغنية اكتسبت حضورًا مضاعفًا أكد تمكنها ليس فقط من مخيلة الكاتب، بل مخيلة شخوصه أيضًا، وبالتالي فإن رواياته يمكن أن تقرأ كمرصد يشمل خرائطَ ورسومًا بيانية نؤرخ عبرها لمسيرة أم كلثوم الغنائية من خلال إحداثيات وعلامات ما هي إلا رؤى الشخوص الروائية صعودًا وهبوطًا.

في واقع الحال هناك العديد من المحاولات النقدية التي انشغلت بالفكرة، ومنها مقالات لافتة للراحل كمال النجمي والناقد مصطفى بيومي، والروائي الشاب علي قطب، إلا أن هذا المقال يسلك مسارًا مغايرًا من خلال مقاربة لا يقتصر فقط على نصوصه الروائية، وإنما تتوسل لتأكيد الفكرة بالإشارة لمقالات محفوظ ذاته وحواراته، وكذلك نصوصه الأخيرة، وأبرزها «أحلام فترة النقاهة» و«الأحلام الأخيرة» التي نُشرت بعد وفاته بعشر سنوات في عام ٢٠١٦م.

الست في مقام الزعيم

تأتي الإشارة الأولى لولع نجيب محفوظ بأم كلثوم عبر مقال نقله جمال الغيطاني من صحيفة اسمها الأيام يرجع تاريخه لـ(٢١ ديسمبر ١٩٤٣م) وفي هذا المقال كتب محفوظ: «وما من جمود مثل أن يقارن أيًّا من الأصوات المصرية بهذا الصوت المتعالي؛ فقل في غناء أسمهان وليلى مراد ونور الهدى ما تشاء إلا أن تقارنه بصوت أم كلثوم، فتضره من حيث أردت أن تنفعه وتهينه من حيث أردت أن تكرمه وتمرغه في التراب وقد أردت أن تسمو به السماء»(10). وقد أفرد كمال النجمي دراسة بالغة الطرافة تتبع فيها حضور المغنين والغناء في عالم نجيب محفوظ أوردها في كتابه «الغناء المصري، مطربون ومستمعون»، (دار الهلال، طبعة ١٩٨٣م) وهو حضور يمكن فهم أسبابه في كثير من الحوارات التي أجراها صاحب «أولاد حارتنا»(11).

ركز محفوظ على سيرة والده ووصفه لرجاء النقاش بـ«السميع» الذي كان يذهب لحضور الأفراح التي يغني فيها كبار المطربين ويصطحب ابنه (نجيب محفوظ) لنادي الموسيقا في عابدين، وحين امتلك جهاز الراديو كان لغرض الاستماع إلى حفلات موسيقية كما طلب من ابنه أن يدعو أصدقاءه للبيت لمشاركته هذا الطقس(12). ولم يكن الأب وحده هو المحب للغناء، فالأم أيضًا كانت تحب زيارة المتاحف وسماع الموسيقا فهي «مغرمة بسماع الأغاني» على حد وصفه(13).

ولد محفوظ وفي بيتهم كثير من أسطوانات الموسيقا لكبار مطربي مصر أوائل القرن العشرين، وفي بيتهم أيضًا أقيمت كثير من الحفلات الغنائية التي تجمع بين رقص العوالم في مكان خاص بالسيدات، والمطربين في مكان خاص بالرجال، وبما أنه كان طفلًا فقد أتيح له الانتقال السلس بين المكانين.

عازف القانون

وحين أصبح شابًّا تعلم نجيب محفوظ العزف على آلة القانون ودرسه بطريقة احترافية في عام 1933م، حيث التحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقا (معهد الموسيقا العربية الآن) بالتزامن مع دراسته في كلية الآداب. وكان أستاذه في المعهد محمد العقاد العازف بفرقة أم كلثوم، وقد ذهب ليستمع لعزفه في حفلات كوكب الشرق في مسرح الماجستيك بشارع عماد الدين. ويروي محفوظ لرجاء النقاش كيف أنه واظب على حضور حفلاتها منذ أن كان طالبًا بالصف الأول الثانوي حتى الجامعة حيث انتقلت حفلات الست إلى مسرح حديقة الأزبكية(14).

ودفع ظهورُ الراديو محفوظًا للتوقف عن الذهاب لحفلات الست، والاكتفاء بالاستماع لها في المقهى بصحبة أكبر عدد من الأصدقاء، وبخاصة أن أسعار تذاكر الدخول أخذت ترتفع بمرور الوقت، بل تحول أمر الحصول على تذكرة لحفلاتها إلى أمر شاق، بحسب تعبيره. ويقر محفوظ بأن آخر حفلة حضرها لأم كلثوم كانت على مسرح الماجستيك، ورافقه فيها صديقه إبراهيم فهمي دعبس الضابط المهندس(15).

وعلى الرغم من الانشغال بالكتابة الأدبية وشؤون الوظيفة العامة، فإن محفوظًا واصل شغفه بالمغنين، ولا سيما أم كلثوم وصناع الغناء، وقد روى كثيرًا عن الجلسات التي حضرها مع الشيخ زكريا أحمد، بل وصفه بأن رأسه كان مليئًا بالموسيقا(16). فقد كان الشيخ زكريا صديقًا لصديق مشترك بينهما هو صلاح زيان، وفي واحدة من هذه الجلسات استمع محفوظ للحن «حبيبي يسعد أوقاته» قبل أن تغنيه كوكب الشرق.

واللافت أن زكريا أحمد -الذي لم يكن يحب القراءة، بتعبير محفوظ- قرأ رواية «زقاق المدق» وأبدى إعجابه بها للدرجة التي جعلته «يعيد صياغتها ويحكيها أمامنا». ويبدي محفوظ اندهاشًا من تفرغ الشيخ زكريا لقراءة الرواية ويسأل: «لا أعرف من أين جاء بالوقت اللازم لقراءة الرواية فقد كان يسهر يوميًّا حتى الصباح وينشغل بألحانه». وقد تأثر محفوظ بشخصية الشيخ زكريا في قصة كتبها بعنوان: «الزعبلاوي».

اللقاء الوحيد

لم يلتقِ محفوظ أمَّ كلثوم وجهًا لوجه، ولم يعرفها معرفةً شخصيةً إلا مرة وحيدة، عندما تبنى الكاتب محمد حسنين هيكل مقترحًا من شلة الحرافيش للاحتفال بعيد ميلاد محفوظ الخمسين عام ١٩٦١م. فقد نقل الشاعر صلاح جاهين له رغبة الحرافيش في أن يستضيف الأهرام الاحتفال في إحدى قاعات المبنى الذي كان قد افتُتِحَ حديثًا. فاستحسن هيكل الفكرة، واتصل بمحفوظ لتهنئته وسأله ببساطة: «تحب نجيب لك هدية إيه؟» فرد محفوظ ساخرًا: «هاتوا لي أم كلثوم»، فما كان من هيكل إلا أن فعل واتصل بأم كلثوم، وعرض عليها حضور الحفل، فوافقت من دون تردد.

يصف محفوظ لحظة دخولها إلى القاعة قائلًا: «كانت مفاجأة لي؛ لأني لم أتوقع أن يكون لها اهتمامات بالقصة والرواية، وكنت أسمع كثيرًا عن ثقافتها واهتمامها بالشعر، ولم أتخيل أن توافق بهذه السهولة على المشاركة في احتفال أدبي خالص». وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي التقى فيها عميدُ الرواية العربية أمَّ كلثوم ودار بينهما حوار مباشر، في صحبة توفيق الحكيم الذي كان صديقًا لها أيضًا.

أم كلثوم على مقهى خان الخليلي

يشير الناقد مصطفى بيومي إلى أن أم كلثوم تكاد تكون من أهم الشخصيات في عالم محفوظ، وربما تحتل المكانة الثانية في هذا العالم بعد الزعيم سعد زغلول، بل إن الإعجاب بها بين أبطال رواياته يكاد أيضًا يكون كاسحًا، وهو إجماع يتجاوز صراعات الأجيال وخلافات السياسة وتباين الأفكار(17).

واستكمالًا للملاحظة ذاتها يعدد كمال النجمي مرات حضور «ثومة» في أعمال عميد الرواية العربية، ففي رواية «خان الخليلي» نعرف أن بطل الرواية «رشدي» يحب الغناء حبًّا خَيَّلَ إليه يومًا أنه خُلِقَ ليكون موسيقيًّا ولم يترك نجيب بطلَه حتى أوجب عليه أن يدخل السينما لسماع أم كلثوم ومشاهدتها في فِلْم «دنانير»، وفي مشهد آخر يجلس بطله في السينما، حتى غرد الصوت الإلهي بـ«طاب النسيم العليل». ووفقًا للنجمي الذي كان على صلة بنجيب محفوظ فإن عميد الرواية شخصيًّا كان شديد الولع بهذه الأغنية(18).

ويلحظ مصطفى بيومي أن نوال بطلة «خان الخليلي» تفكر، بعد عودتها من السينما، في حبيبها المنشغل عنها بجمال صوت أم كلثوم(19). وينقل من الرواية ذاتها حوارات كاملة جرت على المقهى تركز بالأساس على مواقف أبطالها من فن الغناء. وتحفل (الثلاثية) بمشاهد تظهر معرفة محفوظ الدقيقة بعالم المغنين والعوالم، وكما يشير النجمي فإن بطله أحمد عبدالجواد وهو يعيش آخر أيامه: «استمع في بيت محمد عفت إلى أسطوانات المطربة الجديدة أم كلثوم. تتكلم جليلة ويرد عليها عبدالجواد والحاضرون»: صوتها -والشهادة لله- جميل غير أنها كثيرًا ما تصطرع كالأطفال.

–  بعضٌ يقولون: إنها ستكون خليفة منيرة المهدية، ومنهم من يقول: إن صوتها أعذب من صوت منيرة نفسها.

–  كلام فارغ أين هذه الصرصعة من بحة منيرة.

–  في صوتها شيء يذكر بالمقرئين، كأنها مطربة بعمامة.

وفي ختام الحوار يعترف عبدالجواد: «لم أستطعمها، لكن ما أكثر الذين يهيمون بها».

وأعارها أحمد عبدالجواد أذنًا حذرة مضمرة لسوء الظن، فلم يتذوقها على رغم ما قيل من أن سعد زغلول أثنى على جمال صوتها (قصر الشوق ص ٤٣٣، طبعة مكتبة مصر).

وهكذا يتتبع محفوظ حضور صوت أم كلثوم وانقسام الجمهور في تقييمه، كما يقدم مسارًا لصعوده وتقدمه في النسيج العام، ونجاحه في الهيمنة على آذان المصريين، فبعد أن كانت «تصطرع» عند بطل «الثلاثية» ها هي تتحول في «السراب» وعلى لسان البطل الذي يصيح على الملأ: «أم كلثوم هي الشيء الوحيد الذي يستحق الإعجاب والتقدير في هذا البلد». أما بطل «خان الخليلي» فقد جلس يستمع «للصوت الإلهي». وفي «ميرامار»، الكاشفة لتناقضات مجتمع ما بعد ثورة ١٩٥٢م، يبلغ صوت أم كلثوم مداه؛ فليلة غنائها تجمع الطبقات والأفراد وصوتها علامة عصر بأكمله ويصبح خلفية لحوارات الأبطال، كما أنه هو ظاهرة تنعكس عليها مواقف الشخصيات الرواية، وهذه براعة كاتب له خبرة بعالم الطرب(20).

وفي رواية «المرايا» يعود أفراد الشلة لتذكر مطربة كانت يومها جديدة واسمها أم كلثوم، فيقول سرور عبدالباقي: «سمعتها تغني في فرح وأعتقد أن صوتها أحلى من صوت منيرة المهدية، فكبر علينا ذلك، وقال جعفر خليل: «صوت منيرة يعلو ولا يعلو عليه وانتهره خليل زكي عديم الاهتمام وقال بوقاحته المعهودة لا تردد آراء أمك بيننا».

ويمتد حضور ثومة في قصص محفوظ كذلك، ففي مجموعة «الفجر» يتوقف بيومي أمام قصة بعنوان: «الميدان والمقهى». وفي «الباقي من الزمن ساعة» هناك نبرة ساخرة من أداء عبدالناصر تستعير عنوان لأغنية كلثومية هي «أسيبك للزمن» لتصبح «هاسيبك لليمن». وفي «الحب فوق هضبة الهرم» هناك تماهٍ بين حالة البطل وأغنية «أهل الهوى يا ليل».

الأسلوب المتأخر

يعود محفوظ إلى أم كلثوم في نصوصه التي أعقبت محاولة الاغتيال الفاشلة والتي نشرت تحت عنوان «أحلام فترة النقاهة»(21) ففي الحلم رقم (١٨٨) كتب: «رأيتني أسير مع الشيخ زكريا أحمد نحو هضبة مغطاة بخمائل الأزهار، وتقف في مركزها أم كلثوم ووفد أهل الفن: الحامولي وعثمان والمنيلاوي وعبدالحي حلمي وسيد درويش ومحمد عبدالوهاب ومنيرة المهدية وفتحية أحمد وليلى مراد، وغنت أم كلثوم قائلة: «سمعت صوتًا هاتفًا في السحر». وأخذت تكرره حتى ساد القلق بيننا، ثم أخذ صوتها ينخفض رويدًا رويدًا حتى تلاشى وغنت منيرة المهدية قائلة: «ليلة ما جه في المنتزه، يا دوب قعدنا والكأس في إيدنا، هف طلع النهار». وغنى سيد درويش «زوروني كل سنة مرة» وغنى الشيخ زكريا «يا عشرة الماضي الجميل، يا ريت تعودي»، أما أنا فتلوت الفاتحة.

وفي الحلم رقم ٣٥٨ ص ١١٢ يقول: «وجدتني في حفلة لأم كلثوم بصحبة الشيخ زكريا أحمد وقد بلغ الطرب منتهاه عندما غنت وتميل عليه وتقول له: «ليه طاوعتني»، وعند انتهاء الحفلة خرجت مع الشيخ زكريا نسير في شوارع القاهرة الفاطمية و«وتميل عليه وتقول له ليه» حتى وصلنا لحارة بيت القاضي حيث كان ينتظرنا طاجن كفتة وصينية بسبوسة». وفي الحلم رقم 394 هناك ذكر لواحدة من أغنياتها وهي «على بلد المحبوب ودّيني»(22).


هوامش:

(1) علي قطب: «الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ» (معجم ودراسة نقدية) مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية، القاهرة 2024م، ص35.

(2) جابر عصفور: «نجيب محفوظ الرمز والقيمة»، الدار المصرية اللبنانية 2010م، ص 14.

(3) رفاييل كورماك: «منتصف الليل في القاهرة» (نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة) ترجمة علاء الدين محمود، القاهرة، مكتبة كتب خان، طبعة 2024م، ص37.

(4) فتحي غانم: «الفن في حياتنا»، سلسلة الكتاب الذهبي، روز اليوسف، دون تاريخ، ص 33.

(5) فتحي غانم: «الفن في حياتنا»، سلسلة الكتاب الذهبي، روز اليوسف، دون تاريخ، ص 35.

(6) إلياس سحاب، «أم كلثوم، السيرة»، الناشر موسيقا الشرق، بيروت 2003م، ص 74، 75.

(7) إلياس سحاب، «أم كلثوم، السيرة»، الناشر موسيقا الشرق، بيروت 2003م، ص 80.

(8) إلياس سحاب، «أم كلثوم، السيرة»، الناشر موسيقا الشرق، بيروت 2003م، ص 79.

(9) رجاء النقاش: «نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأدبه»، طبعة دار الشروق 2011م، ص 45.

(10) «نجيب محفوظ يتذكر»، جمال الغيطاني، طبعة هيئة الكتاب ٢٠١٢م، ص ١٣٢.

(11) كمال النجمي: «الغناء المصري، مطربون ومستمعون»، دار الهلال 1983م، ص 5.

(12) رجاء النقاش: «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، طبعة دار الشروق، ٢٠١١م، ص ٢٣.

(13) رجاء النقاش: المرجع السابق، ص 17.

(14) رجاء النقاش: المرجع السابق، ص 17.

(15) رجاء النقاش: المرجع السابق، ص 96.

(16) رجاء النقاش: المرجع السابق، ص 96.

(17) مصطفى بيومي: «معجم أعلام نجيب محفوظ»، دار الأحمدي ١٩٩٧م، ص ٥٧.

(18) كمال النجمي: «الغناء المصري، مطربون ومستمعون»، دار الهلال، ص ١٩٨.

(19) مصطفى بيومي: «أم كلثوم في الأدب المصري»، دار الهدى، د ت، ص ١٢.

(20) علي قطب: المرجع السابق ـ ص 32.

(21) طبعة دار الشروق، القاهرة 2015م.

(22) «أحلام فترة النقاهة»، دار الشروق، ص 131.

محنة التقدم بين شرط الإلحاد وبين لاهوت التحرير

محنة التقدم بين شرط الإلحاد وبين لاهوت التحرير

هذه المقالة ليست، قصدًا، دفاعًا عن الدين، مثلما أنها ليست،‎ قصدًا، دفاعًا عن آمِر النهضة أو التقدم، أو مرافعةً مضادة ‎للإلحاد. فذاك كله لا يطلب عندي هذا القول بعينه. ومُحصّلُ‎ الأمر فيها هو أنها خطاب ينطق بوجه من وجوه مبدأ العدل، وإبانة‎ عن خلل معرفي في مركب المثقف العربي التنويري الضارب في ‎«الحداثة المتأخرة».

‎ شطحات العقل المأزوم

نشكو منذ أدهر قريبة، وبعضها بعيد، من‎ عللٍ شتى، ونطلب‎ شيئًا اسمه النهضة، زعم بعضهم، ممن هم على شاكلة الروائي ‎واسيني الأعرج، أنها مستحيلة! أما المتفائلون فعلّقوها على‎ الحداثة والتنوير، ووقفوا من ذلك عند مبادئ «عاقلة»، كالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، وغير ذلك من‎ القيم التي تُعزى، بدقة أو بخفة أو بتوهم، إلى التنوير والحداثة، ‎وذلك في غياب تام للمقاربة وللفهم النقديين، وفي استقالة‎ مطلقة قبالة قيم الغرب الليبرالي. وفي الأحوال‎ التي تجذرت فيها (الاستقالة) لدى النخب الثقافية بدا ‎كأن المشهد يفضح حالة (خصاء منهجي) تكشف في ثلة من الأوضاع -الحدية- القطيعة مع التراث‎ التاريخي (عبدالله العروي)، نقد التراث (عصابة ‎تکوين)، تجديد الخطاب الديني، وامتهان المدونة الحديثة والفقهية (إسلام البحيري)، تحقير وسب المقدمات والرموز الإسلامية (يوسف زيدان)، التنكر والامتهان للقضايا القومية الصميمية، وبوجه خاص للقضية الفلسطينية (إبراهيم عيسى والميديا/ الغوغائية المتواطئة)، الجراءة المسرفة في الجهر الفج بالإلحاد وتحقير عقائد المؤمنين (فراس السواح، الذي عرج إلى السماء وتحقق بأم عينه من أنه لا وجود للجنة وللنار!)، وزعم مغالطيّ جانح أن «الإلحاد شرط للنهضة» (أدونيس وآخرون).

واسيني الأعرج

هذه القضية الأخيرة تهمني. لا لأنها صادرة بشكل صادم عن شاعر ناقِم ينتحل لنفسه، بقدرة قادر، نعت «المفكر»، وإنما لأن مثقفين كثرًا، عربًا، تتلبسهم اللوثة نفسها. وقد أزعم أن الذي يغلب على مثقفي «الحداثة الراديكالية» أنهم ينتحلون هذا المذهب، لكن لم يذهب الهوى بأي منهم إلى أن يطلق هذه «المغالطة»، بِسفهٍ منقطع النظير، في أرض كانت منذ البدء مبدأ لأعظم تقدم تاريخي، وكان «فعل الإيمان» لا/ ارتكاسه الإلحاد، هو حاكم هذا التقدم.

بالطبع، ليس علينا أن نلقي بالًا لمثل هذه القضية حين ينطق بها شاعر؛ لأنها، بما هي قضية أنطولوجية- عُمرانية، تتجاوز أفق الشاعر وكينونته، لكن يتعين أن يكون لنا فيها شأن آخر إذا ما تمثلناها خارج حدود شطحات العقل المأزوم، وقدّرنا أنه يراد لها أن تكون قاعدة من قواعد الحداثة والتنوير والواقع.

‎والحقيقة هي أن جميع الذاهبين، في سؤال النهضة، هذا المذهب، يعوّلون في تسويغ المذهب على واقعتَيِ الحداثة والتنوير. لكن الذي يغلب على هؤلاء هو أن المعاني الحقيقية للحداثة والتنوير تظل غائبةً، قصدًا أو قصورًا، عن مدى مداركهم. كما أن جنوحهم إلى الاستمتاع اللّاذّ والاستفزاز القبيح بمديح الإلحاد في ذاته، «نكايةً» في المؤمنين، يخفي عيوبًا قد تكون عند بعضهم تكوينيةً أو «جِينية».

وبدءًا، ما الإلحاد؟ بكل بساطة ووضوح هو، فلسفيًّا، إنكار وجود «علة شخصية» فاعلة، مستقلة عن العالم، عاقلة، مبدعة أو خالقة لهذا العالم. حين تكون هذه العلة «مُفارِقة»، أي ليست هي العالم، تكون في حدود: «فلسفة في الخلق»، وحين تكون هذه العلة «محايثة» أو «باطنة» في العالم تكون في حدود فلسفة في «وحدة الوجود»، مباينة كل المباينة لمبدأ الخلق، أي الخلق من العدم، ونكون في الآن نفسه خارج حدود ديانات الوحي، التي تعلّق «الإيمان» على عقيدة الخلق أو الإبداع لا على عقيدة المحايثة ووحدة الوجود. وذلك يعني أن «فعل الإيمان» الديني الذي هو النقيض الجذري للإلحاد، يستند إلى مبدأ تعليق وجود العالم على إرادة «شخصية» مفارقة، عاقلة، فاعلة، خالقة، لها بالإنسان علاقة. حين تتدخل هذه العلة المفارقة في العالم المباشر، الشاهد، أي بالإنسان، يتبلور الدين بما هو «طريق للحياة».

عبدالله العروي

في تجربتنا التاريخية لهذه الطريق، نشهد أشكالًا متباينة تتشخص في الخيار العملي الأخلاقي، أي في مقولة الفعل. أبرز هذه الأشكال اثنان. طريق أول هو طريق الفعل والتدخل والصنع والنذير، وطريق ثانٍ هو الطريق الارتكاسيّ، الانفعاليّ، السلبي، القابل، الذاتيّ، السكونيّ. الأول فاعل صانع مبدع، الثاني منفعل سكونيّ. الأول عقليّ وعمليّ منخرط في العالم، الثاني صوفيّ منحصر في الذات، ارتكاسيّ. يتبلور الأول في شكل إيجابيّ فاعل للدين، ويتشخص الثاني في شكل للدين سالب، طارد، انعزالي «ميثيّ». في حدود هذا الاستقطاب يتعين وضع معنى الدين ودلالته وقيمته في سؤال النهضة والتقدم، وفي فصل القول في التمييز بين الدين بما هو حافز على النهضة والتقدم، وبين الدين بما هو مضاد للنهضة والتقدم. في حدود هذه الإبانة ينبغي معاينة دعوى الإلحاد بما هي شرط للنهضة أو التقدم.

وذلك لا يتحقق، أولًا، إلا بالاحتكام إلى المعطيات الوضعية التاريخية، لا الأهواء والخيارات أو التفضيلات «القَبْلية». ولأن هذه الدعوى أُطلِقت في حدود الفضاءات العربية التي يحتل فيها الدين، دين الاسلام على وجه الخصوص، مكانة مركزية، فإن التحقق من قيمتها ودلالتها محكومان قطعًا بمعاينتها في حدود التجربة التاريخية لهذا الدين وفي المنطوق النظري والعملي له.

التجربة التاريخية للدين

واقع الحال هو أن التجربة التاريخية العربية- الإسلامية لا تحمل في هذا الشأن الدلالات نفسها؛ إذ هي تتقلّب بين أشكال متعددة من التشخص النظريّ والعمليّ. في مبدأ هذا التقلّب وفي الوضع التأسيسيّ للدين، وفي التمظهرات العملية له، مثَّل الدين، دين الإسلام، انقلابًا جذريًّا في الوجود العربي في التاريخ وفي التقدم العربي والتحول من الحالة القبلية الأسطورية إلى الحالة الإنسانية العالِمة، حالة الأُمة والحضارة. كان ذلك «تدخلًا» فاعلًا صانعًا مبدعًا. لم يكن مجرد حشد من المعتقدات التعبدية والروحانية الخالصة، وإنما كان «لاهوت تحرير» إنساني شامل انطوى معنى الألوهية فيه لا على خالص الحياة الروحية المعلقة في فضاء الميتافيزيقا للصوفية المتمترسة في أحوال المؤمن الذاتية الخلاصية، وإنما على عملية «غزو حضاريّ» وتحرير من أوهام الوثنية والأهواء والخرافة والسلطات الزائفة، أي نزع غلائل السحر عن العالم وبناء نظام العلم والعقل والقانون والإبداع والخلق والفعل والحرية، أي تفجير الطاقات النظرية والعملية للمؤمنين الجدد، وإعداد هؤلاء المؤمنين لبناء عالم حضاريّ جديد مثّل غزوًا روحيًّا وماديًّا وتمدينيًّا كونيًّا وأدرك مداه في العصر العباسي الثاني مرسلًا وجوهه وظلاله إلى جميع العوالم التي عرفها الكون المعمور. كانت العلوم النظرية والوضعية، والفنون والصنائع، والآداب، وفنون الحياة الجميلة المفيدة والفتوحات، بعض مظاهر التقدم العظيم الذي تحقق في حدود المشروع الديني التأسيسي الذي خرج من أعطاف «لاهوت التحرير».

بيد أن الوضع التأسيسي للدين وامتداداته في التجربة التاريخية وفي التفاعلات والاختلالات والتدافعات الداخلية والخارجية والمسَتصْعَبات العمرانية، قد انتهى في واقعه الأعم إلى تمثّلات للدين مضادة للإبداع والفعل والحرية. وهذه التمثلات هي التي تحكم في زمننا الحديث «الوضع الديني» وحالة «فعل الإيمان» وتمظهر الدين بما هو «أيديولوجيا ميثّية» فاقدة للحياة والإبداع والفعل.. بل واقعة في «رؤية سحرية» يتمظهر فيها الدين بما هو نشاط تعبدي شكلاني طارد يستكين فيه المؤمن إلى المهانة والاستبداد والذل وغياب الكرامة والنبل، ولا يطلب إلا الفوز بحُسْنيَيِ النفع الدنيوي والجنة. بذلك كفّ الدين عن أن يكون مبدأ حرية وتحرر من القيود والأوضاع التي خرج عليها في مبدأ زمنه التأسيسي؛ أي أنه كفّ عن أن يكون «لاهوت تحرير».

أدونيس

بالطبع ذلك لا يعني أن هذا الوضع مطلق قطعيّ؛ لأن ثمة ما ينبئ أو ما يُبين عن أن خروجًا عليه ينجم وأن اختراقات له تحدث هنا أو هناك. والذي أذهب إليه في هذا الشأن هو أن العالم العربي بات مسكونًا بقدر عظيم من الأهواء والأوهام، وأن مقالات الأنظمة «الكلامية» التقليدية والاجتماعية والسياسية الظافرة عززت الفلسفة التاريخية الضاربة بعمق في الجمود على الموجود والمستغرقة في الفعل والطاعة المضادين للتغيير والتقدم.

هذه الحالة التي وقف نظري عندها هي التي تسوّغ لمن ينتحلون «الحداثة المتأخرة»، وربما الحداثة بإطلاق، أن يتعلقوا بالاعتقاد بأن الدين مناهض للتقدم أو بأن الإلحاد شرط للنهضة، وبأن النهضة مستحيلة أو غير ممكنة في فضاء الإيمان، وأن الحداثة والتنوير تقضيان باختيار الخروج من الإيمان وتمثّل الإلحاد للنهوض والتقدم.

مغالطة صريحة

إن التمييز الذي انطوت عليه عروضي السابقة بين الدين بما هو «لاهوت تحرير» وبين الدين بما هو أيديولوجيا «ميثية»، سكونية، سالبة، سحرية، عدمية، يشي بوضوح بأن مقالة الإلحاد، بما هو شرط للتقدم، لا تستقيم إلا في حدود تصورات سالبة عدمية للدين لا في حدود الدين بما هو لاهوت تحرير. ومعنى ذلك أن الزعم بأن الإلحاد شرط للتقدم ينطوي على مغالطة صريحة. هنا يتعين وضع السؤال التالي: ما الذي، في طبيعة الإلحاد، يسوّغ الزعم بأن الإلحاد شرط للتقدم أو للنهضة؟ بالطبع، يمكن القول: إن الإلحاد ينطوي أساسًا على موقف دُنْيويّ، أي على رؤية تحصر وجود الإنسان بواقعه الزمنيّ المباشر، الواقع العابر الزائل الذي لا يملك المرء شيئًا آخر سواه، وليس أمامه إلا ما يمكن لهذا الواقع أن يقدمه من معاني الرضا والسعادة والاكتفاء والمتعة الذاتية الخالصة التي يمكن أن تحفز على الفعل والإنجاز والإثمار والتحسين الدنيوي الخاص، أي أن الإلحاد يقترن اقترانًا عضويًّا بمبدأ اللذة الأبيقوريّ، وهو مبدأ ذاتي فرداني يطلب سعادة الفرد وخلاصه، لا سعادة المجتمع أو الوطن.

فراس السواح

أي أنه، من هذه الجهة، لا يطلب «تقدمًا اجتماعيًّا» أو «نهضة» شاملة، وإنما هو يطلب «تقدمًا ذاتيًّا». وبهذا المعنى هو لن يكون مبدأ لما جرينا على أن ننعته بالنهضة أو التقدم، وإنما هو مبدأ للسعادة الدنيوية الذاتية الخالصة. وأعظم من ذلك وأجلّ أن التقدم أو النهضة أو الإصلاح معانٍ ومواقف وأفعال، وكل ذلك يطلب الإقدام والتعلق بمبدأ إنكار الذات والجنوح العميق، بل الجذري، إلى «التضحية». وليس قبول هذه الغائبة مما يمكن القول: إنه ميزة من مزايا الشخص الملحد، على الوجه الأغلبي العمومي. والحقيقة هي أنه إذا أقدم هذا الشخص الملحد أو ذاك على «فعل تضحية» -وذلك ما تشهد به أحوال كثيرة- فإن معنى الإلحاد هنا لن يكون هو المعنى الذي يثوي خلف هذا الفعل، وإنما معنى آخر يمكن تفسيره في فضاء الكينونة العميقة لذات الفاعل.

لكن هذه الإبانة تطلب إبانة أخرى ترد الزعم بأن الإلحاد شرط للتقدم أو للنهضة؛ ذلك أن هذه الدعوى تنطوي، عند الآخذين بها، على الاعتقاد بأن الإلحاد شرط للنهضة، وأنها تتموضع في موقف يقيم صاحبه علاقة ضرورية بين النهضة المشروطة بالإلحاد وبين واقعتي التنوير والحداثة. فهي قضية تستقي مشروعيتها، عند الآخذين بها، من أنها وجه رئيس من وجوه التنوير والحداثة، وفلسفة التنوير هي التي يعتقد أصحاب هذه القضية أنها تؤسس الأطروحة. والتنويريون الحداثيون الراديكاليون هم الذين يطلقون أقاويل من هذا الضرب. لكن هل التنوير والحداثة يفرضان أو يفترضان فعلًا أو حقًّا هذه الأطروحة؟ لننظر ما التنوير؟ وما الحداثة؟

خروج الإنسان من قصوره

في حدود «تاريخ الأفكار» استقر القول على أن الحد الذي وضعه (إيمانويل كانط) للتنوير هو الحد المطابق للمصطلح. والتنوير في تحديد (كانط) هو «خروج الإنسان من قصوره الراجع إليه هو ذاته»، أي القصور الذي هو، أي الانسان، المسؤول عنه. والقصور هو عدم قدرة المرء على استخدام عقله دون قيادة العقل له. وإذا لم يكن سببه غياب العقل فإنه سيكون راجعًا إلى غياب العزم والجرأة في استخدامه دون قيادة الآخرين، أي أن مَرَدَّ ذلك كله إلى الكسل والجبن وغياب الجرأة والانقياد إلى سلطة خارجية والاستسلام إلى قيود تعزز القصور الدائم. لكن التنوير الذاتي والخروج من القصور ممكنان، بل إنهما مُحَتمّان إذا كان المرء متمتعًا بالحرية، يفكر اعتمادًا على نفسه لا على أوصياء عليه. والحرية الضرورية هنا، القمينة بتحقيق إصلاح حقيقي هي «الحرية الأقل ضررًا»، وهي استعمال العقل في كل الميادين بروية ودون الخضوع إلى «الطاعة» المقيدة للحرية؛ لأن تقييد الحرية يعوق التقدم في التنوير (كتابي: «معنى الأشياء»).

إيمانويل كانط

ومُحَصّل الأمر في معنى التنوير هو أنه يتقوّم بثلاثة مبادئ أساسية: العقل والاستقلال الذاتي والحرية. هذا هو الوجه الحقيقي للتنوير. لا شيء من هذه المبادئ الثلاثة يفرض القول بالإلحاد. لا العقل، ضرورةً، ولا الاستقلال الذاتي فعلًا، ولا الحرية إطلاقًا؛ إذ كل مبدأ من هذه المبادئ يفتح بواباته على الإيمان، مثلما يفتحها على اللاأدرية، أو على الإنكار، وذلك في حدود المعطيات الذاتية أو الشخصية لذات الإنسان الذاهبة إلى الإيمان أو إلى غير ذلك. وفي حدود هذه المطالعة يتعين علينا أن نُنَبِّه على أن فيلسوف التنوير، (كانط)، كان مؤمنًا ولم يكن ملحدًا، أي أن «العقل المستنير» قاده إلى الإيمان لا إلى الإلحاد.

صحيح أن «العقل النظري» لم يساعده على إدراك يقين الإيمان، لكن «العقل العملي»، زوّده بهذا اليقين وأنار له وجه الحق في المسألة. ومُحَصّل ذلك أن التنوير، وفقًا لعناصره الجوهرية، لا شأن له بالإلحاد جوهريًّا وعلائقيًّا وضرورةً. ويتبع ذلك التسليم بأن تعليق النهضة أو التقدم على الإلحاد هو دعوى هوائية زائفة.

لكن قد يقال: إن «الحداثة» نفسها، لا مطلق التنوير، هي التي تفرض هذه الدعوى وتشهد بها. فهل الحداثة تفرض حقًّا مثل هذه الدعوى؟

مفاتيح الحداثة التسعة

الأقوال في الحداثة كثيرة لا عد لها ولا حصر. وكلٌّ فيها يغني على ليلاه! لكن القول الفصل فيها، القول الذي يمكن اعتماده والموثوق به، هو القول الذي أبان عن حدوده الأستاذ الفيلسوف (جان- مارك بْيُوْت) في كتابه «مفاتيح الحداثة التسعة». والمفاتيح التي أبان عنها وفصّل القول فيها هي: الحرية الفردية، المساواة بين الأفراد، العقل في خدمة الهوى، أسبقية أو أولية العمل على الحكمة، والنبل على الدعاء (الصلاة)، أولية الحب على الإنجاب، أولية السوق على الجماعة، الديمقراطية التمثيلية نموذجًا جديدًا للنظام السياسي، أولية الأمة على الدين، الدين قضية شخصية. لا شيء من أي من هذه المفاتيح ينطوي من قريب أو بعيد على معنى الإلحاد. أي أن الحداثة نفسها غير ذات صلة جوهرية بواقعة الإلحاد.

جان مارك بيوت

وقصارى ما يمكن الوقوف منها على أمر ذي علاقة بالإلحاد وبالإيمان هو تقديم الدنيوي على الديني، وردّ الدينيّ إلى حدود الفضاء الشخصيّ أي إلى العلمانية، لكن العلمانية في ذاتها -وبما هي استقلال للعقل الإنساني في وضع النظم والشرائع الاجتماعية والسياسية، وإقامةُ علاقة فصل أو حياد بين الدين والدولة ومؤسساتها القانونية- لا تعني إطلاقًا الإلحاد بما هو إنكار للألوهية والدين. ثمة بكل تأكيد علمانيون فاقدون للإيمان، لكنْ ثمة أيضًا علمانيون مؤمنون، لكن تمثّلهم للإيمان يظل تمثلًا شخصيًّا ولا يتجاوز ذلك إلى التدخل في طبيعة النظم السياسية والاجتماعية والتشريعية للدولة.

ومُحَصّل القول هنا هو أن الحداثة لا تطلب، إثباتًا أو نفيًا، هذا المعنى أو هذا الموقف الذي هو الإلحاد. من أين تأتي إذن الدعوى العريضة، المغالِطة، دعوى تعليق النهضة أو التقدم على ضرورة الإلحاد؟ هي ليست، في حقيقة الأمر، دعوى عقلية- ميتافيزيقية أو فلسفية أو عُمرانية- وهي ليست دعوى مؤسسة على حس نقدي وضعي، أو على محاكمة منطقية ذات علاقة بالواقع الشاخص. وتعليقُها على التنوير وعلى الحداثة محض تضليل وخداع. وكذلك هي ليست تمثلًا ضاربًا في العلمانية الغربية نفسها أو في مطلق التحليل العلمي.

هي، وفقًا لتعبير (أرسطو) القديم، لكن السديد، «قول شعري». و«القول الشعري» في طبيعته، «قول كاذب»، «استِهامِيّ» وهوائيّ. وإذا كان ينبه على شيء ذي بال، فإنه ينبه على أنه لا ينبغي للشعراء والروائيين وأضرابهم أن يتحولوا، بأهوائهم وأوهامهم واستيهاماتهم، إلى مفكرين وفلاسفة، ويخوضوا في قضايا تعجز أحلامهم ومداركهم عن رؤيتها بوضوح وحكمة ونزاهة وحُسْن طوية.

مونتريال 24/8/2024م

عن قتل تشارلز ديكنز

عن قتل تشارلز ديكنز

عشت الثلاثين عامًا الأولى من حياتي ضمن نصف قطر بطول ميل واحدٍ من محطة ويلسدن غرين تيوب. صحيح أني ذهبت إلى الكلية -حتى إني انتقلت نحو شرق لندن لبعض الوقت- لكن مثل هذه الفترات الفاصلة كانت قصيرة. عدت سريعًا إلى ركني الصغير في شمال غرب لندن. ثم فجأة، على عجلٍ تمامًا لم أغادر المدينة فقط، بل إنجلترا ذاتها. أولًا إلى روما، فبوسطن، ثم نيويورك الحبيبة حيث أقمت عشر سنوات.

عندما كان الأصدقاء يسألون عن سبب مغادرتي البلاد كنت أجيب مازحة أحيانًا: لعدم رغبتي في كتابة رواية تاريخية. ربما كانت مزحة خاصة: لا يفهم ما قصدت بها حقًّا إلا روائيين إنجليزيين آخرين. وكان هناك أسباب أخرى أكثر وضوحًا. توفي والدي الإنجليزي. كانت أمي الجامايكية تعيش قصة حب في غانا. أنا نفسي كنت قد تزوجت من شاعر أيرلندي أحب السفر والمغامرة، وغادر جزيرة مولده في عمر الثامنة عشرة. بدا أن الأواصر التي تربطني مع إنجلترا تتلاشى. ما كنت لأقول إني متعبة كليًّا من لندن. لا، لم أكن بعد «متعبة من الحياة»، بحسب صياغة صموئيل جونسون الشهيرة. لكن كنت قطعًا ضجرةً من عالم لندن الأدبي المغلق، أو على الأقل من الدور الذي كان موكلًا إليّ: طفلة عبقرية (تكبر) متعددة الثقافات. فرحلت.

فكَّرنا في العودة مثل الكثير من المغتربين. الكثير من العوامل أبقتنا في الخارج، ليس أقلها صعوبة وجود طفلة والجذور التي تمدها سريعًا. مع ذلك، كنا نستسلم دوريًّا لنوبات النَّدم والنوستالجيا، كاتبان تقلقهما فكرة كونهما سافرا بعيدًا جدًّا من مصدر كتابتهما. في النهاية، قد يكون اقتلاع الكاتب من جذوره قاتلًا… أحيانًا؛ كي نمنح أنفسنا شعورًا أفضل، كنا نستحضر الحالة المعاكسة. كنا نقول لأنفسنا: خذ على سبيل المثال الكتاب الأيرلنديين- خذ بيكيت وجويس. انظر أيضًا: أدنا أوبرين. انظر أيضًا: كولوم وكولم (Colum and Colm). ألم يكتبوا جميعًا عن الوطن وهم يعيشون بعيدًا منه مسافات طويلة؟ ثم قد يزحف الشك ثانية. (لأن الأيرلندي يشكِّل دومًا حالة استثنائية). ماذا عن الكتَّاب الفرنسيين؟ الكاريبيين؟ الأفارقة؟ هنا بدت المعطيات أقل إقناعًا.

بقيت سحابة كل هذا الالتباس متشبثة بواحد من المعطيات الذي شعرت إزاءه باليقين: أي كاتبة تعيش في إنجلترا لأي مدة من الزمن سوف تجد نفسها عاجلًا أم آجلًا تكتب رواية تاريخية، سواء رغبت في ذلك أم لم ترغب. ما السبب؟ أحيانًا أفكر أن الأمر عائد لكون حلقة النوستالجيا خاصّتنا صغيرة جدًّا- محكمة جدًّا. هناك على سبيل المثال في إنجلترا الآن أشخاص يمكنهم حمل أنفسهم على ذرف دموع مدرارة، على ذكرى فرقة سبايس غيرلز أو الميني ديسك (أقراص مدمجة صغيرة) أو أكشاك الهواتف -لا يستغرق الكثيرَ من الوقت- وهذا لا بد أن يكون له أثر في ثقافتنا الأدبية.

أن تكتب رواية تاريخية

يميل الفرنسيون لفهم مصطلح «رواية حديثة» حرفيًّا. في هذه الأثناء، يبدو لي الإنجليزي مفتونًا بالماضي بقوة شديدة. حتى «ميدل مارش» رواية تاريخية! وبرغم أني إنجليزية للغاية أنا بنفسي، احتفظت بتحيز ضد الشكل، منذ أيام الدراسة، عندما كنا ميالين للتفكير في الروايات التاريخية على أنها محافظة سياسيًّا وجماليًّا بالتعريف. إذا ما تناولت رواية ووجدت أنه من الممكن أن تكون قد كتبت في أي وقت خلال المئة سنة الأخيرة، حسنًا، إذن، تلك الرواية لا تؤدي تمامًا عملها الموصوف ذاتيًّا، أليس كذلك؟ لا بد أن موضوع حداثة الرواية يكمن في صلب تكوينها؟ لطالما فكرت بهذه الطريقة. لكن مع الوقت تعرض المنطق الخادع لهذه المحاججات الطلابية لبعض الضغط، ولا سيما بعد أن قرأت أمثلة مؤثرة من النوع الأدبي. «مذكرات هادريان»، لمارغريت يورسنار، ليست مكتوبة باللاتينية، و«قياس العالم»، لصديقي دانيل كيلمان، ليست بالألمانية القديمة. حتى لغة «ولف هول» لا تمت بِصِلة إلى نحو تودور الحقيقي إلا قليلًا: إنها لغة «مانتلية» بالكامل (نسبة إلى الكاتبة البريطانية هيلاري مانتل‏). تقدم الروايات الثلاث جميعًا أشياء جديدة.

مارغريت يورسنار

ليس كلُّ أدب تاريخي يتَّخذ من عصره حلَّة له، واستكشاف الماضي لا يحتاج أن يكون تقليدًا صاغرًا له. يمكنك أن تقارب الماضي من زاوية استفهامية، أو محو بارع، وبعض الأدب التاريخي سوف يغير منظورك جذريًّا، ليس فقط عن الماضي لكن عن الحاضر. بالطَّبع، هذه أفكار واضحة لمن يمتد إعجابهم بالأدب التاريخي على فترة طويلة من الزمن، لكنها كانت جديدة بالنسبة لي. وضَّحت رفضي الأيديولوجي، الذي كان محظوظًا -وذاتي الخدمة- لأني نحو عام 2012م تعثَّرت بقصَّة من القرن التاسع عشر، فعرفت في الحال أنها تلائم ذوقي واهتماماتي.  تناولت خصومة عام 1873م -من بين أطول الخصومات في التاريخ البريطاني- الذي ادعى فيها آرثر أورتون وهو جزار من وابينغ أنه السِّر روجر تيتشبورن، وارث عزبة تيتشبورن-داوتي المفقود منذ زمن طويل الذي يفترض أنه غرق. كانت ورطة المدعي تيتشبورن كما صار يعرف، قضية مشهورة في زمنها، ليس أقله لأن شاهد المدعي الرئيسي والمدافع الجريء تبين أنه عبد سابق جامايكي يدعى أندرو بوجل، الذي عمل لصالح تيتشبورن وأصر أنه تعرف إلى السر روجر. الآن، قد يخيل للمرء أن شهادة المحكمة من جانب رجل أسود فقير عام 1873م قد تكون قوبلت بتشكيك عام، لكن الجمهور البريطاني -مثل ابن عمه الجمهور الأميركي- مفعم بالمفاجآت، ولكونه قد رأى الكثير من المتهمين من الطبقة العاملة أسيئت معاملتهم من جانب هيئات المحلفين البرجوازية، ومحامين متخرجين من كلية إيتون المرموقة، وقضاة أرستقراطيين، كان الجمهور مستعدًّا إلى درجة كبيرة لدعم ادّعاء رجل فقير بأنه غني. ملأت حشود هائلة قاعة المحكمة توَّاقة لترى واحدًا من لدنهم يفوز ولو لمرة واحدة. (ربما عاطفة منحرفة لكنها عاطفة يمكن للمرء أن يميزها من محاكمة أو. جي). أصبح بوجل وجزاره بطلين قوميين.

صعقتني القصَّة الاستثنائية كما يمكن للقية فنية أن تفعل: مثالية لأغراضي. واحدة من منح الكون تلك التي يحصل عليها الكاتب لمرة واحدة في العمر. لكن مرَّت ثماني سنوات قبل جلوسي أخيرًا إلى مكتبي لفضِّها. في هذه الأثناء، فعلت كلَّ ما بوسعي لتجنب كتابة روايتي التاريخية. بقيت في أميركا بعيدة من المكتبات البريطانية ومن سجلات المحاكم. أنجبنا طفلًا آخر. ألَّفت أربعة كتب أخرى. لكن في أثناء هذا كله واصلت ترصُّد الموضوع بطريقة لا مبالية، كما تفعل امرأة متوترة على تطبيق المواعدة، فلا تنقر بشكل صحيح تمامًا مطلقًا. كنت أقرأ بعض الكتب التاريخية، أُدَوِّن بعض الملاحظات، أقلق، أعيد الفكرة إلى الدُّرج. مع ذلك لم أرغب في كتابة رواية تاريخية.

خفت من كمية العمل المطلوب. لم يتخفف هذا القلق بمشاهدة جاري المذكور آنفًا في نيويورك -دانيل كيلمان- وهو يقرأ ما يتوجَّب عليه من كتب من أجل كتابة رواية تاريخية أخرى، «تول» التي تدور أحداثها في ألمانيا خلال حرب الثلاثين عامًا. لقد فعل ذلك في ملعب جامعة نيويورك، في أثناء لعب طفله مع طفلينا. وعلى مقاعد الحديقة. وفي المكتبات. بدا أنه يفعل ليل نهار لمدة خمس سنوات تقريبًا. كلما سألته عن كيفية سير الأمور، كان يقول: إن الأمر منهك، وإنه أصعب ما فعله في حياته على الإطلاق: «مثل العمل الذي يتطلبه الحصول على درجة الدكتوراه وكتابة رواية في الوقت نفسه. الكثير من الملاحظات!».

لم يعجبني صدى ذلك. بشكل عام، أنا لا أدوّن ملاحظات. أجلس. أكتب رواية. لكن فعلًا هذه الـ لا رواية التي كنت أرفض كتابتها قد ولَّدت درجًا مليئًا بالملاحظات ورفًا من الكتب. قلت لنفسي: أيام دراستي انتهت. إذا سمحت بحدوث هذا فسوف يعبث بغرائزك الأطول نفسًا وأكثرها ديكنزية. بالفعل بدا أني كلما سحبت خيطًا من قصة تيتشبورن قادني إلى قماش وثير آخر أيضًا من حياة القرن التاسع عشر، مما توجب قراءة المزيد من الكتب وتدوين مجلد آخر من الملاحظات. كنت بالفعل مملة بحق في بيتي: «هل تعلم أنه في عام 1848…» قلت لنفسي: زيدي، رواياتك طويلة بما فيه الكفاية عندما تدور حول لا شيء! ماذا سيحدث عندما تتضمن حقائق واقعية؟ ابتعدي، سميث، ابتعدي!

تأثير ديكنز

كان الظِّل الطويل لديكنز مصلتًا فوق كلِّ هذا القلق. أن أكون في مثل سني، ومولعة بالكتب، ومولودة في إنجلترا، عنى أن أترعرع تحت ذلك التأثير الهائل بشكل متعب. كان ديكنز في كلِّ مكان. في المدرسة وعلى الرفوف في البيت وفي المكتبة. لقد ابتكر الكريسماس. كان في السياسة، مؤثرًا في إحداث التغييرات في قانون العمل، وقانون التعليم، حتى قانون حقوق الطبع والنشر. كان بطل الطبقة العاملة الأصلي -رمزًا مشرقًا لجدارتنا المفترضة- إضافة إلى واسطة عقد لصناعة سياحة الإرث الإنجليزي. (بتعبير آخر، جرى التلاعب به بعد وفاته من جانب الكثير من الفروع المختلفة للمجتمع البريطاني لتسجيل تشكيلة من النقاط السياسية). كان أيضًا حيثما أردت أن أكون: في المسرح، في إيطاليا، في أميركا. كانت نُسَخ متلفزة من كتبه تتعاقب -ينبغي القول: إن ديكنز وراء امتلاكنا لمسلسلات تلفزيونية قصيرة ذات شأن في المقام الأول- وكان في الدمى المتحركة (Muppets) اللعينة وفي شتى أرجاء هوليوود، في الاقتباس الواعي والسرقة غير الواعية.

أنا شخصيًّا قرأت كثيرًا جدًّا عنه عندما كنت طفلة، ولو أني تربيت لتكون عندي جميع الشُّكوك الاعتيادية والتحذيرات حوله -عاطفي للغاية، متكلف للغاية، متزمت للغاية، متحكم للغاية- لم أكن يومًا أيضًا قادرة على الخروج تمامًا من تحت تأثيره المحرج، بالقدر نفسه الذي أردته غالبًا. هذا ما جرى مع بحثي السِّريّ. أينما اتجهت في لندن القرن التاسع عشر، كنت ألتقي ديكنز. في الفصول الرئيسية، في الفهرس، في الجمل الاعتراضية أو خارجها، كل الطرق أدت إلى تشارلز. لم يبدُ أن هناك قدرًا من القرن التاسع عشر لم يضع إصبعه فيه.

قد أكون منصرفة إلى ما يخصني وأقرأ، لنقل، عن انتفاضة في جامايكا، وفجأة ها هو ذا ثانية، يوقع عريضة عن المسألة. قد أكون أقرأ عن كاتب رحل منذ زمن طويل ومنسي، ويليام هاريسون إينسورث -قاطن في حيي- وقد يكون ديكنز هناك، يصادقه. قد أقرأ كتابًا عن العبودية الأميركية وأكتشفه في الحواشي! عند تلك المرحلة كنت أجد نفسي أقول: أوه، مرحبًا، تشارلز، مثل شخص مجنون بالفعل. ثم جاء الإغلاق العام، وأصابني بعض الجنون كما أصاب الجميع. تصيدت كلَّ رواية نفدت طبعتها لوليام هاريسون إينسورث (كتب أكثر من أربعين رواية، وهي رهيبة في معظمها). أصبحت مهتمة باطراد بمدبرة منزل ويليام، وهي امرأة تدعى إليزا توشيه. أصبحت مهووسة بالمزرعة التي كان أندرو بوجل مستعبدًا فيها -عزبة هوب (الأمل)- والاشتباك الطويل والوحشي بين إنجلترا وجامايكا. قرأت كتبًا عدة عن المدعي تيتشبورن (Tichborne Claimant) وفكرت كثيرًا باحتيال: هويات زائفة، أخبار زائفة، علاقات زائفة، تواريخ زائفة. عندما حاولت أن أشرح لأي شخص ما تشترك فيه جميع هذه المواضيع، لم أبدُ مثل من يكتب رواية تاريخية بقدر ما بدوت مثل من ضيَّع الحكاية كليًّا. أو ربما: من أعاد اكتشاف الحكاية.

 

حقيقة أغرب من الأدب

سميت روايتي «الاحتيال». من ثم، في مايو 2020م، تمامًا عندما وضعت إصبعي أخيرًا على لوحة المفاتيح، عدنا إلى إنجلترا، في الوقت المناسب لننضم للإغلاق البريطاني العام. لما لم يكن لدي ما أفعله ولا أي مكان أذهب إليه، رحت في نزهتي العادية عبر الشوارع مثل أمثالي البريطانيين، لكن مع فرق صغير أن عينيّ دومًا ظلتا فوق مستوى المتاجر: مدربة عاليًا نحو الأفاريز والطنف والمداخن. نحو القرن التاسع عشر، بتعبير آخر، الذي هو في كل مكان في شمال غرب لندن، ما إن تبدأ بالنظر. بدأت أرتاد المقابر المحلية. وجدت قبر ويليام إينسورث وقبر إليزا توشيه، وأمكنني العثور على الخريطة، على قبر الفقير غير المعروف تيتشبورن، إضافة إلى ركن صليب الملك حيث لفظ بوجل أنفاسه الأخيرة.

كان عام 2020م في الخارج لكن 1870م في رأسي. أذعنت تمامًا بفاعلية: كنت في إنجلترا وكنت أكتب رواية تاريخية. استقر تكبري الآن على مبدأ واحد: ما من ديكنز. هذا عنى أقل ما يمكن، أنه ما من يتامى، ما من وصوفات ديكنزية مسهبة، وقطعًا ما من نساء وضيعات باسم السيدة سبايتلي، أو جبناء يحملون اسم السيد فيرفينت، أو غير ذلك. لأضمن هذا حرصت على عدم إعادة قراءة ديكنز، وفيما عدا هذه الظهورات المتكررة في موادي البحثية، بذلت جهدي لإخراج الرجل من عقلي. لكنّ واحدًا من دروس كتابة الأدب هو أن الحقيقة أغرب منه. واقعة أن امرأة حقيقية كنت أكتب عنها كانت تدعى إليزا توشيه -وأن هذه المرأة نفسها كانت آخذة بالتفتح في عقلي، إلى أن قزَّمت جميع الشخصيات الأخرى- عنى أنه كان عليَّ الآن مواجهة استشراف أن روايتي تعرض بقوة امرأة اسمها حتى ديكنز قد يكون فكر فيه قليلًا أيضًا بكل دقة. توشيه، توشيه، السيدة توشيه! لكن تلك لم تكن حتى آخر مزحة كان على ديكنز أن يلعبها معي من خلف القبر.

في منتصف بحثي تقريبًا، بدأ يطفر اسمه من الحواشي وفي المتن الرئيسي للنص، كفاعل حقيقي في الأحداث التي كنت منشغلة بها، واتضح لي أنني لكي أروي قصتي الحقيقية كاملة لم يكن هناك من سبيل حقًّا لأتفادى كليًّا ظهور السيد تشارلز ديكنز ظهورًا فعليًّا في صفحاتي الفعلية. كان لسنوات عدة ضيفًا منتظمًا على مائدة عشاء إينسورث. كان منخرطًا في نقاش حول مستقبل جامايكا. (كان على الجانب الخاطئ للنقاش). بشكل مدهش غالبًا، يقع شارع داوتي -حيث عاش ديكنز مرة- في تلك الناصية جنوب شرق بلومزبيري التي تنتمي لعزبة داوتي تيتشبورن. يعني أن بيت ديكنز السابق كان جزءًا مما كان المدعي خاصتي يحاول أن يدعي. كان ديكنز في كل مكان، مثل الطقس.

استحالة الخلاص من ديكنز

أحيانًا في الكتابة عليك أن تتخلى عن التحكم، وتتبنى موقف الزن، فتذهب حيث تقاد، وهذا غالبًا يعني العودة تمامًا من حيث أتيت؛ لذا قلت للسيد ديكنز: انظر، يمكنك أن تأخذ دورًا ثانويًّا، لكن حينها سأقتلك في الفصل التالي، عاجلًا. لن تكون متسكعًا، ولن تلقي أية خطابات بارعة أو تفصح عن أية حكمة. وفيت بوعدي، قتلته في فقرة، في فصل موجز للغاية، لا ديكنزي معنون بـ«ديكنز ميت!» شعرت في الحال بإحساس بالتنفيس الذي يعتقد الناس غالبًا أن الكتابة تجلبه، لكن أنا نفسي اختبرته نادرًا فقط. انظري إلي! (قلت لنفسي). أنا قتلت ديكنز للتو! (بوصف موته المفاجئ ودفنه اللاحق في ويستمينستر آبي). لكن ليس بعد وقت طويل من كتابتي لذلك المشهد المظفَّر؛ لأسباب عملية (مشهد ارتجاعي) عاد تشارلز عودته المحتمة، ليظهر أصغر سنًّا وبقوة أكبر متعذر كبتها مما كان قبل أربعين صفحة.

استسلمت عند تلك المرحلة. تركته ينتشر على صفحاتي، كما يطوف عبر لندن القرن التاسع عشر. هو هناك في الهواء والكوميديا، والتراجيديا، والسياسة، والأدب. هو هناك حيث لم يكن له شأن كونه (في مناقشات حول مستقبل جامايكا على سبيل المثال). هو هناك كقمعي أحيانًا، أحيانًا لا يقاوم، أحيانًا مبهج، أحيانًا تأثير طاغٍ، تمامًا كما كان في الحياة. تمامًا كما كان دومًا في حياتي. لكن تأثيرات الطفولة مثل ذلك. إنها تقودك إلى الجنون تمامًا؛ لأن دينك لها أكبر بكثير مما تريد أن تعرف أو تهتم أن تعترف. انظر أيضًا: الأبوين.

بعد إحدى عشرة سنة، عند نهاية مدة المشروع الطويل بالذات ومدة كتابة روايتي التاريخية، أغلقت كمبيوتري المحمول، وقلت لنفسي: أعرف أنه يغضبك غالبًا، لكن الحقيقة هي أنك ما كان بوسعك أن تكتبي هذا مطلقًا من دونه. عندئذ، وهذا الدَّين في عقلي، قررت أن أفعل شيئًا تجنبت القيام به طوال حياتي اللندنية: قمت برحلة حج إلى ويستمينستر آبي (كنيسة ويستمنستر). درت حول الجهة الخلفية نحو ركن الشُّعراء ووقفت تمامًا عند قبر تشارلز ديكنز. أوه، مرحبًا، تشارلز. وأنا أشعر بديني، لكن أيضًا راجية أنه سُدِّدَ كاملًا في النهاية. وعندما عدت إلى البيت، منتهية تمامًا مع السَّيد ديكنز المحتوم ومن تأثيره وراغبة في أن أفعل شيئًا لا يتطلب القراءة ولا تدوين الملاحظات ولا أي بحث على الإطلاق -شيء من قبيل مشاهدة التلفزيون لبعض الوقت- أدرت قناة البي بي سي القديمة الجيدة، وماذا كان على القائمة؟ «التوقعات العظيمة». نسخة جديدة «غير عنصرية»، بالتأكيد، لكن مع ذلك «توقعات عظيمة». أوه، مرحبًا، تشارلز. مرحبًا ووداعًا ومرحبًا ثانية.


المصدر: https://www.newyorker.com/magazine/2023/07/10/on-killing-charles-dickens