حكاياتي مع رواية موبي ديك

حكاياتي مع رواية موبي ديك

سألتُ الأستاذ الراحل إحسان عباس النصحَ في القراءة، قال بلا تردد: اقرأ رواية هِرمان ميلفل: موبي ديك، فهي من أجمل ما قرأت لغة، ومن أعمق الروايات منظورًا وفلسفة.

يروقني فيها بعدٌ فلسفيٌّ مزدوج المستوى ولغة كثيفة تأمر بالاجتهاد ومعاودة المساءلة. عمل بطل الرواية البحار العصابي المبتور الساق على اغتصاب الطبيعة، محاولًا ترويض طبيعة عذراء لا تروّض؛ ذلك أن الحوت الأبيض الذي طارده وجه من وجوه الطبيعة، ينصاع إلى قوانينها ويُعرض عن رغبات إنسانية آبقة ممتلئة بالشر، ولا تدري.

توهم البحار، الذي أعماه غروره أنه يعاقب الشر، جاهلًا أن الشرّ يقوم في نواياه لا في علاقات الطبيعة السليمة. وتراءى البعد الآخر في بحّار شائه الطبيعة يقود بحارته إلى الهلاك، متوسلًا لغة خطابية وقطعة من ذهب ثبتها، لامعة، على عمود الشراع. أدرك آخاب بحدسه الشرير، أن الخطابة المتقنة الكلام خدعة سهلة، لا تملأ البطون وترضي العقول الفارغة. وأن في الذهب قوة تخلق الانصياع والخضوع إلى الإرادات المستبدة.

أقنعني البعدان الفلسفيان في رواية موبي ديك بقراءتها بإمكانياتي المتاحة، وبملاحقة طبعاتها المتواترة، فاحتلت حيّزًا من «مكتباتي» التي توزّعت، غصبًا، على أكثر من مكان ومدينة لو تحررّتُ من استبداد المكان والزمان لكان عندي الآن من تلك الرواية، التي ترجمها إحسان عباس، ما يشبه المكتبة. ترجمها إحسان بفكره وعقله وروحه، وأثنى على الترجمة، طويلًا، الراحل غسان كنفاني.

إحسان عباس

«عثرتُ» على الرواية في المرة الأولى عام 1956م، في المكتبة العمومية في دمشق. أستذكر صديقًا معي في الصف السابع، انتهى الآن أستاذًا جامعيًّا في إفريقيا؛ ذلك أننا رأينا الرواية في المرة الأولى معًا وسبقني إلى شرائها واعدًا تعويض «الخسارة» بطبعة جميلة لرواية «جزيرة الكنز»، لروبرت ستيفنسون. غير أن الزمن كان معي كريمًا، ورجعت فاشتريت «الطبعة المغدورة» بعد مرور عشرين عامًا وأكثر.

كنت أتهيأ لمغادرة باريس نهائيًّا في أكتوبر 1974م، عائدًا إلى بيروت حين قررت أن ألقي «نظرة وداع» على المكتبات الصغيرة التي تحاذي نهر السين. مكتبات تجمع القديم والجديد، الكتب الناقدة والمجلات النافذة… رأيت هناك كتابًا أليف الغلاف، «يغمزني» ويدعوني إلى صحبته. كان الكتابُ هو: رواية موبي ديك، تواطأت معه، جديدًا كان يبدو، رخيص السعر رخصًا «مهينًا». اشتريته «بفرنك» واصطحبته إلى البيت فرحًا، لم أضعه في حقيبة الملابس، تركته في كيس ورقي مستقل تحت نظري خشية الفقدان. تذكرت عندها صديقي القديم، الذي لن أراه ثانية، واعتبرت الرواية تحية متأخرة من رفيق اشتاق إليه. وحين رجعت إلى بيروت كانت هناك ترجمة الأستاذ إحسان عباس، سميكة، أنيقة، صدرت عن: «دار مكتبة الحياة»، إذا لم تعبث بي الذاكرة. لم أكن عندها التقيت الأستاذ «إحسان»، تلمست آثاره في انتظار نصائح وصداقة قادمة.

ظل يتأمل الكتاب كما لو كان يحرسه
ويطرد عنه الأرواح الشريرة

زارني في بيروت، التي سأقيم فيها خمس سنوات، صديقًا من أيام الطفولة، تسكعنا في «جنيف الشرق الأوسط» آنذاك، ومررنا «بالروشة»، صخرة العشاق اليائسين، كما بدت لي، وبالجامعة الأميركية المطلّة على البحر، التي درس فيها «قادة الشرق الأوسط» ذات مرة، وسرنا الهوينى في «شارع الحمرا»، الذي لم تهلك هالته بعد، وألقينا التحية على أكثر من مكتبة، ليس آخرها «مكتبة صايغ».

الصديق القديم «وليد»، هذا اسمه، أعجبه مدخل مكتبة افترشته أغلفة كتب كثيرة، بالعربية والفرنسية والإنجليزية. لم يقاوم فتنة الكتب فدخل ودخلت معه، وصادف أن وقف أمام «موبي ديك»، طبعة متميزة زيّنتها رسوم «ريكول كِنْت»، بالأبيض والأسود. ظل يتأمل الكتاب كما لو كان يحرسه ويطرد عنه الأرواح الشريرة… فتركته وعدت إلى بيتي مضطرب الطويّة، كما يقول البلغاء. حين رجع الصديق، الناحل الطويل القامة، إلى البيت، بوجه راض وابتسامة متخابثة، تقدّم مني ووضع أمامي رواية ميلفل ببحارها المبتور الساق الذي عالجته ريشة الرسام الأميركي «كِنْت»، فبدا أكثر طولًا وأوسع تجهّمًا، وقال: نظرتُ إليك وأنت تغادر المكتبة وشعرت أن جزءًا من روحك ظل إلى جانب الرواية، فأبيت إلا أن أشتريها وأضعها بين يديك، فهذا من أصول الصداقة الصادقة…

فوجئت وفرحت واضطربت وحضنت الرواية كصديق عائد من السفر وتذكرت صديق المراهقة -محمد عمر فاروق البزرة- الذي انتهى إلى إفريقيا أستاذًا جامعيًّا لمادة الكيمياء، وقلت في نفسي: لو كان الصديق البعيد معنا لوجّه تحية إلى صديقي الصادق الذي أراحه من عتاب قديم. وشعرت أن الرواية صديقة الصديقين، تهمس في أذن أحدهما بفرح وتعبّر لثانيهما عن امتنان عميق طليق الكلمات. وتساءلت عن معنى الأفراح الصغيرة الجليلة التي توزع الفرح على أرواح نقية لا تعبأ بالمال والسلطة وتلهج سعيدة بعلامات المودّة. سألتُ عندها عن الفرق بين برودة القيود ودفء الحرية، ولماذا انصاع البحارة إلى أوامر بحّار يسوقهم إلى الموت، وعثرت على الجواب في: الخوف من المتسلطين الذين يتحدثون بأيديهم وعيونهم وأرجلهم ويكتفون بإشارات قاتلة، لا هي باللغة العاقلة ولا بحركات الوجه المستريحة، وعرفت آنذاك لماذا يتكلّم المستبدون بأجسادهم، ولِمَ توقظ الأرواح السليمة رهافة اللغة وتحترم القواميس المتوارثة… وقلتُ: هل يعطل الاستبداد اللغة، كيف يشوّهها ويشوّه المتحدثين بها؟ وهو ما أشار إليه الفلسطيني روحي الخالدي في كتابه الذي ظهر في أول القرن العشرين، عنوانه: «تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوغو».

ما زلت أذكر كيف استقبلتُ الكتاب المزيّن بالرسوم، الذي حمله الصديق القديم إلى صديقه في بيروت. تأملت غلاف الكتاب الخارجي، مسحته مرتين، وداعبته مرتين، وبحثت له عن مكان مرتفع في البيت يعلن عن حضوره ويومئ إلى قيمته فبدا موضوعًا جميلًا تعلوه قداسة. كان كتابًا وصار زائرًا كريمًا، وكان سلعة للبيع والشراء وغدا شيئًا متعاليًا لا نقترب منه إلا بعد غسل اليدين.

عدت إلى دمشق بعد بيروت والتقيت الصديق الراحل الدكتور صادق جلال العظم، كان أستاذًا للفلسفة في جامعة دمشق، لا يكترث بلباسه ويركب سيارة «رقيعة» لا مكان لها بين السيارات «العالية»، ويردد ضاحكًا: إنه تسامح النبالة، فقد كان فخورًا بانتسابه إلى عائلة عريقة ثرية يمحو نبلها الأخطاء الصغيرة والكبيرة.

أطلق صادق، كعادته، ضحكة مجلجلة، تسبقها سخرية وتتلوها سخرية، وقال: عندي في الجامعة مجموعة طلبة تحضّر أكثر من «دكتوراه» في أكثر من موضوع، مراتب هؤلاء الطلبة عالية، بل شديدة العلو، في الحياة المهنية والاجتماعية. لو التقيتَهم لسرّك بعضهم ولأمضّك بعضٌ آخر لا يعبأ بالعلم ولا بديكارت وسبينوزا، فهم مأخوذون «بالتجمل الاجتماعي» الطريف، حيث التاجر يلفظ بشكل مغلوط اسم «فرويد» قبل أن يقرأ أعماله، أو يلعن «هيغل»؛ لأنه يقيم في ألمانيا الغربية لا ألمانيا الشرقية صديقة العرب، وقد تجد من لا يعرف الفرق بين أفلاطون وأفلوطين.

الصدفة في التاريخ

كان من بين هؤلاء «الطلبة» شخص دمث رفيع الأدب يتعامل مع الفلسفة بجدية غير مألوفة، اختار موضوعًا عويصًا عن «الصدفة في التاريخ» سألني، بعد أن تعرفت إليه، أن أقدم رأيًا في موضوع أطروحته، بعد أن أثنى عليَّ الدكتور صادق و«اتهمني بالجدية!». أراد الطالب «العالي المقام» أن يشكرني على ما تقدمت به، قال: أنا لا أهتم بالأدب والروايات وقد جاءني أحد معارفي بهذا الكتاب الملون الهائل الحجم، كما ترى، وأرجو أن تقبله وأنت الذي تهتم بالأدب والفلسفة معًا.

لم تقع عليّ صدفة من التاريخ، وصُدفهُ موجعة غالبًا، بل أصابتني صدفة مرجوّة أضافت إلى «مكتبتي الصغيرة الخاصة برواية ميلفل» طبعة جديدة، عالية المقام أيضًا، من موبي ديك استقرت بين طبعات أخرى، وبدت الطبعة الأكثر أناقة و«هيبة» أيضًا. ذكرت عندها «الولع بالكم» ولم أكن راضيًا، ذلك أن المطلوب، منطقيًا، الاحتفاء بالكيف والإعراض عن الكم الذي يفضي في حال «النفوس الدنيئة» إلى السطو والسرقة والعبث بما يخصّ الآخرين.

كان من صدف التاريخ القاسية أن أترك دمشق، فجأة، وأن أدع مكتبتي نهبًا للغبار والضياع والنهب المنظم، وأن أتأسى على رواياتي الأثيرة مثل: «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، والطبعة الأولى من رواية طه حسين «دعاء الكروان»، وأن أفتقد الطبعة الأولى الإنجليزية لرواية همنغواي: «العجوز والبحر»، التي اشتريتها عام 1955م من مكتبة تائهة بين أحياء دمشق، ورواية جون شتاينبك: «رجال وفئران» التي تعود طبعتها إلى عام 1937م، وأن أفتقد طبعة قديمة من رواية الإنجليزي غراهام غرين: «الأميركي الهادئ»، ورسائل بين صفحات الكتب كنت ضنينًا بالبوح بأسرارها.

بدت لي مكتبتي القديمة- الجديدة في العاصمة الأردنية متشحة بالسواد، أخذت منها كُتبًا إلى دمشق، ولم أكن صادقًا بتعويضها عمّا فقدت. كان بين المفقود رواية: موبي ديك. أردت أن أردّ إلى الرواية- الصديق بعض الجميل الجديرة به، وتذكرّت مباشرة طبعتها الفرنسية في سلسلة «بِليّاد» عند غاليمار، الطبعة الأكثر أناقة وحظوة وأمانة فلها مقدمة ضافية، صفحات مبرّأة من الخطأ.

وها هي الآن الطبعة الفرنسية أمامي تستقر في غلافها الأبيض السميك، وعلى صفحتها الخارجية الأمامية اسم هِرمان ميلفل، وقد كُتب بلون أحمر، وتحته بخط أسود: موبي ديك، بيير أو الغوامض، المجلد الثالث، يقع تحته بخط أسود صغير: طبعة نُشرت بعناية دو فيليب جاورسكي، بالتعاون مع مارك أميرفيل وهيرشل باركر… وفي أسفل الصفحة الأولى بلون أحمر: مكتبة البِليّاد. غاليمار. عام النشر 2006م، وتقع كاملة في 1407 صفحة.

وقد أَسال، أو أُسأل: ما أسباب تعلّقي برواية إلى حدود الإدمان المتزمت، كأنها عادة لا يمكن التحرّر منها؟ يتناثر الجواب قدر ما يستطيع ويحتفظ بمركزه. فهي الرواية الأولى التي اشتريتها بنقود تتجاوز إمكانياتي كطالب ثانوي، تعيد إليّ ربما ذكرى صديق غاب، أحببته وافتقدته إلى اليوم، وربما تذكّرني بالسيدة صاحبة المكتبة، الرقيقة الأنيقة الأسيلة الخد، التي ما التقيتها، صدفة، إلا ذكرت الرواية وصديقي القديم، أو ربما الحنين إلى بداية دافئة ستمتد طويلًا ويصحبها التغير والاختلاف!

من المحقق أن صورة البحار المستبد الذي ساق قومه إلى الهلاك استقرت في ذهني وأحالت، بلا صوت، إلى مستبدين آخرين لم يكن لهم، للأسف، مآل البحار الموتور، الذي وقف فوق ظهر الحوت الأبيض متوعدًا متغطرسًا رافعًا صوتًا يقول: «ها أنا أوجّه إليك آخر طعناتي»، ناسيًا أن الطعنة سترتد عليه، حين يغطس الحوت في الماء ويعود إلى السطح وقد صار البحار جثة مكبلة بالحبال… ومن المحقّق أيضًا أن في سلوك البحار ما يذكِّر بالكارثة، فقد غرق وأهلك الذين معه، موحيًا بأنه المخلِّص العليم، الذي يُغرق الماء ويتأبى على الغرق كأنه واحد من صغار المستبدين الذين عاقبوا شعوبهم ألف مرة، وسقطوا أمام أعدائهم في الجولة الأولى بلا قتال، تاركين الرواية تقول: الأسرى لا يحاربون، والذي يحارب شعبه بلا شفقة يخسر قبل الذهاب إلى المعركة ويزْهد به الذباب.

الفلسفة فنًّا للموت

الفلسفة فنًّا للموت

فقط بفضل الموت تساعدنا حيواتنا في التعبير عن أنفسنا.

                                                                                       بيير باولو بازوليني

يحتاج الفلاسفة أحيانًا شيئًا أقوى من الكلمات للتعبير عن أنفسهم، يوم لا تعود أقوالهم وحججهم تقنع أحدًا، ويوم تخونهم حيلهم البلاغية والخطابية فتتركهم عاجزين. وكان لزامًا عليهم، إذ لا يسعهم الصمت، اللجوء إلى نوع من وسائل التعبير غير الشفهية أو عبر الشفهية. وعلى الرغم من ذلك، فمن الواضح أن الفلسفة مرتبطة عضويًّا باستخدام اللغة وفن الكتابة والكلمات وإنتاج النصوص. فإذا ما صمتت كلمات الفلاسفة ونصوصهم، فماذا يتبقى لهم؟

عندما تفشل كلماتهم على نحو متعذر الإصلاح ويتعثر خطابهم، يبقى لدى الفلاسفة، على الرغم من ذلك، أداة فعالة للغاية، وهي حياتهم- أجسادهم. ويمكن لهذه الحيلة، الأخيرة بالضرورة، أن تكون، إذا ما استُخدمت على نحو صحيح، قوية للغاية. كان موت سقراط أكثر الوسائل إقناعًا التي استخدمها على الإطلاق، وآل الأمر على مر القرون إلى تكريمه ليس بسبب ما فعله عندما كان على قيد الحياة، ولكن بسبب الطريقة التي مات بها. ومن بين جميع الكتب التي لم يكتبها في حياته على الإطلاق، كان موت سقراط هو بالتأكيد تحفته الفلسفية الحقيقية. وفي الواقع، أرسى هذا الموتُ أنموذجًا لكل «الميتات الفلسفية» اللاحقة في تاريخ الفكر الغربي.

تأنيس و«ترويض» الموت

في دفاع أفلاطون، تظهر كلمات «الموت»، «الاحتضار» أو «الخوف من الموت» متأخرة نسبيًّا في متن النص. وهي تظهر بخجل في أول خطاب ألقاه سقراط أمام هيئة المحلفين. بيد أنها، بمجرد ظهورها، يُعاد استخدامها بوتيرة متزايدة، وهو ما يشي باضطراب سقراط المتزايد وتبلبل حالته الذهنية. وهو لا يني يواصل طمأنة جمهوره -وبخاصة نفسه- أنه ليس ثمة أي سبب على الإطلاق للخوف من الموت «ولا أرى اتقاء الموت يا رجال أثينا، إلا دليلًا على أن الإنسان يظهر برداء الحكمة من غير أن يكون حكيمًا، فيثق لنفسه بمعرفة ما هو جاهل به». فليس لدينا، ولا يمكن أن يكون لدينا أي معرفة قاطعة عن الموت؛ لذلك لا يسعنا ولا ينبغي لنا أن نخاف منه. فخوف المرء من شيء، يعني معرفة هذا الشيء. في الواقع، وكما سيُظهر سقراط في الدفاع لاحقًا، مهما كان الموت، فلا داعٍ للخوف منه على الإطلاق. «إن الموت واحد من اثنين: فإما أن الميت يصير إلى عدم، ويفقد كل حس للأشياء، وإما أنه، على ما يُقال، تغيرٌ يطرأ على النفس وينتقل بها من هذا العالم إلى عالمٍ آخر. فإن صح أنه فقدان كل الشعور، وأنه رقدة لا يرى فيها النائم حلمًا، فلا نزاع أن الموت ربح عظيم.. وأما إن كان الموت عبورًا من ههنا إلى دار أخرى حيث يستقر الأموات جميعًا كما يُقال، فأي خير يمكنه أن يكون أعظم منه؟» (المقبوسات والشواهد من «دفاع سقراط» من ترجمة الأب إيزيدور أبو حنا).

قد يكون سقراط على حق، وقد يكون الموت فعليًّا أعظم نعمة يمكن للمرء الحصول عليها، أو ربما كان على الأقل نومًا بلا أحلام. وعلى الرغم من ذلك، فإن المشكلة برمتها تنشأ على وجه التحديد من عدم اليقين بشأن ماهية الموت. وكلا الاحتمالين اللذين أشار إليهما سقراط سيكون مقبولًا على نحو متساوٍ، لكننا لا نعرف على وجه اليقين أيهما هو الحال بالفعل. فبالنسبة لسقراط العقلاني، سقراط الذي اعتقد أن الناس يفعلون الشر فقط بدافع الجهل، وأنهم إذا عرفوا ما هو الخير، فإن هذه المعرفة ستجعلهم فاضلين بشكل تلقائي تقريبًا- بالنسبة لسقراط هذا، الذي ساوى المعرفة بالفضيلة والسعادة، لا بد أن عدم معرفة معنى الموت كان بمنزلة إدراك مؤلم للغاية.

وبعبارة أخرى، فإن جوابًا منطقيًّا على سؤال: «هل كان سقراط خائفًا من الموت في هذه اللحظات؟» هو «بالطبع كان». لا بد أنه كان كذلك. كان في السبعين من عمره، وكان قد عاش فعليًّا حياة طويلة، طويلة بما يكفي لفهم أشياء كثيرة. فالحياة مخدر إدماني: فكلما طالت مدة حياة المرء، ازداد إدمانه الحياةَ؛ لذا من الأسهل، وإن كان الأمر مأساويًّا، أن يموت المرء في سن صغيرة منه عندما يتقدم في السن. فالشهادة تطيب عندما يكون المرء في العشرين أو الثلاثين من عمره: فحينها لا يُقيض للمرء الوقت الكافي لفهم ماهية الحياة حقًّا، وفي هذا العمر لا يعرف المرء بالضرورة ما يتركه وراءه وما ينتظره. لكن عندما تكون في السبعين من عمرك، يجب أن تخاف بالتأكيد من الموت. فبحلول سن السبعين، يكون المرء قد تجذّر في العالم ويكون العالم بدوره قد تجذّر في المرء، وحيث إن كل فراق لا يمكن إلا أن يكون مؤلمًا للغاية؛ لذلك كان لدى سقراط أسباب وجيهة للخوف من الموت.

سقراط البطل، سقراط الذي لم يشعر، ولو لثانية واحدة، بالخوف من الموت لا بد أن يكون مجيدًا. سيكون هذا سقراط أقرب للآلهة، بمكوثه بعيدًا وراء إكراهات وقيود الجسد. ولكن سقراط الذي كان يتعين عليه أن يبذل جهودًا للتغلب على خوفه من الموت، والذي كان عليه أن يجد شجاعته في أعماق خوفه، كان أكثر مجدًا. فالشجاعة والخوف، رغم تعارضهما، ليسا غير مرتبطين بالضرورة. وكما هو الحال، ففي بعض الأحيان تولد البطولة الفائقة على وجه التحديد من الجزع الشديد، والشجاعة المثيرة للإعجاب من الخوف الأكبر.

يمثل الجزء الأخير بأكمله من خطبة سقراط الأولى مقاربة متطورة لتأنيس الموت والاحتضار. فبفضل رواية أفلاطون الممتازة في دفاعه، نشهد هنا سقراط الذي يقترب تدريجيًّا من الموت، في حالاته المتعددة (كمفهوم فلسفي، كمصدر للألم، كحدث غير بعيد و كمكابدة وشيكة). نشهد سقراط الذي يتعلم طوعًا أو كرهًا كيف يفسح مجالًا جديدًا للموت في صميم كيانه. يتآلف سقراط مع فكرة الموت ويحتضنها ويحاول أنسنة الموت؛ للتغلب تدريجيًّا على خوفه منه: «إن حكمتم علي، وأنا على ما ذكرته، تضرون بي أقل من ضرركم بأنفسكم». «أما هل أخشى الموت أم لا، فذلك شأن آخر».

في هذه الأقاويل، كان سقراط ببساطة شديد الإصرار على عدم خوفه من الموت حتى لا يلفت انتباهنا إليه. الشخص الذي لا يخاف فعليًّا من الموت سيقضي وقتًا أقل في الحديث عنه. لكن هذا الإصرار بالذات له أيضًا دور أدائي: فسقراط لا يحاول إقناعنا كثيرًا بأنه لا يخشى الموت بقدر ما يقنع نفسه.

ومن ناحية أخرى، يتعين على سقراط التأكد من أنه لا يرسل رسالة غامضة إلى قضاته؛ إذ إنه بغض النظر عن مدى خوفه من الموت، فهو أكثر خوفًا من عيش حياة غير مُستحقة وغير سقراطية. إنه يطمئن جمهوره أنه ليس على استعداد على الإطلاق لخيانة نفسه، وخيانة ما كان يعلّمه طوال حياته. ولهذا يخبرهم مرارًا وتكرارًا أنه، بغض النظر عن نتيجة المحاكمة، لن يغير أسلوب حياته أبدًا.

فيلسوف انتحاري «كاميكاز»؟

كان إجراء أول تصويت لهيئة المحلفين وعدّ أغلبيتهم أن سقراط مذنب إحدى نقاط التحول في الدفاع، ولا بد أن خيبة أمل سقراط في أقرانه الأثينيين كانت هائلة. فحتى لو كان هذا التصويت يتعلق فقط بإثبات ما إذا كان مذنبًا أم لا، فإن الحقيقة المطلقة المتمثلة في عدّ أعضاء هيئة المحلفين أن سقراطَ «مُذنبٌ» كانت بالنسبة له إشارة واضحة إلى أن مهمته التربوية المدنية في مدينة أثينا قد أخفقت؛ لذلك أصبحت حياته في هذه المدينة بلا معنى نوعًا ما. ولا بد أن سقراط قد أدرك في ذلك الوقت أن موته، في ظل هذه الظروف، كان أفضل شيء وأنه لا توجد كلمات أو خطابات يمكن أن تجسّر تلك الهوة، هوة سوء الفهم والشك التي برزت بينه وبين أقرانه الأثينيين. وهكذا لم يجد سقراط سوى حياته بين يديه: كان عليه أن يستفيد منها إلى أقصى حد لترتيب الأمور بطريقة تجعل موته يحقق أكبر منفعة. وكان لاحتضاره أن يعبِّر عما لا تستطيعه رطانته اليونانية المتقنة، وكان عليه أن يحول جسده إلى برهان إزاء آذان الأثينيين الصماء، ولم يكن من المجدي أن يلقي المزيد من الخطب: فكل ما كان يمكنه فعله هو التعبير عن نفسه بأكثر الوسائل جذرية، أي جسده، وأن يموت بطريقة «مشهدية»؛ وهذا مما لا يمكن لأحد أن يتجاهله أو لا «يستمع إليه».

وعلى هذا النحو، كان على سقراط، بالوسائل المحدودة بين يديه، وفي المدة الزمنية القصيرة التي تُركت له، أن يحول موته إلى شيء -من وجهة نظره- يخدم قضيته ببراعة قدر الإمكان. كان يتجه نحو موته على أي حال: كل ما كان عليه فعله هو التأكد من أن الهدف لن يفوته، وأن من شأن هذا الحدث الفريد أن يجلب له، حينذاك وهناك، ولكن أيضًا بعد موته، أقصى إفادة من حيث الشرف، التغلب على الذات، المثالية والبطولة. وهذا مما لا يختلف كثيرًا عن إستراتيجية الانتحاري «الكاميكاز». كان سقراط الآن، كما يمكن للمرء أن يقول مجازًا، كاميكازًا عليه أن يجعل موته بليغًا قدر الإمكان، ومن ثم فقد قرر، بوعيه أنه في سن السبعين، وأنه سيموت عاجلًا أم آجلًا، على أي حال، والأهم من ذلك إن طلب العفو (أو عقوبة أخف) من شأنه أن يلقي بظلال مُحرِجة على اسمه، فلحظة الموت المناسبة قد أزفت.

وكان على سقراط، في المستهل، أن يتأكد من أنه سيحصل على عقوبة الإعدام، وليس أقل من عقوبة الإعدام. فقد كان من الممكن أن ينتهي به الأمر رهين النسيان في «الليمبو» (الليمبو أو الأعراف أو دهليز جهنم: Limbo‏ في المسيحية، هو المكان الذي تذهب إليه أرواح من ماتوا ولم يُعمدوا، وبخاصة الأطفال. وهو مكان قبل الجحيم ومعناه «الشفاء»، وهو مخصص لأرواح الأطفال الذين يتوفاهم الله قبل أن يعمدوا وكذلك لأرواح الوثنيين الفاضلين، ممن عاشوا قبل المسيحية. وبحسب خريطة بورخيس هي منطقة مقابل جبل صهيون في القدس الشريف). لا ميتًا ولا حيًّا- منفيًّا، على سبيل المثال- ومضطرًّا إلى مواجهة العار بقية حياته بطلبه المغفرة من الأشخاص الذين وبخهم طوال حياته، ويموت عاجلًا أم آجلًا ميتة طبيعية شائنة. وعلى هذا كانت الحيلة التي استخدمها رائعة؛ إذ بمجرد إدانته، كما هو معروف، كان على متّهميه أن يقترحوا عقوبة (اقترحوا عقوبة الإعدام)، وبدوره، كان على سقراط أن يأتي باقتراح مضاد. في هذه المرحلة، وبدلًا من اقتراح عقوبة بديلة (بطبيعة الحال، أخف من عقوبة المتهِمين)، اعتبر سقراط أنه بعد حياة مثل حياته، كرّس نفسه فيها للرفاه الأخلاقي والروحي للأثينيين، لم يكن ما يستحقه عقوبة، وإنما مكافأة كبيرة.
وبشكل أكثر تحديدًا، طلب من الأثينيين أن يُطعم على حساب الدولة:

«فماذا استأهل على هذه الحال؟ لا بد أنكم تجازوني خيرًا، يا رجال أثينا، إذا كان لا بد من الجزاء. وماذا يفيد رجلًا محسنًا يحتاج إلى إخلاء ذرعه ليتوفر على نصحكم؟ لا أفيد له، يا رجال أثينا، من أن يُطعم في البريتانة».

كانت هذه آمن طريقة للحصول على عقوبة الإعدام ولا شيء أقل من ذلك؛ لأن أي شيء أقل من ذلك كان من شأنه إفساد كل مساعيه. وللتأكد من أنه ليس ثمة أي مخرج على الإطلاق بالنسبة له، مارس سقراط السخرية في خطابه الأخير بشكل أكثر حدة من ذي قبل: «ولا أحاول إقناعكم لأن زمن حوارنا قصير. أما وأنا على يقين جازم أني لم أسئ إلى أحد، فحري بي ألا أسيء إلى نفسي بأن أحكم بأني مستحق العقاب، وتجرع مضاضته». كما ليس من أثر للرقابة على الذات في خطابه الأخير: فسقراط الآن، ولأن لا شيء لديه يخسره، في أجرأ صوره. وربما يمكننا تسمية ما يُمارسه «بلاغة الانتحار»، فكل شيء قد قيل، ولا شيء مخفي: و«إني لم أعثر لفراغ يدي من الأدلة والبراهين، وإنما عثرت لعزوفي عن الجسارة والقحة؛ لأني لم أشأ أن أخاطبكم بما يطرب مسامعكم من عويل وبكاء ورثاء».

آتَت الإستراتيجية السقراطية أُكُلها، وحصل سقراط على عقوبة الإعدام ومات أعظم ميتة. ومنذ موته أُدرج سقراط بين أمجد الأبطال وأقدس الشهداء. وأصبح لموته النموذج الأسمى لجميع حالات الموت الفلسفي، وفي الواقع، الموت الفلسفي الأصلي. ولاحقًا، سيقول فولتير عن وفاة سقراط: «موت هذا الشهيد كان في الواقع تأليه للفلسفة».

تقريبًا لا شيء: حياة يان باتوكا

مات يان باتوكا (فيلسوف تشيكي، وآخر تلاميذ إدموند هوسرل ومارتن هايدغر) في 13 مارس 1977م، في أحد مستشفيات براغ، بعد وقت قصير من عيد ميلاده السبعين. أما سبب الوفاة فكان «نزيف دماغي حاد ناجم عن استجواب الشرطة، فخلال الشهرين السابقين، استُجوب بشكل متكرر، واستمر الاستجواب الأخير أكثر من 11 ساعة». وقد استُجوب بوصفه أحد المتحدثين الرسميين لحركة ميثاق 77 التي انخرط فيها خلال العام السابق. وكان فاكلاف هافل من بين مُحَرّضي هذه الحركة، وشارك مع بعض المنشقين الآخرين مباشرةً في دعوة باتوكا للانضمام إلى الميثاق، فقد شعروا منذ البداية أن باتوكا، أفضل من أي شخص آخر، يمكنه أن يمهر الميثاق ببعد أخلاقي». وسيجد ميثاق 77 في باتوكا قائدًا أخلاقيًّا لا ريب فيه، فهو لم يشارك في السياسة (لا الشيوعية ولا غيرها)، وهو مُحترم من الجميع، ويمكنه من ثم أن يمنح الحركة إحساسًا معينًا بالوحدة والاتجاه. ولعل المرء يميل إلى رؤية التوازي بين علاقة باتوكا بشباب ميثاق 77 وبين علاقة سقراط بشباب أثينا الذين كان «يفسدهم»؛ ففي كلتا الحالتين، كان ما يفعله الفيلسوف، من وجهة نظر النظام، فاسدًا مما يُوجِب التخلص منه.

يان باتوكا

يروي فاكلاف هافل في كتاب «تكدير السلام» قصة انضمام باتوكا إلى الحركة. فهو «لم يشارك من قبلُ مباشرةً في السياسة، ولم يكن لديه أي مواجهة مباشرة وحادة مع القوى الموجودة، وكان، في مثل هذه الأمور مترددًا وخجولًا ومتحفظًا». ولا بد أن يكون قد تعلم من سقراط -تمامًا كما ينبغي لأي فيلسوف حصيف- أن المرء الذي يسعى لتحقيق العدالة «إن كان ينوي البقاء على قيد الحياة حتى لفترة قصيرة، يجب بالضرورة أن يقصر نفسه على الحياة الخاصة ويترك السياسة وشأنها».

علاوة على ذلك، ثمة شيء لا بد أنه جعل من الصعب على باتوكا، لفترة من الوقت على الأقل، أن يكرس نفسه بالكامل للعمل السياسي المُعارض المميت. وتنبع هذه الصعوبة من بُعد معين لفلسفته، وربما من شخصيته. فثمة اتجاه محسوس في فلسفة باتوكا يتمثل في الاحتفال المستمر بالحياة، وعملية العيش، وتمجيد عالم الأحياء. كما أن كثيرًا من مطارحات باتوكا الفلسفية، المتجذرة بعمق في التقليد الفينومينولوجي الذي تقع في القلب منه مفاهيم مثل الحياة، الجسد، التجسيد، عالم الحياة والتجربة المعيشة، مخصصة لتحليل فينومينولوجي «ظاهراتي» مفصل لمفاهيم مثل التقبل، «الجذور الغارقة»، الأرض، المنزل، العناية والمفاهيم الأخرى ذات الصلة. ثمة شعور بالتعاطف الكوني في فلسفته: فهو لا يتأمل العالم كثيرًا بقدر ما يشعر به. فلسفة باتوكا هي فلسفة رعاية، وبالنسبة له، فإن معاملة الجسد بوصفه شيئًا من العالم الخارجي ليست مجرد خطأ فكري، بل هي شكل من أشكال الظلم للجسد نفسه. ولم ير باتوكا، مقتفيًا أثر ميرلوبونتي وآخرين، الجسد على أنه ما نفكر فيه، وإنما على أنه حاضر في عملية التفكير ذاتها، على أنه الذي يجعل التفكير ممكنًا.

الموت والعناية بالروح

ليست «الجذور الغارقة»، الانغماس في «الدفء الحيوي» لعالم الحياة، مع ذلك، سوى حركة أولى، مرحلة واحدة فقط من المراحل التي يتوجب على الشخص المرور بها ليكون إنسانًا على النحو الصحيح. ولا يعني العيش في هذه المرحلة البيولوجية المشاركة فقط في إيجابية الحياة (الولادة والنمو والازدهار)، ولكن أيضًا في نقيضها: الاضمحلال والفساد والتفسخ والموت. ليكون المرء إنسانًا بالكامل، يتعين عليه دائمًا أن «يتغلب» على هذه المرحلة الأولى.

فالحياة البشرية تُعاش في ظل الموت. وبغض النظر عن المسافة التي يقطعها المرء، فلن يذهب المرء بعيدًا بما يكفي للهروب منه. ورأى باتوكا، مُقتفيًا أثر هايدغر، الموت -احتمال الموت- بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الحياة. وثمة طريقة واحدة فقط للتغلب على هذا التداعي الأنطولوجي «الوجودي» الأساسي، وتتمثل ببساطة في التحديق في وجه الموت.

إن الروح التي تعتني بنفسها فعليًّا لا تطفو بلا هدف على سطح الأشياء، وإنما تدنو منها بطريقة منضبطة وصحيحة. وهي الروح التي لا تغبن الأشياء، وإنما تعاملها كما هي حقًّا. هذا التصحيح المعرفي الرائع الذي تظهره روح تعتني بذاتها إنْ هو إلا انعكاس لنظام داخلي وحياة داخلية مكرسة للتفكير الصارم.

وبعد، فإن كل هذا الانشغال والانهماك بالحياة الداخلية للروح لا ينبغي أن يعطي انطباعًا بأن العناية بالروح شيء فرداني أو أناني. فعلى العكس من ذلك، للعناية بالروح بُعد اجتماعي أساسي: إن «المكان المثالي للعناية بالروح» هو المدينة، وهي «المدينة» «المكان المناسب للتاريخ». في الواقع، لا يمكن تصور حياة الروح خارج حياة المجتمع الذي تجد تلك الروح نفسها فيه. كما وتفترض العناية بالروح، بطريقة أساسية، هذا الانفتاح السخي على الآخرين والرعاية الفعالة بهم. علاوة على ذلك، وإذا لم يكن الأمر ينطوي على خيانة للذات، فيجب على الروح التي تهتم بنفسها أن تفعل ذلك بأي ثمن. وأفضل مثال، مرة أخرى، هو سقراط.

يثني باتوكا مرارًا وتكرارًا على سقراط لفهمه الكامل لماهية العناية بالروح، ولأنه كان أول فيلسوف غربي يضعها فوق أي شيء آخر، بما في ذلك حياته الخاصة. فلطالما حث سقراط، وفقًا لباتوكا، الناس على التفكير، أن يفكروا مثله، وأن يبحثوا، وأن يمحص كل امرئ، بطريقة خلاقة، كل فكرة، كل مُعتقد وكل رأي راسخ. وقد علّم مواطنيه الأثينيين أن «حياة غير مُمتحنة حياة غير جديرة بالعيش» حتى لو نجم عن عملية الفحص والسبر هذه أن يقف المُمتحِن أو الفاحِصُ، أحيانًا، في مواجهة مدينته. وفي النهاية، بفضل هذه التعاليم، وبفضل هذه العناية النشطة بالروح، أصبح «الوجود الكامل» لسقراط «استفزازًا للمدينة».

ويجادل باتوكا، من ناحية أخرى، بأن أثينا، باضطهادها سقراطًا، تفعل فقط ما هو جِدّ طبيعي بالنسبة لـ«مدينة بلا قانون». وبطريقة ما، حثهم سقراط على اضطهاده: لطالما كان أسلوبه في التفلسف دعوة مفتوحة للاضطهاد. هذه واحدة من تلك الحالات التي تُعرِّض فيها العناية بالروح الفرد الذي يمارسها للخطر: «فالعناية بالروح في مدينة بلا قانون تُعرِّض الإنسان للخطر، كما تُعرِّض للخطر نوع الكائن الذي يرمز إلى العناية بالروح، تمامًا كما يُعرِّض ذاك الكائن تلك المدينة للخطر؛ لذلك من المنطقي تمامًا أن تتعامل المدينة مع الأمر وفقًا لذلك». ليس من الصعب أن نرى أن باتوكا، في مثل هذه المقاطع، لا يتحدث فقط عن سقراط ومدينة أثينا، ولكن عن نفسه وعن تشيكوسلوفاكيا يومها. وعلى هذا النحو، فعندما يقول باتوكا أنه «من المنطقي تمامًا» أن تعامل المدينة من يسعى إلى العناية بروحه «وفقًا لذلك» «فإنه يرسل رسالة غير مباشرة مفادها أنه أيضًا مستعد بالفعل للموت من أجل طريقة حياة سقراطية. ويرى مهمته بأكملها كجزء من «الإرث السقراطي».

تجسيد الفلسفة

لا بد أنه كانت ثمة لحظة في حياة باتوكا عندما أدرك أن مقالاته العلمية ومحاضراته وندواته السرية، مهما كانت جريئة من حيث محتواها (التخريبي)، لم تكن كافية لإحداث فرق في العالم الحقيقي. ولا بد أنه أدرك أن تكهناته الفلسفية، مهما كانت دقيقة وعميقة وحقيقية، لا يمكن أن ترقى، بمفردها، إلى مستوى العناية النشطة (حد التضحية بالنفس) بالروح التي أثنى عليها كثيرًا لدى سقراط. فثمة شيء ما كان لا يزال مفقودًا: «تصل الفلسفة إلى نقطة لا يعود فيها طرح الأسئلة والإجابة عليها كافيًا، وحيث لن يتقدم الفيلسوف أكثر ما لم يتمكن من اتخاذ قرار».

كان اختبارُ فلسفته إذن هو هذا الأمر المفقود. فقد أصبح يدرك بشكل متزايد أن لحظة لا بد آتية عندما «سيضطر إلى وضع تفكيره على المحك… وأنه لا يستطيع تجنبها أو تأجيلها إلى الأبد؛ لأن هذا في نهاية المطاف من شأنه أن يجعل فلسفته برمتها موضع شك».

فاتسلاف هافل

اتُخذت هذه الخطوة الحاسمة عام 1976 عندما قرر المشاركة بنشاط في حركة ميثاق 77. ومن المؤكد أنه عندما قرر اتخاذ هذه الخطوة، كان يعرف بالضبط ما كان يفعله: لقد كان يسير على خطى سقراط. كان الاضطهاد الشديد مسألة وقتٍ فقط. عندما وقع باتوكا على ميثاق 77، ووافق على العمل كمتحدث رسمي، وألّف وثائق له، كان ذاك بمنزلة دعوة لنظام هوساك لاضطهاده. كان قراره، قبل كل شيء، ذا طبيعة فلسفية. لم تكن أسباب باتوكا للانضمام إلى الميثاق مرتبطة كثيرًا بالسياسة (حتى لو كان لذلك آثار سياسية)، لكنها كانت ذات صلة أساسية بنوع الفلسفة التي كان يدرسها ويمارسها طوال حياته. ولو لم يقم بهذه البادرة، لما كان ليقول: إن فلسفته «نجحت»؛ إذا لم يكن بوسع الفلسفة فعل أي شيء لوقف الهمجية، فليس لها الحق في قول أي شيء ضدها.

لذلك يجب أن يُنظر إلى مشاركة باتوكا في حركة ميثاق 77 على أنها استمرار أو تطبيق أو ذروة لمفاهيم نظرياته الفلسفية. وتمامًا كما كان على سقراط أن يقول ما قاله في المحكمة حتى لا يخون جوهر فلسفته، كان على باتوكا أن يتدخل في ميثاق 77 (وأن يدفع ثمن ذلك لاحقًا بحياته) من أجل أن يثبت -لنفسه، لتلاميذه، للجميع- أن فلسفته كانت تستحق المتابعة والاستماع إليها. وهكذا يصبح باتوكا، على حد تعبير بول ريكور «أكثر فلاسفة العصر الحديث سقراطية».

موت هؤلاء الناس ليس نهاية، بل مجرد بداية. وأدركت الشرطة، التي طوقت المكان، أن وفاة باتوكا لها بعد سياسي، وأن جثته تحمل رسالة مدنية مهمة، وأن انتصارها على باتوكا كان انتصار محفوف بالمخاطر، وأن باتوكا الميت، بطريقة غريبة، كان أقوى وأكثر نفوذًا، وبالنسبة لهم أكثر خطورة من باتوكا الحي.

كان لديهم كل القوة في العالم وحولوه إلى جثة. والآن، في ظروف غامضة، هزمتهم الجثة. وفعلوا كل ما في وسعهم لمنع حياة باتوكا السياسية بعد وفاته: «صورت كاميرات الشرطة الجميع، حتى عند القبر. وغطى ضجيج طائرة هليكوبتر عسكرية، حلقت في سماء المنطقة، والدوران الثقيل لدراجات الشرطة النارية، في مضمار سباق قريب، على خطبة الكاهن». هذا يحدث طوال الوقت. ثمة ميتات تجعل المرء أقوى وأكثر خطورة مما كان عليه عندما كان على قيد الحياة.

إنهم يقتلون الفلاسفة، أليس كذلك؟

سقراط وباتوكا هما فقط الأول والأخير على التوالي في سلسلة طويلة من الفلاسفة ممن دفعوا حيواتهم، بطريقة أو بأخرى، من أجل معتقداتهم: هيباتيا، جيوردانو برونو، إيديث شتاين وآخرون. ثمة شيء رائع دائمًا حول هذه الشخصيات؛ إذ توقفوا في مرحلة ما من حياتهم عن استخدام الكلمات لإيصال رسائلهم وبدؤوا في استخدام أجسادهم. لم يقتصر الأمر على تجاوز هؤلاء الفلاسفة لأجسادهم، بل إنهم حوَّلوها إلى نصوص بليغة، إذا صح القول، إلى امتداد ما لنصوصهم المكتوبة. لقد ماتوا موتًا معبرًا وعنيفًا نظر إليه الآخرون من فورهم على أنه الإنجاز النهائي لعملهم، إنجازهم الأسمى.

يجادل بيير باولو بازوليني بأن حيواتنا تبقى «غير مُعبّر عنها» على نحو محتوم، طالما أننا على قيد الحياة: «من الضروري للغاية أن نموت؛ إذ ما دمنا نعيش، فليس معنى حيواتنا ولغتها بمتناولنا.. تبقى عصية على فهمنا، وتمثل فوضى من الاحتمالات، بحثًا عن علاقات ومعانٍ لا حل لها. يُمنتج الموت حيواتنا. فقط بفضل الموت تساعدنا حيواتنا في التعبير عن أنفسنا».

لم يكن سقراطُ ليكون سقراطَ على الإطلاق، بالمعنى الكامل للكلمة، حتى موته. وكذلك لم يكن لباتوكا أن يكون باتوكا، بالمعنى الحق للكلمة، قبل موته. ما جعلهم مثاليين هو أنهم عرفوا أنه لكي يصبحوا ذواتهم، كان عليهم أن يعلّموا أنفسهم فن الموت.


المصدر: http://dx.doi.org/10.1080/10848770701443577

كتاب الموسيقا للفارابي من خلال مخطوط بالمكتبة الوطنية بمدريد

كتاب الموسيقا للفارابي من خلال مخطوط بالمكتبة الوطنية بمدريد

يعرّف الفارابي الموسيقا في قوله: «فلفظ الموسيقا معناه الألحان، وصناعة الموسيقا بالجملة هي الصناعة التي تشتمل على الألحان (…) منها ما اشتمالها عليها أن توجد الألحان التي تمت صياغتها محسوسة للسامعين، ومنها ما اشتمالها عليها أن تصوغها وتركّبها فقط، وإن لمْ تقدر على أن توجدها محسوسة. وهذا جميعًا يسمّيان صناعة الموسيقا العملية، غير أن الأول منها عليه هذا الاسم أكثر ممّا يقع على الثاني»(1).  وقد وضع كتابه بإيعاز من الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي (الكرجي) (ت. 343هـ).

أما عن مضامينه فيقول المحقق: «وأما الكتاب الأول، وهو الذي نقدمه الآن، فيحتوي على جزأين: جزء في المدخل إلى صناعة الموسيقا، وجزء في الصناعة نفسها، فأما الجزء الذي في المدخل إلى الصناعة، فإنه يحتوي على مقالتين، والجزء الذي في الصناعة ذاتها، فقد جعله ثلاثة فنون:

الفن الأول، في أصول الصناعة والأمور العامة منها. والفن الثاني، في الآلات المشهورة وتسوياتها، ومطابقة ما في الأصـول محسوسًا فيها. والفن الثالث، في أصناف الألحان الجزئية». (مقدمة كتاب الموسيقا الكبير، تحقيق: غطاس عبدالملك خشبة، ص 28).

أعظم أثر عربي

وقد وصل إلينا الكتاب رغم ضخامته مبتورًا؛ بسبب فقدان جزء منه، حيث «يستفاد من افتتاح المؤلف وتقديمه هذا الكتاب أنه كان ملحقًا به كتاب ثانٍ، تناول فيه تصحيح آراء الناظرين في هذه الصناعة ممن سبقوه، وكان يحتوي على أربع مقالات، غير أنّا لم نعثر عليه، والأرجح أنه كان الكتاب المسمى: كلام في الموسيقا من مؤلفات الفارابي، وهو إمّا أنه مفقود، أو أنه مهمل ببعض المكتبات الخاصة». (كتاب الموسيقا الكبير 27).

مهما يكن، فالكتاب يُعَدّ من أمهات الموسيقا العربية المبكرة، و«يُعدّ بحق أعظم مؤلف في الموسيقا العربية وضعه العرب منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا». (كتاب الموسيقا الكبير: 8). كما وصفه فارمر بقوله: «كانت هذه الرسالة الرائعة للفيلسوف الشهير، الذي يعرفه الغرب الأوربي باسم الفارابيوس، أعظم أثر كُتِبَ في علم الموسيقا حتى عصره»(2).   

ولعل أول من ذكره -كما سيأتي- من القدماء ابن أبي أصيبعة، كما ذكره من الباحثين المحدثين: محمد صديق القنوجي، وكارل بروكلمان، ويوسف سركيس، وخير الدين الزركلي، وعمر رضا كحالة.. وقد تعددت نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم في العراق وتركيا ومصر والهند وهولندا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وأميركا… كما اعتنى به نشرًا وترجمةً ثلةٌ من المستشرقين، أمثال: رودلف درلانجي، وأويغن بَيْشِيرْت، وهنري فارمر.

مخطوط المكتبة الوطنية بمدريد

رقم المخطوط(3) : Res 241، عنوانه في الظهرية: سفر فيه كتاب موسيقا أبى نصر محمد بن محمد الفا[رابي] رحمة الله عليه. عدد الأرواق: 169 ورقة. المقياس: 24 x 18 سم. نوع الخط أندلسي عتيق بالحبر الأسود مع إبراز العنوانات بخط أكبر، وهو بخط الوزير أبي الحسن بن أبي كامل نزيل قرطبة (ت. بعد 547هـ). المخطوط خالٍ من التعقيبة. أوله: «[…] كرت تشوقك الظر فيما تشتمل عليه صناعة الموسيقا المنسوبة الى القدما […] التنى ان اثبته لك في كتاب اولفه اتحري فيه شرحه وتكشيفه…».

وآخره: «… واعدادها واردفنا جدول كل جماعة بجدول اخر أثبتنا فيه ملايمات كل نغمة من نغم تلك الجماعة ومنافراتها». أما قيد الفراغ فنصّه: «وصلى الله على سيدنا محمد الكريم وسلم كتب بشقر بحول الله […] الكريم». وأسفله توقيع.

ضم المخطوط تصحيحات عدة على طرره، وهو ما يعني مقابلته على الأصل المنتسخ منه بعد الفراغ من نسْخه. ويُعَدّ المخطوط جزءًا من كتاب الموسيقا غير تام.

ولعل اللافت للانتباه في هذه القطعة هو ما ورد في الظهرية ونصه: «الكتاب بخط الوزير أبي الحسن بن أبى كامل نزيل قرطبة حرسها الله ورحمه […] ن صاحبا للحكيم أبي بكر بن الصائغ المعروف بابن باجه السَّرقسْطي الفيلسُوف رحمه الله […] ن كثيرًا ما […] حارته ابن أبي كامل المعروفة ب [د/ر…] وكان هو كثير اللزوم له وقرا عليه […] المنطق وانتسخ من عنده جملـ[ة] من أخبار أبي نصر وتواليفه».

نخلص إلى أن الناسخ هو أحد تلامذة الفيلسوف الأندلسي المعروف أبي بكر بن باجَهْ (ت. 533هـ)، وهو أَبُو الحسن عَليّ بن عبدالْعَزِيز بن أبي كامل المعروف بابن الإمَام. قال عنه ابن أبي أصيبعة: «وَكَانَ هَذَا أَبُو الحسن عَليّ بن الإمَام من غرناطة، وكان كاتبًا فاضلا متميزًا في العلوم، وصحب أبا بكر بن باجَهْ مُدَّةً واشتغل عليه. وسافر أَبُو الحسن عَليّ بن الإمَام من المغرب، وَتُوفِّيَ بقوص»(4).  وقال عنه ابن سعيد: «كاتب تميم بن يوسف بن تاشفين ملك غرناطة، وتغرب بعد هروبه من غرناطة، وسافر إلى مصر»(5).

كما يوجد مجموع رسائل لابن باجَهْ بدليل قول ناسخ المجموع نقلًا عن نسخة ابن الإمام: «قابلت بجميع ما في هذا الجزء، جميع الأصل المنقول منه، وهو بخط الشيخ العالم، الورع الزاهد، البر العدل التقي، عصمة الأخيار، وصفوة الأبرار، السيد الوزير، أبي الحسن بن عبدالعزيز بن الإمام السرقسطي… وكان فراغ الوزير، أدام الله عزه، من قراءة هذا الجزء عليه، في تاريخ أخرة اليوم الخامس عشر، من شهر رمضان سنة ثلاثين وخمس مائة(6)»؛ أي سنة 530هـ. وقد تضمّن المجموع تصديرًا بقلم ابن الإمام أوله: «هذا مجموع ما قيّد من أبي بكر في العلوم الفلسفية، فكان ذا ثقابة الذهن، ولطف الغوص على تلك المعاني الجليلة الشريفة الدقيقة، أعجوبة دهره، ونادرة الفلك في زمانه…»(7).

ما دام المخطوط بخطّ ابن الإمام، فهذا يعني أنه أقدم نص من كتاب الموسيقا وصل إلينا، وما دام نُسخ قبل سنة 547هـ، فلا يفصله عن وفاة الفارابي (339هـ) مؤلف الكتاب سوى قرنين أو أقل من ذلك. ويرد قول لمجهول على ظهرية المخطوط نصّه: «وانتسخ من عنده جملـ[ة] من أخبار أبي نصر وتواليفه»، ويمكن أن نستخلص منه أمرين:

  • أن ابن الإمام ربما نقل النسخة من نسخة كانت في حوزة ابن باجَهْ، وهو أمر غير مستبعد بحكم تعقّب ابن باجَهْ للفارابي في جملة من مؤلفاته.
  • أن ابن الإمام كتب النسخة لابن باجَهْ، «ويبدو أنها عملت لابن باجَهْ كما ورد في قائمة المخطوطات العربية في المكتبة الوطنية بمدريد رقم 602».(8)

مهما يكن من أمر، فالمخطوط يبرز اهتمام ابن باجَهْ بالموسيقا بدليل قوله: «وأما صناعة الموسيقا، فإني زاولتها حتى بلغت فيها مبلغًا رضيته لنفسي»(9).  ولا بد أن يتملك كتاب الفارابي الذي يعد أحد المصادر الأساس في الموسيقا. وقد حذق ابن باجَهْ الموسيقا وألّف فيها، حيث «كان ثمراته تواليف ورسائل عديدة جلها مفقود؛ إذ لم يبقَ منها سوى رسالته في الألحان (غير تامة)، يذكر فيها جملة من قوانين اللحن ومبادئ الطرب»(10)

هكذا ترسّم ابن باجَهْ خطى الفارابي حتى شبّه به، يقول المقري: «وأما الموسيقا فكتاب أبي بكر بن باجَهْ الغرناطي في ذلك فيه كفاية، وهو في المغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق، وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد»(11).  وهذا يبرز التأثير الفكري المشرقي في الأندلس عمومًا، وفكر الفارابي خصوصًا، «وتجدر الإشارة إلى أنّ الاهتمام بالجانب الرياضي للموسيقا شمل أيضًا المغرب الإسلامي، عبر جلب كتاب الموسيقا الكبير للفارابي، رغم أنّ ذلك لم يتعمّم ولم يولّد تطوّرًا نظريًّا ملحوظًا. إلا أن قراءة ابن باجَهْ (ت. 533هـ/1139م) لكتاب النفس جديرة بالاهتمام…»(12).

حاصل القول، يعدّ مخطوط ابن الإمام أقدم نص وصلنا الآن من كتاب الفارابي، ووثيقة جديدة في مسار الدراسات عن ابن باجَهْ لم يُلتفت إليها، وهذا من القيمة بمكان. وإذا كان ابن الإمام قد انتسخ كتاب الموسيقا للفارابي من نسخة لابن باجَهْ أو انتسخه له، فما النسخة التي انتسخ منها كتاب الفارابي؟ وهل هي تامة؟ وهل حفظت من عوادي الدهر أو اندثرت كما اندثر كثير من آثار ابن باجَهْ؟

أما على الصعيد الفني، ضمّ المخطوط رسومًا توضيحية وجداول بيانية ذات أهمية، اختصت بآلات الموسيقا؛ من ذلك آلة الشاهْرُود التي أورد الفارابي صورتها في كتابه، وهي آلة وَتَرِيَّة قديمة تُستعمَل فيها الأوتار مطلقة، كالقانون والسنطير. (كتاب الموسيقا الكبير: 116).


الهوامش:

(1)  الفارابي في حدوده ورسومه: 594، وكتاب الموسيقا الكبير: 47، 49.

(2)  مصادر الموسيقا العربية، فارمر، ص 60.

(3)  يعود الفضل في تعريفي بهذا المخطوط إلى المقال القيّم «صدى الفارابي في المغرب» للأستاذ عبدالهادي التازي، مجلة دعوة الحق، ص92، ع 9، س 18، 1397هـ/1977م. توجد مرقمنة ملونة على الرابط:

 http://bdh-rd.bne.es/viewer.vm?lang=en&id=0000008621&page=1

(4)  عيون الأنباء في طبقات الأطباء: 1/516.

(5)  المغرب في حلى المغرب: 2/116.

(6)  فلسفة ابن باجَهْ وأثرها، جورج زيناتي، ص 30.

(7)  مجموع من كلام ابن باجهْ، مخطوط مكتبة البودليان بجامعة أكسفورد، الورقة 1 على الرابط: https://digital.bodleian.ox.ac.uk/search/?q=pococke+206

(8)  أعلام الحضارة العربية الإسلامية، زهير حميدان، ج 2/428، وينظر:

Catálogo de los manuscritos árabes existentes en la Biblioteca Nacional de Madrid, p. 249

(9)  رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجه، جمال الدين العلوي، ص 78.

(10)  ابن باجَهْ سيرة وببليوغرافية، جمال راشق، ص 40.

(11)  نفح الطيب: 3/185.

(12)  الموسيقا ضمن العلوم من خلال النصوص العربية في الحقبة الكلاسيكية وما بعدها، أنس غراب، ص. 10، موقع الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية: https://philosmus.org/archives/3063

«غرافيتي» على جدران الفناء

«غرافيتي» على جدران الفناء

لكل فعل رد فعل، ولكل نظرية إثبات، نظرية نفي، ولكل ثقافة هنالك ثقافة مضادة. هذا يعني أن لكل شيء هنالك «اللاشيء» الذي يتبناه اللاشيئيون الجدد حول العالم. وهذا بدهي، ولكنه مخيف، ويهدم كثيرًا من الثقافات التي بَنتنا وعشنا عليها.

بعد كل ارتجاجٍ كبير يحدث في العالم، يتقشّر التاريخ عن ارتجاجاتٍ موازية تطول القيم والعادات والمنهج بمقدماته التي أدت إلى تلك النتائج الهزيلة. بعد تفكك الأوطان وتفسخ الاقتصاد، وبعد الحروب والأوبئة والأهوال، يحتج الجميع على الجميع، ويُحَطَّمُ المكرس والسائد. من هنا نقرأ الثقافة المضادة والهيبية والدادائية وجيل البيت والبانك وصحافة الجونزو والروك أند رول وغيرها من الحركات التفكيكية والرافضة.

ولكن اليوم وبعد انهيارات بالجملة والمفرّق، هل من حركة ثقافية تفكك أو تركّب ما يجري؟ لعلها ثقافة «اللاشيء». أستلهم المصطلح هنا من بحث كتبه جان مونتالتي بعنوان: «أولئك الذين هم لا شيء»، نعم نحن في عصر ثقافته اللاشيء، واللاشيء -من وجهة نظري- لا يعني العدم، فالعدم قد يقرأ ويُنظّر له، أما اللاشيء فلا، العدم مقابل الوجود، أما اللاشيء فلا نظير له.

عصر الاستبدال، فناء العالم القديم

في سنوات قليلة، استُبدلت مفاهيم العالم القديم برمتها، لقد اقتلع الماضي ولم يظل منه سوى أشباح بالكاد نقبض عليها في ذكرياتنا وأحاديثنا وكأنها من كوكب بعيد. نعم، من مرتكزات نظام العالم الجديد استبدال كل ما هو راسخ وعميق، يميز كل منّا عن الآخر، يجب أن نتخلى أيضًا عن الولاءات الضيقة، كل الولاءات، وألا نبالغ في إبراز هويتنا الثقافية والمجتمعية، محوها أفضل واستبدال ثقافة الأفراد الهلاميين بها، المتشابهين مثل كوكب الزومبي.

في الغالب، استُبدل بالحكومات الشركات الكبرى، ومُزّقت الهويات جميعها: الجندرية والوطنية والأيديولوجية، لم يعد هنالك مركزية لأي شيء، فباريس لم تعد تصنع العطور، وبوهيميا باتت تستورد الكريستال، كما اضمحلت السيارات الألمانية وتوارت وراء السيارات الرخيصة الجديدة، إن ختم الفرادة والتميز لم يعد بيد أحد. لقد سرقه الشيطان وطار به إلى الجحيم.

بعد انهيار أنظمة التكافل الاجتماعي والضمانات الصحية والمعونات الحكومية في الشرق والغرب، تغيّر العالم بشدة وبقسوة، وارتجّ العالم ارتجاجًا مرعبًا وأعاد تكتّله لمواجهة ما يحدث، فانتشرت الخيام بدلًا من وحدات الإسكان ومجمعات الإيواء، وتقدّمت الهجرات والنزوحات على الأوطان والاستقرار والإنتاج، وبكل قسوة؛ حلّت الآلة مكان البشر الذين أصبحوا عاطلين إلا عن الجرائم، وأكلت قروض الرهن العقاري أجناب أصحابها الذين تشرّدوا وناموا على الأرصفة، وبدأ سباق وتسارع مهول للتقنية والذكاء الاصطناعي وحروب الرقائق والحواسيب والأمن السيبراني، وقامت الفوضى وقعد الترتيب، وسُحقت العقول العادية وتعب التفكير وتراخى الطموح بعد أن كتب وقيل وأنتج كل شيء تقريبًا.

وفي خضم كل هذا، مات الأدب القديم بلا عودة، وحلّ محلّه أدبٌ جديدٌ مختلف كليًّا، وباتت الدعوة لقراءة دون كيشوت أو موبي ديك، ضربًا من العقاب والجنون. اختلفت السينما والدراما والمسرح والرسم والنحت والموسيقا. اختلف الإنسان بكلّيته، وتهاوت الفلسفة وتراجعت حتى قال المبرمج جوش بيرزو: «أي قيمة للفلسفة اليوم في عالم الديجتال؟ إنها جيدة كنموذج لرداءة المحتوى القديم وطوله وسفسطته، أي برنامج ذكاء اصطناعي اليوم أعمق من التاريخ كله».

نعم، دخلنا إلى فكرة نفي الكلام والاختزال والصمت المطبق، دخلنا إلى مرحلة انحطاط المعنى وفوضى المصطلحات وطبقية التعاطي. في هذا السياق يقول جون غاردنر: «إن المجتمع الذي يحتقر الفضائل في مهنة السباكة بوصفها نشاطًا متواضعًا ويتسامح مع الرذيلة في الفلسفة لأنها نشاطٌ رفيعٌ، لن يكون لديه سباكة جيدة ولا فلسفة جيدة! لا أنابيبه ولا نظرياته سوف تصمد».

الانحطاط، المزيد من الانحطاط

هل انحطّ الإنسان الحديث؟ هل كان ساميًا -أصلًا- وهوى؟  في عام 1946م قال جورج أورويل في مقال «السياسة واللغة الإنجليزية»: إنَّ ثمة ارتباطًا وثيقًا بين انحطاط اللغة وانحطاط الفكر، وشبّه الأمر بلجوء الإنسان الذي يشعر بالفشل إلى إدمان الخمر. الفشل سبب للإدمان، والإدمان سبب للمزيد من الفشل. علاقة تبادلية: سبب ونتيجة في آنٍ. تصبح اللغة قبيحة ومهلهلة بسبب حماقة الأفكار التي تعبر عنها، لكنَّ هذه الرثاثة اللغوية تجعل من السهل على صاحبها أن يصل إلى أفكار حمقاء.

يرى أورويل أن السياسة المتوحشة وخطاب السياسيين صارا دفاعًا عما لا يمكن الدفاع عنه. إنَّ بشاعات مثل إلقاء القنبلة النووية على اليابان، وحملات التطهير والترحيل الروسية، وغير ذلك من الفظائع يمكن الدفاع عنها، لكن بحجج شديدة الوحشية تعتمد على التحسينات اللفظية والغموض والإبهام. حيث إن قصف القرى المسالمة وقتل المواشي وإحراق البيوت بالقنابل الحارقة يسمى سياسة تهدئة. وحرمان ملايين الفلاحين من مزارعهم وتشريدهم يسمى نقلًا للسكان، أو تصحيحًا للحدود. أما سجن الناس لسنوات من دون محاكمة، أو اغتيالهم، أو إرسالهم لمعسكرات الاعتقال يسمى تخلصًا من العناصر غير الموثوق بها.

تقدم المؤثر، تراجع المثقف

ها نحن اليوم نرتهن للأقل ثقافة وبديهة وذكاءً، أولئك الذين ليس في أيديهم حساء قد يسكب على الأرض فيندمون، أولئك الذين لم يتعبوا ولم يسهروا الليالي من أجل قراءة كتابٍ واحد؛ القادمون من العدم والتفاهة والدعة والراحة والإحباطات النفسية واللاجدوى أيضًا، النرجسيون الذين يدعسون على كل شيء مقابل الظهور والمال.

ها نحن اليوم نشهد مشاهدات مليارية لمؤثر على وسائل التواصل، يجلس قبالة الشاشة ربع ساعة لا يقول شيئًا على الإطلاق، يجلس صامتًا واجمًا دون أي حركة تقريبًا. وفي كل مرة يظهر في بثّه «اللايف» نرى ملايين من المشاهدين يحضرون العرض الصامت نفسه من دون أدنى تغيير.

مؤثر آخر، يُحَطِّم السيارات الفارهة أمام المتابعين، يحرق الدولارات، ويرمي النقود من الطائرة والسطح والشرفة. ومثله مؤثر آخر، يصور لنا حفلاته الماجنة على اليخت وتحت الماء وفوق الفيل.. ومؤثر يلاحق قطط الشوارع ساعات بالكاميرا من دون أي كلمة أو خلفية موسيقية… هؤلاء لديهم متابعون يصعب عدّهم!

لا مشكلة لديَّ أنا المثقف الذي ضاع عمره بين الكتب، إنما المشكلة الحقيقية لديّ، أن هؤلاء أصبحوا واجهة «التأثير»! إن ملايين المتابعين يعني ملايين المشاهدات، ويعني إعلانات ومعلنين وملايين الدولارات. في حلقةٍ من المسلسل الكوميدي السعودي «طاش ما طاش»، يفقد ناصر القصبي وظيفته في الصحيفة، حيث يعمل محرر عمود أدبي رصين، ويجد نفسه بسبب انقطاع موارده بين يدي مؤثرة «فاشينيستا» تحتاج إلى مستشار إعلامي يبدع لها «شتائم» لائقة لمنافساتها، ثم تطرده ليقرر هو أن يتحول من الكتابة إلى البث «اللايف» ليقدم محتوى يليق بالعصر الجديد، ويصبح غنيًّا بشكل مضحك! إن تغوّل المؤثرين بدأ يقلق العالم؛ إذ أصبح ظاهرةً عجيبةً في وقت يزداد فيه العالم ضحالة بسبب قلة التفكير اليومي وأدواته. حيث نرى كثيرًا من المؤثرين المُتابعين بالملايين لا قيمة لمحتواهم سوى من خلال عدد متابعيهم الذين فضّلوا وركنوا إلى الراحة العقلية وعدم التفكير. وبحسب برنارد نويل في كتابه «موجز الإهانة»، فإنه «لا يمكن للمعدة أن تتحمل الإمساك عن الطعام، أما الذهن يتعود بسهولة عكس ذلك، وكلما ازداد ضموره قل إحساسه بالحاجة. المبالغة في منع الغذاء عن العقل لا يعطيه شهية، بل يجعله يشعر بالاشمئزاز والتعب من الغذاء».

في حادثة شاعت، طلبت فتاة مؤثرة من أحد الفنادق في دبلن غرفة لمدة أيام مقابل إعلان. أجابها الفندق برسالة تصلح لأن تكون قانونًا علينا الأخذ به في التعامل مع هؤلاء الضحلين الذين دفعهم جمهورهم إلى الواجهة دون أي مبرر سوى التفاهة. قال الفندق في رسالته: ‏«شكرًا لك على الإيميل الذي يبحث عن إقامة مجانية مقابل الدعاية، يتطلب الأمر الكثير من الشجاعة لإرسال رسالة مثل هذه، ولكن ليس الكثير من احترام الذات والكرامة. ‏إن تركتك تقيمين هنا مقابل فيديو عنا، من سيدفع المال للعمّال الذين يعتنون بك؟ من سيدفع لمن سيقوم بالنظافة بغرفتك؟ وهؤلاء الذين يقدمون لك وجبة الإفطار من سيدفع لهم؟ عامل الاستقبال الذي سيسجلك؟ من سيدفع للإضاءة والتدفئة التي ستستعملينها من أجل إقامتك؟ ربما يجب أن أخبر طاقمي أنك ستتحدثين عنهم أيضًا في الفيديو لكي تدفعي لهم مقابل العمل الذي تم خلال إقامتك. ملحوظة: الإجابة هي لا».

خرجت الفتاة باكية على بثّ «لايف» لجمهورها تستنصره وتستخدمه لمواجهة صلف الفندق، وهو ما عرضه لحملة تشويه كبيرة إلا أن الفندق لم يذعن لتلك الضغوطات وخرج ببيان رسمي جاء فيه: «بعد تلقي الكثير من الإهانات إثر قيام مدونة غير معروفة بطلب غرفة مجانية، اتخذنا قرارًا بمنع المدوّنين كافة من الدخول إلى فندقنا والمقهى كذلك. إن حسّ الاستحقاق والحصول على أشياء كأنها حق، وهي ليست كذلك، هو أمرٌ راسخ للغاية لدى مجتمع المدونين. وما حدث يضع الكثير من الأسئلة حول مصداقية مجتمع المؤثرين، علمًا أن تلك المؤثرة كانت ستتحدث بطريقة جيدة دون النظر إلى السلبيات لدينا إن وافق الفندق على إقامتها مجانًا».

من أين بدأ الأمر؟

أفكر كثيرًا من أين بدأ الأمر؟ لا أعرف! ولكنه وصل إلى مكان منفلت وغائم وضبابي… إلى اللاشيء. من ينظر في الكتب الأكثر مبيعًا اليوم، يعرف تمامًا أين نحن، كتب لا تقول شيئًا لعالم لا يريد أن يسمع شيئًا. قرأت أحد هذه الكتب الذي يتحدث عن فتاة عمرها 15 عامًا كانت تسجل يومياتها مع والديها وهما ينحازان لأخيها، هذا الصباح أخي أخذ بيضتين بينما أنا أخذت بيضة، قبل النوم، أمي طبعت قبلةً على جبين أخي بينما نظرت لي بعصبية وأغلقت وراءها الباب… هكذا، والطريف في الأمر أن هذا الكتاب عاد بمليون دولار للفتاة التي استمرأت اللعبة، فكتبت كتابًا آخر عن اختلاف تعامل أبويها بعد المليون دولار!

لقد غابت القضايا الكبرى من الفنون وحلت محلّها الفردية الضيقة التي غالبًا ليست ذات بال. إن فوز بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب هو إشارة مباشرة لخروج العالم الجاد من اللعبة، ثمة خطاب جديد حلّ محل الخطاب القديم، هل فاز ديلان بشكل اعتباطي؟ لا أظنه كذلك بتاتًا، إن نص ديلان يقرأ المؤشرات الجديدة من حوله ويتصل مع المجتمع بلغة جديدة جريئة تخطو فوق المنهجية والنظريات النقدية، بل حتى لا تعرفها من أصله، لكن هل هو الأدب الذي نعرفه؟ لا أظن ذلك بتاتًا مرةً أخرى.

لعل أول الكتب التي أشارت إلى تدحرج القيم والحياة المجتمعية نحو الفردية المنغلقة، هو كتاب كريستوفر لاش: «ثقافة النرجسية: الحياة الأميركية في عصر التوقعات المتضائلة»، الصادر عام 1979م. يعد الكتاب رحلة أكاديمية ونفسية وثقافية وفنية واجتماعية، يحاول بها الكاتب الكشف عن جذور وتداعيات تطبيع النرجسية المرضية في الثقافة الأميركية في القرن العشرين. يقترح لاش أنه منذ الحرب العالمية الثانية، أنتجت أميركا نوعًا من الشخصية يتوافق مع التعريفات السريرية لـ«النرجسية المرضية». هذا المرض ليس مشابهًا للنرجسية اليومية، وأنانية اللذة، ولكنه يشبه التشخيص السريري لاضطراب الشخصية النرجسية. ويحدد أعراض اضطراب الشخصية هذا في الحركات السياسية الراديكالية في الستينيات مثل حركة (Weather Underground)، وكذلك في الطوائف والحركات الروحية التي راجت في السبعينيات. يرى لاش النرجسية كحالة من العظمة والفراغ الداخلي، حيث ينظر النرجسي إلى العالم على أنه مرآة له. وتكشف النرجسية عن الذات القهرية وأوهام الشهرة والسلطة والجمال. ويتمثل الجانب المظلم للنرجسية في الغضب المكبوت والحسد والميل إلى الانخراط في علاقات سطحية واستغلالية. ويتوقع لاش الأسوأ… نحن إذًا في الأسوأ الآن.

لقد جرى تفكيك كل الكتل بنجاح: الأسرة، والمجتمع، والأحزاب، والنخب، وباتت النجاة الفردية مطلبًا جماعيًّا. ها نحن اليوم نرى كيف يوظف النظام العالمي الجديد كل أدواته لتدمير «البطريركية» والسلطات بكل أشكالها. إن رواية لاش عن تأثيرات الثقافة النرجسية في العلاقات بين الجنسين متشائمة بالقدر نفسه. فهي تقلل من أهمية العلاقات الوثيقة وتقوض الزواج، حيث تهرب النساء والرجال من التشابكات العاطفية العميقة بحثًا عن أشكال أقل تطلبًا من الاتصال.

المهمة المستحيلة!

إذًا، ها نحن نقف على حطامنا بشكل أو بآخر، لم يعد هنالك جمهور للسيمفونيات الكلاسيكية ولا مؤلفون، الآداب والكتب بأغلفتها المذهبة باتت مخيفة ومضحكة، ربطات العنق هي الأخرى وضعها كوضع السيمفونيات والفرق النحاسية، المتشردون على الأرصفة، شكّلوا فرقًا مسرحية وأدبية بعدما طردهم المتن المتوحش، مثلما وجد فنانو الغرافيتي الكثير من الجدران المهترئة والقبيحة للرسم عليها.

يقول بيري جيستمان: «عندما كنا أطفالًا في مدينة نيويورك في سبعينيات القرن العشرين، وُلدنا في عالم مغطى بالطلاء. قد تكون الجدران والقواعد والقوالب حتى المشعات مغطاة بست أو سبع طبقات من الطلاء النظيف. حتى ظننا أنها تساهم في تماسك المبنى! كان هنالك كثير من الصرامة لأن يبدو كل شيء نظيفًا وغير قديم. إنما في مدة وجيزة لم يعد أحد يهتم! ربما الأزمات الاقتصادية عوقت الترميم، تقشرت الطبقات وتشققت. وحذرنا من تناولها. وهذا جعلنا نتساءل: هل كانت صالحة للأكل؟ انفجر الغرافيتي انفجارًا، وفي الثمانينيات كانت المدينة كلها مليئة برسوم الجدران حتى إن المترو طُلِيَتْ عرباته المتحركة بطلاء مقاوم للغرافيتي، أولًا باللون الأبيض الغامق، ثم باللون الأخضر الغابي والبورجوندي».

في مقال كتبه توم بينجام، حلل فيه أولمبياد باريس وانعكاسه على العالم وانعكاس العالم عليه، قال: «من بين كل هؤلاء الرياضيين العظام، أبطال الكوكب، يهبط علينا توم كروز لينقذ هذا التجمع الهزيل للعالم الحديث! هل كنت سأصدق حقًّا، بعد كل هذا، أن توم كروز سوف يأخذ العلم الأولمبي للمريخ وينقذ العالم فجأة مرة واحدة وإلى الأبد؟ بصراحة، لا أعتقد ذلك. ولكن لا بأس، على الأقل إنه وجه نعرفه، حتى وجهه المرسوم بأربع حقن بوتوكس، يبدو مألوفًا لنا كذكرى عابرة وحنين لمرحلة يمكن التعرف إليها بوضوح في صخب التناقص العالمي، عمومًا كان وجوده يشي بأن القضية ما هي إلا مهمة مستحيلة».

إننا نودع بالفعل حقبةً تبدو لنا رائعة، (لا نعرف ما رأي الجيل الجديد!) فإذا كان من يختتم ألعابنا الأولمبية الرصينة التي تطورت عن الفلسفة والأخلاق هو توم كروز، الرياضي المزيف، إلى جانب سنوب دوغ، النموذج السيئ السمعة، الذي يشير بيديه وأسنانه الذهبية لكل تنازلاتنا الثقافية وهو يقف بين آلاف الرياضيين أصحاب المثل والقيم العليا بمخدراته وتهتكه الأخلاقي، وإذا كانت تحديات التيك توك بين اثنين مجهولين يتشاتمان تحظى بملايين المشاهدات بينما لا يعرف أبناؤنا هيغل، وطوابير أجهزة شراء إصدار جديد من موبايل أطول من طوابير المسرح والسينما بعشرات الأضعاف، فلنستعد لعقد معقد أكثر من الذي نحن فيه ومرحلة قاسية من الاستبدال.