«طبول الوادي» لمحمود الرحبي… حياةٌ بين واقعين

«طبول الوادي» لمحمود الرحبي… حياةٌ بين واقعين

الوادي الذي ليس فيه طبول، ولكنَّ ما يُقرع فيه هو تباين الحياة التي على ضفتيه. حياةٌ متذبذبة بين واديين هما وادي السحتن ووادي عدي. ولكل وادٍ منهما حياته الخاصة وشخوصه الذين رضخوا لممارسة الحياة كما كُتبت لهم، سوى من أراد له الكاتب، محمود الرحبي، الذي يفاجئنا دائمًا بجديده في أسلوب كتابته وإصداراته. ليس العنوان وحده الذي يشد القارئ ويجعله يتردد بين الأودية، وإنما الأحداث التي تقع بين تلك الأودية وما حولها.

البحث عن الحرية

بدأ الكاتب في سرد روايته على لسان الشخصية الأساسية للرواية واستمر بذلك في عناوين عدة. ثم تبعتها عناوين أخرى كان السارد هو الكاتب نفسَه. وبعد ذلك عادت الحكاية للشخصية التي يكتب عنها. وفي كل ذلك لم يتقيّد الكاتب بالسرد حسب أزمنة الحدث. وهذه مزيّةٌ أستطاع الرحبي أن يقود بها القارئ بين ضفاف أوديته دون أن يسقط في أي منها.

محمود الرحبي

تتناول الرواية الفارق بين حياتين عاشهما بطل الرواية سالم في وادي السحتن ووادي عدي؛ إلا أن البحث عن الحرية هو الثيمة الأساسية في الرواية، بل تكاد تكون موتيف الرواية أيضًا، لما تخللته الرواية من إشارات صريحة وتلميحات. ليس سالم وحده الذي هرب من وادي السحتن إلى وادي عدي ناشدًا الحرية؛ بل حتى والده -المسبب لذلك الهروب برصاصة بندقيته- كان أيضًا يمارس الحرية؛ سواء مع ولده أو مع الآخرين. إذًا فالحرية هي المسيطرة على معظم الرواية، بل ربما تعدّت ذلك إلى أن الكاتب نفسه وجدها سانحة في ممارسة حريته، في إدخال بعض المفردات من اللهجة العامّية وبعض اللغات غير العربية.

يقودنا ذلك إلى الحوار الذي أضفى عليه الكاتب أسلوبًا مميزًا، فعلاوة على اللغة الفصحى الأساسية للرواية نجد الحوار أحيانًا بمفردات عامية، وأحيانًا بلغة عربية وهندية مكسرة، كالحوار الذي دار بين شبوت الهندي وسالم. وهناك حوارات أخرى بلغات بلوشية وهندية وسواحلية. لكن الكاتب وصف الحوار في موضعين مختلفين بأنه «كلام غير مهم»؛ كي لا يرهق شخصيته في البحث عندما كان يستمع للمتحدثَيْن. وعلاوة على الحوار المكتوب والحوار الذي أشار إليه الكاتب من بعيد؛ فهناك الحوار الصامت، إن صح التعبير. فقد ورد في الرواية ما يشير إلى حديث الطبيعة ولا سيما شجرة القاو التي كانت تقف شامخة تراقب ما يدور تحتها.

وبالرجوع إلى الحرية فإن للكاتب رأيًا خاصًّا في توزيعها على مكونات روايته. ومن بين هذه المكونات بطله سالم الذي ترك أسرته وقريته لكي يمارس حرية التدخين أولًا، ثم تلا ذلك حريات أخرى وجدها في العاصمة التي فتحت له ذراعيها، وأتاحت له ما كان ينشده من ممارسة حريّته فوق ما يتوقع، مما لم يستطع بعده الرجوع للاستقرار في قريته بوادي السحتن. وهنا مارس حريته في اختيار بلده المصيري بعد وفاة والده.

وقد تجاوزت الحريةُ الشخصياتِ الأساسية إلى الشخصيات الثانوية في الرواية. ففي حديثه عن البيوت «كان الأطفال يدخلون ويخرجون منها بحرية»، وشملت الحرية كذلك الكائنات الحية من الأشجار والعصافير «وهي تتنقل بحرية من غصن إلى آخر»، حتى الجمادات مثل الأفلاج وشعور النساء التي يصفها بـ«المتحررة».

الحياة بين زمنين

الحياة بين زمنين هي أكثر ما احتوت عليه الرواية، وذكرها سوف يطيل الحديث؛ لأنه يكاد لا توجد صفحة إلَّا اشتملت على مقارنة بين حياتين. وأكثر ما في ذلك حياة القرية وحياة المدينة. ويأتي في الرواية على أشكال متعددة سواء برواية الكاتب أو برواية شخصياته.

وتجدر الإشارة إلى وجود ما يمكن أن يكون ضربًا من التورية عند الحديث عن الفارق بين حياة القرية وحياة المدينة إلى أبعد مما جاء في الرواية، على الرغم من وضوح محتوياتها وأماكنها وشخوصها. ولكن إذا ما ذكرنا الحياتين على خطين متوازيين فإنه يمكننا اكتشاف الفوارق البديهية، التي قد تطرأ لكل من تهيأت له الظروف لمغادرة الحالة التي هو عليها إلى حالة أخرى يرى فيها الحرية المطلقة. وباستطاعته ممارسة نمط حياة مغايرة على ما اعتاد عليه. ويمكن توظيف هذا التحول في موضوعات وظروف حياتية متعددة. وهنا تكون الحرية للقارئ في هذا التوظيف. ولننظر كيف استطاع الكاتب أن يبسط حريته حتى للقارئ. ليس في هذا وحسب، وإنما جعل له أيضًا حرية التخيل فيما بعد قراءته لهذه الرواية، التي لم يجعل لأحداثها نهاية. مثال على ذلك، عندما احتل زهران دور البطولة، بعد أن بدَّل نمط حياته بالانتقال من وادي عدي إلى وادي السحتن، في تبادل للأدوار حدث مصادفة بينه وبين سالم؛ لكي يجد كل واحد منهما أن واديه البديل هو الأفضل. يذهب كل واحد منها لممارسة حياته الجديدة. وهنا يبين الكاتب الفارق العجيب بين زهران وسالم في نظرتيهما للقرية والمدينة.

الدليل على سعة إدراك الكاتب بمجريات الحياة هو استخدامه للخطاب التأملي، وقد تمثل في بعض الأقوال الرائعة التي ربما اخترعها بنفسه. في صفحة 111 يقول: «حين يكون لديك سقف فإنك الثابت كمركز والعالم يدور حولك»، جاءت على لسان سالم معبرًا عن فرحته بعد انتقاله من بيت العمّال، حيث كان يسكن في سطحه دون سقف، إلى البناية التي احتضنته وأسس فيها تجارته البسيطة. وبعد 5 صفحات جاء قول آخر أكثر عمقًا وهو: «إن المرأة التي لا تعرف الصراخ لا يمكنها أن تعرف الحب»، وفي صفحة 141 قال: «إن العصا إذا تحولت إلى صديق فلا يمكنها أن تربي أحدًا».

علاوة على ذلك، هناك لفتة تاريخية أشار إليها الكاتب في مواضع عدة عن أحداث زنجبار في حديث شخصية زهران الذي هرب من «مذبحة الستينيات»، وأصبح يحكي قصته قبل الهروب وملخص الأحداث التي كانت تجري هناك. وفي موضع آخر اشتملت القصة على بدء المؤامرة وغياب الأمن. وأخيرًا عندما اختار وادي السحتن مقرًّا له «كأنما تذكّر ماضيه وطفولته في زنجبار» لما وجده من الطبيعة التي «لم يكن يراها سالم».

وأخيرًا يجدر بنا الحديث عن مزية أخرى امتازت بها الرواية وهي التأني في السرد. وجاءت هذه الميزة في صورٍ متعددة: منها ما يكون في حالة شخصياتها، مثل ما حدث أثناء هروب سالم، ووصوله إلى العاصمة وتجواله في شوارع وادي عدي ليكتشف القارئ هيئته، بعد صفحات عديدة، بأنه لا يزال حاسر الرأس. وكذلك تأخر استغراب سالم من نمط الحياة في وادي عدي، عندما أشار الكاتب إلى ذلك بعد مدة. والمدة التي قضاها سالم قبل أن يسأل الهندي عن اسمه، وكذلك التأني في إجابته عن السؤال المعاكس. وأطول مهلة وضعها الكاتب هي عودة سالم إلى القرية وهي لم تكن لولا وفاة والده. وهناك أحداث فاصلة ذكرها الكاتب وربما تكوّن مهلة للقارئ، منها ما جاء تحت عنوان: «بيت بلا سقف» وأحداث أخرى متفرقة بين العناوين الأخرى.

الغفران مستوحاة من قصة «التاجر والجني» ألف ليلة وليلة

الغفران مستوحاة من قصة «التاجر والجني» ألف ليلة وليلة

لم أفكر لحظة أن الموت قد يصيرُ قريبًا مني إلى هذه الدرجة. أنا الآمر الناهي، سليل جني سليمان الأثير خريط بن زخبيلة، حارس التلال وملك الجبال، الذي يملك بصرًا يمكِّنه من النفاذ في الجدران الصلبة، والصخور القاسية، والرمال المتراكمة، والجلاميد البارزة، وبصيرة تعينه على رؤية الكلمات وهي براعمُ تتشكل، والخطط قبل أن تنضجها نارُ التفكير في عقول أعدائه، فيفاجئهم بما لم يخطر لهم على بال. يرعبُهم كلامُه، ويقهرُهم صمتُه وتؤرقُهم عزيمتُه وجبروتُه.

كان الموت بعيدًا من مملكتي، ومن عرشي، باستثناء أنه يجيء كل بضعة عقود ليحصد روح بشري ممن اصطفيتُهم في عرشي. غفرتُ لهم تلهفهم على كنز قطع الذهب. إنهم يموتون بعد بضعة أيام بحساب أعمار الجن، لكنهم يعيشون سعداء إذ يعتقدون أنهم امتلكوا الثروة. أحبوني لأنني ملأت جيوبَهم وخزاناتِهم وصناديقَهم الخشبيَّة بكنوز الأرض والبحر، وخدموني كما لو كنت من لحمهم ودمهم. كنت أخمد الغيرة في مهدها حينما تشبُّ في نفوس قوَّادي، فخلف عرشي مكتبة تصطف فيها قماقمُ النحاس. من يعص لي أمرًا، من يتعرض لبشري بسوء يعش قرونًا مدكوكًا مدحورًا في قمقم يستقر في أعماق البحيرة أسفل عرشي.

أدركتُ أن البصر ينفذ عبر الجدران لكنه لا يخترق حجاب الغيب، وأن القوة تقف عاجزة أمام الغفلة، وأنك قد تطوي البحار طيًّا، وتدك الجبال دكًّا، وتلامس السماء، لكن سلطانك العظيم يبدو أقصر من صولجانك. وقوتك تصير حبيسة جسدك لا معنى لها.

كنت أمارس قيلولتي بعينين نصف مغلقتين، أنشغل بشمِّ رائحة البخور والورد والأخشاب حتى روائح الجلد مهما أخفتها النظافة. أُميِّز إن كان شذا العطر صادرًا عن الملكة، أو ابنتي، أو الجواري. أفكر -كما أفكر على الدوام- أنه لا شيء في مملكتي يقلقني سوى ذلك السكون الأبدي. وما من شيء قادر على هز مملكتي، ولا حتى الموت، لكنه جاء فجأة واختطف ولدي.

لا يكف الصبي عن اقتحام مناطق الجند. كان يهرول في الأرجاء بينما ينشغل أحد حراسي بالتدريبات في ساحة خارج القصر، وكان الحارس في ذروة الكرِّ. أراد أن يغمد السيفَ البتَّار في قلب عدوٍ لا يراه، عدو يقف خلفه. وقد تصوَّر الحارسُ أنه يغمده في الفراغ، لكنه أغمده في قلب ولدي. زأرتُ فتصدَّعتْ جدران المملكة. انتاب القلوب الفزع، وخمَّن الأعداء أنها قيامتهم. وفي لحظة واحدة أحاطتني الملكة والابنة والقواد والوحوش والحيوانات الكاسرة والأفاعي، وفي عيونهم الدهشة والفزع والأسئلة. ارتجفتُ وأنا أشاهد الحارس من وراء الجدران يحمل ولدي، ويسير بساقين مهتزَّتين نحو بوابة القصر.

* * *

يوم المحاكمة لم يرفع الحارس وجهه من الأرض. جثا ولمس طرف الصولجان بشفته. كانت الملكة غاضبة؛ لأنني سمحت له بالحضور بدون أن آمر بتصفيده في أغلال النار، لكنها لم تجرؤ على عصياني، لا هي ولا ابنتي ولا قوادي.

أشرت للحارس فوقف، ومن خلفه وقفت مملكتي. قلت:

– فلتعلم أنني أُميت لكن لا أُحيي. الإله وحده يحيي ويميت. لو كانت لديَّ القدرة لأحييت ولدي، ومن قبله قومي على مدى الزمان وصولًا إلى أجدادي في مُلك سليمان. ولتعلم أيضًا: لو أردتُ لخلعت قلبك دون أن أتحرك من مكاني، لو أردت لحوَّلت دماءك إلى حديد مصهور، لو أردت لصيَّرتك تمثالًا من الصلصال التافه تكسره الريح إذا زمجرت، أو نفثة دخان في قمقم، لو أردت لأمرت البحيرة التي تقف فوقها أن تلقمك، فقل لي كيف أحصد روحك؟

خُيل إليَّ أن الحارس تحوَّل إلى تمثال من تلقاء نفسه. لم يتحرك ولم يهمس لمدة مرت بطيئة جدًّا، حتى قال:

– اعلم يا مليكي العظيم أنني وهبتك روحي عن رضا حين وقفتُ أمامك ها هنا منذ مئة سنة. لطالما تمنَّيتُ لو يحصدها عدو وأنا أدافع عن جلالتك، وأرفع راية سلطانك العظيم في كل الممالك.

تسرَّب إليَّ همس عقول شيوخ وشباب ونساء مملكتي. بعضهم يراه بريئًا لم يقصد ارتكاب ذنبه، وبعضهم يعتبره جانيًا متهورًا، خاب ظنهم في فطنته وسرعة رد فعله، لكنني عدت للتركيز مع الحارس. قلت:

– ما أنا بظالم ولا جبار. لن آمر بحصد روحك، ولن أسمح لأحد بمطاردتك إن وهبتك حياتك، ولا بقتل ابنك. إنني أحكم عليك ومن قبلك على نفسي بالصفح فأزيدها حريقًا، لكني أحكم عليك أيضًا بأن تعاني من اللعنة التي وصمتني بها. لعنة تحمُّل الصفح بعد أن تفقد عزيزًا لديك. إن ألم الغفران أحيانًا يكون أشد على النفس من ألم الموت.

تحركت الأقدام وتصاعدت الهمسات فصارت جلبة كبيرة تعصف برأسي. أنهيتها ضاربًا بصولجاني سطح البحيرة. تناثر رذاذها على المملكة فأسكتها.

* * *

راقبته لمئة سنة يهيم على وجهه في صحراء سومر، صحيح أنه ينعم بقرب زوجته وولده إلا أنه يقضي أيامه واجمًا. يفكر فيما اقترفته يداه. قلبه مثقل بحزني ومحبتي، وعقله أسير لعنتي.

في أحد الأيام خطر لي أن أتجسَّد له في صورة شيخ عنده علم الكتاب. آنس لي، فقد تجسَّدت بوجه شيخ علَّمه صغيرًا.

سألته:

– لماذا أنت بائس وأنت في جنتك الصغيرة؟

فقال بأسى:

– الجنة في القلب. تُقفر إن أقفر.

فسألته:

– هل تخشى مغبَّة اللعنة؟

فقال بحسم:

– إن مات ابني مت معه.

فقلت دهشًا:

– لكنك تعيش ميتًا وأنت حي.

فقال بتسليم:

– كأنني شوكة تنبت في صحراء الانتظار.

فتساءلتُ وقد رقَّ قلبي له:

– هل أخطأ الملك بإنزال لعنته عليك؟

فقال وهو يهز رأسه:

– كان كريمًا مع روحي.

فسألته وأنا أراقب زوجته وهي تلاعب ابنهما:

– قد يقصد بلعنته موت زوجتك؟

فقال بصدق:

– لو عَلِمتْ أنها المقصودة لقدَّمت روحها عن طيب خاطر.

فقلت وأنا أعود لمطالعة وجهه ولحيته المعفرة:

– تعلم أن الملك لا يستطيع فك لعنته.

فنظر لي مبهوتًا كأنه يعرف الحقيقة لأول مرة، لكنه قال:

– أغفرُ له الآن، لكنني لا أطيق المزيد من الغفران.

* * *

بعد خمسين عامًا أخرى كان الحارس يراقب ولده وهو يلاطف السحالي، بينما تغط زوجته في النوم تحت أجمة من أشجار «دقن الجن». لحظ أن تاجرًا يمر بالطريق كما يمر به كل شهر تقريبًا. أناخ ناقته. أخرج من حقيبته قِربة، وقطعة خبز وكيسًا مملوءًا بالتمر.

ولده لمح التاجر الذي كان يغنِّي بصوته الرفيع ليؤنس نفسه، وكان الولد قد ألِفه مثلما ألِفه أبوه الحارس وزوجته فلم يكف عن لعبِه. شاركه التاجر اللعِب بدون أن يقصد، فكلما أكل تمرة، صوَّب نواتها على رأس السحلية، لكنه أخطأها مرة بعد مرة، حتى هربت واختفت تحت حَجَر. ثم فجأة بدأ التاجر يلقي الأنوية في كل اتجاه، حتى أصابت إحداها عين الولد، فسقط كأنه حجر ثقيل على الأرض.

نهض الحارس. طار في الهواء إلى ولده. جسَّ نبضه، وتأكد أنه مات في الحال. كاد يصيح: يا نجوم انكدري، ويا شمس انفجري، ويا سماء انطبقي. كان يصرخ دون أن تغادر فمه الصرخة. ما أقسى الموت. إنه لعنة لا تميِّزُ بين الجن والإنس. يأتي في غمضة عين، إن لم يكن بالسيف فبنواة بلح. استل سيفه البتَّار واتجه إلى التاجر. تجسَّد له كمارد. صرخ فيه:

– سأقتلك كما قتلت ولدي.

فزَّ التاجر مرعوبًا وصاح:

– أنا لم أقتل ولدك ولا قتلت ولد أحدٍ آخر، إن أنا إلا رجل مسالم، يسعى لرزقه بين التجَّار، من قرية إلى قرية. المؤكد أنك أخطأت هدفك وتقصد شخصًا آخر.

فقال الحارس بنفس نبرة غضبه:

– كنت تُلقي بالنوى في كل اتجاه فأصبت ولدي فمات في التو.. قل لي كيف أحصد روحك؟

فصاح التاجر برجاء:

– لم أقصد أن أقتله. إن أنا إلا رجل تعِس أنتم أهل الجن تروننا ولا نراكم، فما ذنبنا ونحن أقل منكم قوة وشأنًا؟!

فقال الحارس بغضب أكبر:

-ذنبكم أنكم تنشرون الخراب في كل مكان تطؤه أقدامكم. قل لي كيف أحصد روحك؟

بدأ التاجر يبكي وقال برعب:

– لي زوجة وابنة جميلة كانت ستتزوج بعد أيام، فإن اختفيت فستحزن ولن تتزوج من بعدي. هل تمهلني وقتًا لأشهد زواجها وأعود إليك في مثل هذا اليوم من العام القادم؟

ولما رأيتُ إصرار الحارس على الانتقام لولده من التاجر، تجسَّدت له من جديد في صورة الشيخ، وقبلها مرَّرتُ يدي على رأس الزوجة النائمة وألقيت عليها تعويذة بألا تصحو، وصحت به:

– اعف عنه كما عفا عنك الملك.

فقال بغضب:

– ليته ما عفا عني. لقد لعنني بما هو أكثر قسوة من الموت.

وكان التاجر يظن في أثناء حوارنا أن الحارس يفكِّرُ في كلامه فامتلأ بالرجاء والأمل.

قلت للحارس:

– الغفران مؤلم لكنه يطهر الروح.

فقال الحارس بغضب:

– الحكمة تليق بالفلاسفة والملوك، والغضب خُلِق للجنود.

فقلت:

– أعطه فرصة على الأقل ليودع زوجته ويزوج ابنته.

فنظر الحارس إلى التاجر وقال منذرًا:

– اعلم أنني أعرف أصلك وفصلك. أعرف عنوانك، وأرى أولادك وزوجتك الآن بينما تمثل أمامي وهم يتحلقون في الطابق الأرضي من بيتك في سومر، فإن تأخرت عليَّ جئت وقبضت روحك وأرواحهم عقابًا على عدم برِّك بوعدك.

فقال التاجر وقد لاحت على شفته شبه ابتسامة سرعان ما ماتت في كومة ملامحه الميتة:

– في الموعد أسلمك روحي.

وبينما يبتعد أبطلتُ التعويذةَ فاستيقظت الزوجة. اقتربتْ من ولدها وحين لمستْه صرختْ فرددت الوديانُ صرختها.

* * *

لم تكن بالحارس رغبة في الكلام، لكنه لم يقو على إحراجي. كانت زوجته تجلس على مبعدة ساهمة، ألقيت عليها تعويذة بألا تسمعنا. قلت له:

-أعلم أنك كذبت على التاجر فأنت لا تستطيع رؤيته من بعيد. تلك قدرة خاصة بالملك فقط.

فقال بدهشة وتسليم:

– لكنني دخلت رأسه وعرفت كل شيء عنه.

فمددت يديَّ وقربتهما بحيث تصنعان دائرة، ثم سرعان ما امتلأت المساحة بينهما بدخان، ما لبث أن تشكل صورة للتاجر في بيته. ابنته تمسح دمعه وتهتف:

– لن أبعد عنك يا أبي. البيت بجوار البيت وإذا شئت أن نعيش معك هنا أنا وزوجي. لماذا تبكي منذ أمس؟!

وقالت زوجته:

– أنت لم تقرب الماء والطعام، كأن بك ضرًّا.

ووضعت ابنته الجميلة يدها حول رقبته وقالت:

– اشتقت إلى حكاياتك الغريبة عما تقابله في الصحراء.

ويبدو أن كلماتها حفزت الأب فقال وقد بدا على وجهه الارتياح من قراره بالإفضاء بسرِّه:

– هذه المرة قابلت حتفي. لا أستطيع أن أطوي السر في أعماقي أكثر من هذا.

وانتبهت المرأة والفتاة إلى أن هناك نذيرًا يحوم في ملامح وجهه، والأمر أكبر من حزنه على فراق ابنته حين تتزوج. مضى يحكي لهما ما كان من أمر أكله التمر وإلقائه النوى وظهور الجني وطلبه روحه بعد مقتل ولده. راحتا تبكيان بحرقة، حتى نشعت دموعهما على الجدران، وكانت كلماتهما تخنقه أكثر مما تريحه.

– نهرب إلى مدينة أخرى. معنا مال يوصلنا إلى نهاية العالم.

– نبحث عن رجل يخاوي الجن ونجد من يتوسط لك.

– خذنا معك سنموت جميعًا.

– لو شاهدنا الجني فربما يرق قلبه لك.

– لعل الجني يقصد إنسيًّا آخر.

– سندعو الله أن يحرقه.

مضت الأيام ثقيلة. أصر على زواج ابنته. قبلت صاغرة تحت ضغط دموعه وتوسلاته. قال لها بينما يمسك رضيعها بعد تسعة أشهر وأيام:

– طلبت أن يكون موعدي مع الجني بعد عام حتى يتسنى لي رؤية ولدك، علميه الشجاعة، (ابتسم بحزن) لكن حذريه أن يلقي النوى في الخلاء.

وجاوبتْ طلبه بهزة ودموع.

* * *

في اليوم الموعود أطلعتُ الحارسَ على رحلة التاجر.

في الطريق قابل رجلًا رقيق الملامح، ذا شعر مجعَّد، وبشرة سوداء صافية كأنها ليل الكهوف، يحمل على كتفه قردًا صغيرًا، تلمع عيناه بالذكاء، وسأله عن وجهته، فقال التاجر: إنه ذاهب لتسليم روحه إلى جني قتلَ ولدَه. عجب الرجل وفزع، وسأله ما حكايتك؟ استمع إليه، وتعاطف معه وطلب أن يصحبه إلى هناك ليحدِّث الجني فربما يقنعه بالعفو عنه. سأله التاجر:

– ألا تخشى أن يبطش بك أيضًا؟

فقال الرجل:

– لقد أرسلتني العناية إلى طريقك. ربما أكون سببًا في نجاتك. والجني لا يحمل ضغينة إلا لمن آذاه. البشر فقط ينشرون الأذى في الطريق.

وبينما هما يسيران قابلا رجلًا بدينًا، ذا ملامح حادة، يمسك في يده بسلسلة حديدية تنتهي بثلاث سلاسل تقبض على رقاب ثلاث بنات آوى. كانت تزمجر فيصيح بها فتصمت. سألهما البدين عن وجهتهما. تطوَّع الرجل الذي يحمل القرد بحكي قصة التاجر. تأثَّر البدين
واتخذ قرارًا بمرافقتهما. في أثناء سيرهم قابلهم قزم رأسه لا يكاد يحاذي ركبة التاجر، ذو خلقة بشعة. شعر التاجر ناحيته بالنفور، لكن القزم تحدث بصوت بدا كأنه لشخص آخر، قوي رزين. سألهم عن وجهتهم. تطوع الرجل الذي يحمل القرد بالحكي مرة أخرى، فتحمس القزم لمصاحبتهم.

أخيرًا وصلوا إلى مكان اللقاء. قلتُ للحارس قبل أن يتجسد:

– عذاب الغفران أقل من أذى الانتقام.

فقال الحارس:

– سأغفر له بعد أن أقتله.

ثم تجسَّد بضخامته المهيبة وبسيفه البتَّار. بدا على الثلاثة المرافقين أنهم لم يهتزوا لظهوره، بينما ذرف التاجر دموعًا صامتة كانت تسقط قطراتٍ قبل أن تتحول إلى خطين قويين ألانا الرمل.

الحارسُ سأل التاجر بغضب:

– قل لي كيف أحصد روحك؟

لكن القزم هو من تحدث:

– يا سيَّدي. لقد قابلنا التاجر في الطريق. استمعنا إلى قصته وتعاطفنا معه، وإن كنت تملك القوة فتذكر أنها لا تكفي لجعلك بطلًا في حكاية، وإنما الغفران.

وقال الرجل الذي يحمل القرد:

– يا سيدي إن كلَّ واحد منا له حكاية غريبة. هل تعتق الثلث من دم التاجر عن كل حكاية تُدهشك.

وقال الرجل الذي يشد بنات آوى إلى سلسلة:

– نحن أبطال حكايات فانضم إلينا.

قال الحارس بعد لحظة تفكير، وكنت أهز له رأسي من خلفهم بالموافقة:

– لو أعجبتْني حكايتان، وكرهت الثالثة فسيحلُّ لي ثلث دمه، وسأختار الثلث من جسده حيث يقع القلب.

فقال القزم:

-كان لي جسد ضخم، لكني استخدمته في زجر البشر بمن فيهم أبي وأمي وإخوتي. كنت سكرانَ نشوانَ ذات يومٍ وإذا بي أركل قطة فتتوجع وأعرف أنها ابنة جني، كسرت ضلوعها، فجاء يؤدبني وحولني إلى قزم. ولن أعود إلى سابق عهدي إلا إذا سرتُ مسافة ثلاثة شهور لا يغمض لي فيها جفن، وعلى هذا الحال أعتبرُ أن لعنتي أبدية، وبدلًا من البكاء على حالي قررت العناية بالبشر والحيوانات، ولما رأيت التاجر سرت معه على رغم أن لي سابقة سيئة مع جني آخر، فهل تجد حكايتي عجيبة؟

فقال الحارس وهو يتفرَّسُ ملامحه بدهشة:

– نعم حكاية عجيبة، لك ثلث دم التاجر.

افترَّ ثغر التاجر لكنه لم يبتسم فعمرُه لا يزال مرهونًا بحكايتين.

وقال الرجل الذي يحمل القرد:

-هذا القرد هو أخي. لقد ترك أبونا وصية لنا قبل أن يموت بأنه لا يجوز أن نتقاسم الميراث، وأن نُبقي على تجارته. نعيش مما تدره علينا من خير وفير، فإذا خان أحدنا الوصية فلا يبرأ من اللعنة إلا إذا اعتنى به أخوه لمدة سنة. ثار أخي ومزَّق وصية أبينا. حاول إقناعي بتقسيم الميراث، ولما رفضتُ جاء بعصْبته وضربني، ثم حبسني في قبو. ادَّعى أنني جُننتُ وسافرتُ إلى بلد بعيد. وذات يوم جاء إليَّ كما يأتي عادة ليضع لي الطعام، صاح أنه أخذ كل الثروة لنفسه، وما كاد يفعل حتى تحول إلى قرد. أخذت منه المفتاح، وحملته فوق كتفي، ومنذ هذا الحين لا أتركه لحظة. لا في الشارع ولا حتى في النوم. أُطعمه وأسقيه بيدي وأحرسه وهو يقضي حاجته خلف الأشجار وفي الخرابات. إنه أخي ابن أمي وأبي، ولن أتركه حتى يبرأ. فهل أعجبتك الحكاية؟

فهز الحارس رأسه وقال بصوت أقل انفعالًا:

– لديك قدرة كبيرة على الغفران. نعم الحكاية أعجبتني ولك ثلث دم التاجر.

فرح التاجر لكن فرحته لم تدم إلا ثوانيَ. تذكر أن هناك حكاية أخيرة يجب أن تكون مُقنِعة وإلا يسلبه الجني روحه.

وقال الرجل البدين وهو يشير إلى بنات آوى:

-هنَّ بناتُ أخي الراحل. كانت امرأتي عاقرًا لكني ذهبت بها إلى جني صالح فعالجها، وحين فرحتُ قال لي: لا تفرح فولدك سيُلقى للسباع. سألته بخوف وغضب: من سيفعل؟! وحين عرفتُ بمكر بنات أخي طلبتُ منه أن يسخطهن إلى بنات آوى إن أقدمن على فعلتهن النكراء، فبنات آوى تأكل الجيف وتذكِّر الناس بالموت.

أرادت بنات أخي كلَّ مالي إذا متُّ، ومن يدري ربما خططن لقتلي. خطفن رضيعي، وألقينه في الجبل. لكنَّ السباع أحاطته بالعناية. قال لي الجني في رحلة بحثنا عنه: إنها لحسن الحظ كانت تناولت غداءها، والوحوش لديها مشاعر تمكنها من معرفة الصغار. مشاعر تقوى إذا شبعت، وتنخفض إذا جاعت. ظلت تحيط الرضيع وتتشمَّمُه حتى حمله الجني إليَّ حيث أختبئ وراء تلٍّ قريب. ذهبتُ إلى أهل القرية لأسلِّمهم بنات آوى، فقرروا إحراقهن، لكني لم أتحمل وزرهن، وقررت تهريبهن إلى مدينة بعيدة.

فقال الجني بغضب:

– لكنك ستؤذي الناس في المدينة البعيدة!

ارتعب التاجر عند ذاك، فنبرة الحارس تشي بأن الحكاية لم تعجبه، وقال الرجل البدين بسرعة:

– لقد أخبروني عن مدينة العماليق، إذا منحتهن لملكها سيصرن مجرد حيوانات أليفة تُوضَع في القفص، فلا تؤذي أحدًا.

فصمت الحارس بغضب متأملًا ملامحه. كنت أعلم ما سينطق به:

-الحكاية عجيبة جدًّا.. لك ثلث الدم الثالث.

ثم نظر إلى التاجر وقال بحزنٍ وأسى:

-غفرتُ لك وعفوتُ عن روحك.

* * *

عدت إلى الملكة وابنتي. حكيت لهما قصة الحارس والتاجر. قلت:

-في البداية أحرقتني نار الانتقام. عفوت عن الحارس لكني أردت أن يعاني معاناتي ويكتوي بألمي. ولما هدأت بعد مئة عام أو يزيد أدركت خطئي، وأن العفو لا يصبح عفوًا حين تشوبه شائبة الانتقام، وأن الإنسان الذي قَتلَ ولدَ الحارس لا ذنب له أن يكون ضحية لعنتي، فجمعتُ له ثلاثة رجال من المشرق والمغرب. وضعتهم في طريقه ليعينوه في مواجهة الحارس بقصصهم العجيبة ودروسها الغريبة. أنقذت الحارس أن يكون لعبة في يد الأقدار، وألا يصبح قاتلًا مرَّتين.

فقالت الملكة:

– سيعيش محزونًا على خسارة ولده كما ستعيش محزونًا على خسارة ولدنا.

فقلت:

-أما أنا فخسارتي أفدح.

فسألتني ابنتي:

-كيف؟!

فقلت:

– أدركت أن السلطان يزيد وينقص بالحب والغضب، وأنني قد أجاهدُ ألفَ عامٍ حتى أكسب القوة، لكني قد أخسرها بنزوة البطش، وقسوة التفكير، وخطأ التدبير.

خوليو كورتاثر كما عرفته

خوليو كورتاثر كما عرفته

كانت آخر مرة رأينا فيها بعضنا هي يوم الجمعة 20 يناير 1984م، في غرفته الصغيرة بمشفى سان لازار في باريس، على مبعدة زهاء مئة وخمسين مترًا في خط مستقيم من شقته في شارع مارتيل. لا أتذكر بالضبط كم كانت الساعة عندما افترقنا. لم يكن هناك سبب يدعو لتدوين هذه التفاصيل، ولكن لا بد أن يكون قد انصرم وقت يجاوز الساعة السابعة مساءً؛ لأنني عندما غشيت الغرفة، قبل نحو نصف ساعة، كدت أرتطم بالشخص المسؤول عن توزيع وجبات الطعام.

كان خوليو وحيدًا، جالسًا على أريكة، وكانت نظرته مستغرقة في تأمل نافذة تطل على فناء داخلي شبه معتم، كما لو كان يصغي إلى وقع المطر. كان يرتدي روب دو شامبر قديمًا، ويبدو أكثر حيوية من الليلة الماضية عندما جئت لعيادته مع زوجتي. في ذلك اليوم، وبحضور صؤول يوركيفيتش(1)، كان قد أخبرنا أنه كان على وشك الموت في أثناء الفحص، الذي خضع له في قسم أمراض الجهاز الهضمي بهذا المشفى، الذي يعد من أكثر المشافي كفاءة في باريس.

عمر بريغو

قال لنا: «كان نبضي قد توقف، وظن الجميع أني كنت في طور الاحتضار».

ولكن الأمور كانت تبدو، في هذه الجمعة من عشرين يناير، أنها تسير على نحو أفضل قليلًا. كان يتألم مذعنًا: «لقد سئمت هذا الطعام، وهذه الضوضاء التي تحدثها الفتيات في الصباح. يبدو أن الممرضات هنا لا يعرفن سبيلًا إلا نعال المطاط. نسمعهن يضربن الأرض بكعوب أحذيتهن، ويدندن في الممرات وكأن شيئًا لم يكن قد حدث».

كلمات خوليو الأخيرة

أخذنا في أطراف من الحديث مدة نصف ساعة، بيد أني لحظت أنه كان متعبًا. «أود أن أنام، ولكني لا أعرف ما إذا كنت أستطيع إليه سبيلًا. وهذا الطعام أفضل عدم الحديث عنه؛ ليس لأنه طعام سيئ، ولكن عندما أعود إلى المنزل، فإن أول شيء سأقوم به هو أن أعد لنفسي شريحة لحم جيدة، شريحة ثخينة هكذا. على أي حال، سأغادر غدًا. طبيبي، البروفيسور موديلياني -هل تدرك؟ موديلياني! كأن الرسم يلاحقني- أنبأني بالرجوع إلى المنزل، والعودة في الأسبوع المقبل لإجراء ما تبقى من فحوص».

قررنا أنه سيهاتفني حالما ينهي فحوصه في المشفى. نهض ليصافحني، فودّعَ بعضنا بعضًا وانصرفت. قال لي: «عندما أتعافى من مرضي، وأتخلص من كل هذه الأمور، سيتعين علينا الذهاب للتنزه في الغابة. لا حاجة للذهاب بعيدًا: إلى فانسين أو فونتينبلو. ما أوده هو رؤية الأشجار». تركت له صحيفة لوموند التي أجرت، في ذلك اليوم، مقابلةً مع أنطونيو كانديدو(2). قبل مغادرتي رأيت كدسًا من الكتب بالقرب من طاولة سريره، وورقات مكتوبةً بخط اليد.

هذه هي كلمات خوليو الأخيرة، التي أتذكرها: «ما أوده، هو رؤية الأشجار». مات يوم الأحد، 12 من فبراير، بعيد الظهر، ثم واريناه الثرى يوم الثلاثاء 14 فبراير، بمقبرة مونبارنانس، عند الحادية عشرة والنصف صباحًا، في مدفن زوجته كارول دونلوب، التي توفيت في نوفمبر من 1982م.

كان صباحًا باردًا يوشحه إشراق يكاد يكون غير طبيعي بالنسبة لنا نحن الذين اعتدنا على سماء باريس الداكنة والغائمة في الشتاء. كانت الشمس تلمع على الأطراف الرخامية للقبور، وعلى الصفائح البرونزية. وبالكاد تميد غصون الأشجار في نسيم الصباح. وكان الصمت أكثر الأمور إثارةً للإعجاب: فمنذ اللحظة التي انطلق فيها موكب الجنازة عند مدخل المقبرة، وعلى طول الطريق إلى اللحد الذي كان فتح للتو، لا أتذكر أني سمعت كلمةً. كان الصوت الوحيد الذي يشبه صوت البحر على شاطئ يعمره الحصى، هو صوت خطانا تجرجر على طول الممر المركزي خلف عربة نقل الموتى. ثم ألقى كل صديق زهرةً على النعش الخشبي الملون، وغادرنا. أما زوجتي وأنا فقد تريثنا قليلًا. وعندما أصبح ثانية هذا الشطر من المقبرة مقفرًا، ظهر قطان أو ثلاثة قطط ضامرة مقرورة، برزت بين اللحود تنظر إلينا غير مبالية، ونحن نغادر.

كتاب غير عادي

كنا قد التقينا في فبراير 1974م، في معرض للواقعيين الأميركيين المفرطين، بمؤسسة روكفلر في باريس. كان فاحش الطول، ناتئ العظام، مخلع المشية، مثلما يبدو تمامًا في صوره. وبدا أنه وهو يسير ينتابه خوف دائم من التعثر. كان يبلغ من العمر، في ذلك الوقت، ستين عامًا. لكن لم يكن أحد ليقدّر سنه بأزيد من خمسة وأربعين عامًا.

أتذكر أني كنت أنتظر أن ينهي طوافهر-كان بصحبة صديق- كيما أدنو منه. عرفته بشخصي: «صحافي من الأوروغواي حط رحاله للتو بباريس»، وشرحت له لماذا أزعجه. كان كارلوس أونيتي(3) قد اعتقل للتو في مونتيفيديو بتهمة واهية لا تصدق تتعلق بالإباحية، وذلك لسبب وحيد لأنه شارك في لجنة للتحكيم في مسابقة للقصة القصيرة، التي نظمتها أسبوعية مارتشا(4). وأنبأته بأن مدير مارتشا كان قد اعتقل بدوره.

كان يصغي إليَّ بلطف جم، وقال لي: إنه كان على علم بالأمر منذ وقت سابق، لكنه طلب مني بعض التفاصيل الإضافية، وأكد لي أنه سيفعل كل ما في وسعه لإثارة الرأي العام. وقد أوفى بوعده إيفاءً دقيقًا مثلما كان على دأبه دائمًا.

   ثم واصلنا رؤية بعضنا الآخر على نحو متواتر، فصرنا صديقين. وفي ديسمبر 1982م، بعد موت كارول، اقترحت عليه إجراء حوار طويل، كتاب يشمل قدر الإمكان -لأنني كنت أعلم جيدًا أن العديد من الأمور ستظل بمنأى عن التناول- حياته بوصفه كاتبًا، ونضاله في سبيل القضايا التي كان يعدها عادلة في العالم، ولا سيما الحركة النيكاراغوية الهشة، التي كانت تشغل باله آنذاك، وكفاحه في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان.

وافق من دون تردد، لكنه أضاف أن هذا الكتاب لا بد أن يكون «كتابًا غير عادي». اتفقنا على أن يوجد عدد غير محدد من الحوارات -ما لا يقل عن عشرة أو اثني عشر- التي سندونها، بالتتابع، بتعيينها في المسافات الفارغة النادرة في مفكرته، حيث لم يكن قد تبقى فيها كثير من الفراغات.

عندئذ، وبينما كنا ننظر إلى هذه الأعمدة الغاصة بالمواعيد، ومعظمها منذور لحياته النضالية، قال لي: «أود أن أجعل من العام القادم عام راحة. أريد أن أنزوي لأكتب روايةً، مهما كلفني الأمر». سألته إذا كان قد شرع في كتابتها من قبل، فأجابني بالنفي: «بضع ملحوظات. لكنها بدأت تستحوذ علي، أراها كأنها سديم».

لقد أخطرني بأننا ربما لن نتمكن من الشروع في العمل قبل الصيف. كان لا بد من أن ينهي، أولًا، الكتاب الذي كان قد تركه معلقًا عند موت كارول «Los autonautas de la cosmopista»، كتاب جميل جدًّا يروي قصة رحلة بين باريس ومارسيليا في مركبة قديمة متداعية- تمت في ثلاثة وثلاثين يومًا من دون مبارحة الطريق السيار، وبمعدل موقفين للسيارات في اليوم، مع الالتزام بالنوم في الموقف الثاني. هذا الكتاب، في الأساس، قصة حب مؤثرة. كان ينوي الذهاب بعد ذلك إلى نيكاراغوا، وعند أوبته إلى أوربا، سوف يرتاح لبضعة أيام عند أصدقائه في إسبانيا.

في بيت خوليو كورتاثر

طفقنا نعمل في مستهل يونيو بمنزله الكائن في شارع مارتيل. كانت شقته تقع في إحدى هذه البنايات العتيقة الباريسية، موصدة بباب حديدي ثقيل ذي قضبان ضاربة إلى الخضرة، صدئة تقريبًا، تطل على ممر واسع يؤدي إلى مجموعة من الأفنية الداخلية.

كانت شقة خوليو كبيرة جدًّا، وكان بها مدخل يمتد حتى سقف خزانة مترعة بالكتب، ثم هناك صالون رحيب ذو نوافذ عالية جدًّا. وعلى اليسار بار من الخشب كان يشطر الغرفة، وكان المطبخ يقع خلف هذا البار. كانت في الصالون أرائك مريحة كما يليق، وجهاز موسيقا بنظام «هي- في»، ورفوف تكتظ بالأسطوانات، وشرائط كاسيت مصفوفة بعناية. كانت الزاوية الأثيرة عند قطة أورورا بيرنارديث(5).

كنا نعمل في مكتب واسع، مطلي بالجير كباقي الشقة. وكانت خزائن الكتب الممتدة من الأرض حتى السقف تملأ حائطين من حيطانه. وعلى طول الحائط الثالث كانت هناك خزانات شاسعة يحتفظ فيها خوليو بملفات مليئة بقصاصات الصحافة، وبمخطوطات، وبنسخ فوتوغرافية لمقالات يبعثها إلى الجرائد أو المجلات، وسيرة غيرية للشاعر الرومانسي الإنجليزي كيتس، التي كان قد كتبها في الخمسينيات في بوينس آيريس، قبل مجيئه إلى باريس للإقامة فيها. لم يكن الهاتف يرن أبدًا؛ كان هناك جهاز آلي للرد على المكالمات، وكان الأشخاص الوحيدون الذين يتحركون في الشقة جيئة وذهابًا، هما أورورا بيرنانديث، التي تكلأ خوليو بكامل عنايتها ورعايتها، وامرأة متحفظة كل التحفظ كانت تأتي لتنظيف البيت، وترتيب أموره. كانت أورورا تغادر في ساعة مبكرة للذهاب إلى عملها في اليونسكو بعد أن تتيقن من أن خوليو لديه ما يحتاجه، وكنت أجدهما أكثر من مرة يتناولان فطورهما.

كنا نشتغل من دون توقف تقريبًا خلال ثلاث أو أربع ساعات متتابعة. وكان خوليو جالسًا على كرسيه الدوار، وظهره إلى نافذة تطل على شارع بارديس. في أثناء جلساتنا الأولى، خلال شهري يوليو وأغسطس، بدا أن خوليو يشعر بالارتياح. لقد ارتضى أمر الحوارات عن طيب خاطر، وينتابني شعور حاصله أنه قبل شيئًا فشيئًا الفكرة التي فحواها أن الكتاب -الذي كانت دار غاليمار قد قبلته منذ وقت سابق- يمكن أن يكون مناسبة سانحةً للإفصاح عن أشياء معينة ظل متكتمًا عليها حتى ذلك الحين.

غالبًا ما كان يصيح: «هذا الشيء، لم أقله أبدًا من قبل»، «وهذا، أقوله للمرة الأولى». وفي أكثر من مرة بدأنا الحوار بالعودة إلى موضوع اليوم السابق، بناءً على طلب خوليو نفسه. كان يقول لي: «أفضل الأجوبة تأتيني عندما تنصرف». ومن بين الموضوعات القليلة التي عزمنا على تركها لوقت لاحق، ولجلسة أخيرة من المراجعة والاستخلاص، كانت الرحلة التي قام بها إلى الأرجنتين في ديسمبر، بعد غياب طويل أكرهته عليه تلك السنوات الحالكة والرهيبة من حكم الدكتاتورية العسكرية، وكتائب الموت، في ليلة الرعب هذه، التي عاناها كثيرًا، ليلة استحوذت عليه، وانعكس عذابها في بعض قصصه القصيرة الأخيرة نحو «الكتابة على الجدران» أو «المرة الثانية».

ومع ذلك، عند عودته تحدثنا قليلًا عن الوضع الذي وجد عليه بلده: «من الواضح أن الأرجنتين تغيرت، وشرعت تخرج من كابوس الدكتاتورية والطغيان. هناك كثير مما ينبغي عمله». بيد أنه ظل حذرًا، وكأنه كان يخشى عودة الشياطين القديمة.

مات من دون أن يدري

كنت أتساءل كثيرًا -غير أنني أتساءل، الآن، على نحو خاص، في هذا الفراغ المؤسف الذي تركه لنا رحيله- عما إذا كان خوليو يحدثه قلبه عن الموت الذي يحوم حوله، مثلما كان يحوم، قبل عامين، حول كارول. وعلى أي حال، لم يتحدث معي أبدًا في هذا الشأن. كان نحيفًا جدًّا، وكانت عظام كتفيه تنتأ من تحت سترته كما لو كانت ستخرق جلده. برزت عظام وجنتيه العريضتين جدًّا، والتهمت لحيته السوداء الكثة وجهه، حاجبةً هزال وجنتيه. وغالبًا ما كان يشكو من حكة مزعجة، وكان يعاني أحيانًا جفافًا في الحلق. وقبل الشروع في العمل، كان خوليو يجلب قنينة ماء معدني وكأسين. ومن حين إلى آخر، كان يشرب ببطء، بينما كنت أطرح سؤالًا عليه، أو أدير كاسيت مسجل الصوت.

في بعض الأحيان، إذ نفرغ من الجلسة، نذهب للجلوس في الصالون للشرب. كان يقول باسمًا: «أعتقد أننا نستحق هذه الكأس». في أثناء هذه اللحظات، لم نكن نأخذ بأطراف الحديث في الأدب، ولا في السياسة، إنما نتحدث دائمًا في الموسيقا. كان خوليو يملك مجموعة مذهلة من الأسطوانات وشرائط الكاسيت، من موسيقا الجاز، والموسيقا الكلاسيكية، والتانغو. وأوضح لي أنه كان يوثر الجلوس للاستماع في الليل إلى أسطوانتين أو ثلاث أسطوانات، وهو يضع سماعة الأذن كي لا يزعج الجيران.

لمرة واحدة، في شهر سبتمبر 1983م، هاتفني لإلغاء موعد، ثم علمت فيما بعد أنه كان مريضًا، وفي مرة أخرى أوقفنا حوارًا لأنني كنت قد أدركت أنه كان متعبًا جدًّا. قال لي في هذا اليوم في أثناء توديعي: «اليوم سارت الأمور على نحو سيئ. ولكن لا يهم، سنستدرك في المرة القادمة». لقد كان قلقًا جدًّا من أن كل شيء كان جليًّا. وقد حدث أكثر من مرة، عندما كان يذكر مؤلفًا أو مقطعًا من أحد كتبه، أنه يقوم لتحصيل الكتاب المعني، والتحقق من الاقتباس.

أخال في آخر الأمر أن خوليو مات من دون أن يدري -من دون أن يرغب في معرفة- أنه كان مشرفًا على الموت. على الأقل كان يبدو أنه لم يتخيل ذلك في المرة الأخيرة، التي التقينا فيها في مشفى سانت لازار. أما زوجته كارول، فكانت تدري ذلك. لكنها ماتت قبله، وآثرت ألا تنبئه عندما كان ذلك لا يزال ممكنًا. واكتفت بانتظاره في رمسها بمقبرة مونبارناس، حيث شاهدة لحدها الرخامية تحمل ببساطة اسمها، كارول دونلوب، تليها هذه العلامة التي تسمى بالفرنسية «صلة الوصل»، التي جاء، الآن، اسم خوليو كورتاثر لينضم إليها.

بالرغم من كل هذه السنوات التي عاشها في باريس، ظل كورتاثر، في المقام الأول، أرجنتينيًّا، وأعتقد أن هذا واضح بما يكفي حتى لا ألح على هذه الحقيقة. يكفي أن يطالع المرء قصصه القصيرة، ورواياته، وقصائده، ليفهمه، وليستغرب من أن بعض الأذهان المحدودة كانت قد لامت عليه، في لحظة معينة، (نزعته الفرنسية).

لقد كان، بالطبع، أرجنتينيًّا صهر في ثقافته كل ما استطاعت أوربا أن تمنحه إياه من أدب، وفن، وموسيقا، وكاتدرائيات عتيقة، وقرون من التاريخ تتجمع في حجر مطحلب يزوره قط، وفي ابتسامة رجل عجوز يحتسي كأس نبيذه في حانة صغيرة، في قرية صغيرة من قرى الجنوب. لكنه كان يعلم، في قرارة نفسه، أن روحه كانت تظل متعلقة، إلى الأبد، بصليب الجنوب(6).

في ميلونجا(7) وضع إدجاردو كانتون موسيقاها، فيما بعد، يتغنى خوليو بحنينه الجارف، الذي لا يغيض، إلى بوينس آيريس:

«بي شوق إلى صليب الجنوب/ حين يحملني الظما على أن أرفع رأسي/ كيما أشرب نبيذك الأسود لمنتصف الليل/ فأتحسر على زوايا الشوارع ذات الحوانيت الوسنانة/ حيث ترتعش رائحة المتة في إهاب الريح/ وأدرك أن كل شيء بقي هناك/ كما في جيب تفتش فيه اليد كل لحظة/ عن المال، والمبراة، والمشط/ اليد التي لا تكل لذاكرة غامضة/ اليد التي تحصي موتاها».

الثورة من الداخل والخارج

كان كورتاثر ثوريًّا في أدبه، مثلما كان ثوريًّا في عمله السياسي. في مقالة نشرت بعيد موته في الملحق الأدبي لنيويورك تايمز، كتب كارلوس فوينتس ما يلي: «يمكن تلخيص مواقفه السياسية، وفنه الشعري على هذا النحو: الخيال، والفن، والشكل هي عناصر ثورية، تحطم التقاليد البالية، وتعلمنا كيف ننظر، ونفكر، ونحس على نحو جديد». نشأ كورتاثر على هامش السوريالية. وكان عزمه أن يبقي ما أسماه «الثورة من الخارج، والثورة من الداخل» متحدتين.

لم يكن ساذجًا كما ادعى بعضٌ، ولم يخدع بالمظهر عن الجوهر، أو يخطئ على نحو فادح وبليد. كان يدرك جيدًا الأخطار التي تحدق بالمآلات الثورية، أي ما كان يسميه «التصلب»، الذي كان يشجبه ويستنكره متى استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكلما كان يعتقد أن من واجبه القيام بذلك. وليس ليضم صوته إلى زمرة التائبين، الذين يقرون بالذنب فيعتذرون جهارًا، وإنما ليحذر المسؤولين من هذه المآلات، ويساهم في إنعاشها بقدر المستطاع، ويدرأ البيروقراطيات الجشعة دائمًا من أن تستقر في بؤر بعيدة ومريبة تحاك فيها الدسائس، يتعذر على الشعب بلوغها. (…)

وكان يختتم على هذا النحو: «أمام هذا المنظور، أنا لا أومن إلا بالاشتراكية بوصفها بديلًا بشريًّا. لكن هذه الاشتراكية ينبغي لها أن تكون طائر فينيق يتجدد باستمرار، وتتجاوز نفسها في عملية متواصلة من التجديد والابتكار، ولا ينال هذا الأمر إلا من خلال نقد ذاتي تكون فيه هذه الملحوظات مجرد شظايا صغيرة مبهمة».

كان خوليو كورتاثر مناضلًا مشغوفًا بالقضايا اللاتينية- الأميركية، متحمسًا لها، التي كان يعدها قضايا عادلة، بيد أنه كان يمقت أن ينعت بالكاتب الملتزم بما يستلزمه ذلك من خضوع وانصياع. (…)

لقد التقينا أكثر من مرة، خلال هذه الشهور الأخيرة، في اجتماعات تضامنية، وفي العديد من هذه اللقاءات لم يكن خوليو يعتلي المنصة، وإنما كان ضمن الجمهور، بين حشد من المناضلين المجهولين، الذين كانوا يتعرفون إليه في آخر الأمر، ويدنون منه، حتمًا، لمصافحة يده الكريمة.

في هذا الحوار الطويل -الذي أفضل أن أعده كتابًا كتبته أربع أيادٍ- كان كورتاثر يعود، في الغالب، إلى الذكريات القديمة، ذكريات طفولته، ومراهقته، ولقد وصف موقفه هذا، وصفًا ساخرًا، بأنه متعلق «بالشيخوخة»، غير أني أعتقد أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، يتعلق الأمر بالبحث عن نبع لا ينقطع أبدًا عن التدفق على نحو خفي في جميع أعماله الأدبية، إنه نبع الشعر.(…).

بخلاف ما يحدث مع الكتاب الآخرين -أفكر على نحو خاص في غابرييل غارثيا ماركيز- لم يكن كورتاثر يحب التحدث كثيرًا عن طفولته. وعندما كان يفعل ذلك، كان يشير إلى وقائع ملموسة جدًّا. هناك مجالات لم نتناولها أبدًا، ومع ذلك أنبأني في بداية هذا الحوار أنه لن يكون هناك «مجالات محظورة». لم نتحدث عن أبيه، على سبيل المثال. كانت طفولته -كما أشرنا من قبل- تظهر، فجأة، عندما يتذكر مرحلة بانفييلد، طفولته التي تتحول في ذكرياته إلى فردوس.

عن مدة تدريسه العابرة

ولم يكن يبدو أنه يولي أهميةً أيضًا للمدة التي أنفقها في التدريس، في تشيبيلكوي، وفي بوليفار في مقاطعة بوينس آيريس، التي دامت سبع سنوات، من 1937م إلى 1944م. في حوار مع لويس هارس أواخر الستينيات، قال ما يلي: «عشت في البادية في توحد تام، وفي عزلة كاملة. لقد عالجت هذه المشكلة، تقريبًا، بفضل حالة مزاجي، لقد عشت دائمًا منغلقًا على نفسي. كنت أقيم في مدن كان فيها القليل من الأشخاص المهمين، وبالكاد كان يوجد فيها شخص مهم. كنت أنفق يومي في غرفتي بالفندق أو بالبنسيون، أطالع وأدرس. وكان هذا يعود عليَّ بالنفع، وفي الوقت ذاته، كان جالبًا للخطر: كان نفعه يتجلى في أنني التهمت آلاف الكتب. وكل المعلومات المتعلقة بالكتب التي أمكنني تحصيلها، إنما حصلتها خلال تلك الأعوام. وكانت خطورته البالغة تكمن، بلا شك، في أنني حرمت من مقدار كبير من الخبرة المباشرة للحياة»(8).

ولم يقل شيئًا ذا بال عن مدة تدريسه العابرة بجامعة كويو بميندوثا. «في تلك السنوات انخرطت في النضال السياسي ضد البيرونية. وعندما فاز بيرون في الانتخابات الرئاسية، كنت أفضل التخلي عن دروسي بدلًا من أن أجبر على الخضوع للظروف مثلما كان كثير من زملائي مكرهين على فعل ذلك، فآثروا الحفاظ على مناصبهم»(9).

يلقي أحد طلابه في ذلك الوقت، كلاوديو صوريا(10)، بعض الضوء على هذه المدة من حياة كورتاثر. كتب عن مقرر التدريس قائلًا: «كان مخصصًا للتعليق على الأعمال الأدبية للكتاب الإنجليز والألمان. وكان الاهتمام ينصب أساسًا على الرومانسية الإنجليزية، على وليم بليك، وكيتس، وشيلي، وكولريدج، ووردزورث، وعلى الشعراء الألمان، أو شعراء اللغة الألمانية، هولدرلين، وراينر ماريا ريلكه».

على هذا النحو يتذكر صوريا المقرر: «في القاعة، ونحن جالسون أمامه، أذهلتنا، في البداية، هيئته الغريبة التي تشبه هيئة يافع، وقامته الفارعة التي تحملك على الشعور عندما كان يجلس أنه كان ينثني إلى أقسام طويلة، وعيناه الواسعتان اللتان تحجبهما رموش كثيفة. لكن أسلوبه في التعامل كان أكثر فرادةً، أسلوبًا قويمًا، وبسيطًا، ومتواضعًا، على عمق وسعة معارفه التي قدمها لنا».

رحل خوليو كورتاثر، وفجأة ينتابنا إحساس بالفقد يجل عنه الوصف، على الرغم من أنه ترك لنا آثارًا أدبية حسبها أن تكون كافية على نطاق واسع، لتبوئه مكانة بين أعظم كتاب عصرنا، آثارًا سترافقنا دائمًا.

لكننا سنفتقد مصافحته الصادقة والودية، وابتسامته المرحبة. وسنفتقد، في المقام الأول، احتضانه للصديق أو الغريب التعس. سنعدم يده التي تمتد من دون أدنى تردد للدفاع عن أنبل القضايا، قضايا الشعوب التي تقاوم، قضايا المضطهدين، والمهانين على هذه الأرض.

خلال مقامه الأخير بإسبانيا في متم نوفمبر 1983م، في برنامج تلفزيوني عن نيكاراغوا، قال هذا الكلام الذي يختم التعريف به: «ينبغي ألا نضحي بالأدب من أجل السياسة، ولا نفسد السياسة لصالح مذهب الجمالية الأدبية. لن أومن بالاشتراكية بوصفها مصيرًا تاريخيًّا لأميركا اللاتينية إذا لم تكن بواعث الحب تغذيها».


المرجع: « فتنة الكلمات»: حوارات أجراها عمر بريغو مع خوليو كورتاثر. 1986م، غاليمار.

هوامش:

(1) صؤول يوركيفيتش: (1931- 2005م) شاعر وناقد أدبي وأستاذ جامعي أرجنتيني، أقام في فرنسا منذ 1966م إلى حين وفاته. (المترجم).

(2) أنطونيو كانديدو: (1918- 2017م) باحث، وأستاذ جامعي مختص في الأدب المقارن، يعد من أشهر النقاد الأدبيين في البرازيل. (المترجم).

(3) خوان كارلوس أونيتي (1909- 1994م)، روائي شهير من الأورغواي. المترجم.

(4) مارتشا: أسبوعية يسارية أسسها كارلوس كيخانو في مونتيفيديو عام 1939م.

(5) أورورا بيرنانديث هي زوجة كورتاثر الأولى.

(6) صليب الجنوب (كناية عن الأرجنتين): كوكبة صغيرة تشمل نجومًا قوية الضوء، وتشاهد في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية. (المترجم).

(7) ميلونجا: نوع موسيقي ريفي نشأ في سهول البامبا الأرجنتينية. (المترجم).

(8) Luis Harss, Los Nuestros , Ed. Sudamericana,pp.261-26,2,Buenos Aires,1969.

(9) المرجع السابق، ص، 262.

(10) صحيفة Los Andes، 25 ـ مارس ـ 1984.

المؤرّخ اللبناني مسعود ضاهر: مشروع الشرق الأوسط الجديد يحلّ محل نظيره سايكس بيكو القديم

المؤرّخ اللبناني مسعود ضاهر: مشروع الشرق الأوسط الجديد يحلّ محل نظيره سايكس بيكو القديم

الدكتور مسعود ضاهر أحد أبرز المؤرّخين العرب في لبنان والعالم العربي اليوم. هو صاحب مدرسة في الكتابة التاريخية تتميز بالدقة والعمق واستخلاص الحقائق وتحليلها في ضوء حركة التاريخ نفسها ودور الشعوب، لا الأفراد فقط، في صنع مساراتها المتباينة النتائج.

برنارد لويس

ويرى الدكتور ضاهر أن علم التاريخ هو من أكثر العلوم الإنسانية تعقيدًا؛ لأنه يطول جميع نشاطات الإنسان من خلال علاقته بالمكان والزمان. وشدّد الدكتور ضاهر على تقديم التاريخ العربي عبر سرديّات علميّة مبتكرة، وبعيدة من الإملال، وتعتمد التحليل المعمّق، والانتقال بمضمون السرد من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز. على مستوى آخر يرى الدكتور مسعود ضاهر أن تاريخ العرب الحديث ارتبط ارتباطًا وثيقًا بولادة وتطور المشروع الصهيوني الحديث في المشرق العربي؛ وأنه يجري اليوم، مثلًا، تعديل خريطة سايكس بيكو القديمة لإحلال مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يتضمّن فيما يتضمّن، قيام خريطة جغرافية مضخّمة لإسرائيل يسمّونها «إسرائيل الكبرى» كما رسم حدودها المؤرّخ البريطاني برنارد لويس.

ويذكر المؤرّخ ضاهر أنه أتيحت له الفرصة للحوار مع برنارد لويس في مؤتمر دولي في إسطنبول، كان يتحدث خلاله بفوقية الباحث الذي يرى نفسه من صنّاع التاريخ وليس من كتّابه.

الدكتور مسعود ضاهر من مواليد بلدة الشيخ طابا، شمال لبنان عام 1945م. حائز دكتوراه دولة في التاريخ الاجتماعي من جامعة السوربون– باريس الأولى. يمارس التدريس الجامعي في الجامعة اللبنانية منذ عام 1973م. عيّن عضوًا في المجلس العلمي الاستشاري للجامعة اللبنانية عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية. دعي أستاذًا زائرًا إلى جامعات يابانية وصينية، وإلى جامعة جورج تاون في واشنطن. شارك في أكثر من ثلاثمئة مؤتمر عربي ودولي. إضافة إلى لغته العربية الأم يتقن مؤرّخنا اللغات: الفرنسية والإنجليزية مع إلمام لا بأس به بالروسية واليابانية. نال جائزة عبدالحميد شومان للعلماء العرب الشباب في عام 1983م، وجائزة أفضل كتاب عربي في مجال الإنسانيات من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عن سنة 2000م. شغل منصب الأمين العام المساعد لشؤون البحث العلمي في اتحاد المؤرّخين العرب. انتدب خبيرًا في الأمم المتحدة لشؤون التنمية في عام 2004م. وفي عام 1993م نال وسام المؤرّخ العربي، ثم وسام التاريخ العربي في عام 1966م من اتحاد المؤرّخين العرب. منحه إمبراطور اليابان الوسام الذهبي من رتبة «الشمس المشرقة» لنشر الثقافة اليابانية بتاريخ 29 إبريل 2010م. وفي عام 2011م اختير واحدًا من خمسة عشر مؤرّخًا عالميًّا هم أعضاء شرف في الجمعية الأوربية لكتابة التاريخ ما بعد الأزمات.

أصدر الدكتور مسعود ضاهر 26 كتابًا في التاريخ الاجتماعي الحديث والمعاصر عن لبنان والعالم العربي واليابان، منها: «تاريخ لبنان الاجتماعي»، و«لبنان الاستقلال والميثاق والصيغة»، و«الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية»، و«تاريخ لبنان الاجتماعي المعاصر خارج القيد الطائفي»، و«المشرق العربي المعاصر: من البداوة إلى الدولة الحديثة»، و«الهجرة اللبنانية إلى مصر»، و«مشكلات بناء الدولة الحديثة في الوطن العربي»، و«النهضة العربية والنهضة اللبنانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج»، و«النهضة اليابانية المعاصرة والدروس المستفادة عربيًّا»، و«اليابان بعيون عربية»، و«تاريخ اليابان الحديث: التحدي والاستجابة»، و«اليابان والوطن العربي: العلاقات المتبادلة والآفاق المستقبلية»، و«المجتمع والدولة في تاريخ اليابان المعاصر»، و«تطور الدراسات العربية في اليابان».

التقيناه مؤخرًا وكان هذا الحوار الخاص بـ«الفيصل»:

مدرسة التاريخ الجديد

  الدكتور مسعود، ماذا تقول في مسألة تجديد الكتابة التاريخيّة إجمالًا؟ وهل تخطّى المؤرّخون الجدد (من عرب وأجانب) مبادئ «مدرسة الحوليّات» الفرنسيّة التي كانت أول من استخدم مصطلح «التاريخ الجديد» في عام 1930م على أيدي مؤرّخيها الروّاد من طراز: لوسيان فيفر، ومارك بلوك، وفرناند بروديل.. وغيرهم؟

  أسّست الثورة الصناعيّة في أوربا لولادة نظام عالمي جديد أسّس بدوره لولادة التاريخ العالمي الذي تميّز بتمدّد الاستعمار الأوربي على المستوى الكوني. وامتدح الفيلسوف الألماني هيغل النظام الرأسمالي العالمي الذي أدخل مختلف شعوب العالم بالعولمة الطوعيّة أو القسريّة لهيمنة الحضارة الغربيّة؛ وعدّ التاريخ الأوربي قلب التاريخ العالمي؛ لأنه بُني على نظام سياسي واقتصادي كان الأرقى على المستوى الكوني، بداعي تبنّيه الديمقراطية ومقولات الثورة الفرنسيّة في الحرية والعدالة والمساواة، ومن ثمّ التعاون بين القطاعين العام والخاص وحماية المبادرة الفردية وبناء المؤسّسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والصحية، وعَدّ الشعب في المحصّلة مصدر السلطات جميعًا.

لوسيان فيفر

على جانب آخر، استفاض الفيلسوف الألماني لودفيغ فويرباخ في تحليل المادية التاريخية وأثرها في تطور المجتمعات أو الشعوب. وقدّم هيغل تحليلًا فلسفيًّا للدروس المستفادة من كتابة التاريخ. وعالج كارل ماركس وفريدريك إنجلز إشكالية الصراع الطبقي على خلفية اقتصادية- اجتماعية تظهر تداخل البناء التحتي والبناء الفوقي. وطوّر ماكس فيبر الكتابة التاريخية في مجال العلاقة البنيوية المتداخلة بين الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية، وحلّل بعمق الإرث التاريخي المستمر للدولة الباتريمونيالية. ورسم جورجي بليخانوف بدقة دور الفرد البارز في التاريخ ومدى تأثيره في تغيير الوقائع التاريخية.

تأسّست مدرسة التاريخ الجديد في فرنسا على أيدي لوسيان فيفر ومارك بلوك وآخرين. ويُعَدُّ فرناند بروديل مؤسّس ومدير المجلة التاريخية «الحوليّات الاقتصادية والاجتماعية» التي اضطلعت بدور مهم في تطوير كتابة التاريخ الجديد في فرنسا وأوربا ونقلها من المستوى السياسي والحوادثي الوحيد الجانب، إلى التاريخ الشمولي الذي يستند إلى جميع العلوم الإنسانية. نشر بروديل كتبًا عدة مهمّة منها: «المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني»، و«قواعد لغة الحضارات»، و«الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية»؛ شدّد فيها على البعد المكاني في كتابة التاريخ، واستنبط مقولة المدى الزمني الطويل. وأكّد أن التاريخ هو نتاج التراكمات البطيئة وغير المحسوسة في أغلب الأحيان للمكان والمناخ والتقنية وتأثيرها في أفعال البشر. نال بروديل عام 1985م أعلى تتويج يمكن أن يحلم به مثقف فرنسي وهو دخول الأكاديميّة الفرنسية في صف «الخالدين»؛ لكنّه توفي في السنة نفسها؛ وصدر له بعد وفاته كتاب «حركيّة الرأسمالية»، وكتاب «هوية فرنسا»، وأعيد نشر كتابه المرجعي «قواعد علم الحضارات» الذي ترجم إلى لغات عدّة منها العربية. وقدّم المؤرخ عبدالعزيز الدوري دراسة مميزة عن «التكوين التاريخي للأمة العربية» مع التركيز على تداخل العامل الديني، والعامل القبلي، والعامل الاقتصادي في ذلك التطور.

عبدالعزيز الدوري

تلك مؤلفات رائدة في مجال «التاريخ الجديد»، كانت الفائدة منها كبيرة جدًّا وتربّى عليها عدد متزايد سنويًّا من المؤرّخين الشباب في مختلف دول العالم. وتضمّنت مقولات نظرية عقلانية تبرز أنواع الكتابة التاريخية بصورة علمية رصينة، وبأبعاد مستقبلية. ورسمت فيها حدود التلاقي والاختلاف بين الوقائع التاريخية كما حصلت على أرض الواقع، والكتابة الروائية المسندة إلى تلك الوقائع. وتمّ التركيز بدقة على علاقة الرواية التاريخية بالتاريخ الحقيقي وبأحداثه الواقعية. وأظهرت الفارق النوعي بين التاريخ العلمي الذي يكتبه المؤرّخ ويدوّن فيه الوقائع التاريخية الموثقة بدقة، وبين الرواية التاريخية التي يطلق عليها «رواية الواقع» التي ترسم صورة الواقع كما تخيلها الروائي من خلال قراءته لكتب تاريخية محدّدة.

لا يتسع المجال هنا للغوص في تحليل الفارق النوعي بين التاريخ الاجتماعي والكتابات المسندة إلى المرويّات التاريخية؛ فهناك فنون أدبية كثيرة تستند إلى التاريخ في أعمالها المميزة، ومنها: المسرح، والأوبرا، والشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والأقصوصة، وغيرها. وهناك نماذج كثيرة تظهر أهمية الدلالة في الكتابة التاريخية من خلال أعمال أدبية مسندة إلى وقائع تاريخية موثقة بصورة جيدة.

من الأساطير إلى علم التاريخ

● ولكن ما تعليقك على الرأي القائل: إنّ التاريخ، خصوصًا الحديث منه، يُكتب مرارًا لا مرّة واحدة؟

  يعتبر علم التاريخ من أكثر العلوم الإنسانية تعقيدًا؛ لأنه يطول جميع نشاطات الإنسان من خلال علاقته بالمكان والزمان. ولعل أبرز أسباب ذلك التعقيد أن ما دُوّن من تلك النشاطات لا يشكّل سوى جزء بسيط من الكم الهائل لأعمال البشر الذين قضوا من دون أن تُعرف أعمالهم ومآثرهم. وعليه، ومع تزايد سكّان الكرة الأرضية من بضعة ملايين عند بدايات تدوين التاريخ المعاصر والحديث، بات حجم سكّان الكرة الأرضية يقدّر اليوم بأكثر من سبعة مليارات نسمة؛ تبدو قدرة المؤرّخين على رصد تاريخ شمولي ودقيق للإنسانية مسألة سجالية؛ فما دُوّن من علاقة الإنسان بالأرض، وعلاقة الجماعات البشرية بعضها ببعض، لا يزيد على أخبار متواترة ومتناثرة تركّز على الشخصيات البارزة من دون سواها، متجاهلة مقولة «تاريخ الناس كل الناس»، وفق مفاهيم ومبادئ التاريخ الاجتماعي الحديث. وما كتب عن نشاط الناس متواضع جدًّا لأسباب عدة، أبرزها نقص في التدوين، وغياب الوثائق أو إتلافها. وما دُوّن من ذلك النشاط هو موضع نقد مستمر؛ لأنه استند إلى روايات شفوية.

كان التأريخ انتقائيًّا وعرضة لكثير من التحيّز والهوى، وتنقصه الدقة والموضوعية والشمولية. وفي مرحلة التاريخ المعاصر والحديث، شهدت الكتابة التاريخية أو عملية التأريخ تحوّلًا مستمرًّا من سرد الأساطير دون نقدها، إلى بناء العلم التاريخي الذي يعتبر أقدم العلوم الإنسانية وأكثرها غنًى وتأثيرًا في أجيال متعاقبة من البشر.

شكّلت الكتابة التاريخية عنصرًا ثقافيًّا بارزًا لتلافي ضياع الذاكرة الإنسانية، ومن أجل تكوين الوعي الجماعي لدى مختلف شعوب العالم، واستخراج الدروس والعبر من أعمالهم الإيجابية. وأصبحت الكتابة التاريخية، وفق منهجية التاريخ الاجتماعي، مختبرًا حقيقيًّا لفهم أبعاد التاريخ، وتدوين الزمن التاريخي، وإظهار حركيّة التاريخ، واستخلاص فلسفة الأحداث، والتعلّم من دروس التاريخ وغيرها؛ فتزايد عدد المؤرّخين بصورة مذهلة من خلال اعتماد مراجع ثانوية في الكتابة التاريخية، وفي سرد الأحداث من دون تحليلها، وعدم القدرة على استخلاص دروس التاريخ.

وغالبًا ما كانت تلك الدراسات تتناول سيرة بعض الشخصيات البارزة، حتى الثانوية، ومرويّات المحاكم الشرعية، والأديرة، ووثائق البلديات، والمؤسّسات الحكومية وكثير غيرها. ومعظمها مؤلفات فردية نشر كل منها في كتاب واحد دونما حاجة لمجلدات أو أجزاء متعدّدة. كانت الفائدة منها محدودة جدًّا، ولا تقدّم أنموذجًا علميًّا رصينًا يعبّر عمّا وصلت إليه منهجية التاريخ الاجتماعي التي تبنّتها نخبة متميّزة من المؤرّخين الشباب في مختلف دول العالم. وكثرت الدعوات النقديّة لوقف هذا السيل من المرويّات التاريخية قليلة الفائدة، واعتماد التأنّي في اختيار موضوعات تاريخية تتضمن جوانب سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وتربوية، وثقافية وفنية متداخلة.

وبات المؤرّخ الاجتماعي مطالبًا بالإيجاز في الكتابة التاريخية؛ لأنها اليوم ضرورة ثقافية مُلِحّة؛ فالأجيال الشابة تُعرِض عن قراءة المجلّدات الكبيرة والمتعدّدة الأجزاء، وهي منصرفة إلى اكتساب الثقافات المتداولة يوميًّا عبر وسائل الاتصال الحديثة. ولم يعد بمقدور من تبقّى من دُور النشر التي كانت كثيرة العدد، ثم تضاءل وجودها بصورة ملحوظة، أن تتحمّل نفقات الطباعة لمرويّات تاريخية تكتب على غرار مسلسلات تلفزيونية استهلكت التاريخ لكثرة تكرارها، وباتت عائقًا كبيرًا أمام التجدّد الثقافي والإعلامي على المستوى العالمي.

تعتمد ثقافة التسلية الاستهلاكية الإطالة المملّة وغير المبررة، في حين تشكّل ثقافة الإيجاز العلمي في الكتابة التاريخية قاعدة صلبة للتطوير الثقافي، وبناء مجتمع المعرفة على امتداد العالم العربي والعالم. وبات الرأي السائد أن يكتب المؤرّخ مجلّدًا واحدًا في موضوع جديد، ويستعيض عن كتابة مجلّدات أخرى ملحقة بأن يضيف ما يستجدّ عند الضرورة على الكتاب الأول؛ لتصبح الطبعة الجديدة مزيدة ومنقحة. وهناك كتب كثيرة ذات طابع أكاديمي رصين عالجت تاريخ العرب المعاصر والحديث بإيجاز مكثف مع الحرص على إعطاء الأولوية لتطوير المعرفة في مختلف المجالات الثقافيّة ومنها الكتابة التاريخية؛ فالتطويل غير مبرّر، ولم يعد مألوفًا أن يعالج مؤرّخ واحد موضوعًا واحدًا أو تاريخ بلد واحد في أجزاء عدّة كانت تتجاوز سابقًا العشرين مجلدًا في بعض الأحيان؛ إذ غالبًا ما تقود الإطالة في سرد الأحداث إلى مَغَالِطَ كثيرة تُخرِج الكتابة التاريخية من دائرة البحث العلمي الرصين، وتدخلها في دائرة السرد الممل والمتحلّل من أي ضوابط تُذكر في الشكل والمضمون والمنهج.

لا بد إذًا من اعتماد الإيجاز في الكتابة التاريخية الموثقة والمُسندة. وتنصح دور النشر بضرورة الاستفادة من الدراسات التاريخية المكثّفة لتحويل المعطيات أو الأحداث إلى نصّ علمي متماسك يجذب القرّاء، ويشكّل مدماكًا صلبًا في بناء مجتمع المعرفة العربي. فالإيجاز علم وفن، هدفه تقديم الحدّ الأقصى من المعلومات من خلال الحدّ الأدنى من الكلمات. مع ما يستوجب ذلك طبعًا من حفاظ على مضمون الرواية التاريخية، وبلورة لجديّتها بعد تعريتها من الشوائب أو ما أطلق عليه ابن خلدون في مقدّمته صِفة «مغالط المؤرّخين».

المطلوب من المؤرّخ العربي

● لنتحدث أكثر عن أزمة الكتابة التاريخيّة العربيّة المعاصرة، والحديثة منها بوجه عام؟ كيف تلخصّها؟ وما هو تقييمك للرأي القائل: إنّ تاريخ الوطن العربي لم يكتب بشكل علمي حتى الآن؟

  تاريخ العرب المعاصر والحديث حقل واسع جدًّا، شاركت في كتابته مجموعات من المؤرّخين القدامى والمؤرّخين الشباب؛ وهو ما جعل تصنيف إنتاجهم ضمن مدارس تاريخية محدّدة أمرًا بالغ الصعوبة. وفي هذه المرحلة من تاريخ العرب المعاصر، صارت الكتابة التاريخية مختبرًا حقيقيًّا لإظهار حركيّة التاريخ العربي، من الاستعمار، إلى التحرّر الوطني، وبناء الدولة العصرية على امتداد العالم العربي. وذلك يتطلب التعلّم من دروس التاريخ؛ فبات على المؤرّخين العرب اليوم اعتماد منهجية التاريخ الاجتماعي؛ لأنها الأرقى والأكثر حضورًا على المستوى الكوني. ويختزن التاريخ العربي كمًّا هائلًا من الدراسات التاريخية التي كتبها مؤرّخون عرب باللغة العربية وبلغات عالمية، إضافة إلى ما كتبه مؤرّخون مستعربون عن تاريخ العرب من دراسات منصفة ومنشورة بلغات عالمية أو مترجمة إلى اللغة العربية.

والمؤرّخ العربي اليوم مطالب بتقديم التاريخ العربي وفق دراسات علمية جديدة مبتكرة، بعيدًا من السرد الممل واعتماد التحليل المعمق ورسم حركيّة المجتمعات العربية في مرحلة التاريخ الحديث والمعاصر، وتجاوز التأويلات والسرديّات المتسرّعة، وإطلاق مقولات منهجية مبتكرة يتدرّب عليها المؤرّخون العرب الشباب، ويكون هاجسها الانتقال بالتاريخ العربي من مرحلة سرد الأحداث إلى إبراز قدرة العرب على الانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز، وبناء مستقبل عربي واعد، فيحقق علم التاريخ غايته في كتابة التاريخ العربي على أسس علمية تؤكّد حكمة عربية تقول: «من يدرس التاريخ يضيف أعمارًا إلى عمره». علمًا أن الكتابة التاريخية تختلف عن غيرها من فنون المعرفة الإنسانية من خلال تقديم المعلومات التاريخية عبر تكثيف الأخبار وتحليلها وإبراز الإشكالية العلمية والفرضيات الموضوعية والاستنتاجات الدقيقة، واختيار أفضل أسلوب لغوي يتلاءم مع طبيعة المادة التاريخية من حيث الوصف السردي والتحليل العلمي والإيجاز اللغوي. وتضطلع الصياغة اللغوية الدقيقة بدور أساسي في تنسيق الكلام وحسن تنظيم الجمل اللغوية واعتماد السهل الممتنع في مجال التفسير والتحليل والتعليل والاستنتاج تبعًا لفروع الكتابة التاريخية.

لذا يحتاج المؤرّخ اليوم إلى خبرة واسعة واعتماد الابتكار الذي يظهر قدرته على كتابة نصه وتوظيفه في سياق معرفي، بحيث تتبلور مهارته على القواعد المعتمدة في الكتابة التاريخية وغيرها من أنواع المعرفة التي تتلخصّ بعبارة: «الأسلوب هو المؤرّخ»، أي تجسيد لشخصيته. على أن يمارس المؤرّخ السرد إلى جانب التحليل المعمق. وخير مثال على ذلك ما وصفه ابن خلدون في مقدمته: «التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، لكن في باطنه نظر وتحقيق». وهي مقولة علمية رائدة تحتاج إلى دراسات مستفيضة لشرح أبعادها النظرية ومضامينها غير المحدودة. وأبرز الأهداف المتوخاة من كتابة تاريخ العرب الحديث والمعاصر هي نقل دروس التاريخ من جيل إلى جيل عبر نماذج تاريخية مكثفة جدًّا ومُسندة بالوقائع الدامغة.

فرناند بروديل

ومع تطور منهجية البحث التاريخي، تعزّزت العلاقة بين علم التاريخ وباقي العلوم الإنسانية، ومنها الجغرافيا البشرية، وعلم الآثار، والأدب الاجتماعي، وعلم الاجتماع، وعلم الأنثروبولوجيا، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم السياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم الإعلام والتواصل. وتنوّعت مدارس كتابة التاريخ الاجتماعي منذ نشأتها في أوربا، وفي طليعتها مدرسة الحوليّات التي تبنّت مقولات فرناند بروديل عن رؤية التاريخ على المدى الزمني الطويل، واعتماد الامتداد الجغرافي، والتنوّع الحضاري، وتعدّد المناهج الإنسانية لدراسة التاريخ الاجتماعي.

من مستنقع الشرق إلى شرق جديد

● قلتَ مَرّةً: إنّ التخلف الثقافي أسهم في بروز علاقة ملتبسة بين ماضي العرب الذهبي ومستقبلهم الضبابي في عصر العولمة، وعليه فإنّ الوطن العربي يحتاج اليوم إلى بناء حاضره بصورة عقلانية تجعله قادرًا على الانتقال من مرحلة التاريخ العبء إلى منصّة التاريخ الحافز.. هل من توضيح أكثر لمضمون كلامك هذا؟

  بعد نجاح الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين تأسست الدولة الأموية وعاصمتها دمشق، وامتد نفوذها إلى الأندلس غربًا والهند والسند شرقًا. ثم أعقبتها الدولة العباسية التي بلغت أقصى تجلياتها في زمن الخليفة هارون الرشيد وابنه الخليفة المأمون الذي بنى مكتبة «بيت الحكمة» في بغداد التي اعتبرت أرقى مكتبة ثقافية في العالم. فقد أجزل المأمون العطاء لعدد كبير من المبدعين العرب وغير العرب الذين قدّموا أعمالًا رائدة في مختلف مجالات العلوم والطب والهندسة والأدب والفلسفة والموسيقا وغيرها. وأجزل العطاء للمترجمين الذين ترجموا من اليونانية والفارسية والسريانية وغيرها أعمالًا ثقافية رائدة إلى العربية، فتركت أثرًا كبيرًا في الحضارة الإنسانية. ثم ترجمت تلك الأعمال إلى اللغات الأوربية حيث اضطلعت بدور بارز في النهضة
الأوربية الحديثة.

خليل حاوي

وصفت تلك المرحلة عند العرب بالتاريخ الحضاري الحافز بوصفهم من بناة الحضارة الإنسانية الأوائل على المستوى الكوني. واستفاد من أعمالهم الطليعية في ذلك العصر الذهبي عند العرب كثير من المثقفين في مختلف دول العالم، ومنهم روّاد النهضة الأوربية الحديثة. لكن عجز الخلفاء العرب عن حكم شعوبهم أوقعهم تحت حكم المماليك، ثم العثمانيين. وعرفت تلك المرحلة بعصر الانحطاط الثقافي، فدخل المثقفون العرب مرحلة تقليد الغرب في مختلف المجالات من دون نجاح يذكر. وبات من أولى واجبات نخبهم السياسية والاقتصادية والثقافية اليوم وَصْل ما انقطع من تاريخهم الحديث والمعاصر مع تاريخهم الحافز في عصره الذهبي.

وبات التاريخ العربي في المرحلة الراهنة يوصف بالتاريخ العبء؛ لأنّ أحفاد عصر العرب الذهبي لم يرتقوا بتاريخهم المعاصر والحديث من نسق التقليد إلى سمت الإبداع. وهم بأمسّ الحاجة إلى صنع تاريخ جديد يعيد للعرب موقعهم الطليعي في الحضارة العالمية. وهذا ما عبّر عنه الشاعر اللبناني خليل حاوي في قصيدته «الجسر»، حين كتب عن تجسير الفجوة بين التاريخ الحافز والتاريخ العبء لبناء نهضة عربية جديدة بقوله:

«يعبرون الجسر في الصبح خفافًا

أضلعي امتدت لهم جسرًا وطيد

من كهوف الشرق من مستنقع الشرق إلى شرق جديد

أضلعي امتدت لهم جسرًا وطيد».

على الرغم من تخلّف المجتمعات العربية وعجزها عن بناء دول عصرية، فإنّ ثمة نخبًا ثقافية عربية تنويرية سعت وتسعى إلى ممارسة الحرية والإبداع في مختلف المجالات، وعلى رأسها مبدأ استعادة العرب لحافزيّة المقدرة على رسم وتسجيل وقائع تاريخية مغايرة، يطمح إليها الملايين من بني جلدتنا؛ إذ مع الأسف لا يزال بعض المؤرّخين عندنا يكتب التاريخ العربي بخلفيّة الإسهاب في تاريخ الزعماء وكبار المتنفّذين الذين أبقوا الشعوب العربية أسرى التاريخ العبء. ومن هنا ضرورة أن يتحوّل المؤرّخون العرب الشباب نحو تسجيل تاريخ الشعوب، وليس تاريخ الزعماء والقادة فقط.

علي محافظة

ثمة كم هائل من الدراسات التاريخية السردية التي أساءت إلى تاريخ العرب في مختلف مراحله؛ فهي تركّز على مذكّرات قادة الانقلابات العسكرية، ورموز منظومة الفساد والإفساد التي سيطرت على مقدّرات الشعوب العربية، وتستغل الطبقات الفقيرة والوسطى، وجماهير القوى المنتجة؛ فهجرت النخب الثقافية والفنية والإدارية والمهنية إلى خارج الفضاء العربي، ومنعت تنفيذ كل أشكال التغيير والإصلاح بالطرق الديمقراطية السليمة. وهي دراسات سطحية عمّمت الثقافة الاستهلاكية، وحاربت الثقافات الإبداعية في مختلف حقول المعرفة، وفي طليعتها معرفة تاريخ العرب الحديث والمعاصر بالاستناد إلى وثائقه الأصلية التي تبرز دور النخب الثقافية في تطوير المعرفة النقدية، وبناء مجتمع المعرفة العربي.

فما كتبه المؤرّخون المتنوّرون العرب في هذا المجال شكّل مكتبة علمية غنية بالدراسات التاريخية التي رفضت الانجرار وراء المقولات الاستشراقية الغربية التي أسهمت في تشويه تاريخ العرب ونضالات شعوبهم ضد الجهل والتخلّف والتبعيّة للثقافات الغربية الوافدة. انتقد العرب المتنوّرون بشدة القيادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية التي تقمع الشعوب العربية وتجعلها أسيرة التاريخ العبء. وحذّروا من أخطار قراءة تاريخ العرب بعيون استشراقية غير منصفة قدّمت دعمًا قويًّا لمناصري التاريخ العبء الذي يبقي العالم العربي، على الرغم من طاقاته البشرية والماديّة الهائلة، عاجزًا عن الإصلاح أو بناء دولة ديمقراطية حقيقية، أو تحرير الأراضي العربية المحتلة.

قسطنطين زريق

في المقابل، نشر الروّاد من المؤرّخين العرب مجموعات كبيرة من الكتب التاريخية وفق منهجيّة التاريخ الاجتماعي، أبرزت تنامي العلاقات المتبادلة بين الجماعات العربية في مواجهة الصراعات الإقليمية والمخططات الدولية التي أسهمت في ولادة الدول العربية الحديثة في مشرق عالمنا العربي ومغربه؛ وأخصّ بالذكر دراسات قسطنطين زريق، وعبدالعزيز الدوري، وشارل عيساوي، وأدمون ربّاط، وعدنان البخيت، ونقولا زيادة، وعبدالكريم رافق، وعبدالجليل التميمي، وعبدالله العروي، وعلي محافظة، وجورج قرم وغيرهم.. وغيرهم ممن نشروا دراسات تاريخية رصينة تؤكد أن العرب لن يقبلوا بزوال فلسطين، وبانتصار المشروع الصهيوني مهما بلغت التضحيات. وتمسّكوا جميعًا بمقولة «التاريخ الحافز» التي ترى أنّ أصحاب الحضارات الإنسانية، كالحضارة العربية المعترف بها عالميًّا، التي أسهمت في بناء الحضارة الكونية، لن يتخلوا عن دور شعوبهم الفاعل في التاريخ الحضاري في إطار النظام العالمي الجديد، مهما كثرت الضغوط والمعوقات الاستعمارية.

ومع هذا الكمّ المتزايد من الكتب التي تناولت تاريخ العرب المعاصر والحديث بعيون عربية، وليست استشراقية، انتشرت مقولات ثقافية وسياسية عقلانية جديدة تنظر إلى الماضي بعيون الحاضر المفعم بالأمل في التحرر، وبناء مستقبل أفضل؛ فتوسعت حقول المعرفة بتاريخ العرب المعاصر والحديث، وتجاوزت كتابة تاريخ الجماعات القبلية والعشائرية والطائفية السائدة إلى كتابة تاريخ العالم العربي بتنوّع مكوّناته السكّانية وأنظمته السياسية وبناه الاجتماعية والثقافية. وأولت اهتمامًا خاصًّا بالتحوّلات البنيوية التي تشهدها بعض الأنظمة السياسية العربية التي نجحت مؤخرًا في إدخال تغييرات بنيوية كبيرة على المجتمعات التي تدير شؤونها. وانتقدت بشدّة أنظمة سياسية أخرى ما زالت عاجزة عن الإصلاح ونشر الديمقراطية السليمة بعيدًا من الانقلابات العسكرية، وحكم الحزب الواحد أو الزعيم الأوحد. وهي أنظمة تبدو اليوم مترهّلة؛ بسبب الفساد الإداري والمالي، وطاردة للنخب الثقافية والإدارية العربية المتنوّرة إلى خارج الوطن العربي؛ ما أبقى عددًا لا يستهان به من شعوبنا العربية أسرى التاريخ العبء، وأسرى منظّمات سياسية وطبقية متخلّفة بطبيعتها البنيوية ومولّدة للأزمات والحروب الأهلية والثقافة الاستهلاكية.

تعديل خريطة سايكس بيكو

● يبدو أنّ مشروع المؤرّخ البريطاني/ الأميركي برنارد لويس (1916– 2018م) لتقسيم البلدان العربيّة إلى دويلات طائفيّة ومذهبيّة وقبليّة وعشائريّة، هو في أوجه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا؛ وثمة بلدان عربيّة عدّة هي في حالة احتراب أهلي مؤسف وأزمات داخليّة مستعصية تفتك بها شر فَتْك، وآخر نموذج على ذلك دولة السودان.. ما تعليقك؟

  ارتبط تاريخ العرب الحديث والمعاصر ارتباطًا وثيقًا بولادة وتطوّر المشروع الصهيوني في المشرق العربي. ويسعى الأميركيون اليوم إلى تعديل خريطة سايكس بيكو القديمة لإحلال مشروع الشرق الأوسط الجديد برعاية أميركيّة مع خريطة جغرافيّة مضخّمة لإسرائيل الكبرى، كما رسم حدودها المؤرّخ برنارد لويس. علما أن مشاريع تقسيم المناطق العربية أكثر من أن تحصى، وأبرزها مشروع بانرمان لعام 1907م الذي أعدّ تحضيرًا لإعلان وعد بلفور، ومن ثمّ لولادة المشروع الصهيوني برعاية بريطانية على أرض فلسطين.

أتيحت لي الفرصة للحوار مع برنارد لويس في مؤتمر دولي في إسطنبول، كان يتحدث فيه بفوقية الباحث الذي يرى نفسه من صنّاع التاريخ، وليس من كُتّابه. كان يحظى باهتمام كبير أينما حل، وكانت غالبيّة مقولاته المكتوبة لا تستند إلى مصادر موثوقة؛ لأنه يرى نفسه المصدر والمرجع فيما يقول وفيما يكتب.

جورج قرم

في المقابل، لدى العرب رموز ثقافية كبيرة نشرت مؤلفات تاريخية رصينة، وتضمّنت مقولات ثقافية في حقل تخصّصهم تفوق دقة وموضوعية ما كتبه برنارد لويس. لكن المسألة في جوهرها تكمن في التدمير الذاتي الذي تمارسه بعض القوى السياسية العربية الملحقة تبعيًّا بمشاريع استعمارية خارجية لا مبرّر لها، فأدخلت اليأس من التغيير إلى نفوس شعوبها، بداعي النزاعات الدموية في أكثر من دولة عربية، وتدمير مواردها الاقتصادية وإفقار الناس، فارتفعت نسب الأميّة والبطالة والفقر والمرض بصورة جنونية، وتدنّى مستوى التعليم، وتراجعت أمور العناية الصحية وحماية البيئة الطبيعية. ثم بالله عليكم، لِيَقُلْ لي من يقول، أو بالأحرى يُجِبْنِي عن سؤالي المُلِحّ: هل هناك من مبرّر واحد للحرب الدائرة في السودان؟ وكذلك لماذا اعتمدت الطبقة السياسية الفاسدة في أكثر من دولة عربية سياسة تحويل الطبقة الوسطى (التي هي ركيزة الاستقرار الاجتماعي والازدهار الاقتصادي وطليعة الإبداع الثقافي والفنّي) إلى طبقة فقيرة ومهمّشة؟ فاختار، مثلًا، قسم كبير من أفرادها طريق الهجرة المفتوحة إلى الخارج للعمل والاستقرار. وتهاوت الركيزة الأساسية للتغيير الديمقراطي السلمي في الفضاء العربي.

تاريخ العرب من منظور تفاؤلي

● أمام تسارع الأحداث المعقّدة وتحوّلاتها الخطيرة في منطقتنا العربيّة اليوم، ألا ترى أنه بات من الضروري عقد قمّة خاصة بالمؤرّخين العرب الثقات، تكون مهمّتها العمل على رصد وتسجيل ما يجري لبلدانهم وأمتهم من وجهة نظر موضوعيّة وعلميّة، هذا من جهة.. وتجنّبًا لأن يتولّى الآخرون كتابة تاريخنا وفق أهوائهم السياسيّة والمعتقديّة من جهة ثانية؟

  الديمقراطية السليمة تولّد الاستقرار الاجتماعي المفضي بدوره إلى الازدهار الاقتصادي، وفق مقولة المفكر الصيني كونفوشيوس. وهي تُبنى على دعامتين أساسيتين هما: الحرية والمساواة. لكن المعطيات الراهنة في العالم العربي تشير إلى غياب الديمقراطية من جهة، وإلى مشروع أميركي دولي خاص بالشرق الأوسط كُشف النقاب عنه بعدما شنّت إسرائيل حربًا دموية مريعة لتدمير قطاع غزّة وفرض حل غير مقبول للقضية الفلسطينيّة برعاية منظومة الدول الغربية الملحقة بها.

لكن هناك معطيات تؤكد أن الأوضاع الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بإجراء أي تغيير جغرافي في الشرق الأوسط على حساب العرب الذين تنادى قادتهم إلى التمسّك بحدود دولهم، وبتعدّد أنظمتهم السياسية، أرضًا وشعبًا ومؤسّسات؛ فالخطر الأساسي يكمن في سياسة إسرائيل التوسعية الهادفة إلى تحويل المنطقة العربية المجاورة لها إلى دويلات طائفية وقبلية. وهو ما يعني أن الحرب مستمرة ما لم تندفع الدول العربية إلى التعاون والتوافق على سياسة عربية تكاملية على أسس عقلانية وديمقراطية سليمة، والسعي الجدّي للخروج من دائرة التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز؛ حتى لا تُفرَض عليهم حلول من الخارج كما جرت العادة منذ عقود طويلة.

في هذا المجال ترتدي دعوة المؤرّخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم إمارة الشارقة، إلى تشكيل لجنة من المؤرّخين المختصّين أهمية استثنائية.. على أن يكتب، التاريخ العربي على أسس علمية رصينة، وبأيدي مؤرّخين عرب من ذوي الاختصاص العالي والثقافة الشمولية المتعمّقة بتاريخ العرب الحديث والمعاصر.

هي، ولا شك، دعوة تؤسّس لتيّار ثقافي عربي جديد يكتب تاريخ العرب من منظور تفاؤلي خدمة للقضايا العربية الكبرى. وهو مشروع مبارك وقابل للتنفيذ؛ فإلى جانب نخبة مميزة من المؤرّخين الذين نشروا دراسات تاريخية بالغة الأهمية، لدى العرب اليوم كوكبة من المؤرّخين الشباب الذين تلقوا علومهم في أرقى الجامعات العربية والعالمية. وهم جاهزون للمشاركة في مشروع نهضوي كبير يعبّر عن رغبة الشعوب العربية في التطور، وفي مواجهة المشاريع الاستعمارية الغربية التي عاقَتْ وَحْدَة العرب، وسلبت مواردهم الاقتصادية والمالية وأفقرت شعوبهم. ولا بدّ من الاستفادة القصوى من دراسات كبار المستعربين في العالم الذين أنصفوا تاريخ الشعوب العربية، ودوّنوا نضالاتها ضد القوى الاستعمارية الخارجية والقوى المحلية التي ارتبطت بها، وأنصفوا اللغة العربية وتراثها العريض وإسهام العرب في الحضارة الإنسانية.

نعيش اليوم مرحلة التدوين الكثيف في مختلف المجالات، وعبر مختلف وسائل الإعلام والنشر. وهناك ذهنية أكاديمية مسيطرة في الدول العربية تعطي الأولويّة المطلقة في الكتابة التاريخية إلى الوثيقة المدوّنة. وأتقن المؤرّخون الجدد استخدام التقنيات الحديثة التي تزوّدهم بمصادر جديدة؛ وأولت الدراسات التاريخية المعاصرة الاهتمام الكافي بالمرويّات الشفوية لدراسة وقائع ما زال بعض صانعيها على قيد الحياة. وتستخدم هذه المنهجية بصورة مكثفة في إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية مهمّة، منها برامج خاصة لمن تطلق عليهم وسائل الإعلام صفة «شاهد على العصر».

وتعتمد الكتابة التاريخية اليوم منهجيّة علميّة متكاملة باتت ركيزة صلبة للدراسات التاريخية عن العالم العربي المعاصر تتكامل فيها الرواية الشفوية مع المرويّات المدوّنة والمحفوظة في وثائق الأرشيف العام والخاص. وهي تلبّي رغبة الكاتب الفرنسي الشهير فولتير الذي نبّه منذ عام 1774م إلى ضرورة كتابة تاريخ الناس كل الناس، وليس تاريخ القادة فقط. كتب فولتير: «يبدو لي أنه لم يُنظَرْ إلى التاريخ إلّا بوصفه عملية تجميع لتسلسل الأحداث؛ ففي كل ما قرأت لم أجد سوى تاريخ الحكام، وأنا كلّي رغبة لقراءة تاريخ الناس كل الناس».

وبإمكان الدول العربية أن تستعيد الكثير من وقائع تاريخ شعوبها بالاستناد إلى وثائق التاريخ المحفوظة في مراكز الأرشيف المحلية وفي سجلات الدول الاستعمارية. على أن تنطلق الكتابة التاريخية الجديدة من مقولة منهجية في غاية الأهمية، ومفادها أن الحاضر يفسّر الماضي وليس العكس. وأن الشعوب الحيّة وحدها هي القادرة على استخلاص الدروس من تاريخها الحضاري لتصويب مسار حاضرها والتحوّل المتواصل من التاريخ العبء إلى التاريخ الحضاري الحافز.

«سجادة فارسية» نسيجُها القصائد… مختارات من الشعر الإيراني المعاصر

«سجادة فارسية» نسيجُها القصائد… مختارات من الشعر الإيراني المعاصر

في ترجمة الشعر تخضع النصوص أو تتحرر. بعضٌ يترجم أعمالًا تشبهه، يختار قصائد ودّ لو كتبها، وإذا اضطر إلى ترجمة قصائد لا تشبهه فإنه يُخضعها عبر ترجمة تحمل بصمة المترجم وروحه. وقد تكون الروح جافة، أخشى أن أقول: متصحرة. كما يوجد مترجم حر، يحلو له أن تحتفظ النصوص بأجنحتها، ويصعب الاستدلال على ملامحه الشخصية في ترجماته؛ لأنه يترجم النصوص كما كتبها مبدعوها، ويختفي؛ فلا نجد نصًّا يشبه نصًّا لكاتب آخر. تلك أمانة في عمل قد يتسامح فيه القارئ مع بعض الخيانة. وإلى الفريق الثاني من المترجمين تنتمي الشاعرة الإيرانية مريم حيدري. وترجماتها تدل عليها، على نهجها ومحبتها للنصوص وكاتبيها.

حضور بطعم الروح

بسبب المركزية الأوربية أهملنا الآداب الشرقية، باستثناءات قليلة. في عام 1931م كتب الدكتور عبدالوهاب عزام مقدمة طويلة لإلياذة الشرق، «الشاهنامه» للفردوسي، وقد ترجمها الفتح بن علي البنداري في القرن السابع الهجري، وقارن عزام الترجمة بالأصل الفارسي، وأكمل ترجمتها، وعرّف بمكانة الشاهنامه عند الفرس وغيرهم. وتحمس طه حسين لترجمة غزليات حافظ الشيرازي، فأرسل الباحثَ إبراهيم أمين الشواربي إلى لندن وإيران؛ لمعايشة أجواء نص كان موضوع رسالته للدكتوراه، وصدرت عام 1944م ترجمة الجزء الأول من غزليات حافظ «أغاني شيراز»، والجزء الثاني عام 1945م. وكتب طه حسين في المقدمة: «انقضى الوقت الذي كان الناس يؤمنون فيه بأن الأدب العربي غني بنفسه لا يحتاج إلى أن تمدّه الآداب الأخرى بما فيها من قوة وروعة وجمال».

ما قدمه عزام والشواربي هو ثمرة تدريس اللغة الفارسية في جامعة القاهرة، منذ عام 1925م. وقبلهما ترجم أحمد رامي «رباعيات الخيام»، المجهولة تقريبًا في العالم العربي. في عام 1922م أوفدته دار الكتب المصرية إلى فرنسا لدراسة اللغة الفارسية، وراجع نسخ الرباعيات في باريس، وفي مكتبة جامعة برلين. وعاد إلى لندن لمراجعة مخطوطات أخرى. ونشر الترجمة عام 1924م. واكتشف رباعيات أضافها إلى الطبعة الثانية عام 1931م. وعلى الرغم من توالي ترجمات الرباعيات، عن أصلها الفارسي ولغات أخرى، فظلت ترجمة رامي- وإن لم تكن الأكثر دقة- هي الأقرب إلى النفس، ربما بفضل غناء أم كلثوم عام 1950م لخمس عشرة رباعية لحنها رياض السنباطي.

مريم حيدري

ظل للأدب الفارسي حضور بطعم الروح الفردية، ومنذ ترجم الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا رواية «البومة العمياء» لصادق هدايت لا نجد عملًا حظي بشهرتها، وغابت عن القارئ العربي المعرفة بخرائط الأدب الفارسي، وأجياله الشعرية وتياراته الفنية. وهذا ما تقدمه مريم حيدري، بمحبة، للشعر العربي لا تفوقها إلا محبتها للشعر الفارسي، في مختاراتها من الشعر الإيراني المعاصر، بعنوان «سجادة فارسية»، بانوراما تغطي مساره منذ بدايات القرن العشرين، قبل أن يغير رضا شاه بهلوي اسم فارس إلى إيران، عام 1935م.

تتغير الأسماء، وتسري الروح، تعبر الأجيال، وتسِم تيارات وتمردات بقصائد كل منها تدل على صاحبها، وبعضٌ اختار المغادرة والإقامة في المنافي، وإن جمعت بينهم ملامح مشتركة، وتظل «للفرس السياسة والآداب»، كما قال أبو حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة». ولا يخفى على قارئ هذه المختارات، وعلى المتابع للأدب الفارسي عمومًا، غياب التأثر بالشعر العربي؛ ربما لقلة المترجم منه إلى الفارسية، على العكس من التأثرات بالآداب الغربية، ربما لميراث قديم لم يغب عن التوحيدي، «فإن الفارسي ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئِه أن يعترف بفضل العربي». التوحيدي سرعان ما أتبع ذلك بقوله: «ولا في جبلّة العربي وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسيّ».

صدرت «مختارات من الشعر الإيراني المعاصر» عن دار المحيط للنشر في إمارة الفجيرة. وكتبت مريم حيدري مقدمة عن مسار الشعر الإيراني وتحولاته، في ضوء المؤثرات السياسية والتطورات الثقافية، منذ الثورة الدستورية في بدايات القرن العشرين، وانتهاء حكم القاجار، وصعود رضا شاه، ووعي المثقفين بمكافحة الاستبداد السياسي ودكتاتورية الشاه، وصولًا إلى محاولات جيل الثمانينيات تخليص القصيدة من الحمولات السياسية، وسط أجواء ضاغطة استمرت فيها الحرب العراقية الإيرانية ثماني سنوات، وتفادى شعراء التسعينيات القضايا العامة، مع حضور الشخصي، عبر لغة بسيطة، دارجة أحيانًا، لينتهي المشهد الشعري الإيراني في موجته الأخيرة بملاحظة «عدم ظهور شعراء يمكن اعتبارهم عمالقة الشعر كما كانوا في العقود السابقة».

شهد عميد الشعر الفارسي المعاصر نيما يوشيج عواصف سياسية داخلية وخارجية، زوال حكم وصعود آخر، وحربين عالميتين كان للأخيرة تأثير مباشر في عزل الشاه وتعيين ابنه. وكانت ثورته الخاصة في الشعر، بالأحرى انقلابًا على الشعر التقليدي، فحرر القصيدة من قوالب وأوزان موروثة منذ ألف عام، ولم يبالِ بسخرية كبار الشعراء. على اسمه تمرد علي إسفندياري؛ فسمى نفسه نيما يوشيج، وهو اسم بطل فارسي قديم، وبقصائده وتنظيراته أسس «البيان الأساسي للشعر النيمائي»، واقترب من روح الشاعر البريطاني إليوت في «الأرض اليباب». وترى مريم حيدري أن دوره يشبه دور نازك الملائكة في الشعر العربي، وأن «كل التيارات المهمة والأساسية في الشعر الفارسي المعاصر تدين بشكل أو بآخر للتغييرات والتحديات التي أنشأها وقام بها نيما يوشيج» المتوفى عام 1949م.

الزمن يُنصف عميد الشعر الفارسي

الزمن ينصف الجديد، وبعد المعارضة شقّ أسلوب نيما طريقه، وساد الكتابةَ الشعرية، فتفرعت منها تيارات، أهمها حركة «الشعر الأبيض» المعادلة لقصيدة النثر، وأثمر تمرد نيما في الجيل التالي، على أيدي شعراء مرموقين منهم أحمد شاملو، وفروغ فرُّخ زاد، ومهدي أخوان ثالث، وسُهراب سِبِهري، ومنوتشهْر آتشي. وفي الستينيات ظهرت «الموجة الحديثة»، قادها شبان تأثروا بما ترجم إلى الفارسية من آداب أوربية، مالت هذه الحركة إلى السريالية، وعارضت «الالتزام الاجتماعي المتطرف الذي كان يسود شعرَ تلك الحقبة»، وتفرع من تلك الحركة حركات أخرى، منها حركة «الشعر النقي»، وحركة «الشعر الآخر»، كما تمرد الشعراء الشبان على شعر «الموجة الحديثة»، ورأوه جافًّا فاقد الروح.

فروغ فرُّخ زاد

وفي الثمانينيات، شهد الشعر «ركودًا إثر الحرب والظروف الحالكة التي مرت بها البلاد»، وهذا لا يمنع الإشارة إلى شعراء صعدوا بالتجربة اليومية إلى أفق إنساني، «حتى الشعر الذي كتبته الشاعرة فِرِشتِه ساري عن الحرب لم يكن شعاراتيًّا، بل حمل ثيمة إنسانية»، كما تقول مريم حيدري التي ترجمت قصيدة فِرِشتِه ساري وعنوانها «النهاية»، وتبدأ بهذه السطور: «كان يكفيني للحياة/ غطاءٌ فريدٌ/ وللموت قبضةٌ من التراب/ أما الآن فيحضنُني خيالُك/ ولا تكفي كلُّ ثياب العالمِ/ لعُريي/ وإن متُّ على هذه الحال/ فسأنتشر في العالم إلى درجة/ لن يكفيني/ كلُّ التراب».

ثنائية الموت والعري، الوحدة في مواجهة المجهول، ترد بصيغة أخرى، عند الشاعر الرائد أحمد شاملو، ففي قصيدته «امتزاج» يقول: «سأنقطعُ من الشمس والنفَس/ كما تنقطع الشفةُ من قبلةٍ غيرِ مرتوية/ عاريًا/ قلْ لهم أن يدفنوني عاريًا/ عاريًا تمامًا/ كما نقيمُ الصلاة للحب، فأنا أريد الامتزاج بالتراب/ حبًّا/ دونَ شائبة أيّ حجاب».

الحالة العدمية توجد أيضًا عند رائد آخر هو سُهراب سِبِهري، القائل في قصيدته «لا غيمَ»:

«كل شيء خلفَ ابتسامةٍ يختبئُ/ وثمة ثقبٌ في جدار الزمن، يلوح وجهي منه/ ثمة أشياءُ لا أعرفها/ لكني أعرف أني سأموت إن قطعت ورقةً واحدة/ أصعد نحو الأوجِ، أنا مليء بالأجنحة/ أبصرُ طريقي في الظلام، أنا مفعمٌ بالفوانيس/ مليءٌ بالغيمِ أنا والترابِ/ مليءٌ بالشمس والرمالِ/ مليءٌ بأشجار الكرْمِ/ مليءٌ بالطريقِ، الجسرِ، النهرِ، الموجِ/ مليءٌ أنا بظلال القصبِ في الماء/ مليءٌ بترنح الصفصافة في أقصى الحديقةِ/ وروحي ما أوحدَها».

تتكرر هذه الحالة، بشكل آخر، في تجربة فروغ فرُّخ زاد، ومريم حيدري تراها «أهم شاعرة إيرانية، تركت أثرًا لا يستهان به في الشعر الفارسي المعاصر، وعلى الرغم من أنها توفيت في عمر مبكّر، فإن اسمها بقي خالدًا… حاولت فروغ أن توصل صوتها الشعري الإنساني، وتتفوق في ذلك على كثير من معاصريها من الشعراء». وفي مقاطع من قصيدتها «فلنؤمنْ بحلول الفصل البارد»، التي نشرت بعد وفاتها، تقول:

«وهذه أنا/ امرأةٌ وحيدةٌ/ على عتبات فصل بارد/ في بداية استيعاب كيانِ الأرض الملوث/ ويأس السماء البسيط الحزين/ وعجز الأيدي الإسمنتية/ مرّ الزمانُ/… والآنَ/ كيف يمكن لواحدةٍ أن تقومَ للرقصِ/ وتسكبَ جدائل طفولتها/ في المياه الجارية/ وأن تركلَ التفاحة التي اقتطفتها أخيرًا، وشمّتها؟/ يا حبيبي، يا حبيبي الأوحدَ/ كم من سُحب سوداءَ تنتظر سطوعَ الشمس».

الحزن الفارسي التاريخي لا يخطئه قارئ هذه المختارات، حزن أبدي يصالح الناس على الموت، فيشمل شعراء من الأجيال المختلفة، فالشاعرة بهاره رضائي، المولودة عام 1977م، تبدأ قصيدة عنوانها «أضعُ صحنًا إضافيًّا» بهذه السطور: «أهلًا سيدي الموت! لقد وصلتَ في الموعدِ/ أنا والوحدةُ/ هذه الأيامَ/ نأكل في صحن واحد». أما رضا بروسان (1973 ـ 2011م)، الذي توفي في حادث وهو مُرافِق زوجته الشاعرة إلهام إسلامي وطفلتهما، فقد اتّهم الموت بالجبن، والعجز عن المواجهة: «لا أحد يأتي من الأمامِ/ والموتُ يصل دائمًا من الخلفِ». لكن الشاعر شبنم آذر لا يكتفي باتهام الموت، بل يتحدى أن يقبرَه، في قصيدته «قبرٌ للموت»: «خُذْ هذا المنديلَ/ وامسح تجاعيدَ جبينك/ ذات يوم/ سنحفر قبرًا للموت». إلا أنه، في قصيدة أخرى، ينشد الحياة: «أيتها الرصاصاتُ/ أيتها الرصاصاتُ العزيزاتُ/ أرجو أن تعُدْن إلى خراطيشكنَّ/ حتى نعودَ نحن إلى بيوتنا».

عن الثورة والحرب والموت

البعيدون أكثر قدرة على تأمل مآلات الثورة وتراجيديا الحرب. الناقد الشاعر رضا براهني، المولود عام 1935م، اعتقل في عهد الشاه، وهاجر إلى أميركا، وفي عام 1987م نشر ديوانه «إسماعيل»، وأهداه إلى ذكرى صديقه إسماعيل شاهرودي الذي توفي عام 1981م. ويناديه: أيها الأشعر من شعرك وشعرنا، يا شاعر الجيل المفلس: «حربٌ هنا -يا إسماعيلُ- حربٌ، وثمة جثامينُ يدفنونها دون أسماء، وثمة بأسماء/ وكيف يعرف الدود والفأر أن الموتى يملكون هويات تاريخيةً/ أم لا/ بشكل واحد تسطع الشمس على المقبرة والبستان/ والمطر لا يعرف الخادم من الخائن/ إسماعيلُ! تعالَ نلمَّ خصلات شعرِ الأهوازيات من فوق النخيل/… لم يسمح لك الجنونُ أن تعرف ما يدور في الثورة/ ولم تسمح لك الجلطة الدماغية أن تعرف ما يدور في الحرب/ والآن لا يسمح لك الموت أن تعرف ما يدور في الموت/ ولا أعرف أنا، لأني لم أمت/ يجب أن أموت لكي أعرف ما يدور في الموت/ وإذ ذاكَ سأكون في الجهة الأخرى ولن يعنيني الموت».

الموقف العدمي، والشعور باللاجدوى، أحيانًا يتجاوز الكتابة إلى السلوك، وهذا سيروش رادْ مَنِش (1954- 2008م) ينتمي إلى الجنوب الإيراني، ومن مؤسسي الموجة الخالصة، وكانت المجلات الأدبية في طهران ترفض نشر قصائده بحجة الغموض، «لم يتجشم الشاعر طوال حياته بإصدار ديوان له». وفي هذه المختارات ثلاث قصائد منها «ميتًا فوق الحصان»، وتنتهي بهذه الصورة: «أسكن فيكِ أيتها الغيمةُ/ بصاعقة من صدري/ كي أرحلَ/ بلا اسمٍ.. أكثرَ من أي وقت».

الصورة الشعرية تتحرر من أسر الكلمات كلما تغذّت القصيدة من اهتمامات الشعراء بفنون أخرى، فالشاعرة گراناز موسوي نالت الدكتوراه في السينما، وهي ممثلة وكاتبة سيناريو، وفي عام 2008م أخرجت فِلْم «My Tehran for sale» (بلدي طهران للبيع)، تنهي قصيدتها «دائمًا هناك من يصل بعد غد»: «كلما أصبحت السماءُ غائمةً/ خيّل لي أن هناك امرأةً عاشقةً/ خلعت ثيابها».

الشعراء في هذه المختارات أكثر عددًا، لكن قصائد النساء تُجمّل الكتاب، تجعله «سجادة فارسية»، مُطرَّزة بمنمنمات من حروف نابضة، تخاطب حواس القارئ جميعًا. ومن أصغر الشاعرات آيدا عميدي (ولدت عام 1982م) تنشد الحرية على طريقتها: «كان قلبي قبضةً خافقةً/ أما الآنَ فقد أصبح بقعة دمٍ سالت على الأرض/ فتّشونا حتى العظام/ نحن نأكل خبزَ قلوبنا/ ولا يمكنكم أن تمتلكوا أيّ قلبٍ/ بالرصاص/… سأصنعُ وطنًا لأحلامي/ وأشعلُ سيجارةً/ لأنظر إليكَ/ من خلف الدموع والدخان/ أنت الذي/ لم تعد وطني».

هذه المختارات، «سجادة فارسية»، جسرٌ بين حضارتين، وفيها اهتمام بالرصد التاريخي، وتأصيل المراحل، وقفزات الشعر الفارسي، وصولًا إلى تيار أخير تتفاعل فيه قصيدة النثر، منفتحة على تيارات وتمردات فردية في العالم. ولعل الموجة الأخيرة، حتى تكتمل الصورة، تستحق مختارات خاصة، بحكم انخراط الشاعرة مريم حيدري في القلب منها.