بواسطة صبحي موسى - كاتب مصري | نوفمبر 1, 2024 | كتب
العلاقة بين التنبؤ والشعر قديمة ووطيدة منذ قصة وادي عبقر، والقول بأن لكل شاعر عفريتًا من الجن يلهمه أشعاره، مرورًا باتهام قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه شاعر، وتنزيه القرآن الكريم له عن ذلك، وصولًا إلى ادعاء المتنبي النبوة، أو قوله بذلك حين شبه نفسه بأنه في أمة تداركها الله مثل صالح في ثمود، وصولًا إلى الديوان الجديد للشاعر المصري السيد الجزايرلي الصادر مؤخرًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، الذي حمل عنوان: «أنا رسول بصيرتي»، وفيه يعتمد الشاعر على بصيرته في معرفة الأشياء والحكم عليها، ومن ثم فهي التي تقوده في مسالك الحياة.
في هذا الديوان نجد أنفسنا أمام طرح صوفي يعتمد فيه الشاعر على إلهامه الخاص في التعرف إلى الوجود من حوله. وربما كان ذلك ما دعاه لاعتماد كل من ابن عربي وابن عطاء الله السكندري مدخلًا للولوج إلى عالم ديوانه، فقد اختار لابن عربي مقولته: «من لم يتحقق بحقائق الأسماء والحروف فهو عن كشف سر غوامض الأشياء مصروف»، واختار لابن عطاء قوله: «النور له الكشف، والبصيرة لها الحكم، والقلب له الإقبال والإدبار».
الشعر والتصوف
يضعنا الجزايرلي بدءًا من عنوان الديوان وتصديره له أمام علاقة مثلثة الأضلاع تربط بين البصيرة والشعر والتصوف، وتجمع كلًّا من المتبصر والشاعر والصوفي في آن واحد؛ إذ يعتمد كل منهم على وحيه الخاص، وتجربته الوجدانية، لكن تظل اللغة هي الجسر المعبر عن إلهامات الثلاثة. ومن ثم فقد منحها كل منهم عنايته الخاصة. والشاعر في هذا الديوان متبصر من نوع خاص، متبصر اجتاحه الحنين إلى وطنه، وهو لسان حال جماعته من المنفيين أو المغتربين عن أوطانهم، ومن ثم فإنه يقوم بالتعبير عن حالهم.

السيد الجزايرلي
من السطر الشعري الأول في قصيدته الأولى، يتوقف بنا الشاعر أمام البلاد التي أتى من أجلها، وهي بلاد الحزن، موضحًا أنه لا هو ولا غيره ممن أتوا إلى هذه البلاد يسعون إلى تحقيق معجزة ما؛ لأنهم لم يأتوا بإلهام من الله، ولا برسالة من السماء، ومن ثم لا يعدون بتحقيق معجزة أو حتى أمر خارق للعادة. ويزيد الجزايرلي في توضيح مدى ضعفه الإنساني، وعدم إعجازه في مهمته، فرسالته للذين صلوا صلوات الموت في بلاد المنفى لم تصلهم، ومن ثم فبصيرته ليست موجهة لقوم فرحين مطمئنين في أوطانهم، لكنها من أجل المغتربين بعيدًا من الماء الذي نشؤوا فيه، والقرى التي ولدوا في أحضانها. ويبدو أن هذا التحديد لنوع البصيرة التي يمتلكها الشاعر وطبيعتها كان مطلوبًا من اللحظة الأولى في الديوان؛ لأن ذلك اتفاق ضمني بين الشاعر وقارئه.
السؤال والإجابة
تتنوع قصائد الديوان التي بلغت خمس عشرة قصيدة، وتوزعت ما بين التصوف والمعرفة الوجدانية، والحنين إلى الوطن ممثلًا في القرى التي خرج منها الشاعر، والرسالة المضمرة التي لا يصرح بها، لكن على القارئ أن يستشفها من بين السطور. ولعل قصائد مثل: (إغماءة، خرقة الصوفي، العراف، معراج) تعكس البعد الصوفي الذي شمل أجواء الديوان، انطلاقًا من كوننا أمام بصير لديه رسالة محددة، وليس معه وسيط سوى اللغة لتوصيل هذه الرسالة من خلالها. ومن ثم حملت اللغة في الديوان الشحنة الوجدانية التي أراد الشاعر توصيلها، ولم يرد الإفصاح عنها، عامدًا إلى أن تصل للقارئ بقلبه وشعوره وليس بوعيه ومنطقه قائلًا: «وكأن مائي سجدة/ غفرت لطمي الأرض/ تاريخ الظمأ».
يحتل الماء مركزا رئيسًا في الديوان، ليس بوصفه فقط أداة الطهر والنظافة، ولكن لأنه منبع الحياة وأصلها في مختلف الأساطير والديانات، كما أنه رمز للقرى التي أتى منها الشاعر، وهو أيضًا مقابل لأرض المنفى التي يسكنها من صلوا صلاة الموت، والموت هنا مقابل الحياة، والصلاة توءَم الماء.
يضعنا الديوان أمام بعد نفسي لا يصرح به الشاعر، وهو الاغتراب الذي يشعر به، ولا يمكن القبض على مفرداته الخاصة، فالشحنة الوجدانية في ظاهرها موجهة نحو التصوف والزهد والتسامي، لكنها في باطنها تحكي تاريخًا من الابتعاد والغربة عن الديار والأهل والوطن، ويتجلى حضور الوطن في العلامات الدالة عليه عبر عناوين قصائد مثل: «طين القرى»، «النيل»، «صوت الماء»، بينما تدل على الرسالة التي من أجلها كتب الشاعر ديوانه، أو دلت عليها بصيرته، عناوين مثل: (ملك أسير، بوابة المنفى، نشيد المحبطين، بياض الملح)، ولعل أول بوابات الغربة هي السؤال، ومن ثم تكمن بصيرة الجزايرلي في السؤال وليس الإجابة؛ لذا يقول في قصيدة «بياض الملح»:
«لماذا.. / كلما كُسرت جرار الوقت/ سال الحزن/ وارتبكت بيوت/ غلقت أبوابها قبل الغسق/ لماذا../ كلما وصل السراة إلى حدود الفجر/ تخذلهم قوافلهم/ لماذا../ عندما أغفو على نهر/ يمر الماء من غدهم إلى عطشي؟».
هكذا نجد أنفسنا أمام ديوان غني بالتساؤلات والرؤى والعوالم، يمزج فيه الشاعر ما بين التصوف والاغتراب النفسي والحضور الفني لفكرة البصيرة، وتوقف فيه دوره عن كونه ملهمًا إلى حدود أنه عضو فاعل في مجتمع كبير، وربما متصوف جديد يحركه شعوره بفقد وطنه وقراه التي نشأ في أحضانها، وماء أنهارها التي سرت في عروقه.
بواسطة شريف الشافعي - شاعر وصحافي مصري | نوفمبر 1, 2024 | تشكيل
على امتداد رحلته الثرية في حقول الفن المتنوعة، تمكّن التشكيلي المصري البارز حلمي التوني، الذي ترجّل عن دنيانا في سبتمبر 2024م عن تسعين عامًا، من إضافة إسهاماته الخاصة إلى المنجز التشكيلي المحلي والعربي والعالمي، عبر عشرات المعارض وآلاف الأعمال في التصوير الزيتي والرسم والكاريكاتير والزخرفة والغرافيك وتصميم أغلفة الكتب وشخصيات العرائس وقصص الأطفال وغيرها.
وتتعدّى بصمة حلمي التوني المميزة حدود هذه الانفجارات اللونية والتجليات المرئية التعبيرية، التي أفرزها في منجزه الاستثنائي بشتى الصيغ، عبر أكثر من ستين عامًا من الإبداع المتواصل. فهذه البصمة، لدى الفنان الذي نال كبرى الجوائز المحلية والعربية والدولية، ليست مجرد طرح فني ابتكاري في فضاء التخييل البصري المعاصر، وإنما هي خريطة رؤيوية وفلسفية لمسارات واضحة محددة نحو بلوغ الحياة الحقيقية، وقنص جوهرها الصافي، وخميرتها النشطة.
المفاتيح السحرية
من أقصر الطرق، وأيسرها، وأخصبها، يصل حلمي التوني، ابن محافظة بني سويف عام 1934م، إلى مبتغاه دائمًا؛ الحياة الحقيقية المتسعة، حاملًا مفاتيحه السحرية لمَشَاهدها المُركّبة والمُربكة، وتفاصيلها الكثيرة المتشابكة، التي لا تستغلق على حلوله النافذة، ولا تستعصي على معالجاته، ووعوده الناجزة.
وفي منظومة خريطته، هناك مسارات إلى الحياة الحقيقية حيث توجد، وهناك مسارات أخرى محرّضة على صناعة هذه الحياة، إن لم توجد من تلقاء ذاتها. وهكذا، تتجاور في خريطة الفنان الإبداعية والمعرفية، مسارات الرموز والطقوس والمفاهيم والإشارات المضيئة والعلامات الأيقونية، الدالة على الوجود الخالص، وعلى الصلصال الآدميّ النقي، في آنٍ واحد. فالحياة الحقيقية، في قاموسه، هي تلك التي يستحق البشر أن يجدوها ويعيشوها وينغمسوا فيها ويتذوقوها، ويُنعشوا بها حواسّهم المُنهكة.
هي، ببساطة، حياة تقود إليها، وتصنعها، مساراتُ التحرر، والبراءة، والانطلاق، والتمرد، والانفلات، والائتناس، والبهجة، والدفء، والغناء، وقرع الدفوف، والرقص، والأمل المتوالد، والحلم الذي لا ينقطع. وهي حياة، لا مجال لتلمُّسها من غير مسالك العشق، وحدائق الزهور والفواكه والرحيق المختوم، ومدارات الكواكب والنجوم والحكايات والملاحم والأساطير.
كما أن هذه الحياة الحقيقية، ليس ممكنًا إدراكها، من غير العبور المتعمق إلى الهوية الذاتية الأصيلة، والروح الشعبية، والموروث الوجداني، والضمير الجمعي، ومن غير وطء الدروب السرية إلى سراديب الأنثى/ المرأة، بكل ما تعنيه هذه الـ«هي» من نضج وتحقُّق وتفتّح وتجدد ونماء وازدهار ورشاقة وتبختر ودلال ومشاركة تفاعلية خلاقة.
وتكفي إطلالات عابرة على معارض حلمي التوني في السنوات القليلة الأخيرة، لتقصّي وجوه الحياة الحقيقية في تجربته، وتحسُّس مساراتها المتشعبة، خارج قيود الروتين اليومي والضغوط المحيطة والأطر الضيقة. ومن عناوين هذه المعارض، التي ترسم عوالمه الخاصة مثلما أنشأها بطلاقة وأريحية ومرح وتفاؤل: «يحيا الحب»، «أنا حرة»، «للنساء وجوه»، «فاكهة محرّمة»، «ليه يا بنفسج»، وغيرها مما شهدته قاعات العرض في غاليري بيكاسو، بحيّ الزمالك في القاهرة.
العشق والحرية
في الحياة المشحونة بالوهج وحرارة الأنفاس الصادقة، التي يبلورها الفنان حلمي التوني بريشته المرهفة وألوانه الصاخبة، كما في معرضه الأخير «يحيا الحب» (2024م)، لا صوت يعلو على صوت الحب، ولا إيقاع يفوق إيقاع النبضات القلبية.
وهذا الحب الضافي الشامل، هو ليس فقط العشق المتبادل بين الذكور والإناث، ولكنه أيضًا الحب الإنساني المتنامي في مواجهة الحرب، والعنف، والدموية، والقسوة، والهمجية، والآلة العسكرية التي تنشر العدم والخراب والكراهية، مع النيران والقذائف والأدخنة.
ويأخذ هذا الحب عنوانًا لفِلْم موسيقيّ غنائيّ لمحمد عبدالوهاب وليلى مراد في عام 1938م، هو «يحيا الحب». وتتناغم لوحات المعرض كلها مع هذه النزعة الموسيقية، حيث تنسكب الألوان بمرونة، وتتراقص الأجساد بانسيابية، وتتجلى القلوب والزهور والتفاحات الحمراء في حالات من الافتتان والنشوة، والإمساك بتلابيب الحلم والخيال الشعبي، والاعتداد بقيمة الحب، وطاقته الخلاقة، وقوته القادرة على سحق الشرور والآثام، ومحو القُبح والأحقاد والمكائد في النفوس وعلى سطح الأرض.
وإذا كانت الـ«هي» معنى من معاني هذا العشق الجارف في الحياة الحقيقية الجميلة، التي ينشدها الفنان حلمي التوني، فإنها معنى أكثر وضوحًا للتحرر، والتمرد، وخلخلة الثوابت، والإقدام، والتحليق عاليًا في الفضاء. وهذه الأفعال المقتحمة الجريئة كلها يفجّرها الفنان في معرضه «أنا حرة» (2023م)، الذي تُجسّد فيه هذه الـ«هي» صورًا متعددة للأنثى وربّة الجمال وملكة النحل والوردة والسمكة والثمرة اليانعة وعروس البحر والكرة الأرضية والشمس الساطعة، وغيرها من التنويعات البصرية، التي تمزج الواقعي والخيالي، وتدمج الحقيقي والأسطوري.
والحرية هنا، التي تعد مسارًا من مسارات الحياة الجوهرية، هي أيضًا ترجمة للجمال، وفق فلسفة المعرض التي ترى أنه لا جمال بلا حرية، ولا حرية بدون جمال. ولم تكن الحرية لتسفر عن تمظهراتها البارزة على هذا النحو لولا اقترانها بالـ«هي»، خصوصًا الأنثى، التي يستدعيها حلمي التوني كثيرًا في أعماله، ويزوّدها بأجنحة الفراشات والطيور والملائكة؛ لتحكي سردية المقاومة والخلاص والفكاك من الأسر، والإعلان عن الذات، وقطع المسافات الطويلة في طريق الارتقاء وبلوغ المستحيل.

أنوثة المرح
وفي معارضه «فاكهة محرمة»، و«ليه يا بنفسج»، و«للنساء وجوه»، (2018-2020م)، تتلاقى وتتشابك مسارات الحياة الحقيقية بعضها مع بعض في تجربة حلمي التوني، من خلال هذه التقاطعات الجارفة إلى حدّ التماهي بين وجوه الأنوثة والزهور والفواكه، بوصفها جميعًا على السواء من دوافع الصمود وفواتح الشهية للاستمرار على هذا الكوكب.
وهذا البقاء المدعوم بالإكسير الأنثوي، بطابعه العطري ومذاقه الحسي، هو ليس بقاءً اعتياديًّا أو سلبيًّا على سبيل مواصلة الحياة الباهتة والمحنطة والمتجمدة اضطراريًّا تحت وابل الظروف المأساوية. ولكنه بقاء تحفيزي مخلوط بالمرح، الأنثوي أيضًا، في هذه الطبيعة التي تقدّس الأنوثة الفاعلة، وترضخ عادة لكل محاولاتها للتغلب على الجدب والتصحّر والتعاسة والهلاك والانسحاق والأشباح السوداء، وزراعة الينابيع والاخضرار، ومناخات الربيع، والألوان الزاهية.
ويستعين الفنان بالهالات والأطياف التي تطلقها الابتسامات والضحكات الجاذبة والمدهشة، ولا سيما على وجوه النساء وفي قسماتهن المبهجة وملامحهن المصرية الشعبية والفرعونية؛ ليُعيد صياغتها في تكوينات لونية وتشكيلات موسيقية متحركة تفيض مرحًا تلقائيًّا، إيذانًا ببشرى الخروج من دوامات العصر الآلي المادي ومكابداته الساحقة، وامتلاك الإنسان من جديد آدميته الفطرية النفيسة الهاربة.

الجماليات والتوظيف
وبقدر ما تنفتح مدرسة التشكيلي حلمي التوني على الجماليات التصويرية والهندسية المجردة، وبذخ اللوحات خطًّا وظلًّا ولونًا وقيمةً فنية وتعبيرية، بقدر ما تعتني هذه المدرسة عناية كبيرة بتوظيف الفن، بمعنى الدور أو مجموعة الأدوار التي يمكن أن يؤديها التشكيل البصري، اجتماعيًّا وإنسانيًّا. وإلى جانب تعزيز الذائقة الجمالية لدى المتلقي، فإن أعمال حلمي التوني تحمل رسائل أخرى، مفادها إذاعة الطاقة الإيجابية، ومداواة الآلام والجراح، والحث على تخطّي المعاناة المؤقتة، والإخفاقات الظرفية، والمطبات الوعرة، والأزمات الفردية والجماعية التي قد تصل إلى حد الكوارث، ولكنه يراها دائمًا نسبيةً وقابلة للإزاحة؛ لأن البشر خُلِقوا ليواصلوا الكفاح والتحديات. ولا يقدم حلمي التوني هذه الموجات التفاؤلية من خلال إنشائية فجة أو تلقينات توجيهية مباشرة بطبيعة الحال. ولكنه يذيبها في بالتة ألوانه، ويبثها في تكويناته ومفرداته وعناصره الدينامية المُشعّة بالنضارة والإثمار، مستكنهًا بوعيٍ عميقٍ حقَّ الحياة الأصيل في أن تظل حياة، رغم كل شيء، وحقَّ البشر والكائنات جميعًا في أن يستعيدوا اتزانهم ويحصنوا أرواحهم بالجمال، منتظرين الحصاد الطيب في كل المواسم والفصول، وتلك هي غاية الفن القصوى من منظوره.
بواسطة الصديق الدهبي - باحث مغربي | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
صار النقد في المجمل هو مفتاح درب محمد نور الدين أفاية وسبيله وطريقه من ناحية كونه البداية والنهاية، الانطلاق والوصول، والمعبر والقنطرة التي تتوسط دروب التفكير ومآلاته. النقد عنده كتابة للتاريخ ومساءلة له، حتى إنه يجري وضعه في خانة مماثلة للفلسفة باعتبارها تعرف به ويعرف بها، فما تكون الفلسفة إلا تفكيرًا متبرمًا بروح نظرية من كل عوائق الاستكانة والخضوع والقبول والإيجاب، تأكيدًا أن النقد هو الفلسفة والفلسفة ما هي إلا النقد الدائم والمستمر للرؤى والأفكار والتصورات والتأويلات والتفسيرات الموجودة، وامتحان دائم لمقولاتها بصفاء نظري ومنهجي. فكيف أمكن لمشروع واحد أن يكون بهذه الفرادة الفلسفية في النقد، وبهذه الفراسة النقدية في التفلسف؟ وعلى أي أساس يكون النقد سبيلنا في الآن العربي، للتفكير في المسكوت عنه، واللامفكر فيه بمعية أفاية ومن معه؟
في معنى أن تكون الفلسفة نقدًا والنقد فلسفة
تحيا الفلسفة بالنقد ويحيا الأخير بها، وهذا درس من دروس الفلسفة جعله أفاية مركزيًّا كتابة وتفكيرًا(1)، ففي ظنه صار النقد يسري في الزمن الحديث والمعاصر لا باعتباره موضوعًا للفكر ومُكونًا من مكوناته، بل باعتباره يحيل في الزمن الراهن «إلى نمط من الفكر، أو إلى سلوك، بل إلى علاقة اجتماعية يكتسب فيها صفة التخصص المنتج لمعرفة يقظة»(2)، ولأنه كذلك وبهذه الأهمية فالأحرى الانكباب عليه كموضوع للتفكير، وآلية يمكن التفكير بها في الآن ذاته، استعانة بما زكته مشاريع النقد الكبرى بداية من كانط، وماركس، وصولًا حد تفكيكية دريدا وصحبه، مرورًا بكل التجارب الأخرى التي تتخذ من النقد موطنًا لها، بما فيها مدرسة فرانكفورت التي يشرح أفاية دواعي الانكباب على دراسة أحد أهم ممثليها -هابرماس- بتعلة أن «فكر هابرماس تميز بكونه أخضع كل الاجتهادات الفلسفية بخصوص الحداثة للسؤال والمراجعة والنقد»(3).
استوجب هذا من أفاية «إقامةً» في المشروع النقدي الغربي
بمُعايناته السابقة وبأسمائه الكبرى التي وجب الاستناد عليها وإليها، قصد حط الرحال في قراءة مستنيرة لحركية «التعقل النقدي» في تجربته النظرية العربية، إيمانًا بمدى صدقية وجدية المشاريع التي أسهمت بروحها الفلسفية في استشكال الموضوعات الرئيسة في هذه التجربة، مثل نجيب محفوظ وعبدالله العروي والجابري وأركون وناصيف نصار والخطيبي، وقبلهم بكثير مؤرخون وأدباء وشعراء، من طينة مغايرة ربما على شاكلة المتنبي…، كل حسب نمط السجالات وطبيعة المعارك النظرية التي خاضها وشكل التوجهات والمدارس التي اقتطف منها جزءًا من رؤاه(4)، بما يعنيه هذا الانخراط من اعتراف مباشر بخوضهم في النقاشات والجدالات الدائرة ضمن خانة ما يسميه مثقفنا مشروع «الفكر النقدي الإنساني».
إنه المشروع الذي يقتضي الانتقال من فهم الأصول النقدية في التجربة الغربية من أجل إدراك امتداداتها في أسئلة الراهن العربي، بروح هادئة ترفض تكرار لغة المؤامرة والمآسي، أو ما يقابلها من لهجات التفوق والنشوة العربية؛ لتجاوز أي حالة من «السادو- مازوخية» في الوعي العربي المعاصر، قصد الانتباه إلى متغيرات هذا الوعي العربي في شقه النقدي المتكئ على نوع من الشقاء النظري الذي يسكنه. ففي ظن أفاية قد بدأ بالفعل «وعي عربي ذو طبيعة نقدية يتحرك، وهو يسعى إلى خلخلة الفهم المشترك الذي تعود عليه الإنسان العربي، سواء في تعامله مع ذاته أو تراثه أو واقعه، أو في سلوكه إزاء مظاهر الحداثة وأشكال التنظيم والعقلانية كافة»(5)، وهو نقد قوامه الانطلاق من مبدأ أن «هذا الآن العربي هو الذي يحتاج إلى مساءلة ونقد»(6).
والقصد أن تَملِك التجربة العربية الراهنة الشجاعة على اتخاذ قرار الترحال بصيغته الكانطية شريطة أن تكون أصيلة، ورفض المكوث في شروط مغايرة لوعي يحترق من أجل خلق واقع يناسبه، بواسطة التفكير في نقد النقد كما هي حال النقلة التي حصلت مع محمد عبده الذي صار فيما بعد وسيطًا لعملية نقدية أوسع وأشمل، وكأنه حرك حجرة الاستكانة والقبول دون أن يرمي بها بعيدًا أو أن يدفعها نحو التدحرج، لكنها زحزحة كانت في محلها كمنطلق وبداية اقتضت فيما بعد خلق سجالات وحوارات أفضت إلى تأسيس حالة من النظر النقدي صوب معقوليات التجربة العربية المعاصرة، كما في صيغتها التي ساقها محمد عابد الجابري «المطلع على التراث، المتابع للفكر المعاصر، المسكون بهاجس البيداغوجيا، والخبير بشؤون السياسة»(7)، وبعده ناصيف نصار(8)، وما تلاه من فتح لأبواب متن الخطيبي الذي سيج النقد العربي بمقولات جديدة منطلقها التفكيك وتدوير عمليات التفكير، حين يعلن حضوره من غير استئذان(9). فكان هذا التنقل المرن هو مانِح المعنى للدرس الفلسفي باعتباره درسًا في الراهنية الدائمة. وهي كذلك عند أفاية؛ لأنها ابنة زمانها بلغة هيغل، وتتوسد على فكرة أن «ما يميز فلسفة عن أخرى هو نمط سؤالها وقدرتها على إبداع المفاهيم، أو على الأقل الاستعمال المبدع لها»(10)، والحجة عنده أن «الفكر النقدي فكر ناقد لذاته.. فسواء كان محكمة، أو محاسبة جدلية، أو مطرقة، أو إستراتيجية تفكيك، فهو يعمل بلا توقف على تجذير الروح النقدية في الفكر والنظر»(11)، وفي النهاية مساءلة كل ما له صلة بالوضع البشري، ورفض القول باللامفكر فيه.
النقد سبيلًا للتفكير في اللامفكر فيه
مهمة هذا السفر الدائم بوساطة جرأة النقد كعدة نظرية ومنهجية، تستوجب تملك حس سليم في إدارة التفكير والمساءلة والمطارحة، من خلال الإبقاء على الخيوط منسوجة بين «المفكر» و«اللامفكر فيه»، أو بين الأنساق العقلانية في زينتها المنهجية والمنطقية، وبين أشكال الثورة على هذا الإرث تحت كثير من المسميات المجاورة للتفكيك وما بعد الحداثة. وأفاية يجيد في ترحاله أمر اللعب على الأمرين وترويض القولين، فهو يرفض كليًّا انتهاك سيادة العقل خاصة في ظل حالة الصراع مع ترهات القول في الثقافة العربية تحديدًا، لكن من خلال العمل على تجاوز تقديساته وتَكَدُّساته التي تريد لنفسها أن تكون منزهة عن معول النقد ومطارقه. ووصفته هذه، كما يقول نبيل فازيو مثلًا، تنم عن وعي الفيلسوف المغربي بضرورة مراعاة مقتضيات الراهن العربي وقيام الحاجة فيه إلى مطلب عقل وعقلانية، أمام ردود الأفعال غير العقلانية التي يدفعنا إليها تفاعلنا مع الحداثة والعقل الغربيين من جهة، وأمام تضخم منسوب اللاعقل في ظل هيمنة ثقافة الإدراك على الوعي العربي المعاصر من جهة ثانية(12).
وحجة أفاية في إقامة هذا التوازن في التفكيكية وثنائية «المركز» و «الهامش»، أن يعاد النظر في الاعتبارات التي ارتأت التوجه للتجربة الإنسانية من منظور ثنائيات تصنيفية بموجبها تُدفَن إحداها في «الهامش» وتُمَجَّد الأخرى باعتبارها «مركزًا»، كما في تعاطيه مع ثنائية «الشرق» و«الغرب» مثلًا، معتبرًا أن الحديث عن فكر غربي مركزي وآخر عربي هامشي، هو حديث فيه نوع من التجني «ذلك أن الفكر المبدع هو فكر إنساني، كيفما كان مكانه، فقد يكون له منشأ ومؤلف وسياق ولكن بُعده الإبداعي يتجاوز الحدود وينتقل من لغة إلى أخرى ومن نص إلى آخر»(13)، مع ما يعنيه هذا الأمر من ضرورة إلزام الفكر الإنساني بأهمية تجاوز تلك التصنيفات الضيقة(14)، حتى حين يتعلق الأمر بالتصنيفات ذات الصلة بالأسئلة والمطالب الجدلية كموضوعات النهضة(15) والديمقراطية(16) والدولة والسلطة، في مقابل السكوت عما قد يعد في الآن العربي هامشًا من قبيل أسئلة الصورة والسينما والمرأة والاعتراف.
على سبيل الختم
«أفاية الفيلسوف والناقد» هو باختصار أستاذ الدروب الصعبة والمهمات الشاقة في الفكر والنظر، ومنه أتت صعوبة تحديد موضوعات كتاباته حتى صار أمر التعرف إلى ما كتبه أفاية مقترنًا بالتنقيب عما لم يكتبه، والسبب ببساطة أن «الترحال» دربه، فهو لا يسلم بمشروع حصر التفكير ضمن مساحة المقولات المركزية للفكر المعاصر، كالديمقراطية والنهضة والدولة والنقد والهوية والسياسة والسلطة والعقل والوعي…، حين يفتش عن المسكوت عنه واللامتداول كشفًا لأهميته، بفتحه الباب على أسئلة المرأة والهامش والاختلاف والاعتراف والآخر والصورة والسينما…، وكأنه يعاند صرامة القول العلمي والمنطقي بجفافه وقسوته، من خلال الانخراط في معضلات وأزمات الزمن المعاصر، اعتمادًا على شواهد قول مغيبة في الفن والسياسة والأدب، ويواجه تصلب الهوية بانفتاحات الاختلاف، وهيمنة كونية الليبرالية والديمقراطية بتعددية التثاقف والاعتراف.
هوامش:
(1) يقول أفاية واصفًا حركية التفكير النقدي وقدرته على إحياء المقولات الفلسفية ضمن تأويلية منفتحة: «إن النقد موجود بشكل أصلي في لعبة اللغة، فكل نشاط يمكن أن يكون نقدًا كلما برز معنى جديد، قادر على تغيير -أو تعديل- منطوق نص أو معنى أو علاقات ما… يستمد الفكر النقدي جدارته ويكتسب وظيفته ويستحق تسميته كلما انتزع لذاته فضاءً مناسبًا في الإنتاج الفكري والنظري والثقافي، وذلك ما لا يمكن الوصول إليه من دون تفكير منتبه إلى العمل الفلسفي والفكري باعتباره تفكيرًا مجادلًا، مساجلًا، برهانيًّا، باحثًا عن المعنى». محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، يوليو 2014م، ص 8.
(2) محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 8.
(3) محمد نور الدين أفاية، «الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصر: نموذج هابرماس»، منشورات إفريقيا الشرق، الدار البيضاء – بيروت، الطبعة الثانية 1998م، ص 7.
(4) يقيم أفاية تمييزات دقيقة في تصنيفه للمشروعات النقدية في لبوسها العربي المعاصر المحتك بغيره من الإنتاجات والمدارس، ويميز على إثرها وبدقة شديدة بين نقد نجيب محفوظ وعبدالله العروي والجابري وأركون وناصيف نصار والخطيبي…، ينظر: محمد نور الدين أفاية، في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية، مرجع سبق ذكره، ص 14.
(5) محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 151.
(6) محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 152.
(7) محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 164.
(8) يفصل الأستاذ أفاية ضمن مؤلفه «في النقد الفلسفي المعاصر» في مشروع ناصيف نصار لإبراز الإضافات الجوهرية التي يبتغي إضافتها في التعامل مع أمر التلقي العربي للفلسفة في لبوسها النقدي، وكأنه يصف بشكل ضمني مسارات هذا التنقل والسفر والترحال بطرقه ومشاقه وإحراجاته ومخاطره ولذَّاتِه في الآن ذاته. ينظر في الجزء الخاص بناصيف نصار: محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 184 – 194.
(9) محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 208.
(10) محمد نور الدين أفاية، «الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصر: نموذج هابرماس»، مرجع سبق ذكره، ص 19.
(11) محمد نور الدين أفاية، «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مرجع سبق ذكره، ص 12.
(12) نبيل فازيو، النقد، المعنى، الاختلاف: محمد نور الدين أفاية قارئًا للنزعة النقدية، منشورات مجلة المستقبل العربي، العدد 440، أكتوبر 2015م، وأعيد النشر في موقع «مركز دراسات الوحدة العربية».
(13) محمد نور الدين أفاية: لا مجال للحديث عن ديمقراطية بدون ديمقراطيين، حوار مع أشرف الحساني، منشورات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، منشور بتاريخ 1 مارس 2020م.
https://www.alfaisalmag.com/?p=17864
(14)
(15) يمتحن أفاية سؤال «النهضة» باعتباره معدودًا على مقولات المركز بالحس القائم على رفض الدعوة الدائمة إلى التعامل مع هذه الموضوعات باعتبارها مركزًا ثابتًا، من خلال امتحان شروطها وممكناتها وعوائقها وتعلقاتها وترسباتها بشكل دائم ومستمر. ينظر: محمد نور الدين أفاية، «النهضة المعلقة»، منشورات المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، الطبعة الأولى 2020م.
(16) يقارب أفاية سؤال الديمقراطية في كثير من أعماله بروح جديدة ترفض نسفها كتجربة إنسانية تعبر عن نوع من المعقولية التي على أساسها يمكن إقامة حالة التوازن بين «المركز» و«الهامش»، حين يجعلها السند المساهم في حماية الاختلاف والمرأة والاعتراف والآخر…، لكنه يحاورها بشك وريبة في تجربتها العربية على هيئة أمل معلق ومرجو، وكأنه يريدها بدون «نقائصها» حتى تكون مركزًا يحمي المرأة والآخر والمختلف…، أي مركزًا يحمي الهامش بتكسير هذا التقسيم الجائر نفسه، ينظر: «الديمقراطية المنقوصة: في ممكنات الخروج من التسلطية وعوائقه، تقديم عبدالإله بلقزيز»، منشورات منتدى المعارف، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.
بواسطة محمد مظلوم - شاعر وناقد عراقي | نوفمبر 1, 2024 | بواكير الحداثة العربية
مرَّ، هذا العام، ربع قرن على رحيل عبدالوهاب البياتي، شاعر المنفى والحب والثورة، الذي سيصدر ديوانه عن (دار الشؤون الثقافية- بغداد) قريبًا، ويقع في ثلاثة مجلدات، وهي أول طبعة مكتملة لأعماله حيث تتضمن مجلدًا جديدًا من الأعمال التي لم تضمها الطبعات السابقة الصادرة عن (دار العودة) و(المؤسسة العربية للدراسات والنشر) كما أنها أول طبعة لديوان البياتي تصدر في العراق الذي قضى معظم حياته بعيدًا منه.
بين هاتين المناسبتين سانحة نقدية لمراجعة سؤال (الريادة والحداثة) في الشعر العراقي من خلال هذا المقال.

عبدالوهاب البياتي
منذ ديوانه الثاني «أباريق مهشمة» – (1954م) أحدثَ عبدالوهاب البياتي (1926-1999م) تحولًا نوعيًّا وانعطافًا حادًّا ليس في تجربته الشعرية الخاصة، بل في مستوى التعبير الشعري لشعر الحداثة. فهو الشاعر الوحيد -بين ما عرف بـ(جيل الروَّاد)- الذي أنقذ تجربته مبكرًا من الإيغال في الرومانسية التي ظهرت في ديوانه الأوَّل «ملائكة وشياطين»- (1950م) وعلى الرغم من التأثر الواضح بالفلسفة الوجودية وكثافة ظلالها التي تغطي مساحات واسعة من موضوعات «أباريق مهشمة»: كالسأم، واللاجدوى، والمصير القسري للإنسان، والجحيم الدنيوي، ومشاكل الحرية، فإن معظم قصائده تزخر بلغة جديدة، وتوظيف تفاصيل الحياة وبلاغتها اليومية واللغة الحية في القصيدة، بما فتح آفاقًا رحبة للقصيدة العربية الحديثة.
وقد أشار إحسان عبَّاس إلى هذا الانعطاف الذي أحدثه البياتي وتميزه عن السياب ونازك(1). لكن نهاد التكرلي، كان أول من انتبه إلى حداثة البياتي وتميزه فنيًّا عن جميع مجايليه(2) وبهذا الفهم لن يعود سؤال الريادة سؤالًا زمنيًّا بحيث يجري تحديدها من خلال الأسبقية. فقصيدتا «الكوليرا» لنازك و«هل كان حبًّا» للسياب تبدوان الآن تقليديتين رغم أسبقيتهما الزمنية، بينما احتفظت قصائد البياتي بحداثتها لتميزها بدقة معمارها، وعصرية لغتها، وفرادة أسلوبها حتى حين يقارب الموضوع ذاته أو الغرض الذي سبقه إليه أقرانه. فثمة موضوعات معينة عالجها كلٌّ من السياب والبياتي في قصائد تحمل عناوين متقاربة غالبًا ومتطابقة أحيانًا: «السوق القديم» و«المخبر» و«ثعلب الموت» للسياب. و«سوق القرية» و«المخبر» و«الثعلب العجوز» للبياتي.
الأسبقية الزمنية لجميع هذه القصائد للسياب، لكن طبيعة المقاربة والمستوى الفني (الحداثي) ترجح فيها كفة البياتي في جميعها، بيد أن من النقاد والشعراء العرب، من لا يزال يجد في الأسبقية الزمنية مرجعًا أساسيًّا في ترجيح ريادة السياب أو نازك.
فبينما تبدأ قصيدة «السوق القديم» للسياب بمستهل للسوق في الليل في غياب الناس، وهو مستهل لا يخلو من رومانسية ظلت مهيمنة على مجمل تجربته، يليه تصوير للدكاكين المغلقة، والبضائع المكدسة، و«الريح التي تعبث بالدخان» في تصوير لا يختلف كثيرًا على المستهل الطللي في القصيدة العربية القديمة. سيخرج السياب بالقصيدة من موضوعها، إلى استذكار قصة حب عاثر، كما عهدناه لدى الشعراء العرب الطلليين. أما قصيدة البياتي فتبدأ من لحظة أخرى مناقضة تمامًا، من النهار الصارخ، وازدحام الناس وضجيج الحياة وأصوات البشر والحيوانات، وعلى الرغم من أن القصيدتين من البحر نفسه (الكامل)، فإن إيقاعات جُمَل البياتي تبدو وكأنها ترجيعًا لاختلاط أصوات الباعة والمتبضعين في السوق. وأية قراءة داخلية لعناصر كل من القصيدتين ستضعنا حقًّا في مواجهة ثنائية الأسبقية الزمنية، وأهمية الأثر والتأثير بين القصيدتين(3).
لن يخرج الأمر عن هذا النطاق عندما نضع قصيدة «المخبر» للسياب إزاء قصيدة لاحقة للبياتي بالعنوان نفسه، فالسياب يستعير صوت المخبر معبرًا عنه بضمير المتكلم ليبوح بالهواجس الشعورية الداخلية الآثمة لهذه الشخصية الوضيعة. بينما يستخدم البياتي في قصيدته ضمير الغائب، الذي يتيح مستوى تعبيريًّا أكثر فنًّا في شعر الحداثة، ليرسم صورة كاريكاتيرية تسخر من هذا النموذج البشري، الرقيب الذي لم يرصد جيدًا في تراث الشعر العربي قبل ثورته الشعرية الأولى. وكذا الحال عند مقارنة قصيدة «ثعلب الموت» للسياب مع قصيدة «الثعلب العجوز» للبياتي.
نساء السياب وعائشات البياتي
ما يجمع بين السياب والبياتي أن صورة المرأة مرتبطة لديهما بفكرة الموت والرحيل، لكن صورة المرأة لدى السياب كثيرًا ما تتجلى في مرآة الحرمان. فخلال دراستهما بدار المعلمين ببغداد عرفا النساء نفسهن تقريبًا. وكثيرًا ما وقع السياب في حب الزميلات! حب من طرف واحد باستمرار، حصيلته قصائد تفيض باللوعة والحرمان والتوسل:
«أَحِبِّيني/ لأنّي كُلُّ مَنْ أَحْبَبْتُ قَبْلَكَ لَمْ يُحِبُّوني»(4).
إلا أن للسياب تجربة مختلفة في البصرة، مع قريبته (وفيقة) التي ماتت وهي شابة، كان ينبغي أن يطورها لتصبح فرصته لخلق رمز شعري للمرأة في تجربته، وفي الواقع لم يكن لدى السياب مثل هذه الفرصة فقد أحبطت بالموت في ذروة نضوجها؛ إذ بدأ متأخرًا فيما يشبه اكتشاف هذا الرمز من خلال قصائد «شباك وفيقة1» و«شباك وفيقة» و«حدائق وفيقة»(5)، ولا سيما ربطها باستكشاف العالم السفلي وتموز وعشتروت.
(وصال الحب) لدى السياب لا يكاد يتحقق إلا في عالم ما بعد الموت حين يلتقي (الخيال بالحقيقة) أما في العالم الأرضي، فالتجربة أقرب للتوهُّم، وكل ما بقي من نساء السياب (أسماء):
«هَالَتِي تِلْكَ أَمْ (وَفِيْقَةُ) أَمْ (إِقْبَالُ)/ لَمْ يَبْقَ لِي سِوَى أَسْماءِ/ مِنْ هَوى مَرَّ كَرَعْدٍ فِي سَمَائِي»(6).
أما البياتي فقد أسعفه امتداد التجربة، ليبتكر رمزًا شخصيًّا للمرأة في شعره. فولد رمز عائشة في شعر البياتي، في ديوان «الذي يأتي ولا يأتي»- (1966م) وهي عادة ما تظهر في هذا الديوان بصورة مركبة من الموت والحياة:
«عَائِشَةٌ مَاتَتْ، وَلَكِنِّي أَرَاهَا تَذْرَعُ الْحَديقَة»(7).
ومن هنا استمد فكرة الرحيل بما يتطلبه من بحث عن عائشة: حيث تعيش في كل العصور وتقترن بالرحيل والفقد بشتى أنواعه.

بدر شاكر السياب
مصدر البياتي في هذا الاكتشاف رواية «حياة عمر الخيام» (1934م)(8) للمؤرخ والروائي الأميركي «هارولد لام» الذي يعتمد في أعماله على كتابة التاريخ، ولا سيما تاريخ الشرق، روائيًّا، فيعمد إلى إضفاء الخيال على الوقائع أكثر من اهتمامه بتوثيق تلك الوقائع، فيخترع أحداثًا، ويتلاعب بالشخصيات، ويختلق شخصيات أخرى غير موجودة تاريخيًّا. ومنها تلك الحادثة التراجيدية عن محبوبة الخيَّام «ياسمين» التي أجبرت على الزواج من تاجر حلبي ثري، أخذها معه من «نيسابور» ثم طلَّقها بعد أن مرضت وتركها وحيدة. فأرسلت عن طريق مسافر إلى نيسابور قطعة من حليها إلى الخيام الذي لحقَ بها واصطحبها عائدًا بها إلى «نيسابور» لكنَّها أصيبت بالطاعون وتوفيت في الطريق. فدفنها على تلة تحت إحدى الأشجار. وانعكست هذه الحادثة على نماذج معينة من الأدب العربي، ولا سيما لدى البياتي في ديوان «الذي يأتي ولا يأتي» واكتشافه الأساسي لرمز «عائشة» التي تعيش في كل العصور. وكذلك في مسرحية «محاكمة في نيسابور» التي هي صياغة مختصرة لعمل (لام) حيث اقتبس فيها البياتي كثيرًا من العبارات من ذلك العمل.
في رواية (لام) هناك ثلاث فتيات أحبهنَّ الخيَّام وأضاعهن بالتتابع لأسباب مختلفة، فبعد (ياسمين) أحبَّ (زُوي) السبية الرومية من القسطنطينية، فخيَّره الحسن الصبَّاح بين البقاء معه في القلعة، وبالتالي العيش مع زوي، أو الذهاب لأصفهان لبناء المرصد الفلكي، لكنه هرب من قلعة (ألموت) خلسة، وفي قلبه حسرة على حبيبته (زوي).
أما (عائشة) فجارية جلبت في أثناء غزوات السلطان السلجوقي (ملك شاه) وبِيعتْ في سوق الرقيق بنيسابور، فلفتت نظر الخيام حيث ادعت أنها تنحدر من نسب كريم لقبيلة عربية من حوران، وذكَّرته بحبيبته الميتة ياسمين، لكنها رحلت عائدة لديارها وفق رواية (لام) لهذا يكمل البياتي رحلة البحث المزدوجة عن حبيباته- حبيبات الخيام الضائعات في شتى الأسماء وشتى البلدان ابتداءً من نيسابور. ولا سيما أنَّ صورة الفتاة الفارسية، ترتبط بحب مبكر لزميلة أيام الدراسة بدار المعلمين العالية اسمها (فروزنده) وهي ابنة دبلوماسي إيراني عمل مستشارًا في السفارة الإيرانية ببغداد لسنوات؛ لذلك أكملت دراستها الثانوية والجامعية في العراق. وقد كتب عنها قصيدة عمودية ضاعت ولم يعد يتذكر منها سوى مطلعها:
لَطَمَ الْوَرْدُ فِي الْحَدِائِقَ خَدَّهْ مُذْ رَأَى فِي سَمَائِهِ فروْزَنْدَهْ(9).
غير أن البياتي لم يقف عند تخوم اكتشافه الأول، فأضفى على عائشة هالة الحبيبة (الطاهرة) التي يلتقيها في دمشق، وتولد هذه المرة في صورة فتاة فارسية عند ضريح محيي الدين بن عربي. كانت تلك الصورة هي الحافز لكتابة قصيدته عن دمشق «عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق».
ومنذ تلك القصيدة بدأ البياتي ينحو نحو رسم صورة صوفية متعالية للحبيبة، فيقترب من وصف ابن عربي لمعشوقته (نظام) في مقدمته لديوان «ترجمان الأشواق» ويقتبس منه: «فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني». ومثلما تعددت في «ترجمان الأشواق» الأسماء لمسمى واحد: تهامة، هاجر، وليلى، زينب، تعددت في شعر البياتي أسماء حبيبته: لارا وخزامى وهند وصفاء. وبقيت عائشة هي القناع والإطار اللازمني المفتوح لصورة الحبيبة:
وفي ديوان «بستان عائشة» يقدم تفسيرًا شعريًّا لهذا التعدد:
«قَالَتْ: مَنْ هِي (لَارَا) هَلْ هِي (عَائِشَة)/ أَمْ هِيَ هَذَا الْأُفُقُ المَوْصُود؟/ قُلْتُ: هِي الْحُبُّ الضَّائِعُ وَالزَّمَنُ الْمَفْقُود»(10).

نازك الملائكة
من هنا ارتبط قناع عائشة في شعر البياتي، بثنائية الحضور والغياب، فهي ما إن تظهر حتى تختفي كبرق سماوي أو وعد غيبي لا يكاد يتحقق، فغالبًا ما يصادفها في أمكنة عابرة: قطار أو حانة أو مقهى، أو في شارع بليلة ممطرة، وهو على وشك السفر إلى مدن أخرى. فتصبح قصيدة الحب مزيجًا من بحث وفقد واستدعاء، وهكذا شكل الرحيل المبكر تراجيديا الحضور- الغياب التي رسخت فكرة الموت المجازي في شعر البياتي. فعائشة اسم فاعل ينوس بين الاسم والصفة، لكن ميزة اسم الفاعل أنه لا يرتبط بزمن معين فيشير أحيانًا للحدوث، وأحيانًا لاستمرار الحدوث، كما أن الفعل عاش في الأصل، من الأفعال النادرة في العربية التي تأتي لازمة للفاعل ومتعدية للمفعول. ولعل هذا الاشتقاق اللغوي بما يحمله من دلالة لغوية متشعبة هو ما دفع البياتي إلى قراءة مفهوم الموت، والعيش، أعمق وأبعد من المعنى المباشر، وفتح الطريق أمامه لهذه الفكرة المتقدمة عن بقية الرواد، في مقاربة جدلية الحياة-الموت.
ومن «حياة عمر الخيام» أيضًا ولدت فكرة (الموت في الحياة) في الديوان التالي للبياتي الذي حمل هذا العنوان.
فكرة الموت في الحياة
منذ قراءتي المبكرة لشعر الرواد، لحظتُ أن موضوع الموت، يرتبط بالموت الفيزيقي (الجسدي). كان السياب (شاعر المرض) بامتياز فقد أوهنه حتى أودى به، وهو لا يزال في السابعة والثلاثين، فكتب تجربته المريرة بغنائية زاخرة بالتشكي والابتهال كما في «سفر أيوب» (في أجزائها العشرة)، وحين يحاول إضفاء بُعد ميتافيزيقي على الموت فإنه يربطه بالانبعاث، على طريقة ما سماهم جبرا (الشعراء التَّموزيين) لكن هذا التخريج بقي مرتبطًا بالمفهوم الديني في القيامة والحشر. ولعل قصيدته (النهر والموت)(11) وهي من عيون شعره نموذج مناسب لرصد هذا الفهم.
أما لدى نازك فستبدو فكرة الموت أكثر تقليدية ورومانسية حين تقاربه شعرًا ونقدًا، فتتحول إلى ندب كما في أشهر قصائدها (الكوليرا)، أو تعبير عاطفي رومانسي كما في مقالها «الشعر والموت»(12).
فيما لحظتُ، في المقابل، تحولًا لاحقًا عن هذا الفهم لدى البياتي، ابتداءً، من ديوانه «الموت في الحياة» بعنوانه اللافت الكفيل وحده بإعادة النظر حول الفهم التقليدي لفكرة الموت.
وكنت قد ناقشت معه هذه الفكرة(13)، فأجاب: «الإنسان يموت من الحياة ولا يموت من الموت… فالذي يبلغ الثلاثين معناه أنه مات ثلاثين عامًا، وهكذا. وكنت أظن أن هذه الفكرة جديدة، لكنني اكتشفت الوعي بهذه الحقيقة لدى بعض الشعراء العرب القدامى».
كان البياتي يشير إلى بيت لطرفة بن العبد من معلقته قاربَ فيه فكرة (الموت في الحياة أو من الحياة): «أَرى العَيشَ كَنزًا ناقِصًا كُلَّ لَيلَةٍ*** وَما تَنقُصِ الأَيّامُ وَالدَهرُ يَنفَدِ».
وتتجلى هذه الفكرة بوضوح أكثر لدى الرصافي: «أرى العُمرَ مَهْما ازدادَ يزدادُ نقصُهُ إذًا نحنُ في نَقْصٍ من العمر دائمُ»
وهكذا كُلَّما أوغل في الحياة، وتقدم به العمر، اقترب أكثر من الموت بل تصبح الحياة نفسها رحلة نحو الموت. فيكتب وقد بلغ الستين: «سِتُّونَ عَامًا عُمْرُ مَوْتِي/ هَكَذَا مِتُّ مِنَ الْحَيَاةِ»(14).
لكنَّ (شهوة الحياة) تُبقي الشاعر طفلًا: «مِتُّ مِنَ الْحَيَاةِ/ لَكِنَّنِي/ مَا زِلْتُ طِفْلًا جَائِعًا/ يَبْكِي»(15).
في هذا المقطع الذي يحاول إنكار التقدم في السن، يتضح مفهوم البياتي الدقيق للموت: (فالإنسان لا يموت من الموت، بل يموت من الحياة): «كَدُودَةٍ تَقْرِضُ تُفَّاحَةً/ كَانَ هُوَ الْمَوْتُ/ وَكَالْسِّيْركِ»(16).
وفي الواقع يمكن استبدال كلمة (الموت) هنا بكلمة (العمر) ليتحقَّق تفسير المعنى العميق للفكرة.

زاهر الجيزاني
هذه المقاطع، عينات من قصائد كثيرة تؤكد تميز البياتي عن بقية تجارب جيل الرواد بخصوصية فهمه ومقاربته لفكرة الموت، وتحرير قصيدته من مفهوم الموت الفيزيقي، وتخليصها كذلك من عبء التعبير الرومانسي والغيبي عن فكرة الموت الذي ساد في الشعر العربي ما بين الحربين العالميتين، وامتد لتجربة الرواد شعرًا ونقدًا، فقدم بذلك مفهومًا فلسفيًّا للموت، أبعده من سطحية الغرضية، ورسم له صورة تنكرية فهو: «للثعلب العجوز، الملتحي بالورق الأصفر والرموز» «الْمَلِكُ الْوَحِيدُ فِي مَمْلَكَةِ الْأَحْيَاء» الذي «يلعبُ نردًا مع الشيطان» و«يقرأ في كل اللغات كتب الفلسفة الجوفاء» هذا «الثعلب العجوز» الذي مر (سكران) تتبعه «عجائز القرية والأطفال».
ومن المهم هنا الإشارة إلى قصيدة السياب «ثعلب الموت»(17)، وهي في الغرض ذاته، لكنها لا تتخطى حدود النظرة التقليدية للموت العضوي.
«ثَعلبُ المَوْتِ فارسُ المَوْتِ عِزْرَائيلُ/ يَدْنو وَيَشحذُ النَّصْل».
وابتداءً من (موت عائشة) كان هذا التناقض على مستوى المفردتين: الموت-عائشة، يقود البياتي إلى ترسيخ مفهومه عن الموت خارج الفهم التقليدي لهذه الفكرة التي نقلها من كونها معطى حياتيًّا، إلى مبنى فلسفي مترسخ في مرجعيته الأساسية: الحياة.
المنفي والغريب
عاش جميع الشعراء الروَّاد، شطرًا من حيواتهم خارج العراق، وتوفي أربعتهم بعيدًا من الوطن: بلند في لندن، عام 1963م حيث دفن هناك. والبياتي أنهى رحلة منافيه بدمشق، ودفن فيها عام 1999م. ونازك في الكويت فالقاهرة، ودفنت فيها عام 2007م. بينما نُقِلَ جثمان السياب بعد وفاته من الكويت ليدفن في مقبرة الحسن البصري، بالزبير، عام 1964م.
كان السياب أقلهم عَيشًا خارج العراق، والبياتي وبلند أكثرهم، وما ميزهما أنَّ معظم سنوات منفيهما ارتبطت بمواقف معارضة؛ لهذا نجد أن فكرة المنفى تتضح، وإن بتفاوت لديهما أكثر من السياب ونازك.
فقد نشر بلند الحيدري ديوانه «خطوات في الغربة»- (1965م) بعد مغادرته العراق إلى بيروت. وفيه القصيدة التي حملت عنوان الديوان. لكن المنفى بصورته الصريحة تجلَّى بوضوح أكثر في آخر دواوينه «دروب في المنفى»- (1996م) الذي كتبه في منفاه بلندن، وصدر قبل رحيله بشهرين.
في الواقع إن منفى السياب يكاد يكون مجازيًّا، فهو كناية عن ستة أشهر أمضاها في الكويت التي لا تبعد من قريته جيكور نصف ما تبعده جيكور من بغداد، وعلى الرغم من أن المنفى لا يتحدد بمكان بعينه أو بزمن محدد، فإن السياب يصف منفاه في قصيدته «غريب على الخليج» بأنه التيه «تحت شموس أجنبية».
هذه هي الصورة الشخصية التي يرسمها السياب، للمنفي، أو الغريب كما يسميه، صورة تثير الشفقة، فهو مريض، رث الثياب، مُحتقرٌ، منبوذٌ، يستجدي النقود ليعود!
وقريبًا من المدة التي غادر فيها السياب العراق لإيران ثم الكويت، غادر البياتي إلى دمشق وبيروت. وفي دمشق كتب ديوانه الرابع «أشعار في المنفى»- (1957م)، ولا أعرف أن هناك في الشعر العربي من سبقه إلى مثل هذا العنوان. كما حفل شعره برؤية عميقة للمنفى وهو أحد بضعة شعراء اتسمت تجربتهم بحضور وجودي للمنفى. فقبل هذا الديوان كان البياتي قد استشعر البعد الوجودي، لا المكاني للمنفى، مبكرًا: فهو يستهل قصيدته «مسافر بلا حقائب»(18): «مِنْ لَا مَكَان/ لَا وَجْهَ، لَا تَارِيخَ لِي، مِنْ لَا مَكَان».
ويختتمها: «سَأَكُونُ! لَا جَدْوَى، سَأبْقَى دَائِمًا مِنْ لَا مَكَان».
ليعبر عن دائرة مغلقة في الفهم الوجودي للمنفى اللامكاني.
وكان قد كتب قصيدة «في المنفى» -التي نشرها في مجلة الثقافة المصرية، نوفمبر 1951م-(19)، وهي نموذج مبكر عن المنفى بوصفه مهمة سيزيفية شاقة، وعقاب البطل التراجيدي وهو يكابد أهوال مصيره في العالم السفلي.
وفي قصيدة «عُشّاقٌ في المنفى» يصف المنفى بنوع من الانتظار العبثي.
«نَبْقَى وَنَبْقَى فِي انْتِظَارْ/ مَنْ لَا يَعُود/ لَا شَيْءَ يَنْبِضُ بِالْحَيَاة».

إحسان عباس
والمنفى بالنسبة للبياتي مركَّب، فهو يتجلى كمنفى داخلي: «وَطَنِي الْمَنْفَى/ مَنْفَاي الْكَلِمَات»(20).
وهو عزلة وانقطاع اجتماعي، وقسوة روحية: «مَا مِنْ أحَدٍ يَعْرِفُ فِي هَذَا الْمَنْفَى أَحَدًا. الْكُلُّ/ وَحِيد/ قَلْبُ الْعَالَمِ مِنْ حَجَرٍ/ فِي هَذَا الْمَنْفَى الْمَلَكُوت»(21).
بل إن العالم بأسره خريطة هائلة للنفي كل فرد فيه شريد بلا أمل: «الْعَالَمُ مَنْفَى فِي دَاخِلِ مَنْفَى وَالنَّاسُ رَهَائِن/ يَنْصُبُ بَعْضٌ مِنْهُمْ لِلْبَعْضِ كَمَائِن»(22).
ليست مواضيع الحب والموت والمنفى، سوى معالم محددة من خريطة أوسع لتميز البياتي، فهناك خصوصية تجربته مع المدن والأمكنة، والتصوف الذي نقله من الطقوس اللغوية اللاهوتية إلى ميدان الفقر والثورة، إضافة إلى طبيعة ومستوى لغته الشعرية، التي هي الأكثر حداثة وتأثيرًا. والواقع أن لغة الشعر العربي الحديث مدينة للبياتي أكثر من نازك والسياب.
كذلك ثمة ترابط لافت بين تجربة البياتي الشعرية وسيرته الحياتية، بل هو من حرص بإصرار على تحقيق هذا الترابط بينهما، بما جعل تجربته أصيلة وفريدة. فقد قرر أن يقيم عامه الأخير في دمشق، التي كانت أول مدينة عربية يزورها منذ ولادته ببغداد، لينهي حياته فيها مقتديًا بشيخه محيي الدين بن عربي الذي جاب الآفاق من المغرب إلى المشرق، ليختتم رحلته بدمشق حيث مثواه الأخير. ولئن لم يختر البياتي مكان ولادته قرب ضريح (الباز الأشهب) الشيخ عبدالقادر الجيلاني في بغداد، فإنه خطط واختار مكان موته بدمشق وأوصى أن يدفن على سفح قاسيون قرب ضريح (الشيخ الأكبر) محيي الدين بن عربي، وتوليت بنفسي تنفيذ وصيته، على الرغم من بعض الاقتراحات أن يدفن بجوار الجواهري ومصطفى جمال الدين وهادي العلوي وآخرين، في مقبرة الغرباء بالسيدة زينب في ضواحي العاصمة السورية.
هوامش:
(1) «اتجاهات الشعر العربي المعاصر» (سلسلة عالم المعرفة-الكويت 1978م) ص:45.
(2) في مقاله: عبدالوهاب البياتي المبشر بالشعر الحديث، المنشور في مجلة (الأديب): 1 ديسمبر 1953م. وكان يفترض أن ينشر كمقدمة لديوان (أباريق مهشمة).
(3) ممن تناولوا القصيدتين بالمقارنة إحسان عباس في كتابه «اتجاهات الشعر العربي المعاصر»- (1978م) ومدني صالح في كتابه «هذا هو السياب» دار الرشيد – بغداد 1981م وزاهر الجيزاني في كتابه «عبدالوهاب البياتي في مرآة الشرق: الحداثة والشعرية)» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر-1997م).
(4) ديوانه المجلد الثاني ص 378.
(5) من ديوان «المعبد الغريق» ديوانه المجلد الثاني ص 210.
(6) قصيدة «جيكور أمي» ديوانه المجلد الثاني ص 391.
(7) قصيدة «الموتى لا ينامون».
(8) ترجمها محمد توفيق مصطفي وصدرت عن دار القلم (مصر) 1961م.
(9) راجع «بكائية إلى حافظ شيرازي» -دار الكنوز الأدبية- بيروت-1999م، لعبدالوهاب البياتي. وملحقاتها لكاتب هذه السطور، والدكتور قاسم البريسم، والدكتور سامي الصفار.
(10) قصيدة (بانوراما (أصيلة) 5-الموت في الشعر).
(11) من ديوان «أنشودة المطر»- (1960م) ديوانه -طبعة دار العودة 2005م، المجلد: 2 ص 103.
(12) نازك الملائكة «الشعر والموت» مجلة الآداب عدد تموز 1954م. وهي مقارنة بين أربعة شعراء (عربيين: أبي القاسم الشابي ومحمد الهمشري، وإنجليزيين: روبرت بروك وجون كيتس) ما يجمع بينهم موتهم المبكر.
(13) في حواري معه عام 1995م بدمشق في أثناء حضوره لتكريم الجواهري من قبل الحكومة السورية وتقليده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، ونشر بجريدة السفير اللبنانية بتاريخ 11-8-1995م.
(14) (الشاعر والقصيدة) «كتاب المراثي».
(15) في قصيدة «شهوة الحياة» «كتاب المراثي».
(16) المصدر السابق.
(17) ديوان السياب طبعة دار العودة 2005م (المجلد الثاني ص 98).
(18) «أباريق مهشمة»- (1954م).
(19) ضمها لديوان «أباريق مهشمة»- (1954م).
(20) قصيدة «الموت والقنديل» ديوان «سيرة ذاتية لسارق النار»-(1974م).
(21) قصيدة «أولد وأحترق بحبي» ديوان «قمر شيراز»- (1975م).
(22) قصيدة «العراء» ديوان «مملكة السنبلة»- (1979م).
بواسطة شهلا العجيلي - روائية وناقدة سورية | نوفمبر 1, 2024 | قراءات
يقدم الروائي السعودي سالم الصقور في تجربته الأولى مواجهة نسقية ناقدة، ينتمي فيها الفرد إلى حقبة زمنية موسومة عالميًّا بما بعد الحداثة. لكن في الجغرافيا التي ينتمي إليها السياق السردي، لا تزال الحداثة تتصارع مع أنماط العيش التقليدية، فينتج عن ذلك تشظي الذات بين معطيات كل سياق من السياقات الثقافية. تقع الأحداث في مدينة نجران حيث منبت الشخصيات الروائية، وفي أقل من أربع وعشرين ساعة يحكي لنا علي بن مانع حكايته مع الذات، والعائلة، والمدينة، والمرجعية الثقافية؛ إذ يمشي المتلقي مع عقارب الساعة، التي تضعه في حالة تحفز من لحظة ولادة الطفلة حنا: «الثامنة مساءً من إحدى ليالي أغسطس 2022، أنتظرُ خروجَ أي بشرٍ من غرفة العمليات»(1)، إلى «الساعة السابعة مساء»(2)، لحظة تسجيل وفاتها.
من سلطة القبيلة إلى سلطة تويتر
تحل في مجتمع الحداثة العائلة الكبيرة أو الصغيرة محل القبيلة، وفي حين تحتفظ العائلة الكبيرة بموقعها السلطوي، كما نجد في عائلات القرن التاسع عشر، يفترض أن تلغى القبيلة تمامًا لأنها نظام اجتماعي ما قبل حداثي، أو نسق ثقافي منبت تمامًا ومختلف عن نسق الحداثة، إلا في الحداثة المجزوءة أو الهجينة التي تتمثلها جغرافيات عربية عديدة ذات أصول قبلية، إذ لا تزال تحاول أن توفق أو تهجن نظامين اجتماعيين ثقافيين نقيضين وهما القبلي الذي أساسه الجماعة، والحداثي الذي أساسه الفرد؛ إذ «يتحدد شكل جديد للعائلة بظهور قوى اجتماعية دافعة جديدة للوجود»(3). تتمثل إشكالية الرواية في الصدام بين الفردي والجماعي؛ أي بين مقتضيات الحداثة ومنجزاتها وعلومها التجريبية، والمنظومة القيمية الموروثة التي تجعل الفرد خاضعًا للجماعة ولأعرافها ومعتقداتها. ويسبب وعي الشخصية الروائية لهذه الإشكالية عذاباته الإنسانية أو الذاتية، إذ يعيش في عالم يتنازعه نسقان ثقافيان، ويتحكمان في تفاصيل حياته، ويكبل أحدهما رغباته وأحلامه، في حين يلغي الآخر أمنه وحمايته وإحساسه بالانتماء، فيتشظى الذاتي بين الفردي والجماعي؛ ذلك أن الذاتي ينتمي إلى الإنسان، وينتمي الفردي إلى المجتمع: «القبيلة بنك اجتماعي تمول أفرادها بما ينقص من حاجاتهم، لتأخذ في المقابل كل ما يحتاجون إليه من حرية واستقلالية»(4).
اتخذ النص قضية إنسانية لهذه الإشكالية، وهي قضية ولادة طفلة قبل أوانها، غير مكتملة الأعضاء، وقد ولدت بعد حمل تأخر خمس عشرة سنة، وفي رحلة البحث عن الأبوة، تروى سيرة المدينة نجران، وسيرة حقبة تاريخية حديثة، وأساطير تكون الهوية من خلال البحث عن استكمال الرئة الناقصة للوليدة، ويتطور الخطاب في النص من إدانة السطوة الثقافية للقبيلة، إلى إدانة استغلال السوشال ميديا، مثل منتديات نجران، وتويتر، لخصوصية الذات وانتهاك آلامها وأحلامها.
الفرد في مواجهة حداثة القبيلة
يطرح النص موروثات النظام البطريركي التقليدي التي تخترق عالم الحداثة، ويعد النظام المذكور مرحلة انتقالية من النظام القبلي إلى النظام الأبوي، ويعيدنا إلى مفهوم لغوي قديم تكتنفه مفردة الأسرة، التي يجدها بعض اللغويين قادمة من الأسر والأزر معًا(5)، إذ يشكل الامتنان للأب، بوصفه رب الأسرة حالة متطورة من الامتنان لرأس القبيلة، الممثل للسلطة. ولا شك في حضور ظلال لعلاقات تأتي من الماضي الأبعد، أي من الجد القبلي الذي شكل في لحظة ما مركز الثقل الذاتي المستقل(6)، وقد يتجسد في صورة الجد الفعلي للعائلة، ويمثل حضوره أنظمة بطريركية ما قبل تقليدية تسمى بالبطريركية القديمة، وقد بقيت إلى اليوم، ولم تتمكن الحداثة من إلغائها في كثير من الجغرافيات العربية. ولا شك في أن حضور تلك الأنظمة أو غيابها، يتعلق بنمط الإنتاج القائم: «أعطاهم جدولَ النجوم ومواعيدَ ذرو الأرض في كبسولات شعرية: «إذا بدَت الثريا عشاء، أذر ياللي ما عندك عشا، وفك الشاء على الشاء، فضبحت إحدى الشياه من الزريبة، فضحك جدي قائلًا لأبنائه: «حتى البهايم فهمت وانتو ما تفهمون…»(7).
تنهار الأنظمة القديمة، لكن يظل لها حضور رمزي، يقوم على التبجيل، ويذوب الصدام مع السلطة، المتجسدة في المؤسسة الأبوية، ويتحول إلى نوستالجيا إلى ثيمة الأمان والحماية، ويذكيها السرد عبر الحكايات، والأمثال، والتاريخ المدون أو الشفهي، وما قصة امرئ القيس سوى مثال على تحكم السلطة الرمزية الأبوية، فقد عانى سلطةَ الأبِ، وقَمْعَه وقَسْوَتَه، لكنه لم يستطع التخلي عن ثأره:
«الموتُ في زمن جدي وجدتي كانَ مجردَ انتقالٍ جسدي، وتبقَى أرواحُهم وروائحُهم وأصواتهم ملتصقةً بالحياة حولهم، تفتقدهم طرقُهم التي تحفظ خطواتهم، تحن إليهم صباحاتهم وبيوتهم البسيطة، وتشفق لوجودهم حيواناتهم وعائلاتهم التي يقسُون عليها»(8).
يعالج النص من هذا المنطلق ثيمة الإنجاب، فهو واجب نسقي، وليس مجرد إشباع لرغبة بشرية أو ذاتية، وهو حالة انصياع الفردي للجماعي، وعدم الرغبة في الخروج على أعراف النسق. وتجدر الإشارة إلى أن النص يفلسف ظاهرة الإنجاب، وليس الولادة، وتشير عبارة «من خلف ما مات»(9) إلى تراتبية عمودية تضرب بعيدًا في تاريخ القبيلة «فيتخذ من أعلى إلى أسفل طابع الأوامر والتبليغ وتوجيه التعليمات والتلقين والمنع… أما التواصل من أسفل إلى أعلى فيتخذ طابع الترجي والإصغاء والانصياع والاسترحام»(10).

البنوة خارج الرحم
يمثل النص مواجهات نسقية أخرى، أفرزتها المواجهة الكبرى بين الحداثة وما قبلها، أي ما يمكن أن نسميه بالثقافة، من ذلك المواجهة الجندرية؛ إذ نجد في النص كسر احتكار رواية البنوة من وجهة نظر أمومية، فتروى هذه الثيمة، على غير العادة، من وجهة نظر الأب لا الأم، التي ستكون واحدة من الشخصيات المقدمة برؤية الرجل وبصوته. ينتج عن ذلك تدمير الشكل التقليدي لكتابة الرحم، التي سيطرت عليها المرأة، فتظهر علاقة البنوة في شكل مستحدث، لا تمر فيه بالرحم، وطبعًا لا نقصد هنا عملية الولادة، بل رمزيتها. لعل تدمير الشكل الماتريركي للكتابة، يصب في صالح بطريركية مستحدثة، تستعيد الأشكال القديمة وتموضعها في سياق الحداثة وما بعدها، وتنتقد شيطنة الذاكرة الثقافية الأبوية، وتشير إلى عدم التعافي من جراح الماضي:
«من المؤلم إخفاءُ المشاعر مهما تكن، وكتمانها مهمةٌ مُوجعةٌ، خطِرة، ولربما تبدو أشد إيلامًا من نزول الجبل بساقٍ مكسورة، فهي ترفض التنازل بسهولةٍ عن حقها في الفضيحة، وتظل تعصف بملامح الإنسان مثلما تفعل ريحٌ قويةٌ بحبلِ غسيلٍ مسكين… وبالرغم من ضراوة هذه المعركة التي تدق طبولها في كل شهرٍ قمري، فأنا مُطالبٌ بمشاركة من حولي أفراحَهم وسماعِ ضحكاتهم العالية والانخراط في الحياة العامة دون إثارة الانتباه، فأي عذاب مُركبٍ هذا؟»(11).
النسق المسيطر والنسق المضمر
عبدالناصر، الصديق القديم للراوي علي بن مانع، الذي سيظهر مصادفةً في إحدى محطات طريق إنقاذ الأبوة المهددة، يشكل أداة لتمثيل الصراع النسقي، وتعد حكايته تمثيلًا آخر موازيًا لحكاية الراوي، حيث تتشظى الذات بين الفردي والجماعي أيضًا، فالفردي يقاوم ذلك الجماعي لإثبات فرديته بامتلاك الخيارات المناهضة، وحماية هذه الفردية بشتى أسلحة المقاومة، كمقاطعة العائلة، والوقوف في وجه السلطة، مما ينهك الذات ويصيبها بالعطب؛ إذ يطال سياط السلطة الأبوية عبدالناصر أيضًا.
ينفتح ملف هذه المواجهة لحظة التقاء البطل بصديقه عبدالناصر في الاستراحة في طريقه إلى الرياض، لإحضار الدواء اللازم لعلاج وليدته التي ترقد في قسم الخدج. ويغلق ملف تاريخ هذه المواجهة بعطب الأبوة أيضًا؛ لتدخل الحكاية النسقية الفرعية في سياق إشكالية النص، وتصبّ في القضية الممثلة لها وهي قضية العجز عن الإنجاب.
الهجاء الساخر
لعل الشكل الفني الأبلغ تعبيرًا عن حالة تشظي الذات التي تصنعها مواجهة كل من المتعاليات، والفردي، والجماعي في آن معًا هو الهجاء الساخر أو التهكم، الذي يضع المتلقي في حالة ضحك كالبكاء. تعد هذه السخرية احتجاجًا لا على الحدث فحسب، وإنما على منظومة قيمية متواطئة ضد أمان الذات وسعادتها؛ إذ يجتمع عليها نسق سلطوي يضم القبيلة، والعائلة، والمرجعية الثقافية الدينية، ومعطيات الحداثة. لا يمكن في نظر كيركغورد «الانتقال إلى المرحلة الأخلاقية وإدراك مضامينها القيمية، إلا من طريق التهكم. وبالتالي فإن نشوء الهزل مرتبط عنده بعنصرين أساسيين هما: الوعي واللغة، وهما عنصران مترابطان يستلزم كل منهما الآخر»(12)، ويشير إلى ذلك التهكم ما يورده الراوي عن المواليد الذين جاؤوا نتيجة تلقيح اصطناعي: «كما لو أنه ابن للعيادة وليس لأمه وأبيه، أو إلى سلالةِ مختبراتٍ لم ينحدر من قبيلته بطنًا عن ظهرٍ ولا ينتمي بالكامل لعائلته. وفي ضمائرهم يعتبرونَ أبناء المختبرات أنصافَ سِفاحٍ لتدخل الأطباء في اختصاصات الإله. أما بعض أصحاب العقول المؤامراتية، فأكدُوا أن أطفالَ الأنابيب نُطَفٌ وبويضاتٌ مستَوْرَدَةٌ من الغرب منزوعةُ الغيرة والحمية»(13).
ولعل ذلك ما يجعل شخصية علي بن مانع شخصية مفهومية حسب قول بيير بايار: «إنها ليست شخصًا حقيقيًّا، لكن لا شك في أن لها جذورها في الواقع، باعتبارها مكلفة بتوضيح مفهوم معين وإحيائه، إنها تتجاوز الشخص الحقيقي لتصبح شكلًا للسرد النظري الذي يسمح للتفكير بالتطور»(14). تعبر الشخصية إذن بلغة تهكمية عن ممارساتها، فتثير ذلك النوع من الضحك المر والناقد، وهو ما يعيدنا إلى برغسون الذي اهتم بالوظيفة الاجتماعية للضحك؛ إذ يقول: «إن الفرد لا يكون موضوعًا في خطاب الهزل، من حيث هو ذات لها مشاعر وأحاسيس، وإنما الموضوع هو الجماعة أو الفئة المصنفة من قبل المجتمع، وفقًا لهذا السلوك الخارج عن النظام القيمي أو الأخلاقي، كفئة البخلاء أو فئة البلداء، أو غيرهما. ولعل الضحك بهذا المعنى ضرب من الخطاب التقويمي»(15).
نشير أيضًا إلى أن عنوان النص في حدّ ذاته، المرتبط بفكرة الضحك، مع الحكاية المرافقة له، يُعَدّ حالة ناقدة للمجتمع الذي يهتم بمؤسساته، وبمدى ما يقدمه الفرد من خدمة لهذا المجتمع، فيأخذ الفرد استحقاقاته أو مكانته حسب مطابقته وامتثاله لمفردات النسق وقيمه، في حين ينسى الذاتي ويُهجر، ويتعذب لكونه لا يستطيع تحقيق متطلبات السلطة القيمية النسقية: «كان أبي يسردُ لي مرارًا حكايةَ القبيلة التي تضحك ليلًا»(16)، وهذه القبيلة تنتصر في الحرب لأن الجنود عندما يعودون من القتال يجدون أولادهم يضحكون ويلعبون فيلعبون معهم ويسعدون، في حين لا تملك قبيلة الخصم أولادًا؛ لذا فهي كئيبة وخاسرة ولا تمتلك حافزًا للانتصار.
هوامش:
(1) صقور، سالم. القبيلة التي تضحك ليلًا. مسكيلياني، تونس، 2024م. ص11.
(2) المرجع السابق. ص129.
(3) إنجلز، فريدريك. أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة. تر: أحمد عز العرب، دار الطباعة الحديثة، القاهرة، 1957م. ص47.
(4) صقور، سالم. القبيلة التي تضحك ليلًا. ص17.
(5) يُنظر شريم، عدنان. الأب في الرواية العربية المعاصرة. عالم الكتب الحديث، 2007م، إربد. ص 20.
(6) يُنظر المرجع نفسه. ص 21.
(7) صقور، سالم. القبيلة التي تضحك ليلًا. ص85.
(8) المصدر السابق. ص89.
(9) المصدر السابق. ص35.
(10) شريم، عدنان. الأب في الرواية العربية المعاصرة. ص23.
(11) صقور، سالم. القبيلة التي تضحك ليلًا. ص10.
(12) رشيدي علاء. عن السخرية من منظور فلسفات الأخلاق.
https://aljumhuriya.net/ar/2018/08/16/%D8%B9%D9%86-
(13) الصقور، سالم. القبيلة التي تضحك ليلًا. ص31.
(14) بايار، بيير. كيف نتحدث عن وقائع لم تحدث. تر: قاسم المقداد، دار نينوى، 2021م، دمشق. ص167.
(15) رشيدي علاء. السخرية من منظور فلسفات الأخلاق.
https://aljumhuriya.net/ar/2018/08/16/%D8%B9%D9%86-
(16) المصدر السابق. ص34.