بواسطة أسامة الحداد - شاعر وناقد مصري | نوفمبر 1, 2024 | قراءات
الشاعر العماني عوض اللويهي يقترح نصًّا مغايرًا، يبتعد من المألوف من خلال مجموعاته الشعرية: «العتمة تفر من ظلالها»، و«المياه تخون البرك»، و«كائنات الظهيرة»، و«حصى وبصيرة»؛ إذ تقدم كل مجموعة من مجاميعه، خيارات جمالية مغايرة لما يليها، وفي الوقت ذاته ترتبط معًا من خلال تنامٍ لا يمكن تجاوزه؛ فهي منفصلة ومتصلة في آنٍ، وتشكّل في مجملها رؤية للتاريخ والذات وتحمل أنساقًا جمالية ومعرفية تنطلق من ذات شديدة الرحابة، تحاول جمع شتات العالم وتتفاعل مع موجوداته وتشتبك معها وتسعى إلى اكتشاف جوهرها فتنتقل العناصر من زمن الحدث، وهو زمن خارجي، إلى زمن مطلق، زمن داخلي، وهو زمن المبدع ذلك المتجول في العالم بلا يقين، يلقي بأسئلته من دون انتظار إجابة، ويحاول استعادة حيوات لا تخصه بمفرده؛ ليصوغ من خلالها تاريخًا شخصيًّا وسيرة حياة تتقاطع مع ذكرياتنا وما نعيشه.
إننا أمام تجربة شعرية ثرية ومتنوعة تحمل صيرورتها التأويلية، يسيطر الشاعر من خلالها على هيمنة اللغة ويكبح جماحها عبر تنوع غير محدود في التراكيب اللغوية وتفجير طاقاتها اللانهائية، إضافة إلى السعي نحو تجاوز المقولات الراسخة حول الجملة الخبرية التي تقدم -وفق ما حدده النحاة- إخبارًا عن أمر خارجي يحتمل الصدق أو مما يخافه، والجملة الإنشائية التي توجد أمرًا خارجيًّا لم يكن موجودًا من قبل. إن الجمل الخبرية داخل النصوص لا يمكن إخضاعها للمفاهيم التي رسخها النحاة وغدت مع الوقت حقيقة؛ إذ لا يمكن عدّها إخبارًا وتنأى عن احتمالات الصدق والكذب، وتشكل كمًّا من الانحرافات الدلالية سواء للمفاهيم الثابتة كما ذكرنا أو للعلاقات بين الأشياء والتصورات حولها. والانحراف الدلالي في هذه التجربة يشكل سياقات جمالية تصنع الدهشة، إضافة إلى أنه يشكل صيرورة تأويلية فهو أي الانحراف الدلالي، مجموعة من التقنيات تتحول فيها العلامة من معنى إلى آخر بما يحدث توترًا دلاليًّا من خلال الغموض والتناقض، واللامعنى كذلك؛ إذ إنه ظاهرة لغوية تتبع المعنى العميق للانزياح في السياق، بل في النص بأكمله، لإضفاء الإيحاء الدلالي المتولد للتركيب البنائي، فهو في جوهره تطور للأداء اللغوي، وفي الوقت ذاته خلخلة لما هو مستقر عن اللغة وأساليبها والبنية الشعرية كذلك، والأمثلة في المنتج الشعري لعوض اللويهي كثيرة مثل:
«رتبوا عظامهم تحت جلد البلاستيك وناموا» و«الخيول رمادية في نسيج السجاجيد/ تغدو وتمرح في فسحة البهو»، أو «يخرج القلب من شجر» في مجموعة «كائنات الظهيرة»، و«النار التي نسيناها في الطفولة/ خاصمتنا في معنى الشاي/ واشتقاقات الزنجبيل» من مجموعة «المياه تخون البرك».
إن مثل هذه المقاطع التي هي جمل خبرية في بنائها لا يمكن أن تكون غايتها الإخبار، ولا تخضع لاحتمالات الصدق والكذب، بل تتجاوز ذلك إلى انحراف وتوتر دلالي. فمشهد أطفال يرتبون عظامهم تحت جلد البلاستيك خارج تلك المفاهيم، وكذا الحال ذاتها في تصور الخيول المرسومة في السجاجيد وهي تجوب البهو، وهناك نار قديمة من ذكريات الطفولة نسيت مع الوقت.
إذن، مثل هذه العلاقات تتجاوز المقولة السائدة للنحاة، التي ترسخت في الأذهان حول الجملة الخبرية، لتكشف قدرة المخيلة على تجاوز ما هو ثابت. وتكشف هذه المقاطع، بجانب الانحراف الدلالي، عن وظائف اللغة التواصلية والأدائية والجمالية والتأثيرية، عبر التراكيب اللغوية التي تشكل علاقات غير متوقعة بين الأشياء والتصورات حولها. فالجملة هي الوحدة البنائية، أما المفردة فلا تعني شيئًا خارج السياق، بل تكتسب وجودها من موقعها داخل الجملة. فالكلمة علامة وليست وحدة. وفي نصوص المجموعات يلجأ عوض اللويهي إلى علامات مركزية تشكل مساحة من نسيج النص وغالبيتها علامات ترتبط بالوجود الإنساني، وتحمل تراكمات من الرؤى تكونت عبر تاريخ البشر وشكلت ما لا يستهان به من أحلامهم ومخاوفهم وأساطيرهم.
تاريخ العتمة ومعانيها
نتوقف هنا أمام علامتين مركزيتين داخل النصوص هما العتمة والماء، بجانب علامتي السدرة والكهف، وجميعها تثري النصوص وتفتح آفاقًا دلالية غير محدودة من خلال تاريخ هذه العلامات وارتباطها بالوجود الإنساني؛ إذ تشكل مكونات أساسية للحياة والتاريخ، وترتبط بأفكار ومعتقدات تمتد منذ بداية الحياة على الأرض.
فالعتمة تعني ظلام أوله بعد زوال الغسق، والعتمة تعني عدم اتضاح الرؤية، وعتم عن الشيء أي كف عنه بعد المضي فيه، والتعتيم هو ستر الحقائق، وعتم عن الموعد أي تأخر عنه، والعتمة النفسية نقطة تصويرية في الوعي النفسي تتسم بعدم تبصر الشخص فيظل جاهلًا أو فاشلًا، والعتمة ظلام أي غياب للضوء، والعتمة تدل على الجهل والخطيئة والشقاوة والعقاب، والعتمة تناقض الفهم واستخدام العقل؛ فهي مسلك الحمقى والأغبياء كذلك.
فالمعنى متعدد، وللعتمة أو الظلام مفاهيم تراكمت عبر التاريخ الإنساني، وفي سفر التكوين في العهد القديم كانت العتمة سابقة على حياة البشر ولم يكن للنور وجود فكانت تلك المقولة: «وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة». كما أن للظلمة معنى آخر في العهد القديم، في سفر أيوب، فجاء على لسان النبي أيوب: «قد حوط طريقي فلا أعبر، وعلى سبيلي جعل ظلامًا». وللعتمة تاريخها في مدونة الشعر العربي منذ معلقة امرئ القيس وأبياته الشعرية عن الليل ورؤيته لظلامه التي بلغت ذروتها مع صيحته: «ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي… بصبح وما الإصباح منك بأمثل».
فالعتمة لا ترتبط فقط بالليل، بل تتجاوزه إلى عتمة الروح وإلى التخبط في بحث الذات عن هويتها ووجودها، كما ترتبط العتمة بالغرابة فلا وجود للأشباح إلا داخلها والعتمة ترتبط بالمجهول كذلك، وبالميثولوجيا حيث تصورات الإنسان عن الظلام وذهاب الضوء كما في الحكايات المصرية القديمة عن مراكب الشمس، والحياة أيضًا كانت تمثل العتمة والموت خروج إلى النهار، فهذا ما يقوله كتاب الموتى. والعتمة غياب للمعرفة كما في أسطورة الطائر «أنزو» سارق ألواح المعرفة في الحضارة السومرية. هذه الرؤى ترتبط جميعها بالعتمة وتراكمت عبر تاريخ البشر، ويتعدد معنى العتمة داخل النصوص خاصة في مجموعة «العتمة تفر من ظلالها»:
«كانتِ السماءُ مليئةً بالنجومِ/ عداكِ» و«كم أضعنا من الوقتِ/ باحثينَ عن الضلعِ الزائفِ/ في عَتمةِ أيامنا»، أو «راجمينَ الغيبَ/ بالكلام الأخف من الحجارةِ/ نعيدُ للعَتمةِ/ أبناءها الغارقينَ بين ثنايا ألسنتنا»، و«لا يتشققُ الأسفلتُ/ إلا من تعبكِ في وحشةِ الليلِ»، و«أنا لا أحفل بالضوء».
إن هذه المقاطع تتجلى فيها العتمة ومرادفاتها وعناصرها بصور متعددة تصل ذروتها في انتحار الشمس في قنينة ماء، والعتمة لا تبدو حاضرة بكينونتها المادية، بل تتجلى في الغياب إذ لا وجود للنجوم في السماء في غيابها، والتيه حيث البحث عن الضلع الزائف في عتمة الأيام، ومحاولة استعادة ما هو مفقود بلا يقين عما هو ضائع من ذكريات وأحلام، تبدو ساطعة حين ينطلق صادحًا: «سننفق أعمارنا في اصطفاق الرماد مع الغيم».
رمزية الماء والكهف
أما الماء فهو المكون الحيوي العابر للحضارات والثقافات، هو مصدر الحياة والخصب. وفي مجموعة «المياه تخون البرك» تتعدد دلالات الماء وتنطلق من خلال مفردات الطبيعة كالريح والشجر، وتأتي أكثر وضوحًا من خلال البحر وضفة النهر والبحيرة والبئر والدلو والعطش كذلك. وبالتأكيد نص «قطرة ماء» يُعَدّ نصًّا مركزيًّا؛ إذ إن قطرة الماء هي المحور وبؤرة النص، ومن خلالها يجمع الشاعر شتات العالم؛ فهي تسقط على فقير وعلى رضيع وعلى الرصيف وفي فنجان القهوة وعلى الخشب، ليأتي السؤال: «لماذا كل هذا الزحام إلى الأرض؟» ليقترب النص بعفوية وحميمية شديدة من الرمزية والتعبيرية ليؤكد اتساع النصوص وقدرتها على احتواء رؤى مختلفة، ولا سيما مع التناقض بين مفردات الطبيعة التي تقترب من التعبيرية والرمزية وموجودات الحياة اليومية التي هي استهلاكية بطبيعتها، وهو التناقض الذي أحدث توترًا دلاليًّا وشكل سياقات جمالية متعددة، وفي الوقت ذاته صاغ مفارقات نصية ولفظية، ومن خلالها بدت ثنائية الحضور والغياب ساطعة داخل النصوص مثل: «لعلك تسمعين الطيور الميتة/ تغني في اللوحة المعلقة على مدخل البيت».
فالمفارقة هنا من جمع نقيضين حيث الاستماع إلى الطيور الميتة وهي تغني داخل لوحة، وكأن الغناء صار عصيًّا بل مستحيلًا والطيور بلا وجود حقيقي.
أما الكهف كعلامة سيميائية فهو يحمل مرموزات اجتماعية وتاريخية غير محدودة: من الكهف مسكن الإنسان الأول إلى كهف الدم حيث أول جريمة في الأرض. ولا يمكن إغفال فتية الكهف، ويقال: إن كل إنسان يبحث عن كهفه، فالكهف داخل البشر جميعًا حيث تكمن البراءة والبساطة. والسرو علامة مركزية كذلك، ويقال: إن داخل كل إنسان شجرة. والسرو في نصوص المجموعات لا يمثل الشجرة كما هي في كينونتها، فهي الملاك الحارس للبلدة في سدرة السيل، وباقتلاعها تصبح أكثر حضورًا. وهي رمز للأم الصاعدة من صخرة الوادي، والبهية في الأزمنة في نص «نشيد إلى الأم في صباحها الأول بعد الترمل» وتقترب السرو كثيرًا من مدلول الطوطم في الديانات القديمة. إنها الشجرة اللصيقة بالذات والملجأ والملاذ.
الصور المتخيلة والانفعال الحسي
ولا يمكننا إغفال التخييل في تجربة عوض اللويهي، فهو أساس الأداء الشعري وبه تتم الوظيفة الدلالية التواصلية، وهو يقوم على ركيزتين هما الصورة المتخيلة المبتكرة والانفعال الحسي المحدث في المتلقي؛ إذ يمنحه حقيقة افتراضية تنزاح عن قوانين المنطق العقلي، فهو إعادة صياغة للواقع بحيث يراه المتلقي في ضوء جديد، وكيان منسق وتفاعل جديد مع الأشياء، مثل:
«الفجر مغرفة مثقوبة، والليل طاه أعمى» و«كلما ذكرناك/ انطلقت جياد بلا رؤوس/ تلهث في أحلامنا»، «وهذا اليم/ قرطاس وملح غارق في الصمت».
هذه الأمثلة وغيرها كثير تكشف عن مخيلة باذخة وقدرة على الإدهاش وإعادة تشكيل العناصر والموجودات. والتخييل هو مصدر التميز والجدارة في النص الشعري. ولا يتوقف التخييل حول إعادة تصور الأشياء، بل يتجاوز ذلك إلى المجاز البصري الذي يبدو معه الشاعر وكأنه يقف خلف عدسة يلتقط من الصور والمشاهد ما لا نتوقع، ليتواكب مع عصر الصورة ويتفاعل مع الفنون الحديثة في السينما والدراما مثل:
«للنافذةِ قلبانِ/ واحدٌ لابتهاجِ الستارةِ/ والآخرُ يحرسُ ندمكِ/ حينَ تدخلينَ/ حافيةً/ إلى البيتِ/ وليسَ من إزميلٍ/ يحرسُ ضحكتكِ/ المبللةَ بالندمِ».
هذا المقطع يشكل صورة بصرية ممتدة تقترب من السيناريو، وتشكل مشهدًا سينمائيًّا بامتياز. إننا نكاد نشعر بوقع خطوات سيدة حافية تدخل وعلى وجهها ضحكة مبللة بالندم، ونرى النافذة والستارة المبتهجة وخلفها من تتأسف، وتتابع المشاهد واتساعه يصنع حالة ديالكتيكية قابلة لتأويلات متعددة.
وكذا حين يقول:
«مرةً فكرتُ أنْ/ أغسلَ الليلَ بالماءِ والصابونِ/ بيدين عاريتين/ لكنني تذكرتُ أن الليلَ لا يتسخُ أبدًا».
والمشهد المتخيل لمن يغسل الليل بالماء والصابون هو صورة بصرية صنعها مخيال الشاعر؛ فالمقطع حقيقته: بيدين عاريتين أغسل بالماء والصابون… وهو مشهد عادي تحول مع غسيل الليل من صورة عادية إلى مشهد متخيل، وبخاصة مع التصورات حول الليل الذي لا يتسخ، لتتشكل صورة شعرية ممتدة تثير الدهشة وتحفز إدراك المتلقي وحسه، ومثل:
«ها أنذا/ أرُسِلُ قُبلةً/ لتلكَ الفتاةِ/ التي كانت في نهارٍ صيفي كهذا/ تحاولُ اللحاقَ/ برجلٍ/ يحملُ سمكةً مشويةً/ في طريقه إلى البيتِ».
السرد الحكائي الشعري
نتوقف أمام هذا السرد الشعري الذي يؤكد توظيف تقنيات عديدة داخل النص، ولا يتوقف عند تمظهرات التشكيل البصري التي هي عناصر تكوينية في النص الشعري وليست جمالية فحسب، وهو تشكيل بصري خارج عن الشكلانية، أي خارج مفاهيم فضاء الصفحة والسواد والبياض. فالمجاز البصري ليس فقط صورًا ترمز إلى حقيقة على نحو محسوس بقدر ما هو تجسيد لغوي لتلك الصور، إنه مكون من مكونات السرد الشعري الذي هو في هذه النصوص يشكل سردًا حكائيًّا أيضًا. والسرد بحسب «جيرار جينيت» هو المنطوق اللفظي للحكاية، والحكي سمة إنسانية في المجتمعات البشرية كافة، كما يقول رولان بارت. والحكاية في الشعر تتباين مع الحكي في السرود من حيث اكتمال الحكاية وانتقال الزمن في الشعر من زمن الحدث، وهو زمن خارجي، إلى زمن الشاعر، وهو زمن داخلي ومطلق يخصه. وللحكي في نصوص عوض اللويهي أشكال متعددة، وهو ليس غاية في ذاته، إنما هو جزء من نسيج النص أي شبكة العلاقات المعقدة داخله، ويُوَظَّف ليمنح النص قوة دلالية تضيف إليه لتحقيق إنتاجية الدلالة، وفي الوقت ذاته تقدم أنساقًا جمالية تثري النص، مثل:
«في لحظةٍ ما/ تورقُ أشواكُ الخطيئةِ في دمكَ/ بعيدًا هناكَ/ حيثُ مساربُ كثيرةٌ/ توشكُ على التفشي».
إن الحكاية المتخيلة داخل هذا المقطع تشكل حكاية من خلال السياق الزمني؛ «في لحظة ما»، والسياق المكاني «بعيدًا هناك» والحدث وتتابعه، وتبتعد خطوات عن الواقع وترتبط به في الوقت ذاته من خلال الفعل «تورق» الذي صنع المفارقة؛ إذ الأشواك لا تورق وما يورق ليس في الدم وكذا: «منحنا أصواتَنا للعصافيرِ/ ونحنُ صِغارٌ/ حتى تحنَّ السماءُ باكرًا علينا».
إن الحكاية هنا التي تحمل زمنًا ماضويًّا هي حكاية متخيلة تصنع المفارقة بين زمنين: زمن الطفولة والبراءة واللحظة الآنية، ومن خلالها يتم تشعير العالم وإعادة تصور الأشياء ببساطة وسلاسة. وهذه الحكاية شأنها داخل النصوص شأن الحكايات الصغيرة الأخرى داخل بنية النصوص، التي لا تهدف إلى الحكي وهو ليس غايتها؛ فالحكي مكون من مكونات النص يصنع تشكيلات جمالية تثري النص وتفتح آفاقًا دلالية لا نهائية. وبجانب المجاز البصري والسرد الحكائي يأتي المونولوج الداخلي بما يحمله من غنائية وبوح كذلك؛ ليضيف قيمًا جمالية تكشف عن قدرة غير محدودة على توظيف آليات وتقنيات متنوعة. يقول الشاعر:
«أنا ابنُ هذه الحقولِ والماءِ والتربةِ/ روحي عُجِنَتْ/ بهذه الخضرةِ اللانهائيةِ/ عُجِنَتْ بشجاعةِ الفلاحِ/ وبيقينه الهشِّ/ في وجهِ الجفاف».
وأيضًا يقول: «أنا من يعني/ كي يمر الضوء في البيت القديم/ أنا من تحدّر من جدوع السقف».

التفاعلات مع نصوص مختلفة
علينا أن نتوقف أمام التناص الذي هو مجموعة من العلاقات تتضمن التلميح والاقتباس والإشارة والتضمين، فهو تفاعل مع النتاجات الأدبية ولا يقتصر على حضور نص من نصوص، بل هو الدليل على مجموعة التحولات التي يمارسها النص على ما تشرّبه من خطابات مختلفة. فجسد النص هو مكون من فسيفساء، من علامات موجودة بكينونتها، ويُعاد تشكيلها من خلال رؤية الذات الشاعرة لها، وتُقدَّم في صورة مغايرة. فالشجرة والمياه والنافذة والصابون والشاي جميعها كائنة في الواقع، وما يعنينا في قراءة النص هو كيف غدت جزءًا من شبكة العلاقات المعقدة داخله؟ وماذا أضاف النص إليها من خلاله، أي إعادة تصورها. وبجانب تلك المفردات الكائنة في الحياة التي يتفاعل البشر معها طيلة الوقت، هناك نصوص سابقة تتسرب داخل النص مثل: «لا عاصم من الماء»، حيث التناص مع القصة الدينية حول سفينة النبي نوح وموقفه مع ابنه في لحظة فارقة، وجاءت آلية التضمين «قال سآوي إلى الماء»؛ لينتقل من استحضار النص والتفاعل معه إلى تضمينه، ليؤكد تداخلَ النصوص وتفاعلها، وكذا «تنحتين من الجبال مساكن»، «وهزي قليلًا إبرة». ومن التناص الديني إلى التراث وحكاية الشاعر المتلمس، وقد نجا من رغبة الملك عمرو بن هند في قتله. وحين تأتي الحكاية يتجسد أمامنا الشاب القتيل طرفة بن العبد أحد شعراء المعلقات السبع: «للمتلمس أن يتملس/ من غده الغدر/ في لغة الآخرين». ومن التراث العربي إلى ديستويفسكي وروايته الشهيرة «الجريمة والعقاب» من خلال بطلها القاتل الأشهر في الأدب العالمي «راسكولينكوف». إن هذه التفاعلات مع نصوص مختلفة ومتنوعة يمنح قيمًا مضافة إلى النص.
ومن التناص ننتقل إلى الحس الصوفي الساطع في فضاء نصوص المجموعات، ويتجلى بشكل أكثر في مجموعة «العتمة ترمي ظلالها»، حيث التقشف والاقتصاد في اللغة والتكثيف والإيحاء والإزاحة. ولا يتوقف الحس الصوفي عند مفردات بذاتها شاعت لدى المتصوفة، لكنه يتجاوز ذلك إلى رؤية صوفية تتأمل العالم من خلال الألم والتجوال والاستبطان الداخلي.
وعلى الرغم من العلامات السيميائية، التي تشكل في غالبيتها مكونات الحياة منذ عاش البشر على الكوكب الأزرق، لم تغفل مفردات الحياة اليومية وموجوداتها الاستهلاكية والمجانية، بطبيعتها البعيدة، عن الأسئلة الكبرى، مثل: سائق سيارة الأجرة والمكنسة الكهربائية وأنبوبة غاز الطبخ وبراد الشاي والصابون والأزرار والقميص. وجاءت هذه الموجودات لتقدم صورة اللحظة المعيشة وقسوتها، وكعناصر ومكونات في بنية النصوص لا تنفصم عنها، بل هي من شفرات النص ونسيج جسده.
إننا أمام منجز شعري ثري لذات تعيش أزمتها، متورطة في الحياة، ومرتبكة بين متناقضات لا تنتهي. ذات تبوح بما في داخلها بتلقائية، وتحاول التمسك بما هو إنساني وحميمي، من خلال نصوص تحمل أنساقها الجمالية والمعرفية، وتطرح أسئلتها البادية حول العتمة والماء والبراءة المفقودة، أسئلتها الباحثة عن سروة ضائعة وقميص وبراد شاي، وإن صعدت علامتا الماء والعتمة إلى الواجهة.
وعلى الرغم من جمع تلك المتناقضات بين ما يحمل الأسئلة الكبرى، وما هو يومي وعادي ومألوف، فلا يمكننا أن نصف عوض اللويهي بالشاعر الضد أو الشاعر اللامنتمي ولا الشاعر الحالم. فنصوصه تقترب من الميتاحداثية، وفي حاجة إلى قراءات متعددة تواكب صيرورتها التأويلية، وتكشف عن سياقاتها المتعددة وآليات كتابتها.
بواسطة كمال سلمان العنزي - كاتب من إيران | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
لا ينعم المرء المنشغل بالكتابة الفكرية بنوع من الارتياح عندما يواجه ثلة من الأقوال المغلقة والمعمِّمة التي لا تفرق بين كاتب الهوامش والحواشي وبين واضع «الإيديا» و«الأفكورة»، وما إلى ذلك من آراء ترى أنه لا بد من وجود مرجعية يونانية عامة للمفاهيم في كل موضوع ذي أهمية؛ لكي ينشغل العقل به ويشتعل الرأي له حالما يكون غير «أدنوي» و«صغروي». وهذا الرأي المزدوج لا يتعدى أكثر من مستوى القول بالنَّفَش الذي بدأ في أزمنة قبل الحاضر، عصر أفلاطون وما نظر له هذا الفيلسوف كتمهيد في إيديا «المُثُل»؛ لذلك يرى مفكرون أن الكتابة الفلسفية والتفلسف حتى اليوم تجول وتحول من هذا المفهوم إلى ذاك، من أرسطو إلى أفلاطون جيئة، وإلى سقراط ذهابًا، حتى إن وايتهيد، فيلسوف القرن العشرين، له قول يُتداول، وهو أن «كل فلسفة بالنسبة إلى تعاليم أفلاطون إنما هي حواشٍ وهوامشُ» وهذا ما لا صحة له وغير مسوغ لديّ.
يبدو لي أن حب وايتهيد لأفلاطون جعله يقول هذا، بينما عكسه صحيح بالنظر إلى أرسطو وهو أكبر مكانة من أفلاطون، حيث لا تزال بعض الأرسطيات في المفاهيم والنظريات لا بديل لها كـ«المادة» و«الصورة» وهما مصطلحان أساسيان في الفيزياء والميتافيزياء حظيا، بعد أرسطو، حتى اللحظة بالاهتمام مقارنة بإيديا «المُثل» الأفلاطونية التي أهملت. وفي رأيي لربما الأصح هذا الإلماح وهو أن «أكثر الفلسفات حواشيَ هي على فلسفة أرسطو، هذا أقرب إلى المنطق والواقع». ويضاف إلى ذلك أن الوقوف على مختلف الآراء أثبتت خلاف ما قاله وايتهيد؛ لأن بعض الفلاسفة ومفكري الفلسفة من خلال «الإيديا» و«الفكرة» و«الأفكورة» التي اشتهروا بها، يبدو لي ما هي بحاشية ولا بهامش على فلسفة أفلاطون، وإنما هو فكر مستقل كما سيمر بنا. والوقوف على جوانب من هذا الفكر المستقل مفيد للنشء وفي الوقت ذاته نافع لمن ابيضت عندهم الهامات، أعني أصحاب القامات الفلسفية. ويمكن على سبيل الاختصار الإشارة إلى بعضه لكي أبيّن بطلان ما قاله وايتهيد كون بعض من المفكرين والفلاسفة ذهب إلى ما لا يخطر في ذهن أفلاطون في البناء الفلسفي والفكري وتأسيس رؤاه وأفكاره.
مكيافيلي: هل الأفضل للناس أن يخافوا الحاكم أم أن يحبوه؟
يعد مكيافيلي أول كاتب تحدث عن فضيلة المساءة أو السيئة؛ لذلك هو من الكتاب الذين يتمتعون بمساءة في السمعة في تاريخ أوربا، فلقبوه بـ«الشيطان» و«معلم الشر» ووضع اسمه كنوع من الثلب والسب أو اللعنة في الأعمال السياسية الأكثر شرًّا. ولكن ماذا قال هذا السياسي الإيطالي المخضرم والمحنك ليثير مثل هذا الجدل حوله، أو بتعبير عقابي ليستلب اللعنة إلى نفسه؟ لقد قال مكيافيلي في مكان ما، لا أتذكره الآن، ما معناه: «إنني أتحدث فقط عن الحقائق لا عن الخيال»، والحقيقة هي أنه يبرر للساسة قول الكذب أو إعمال القسوة والقوة أو النكوث بالوعود. ومع ذلك فإن هذا القول له محاجة بين من يؤيده بالخفاء وبين من يسبه بالعلن فلم أرَ نتيجة حاسمة حول شخصيته. وأما حاشيته هنا فهي ضد رؤية أفلاطون الذي قال: إن الرئيس يجب أن يكون فيلسوفًا.
كانط يتساءل: ما هو التنوير؟ وما الذي يمكن معرفته؟ وكيف يمكن العمل؟ وبأي شيء يمكن الأمل؟
لكل عصر تاريخي ممثل، وإيمانويل كانط بلا خافية وتشكك ممثل العصر الحديث، وله بحوث معقدة جدًّا وملبدة بالمفاهيم إلى ذلك الحد الذي تُحبط القراء أحيانًا عن الفهم، ما ينتهي الأمر إلى سوء فهم لفلسفته في العموم. وهو بالنسبة لبعضٍ فيلسوف لا أدري، وفي رأي آخرين مفكر مناهض للدين، وآخرون يسمونه راعي الأخلاق الجافة. ولكن آلان وود، المفسر الأول لفلسفته، قال: إن «هذا الرجل مدرس متواضع؛ فهو يرسم حدود العقل، ويقف أمام الشكية، ويفتح الطريق أمام أقدام الاحترام للأخلاق، ويعيد النقاء إلى الجمال». ونسبة كانط مع أفلاطون في التأسيس الفلسفي هي كنسبة الشيء إلى اللاشيء.
هايدغر: ما معنى أن تكون في العالم؟
كان هايدغر يعتقد أن الله وحده هو القادر على إنقاذنا من إعصار التقنية التي تضرب بلا هوادة وهو إلى جانب فيتغنشتاين أحد أعظم فلاسفة القرن العشرين. ولد في منطقة «الغابة السوداء» الريفية بألمانيا وارتبط بمسقط رأسه حتى نهايات حياته، وعلى النقيض من الحياة الهادئة التي عاشها، لديه قصة لاحقته تبعاتُها المزرية عن مشارکته الفاضحة مع النازيين في مرحلة من حياته، ولكن المسار الطويل لتفكيره غني بالتفلسف الأصيل؛ بدأ مع الإيمان المسيحي، وفكر في التكنولوجيا، وهاجر إلى اليونان القديمة، واستقر في الـ«ديزاين» موطنه الأخير. وهذا الفيلسوف في تضادّ مع أفلاطون ويكفي أن «الديزاين» عنده هي هموم الإنسان الذي لا يجد مفرًّا من العدم، أي العدم الذي سوف يطولنا جميعًا. وهنا يرى هايدغر أن الوجود الحقيقي (لا بمعنى الوجود المنظور بالفلسفة في الإسلام) هو التمثل والتحقق في «الديزاين» قبل أن يأتينا العدم ويطوينا إلى الأبد.
إذًا في ألا يكون الفيلسوف كاتب حواشٍ أو واضع هوامش لأفلاطون ولكي لا يصنف في حدود مزعمة وايتهيد، يلزمه التفكير مثل أرسطو من حيث القوة والدقة الفكرية والفلسفية، فبعد قرابة ألفي عام على رحيله نرى مفاهيمه مستمرة بلا مكابرة، وأخيرًا في ألا يكون المرء كاتب حواش على تعاليم أفلاطون لا بد من البدء بـ«فكر أدنوي» و«حكمة أدنوية» و«فلسفة أدنوية» لمواجهة أفلاطون وغيره، كما فعل كانْط في «نقاء الجمال» و«الافتراضات التحليلية» و«الافتراضات الاصطناعية»، وديكارت في «السوبجكتيف» و«الأوبجكتيف»، وهايدغر في «الديزاين»، فهؤلاء ليسوا كتّاب حواشٍ، بل مفكرين عمالقة لا يصدق عليهم قول وايتهد.
بواسطة حوار: هدى الدغفق - صحافية سعودية | نوفمبر 1, 2024 | تشكيل
تصف الفنانة التشكيلية السعودية غادة الحسن، المتلقي الواعي بأنه شريك للفنان بتذوق العمل الفني وتحليله وإضافة أبعاد أخرى إليه. وعن العمل الفني نفسه تقول الحسن في حوار مع «الفيصل»: إنه ليس عملًا ماديًّا بحتًا، بل يحمل مضامين روحية وعمقًا فكريًّا وفلسفيًّا وغموضًا لا يحسن بالفنان أن يشرحه.
وتتحدث الحسن عن مفهوم الفن وتطوره عبر العصور، وضرورة مواكبة الفن لمتغيرات العصر واستفزاز ذهن المتلقي بأساليب وأشكال فنية مبتكرة، منها استعمال الكولاج وتوظيف عناصر مختلفة مثل الصورة والنصوص بما يخدم فكرة العمل الفني. وتُعرِّف الحسن العمل الفني بأنه كائن حي له دوره في الحياة ورسالة يؤديها، وقد يقتصر العمل الفني، في رأيها، على جملة أو يمتد ليكون حديثًا طويلًا، ومنه قد تولد أعمال أخرى في عملية فنية يتخلق فيها عمل من آخر.
شريك الفنان
● تحرصين على الاستفادة من أساليب فنية عدة لتنقلي فكرتك إلى المتلقي بوضوح. ماذا يعني لك المتلقي؟ وما طبيعة الحوار الذي يتشكل بينكما؟
■ المتلقي الواعي شريك الفنان ومتمم غير مباشر للعملية الإبداعية؛ ويأتي دوره بعد انتهاء العمل وليس قبله، والدور الذي يؤديه مهم جدًّا في تذوق العمل وفهمه وربما تحليله، وفي بعض الأحيان يضيف له أبعادًا واتساعًا على مفاهيم أخرى مختلفة. فالعمل الفني ليس عملًا ماديًّا بأبعاد وقيم وقوانين معينة وحسب، ولكنه أيضًا يحمل مضامين روحية وعمقًا فكريًّا وفلسفيًّا؛ لذا ليس من الضروري أن يكون واضحًا أو أن يسعى الفنان لجعله كذلك، فجزء من جماليته وسحره في غموضه وعدم إجابته المباشرة عن فكرة الفنان، بل يترك العنان للمتلقي ليصنع قصته بنفسه.
● تمزجين بين خامات متنوعة في بعض أعمالك الفنية مثل استخدامك الكولاج والصورة والنص المخطوط. فبِمَ يفيد هذا التشكيل الفني؟ ألا تظنين أن هذا الجمع بين التقنيات قد يفهم منه أنك غير قادرة على شرح مضامينك الفنية؟
■ وُجد الفن بوجود الإنسان، وتطور بتطوره، ونحن اليوم نحمل منه إرثًا واسعًا ومتشعبًا. وبتعاقب العصور وتطور البشرية ازداد الفن تعقيدًا وما عادت الأساليب البسيطة تناسب ذهن الإنسان المعاصر، الذي يحتاج لاستثارته أساليب أخرى ترتقي به وتخلق نوعًا من الاستفزاز الفكري؛ كي يرى العمل برؤية مختلفة تتناسب مع العصر الذي نعيشه، التي بالتأكيد لا تشبه رؤية الإنسان في العصور السابقة. الكولاج بمعناه الواسع يضم كل ما ذكرتِه تحت مفهوم واحد وليست مفاهيم مختلفة، الصورة والمخطوطات كما الكتابة اليدوية كلها عناصر لا يمكن فصلها عن جسم العمل، الذي يقوم في مجمله على فكرة الكولاج، وبالتالي فإن توظيف هذه الخامات داخل في صناعة العمل وتكوينه بالشكل الذي تتطلبه الفكرة، وليست مضافة (تكلفًا) للشرح والتوضيح، بل -في كثير من الأحيان- تتخذ هذه الرموز منحى آخر في الذهاب بذهن المتلقي إلى مناطق أخرى، أكثر من كونها تقدم شرحًا للعمل.

عوالم أثيرية
● الملحوظ على بعض أعمالك أنها تمتد وتتوالى وقد يتشكل العمل في مجموعة لوحات وكأنه لا ينتهي أو لن ينتهي. ماذا أردت أن تقولي من خلال هذه النهاية المطلقة لعملك الفني؟
■ العمل الفني «كائن حي»، وله دوره في هذه الحياة ورسالة يؤديها، قد تكون جملة وحسب أو حديثًا طويلًا لا ينفد، ويبقى ممتدًّا في عوالم أثيرية لا نهائية. بالنسبة لي أعطي الفرصة الكاملة للعمل حتى يستنفد أحاديثه كلها قبل أن أبدأ بعمل آخر، بل في أحيان كثيرة لا يكون العمل الجديد إلا امتدادًا له وابنًا شرعيًّا يحمل كثيرًا من ملامحه وأفكاره. فتجربتي بمجملها نسيج واحد تشد عناصره بعضها بعضًا، على الرغم من تغير الأفكار والموضوعات وتطورها بحكم الخبرة والنضج، فإنها مرتبطة بعضها ببعض بصورة واضحة لأي متقصي.
التحديات وتأثير البيئة المحيطة
● ما التحديات التي تواجهينها وأنت فنانة تشكيلية؟
■ لكل مرحلة تحدياتها وصعوباتها وتختلف باختلاف ظروفها، سواء التحديات الخاصة بتطوري الفني، أو بحسب الوضع المجتمعي الذي بدوره يتغير ويتطور، فما كنت أصارعه قبل أعوام يختلف تمامًا عن صعوبات الوضع الراهن! فأنا أنتمي إلى الجيل الذي جاهد من أجل إثبات نفسه بنفسه والاستمرار في العطاء الفني من دون دعم؛ كي ينتزع الاعتراف بوجوده، وعلى الرغم من التطورات الهائلة التي تحصل للفن التشكيلي في الوقت الحالي فإننا لا نزال «الجيل الضائع» الذي ينتظر أن يحصل على فرص حقيقية كغيره من الأجيال السابقة واللاحقة، وأن يُعترَف بدوره في التاريخ الفني السعودي وتقديره بما يستحقه.
● ما مدى تأثير الثقافة الاجتماعية المحيطة بك في أعمالك الفنية؟ وهل هناك أحداث أو تغييرات اجتماعية معينة ألهمتك في بعض أعمالك؟
■ «الفنان ابن بيئته» المتأثر والمؤثر بها ولا يمكن فصله عنها، بل يتم الحكم عليه من خلالها في كثير من الأحيان. أنا بنت بيئتي وأفخر بهذا الانتماء العميق لأرضي وجذوري، كما كان لعائلتي الفضل الأكبر في صقل شخصيتي التي أنا عليها الآن، وتأثري بوالدي الشاعر «علي الحسن» الذي اكتسبتُ منه عشقي للآداب والتاريخ، حتى هذا اليوم لم أُشفَ من هذا الشغف الذي يظهر واضحًا في جل أعمالي.
أعمالي في جميع مراحلي تركز على الإنسان وتاريخه، وربما من الأحداث المهمة والملهمة كانت التغييرات الكبرى التي حدثت في الخارطة السياسية عام 2011م، فأنتجتُ عملي «قبل أن نذهب في النسيان» وهو عمل تركيبي مكون من سبعة مجسمات هرمية تحيط بمجسم نصف كروي، أشير فيه لما يحدث في العالم من تغييرات مفاجئة، وكيف أننا شهود على هذه المرحلة من التاريخ التي ستتحدث عنها الأجيال اللاحقة. وكما وثق الأسبقون التاريخ عبر تدوينه بطرائق عدة، ولولا ذلك ما عرفنا عنه شيئًا! كذلك أدوِّن الأحداث بطريقتي، وبصفتي شاهدة على هذه المرحلة المفصلية في تاريخ العالم العربي.

محطات فارقة
● يعايش الفنان مراحل من التوقف عن إنتاج الإبداع في شكله الفني، وربما لا يستطيع تجاوزه إلا بحافزات، فما إستراتيجياتك لحَفْز أدواتك الفنية؟ وهل تنجحين في ذلك؟
■ في البداية، ينبغي أن نفرق بين أنواع التوقف: فهناك توقف يختاره الفنان بمحض إرادته ويُؤْثر فيها العزلة حتى يرمم ذاته ويعيد نفسه إلى نفسه، وهذه ضرورة لأي فنان حريص على تطوير عمله، حتى يرى موضع قدميه ويراجع تقييم خطواته، فيعود بعدها قويًّا، واثقًا ويعرف ما يريد. أما التوقف الإجباري بسبب الظروف الطارئة فالعودة بعدها أسهل، فممارسة الفن ليست خيارًا للفنان، إنه كالماء والهواء، مهما ابتعد فإنه يرجع إليه حتمًا ولا يحتاج لأي حافز؛ لأن الرغبة في العودة للفن ستظل هاجسًا لديه، ولن يسكن إلا في محرابه.
● ما مدى تأثير الشعور بالإحباط من تحولات الواقع المفاجئة في حس الفنان؟ وهل يمكن أن تتجسد في عمله بشكل إيجابي؟ أم ماذا؟
■ خلق الله الفنان بتركيبة نفسية خاصة، تمكنه من سهولة التأثر والإحساس بكل ما حوله، وإعادة إنتاج هذه المشاعر بشكل إبداعي رائع، لكن.. وفي الوقت ذاته، تلك التركيبة تجعل مشاعر الإحباط والاكتئاب تستولي عليه بسهولة. أذكر في هذا الصدد الفنان «إدفارد مونش» الذي عاش حياة كئيبة يطارده شبح الموت طوال حياته التي امتدت حتى الثمانين، أبدع خلالها كثيرًا من الأعمال التي تُعَدّ علامة فارقة في تاريخ الفن. وهكذا! فمشاعر التعاسة والإحباط قد تتحول لأعمال فنية خالدة أو قد تؤدي في أسوأ حالاتها للانتحار. وتاريخ الفن مليء بحالات عجز فيها الفنان عن تحمل بشاعة الحياة وقسوتها وقرر إنهاءها بنفسه.

من البدايات إلى الاحتراف
● شاركت في كثير من المعارض الفنية. ما المشاركات التي تعتزين بها خاصةً؟ وفي أي معرض؟ وكيف كان تفاعلك مع الجمهور والنقاد خلال تلك المعارض عامةً؟
■ هناك معارض أعدّها انعطافًا مهمًّا في حياتي وأخرى «بصمة» فارقة لا يمكن تجاوز تأثيرها. لا أنسى البدايات والمعرض الجماعي الأول الذي شاركت فيه مع جماعة الفن بالقطيف عام 2001م الذي تغيرت معه أقداري من مجرد تحقيق حلم بالمشاركة إلى قرار بالاستمرار في طريق الفن. لا أستطيع الآن أن أصف مشاعري وقتها سوى بالدهشة والارتباك، فلم أكن أتوقع ذلك النجاح وتلك الإشادات من قامات فنية كبيرة ومن الجمهور.
كما أذكر معرض «أتيليه القاهرة» في مصر الذي كان أول مشاركة خارجية لي سنة ٢٠٠٧م وأكسبني كثيرًا من الثقة في تجربتي، وجرت وقتها محاورات كثيرة حول أعمالي مع الفنانين المصريين والمثقفين وكذلك النقاد، وهو ما جعلها تجربة لا يمكن نسيانها. وأيضًا «بينالي الدرعية الأول»، تجربة مهمة في حياتي الفنية؛ إذ إن وجود «بينالي» كان حلمًا لنا جميعًا نحن الفنانين السعوديين، تحققه وزارة الثقافة وبمستوى عالٍ من الاحترافية، فكان لي شرف المشاركة في هذا الحدث التاريخي الضخم.
● تطورت أعمالك الفنية عبر سنوات. فما التغيير الذي أحدثته السنوات في أسلوبك وموضوعاتك وأفكارك؟
■ العمل الفني ليس سوى انعكاس للفنان وتمثيل له، فالعمل الجامد وراءه إنسان جامد.. ببساطة! الفنان «إنسان» يكبر وينضج وتتغير أفكاره ومفاهيمه، كما تتسع ثقافته واطلاعه فيعيش حيوات عدة، ويكتسب شخصيات مختلفة في أثناء مسيرته تؤثر في تجربته ونضجها. فـ«غادة» قبل عشرين عامًا بالتأكيد تختلف عن النسخة الموجودة حاليًّا، في الماضي كانت موضوعات أعمالي ملاصقة لي أكثر، كما كانت أهداف إثبات الذات ومحاولات التميز والبحث الدؤوب عن شخصية فنية مستقلة؛ كل ذلك كان يشكل جهدًا. لكن يختلف الأمر حاليًّا بكل تأكيد. موضوعاتي أصبحت أعمق وأكثر شمولية وتقنياتي أكثر نضجًا واحترافية، كما أن الحضور المستمر في المعارض ما عاد يشغلني، وأصبحت أفكر في الكيفية وفي قيمة المشاركة وما الذي ستضيفه لي!
● ما تطلعاتك الفنية المستقبلية؟ وهل هناك مشروعات جديدة تعملين عليها حاليًّا؟
■ ما زلت في حالة بحث مستمرة ودائمة بعيدًا من تكرار نفسي واكتشاف أساليب جديدة تشبهني وتنتمي إليّ؛ كي تصل أعمالي إلى المستوى والمكانة التي أتمناها لها. فحاليًّا أعمل على معرض شخصي جديد، سيرى النور قريبًا، امتدادًا لمجموعة تجاربي وإضافة لها. التاريخ أيضًا له دور كبير في فكرة المعرض والأشكال التي أستوحيها منه.
بواسطة عصام عيسى - شاعر سوداني | نوفمبر 1, 2024 | نصوص
… هكذا
تُفلِتُ السَّمكةُ فَمَ اللَّقْلَق،
القصيدةُ ليستْ أقلَّ حظًّا
فلا تبتَئس،
انتظِر حتَّى يكتُبَ اللَّقلَقُ خَيبَتَه
وافتحْ فمَكَ واسِعًا هذه المَرَّة،
نعم، هكذا سيُحِبُّكَ الماءُ أكثر…
لستَ وحدَكَ أو…
«إلى أحمَد الصادِق»
لا يذهبُ الشاعرُ مساءَ الجُمعة
إلى المكتبتَينِ والمَقهى الذي بينَهما
فصديقُهُ الذي كانَ كثيرَ الذهابِ إلى هُناك
سافر…
ثلاثةُ شُهورٍ وأكثر، والمَقهى والمكتبتانِ تتشاجرُ مَنْ سيدفعُ ثمنَ التذكرةِ والقَهوةِ والكُتبِ،
والجلوسِ أمامَ كُرسِيٍّ
لم يعُد يضحَكُ وكأنَّ الحربَ ستنتَهي بعد ساعةٍ أو ساعتين…
اللَّعنَة، مَنْ أشعَلَ هذهِ السيجارةَ إذًا…؟!
حقل…
وردتانِ بيضاءُ وبيضاء
بعدَ قليل
سيحِلُّ الظلام
فأنتَ لم تغلِقِ النافذةَ جيدًا
الظلامُ يعرِفُ هذا
ويعرفُ طريقَهُ إلى الوردتين
ولا تخافانِهِ
فالظلامُ الذي كانَ سيفًا وسيفينِ وثلاثة
ماتَ منذ سنوات…
ولن يتعثَّرَ بِكَ ولا بالطاولةِ ولا…
الوردُ الأبيضُ، يقولُ الظلامُ، أجملُ مَن أن يضحكَ لك الحقل…
نسيان….
النورُ الذي هُناك
مَنْ يصيحُ بِهِ الآنَ: نحنُ هنا أيّها المِسكين
كيفَ نسيتَنا سريعًا هكذا
وكأنَّ الحريقَ الذي يأكلُ الآنَ كُلَّ شيء
أنساكَ مَنْ أنتَ ومَن نكونُ ومَنْ…
مَنْ…؟!
الجمعة ٣١ مايو ٢٠٢٤م