بواسطة أحمد الصغير - ناقد مصري | نوفمبر 1, 2024 | كتب
يثير ديوان «جوامع الكمد» (الدار العربية ناشرون) للشاعر السعودي عيد الحجيلي مجموعة من الأسئلة القصيرة المتعلقة بالذات الإنسانية عامة والعربية خاصة. للحجيلي ديوان آخر بعنوان: «قامة تتلعثم» (شرقيات)، وهو من خلال إنتاجه الشعري يجرف التقليدي والمعايش؛ لكسر نمطية النص، والجنوح إلى عوالم أكثر اتساعًا في الكتابة الجديدة.
الديوان مقسم إلى ثلاثة أبواب رئيسة، الأول بعنوان: أسباب المثول، والثاني: مناسك الشبه، والثالث: مساوف. ويتضمن كل باب مجموعة من النصوص القصيرة التي تقترب من فن الإبيغرام اليوناني الذي يهتم بتقديم النقوش الشعرية ذات الوقع المؤثر محققة بذلك الصدمة الإدراكية الأولى للمتلقي لحظة قراءة النص الشعري. والإبيغرام هي مجموعة من الأبيات القصيرة التي كانت تكتب على شاهد القبر؛ لتذكر بمآثر ومناقب المتوفى في أثناء حياته كي لا ينساه الناس الذين عرفوه، أو الذين لم يعرفوه.
يعتمد الشاعر في بناء نصوصه القصيرة، كما جاءت في الديوان، على بنيات شعرية قصيرة جدًّا، تجسدت من خلال لغة شديدة التكثيف والإيجاز، تومئ ولا تفصح، متلبسة أرواح الاستعارات اليومية، ممزوجة بلغة المتصوفة الكبار كالحلاج وابن عربي والنفري وغيرهم، متخذًا من مقاماتهم الصوفية متكأً جليًّا في البناء الدلالي للنص الشعري، ملتحمًا بالواقع الراهن الذي شغل بواطن الذات الشاعرة كثيرًا في أثناء تشكلاتها الأولى.
العنوان بوصفه نصًّا محيطًا
جاء عنوان الديوان «جوامع الكمد» مركبًا من مضاف ومضاف إليه، وكأن الشاعر عيد الحجيلي منح النص الشعري صفة العلو الصوفي الذي يقطر محبة وحكمة خالصة، وحزنًا دفينًا تحمله الذات الشاعرة في يومياتها الشعرية؛ فهي تميل إلى قصيدة اليوميات القصيرة في شعرنا العربي وإن اختلف التشكيل والبناء الدلالي للنصوص. كما يشي بأن الشعر هو لغة الحزن الدائم، تجمع الحكايات الصغيرة في عبارات قصيرة، طبقًا لمقولة النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». والجوامع هنا لدى الشاعر، هي أشياء الذات التي تبحث عنها دائمًا، دون تحقيقها أو العثور عليها، فهي في حالة من البحث المستمر داخل نفسها، وداخل الآخرين أيضًا. ويبدو لي أن الشاعر اعتمد على الدلالات العامة للولوج إلى دلالات أكثرها خصوصية، كما سيتجلى داخل المقامات الشعرية التي طرحها من خلال الديوان.

عيد الحجيلي
يمتح الشاعر عيد الحجيلي من معاجم المتصوفة وأهل الخطوة. ويفتح بابًا واسعًا من الأناشيد الصوفية داخل النصوص، وهو ما يمنح القارئ حسًّا صوفيًّا غارقًا في المحبة اللانهائية الممزوجة بالأحزان الدائمة. يقول في نص بعنوان «قل هو الحزن»:
«كل نفس يراودها الحزن/ عن صمتها…، حينما يكمل الألفُ الفرد/ شهقته البكر/ في ملكوت الكبد»
تبدو الذات الشاعرة المرتبطة بالحزن الدائم من خلال حديثها عن صورة الآخر الحزينة أيضًا، فهي مرآة أحزانها؛ ذلك الحزن الممزوج بالصمت، وشهقة الموت في ملكوت البدن الهائم في العالم الأرضي. تغلف الوحدة كينونة النص السابق، لنجد الذات تقاوم صمتها المقيم دائمًا داخل العالم الصاخب الذي لا يعيرها أدنى اهتمام يذكر، متحدة في الوقت نفسه بالملكوت الأبدي الذي يحتضن أحلامها الصغيرة.
يقول: «الحزنُ أول من يُبَسِّقُ في خواطرنا/ هسيس الحرف.. أول من يُعَنْقِدُ في دفاترنا غوايات الكلام/ الحزن سيدنا/ معلمنا/ محراب الرؤى/ يده العليا.. إذا فاضت على باب القصيدة وهي بارئة الختام/ قل: هو الحزن المدد، ما له كفئًا أحد، كلما اتسع الحزن ضاق الكلام وضاق البلد!».
تطرح الذات الشاعرة صورة الحزن في الحياة التي يحيا الناس فيها، ومن ثم فإن الشاعر يمزج الحزن بإيقاعات نفسية حزينة تجلت من خلال اللغة الشعرية التي تحيا بها الذات. وتجلى ذلك في صورة الحزن التي طرحها النص من خلال الحديث عنه وكأنه روح تنتقل عبر الزمان والمكان، فعندما يتسع الحزن ليفرش مناطق الذات، تضيق المفردات عن التعبير عنه ووصفه، فتضيق البلاد والأمكنة التي تعيش فيها الذات الشاعرة، وكأن الحزن قدرها المحتوم الذي فُرِضَ عليها. كما نلحظ ظاهرة التناصّ الصوفي المعكوس في استدعاء مقولة عبدالجبار النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، فالرؤية الحزينة المتسعة مسيطرة على الشاعر، من أول الديوان إلى خاتمته.
يقول الشاعر: «صامتًا/ يتطوح بين هشيم الرؤى/ وحطام الكوى/ يحتويه شحوب الوطن/ كالكفن».
إنَّ مقطوعات ومشاهد الحزن التي طرحها الشاعر الحجيلي، تكمن في الأوجاع الصامتة التي يدركها الآخر أيضًا، فعلى الرغم من حديثه الجواني عن الذات وآفاق وجودها، فإنه يتجه بالحزن إلى البرانية التي تحيط بالآخر المكلوم أيضًا؛ لتكتمل صورة الحزن الصموت لدى الذات والآخر في آنٍ. فتلوذ الذات بالوطن العربي الأكبر الشاحب دائمًا المقيد في صحراء معرفته، ونار آلامه.
إيقاعات الذات
صحيح أن الإيقاع الشعري لدى الحجيلي في ديوانه تجلى من خلال اللغة المستخدمة في بنية النص، بطريقة شفيفة مستوحاة من رؤية نفسية، فتتخلق الإيقاعات تباعًا من المفارقة الشعرية والأصوات اللغوية الداخلية كما في قوله: «الجماد/ حياة، طواها الحياد».
تبدو صورة الجماد حاضرة في مشهد يخلو من السعادة الأبدية، محتفيًا بموسيقا الحزن، والحياة البطيئة، التي غلفتها الحياة المسكونة بالحيرة والاختلاط النفسي المفارق في عالمنا. ومن ثم فقد راح الشاعر يمزج بين صورة المفارقة في نصوصه القصيرة جدًّا، والإيقاع اللغوي القصير الذي أحدث وقعًا خاصًّا في الآخر القارئ في أثناء الفعل القرائي للنص؛ لينتج لنا روحًا أكثر جاذبية للعوالم الشعرية البسيطة العميقة التي صنعها الشاعر عيد الحجيلي في ديوانه «جوامع الكمد».
بواسطة علي حرب - كاتب لبناني | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
لا يسع الكاتب المحترف أن يتوقف عن الكتابة. فما يجري لنا ويحيط بنا، وما تفاجئنا به إنسانيتنا وعالمنا، كل ذلك يستدرجنا إلى الكتابة. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بحدث كبير يشبه الزلزال الكوني، كحرب الطوفان التي تهز المشاعر، بقدر ما تطرح أسئلتها على العقل والوجدان.
بالطبع كان عليّ أن أعدّل وأغير فيما كتبته في الأسابيع الأولى، وبعضه نشر في الصحافة أو على صفحتي الشبكية، بحيث أوسّع أو أضيف على ضوء المستجدات والمتغيرات. ومع ذلك، ما كتبته يصدر عن رؤيتي للأشياء، أو عن طريقتي في قراءة النصوص والأعمال، أو عن إستراتيجيتي في التعامل مع المجريات.
كالقول بأن الحضارة الإسلامية قد فقدت حيويتها وولى زمنها، أو القول بأن ما تحتاج إليه المجتمعات المسلمة ليس تجديد الفكر الديني، بل الخروج من الفلك الديني واليقظة من السبات الإسلامي، أو القول بأن ثنائية النخبة والجمهور قد استهلكت وحولت المثقف إلى بائع أوهام يترجم الشعارات بأضدادها. أو القول بأن إستراتيجية التغيير للمجتمعات قد تغيرت مع الدخول في العصر الرقمي، حيث المجتمع يغير نفسه بنفسه، في مختلف حقوله وقطاعاته وقواه الحية والخلاقة. أو القول بأن النموذج النضالي الذي اعتمدته أيديولوجيات التقدم وحركات التحرر، وتبنّته حركة حماس، قد دفعت الشعوب أثمانه الباهظة فقرًا وتخلفًا أو مآزق وكوارث، لأن أصحابه تعاملوا مع المجتمعات كحقول اختبار لدعواتهم المستحيلة وإستراتيجياتهم القاتلة. أو القول بأنه مع الدخول في عصر العولمة والمعلومة والشبكة، تتشابك المصالح وتتداخل المصاير على الساحة الكونية، إلى حد يجعل اللاعب على المسرح يتواطأ مع ضده ولا يصنع إلا النماذج التي يدعي محاربتها. أو القول بأن أزمة العالم تتجاوز الحروب الدينية والصراعات الأيديولوجية والعنصريات الشعبوية؛ إذ هي أزمة الإنسان مع نفسه بالدرجة الأولى، بقدر ما تكشف أن أكثر ما يجهله الإنسان هو بالذات إنسانيته، التي تفاجئه وتفضحه، لتصنعه بخلاف ما يفكر ويحسب، أو ليصنعها على عكس ما يهوى ويريد.
وما يلي من سطور هو بمنزلة مقاربة لتشخيص الواقع، المأزوم والمتردي، عبر تسليط الضوء على التحولات البنيوية الهائلة التي طرأت على المشهد العالمي. وهو الأمر الذي يفضي إلى طرح الأسئلة المعلقة أو المرجأة، المزمنة أو المستجدة، سواء تعلق الأمر بقضية الإدارة والتنمية، أو بمسألة الحضارة والهوية، أو بإشكالية الدين، أو الحرية، أو بثنائية التقدم والتكاثر، فضلًا عن أسئلة النخب الثقافية والنماذج النضالية التي تثيرها النزاعات والحروب بين المجتمعات البشرية، وبالأخص الحرب الدائرة تحت مسمى «حرب الطوفان».
النظريات
بدءًا بمسألة التنمية أنا أميز، في مجمل ما ينتجه البشر من الأفكار والآراء، بين أربعة أصناف هي أشبه بقارات أربع في عالم الفكر أو في محيط المعرفة الواسع. هناك، على مستوى أول، النظريات ببعدها المجرد ونهجها العقلاني وبنائها المنطقي، وهي تتمثل فيما ينتج في مختلف حقول المعرفة، من الرؤى والتصورات أو المفاهيم والمناهج أو الثنائيات والمعادلات. ومثال ذلك، نظرية المثل، أو مقولة السببية، أو برهان واجب الوجود، أو مفهوم المتعالي، أو المنهج الجدلي، أو نظرية اللاوعي، أو ثنائية الروح والجسد، أو مشكلة التضخم…

إستير دوفلو
ومن مهام النظريات، فيما هي تقرأ المعطيات من الوقائع والظواهر، أن تكشف وتنير أو تشرح وتفسر؛ لكي تصف وتشخص على شكل مبدأ أو مفهوم، نموذج أو قانون.
بالطبع ليست الأفكار والمعارف حقائق مطلقة أو نهائية، وإنما هي تخضع للمراجعة النقدية والمداولة العقلانية. وقد يتم التراجع عنها أو تعديلها وتطويرها، أو تحويلها واستثمارها. نحن إزاء إبداع فكري أو نتاج معرفي يمكن أن يفيد منه أي كان؛ لذا لا يخضع لمنطق التقسيم والمحاصصة، وفقًا للبطاقة القومية أو الدينية أو الجغرافية. وهذا مطب وقع فيه كثر من المفكرين العرب الذين لجؤوا إلى تجنيس العقول والفلسفات أو إلى أسلمة العلوم، ممن تحدثوا عن علم اجتماع عربي أو عن علم نفس إسلامي أو عن منظومة إدراكية عربية. وهؤلاء عادوا بنا إلى ما قبل ابن سينا، أو إلى ما قبل ابن خلدون؛ إذ كلاهما قدم نظريات وآراء حول النفس الإنسانية، أو حول المجتمع البشري، هي معارف عابرة للهويات والانتماءات.
الأيديولوجيات
هناك، على مستوى ثانٍ، الأيديولوجيات ببعدها النضالي والتحرري، سعيًا لتغيير الواقع وتحسين شروط الوجود، إما على سبيل الإصلاح أو بالثورة والعنف، تحت شعار من الشعارات. والأيديولوجيا هي منظومة من التصورات والبرامج التي تستخدمها طبقة أو دولة أو تحالف دول، كنهج للتقدم والتطور أو كأداة للحماية والمدافعة، كالاشتراكية أو القومية أو الرأسمالية. والأيديولوجيا، وإن استندت إلى النظريات الفلسفية أو العلمية، فإنها تتقاطع مع الديانات من حيث نمط الفكر الأحادي، وهو ما يحوّل العناوين والشعارات إلى أيقونات مقدسة يحتكر أصحابها الحقيقة. والمآل هو قيام أنظمة شمولية وأحزاب فاشية.
هذا وقد تراجعت الأيديولوجيات بعناوينها العريضة وشعاراتها الطوباوية. ولعل ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968م، كانت آخر نموذج لثورة أيديولوجية سياسية، أو لسردية كبرى لتغيير الواقع وتحرير المخيلة. هذا ما جعل الأيديولوجيات تتحول إلى انتفاضات عابرة، كحركة السترات الصفر، أو إلى شعبويات عنصرية.
بهذا المعنى، فما تشهده المجتمعات الغربية، اليوم، تحت اسم «الصحوة» WOKISME، هو الوجه الآخر لتنظيم القاعدة، أو لحركة طالبان في الإسلام. نحن إزاء حركات وتجمعات هي أقرب إلى الشراذم والشلل. وما يحركها هو الحنين إلى زمن نبوي أو فردوسي يخلو من التمييز بين البشر، على أساس اللون والعرق والجنس والثقافة، وهو زمن ما وجد يومًا ولن يوجد أبدًا؛ لذا فأصحابه هم كمن ينتظر غودو، أو كمن ينتظر ظهور المهدي لدى الشيعة، أي ممارسة المزيد من الشعوذة والخرافة والعنصرية المضاعفة.

الإستراتيجيات
هناك أخيرًا الإستراتيجيات ببعدها العملي والسياسي أو الذرائعي واللوجستي. وهي مجموعة الخطط والبرامج التي يستخدمها قادة الدول أو رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمنشآت، في أعمال النهوض والإصلاح أو التطور والتقدم. وهي الوجه الآخر للنظريات والمعرفيات. ولكن مهمة الإستراتيجي لا تقتصر على تطبيق النظريات، وإنما هو فاعل خلاق ومبدع، يقوم بإعادة ابتكار الأفكار في حقول التجربة وميادين الممارسة، بتحويل النظرية أو الرؤية أو المفهوم إلى أسلوب في الإدارة، أو إلى نموذج في التنمية، أو إلى مجال للاستثمار، أو إلى قاعدة للتعاون والتبادل…
من هنا ثمة فارق تحويلي، كما أسميه، بين النظر والعمل، بين الفكر والمسلك، هو كالفارق بين النص الأدبي وبين ترجمته إلى عمل مسرحي أو إلى فِلم سينمائي. فالنص يخضع للتعديل والتحويل، بقدر ما يعاد خلقه وابتكاره. هذا الفارق التحويلي هو وجه آخر لما سميته المنطق التحويلي وثمرة من ثمراته. وما يفيده هذا المنطق هو أن الفكرة تخضع للتحويل، عندما ننتقل من حقل إلى حقل أو من قطاع إلى قطاع، أو عندما ننتقل من مستوى إلى آخر أو من شخص إلى آخر، فكيف إذا كنا ننتقل من مجتمع إلى آخر، أو من عصر إلى عصر؟
وهكذا فمصير الفكرة أن تتغير عندما تتحول إلى واقع حي، سواء عند مطلقها أو عند من يتداولها؛ لأن كل واحد يتعامل معها أو يتداولها أو يستثمرها، بحسب مهنته واختصاصه أو خبرته وموهبته أو لعبته ورهانه، بحيث تصبح فكرته أو صنيعته. بذلك نحن ننتقل، مع المنطق التحويلي، من منظومة فكرية مفرداتها الماهية والثبات أو المماهاة والمطابقة أو القبض والتحكم، إلى نمط فكري مفرداته هي القراءة والشبكة أو العلاقة والنسبة أو الخلق والتحويل أو اللعبة والرهان.
لذا تنكسر مع المنطق التحويلي والفارق التحويلي ثنائية النخبة والجمهور، التي ربما كانت شغالة في عصور الحداثة الآفلة، ولكنها استهلكت وفقدت جدواها وفاعليتها، مع الدخول في العصر الرقمي، حيث تحول كل فرد إلى لاعب فاعل، يشارك في صنع ذاته وقود مصيره.
لقد ولى زمن النخب التي تمارس وصايتها على الناس والمجتمعات، بحجة أنها تملك الحقيقة أو تحتكر الوعي والمعرفة، أو تهتم بحراسة قيم العدالة والحرية. وما لاقته أو تلاقيه مشاريع النخب من الفشل والإخفاق، على اختلاف النسخ والنماذج أو المدارس والمذاهب، معناه ومؤداه أن المجتمع لم يعد يتغير بعقلية النخب التي تمارس وصايتها الفاشلة والمدمرة، بترجمة الشعارات والعناوين بأضدادها.
والدرس المستخلص، من هذا الإخفاق والتراجع، هو أن المجتمع هو الذي يغير نفسه بنفسه في مختلف قطاعاته وحقوله وقواه الحية والخلاقة. بحيث يتحول كل فرد إلى لاعب فاعل، ومن لا يفعل بصورة إيجابية وبناءة، إنما يفعل بصورة سلبية وهدامة.
يحضرني كمثال أول ما قاله الرئيس الصيني الأسبق بينغ، الذي أتى بعد رحيل الطاغية ماوتسي تونغ، وكان يجسد النموذج المثالي للعقل النظري النخبوي: لا يهمنا لون الهرة، المهم أن تأكل الفئران، أي لا تهم النظرية، وإنما المهم أن نعرف كيف ننهض ونحسّن مستوى الحياة. والنموذج الآخر يمثله مهاتير محمد، الذي كان شعاره إذا أردت أن أصلّي أذهب إلى الجامع، أما إذا أردت أن أنهض ببلدي، فإنني أدرس النماذج الناجحة لمعرفة أسباب نجاحها، والنماذج الفاشلة لمعرفة أسباب فشلها، ثم أعمل على ابتكار نموذجي أو تركيب صيغتي؛ لأنه لا تنمية بلا ابتكار أفكار.
والمثال الثالث يجسده أردوغان بطوره الأول، فهو لم يتصرف كمثقف أو داعية على نهج سلفه أربكان، بل تصرف كسياسي يريد النهوض ببلده، وكانت الحصيلة أن حققت تركيا قفزة نوعية على المستوى الاقتصادي.
ولمزيد من الوضوح نتوقف عند مثالين من علم الاقتصاد؛ يجسد الأول الفرنسية إستر دفلو الحائزة على جائزة نوبل (2018م) بالشراكة مع زوجها أبهيجيت بانيرجي ذي الأصل الهندي. وقد ذهبا معًا إلى الهند؛ لكي يدرسا ما يمكن فعله لتحسين الأوضاع الاقتصادية للسكان. ولكن دفلو، وكما قرأت مقالتها عن تجربتها، لم تتصرف بعقل نخبوي أكاديمي، ولا بعقلية المثقف مالك مفاتيح الحقيقة والتنمية، بمعنى أنها لم تتصرف بوصفها صاحبة نظرية صحيحة تحتاج إلى التطبيق في أي مجتمع كان؛ إذ لكل مجتمع خصوصيته وظروفه وسياقاته، بل حاولت الاطلاع على المشكلات، على أرض الواقع الحي، وحرصت على أن تعرف كيف يفكر الناس، وما الذي يقدرون عليه. وهذا هو المحك والرهان، لفتح الإمكان: العمل على الأفكار لتحويلها واستثمارها في حقول التجربة وميادين الممارسة.
وهذا ما فعله عالم الاقتصاد محمد يونس في بنغلادش: لقد حول أطروحته النظرية إلى إجراءات عملية؛ لذا فقد تصرف كإستراتيجي يدرس المعطيات في الميدان، لاستكشاف القدرات واجتراح الإمكانات، في بلاد البنغال، التي كانت مضرب المثل في الفقر، فإذا بها تحقق قفزة في مجال التنمية. نحن إزاء علاقة تبادلية، مثمرة وبناءة، بين النظريات والإستراتيجيات.
خلاصة القول: النظريات تكشف وتنير أو تصف وتشخص فيما يخص قراءة المجريات وفهم الظاهرات، أما الإستراتيجيات فإنها تحوّل وتستثمر لكي تقدر وتدبّر، في حين أن الأيديولوجيات قد تجذب وتحرك بشطحاتها المثالية وشعاراتها الطوباوية، تمامًا كالغيبيات الإيمانية الدينية، ولكنها قد تحجب وتضلل أو تزيّف وتزور، لتخرّب ما هو جامع ومشترك، بين البشر من اللغات والمساحات، أي ما هو قابل للتشاور والتداول من الأفكار والآراء.
أشير إلى أن هذه المقالة كتبت قبل ترك الشيخة حسينة رئاسة الحكومة في بنغلادش، تحت تأثير الاحتجاجات الطلابية. ولعلها فرصة لبلاد البنغال أن يتسلم الدكتور محمد يونس، عالم الاقتصاد والحائز على جائزة نوبل للسلام، رئاسة الحكومة في بلده؛ لكي يتابع الإنجاز التنموي الذي بدأه في عهد الشيخة حسينة.
بواسطة أورهان ولي - شاعر تركي - ترجمها من التركية: نوزاد جعدان - شاعر سوري | نوفمبر 1, 2024 | نصوص
مغامرة
صغيرًا كنتُ، صغيرًا جدًّا
رميتُ صنارتي إلى البحر
اجتمعت الأسماك معًا،
رأيتُ البحر!
* * *
صنعتُ طائرة ورقية بسلك معدني
ذيّلتُها بألوان قوس قزح
أطلقتُها إلى السماء.
رأيتُ السماء!
* * *
كبرتُ
عاطلًا عن العمل، جائعًا كنتُ
كان عليهِ كسب المال
دخلتُ بين الناس
رأيتُ الناس!
***
لا أستطيع التخلي
لا عن حبيبتي ولا رأسي
لا الخير ولا الشر
من البحر والسماء ولكن…
آخر شيء رأيته لا يتركني،
أقول هذا ما رآه الشاعر المسكين
وسيراه…
15-3-1950
الشعر مع الملقط
لا القنبلة الذرية!
ولا مؤتمر لندن!
مِلقطٌ بيدٍ
ومرآةٌ في اليد الأخرى
إنها لا تهتم إلى ما يجري في العالم؟!
المجان
نعيش ببلاش
السحب مجانية
الهواء مجاني
مداخل دور السينما لمتابعة البوسترات المعروضة
مشاهدة أنواع السيارات
الجبال والوديان مجانية
لا رسم دخول
مناظرة واجهات المحال
كلها ليست كالخبز والأجبان
الماء المالح مجاني
لكن الحرية تكلفك الحياة
وبالمقابل الجُبْن والعبودية مجانية
نعيش مجانًا
مجانًا
عن السفر والترحال
في طريق السفر
تخاطبك النجوم
ولكنها غالبًا ما تقول كلامًا حزينًا
* * *
لو
لو أنني بكيتُ
هل تستطيعين سماع النحيب في قصائدي
هل كان بمقدوركِ
أورهان ولي من أبرز الشعراء الأتراك في العصر الحديث، وُلد بإسطنبول عام 1914م، وتوفي 1950م، في أثناء دراسته الثانوية، تعرف على أوقطاي رفعت ومليح جودت في أنقرة حيث انتقل عمل والده إلى هناك، بعدها عاد مرة أخرى إلى إسطنبول لدراسة الفلسفة، لكنه ترك الجامعة وعاد إلى أنقرة عام 1936م؛ ليعمل موظفًا في المديرية العامة للبريد والبرق والهاتف، وبعد انتهاء مدة خدمته العسكرية ضابط احتياط عمل مدة عامين في مكتب الترجمة التابع لوزارة التربية حتى استقال عام 1947م، وبدأ بإصدار صحيفة نصف شهرية مؤلفة من صفحتين بعنوان: «الورقة» التي استمرت في الصدور حتى منتصف حزيران عام 1950م. يُعَدُّ أورهان ولي من أبرز المجددين والخارجين عن المدارس التقليدية في الشعر، ومؤسس حركة الغريب مع مليح جودت أنضاي وأوكتاي رفعت، أضاف لغة الشارع إلى لغة الشعر.
من مجموعاته الشعرية «الغريب» 1941م، «لم أستسلم» 1945م، و«مثل الأسطورة» 1946م و«لاحقًا» 1947م، و«البقاء» 1949م، إضافة إلى عدد من الكتب النثرية والقصص القصيرة والترجمات الشعرية المنقولة من الفرنسية.
رفض أورهان استخدام أوزان العروض مبتعدًا من كل ما هو قديم؛ لكي يستطيع إظهار ذوقٍ جديد، لذا اشتهر بكتابته القصيدة النثرية، وببساطة ألفاظه، وسهولة لغته، وقربها الشديد من الحياة اليومية، وكذلك بوصفه للتفاصيل البسيطة غير الملحوظة وتحويلها لقصة كاملة في سطور القصيدة ولمعاني رائعة في أقل عدد ممكن من الكلمات.
لم تُنشر قصيدة المغامرة في كتب أورهان ولي، بل في «جريدة الفكرة والفن»، توفي أورهان بعد خمسة أشهر من فرار ناظم حكمت من السجن، عبّر عن حزنه عندما حل ضيفًا على إذاعة بودابست. في لقاء طويل سأله المذيع أنت تسافر كثيرًا، ماذا يوجد في حقيبتك وما الكتب التي فيها؟ يجيب ناظم: الآن، دعني أخبرك، بما تحمله حقيبتي. مثلًا: سروال داخلي، وقميص، وأدوات الحلاقة، وحقيبتي ممتلئة بالكتب. كتبي المفضلة… بالطبع، هناك أورهان ولي. أعتقد أن أورهان ولي هو واحد من أجمل شعرائنا. لقد مات صغيرًا جدًّا، إنه عار. لكنه خالد «… ثم يطلب مذيع راديو بودابست من حكمت أن يقرأ قصيدة من كتاب أورهان الذي يحمله معه… فيجيب ناظم: بالطبع! فلنبدأ على الفور (يقرأ قصيدة لأورهان ولي بطريقة حزينة): كم هي جميلة تركيا. ثم كيف هي إسطنبول! … يا لها من فتاة تلك إسطنبول!» ثم قرأ قصائد أخرى لأورهان ليردف بالقول: «دعني أقرأ واحدة أخرى. لا أستطيع الاكتفاء…».
بواسطة عبدالحكيم أبو جاموس - كاتب فلسطيني | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
تعرف قصيدة «الومضة» بأنها شكل شعري، أو وسيلة من وسائل التجديد الشعري، تتسم بالقصر، وتكثيف الجمل، والصور، والاستعارات. وعرفها الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، الذي يعتبره نقاد كثيرون أول من نظمها، بأنها «قصيدة قصيرة جدًّا، موجزة، مكثفة، تتضمن مفارقة مدهشة». وعرفها آخرون، ومنهم الكاتبة التونسية إلهام بوصفارة، بأنها لحظة، أو مشهد، أو موقف، أو إحساس شعري خاطف، يمر في المخيلة أو الذهن، يصوغه الشاعر بألفاظ قليلة، معتمدًا على تركيز عالٍ، وكثافة شديدة، تمكنه من النفاذ إلى الذاكرة للبقاء فيها.
وخلال رصدي وتتبعي لأربعين ومضة شعرية، للكاتب والشاعر الأردني هزاع البراري، نشرها عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ظهر لي عدد هائل من الاستعارات المكنية، والصور الشعرية البديعة، بحيث تظهر كل ومضة وكأنها قصيدة مكتملة العناصر الفنية، اختزلت بكلمات قليلة، أشياء كثيرة أراد الشاعر إيصالها. وقد تكونت معظم ومضاته من سبع كلمات لكل ومضة، فيما لم تزدْ أطول واحدة فيهن عن عشر كلمات. واحتل الشتاء ومفرداته، وما تعلق به، المرتبة الأولى في قاموس الشاعر، فيما احتلت المظاهر الكونية المتعلقة بالليل والنهار، والشمس والقمر، المرتبة الثانية، وجاءت الطريق والرصيف، وما اقترب منهما في المرتبة الثالثة، وهكذا.
مواطن الاستعارات المكنية
حين يتحدث الشاعر عن غياب حبيبته الناقص، الذي لا هو حضور ولا هو غياب، يشير إلى أنها طعنته بخنجر وشبهه بكلب مسعور ينهش لحمه، دلالةً على قساوة وتأثير غيابها، مستخدمًا أسلوب الاستعارة المكنية التي يذكر فيها المشبه، ويحذف المشبه به، ويكنى عنه بشيء من لوازمه وصفاته. يقول: «لم يكتمل غيابك/ فما زال الخنجر مسعورًا». والشجرة عنده كائن حي يخبئ أشياءه المهمة، إنسان أو حيوان يضم أبناءه، حذر الموت أو الخوف أو العواصف: «كلما جاء شتاء/ خبأَتِ الشجرة أغصانها». والنهار كائن حي أيضًا يستشعر البرد، يحس ويتنفس، والغياب كذلك يتحرك ويتجول، ويرتدي المعاطف: «يبرد النهار/ كلما تجول غيابك بلا معطف».
وما أجمل هذه الصورة التي رسمها البراري عبر مقابلة لطيفة ظريفة، حين جعل الغياب إنسانًا إذا خلع معطفه شعر النهار بالبرد. وعنده أيضًا هاجس لليل، وبقايا محبوبته مجرات سماوية يعتريها القلق والتوتر، والجرح عنده على اتساع دمه وآلامه يشبه الغيمة المنهمرة بكثافة، والكلمة ترتجف مثل البشر والكائنات الحية، وللقلم جوف كجوف البشر والحيوانات:
«ها أنا/ في هاجس الليل/ وبقاياك مجرات أرق/ كان الاعتذار ضئيلًا/ لذا بقي الجرح كغيمة ماطرة/ لم يبقَ من اللغة/ سوى ارتجاف كلمة في جوف قلم».
والعتمة كأنها طائر يغفو وينام على أغصان الشجر، والارتباك ينقش كالحناء والرسومات والألوان، والجدران تذوب كالثلج أو الجليد، والطرق سائل يسكب، ويعتريها التعب، ومصيرها الرحيل، والرصيف إنسان يتحلى بالصبر وطول البال: «أتقن المسافة/ كلما تراكم الجليد في الكلام/ لا قمر/ لا ظل قصيدة/ وحدها العتمة تغفو على الشجر/ اللوحة غامضة/ برودة تنقش الارتباك على النوافذ/ وليل موحش مثل غريب/ حين ذابت جدرانها/ سكنت الغرفة تفاصيل الحنين/ سأسكب الطرق في خطاي/ وأتركني/ على قارعة رصيف طويل البال».
وللقصيدة سماء وظل، والقاعة تغرق، والقنديل يشيب، والكلام يتحجر في العيون كما الدمع، والأصابع لها عيون ترى فيها، والربابة كأنها سكين تجرح، والمدى كأنه شيء مادي ملموس ومحسوس يحمل: «وحدك/ طريق أتعبتها القوافل/ كان صمته/ قريبًا من سماء القصيدة/ لذا غرقت القاعة بموازين الشعر».
التشبيه التمثيلي: صورة مقابل صورة
ويكثر الشاعر البراري من استخدام التشبيه التمثيلي، عبر كلمة «مثل» ليظهر صورة مقابل صورة؛ إذ يشبه النجم الآفل الشاحب البعيد، الذاهب إلى المجهول بالقنديل الذي ستطفأ ذبالته كلما مشى في الطريق: «مثل نجم/ موغل بالشحوب/ يشيب قنديل رحلت عنه الطريق».
وأحيانًا يحذف المشبه ويُبقي على المشبه به: «مثل كلام/ تحجر في العيون/ مثل ليل الخريف يمر الغريب/ مكتمل التعب/ مثل شجرة طاعنة بالخريف/ كتاب على الرف/ مثل قلب لا تراه أصابعك».
ويشبه تأثير النغم الشجي الصادر عن الربابة على السامع، بما يتركه الأثر المرسوم على وجه الرمل: «مثل ربابة/ تجرح الأشجان على وتر الرمل/ مثل طائر/ يحمل المدى والشمس تغيب».
سيطرة الألفاظ والمفردات اللغوية
وردت ألفاظ الشتاء والمطر والكلمات المتعلقة بها في القصائد المرصودة عشرين مرة، مثل: الغيوم الماطرة، والجليد، والبرودة، والذوبان، والانسكاب، والغرق، والنهر، والبحر، والشاطئ، والقارب، والعاصفة، والخريف، وهذا يدل على الرغبة في التغيير، والجنوح إلى التحرر، وكسر الأطواق والأصفاد، وقدوم الخير. ووردت ألفاظ القمر، والشمس، والنجم، والمجرات، والقنديل، والظل، والليل، والنهار، والعتمة، ثماني عشرة مرة، وهو الأمر الذي يعني هروب الشاعر إلى مدارات الكون، وعوالم الطبيعة، بعيدًا من ضيق الأرض. والطريق، والرصيف، والشوارع، والجسور، وردت اثنتي عشرة مرة. والغياب ست مرات. والشجر أربع مرات. وكذلك القلب أربع مرات. والقصيدة أربع مرات أيضًا، فيما الاكتمال ثلاث مرات.
والصحراء ثلاث مرات، والتوغل والقوافل مرتين لكل منهما.
«لا طريق/ سوى وجهها في الذاكرة/ صمتك مسافة/ ها أنت توغل بالوجوم/ لا جسر بيننا/ لا ضفاف/ تلم خوف النهر قبل المصب/ عندما تعبت الطريق/ اتكأت على ذكرى خطاك/ كشحوب القصيدة صوتي/ وأنت تغرق في الرحيل/ كأنني والشوارع تمضي/ رصيف تكوم عليه الانتظار/ في الغموض أنا».
ما هذا الضباب الذي يظهر على وجه العطش؟ وكيف يكون للعطش وجه؟ في ظل صحراء قاحلة تزداد رقعتها ولا مؤشر على نية سقوط المطر ليهدأ قلبه الظمآن: «كضباب على وجه العطش/ لا مطر/ على تخوم القلب/ فالصحراء تكبر في غيابك».
وحين يقول: «يتكئ على ظله/ الشمس تغيب، والظل يبتعد».
فكأن الظل شيء يمكن الاتكاء عليه، فيما يجري سباق دائب دائم بين الشمس والظل، فكلما اتجهت نحو المغيب، أخذ الظل في الابتعاد.
وللنهار قبعة، والقبعة بيت يلجأ إليه أرق الليل، ولليل أرق ثقيل شديد السواد. وحين يكون القلب موحشًا مقفرًا فإنه يشبه تمامًا الصحراء دون رمال. وشجرة البراري عاقلة تحلم كالبشر ويتراكم على حلمها الياسمين ببهائه وعطره الأخاذ: «أرفع/ قبعة النهار/ لآوي أرق ليل ثقيل العتمة/ موحش قلبك/ كصحراء بلا رمل/ حين هز الشجرة/ تراكم على حلمها الياسمين».
وبطريقة جميلة، وعبر تشبيه مقلوب، يرسم البراري صورة عكسية للمطر، بحيث يجعله يسقط صعودًا نحو فضاء السماء، على غير عادته في عناق الأرض وإطفاء ظمئها، بحيث يتحقق من وراء هذا الشموخ المتصاعد إزهار لغيم العاصفة: «صعودًا/ يسقط المطر/ كي يزهر غيم العاصفة».
وفي غمرة الحنين، وفيما يشبه الاستنكار، ومخالفة المألوف، يستغرب لأن قلب محبوبته وعلى غير عادته، لم يعد إلى حضنه الدافئ، حين غابت الشمس وجن الليل: «غابت الشمس/ ولم يأوِ قلبك إلى ليلي».
بواسطة حسين عماد صادق - كاتب عراقي | نوفمبر 1, 2024 | كتب
تأخذ رواية «حقائق الحياة الصغيرة» للؤي حمزة عباس -منشورات المتوسط- أذهاننا إلى زمن الحرب، إنها إحالة إلى الزمن، ولم تكتفِ بهذه الإحالة الزمنية بل افترضت وجود صدام حسين «بهوله وهيلمانه»، لتمنحه هوية خاصة عبر التخييل. تقول الرواية على لسان البطل: «صدام حسين يفكر بالجرذان أيضًا، برؤوسها المدببة»، «توقف عند نهاية الشارع المبلط، ونظر نحو مساحة ترابية تتخللها نباتات شوكية متفرقة، حدق نحو حفرة بعيدة تشبه حفر بر العوجة، قريته البعيدة، وقد تراءت له حركة حيوانية حذرة سحب مسدسه البراونينغ على نحو مباغت وأطلق رصاصة دقيقة قطعت الذيل ورمت به بعيدًا من الجرذ».
إنها هوية وصورة الرئيس، صورة الدكتاتور التي شكلت سيرته عبر الزمن في أذهان العراقيين؛ إذ يمنح لؤي حمزة عباس الهوية المستعادة بعدًا كليًّا عندما يتجاوز تأثيرها حدود الزمن والحقبة لتكون ظاهرة متماهية في الأشياء: الأمكنة، الشخوص، الأحداث. ولقد شخص لؤي حمزة عباس هذا التجاوز للزمن من خلال رسم صورة معاون المدرسة وبقية المعلمين بشواربهم التي تعيد صورة الرئيس وتشكلها في أذهان الأطفال. هذا المقطع السردي يحمل أفكاره بطريقة التخييل المرجعي مستعينًا بفانتازية السرد العجائبي، وهذه الهوية تمثل امتدادًا لمجمل الأفكار في العمل الروائي، حيث تمارس تأثيرها في العائلة، المدرسة، المجتمع، الأطفال. إنها صورة الدكتاتور المستنسخة في رجال الأمن والموظفين وكل من يعمل تحت ظل حزب الدكتاتور. إنها هوية جماعية للسلطة بمختلف أشكالها. إنها محاولة للكشف عن التاريخ السياسي والممارسات الاجتماعية في فترة من فترات التاريخ عبر التخييل المرجعي، كما يعبر عنها الناقد الدكتور عقيل عبدالحسين.
ولأنها من العنوان «حقائق الحياة الصغيرة»، تبدو هذه الحقائق ممكنة وجلية لكنها مسكوتٌ عنها، لم تقل من قبل إلا في مجالسنا مجالس الأجداد والآباء عندما يتحدثون عن ماضيهم المرير، تلك الهوية التي تمارسها سلطة المدرسة في التخويف والترهيب محاولة الحفر في أدق التفاصيل التي تكشف عن رجل ما معارض تحت وطأة السؤال. ذلك السؤال النموذجي الاستخباراتي يعيد صياغته لؤي حمزة عباس بطريقته ليقدمها للقارئ على هيئة أفكار عبر التخييل السردي لهوية الدكتاتور وتأثيرها اجتماعيًّا.
التخييل السردي الأليغوري
يقول الناقد جميل الشبيبي: «في معظم الروايات العراقية التي صدرت بعد ٢٠٠٣م يتوفر فضاء تسجيلي يعتني بنوع من التفاصيل الخاصة بأحداث ما بعد التغيير». وأعتقد أن هذا الفضاء التسجيلي لا يقتصر على أحداث ما بعد التغيير، بل هو فضاءٌ يشمل أحداث ما قبل التغيير، ولا سيما في روايات السيرة الغيرية وروايات التخييل المرجعي عمومًا، ولا سيما عندما يكون هذا الفضاء التسجيلي رافدًا للتخييل السردي عامة؛ لأنه ينطوي على مجموعة أحداث شكلت مرحلة من مراحل تاريخ البلاد طيلة ثلاثين عامًا، في ظل ممارسات قسرية مختلفة: تهميش، اعتقالات، نفي، حروب، حصار اقتصادي.

لؤي حمزة عباس
إن فترة إشكالية كهذه تتطلب وعيًا خاصًّا لضخ الأفكار التي تمثل جوهر الحقيقة؛ لذا يذهب الروائي لاختيار فضاء بديل هو الفضاء الأليغوري في تأويل الفضاء التسجيلي: الذاكرة، التاريخ، الزمن.
يجعل لؤي حمزة عباس من الجرذ شريكًا للإنسان، يحاوره ويشاركه ويسير معه. إنه سرد يعكس علاقة الجرذ بالإنسان منذ بداية الخلق إلى يومنا هذا، وجرذ هو الشخصية الفاعلة في العمل الروائي وهذه الفاعلية جاءت من وعي الكاتب بعلاقة الجرذ والإنسان عبر أدوار كثيرة ومتنوعة. أود أن أضع عبارة جوناثان بيرت لنتأملها معًا. يقول بيرت: «إن لدينا مكانًا لتصنيف الجرذ في المملكة الحيوانية، إلا أن أهميته تتجاوز تصنيفه بما يفوق حجمه بكثير. وكما وصفه بعض الكتاب، فإن الجرذ هو توأم الإنسان، وتاريخهما المشترك حالك السواد. والحقيقة أنه قد جرى تقديم الجرذ على أنه ذروة انحطاط التطور. فلو تطور الإنسان نحو الأسوأ، فإننا لن نصل إلى القرد، بل إلى الجرذ». إذن يرتبط الإنسان بالجرذ في أعلى مراحل الانحطاط؛ لذا جاء الجرذ ليشارك الإنسان انحطاطه، والعمل الروائي هذا صورة للانحطاط التاريخي للإنسان، في حقبة كان الإنسان فيها جرذًا حقيقيًّا، حتى إن الدكتاتور، عندما انحط النظام في حرب ٢٠٠٣م، عاد ليشارك الجرذان مساكنهم: الحفرة، السجن، الانحطاط.
ثقافة الجرذان
وفي البناء السردي لهذا العمل مثل الجرذ نمط خاصّ من أنماط الكتابة السردية، في التخييل الأليغوري للذاكرة. إن هيمنة التقرير مثلًا وعلاقته بمديرية الأمن العامة من اعتقال وتعذيب وعقاب، تحتاج إلى تخييل أليغوري ليمثلها، ليمثل سوء استعمال السلطة، فكانت الجذاذات التي يكتبها صديقنا البطل ويرمي بها إلى الجرذان لتقرأ وتنفذ هي إحالة إلى تلك الظاهرة التي شاعت وحطمت كثيرًا من العوائل العراقية. إنها ثقافة الجرذان؛ «يحدث نفسه بعد ذلك عن الجردان التي تترقب خرزات عيونها تلصف في الظلمة، يرمي في جحورها لفافات الأوراق. فتفتحها، تقرأ وتستجيب»، «يفتل القصاصة مثل قصبة العصير الرفيعة، ثم يرميها في الفتحة المعتمة، واثقًا من استجابة الجرذان ووقوع العقاب الذي يفكر فيه قبل أن يغلبه النوم، وفور أن بغمض عينيه يرى الجرذان تفتح اللفافة بأفواهها المدببة، وأيديها القصيرة الماهرة الخفيفة، تقرأ الاسم بعيون لاصفة، ثم تحرك رؤوسها…».
رمزية الذيل لها أبعادها الأيديولوجية التي يعيد لؤي حمزة عباس تشكيل المجتمع العراقي وتقسيمه ثقافيًّا وفقهًا، فهناك تلك الجماعات التي تملك ذيولًا سياسية أو دينية. إنها ثقافة الاتباع عبر تاريخ المجتمع العراقي، التي يشخصها العمل الروائي أليغوريًّا. يستمر تخييل الفضاء التسجيلي بطريقة أليغورية على امتداد الرواية وهو ما يمنح لغتها علوًّا شعريًّا؛ إذ يتضح في العمل الروائي تقنية القص داخل القص وإن مزية هذا الاشتغال في «حقائق الحياة الصغيرة» أنه جاء أليغوريًّا خالصًا لكنه لا يخلو من الأفكار ولا سيما الموقف من السرديات الكبرى؛ إذ يرتبط هذا المصطلح بالقص الداخلي لكن هذا القص داخل القصة ليس عابرًا وبريئًا فهو يوظف لاشتغالات غالبًا ما تكون نقدية، اشتغالات فيها موقف ما. إنه أشبه باستراحة الكاتب، لكنها استراحة عملية أي فيها منجز تأملي.
يتعب الكاتب من حكايته وأحداثها، يأخذ نفسًا عميقًا، ثم يكتب قصة داخل القص. هكذا هي حكي داخل العمل السردي ووجوده ليس عبثيًّا، بل وجد ليقول من خلال الراوي شيئًا يبرز هويته، لكن «حقائق الحياة الصغيرة»، في مجمل المتن الروائي، في كل ميتاسرد، هي بالضرورة قص أليغوري خالص. «وكان إبليس يركض مناديًا السباع، مبشرًا إياها بأن طيرين قد وقعا من السماء، لم ير الراؤون أعظم منهما، تعالوا فكلوهما، يصيح بصوت يثير الأرض ويشقق سكينتها، فتتعاوى لصوته السباع. لم يكن قد مر وقت طويل على هبوط آدم وحواء، كانا كما قال إبليس مثل فرخي طائر مرتعشين، وكانت السباع تتعاوى وإبليس يتقافز…».
إن هذا النوع من السرد الذي يحكي عن قصة الخلق، على لسان الجدة هو خوض في تابوهات الدين، ومحاولة جعل الأساطير المثالية: الضوء والنار والمعجزة وكل المثل التي حظي بها الأنبياء، تلك السرديات الكبرى للأديان، جعلها سرديات أليغورية قابلة للتأويل. إنها محاولة لإعادة النظر في المقدس نصًّا؛ لأن تأويلاته المثالية خلقت أجيالًا بشرية من القطيع: «ماذا لو كان الأمر معكوسًا، نبية الأرض تقطع الطريق على نبي الله وجنوده». إذن فهذه الرؤية فيما لو ناقشنا أبعادها الأليغورية نصل أخيرًا إلى هوية الكاتب، هوية تنتمي إلى الأفق المطلق، الأفق الذي يسأل: إذا كان العالم بهذه الروح المثالية وكانت الأديان بهذه القيم، إذن فما الذي حصل ويحصل؟! إنها هوية المثقف الذي يجب أن يتساءل وألا ينتمي أبدًا.