بواسطة جمال شحيد - ناقد سوري | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
كان الفلاسفة في الماضي يتكلمون عن اللوغوس والكينونة والأيس والليس والجوهر والظواهرية والكائن الأسمى… ولكن الفلسفة في القرن العشرين نزلت إلى أرض البشر وزنقاتهم وزواريبهم، وراحت تتدخّل في حياتهم اليومية، إلى جانب اهتمامها بالأنطولوجيا والماورائيات والتاريخانية والتجريد والإبستمولوجيا… وهذا ما فعله جاك دريدا. فبين الكتب السبعة والسبعين التي كتبها، نجد كثيرًا من العناوين التي تتعلّق بحيثيّات الحياة المعاصرة. ومنها تمثيلًا لا حصرًا: «الحقيقة في فن التصوير» (1978م)، «السير الشخصية» (1984م)، «نار الرماد» [عن النساء] (1999م)، «دراسة عن جيمس جويس» (1987م)، «ما الشعر؟» (1997م)، «سياسات الصداقة» (1995م)، «أصداء التلفزيون» (1996م)، «مقاومات. في التحليل النفسي» (1996م)، «في الضيافة» (1997م)، «مذكّرات أعمى» (1990م)، «في الانتحار» (1999م)، «نهاية العالم» (2003م)، «زعران» (2003م)، «مفهوم 11 سبتمبر» (2004م)، «فن العيش أخيرًا» (2005م)، «الحيوان الذي هو أنا في المحصّلة» (2006م).
واهتمّ دريدا خصوصًا بالكتّاب والفنانين الرجيميين، مثل: جان جينيه وفان غوغ وأنطونان أرتو. وكتب عن هذا الأخير كتابين هما: «دراسة مكرّسة لرسومات ولوحات أنطونان أرتو» (غاليمار، 1986م) و«أرتو الموما: حروف النداء» (غاليليه، 2002م)، ومقالين طويلين: «الكلام المهموس» (مجلة تيل كيل، العدد 20، 1065) [وفيه أطلق على أرتو لقب «الرجل الصاعقة»] و«مسرح القسوة وإغلاق العرض» (مجلة كريتيك، العدد 230، 1966م) [والمقال هو في الأصل محاضرة ألقاها دريدا في مدينة بارما الإيطالية، في مهرجان دولي حول المسرح الجامعي].
مسرحة الحياة
ويذكر دريدا أن مدينة الجزائر قد أصبحت بُعَيْدَ الحربِ العالمية الثانية العاصمةَ الثقافيةَ الفرنكوفونية بعد باريس، وأنه في سني مراهقته راح يتولّع بكتابات أرتو الذي كما قال: «لم يقبل بأن يملى عليه شيء، وإن المسرح والتمثيل كانا يجذبانه» (بينوا بيترز: دريدا، فلاماريون، 2910، ص 42). ويشير أيضًا في رسالة إلى أستاذه ميشيل فوكو قال له فيها: «يجب عليّ أن أعيد قراءة أعمال أرتو وأن أتمعّن فيها» (ص 166). وبعد أن نشرت دار غاليمار الأعمال الخمسة الأولى من مؤلفات أرتو عام 1965م، كتب مقالته الأولى عن أرتو ونشرها له فيليب سوليرز في مجلة «تيل كيل» التي كانت منبر الحداثيين والبنيويين. وأشار فيها إلى أن أرتو أراد أن «يقوّض تاريخ الماورائيات الثنوية: الروح والجسد، القول والوجود، النص والجسد. أراد أرتو أن يمنع كلامه المهموس من الابتعاد عن جسده» (ص 197). فأعجبت بالمقالة المشرفة في دار غاليمار على نشر الأعمال الكاملة لأرتو، باولا تيفينيان، وكتبت له رسالة قالت له فيها: إن أعمال أنطونان أرتو هي من أهمّ الأعمال التي عرفها عصرنا؛ وصرحت له بأنها حصلت على وثائق ونصوص كثيرة لأرتو بُعَيْدَ وفاتِه. وتعرّف دريدا في صالون هذه السيدة على فرنسيس بونج وميشيل ليريس وعلى الموسيقي بيير بوليز، وخصوصًا جان جينيه.

جاك دريدا
وفي كتاب «الكتابة والاختلاف» (1967م) أدرج دريدا نص المحاضرة التي ألقاها في بارما (إبريل 1966م)، وحلّل فيه مسرح القسوة، بناء على كتاب أرتو الشهير «مسرح القسوة»، 1948م). ورأى دريدا أن المسرح الغربي هو لوغوس عُبِّر عنه منذ البدء: «في البدء كان الكلمة»، يبدأ إنجيل يوحنا. وانطلاقًا من هذه «الكلمة» يتبدّى عجزنا وهلعنا مما يهدّد المسرح الغربي؛ ويساهم في هذا اللوغوس كل من الممثلين والجمهور في آنٍ؛ ذلك أن المشهدية المسرحية الحقيقية لا تعني الفرجة والفصل بين الركح والصالة، بل هو تواشج بينهما يسري على الزمان والمكان معًا. ورأى دريدا أن أرتو قد حرّرهما من التاريخ والجغرافيا التقليديين فحوّلهما إلى حيّزين مفتوحين على كثير من الاحتمالات والتفاعلات. وقال: إن أرتو كان يطمح إلى مسرحة الحياة الأوربية؛ لإنقاذها من صدئها ورتابتها. وأراد أن يخلّص المسرح الغربي من طغيان المؤلّف والنص، بتركيزه على الصوت. فالنص ليس كل شيء؛ إذ يجب أن يتفاعل مع النص المنطوق والمتموّج والمنبور.
ركّز أرتو على النص الصوتي onomatopée، فنادى بالمسرح التصويتي المتفاعل مع العناصر البصرية والتصويرية والتشكيلية. وهذا ما يُدانِي فضاء المسرح من الأحلام، كما قال فرويد. ويستشهد دريدا بعبارة لفرويد تقول: «تتحوّل الأفكار عندئذ إلى صور بصرية بخاصة (ص 353 من نص دريدا)، فتصبح الكلمات لوحات هيروغليفية.» يقول أرتو في معرض حديثه عن لغة الركح: «هذا لا يعني أننا نلغي الكلام المنطوق، بل إننا نعطي الكلمات المكان الذي تشغله في الحلم» (ص 314). فمسرح القسوة هو بالتالي مسرح الحلم بأشتاته وانتظاماته في آنٍ؛ غير أن هذا لا يعني أنه مسرح اللاوعي (الفرويدي): «لا قسوة دون وعي»، كما قال (ص 316). ورأى دريدا صلة قربى بين كتابي أرتو «المسرح وقرينه» و«مسرح القسوة». وعاد إلى رسالة كتبها أرتو إلى جان بولان في 15 يناير 1936م شرح له فيها ما قصده بكلمة «قرينه»، قال: «المسرح يضاعف الحياة، والحياة تضاعف المسرح الحقيقي… فعلى خشبة المسرح يتواصل الفكر مع الحركة والفعل» (ص 363). وفيها تكمن الخيمياء المسرحية. وأنهى دريدا بحثه هذا بتصريح صادم لأرتو يعود إلى عام 1946م: «إنني عدوّ المسرح، وكنتُ دائمًا عدوّه. وبقدر ما أحب المسرح، بقدر ما أعاديه» (ص 366).
أرتو الفنان
أما الكتابان الآخران عن أرتو فمكرّسان لرسومات ولوحات أرتو. لقد ألّف دريدا عام 1986م دراسة فنّية عنوانها: «دراسة مكرّسة لرسومات ولوحات أنطونان أرتو» (غاليمار)، ضمّت دراسة أخرى لبولا تيفينيان الآنفة الذكر. وعام 1996م، ألقى محاضرة بالإنجليزية في «متحف الفن الحديث» النيويوركي عن أرتو كفنّان تشكيلي، تحوّلت لاحقًا إلى كتاب بالفرنسية عنوانه: «أرتو الموما: حروف النداء»؛ وكلمة موما مقتبسة من الاسم الاختزالي للمتحف الذي نظّم المعرض.
المعروف عن أرتو أنه كان يرسم منذ شبابه، ولكنه بعد انتمائه إلى الحركة السوريالية شُغل بالكتابة المسرحيّة والتمثيل المسرحي والسينمائي، فانقطع جزئيًّا عن التصوير. ولكنه في السنوات الثلاث التي سبقت وفاته (1948م)، عاد بكثافة إليه، فصارت ريشة الرسّام هي المعبّر الأكبر عن عبقريته. صدر كتاب دريدا وتيفينيان عن دار غاليمار بحلّة ألبومية فاخرة، في حين أن الكتاب الثاني صدر عن دار غاليليه التي أصدرت معظم كتبه.
من المعروف ان أرتو كان يتمتّع بصوت ساحر وإلقاء آسر، بحيث يفضّل الجمهور أن يصغي إليه على أن يقرأ نصوصه. وكان دريدا أيضا ممثلًا سينمائيًّا أُنتجت عنه بعض الأفلام التي ساهم فيها. ومنها فِلْم «رقصة الأشباح» للمخرج كين ماكمولين (1983م)، وفِلْم «D’ailleurs Derrida» للمخرجة المصرية الفرنسية صفاء فتحي (2000م)، وفِلْم «Derrida» لـ آمي زييرينغ كوفمان وكيربي ديك (2002م). وسجّل بصوته بعض نصوصه، ومنها كتاب «النار والرماد» عن الموت والفناء وكتاب «اعتراف إحاطي» عن وفاة أمه.
لقد حلّل دريدا بعض رسومات أرتو المأساوية، وربط بين الكتابة والفن التشكيلي مركّزًا على اللوحات التي ماهى فيها أرتو بينه وبين فان غوخ. وتوقّف عند الرسومات الكثيرة التي رسم فيها أرتو وجهه مقابل وجه فان غوخ، مؤكّدًا الأُخُوّةَ التي جمعت بين هذين المنبوذَين. وأصدرت مجلة «الأزمنة الحديثة» التي أسّسها جان بول سارتر عددًا خاصًّا عن أرتو عنوانه «اللغز» (2016م، بجزأين) ساهم فيها دريدا ودولوز وفوكو وبلانشو، وأدرجت في العدد مجموعة من رسومات أرتو. وكذلك فعلت مجلة Europe عام 2002م، وساهم دريدا في العدد.
أرتو بلسان دريدا
أما كتاب «أرتو موما» الآنف الذكر فهو كناية عن محاضرة ألقاها دريدا بمناسبة افتتاح معرض Antonin Artaud Works on Paper، واستمع الجمهور في نهايتها إلى تسجيل لنص كان أرتو قد قدّمه عام 1947م، بعنوان: «كي نتخلّص من الحكم على الله»، وهو ما أثار صخبًا كبيرًا في أوساط الحضور. وحلّل دريدا في كتابه 55 لوحة ملوّنة لأرتو. ويقع الكتاب في 113 صفحة. ماذا سيقول دريدا عن هذه اللوحات التي تنظر إليه بعيونها المطفأة؟ بعد أن أنعم النظر فيها وجد أن شخوصها المؤبلَسين يحدّقون فيه بحقد؛ لأنهم لا يريدون أن يكونوا روبوتات في هذه الحضارة الغربية الآليّة. ويشير دريدا إلى أن هذه اللوحات رُسمت عام 1939م عندما كان أرتو يعالَج في مصحّة فيل إفرار. وترسم اللوحات بخاصة وجه ذاك العليل العائد من القبر الذي أُطلِقَ عليه بعض السورياليين لقب الـ momo، التي تعني في الفرنسية الشعبية «المختل»، بعد أن انضمّ أرتو إلى تجمّعهم ذات يوم. أراد دريدا، على لسان أرتو، أن يقول للناس: لا تتفرّجوا على عالمي كمتلصّصين يدينونني أنا وشخوصي. استبدلوا بعيونكم كمتفرّجين سلطويين عيونًا أكثر دماثة وإنسانية. لم أشأ في لوحاتي البدائية إلا أن أفجّر فيكم نوازع جديدة تفتح لكم آفاقًا سحريّة لم تخطر ببالكم، أن أزوّدكم بلغة مدوّية كالصاعقة توقظكم من خدَركم وسباتكم. هذا العالم زائف ومنافق. ابحثوا عن عالم آخر أكثر ودًّا وصدقًا.
أراد أرتو، ودريدا من بعده، أن يصدم جمهوره النيويوركي الزئبقي برسمه على قطع ورقية مشقوقة أُخذت من دفاتر مدرسية بالية، يصعب أن تسمّى بلوحات فنية محترمة، رسوماتٍ تحمل سمات العنف والقسوة والاحتجاج. أراد أرتو أن يدفن الحضارة الغربية ويزجّها في حفرة القبر ويهيل عليها التراب، متطلّعًا إلى حضارة أخرى بديلة تعيد إلى الإنسان آدميته المفقودة التي دمّرتها الحروب الطاحنة.
وأراد دريدا في هذه المحاضرة أن يفكّك الحضارة الغربية بدوره، آملًا التوصّل إلى لغة راعدة وصاعقة، استنبطها من أجواء المصحّات الأرتوية المأساوية ومن كوارث الحرب العالمية الثانية.
بواسطة خاومي نافارو - كاتب إسباني - ترجمة: نجيب مبارك - مترجم مغربي | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
في 26 أكتوبر 1931م، كتب الفيزيائي والرياضي إدموند ت. ويتاكر، الأستاذ في جامعة إدنبرة، لابنه انطباعاته عن كتاب برتراند راسل الأخير «النظرة العلمية». نقتبس منها ما يلي: «يبدو الآن أنه بدأ يخشى من «المنظمة العلمية للإنسانية» (نوع من الدولة البلشفية بقيادة جي جي [طومسون] وروثرفورد بدلًا من ستالين)؛ وفي لحظة ما، شرع يمدح اليسوعيين!». وبعد مرور عام، كتب إليه مرة أخرى، وأخبره أن راسل، في كتابه «التعليم والنظام الاجتماعي»، الذي نُشر قبل أيام قليلة، «يرمي بعيدًا كل ما كتبه سابقًا، وأنا مندهش من أن الشرطة لم تعتقله!»؛ هكذا علّق بسخرية عن آراء راسل المتغيّرة باستمرار.
العلم ونهاية العالم
إن الكتاب الأخير لخافيير بيريز- يارا ولينو كامبروبي، بعنوان: «العلم ونهاية العالم عند برتراند راسل: سوسيولوجيا ثقافية» (ليكسينغتون بوكس، 2022م)، هو تمرين في سعة الاطلاع والإبداع لمحاولة فهم شخصية عامة، هي شخصية المثقف، القادر على الدفاع عن الشيء ونقيضه باليقين نفسه، مثل الشخص الذي يعتقد أنه نبيّ مدعو للإشارة إلى مخاطر ووعود الزمن الذي يعيش فيه… مع يقينه بأن صوته مسموع. حتى في الحرب العظمى، أكد راسل أن العلم هو «الشكل المميّز للمعرفة القادر على تخليص البشرية من عالم الظلام والقمع والشر الذي يمثّله الدين في الماضي (وما زال حاضرًا)». وبعد حملته من أجل السِّلمية، وصف راسل العلمَ بأنه إيكاروس مقدّر له أن يدمر نفسه ويدمر البشرية. ولتحقيق هذه الغاية، كما أشار ويتاكر، لم يتردّد في استخدام لغة دينية أخلاقية مروعة. علاوة على ذلك، وهذا من شأنه أن يكون أحد التناقضات الأخرى، بدا أن راسل البارع والدقيق في «مبادئ الرياضيات» يقع في المسار الفضفاض لخطاباته الاجتماعية والسياسية؛ إذ في مواجهة العلم بوصفه وعدًا بالخلاص، يبدو أنه ليس هناك مجال سوى لرؤية نهاية العالم.

برتراند راسل
يجادل هذا الكتاب بأن هناك خيطًا مشتركًا مدهشًا على ما يبدو في جميع المواقف التي تبنّاها راسل: استخدامه المانوي لفئات اليوتوبيا ونهاية العالم؛ الجنّة والخلاص. سواء في عمله على المنطق في سنواته الأولى وإيمانه بالعلم، أو في سِلميته اللاحقة وتنبّهه لنهاية العالم العلمية والتقنية المحتملة، لم يفكر راسل في الاحتمالات المتوسطة. لا يمكن تمثُّل المستقبل إلّا باللون الأسود أو الأبيض. والشيء المثير للاهتمام هو أن بيريز يارا وكامبروبي يضعان هذه المانوية في تقليد يمكن إرجاعه إلى العديد من الفلسفات اليونانية وفلسفات العصور الوسطى، مع الفصل بين الإلهي والإنساني، بين السماوي والطارئ، وكذلك إلى العديد من فلسفات القرن العشرين، من خيبة أمل ماكس فيبر إلى ماركسية مدرسة فرانكفورت، مرورًا بتحليلات هايدغر للعلوم التقنية.
بطريقة ما، أدّى طرد المقدس من عالم العلوم والتكنولوجيا إلى ترسيخ الثنائية الكلاسيكية «بين الطاهر والملوّث، بين الخلاصي والقيامي، بين الأبطال المسيحانيين وأعدائهم الشيطانيين». وباستخدام هذه الثنائية كسلاح بلاغى، كان راسل يضع نفسه ببساطة في سردية ذات تقليد ديني وفلسفي طويل (الذي، بالمناسبة، لا يزال متداولًا كما كان دائمًا). كذلك، بتخلّيه عن برج الأكاديمي العاجي، حيث كانت التفاصيل الدقيقة ضرورية، ليصبح «مثقفًا مأساويًّا»، اختار راسل بالضرورة أبسط الرسائل وأكثرها ثنائية؛ لأنّ هذا هو الدور النبوي للمثقف العام: تقديم الأمل في مواجهة نهاية العالم الوشيكة.
رؤية فدائية للعلم
يجول الفصل الأول في فكر وعمل راسل في مرحلته الأولى، الذي بدأ بإيمان أفلاطوني بالمنطق لكونه أساسًا للرياضيات، وهذا يمثّل ضمانًا لصلابة العلم الحديث في مواجهة الجهل والتصوف والدين، وانتهى مع أهوال الحرب العظمى باكتشاف مدى ضعف التكنولوجيا والعلم. وعلى الرغم من شعوره بالفشل، فقد أصبح راسل في هذا المشروع التأسيسي أحد آباء الفلسفة التحليلية، وعاملًا في إعادة تشكيل الرياضيات التي ازدهرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لقد تجاوز كتابه «مبادئ الرياضيات»، الذي كتبه مع ألفريد إن وايتهيد ونشر بين عامي 1910 و1913م، والذي أصبح من كلاسيكيات الفلسفة. فضلًا عن ذلك، كانت لديه، بوصفه رسولا، رؤية فدائية للعلم، لكن رفضه لتلك النزعة التأسيسية لم يوصله إلى إنكار العلم، بل إلى أن يصبح (ملهمًا) لنهاية العالم التي يمكن أن يتسبب فيها. ولم يعد العلم مقدسًا، كما كان يعتقد في دفاعه عنه، بل أصبح نتاجًا بشريًّا، غير معصوم من الخطأ معرفيًّا وأخلاقيًّا. ولهذا السبب، بحسب تفسير بيريز يارا وكامبروبي، تخلّى عن عالم الأفكار «ليعود إلى الكهف»، ويصبح ناشطًا اجتماعيًّا وسياسيًّا: ليس ضدّ العلم ولصالح التصوف. الذي كان يكرهه بشدة، ولكن فقط للدفاع عن العلم من إمكانياته المدمّرة.
في صيغ سيرته الذاتية المعادَة، استخدم راسل كثيرًا الخطابة القطبية للتأكيد على الفرق بين أفكاره حول العلم قبل الحرب العظمى وبعدها. وأكثر من ذلك: لقد اعتاد أيضًا استدعاء تلك الحرب بوصفها لحظة تحوّله، وهو تحوّل وصفه صراحةً بمفتاح ديني أو شبه ديني، حيث تمكّن من خلاله، في حالته الخاصة، من تقديم نفسه كملهم عام ذي سلطة أكبر. وفي الفصل الثاني، يقدم الكتاب تحليلًا هادئًا لهذا التحوّل المفترض، موضحًا كيف تطورت قراءته للعلاقة بين الحرب والتكنولوجيا بعد أن كانت متأخّرة عن قراءة المثقفين الآخرين في عصره.
ليس هناك شيء غريب في هذا الأمر: إن مسلسل التراجع عن لحظات في السيرة الذاتية يميل إلى أن يكون إعادة بناء في ضوء الأحداث اللاحقة. ولكن الأهم من ذلك هو أن عمليات إعادة البناء هذه تميل إلى تجاهل حقيقة أنه في حالة الشخصيات العامّة والمؤثّرة مثل راسل، لا يتعلّق الأمر باستكشاف التزامهم بمواقف أخلاقية معيّنة، وإنما برؤية كيف أصبح هؤلاء مساهمين في التدوين الأخلاقي لعصرهم. بمعنى آخر، كما يشير بيريز يارا وكامبروبي، كان راسل فاعلًا في تشكيل الأحكام الأخلاقية للعلاقات بين العلم والحرب، وليس مجرد شخص انحاز إلى أحد الجانبين في مواقف معيّنة بشكل طبيعي تقريبًا. وهذا، بدلًا من التحوّل الفوري، حدث بطريقة عملية، ولم يكتمل إلّا في عام 1924م بكتابته عن ديدالوس وإيكاروس.
نزعته السلمية
لم تكن نزعته السِّلمية الأولية خلال الحرب مرتبطة بانتقاد المجمع التكنولوجي العلمي. لقد جاءت فقط بعد ذلك، عندما أصبح مشبعًا بالأفكار الاشتراكية لإخوانه في العقيدة السلمية المخالفة لليبرالية التي كان يدعمها حتى ذلك الحين، عندما بدأت معارضته لعلم الحرب في التبلور. وكذلك كان ميله للنشاط السياسي والتأثير العام: في الواقع، أدّى طرده من كلية ترينيتي وسجنه لمدة ستة أشهر بسبب كفاحه ضد التجنيد الإجباري وضد الحرب إلى دخوله المجال العام. لم تكن هذه التجارب مؤلمة (في السجن تلقى معاملة رائعة بفضل شفاعة رئيس الوزراء السابق آرثر بلفور)، بل كانت مناسبة للتحقق من أن سلطته كشخصية عامة أكبر مما كانت عليه داخل أسوار الأكاديمية. وبهذه الطريقة، تشكَّلت شخصية المثقف التراجيدي، ليس كخطّة معدّة مسبقًا، ولكن كنتيجة لأحداث السيرة الذاتية.
لكن نزعته السلمية شيء، وتشاؤمه بشأن العلم شيء آخر. وكما سبق القول، لم ينشأ هذا أثناء الحرب العظمى بل بعد وقوعها: بعد زيارته للاتحاد السوفييتي، التي عدّها وعدًا لم يتحقق باشتراكية يفترض أنها مدفوعة بالعلم والتكنولوجيا، وبعد إقامته لأشهر عدة في الصين، حيث استشعر هناك الماضي الهادئ والحنين مع المزيد من الإيقاعات الإنسانية. علاوة على ذلك، بعد اتصاله بالاشتراكية، صار انتقاده للعلم أيضًا مدفوعًا برفضه لإساءات الرأسمالية، التي أدت إلى نشوء القتال بين الأمم والإمبراطوريات، وبالتالي كانت السبب النهائي للحرب، كما في قراءة زملائه السلميين من اليسار، بما في ذلك دورا بلاك، التي ستصبح قريبًا زوجته الثانية. هذا هو السياق الذي يعمّم فيه بيريز يارا وكامبروبي تجربة راسل ويضعانها كمثال على العمليات الثقافية للاستسلام للماضي، تلك التي تصوغ الروايات الأسطورية أو تخترع اللحظات المؤلمة أو تشكل الشخصيات البطولية؛ وهي كلها آليات تصدر من خلالها الأحكام الأخلاقية على الماضي.
«يجب على أميركا أن تعلن الحرب على روسيا في العامين المقبلين وأن تعزّز إمبراطوريتها بفضل القنبلة الذرية». هذه الكلمات التي قالها راسل في عام 1945م، التي يبدأ بها الفصل الرابع ولا يمكن أن تكون أكثر قوة، وبخاصة عندما تأتي من شخص بنى شخصيته العامة حول سلميته ونظرته السلبية لاستخدامات العلم والتكنولوجيا. والأكثر من ذلك، أنها تأتي من شخص، مثل العديد من البريطانيين الآخرين في الثلاثينيات، عارض الحرب المحتملة مع ألمانيا هتلر، التي كانوا يعدونها مزحة سيئة ليس لها مستقبل وليست شرًّا مطلقًا كما وُصف لاحقًا.
في الواقع، كتب راسل في عام 1936م أنه في حالة الغزو الألماني، فمن الأفضل الاستسلام بدلًا من شن الحرب؛ لأن التكلفة الإجمالية من حيث المعاناة ستكون أقل. ولكن بحلول عام 1938م، وبخاصة في عام 1940م، تغيّر موقفه جذريًّا: فلم يعد هتلر وموسوليني وستالين مهرّجين، بل أصبحوا تجسيدًا للشرّ المطلق، ودكتاتورياتهم هي العدو الأكبر للديمقراطيات الليبرالية. فقط من خلال الاستسلام الأخلاقي لهذه الشخصيات، تمكّن راسل من الدفاع عن الحرب… وتبرير هجرته إلى الولايات المتحدة في خريف عام 1938م. وفي السنوات الخمس التي قضاها في ذلك البلد، أصبح راسل مرة أخرى مثقفًا مأساويًّا، ولكن ليس بسبب نزعته السلمية، التي خفّفت الآن وكادت أن تكون غائبة، ولكن بسبب نصوصه حول الحياة الجنسية، التي انتقدتها قطاعات كبيرة من المجتمع الأميركي الأكثر محافظة من المجتمع البريطاني. وتفاصيل «قضية راسل» مشروحة بالكامل في الكتاب؛ ومرة أخرى، ما يريد المؤلفان تسليط الضوء عليه هو استخدام الفئات المانوية في مسلسل إعادة بناء هذه الأحداث التي قد يخوضها راسل فيما بعد، متجاهلًا الجوانب الأخرى (مثل: الصدامات الشخصية، أو الاحتياجات الاقتصادية) التي تجعل الواقع أكثر تعقيدًا.
تغير سرديته
إن تناقض راسل المتعلّق بموقفه من الأسلحة النووية وحكمه السلبي للغاية على المجتمع الياباني، المليء بالكليشيهات العنصرية؛ دفعه إلى استخدام مصطلحات شائعة في اللحظات الأخيرة من الحرب، مثل «إبادة» الشعب الياباني. ومن هنا، فإن راسل، الذي عاد إلى إنجلترا، إلى جامعته الأم، «كلية ترينيتي» في كمبريدج، في أوائل عام 1945م، كان جزءًا من الأجواء المبهجة التي أطلقتها قنبلتا هيروشيما وناغازاكي، حتى قبل أن يسمع باستسلام الإمبراطور هيروهيتو. وكما فعل في العقدين الماضيين، رأى راسل النجاح العلمي لمشروع مانهاتن بطريقة مروّعة: مرة أخرى، يمكن أن يستسلم إيكاروس لسلطته.
ومن ثم فقد اقترح، مبالغة منه حول قوة الأسلحة الذرية في ذلك الوقت (كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تمتلك قدرة نووية ولم يكن لديها سوى عدد قليل من القنابل)، أنه من أجل الحفاظ على السلام، يجب على أميركا الشمالية أن تفكر في استخدام القنابل ضد روسيا؛ لمنع وقوع كارثة نووية وانتشار هذا النوع من الأسلحة. وأكد بهذه الطريقة أن «القيادة الأميركية ستكون قادرة على إنشاء عصبة الأمم الجديدة وضمان السلام في العالم»، مضيفًا أنه من المؤسف أن «احترامها للعدالة الدولية سيجعل من المستحيل على واشنطن أن تتبنّى هذه السياسة». ومن المفارقة أنه لتجنّب إبادة العالم، ستكون مثل هذه الإبادة ملائمة. وفي هذه المرحلة، ليس مدهشًا أنّ راسل نسي لحظة النشوة النووية هذه في قصص سيرته الذاتية.
تغيّرت سرديته بشكل جذريّ عندما أعلن الاتحاد السوفييتي حصوله على قنبلته الخاصة في عام 1948م تقريبًا، ثم مع ظهور القنبلة الهيدروجينية في عام 1952م، ولكن أيضًا عندما أدرك أن الشعب البريطاني رفض وصفته للإبادة باسم السلام. ثم أصبح ناشطًا ضد الانتشار النووي وبدأ في تعزيز معاداة أميركا بالقدر نفسه من العداء الذي أعلنه تجاه الاتحاد السوفييتي، منذ أن رأى الولايات المتحدة تحت حكم ترومان ومكارثي في طريقها نحو الشمولية. وكانت الحرب الكورية (1950-1953م) هي الدافع وراء هذا التغيير الجديد، وهو ما دفعه إلى الترويج لما يعرف ببيان راسل-أينشتاين لعام 1955م ضد الانتشار النووي وبداية مؤتمرات باجواش. كل هذا، إلى جانب حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1950م «تقديرًا لكتاباته المتنوعة والمهمة التي يدافع فيها عن المُثُل الإنسانية وحرية الفكر»، أوصله نهائيًّا إلى الشهرة العالمية، وأقنعه بالدور الذي منحه لنفسه كممثّل لمستقبل البشرية».
كانت فيتنام بمنزلة آخر دور يعيد راسل تمثيله، هو الذي أصبح الآن في الثمانينيات من عمره، مع دعمه لإنشاء ما يسمى المحكمة الدولية لجرائم الحرب لإدانة الولايات المتحدة على أفعالها في فيتنام. نقول «إعادة تمثيل»؛ لأن راسل، في هذه المناسبة، غيّر موقفه مرة أخرى، وكان نفوره السابق من كل الدكتاتوريات يركّز على انتقاد واحد ومطلق لإمبريالية أميركا الشمالية، والتعاطف مع الدكتاتوريات الشيوعية مثل فيتنام نفسها، أو تلك الموجودة في كوبا (موّلتْ مؤسسة راسل للسلام أنشطة تشي جيفارا). هكذا عادت الروايات المانوية والمروعة إلى المشهد، وهذه المرة بوضع الولايات المتحدة على قدم المساواة مع ألمانيا النازية، في هذه «المسرحية» واسعة النطاق التي لعب فيها راسل وسارتر والآخرون دور القضاة العالميين أمام جمهور مصدوم من الصور القادمة من فيتنام.
ربما يكون أحد الأشياء الأكثر إثارة للاهتمام في الكتاب هو قلّة تركيز بيريز يارا وكامبروبي على آراء راسل المتغيّرة والمستمرة، وإنما على إمكانية خلق سرديات من الأحداث التي تُقدَّم على أنها فريدة من نوعها، كأنها أحداث قيامية بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة؛ أي ليس بوصفها «نهاية العالم» بل كلحظات تغيير جذري في التطور التاريخي. ولهذا أصبحت الأسلحة النووية رمزًا للحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، متجاهلة العناصر الأخرى كافة (القصف التقليدي الهائل، والحرب النفسية، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، فضلًا عن استخدام الاتصالات لأغراض الدعاية على نطاق واسع). وكان العديد من المثقفين العامين، مثل راسل، قادرين على صياغة سردية سياسية واجتماعية كاملة حول صور الفطر فوق هيروشيما وناغازاكي، فضلًا عن الأدلة اللاحقة، كأيقونات أو رموز لبياناتهم الرسمية. إن القصص المانوية تحتاج إلى رموز واضحة: لكنها لا تُمنَح مسبقًا، ولا تمتلك جوهرًا مروعًا بشكل طبيعي في انتظار استخدامه، بل على العكس تمامًا: الإطار الثقافي والاجتماعي هو الذي يبني هذه الرموز والأحكام الأخلاقية حول الحاضر والماضي.
المصدر: https://www.revistadelibros.com/utopia-y-apocalipsis-el-siglo-xx-de-la-mano-de-bertrand-russell/
بواسطة عبادة تقلا - كاتب سوري | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
يلاحظ المهتم بالأدب الروسي أن معظم الكتّاب الروس الكبار خاضوا في ميدان الكتابة للأطفال، بدءًا من شيخ كتّاب روسيا ليف تولستوي، الذي أغنى مكتبة الأطفال وقدم كتبًا لمختلف الأعمار، هي عبارة عن حكايات شعبية وقصص علمت الحب، واللطف، والشجاعة والعدالة. نذكر منها «الدببة الثلاثة»، و«كيف قسّم القروي الإوزة؟»، و«الرجل والحصان»، و«الذئب والعجوز»، وغيرها من الأعمال المميزة. كما أن تجربة القاص والمسرحي الشهير أنطون تشيخوف تضمنت أعمالًا للأطفال، مثل قصته الشهيرة «كاشتانكا» التي قرأناها في يفاعتنا. ولا ننسى الروائي الكبير مكسيم غوركي، الذي ترك بصمته أيضًا في هذا المجال.
الحكاية الشعبية أو «سكازكا»، كما يسميها الروس، تسجّل حضورها الخاص في الذاكرة الروسية، فترافق الأطفال منذ سنواتهم الأولى في البيت أو رياض الأطفال، وتنتقل معهم إلى المدرسة، فيصبحون ممثلين، يؤدون شخصياتها، ويحلقون معها في عوالم ساحرة. وإن قدّر لبعض هؤلاء الأطفال متابعة الدراسة في إحدى الأكاديميات الفنية الروسية، فإن تلك الحكايات ستكون بانتظار رؤيتهم الخاصة، لتجسيدها على خشبة المسرح.
وإذا كان الأدب الروسي يبدأ مع هذه الحكايات، فلتكن محطتنا الأولى في التعرف إلى بعض من صفحات هذا الأدب، مع الشخص الذي جمع هذه الحكايات، وأمّن للأجيال فرصة قراءتها بكل يسر وسهولة.
آليكساندر آفاناسييف: جامع الفلكلور
لم تمنح الحياة جامع الفلكلور والباحث الروسي، آليكساندر آفاناسييف، (1826-1871م) أكثر من خمسة وأربعين عامًا، قضاها في الكتابة والعمل الوظيفي. جمع آفاناسييف الحكايات الشعبية الروسية والأساطير المشتّتة، حتى أصبح بمنزلة الكاتب الثاني لها، وأصبح أي اقتراب من تلك الحكايات، بقصد ترجمتها ونشرها في الكتب، يخضع لموافقة ورثته وضمان حقوقهم، وهو الأمر الذي واجهته شخصيًّا عندما بدأت ترجمة بعض تلك الحكايات من الروسية إلى العربية.
ولد آفاناسييف في عائلة تلقى ربّها تعليمًا عاليًا، ونقل حب العلم إلى أولاده، فبعد دراسته في مدينة فارونج، انتقل آفاناسييف إلى موسكو، حيث أنهى دراسة الحقوق في جامعتها، ثم بدأ العمل في أفضل المجلات الأدبية هناك، ونشر أولى مقالاته الأدبية في عام 1847م. تابع الرجل حياته الوظيفية والأدبية، ولم يبدأ بجمع الحكايات الشعبية حتى السنوات الأخيرة من حياته القصيرة، (توفي آفاناسييف ودفن في موسكو في عام 1871م). قسّم آفاناسييف أعماله إلى قسمين: قسم للأطفال وآخر للبالغين. ونشر كتابه «حكايات الأطفال الروسية» في موسكو بطبعتين، الأولى في عام 1870م، والثانية في عام 1886م. أصبح آفاناسييف محبوبًا من جانب أجيال متعاقبة من الشعب الروسي، وحفظ له الجميع حسن صنيعه. أذكر في عام 2016م، بمناسبة مرور مئة وتسعين عامًا على ولادته، أقيم معرض كبير عرضت فيه متعلقاته الشخصية والمنزلية.
ما يميز الحكايات الشعبية الروسية التي جمعها آفاناسييف ملاءمتها لكل الأعمار، وقدرتها على شدّ قرائها المختلفين. فحكاية مثل «كاشا من الفأس» -والكاشا نوع من الحبوب الروسية- تمتع الصغار والكبار معًا، ويحقق بطلاها، العجوز البخيلة والجندي الذكي، حضورًا طيبًا عند كل قارئ لتلك الحكاية السهلة والممتعة، والمغلفة بطرافة محببة.
إيفان كريلوف: ساحر الحكايات الشعبية
ستقف طويلًا أمام تمثاله المتقن في قلب الحدائق الصيفية في «سانت بيتربورغ»، تتأمله جالسًا يروي إحدى حكاياته، محاطًا بتماثيل لحيوانات وطيور. وستعرف فيما بعد أنهم أبطال حكاياته الشهيرة، مثل: اليعسوب والنملة والذئب والخروف والقرد والنظارات والغراب والثعلب، وغيرها من الشخوص. إنه إيفان كريلوف، المولود في موسكو عام 1769م، ضمن عائلة فقيرة، وفي ظروف صعبة دفعته للعمل في سن مبكرة والتعرف جيدًا إلى مشقات الحياة.
لم يملك كريلوف فرصة الحصول على تعليم جيد، لكنه ورث عن والده حبًّا كبيرًا للقراءة، وكانت التركة التي خلّفها له والده بعد مماته صندوقًا كبيرًا من الكتب أقبل عليه بتعطش للمعرفة وتعويض ما فاته تحصيله. ولأن عناصر الطبيعة تتضافر مجتمعة، لمساعدة الإنسان على تحقيق ما يريد، إن هو آمن به حقًّا، كما يقول الكاتب البرازيلي باولو كويلهو، فإن إصرار كريلوف على تطوير نفسه، قوبل بمساعدة الحياة له، فدعاه جيرانه الأثرياء لحضور دروس اللغة الفرنسية، التي كانت تعطى لأبنائهم، وهو ما قاده لتعلّم الفرنسية، والتحدث بها بطلاقة.
بالإصرار ذاته علّم نفسه العزف على آلات موسيقية متعددة، ثم انتقل إلى مدينة سانت بيتربورغ، وزار المسرح المفتتح فيها، وعرف تمامًا ما الذي يريد عمله، فبدأ الكتابة والنشر في المجلات المختلفة. وفي عام 1798م أسس مع أحد أصدقائه مجلة حملت عنوان: «بريد الروح»، وواظب على عمله بهمة كبيرة ليتجلى إبداعه الحقيقي في عام 1809م، وتزداد شعبيته إلى درجة أن كثيرين قارنوها بشعبية أمير الشعر الروسي بوشكين، والكاتب الكبير نيكولاي غوغول.
ما يميز الحكايات الشعبية التي تركها كريلوف، أنها موجهة للجميع، بغض النظر عن ثقافتهم ومستواهم التعليمي. والجدير بالذكر أن ثمانين ألف نسخة من إنتاجات كريلوف بيعت في حياته، وقد عدّ الأمر ظاهرة غير مسبوقة في روسيا. أما فيما يتعلق بحياته الشخصية، فيذكر أن كريلوف لم يكن مباليًا بمظهره الشخصي، ولم يلفت نظر النساء، ربما لذلك لم يتزوج، وتوفي في عام 1844م.

دانييل خارمس: الإيقاع الخاص في شعر الأطفال
كثير من الحزن يغلّف تجربة وحياة الكاتب والشاعر الروسي دانييل يوفافيتش، الشهير بدانييل خارمس، الذي فارق الحياة في عام 1942م، قبل أن يتم السابعة والثلاثين من عمره. لا يقتصر ذلك الحزن على قصر السنوات التي عاشها الشاعر المميز، بل يمتد ليشمل كل ما عرفه فيها من خيبات وصراعات، كان للسياسة اليد الطولى فيها. منذ عام 1920م، بدأ دانييل كتابة قصصه وقصائده في مجلات الأطفال، ومع الوقت بدأ الكتابة تؤمّن له مصدر دخل ثابت تقريبًا. في المدة بين 1921-1922م، غيّر اسمه إلى دانييل خارمس، وهو الأمر الذي لم يستطع أحد حتى الآن تأكيد سببه ومصدره. بعض الروايات تقول: إن الشاعر اختار كلمة «خارمس»؛ لأنها تلفظ في الإنجليزية «هارم»، التي تعني الضرر. رأي آخر يرى أن «خارمس»، أخذت من الكلمة الفرنسية «charme» التي تعني السحر، وهو ما لا نراه بعيدًا من إبداعات كاتبنا. أما الرأي الثالث، فيقول: إن دانييل اختار هذا الاسم لأن شخصية المحقق شارلوك هولمز، كانت الأكثر قربًا إلى قلبه.
في نهاية عام 1927م، شكّل بعض الكتّاب الروس رابطة لأدب الأطفال، وانضم خارمس لها. وقد ترك كتبًا للأطفال تميزت جميعها بالجودة. وكما قال عنه كثيرون فهو كاتب لا يعرف أن يكتب بشكل سيئ. قصائد خارمس، التي حظينا بفرصة العمل عليها في حصص مادة الإلقاء المسرحي، تتميز بإيقاع في غاية الجاذبية، وبطفولية تأسر الصغار والكبار معًا.
أعمال مثل: «حكاية غريبة جدًّا»، و«المدرسة المدهشة»، و«في الأول وفي الثاني»، و«من البيت خرج شخص»، و«العجوز»، وغيرها من القصائد والقصص التي تصمد في وجه الزمن وتحافظ على عفويتها وعمقها وإيقاعها الساحر. وكما يبدو خارمس في إحدى صور طفولته صائد فراشات، فإنه في تجربته الغنية، صائد حكايات وقصائد بذخيرة الموهبة والإصرار، والعلاقة الخاصة مع الكلمة. تلك العلاقة التي ظهرت في سن مبكرة، لكن لم يتح له ممارسة عشقه بالشكل الذي أراده إلا بعد إنهاء دراسته في المعهد التقني في لينينغراد.
في سن المدرسة ألف قصة ممتعة وقرأها على مسامع أخته ناتاليا البالغة من العمر أربع سنوات. وقد توفيت ناتاليا في سن مبكرة وشكّل رحيلها صدمة للشاعر المستقبلي الذي تعرض للاعتقال مرتين: الثانية كانت في أغسطس 1941م؛ لأنه قال: إن الاتحاد السوفييتي سيخسر في الحرب. ولتجنب عقوبة الإعدام ادعى أنه مصاب بمرض عقلي، واحتجز في عيادة نفسية حتى مات في الثاني من فبراير 1942م. نذكر هنا أن السينما الروسية قدمت في عام 2017م فِلْمًا عن حياته حمل عنوان «خارمس»، وأخرجه إيفان بولاتنيكوف.

تجارب معاصرة
تستمر أسماء جديدة في دعم مسيرة أدب الأطفال الروسي، ويبدو حملها ثقيلًا؛ لكونها تتابع مسيرة أدب غني شاركت في بنائه أسماء مهمة ضمنت له مكانته المميزة في قلوب وعقول الكبار والصغار. الملاحظ أن أغلبية تلك الأسماء هي أسماء أنثوية دخلت عالم الكتابة من أبواب مختلفة وفرضت صوتها الخاص. يلمع بينها نجم أكبر سنًّا وتجربة، ونقصد به سيرغي سيدوف، من مواليد 1954م، الذي عمل مدرّسًا في موسكو قبل أن يتفرغ للأدب ويقدم إبداعاته المشبعة بروح طفولية، وخيال حر، وطريقة كتابة سهلة. «كيف ظهر بابا نويل على الكوكب؟» واحدة من أكثر أعمال سيدوف شهرة. ويبقى قلق هذا الكاتب الأكبر متمثلًا في البحث عن رسام لكتبه، رسام يشبهه في الروح قبل كل شيء.
نينا داشيفسكايا: كاتبة شابة، ولدت في عام 1979م في مدينة تفير الروسية، القريبة من موسكو. أنهت دراستها الموسيقية في كونسرفتوار موسكو، وبعد مدة طويلة من العزف على آلة الكمان، بدأت عزفها في حقل أدب الأطفال، مقدمة أول كتبها تحت عنوان: «قرب الموسيقا»، وهو يتحدث عن التغيير الكبير الذي من الممكن للموسيقا أن تحدثه في حياة الطفل. نالت في عام 2011م جائزة أدبية مهمة عن أول رواياتها القصيرة. ويلاحظ أن الموسيقا هي الثيمة الغالبة على أعمالها، وتحظى هذه الكاتبة التي تكتب للأطفال والمراهقين بشعبية كبيرة عند الصغار والكبار على حد سواء.
تمارا ميخيفا: تبدو هذه الكاتبة مختصة بكتب الحيوانات وقصص المراهقين، ويعدّ كتابها «أطفال الدلفين» واحدًا من الكتب الرائجة والشعبية جدًّا في روسيا. تحلم تمارا، المولودة في عام 1979م، أن تهدي الأطفال خاصة، والقراء عامة، مكتبة تفيض بالكتب الطيبة والمشرقة. من الأشياء المميزة عند هذه الكاتبة، أنها تحافظ على الطريقة القديمة في الكتابة، فتضع أفكارها على الورق أولًا، ولا تنقلها إلى الكمبيوتر إلا عندما تصبح قصصًا مكتملة تقريبًا. كما أن شخصيتها، صوتها وأسلوبها في التعامل، تعكس روح الطفلة التي تسكنها.
ماريا بيرشادسكايا: كاتبة أطفال قادمة من عالم السينما. بعد أن أنهت دراستها للسيناريو في أحد معاهد السينما في موسكو، في عام 1995م، وعملت كاتبة سيناريو في أفلام وثائقية عديدة، بدأت تجربتها في كتابة مسلسلات الأطفال. وتعدّ اليوم واحدة من أفضل العاملات في هذا المجال، وعملها «فتاة صغيرة كبيرة»، يؤكد مدى تمكنها من أدواتها، ودخولها في أعماق عالم الطفل.
بواسطة جان لويس فييار بارون - كاتب فرنسي - ترجمة: حورية الظل - مترجمة مغربية | نوفمبر 1, 2024 | مقالات
هناك طريقتان للتعامل مع مشكل علاقة الفلسفة بالأدب: الطريقة الأولى، طبيعية تمامًا، وتتمثل في البحث عن الدروس الأخلاقية التي يقدمها الأدب من خلال الشعر والرواية مثلًا، وذلك ما قام به أندريه ستانغوينيك في كتابه «La Morale des Lettres» (أخلاق الحروف)، وأيضًا مارثا نوسباوم، وستانلي كافيل وبول ريكور. أما الطريقة الثانية فترتكز على العلاقة بين الفلسفة والشعر والتصوف؛ لأنه بقدر ما يكون الشعر فلسفيًّا، بقدر ما يصبح قادرًا على السماح من الاقتراب من التجربة الصوفية، وفي المقابل يمكن أن تتأثر الفلسفة بالشعر على نحو صحيح.
هذا يجعلنا نفكر في جميع الفلاسفة الذين يتعاملون مع الشعر بطريقة تفكيرهم. لكن يجب أن نعود بعد ذلك إلى أفلاطون، الذي تسبب في صدمة دائمة للجمهور المثقف بطرده الشعراء من المدينة الفاضلة، ومع ذلك، فإن هذه الإدانة الفاضحة للشعر من جانب أفلاطون لا تأتي من التحليل الجوهري للشعر على أنه فن، بل تأتي من الدور الضارّ الذي لعبه الشعراء حسب رأيه، حيث كانوا ضد الشعب؛ لأنهم ساهموا في إثارة حماس هذا الشعب بدلًا من جعله يفكر، وذلك من أجل التأثير في الرأي العام، وجعل غير المتعلمين يعتقدون أنهم يمتلكون المعرفة. إذن الشعر يُفهَم على أنه عدو للتفكير حسب أفلاطون دائمًا.
ومن هنا فقد أُحْيِيَتْ هذه الصدمة التي سببتها إدانة الشعراء من خلال حقيقة أن الأدب قد استسلم، على الأقل في فرنسا، ولكن ليس في ألمانيا أو بريطانيا العظمى… وقد تحدَّث جان فرانسوا ماركيه حديثًا مؤثرًا عن «الفيلسوف الذي قُتِلَ في الكاتب» ويضيف قائلًا: إن «كل كاتب عظيم يحمل بداخله (لحسن الحظ) فيلسوفًا فاشلًا، على دراية كاملة بالحقائق». ومع ذلك، فإن الفلسفة الفرنسية، من مونتين إلى سارتر، هي أدبية للغاية، وقد أراد بول فاليري أن يكون فيلسوفًا وليس شاعرًا، والروائي والكاتب المسرحي سارتر أقوى بلا شك وأكثر تأثيرًا من سارتر الفيلسوف.
وعليه، فإن الشعراء الذين يميلون إلى الفلسفة هم مجموعة كبيرة، منهم بارمينيدس ولوكريتيوس، ولكن يمكننا أيضًا أن نضيف لهم دانتي، وميلتون، وجون دون، وهولدرلين، وغوته، وريلكه، ومن فرنسا، ألفريد دي فيني، وفيكتور هوغو، ومالارميه، وبول فاليري، وبول كلوديل، وبيير إيمانويل، وإيف بونيفوي. وإذا أردنا جمع مختارات الشعراء الفلاسفة، فلا يمكننا استبعاد فيرجيل أو بودلير. وإذا تحدثنا عن الروائيين، فمن الواضح أن بلزاك وهنري جيمس ومارسيل بروست وتوماس مان هم فلاسفة روائيون، وأيضًا السيدة دي ستايل وبنيامين كونستانت يكتبان أدبًا فكريًّا، كما يتفوق شاتوبريان في جميع المجالات، كالسرد الشعري وقصائد النثر والتأملات الفلسفية. أما علاقة الفلاسفة بالشعر، فمن الضروري التمييز بين انجذاب الفلاسفة للشعر والأدب عامة، وتأثُّر بعض الفلاسفة بالشعر وأنماط تعبيره.

قضية مارثا نوسباوم
تقدم مارثا نوسباوم، وهي فيلسوفة أميركية، رؤية فلسفية للأدب، ولا سيما المُتعلِّق ببعض الروائيين المتميزين، مثل: هنري جيمس ومارسيل بروست. وبصفتها متخصصة في الفلسفة اليونانية، فقد درست أفلاطون، وكذلك التراجيديون القدماء، عادّةً إياهم فلاسفة الوجود والأخلاق… وعلى الرغم من أن منظور مارثا نوسباوم مقصور على الفلسفة الأخلاقية، فإن لديها فهمًا للإنسان بوصفه كائنًا واعيًا، واهتمامًا بإعادة تقويم المشاعر واليقين العاطفي، وهو ما يوسع منظور الأخلاق ليشمل «علم النفس الأخلاقي» للشعراء والروائيين. إلى جانب التفكير الأخلاقي، تُظهر مارثا نوسباوم انعكاسًا جماليًّا عميقًا، ومن ثَمّ، فإنها تؤكد فكرةَ الأسلوب كرأس مال، ويمكن لهذه الفكرة أن تنطبق على المؤلف الأدبي وكذلك على الفيلسوف؛ لذلك يمكن عَدّ ريكور فيلسوفًا رائدًا في الأدب.
ما يمكن قوله: إن هناك العديد من الأسباب الفلسفية لإعطاء أهمية أخلاقية للأدب، إنها مسألة إصلاح الفلسفة بمساعدة الأدب كعلم للعواطف، وتحليل أساسي لحالات معينة، واحترام نظري لطبيعة الحياة الفوضوية. لقد أظهرت نوسباوم الأهمية الأخلاقية للخيال الأدبي، فترى أنه بفضل الأدب لم تَعُدِ الفلسفة ضعيفة، بل أصبحت «صحية»، كما ترى أنه عليك أن «تقرأ لتعيش»؛ لأن الأدب يساعد على العيش، من الناحية الأخلاقية والنفسية، والفلسفة الأخلاقية موجهة نحو هدف واحد، العيش الكريم. لكن هل عليك أن تقرأ لتعرف الحقيقة؟ في الواقع، لا يهدف الخيال الأدبي إلى الحقيقة النظرية في حد ذاتها؛ لأن الرغبة في الحقيقة ليست الهدف الأساسي للشاعر، وفي هذا يختلف عن الفيلسوف. ولكن عندما يتجاوز الخيال الأدبي النزعة الأنانية والسطحية الاجتماعية، فإنه يعلمنا شيئًا عن أنفسنا وعن العالم؛ لذلك فإن الحدث الخالص لا معنى له من دون القصة التي نرويها، يجتمع الأدب والفلسفة معًا، ليس على أساس مفهوم الحقيقة، ولكن على أساس شهادة الحقيقة عن طريق اللغة.
حالة ماريا زامبرانو
تركت الفيلسوفة والشاعرة الإسبانية ماريا زامبرانو (1904-1991م) عملًا بعنوان: «الفلسفة والشعر»، وقد تأملت فيه الإدانةَ الأفلاطونية للشعراء، فأكدت أنه ليس صحيحًا أن الشعر مجرد شعارات. فإذا أردنا أن ننصف كل الشعر الفلسفي في الشرق والغرب، يجب أن ندرك أن الفلسفة تستخدم المنطق، لكنها ليست بالضرورة عقلانية، بمعنى أنها ليست ملزمة بِعَدِّ العقل والفهم متطابقين؛ لأن الفلسفة تعرف منطقًا يتجاوز مَلَكة التفكير، وبهذا المعنى، فإن الشعر الفلسفي مصدره العقل وليس الفهم. ترى زامبرانو أن الفيلسوف هو الشخص الذي يبحث باستمرار، والشاعر هو الشخص الذي يَجِد دائمًا بالفعل. لكن هيغل تَغلَّب وسيطر على التناقض بين العقل والعاطفة…
كما أن إدانة الشعراء من طرف أفلاطون كانت مجرد مرحلة أولى أفسحت المجال للفلسفة. لكن الهدف من الفلسفة يحيل على إعادة دمج العاطفة والشعر بوساطة العقل نفسه. لكن هيغل يؤكد أن الشعر يخاطر بأن يكون «رُوحيًّا» فقط، بمعنى آخر أنه لم يَعُدْ له شكل خارجي، بقدر ما يمكنه التعامل مع الانطباعات والأحاسيس والأفكار، عادًّا إياها حقائق للوعي، والتحدي المتجلي في الشعر هو ارتفاع درجة التجلي الروحي أكثر من أي شيء آخر… وتتمثل الحرية الشعرية في استخدام اللغة بطريقة منزاحة عن العادي… ولكن تظل الكلمات كما هي بمعزل عن إرادة الشاعر، هذه العلاقة الخاصة باللغة هي التي تحدد الأسلوب، وهو مصطلح لا يمكن تحديده في حد ذاته، ولكنه ترجمة للجهد الإبداعي، وأسلوب الشاعر هو الطريقة التي تبرز من خلالها تناسب حساسيته التي هي نبع إبداعه مع لغته الإبداعية؛ وأسلوب الفيلسوف هو «روحانيته» وجو إبداعه ومجموعة موضوعاته المفضلة وأسلوبه وطريقته في الكتابة وتوصيل فكره. وقد أكد ذلك برجسون بقوله: «إن الفيلسوف قد لا يكون موسيقيًّا، لكنه على العموم يُعَدّ كاتبًا».
لمحة تاريخية
يمكننا رسم تاريخ العلاقة بين الأدب والفلسفة في القرنين التاسع عشر والعشرين. في القرن التاسع عشر، تبدى أن لبعض الشعراء الألمان دعوة فلسفية، ومنهم هولديرلين، الذي يُعَدّ فِكره شاعريًّا، وهذا الفكر قريب جدًّا من فكر الفيلسوف البحت، أما الشاعران الفيلسوفان الفرنسيان، هوغو وفيني، فيتحركان ضمن نطاق فلسفي ضيق. وعندما نشر فيكتور هوغو، سنة 1834م، «littérature et philosophie mêlées» (تشابك الأدب والفلسفة) لم يقم بتحديد مصطلح الفلسفة بطريقة صارمة. ما فعله، كما قال، أنه حاول البحث عن الحقيقة فقط في غضون خمسة عشر عامًا، جمعها في هذه المجموعة؛ وموضوعها هو العلاقة بين الفن والمجتمع. لكن كُشِفَ عن الشعر الفلسفي لفيكتور هوغو فقط في تأملات (1851م)… وفي أسطورة القرون الماضية، حيث تظهر فلسفة التاريخ بوضوح، كفلسفة تنوع الأرواح والشعوب والحضارات؛ لذلك فإن تشارلز رينوفير، لم يكن مخطئًا في عَدّ هوجو فيلسوفًا.
ومن ثم، سيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف أن المزاج الشعري يعوق المزيد والمزيد من التفكير الفلسفي المستقل. إنها ليست مجرد مسألة تعبير، إنها مسألة أسلوب بالمعنى القوي، ومن المؤكد أن المزاج الشعري أقل درجة فكريًّا وأكثر حساسية من المزاج الفلسفي البحت؛ لأنه مع هوغو، تتمسك كل فكرة بتمثيل ملموس، فهو الشاعر الفيلسوف، وليس الفيلسوف أبدًا في أنقى تجلياته؛ لأن التجريد يعوقه باستمرار، فيستحضر الخيال اللفظي الملموس، كما يمتلك عبقرية الفعل قبل كل شيء، والكلمة طيعة عنده، فترفعه، وتأخذه بعيدًا. أما غوته فقد استحوذت عليه فكرة الأدب العالمي، وغالبًا ما تَحَدَّثَ عنها، ولم يكن الأمر يتعلق بالتخلي عن الآداب الوطنية، بل يتعلق بعلاقة جديدة بين الأمم التي من شأنها أن نتعلم منها دعم بعضنا الآخر على نحو متبادل. وفكرة الأدب العالمي هي فكرة فلسفية، وهي لغوته دليلٌ ضمنيٌّ، لكننا في حاجة إلى شرح معنى ذلك، فلكي يأخذ الجميع مكانهم في الأدب العالمي، يجب أن «ترفع عينيك عن الكتاب» (تعبير مثير للإعجاب لإيف بونفوي) وتتحمل عناء التفكير والتأمل قليلًا… يتطلب الأمر «النظر إلى الأعلى» أي ممارسة تمارين رُوحية للتمكن من التحدث عن «الأدب العالمي».
منذ غوته، يمكننا الاحتفاظ بفكرة أن رؤية فلسفية عظيمة حول العالم يمكن قراءتها في الأدب، فيدافع مارسيل بروست عن الفلسفة الجمالية والأخلاقية في «البحث عن الزمن الضائع»… وفي الواقع، منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، نشأ تعارُض بين فرنسا وألمانيا، ففي فرنسا، حمل الشعراء عبء العقل عبر لعب دور سادة الفكر، مع لامارتين، وفيكتور هوغو، وألفريد دي فيني.. وجميعهم مدينون بشيء من دافعهم الإبداعي لشاتوبريان الذي قال عنه إميل فاجيت: «شاتوبريان هو أعظم تاريخ في التاريخ الأدبي الفرنسي»؛ لأنه هو الذي وضع الأدب على رأس الحركة الفكرية في عصره، ولعب الدور نفسه الذي لعبه غوته في ألمانيا.
أما فيكتور كوزان فقد كانت له فكرة ضيقة عن الفلسفة برفضه مراعاة الجذور العميقة للفيلسوف في الحركة الفكرية في عصره، حيث كان يسود التحفظ تجاه الفلسفة في فرنسا في المدة التي كانت السيادة فيها لكبار الشعراء، ولم تسترد جمهورًا عريضًا حتى نالت الرواية لدى الجمهور هالة أعلى من هالة الشعر. وفي ألمانيا وفي المدة نفسها، كانت الفلسفة ذات شأن، وقد رفع شأنَها فلاسفةٌ كبار مثل: فيشت، وشيلينغ، وهيغل، فهم الذين توغلوا في العقلانية، وتبعهم الشعراء والكتاب، وأصبحوا هم
أنفسهم فلاسفة.
وما يمكن تأكيده، أنه يمكن للشاعر أن يصبح فعليًّا مترجمًا للأفكار الفلسفية من دون أن يصبح فيلسوفًا… وقد أردنا هنا أن نعطي مقارَبة لتنوع وخصوبة العلاقة بين الفلسفة والشعر؛ لأنه ليس من المؤكد أن الإفراط في التخصيص يكون مثمرًا للإبداع الفكري. عندما كتب بودلير، في ملاحظة عشوائية، أنه لا يوجد سوى ثلاث مهن جديرة بالاهتمام: الكاهن، والجندي، والشاعر، وجميعهم يواجهون المطلَق بأشكاله الثلاثة: الله والموت والجمال؛ لذلك دمج في الشعر انعكاسية الفكر، كما لو كانت كل الأفكار شعرية، لكن مبادئ الشاعر لا تختلف عن تلك التي لدى الفيلسوف.
إذن، لا يزال الغموض موجودًا في الشعر المعاصر ويعد من مميزاته المهمة، والمبادئ المشتركة بين الشعر والفلسفة، بعيدًا من إخفاء الاختلاف العميق بين الاثنين، هو الدليل على أن المجالين يكتسبان عمقًا عند إقامة حوار بينهما.
المصدر: Philosophique de la France et de l’étranger 2012/1 (Tome 137), pages 3 à 13
بواسطة عبدالكريم بن محمد النملة - كاتب سعودي | نوفمبر 1, 2024 | نصوص
… يصل القطار إلى «برايتون»، يعلن ذلك قائد القطار، يشاهد اللوحات الجانبية على رصيف المحطة تحمل اسم «برايتون»، خدر لذيذ يعبر رأسه، تخلبه أشتات يوم قديم، يمسك بمعصم ابنه ويسيران إلى خارج المحطة، ينحدر بهما طريق يمتد من محطة القطار ويصب في شاطئ البحر، يقف أمام البحر ممسكًا بيد ابنه، قرر أن يصافح البحر صديقه الأول هنا، قبل أن يذهب إلى حيث يسكن، شوقه طاغٍ وقلبه مستهام، يغيب.. لا يسمع حديث ابنه.. يغوص في لذّة قديمة فقدها ثلاثين عامًا.
لا يتذكر إن كان ابنه فرّ منه واختفى، أو أنّه هو الذي فرّ من ابنه واختفى، ثم لا يتذكر إن كان هو الذي ذهب يبحث عن ابنه أم إن ابنه هو من يبحث عنه، أملت عليه ذكرياته كل تصرفاته في طريقه للبحث عن ابنه، بدأ يحوك أيامه الأولى كسلسلة متصلة ربما تُفضي به إلى ابنه، أو تفضي به إلى والده الذي أتى به يومًا إلى «برايتون»، في أول شبابه كي يلتحق بمدرسة لتعليم اللغة الإنجليزية، ثم أسكنه مع عائلة إنجليزية مكوّنة من أب وأم وطفل، تركه وغادر بعد أن اطمأن عليه مع عائلة إنجليزية.
الآن ينظر من بعيد، نظرة والده الأخيرة وهو يودعه كانت تنطق بعبء سنين، بعبث يهصره ويبعده عن مواطن الظل الرطيب، لم يلتفت الشاب، لم تهتك تلك النظرة غشاوة شبابه، كان ثائرًا يبحث عن متعة الأيام وبواطن السرور، لم يدرك من نظرة أبيه تلك إلا شوق الأب الرحيم والدفء الحميم، تقلّب في أزقة «برايتون» بين المدرسة والمنزل ومتعة القلب الخلي، لم يبثه والده حزنًا يخالطه، ولم ينفثه جرح الأيام، لم يشأ أن يعنّته، تركه يخوض غفلته بكل أطيافها كي لا يفطن إليه وإلى جرح تتقاذفه بين عينيه أزمنة فائتة.
غفا الشاب فوق مخدة الليالي الناعمة، ينام ويصحو ليعبث بين أيام وادعة.. وصغيرة، في المدرسة عاش الشاب طفولته للمرة الثانية، برع في اصطياد اللحظات المارقة، يستوقفها ويلتهم كل ما تكتنزه من سعادة ومُتعة، التفّ حول أصدقاء في مدرسته يشاركونه عبث الأمسيات الصاخبة ومراتع اللذّة العميقة، كانت العائلة الإنجليزية التي يعيش معها تعتني به جيدًا، تُفتّق في ذهنه مسارب للجمال يجهلها، تزرع في قاحل نفسه مروجًا ملونة بألوان زاهية فتُنبت نفسه زهور أيام جديدة. حين تمضي به الأيام ويعتلي ركام السنين ويرسل بصره إلى أسفل؛ ليبحث عن مكان يرطب به خشونة كهولته ويتذكر فيه نعومة السنين، فلن يرى إلا «برايتون»، مدينة أتته سعيًا في بدايات شبابه، فحفرت في شيخوخته مروج ذكريات خضراء لا تمّحي.
عاد الشاب إلى بلاده، وعاود السفر بعد أشهر إلى «برايتون» وحيدًا دون أن يحتاج إلى من يُرشده، نما الشاب يعبّ من فتوّة الشباب أجزل اللحظات، مرّ العمر خطفًا من بين يديه، وحين غامت السماء يومًا وغابت شمسه عن عينيه، فجأته الأيام المتربصة بوجه لها لم يكن يعلم أنها كانت تحمله بيدها الأخرى، كان وجهًا قاتمًا عبوسًا قمطريرًا، كانت أيام محتقنة تترصد مروره بها لترمي عليه شباكها وتنزعه من أيامه الصغيرة الناعمة، سار وقد رفس شبابه الغضّ خلفه، وأقبل على الحياة المكتظة بصراخ وعويل اللحظات، كابد عناء الأيام وبؤس العافية، بدّلت الليالي ملامحه سريعًا فشابت ناصيته، وهرم قلبه، ومارس لذّته الجديدة، فاجترّ دومًا وجوهًا حميمة وأصواتًا وحوادث يقتنصها من بين شقوق السنين، يجد فيها متعة نديّة، لم يكن يحتاج من وقته سوى ذكرى نسمة تلفح وجهه وتغادر به بعيدًا من عالمه، وقف أمام البحر يعبّ من نسيمه القديم، فتختلج في قلبه حوادث السنين الصغيرة، فيرى أن قلبه يتقافز بعيدًا منه كطفل شقي، كان ساهمًا.. بعيدًا حين شدّ ابنه الشاب يديه ينبهه وقد طال وقوفه أمام البحر بأن الشمس قد غابت، أرخى نظره.. عاد إلى نفسه.. نظر إلى ابنه الشاب.. ابتسم له معتذرًا ثم أحنى ظهره أمام وجه ابنه وسأله: من أطفأ شمعة أمس؟ لم يفهم الشاب قصد والده، كان الشاب متحفزًا لرؤية «برايتون»، وللتعرف إلى العائلة الإنجليزية التي سيعيش معها مدّة دراسته.