تحتفل بمرور 10 سنوات على انطلاقها جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي تواصل جهودها لنقل منارات الثقافة العربية  وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية

تحتفل بمرور 10 سنوات على انطلاقها

جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي تواصل جهودها لنقل منارات الثقافة العربية وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية

لا يبدو أن قضايا الترجمة والتحديات التي تواجه المترجمين العرب وسواهم، من المحدودية بحيث يمكن حصرها في أمور عدة، والعمل على معالجتها بصورة دقيقة، كل واحدة على حدة، فما أظهرته ندوة جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، التي تحتفل بمرور عشر سنوات على انطلاقها، أن قضايا الترجمة تزداد تعقيدًا وتتخطى مسألة الحصر. فالمترجم من كل لغة، ومن كل حضارة أو ثقافة يواجه تحدّيًا جديدًا ومختلفًا عما يواجه مترجم آخر، معنيّ بالترجمة من لغة أخرى وثقافة أخرى. ومن الإشكالات التي كشفت عنها هذه الندوة، التي عقدت في 10 ديسمبر 2024م، على جلستين تحت شعار: «من العربية إلى البشرية: عقد من الترجمة وحوار الحضارات»، وشارك فيها عدد من المترجمين البارزين، المحاذير التي تصنعها ثقافة ما، أو وعي جماعي ما، حين نقل، ما سيعد مدنسًا، في ذهنية ثقافة ما، إلى لغة مقدسة، مثل اللغة العربية. فلا يجدر، من وجهة نظر بعض الثقافات، ترجمة النصوص أو الكتابات التي تعكس أنماطًا من العيش، يمتزج فيها البعد الأسطوري والديني الوثني، إلى لغة القرآن الكريم. هذا ما كشف عنه مترجم إفريقي، مبرزًا صعوبة الدور الذي يلعبه بصفته مترجمًا وناشطًا في حقل الترجمة. ومن القضايا التي طرحت في الندوة، هل الترجمة بديل عن التأليف؟ وكيف نترجم إلى العربية، في الوقت الذي تشهد فيه اللغة العربية هجرة من أبنائها إلى اللغات الأجنبية؟ وما العمل مع ترجمات الذكاء الاصطناعي؟ إضافة إلى مسألة التنسيق بين المؤسسات العربية المعنية بالترجمة.

وفي شكل عام، أكد مترجمون الدور الحضاري الدولي الذي تلعبه جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، في تعزيز الحوار بين الثقافات، موضحين أن الجائزة استطاعت، في عقد من الزمان، الوصول إلى المترجمين في مختلف أنحاء العالم ومن مختلف اللغات، بما يعمق الحوار بين الثقافة العربية وغيرها من الثقافات. مدير منتدى العلاقات العربية والدولية الدكتور محمد حامد الأحمري قال في كلمة خلال افتتاح الندوة: إن الجائزة التي تحتفي بمرور عشر سنوات على إطلاقها، «أصبحت من أكبر الجوائز في العالم في مجال الترجمة»، مشيرًا إلى أن نجاحها على مدى السنوات العشر الماضية جاء نتيجة جهود دؤوبة من مجلس الأمناء واللجان المختلفة، التي حرصت جميعها على أن تتحلى بالمهنية والمصداقية والشفافية، متطرقًا إلى مراحل عمل الجائزة منذ تسلم الأعمال المرشحة وتدقيقها وعرضها على لجان التحكيم ومراجعتها، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة للتحكيم. وأكد الأحمري رسالة الجائزة في الارتقاء بالترجمة لكونها فرصة لتعزيز التفاهم بين الأمم، منوهًا بأهمية الترجمات على مر التاريخ في إيجاد حال من التثاقف بين الشعوب والحضارات المختلفة.

الجلسة الأولى من الندوة وعنوانها: «الترجمة من اللغة العربية وإليها: واقع وآفاق»، أدارها الدكتور يوسف بن عثمان، أستاذ الفلسفة وتاريخ العلوم الحديثة بجامعة تونس المنار، وشارك فيها المترجم والأكاديمي المغربي الدكتور حسن حلمي والدكتورة ربا رياض خمم، أستاذ مشارك في اللغة العربية واللغويات والترجمة في جامعة ليدز، والدكتور سلفادور بينيا مارتين، أستاذ في قسم الترجمة في جامعة مالقة الإسبانية، والدكتورة نبيلة يون أون كيونغ أستاذة ورئيسة قسم اللغة العربية في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية بكوريا الجنوبية.

أما الجلسة الثانية وعالجت دور جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في الارتقاء بمعايير جودة الترجمة، وكيفية تطوير هذا الدور، فشارك فيها الدكتور والمترجم التركي أرشد هورموزلو، رئيس المنتدى الدولي للحوار التركي – العربي، والدكتور الزواوي بغورة، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة جامعة الكويت، والمترجم الدكتور شكري مجاهد، أستاذ الأدب الإنجليزي المتفرغ بجامعة عين شمس المصرية، والدكتور علي حاكم صالح، أستاذ الفلسفة بجامعة ذي قار بالعراق، وأدارها الدكتور خالد أرن، مدير مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في تركيا.

الترجمة نشاطًا اجتماعيًّا

ورأى مشاركون أن الترجمة لا بد أن تكون نشاطًا اجتماعيًّا لا فرديًّا، هادفًا ومخططًا لا عفويًّا، والترجمة، وفقًا إلى الدكتور مجاهد شكري، «تمثل منظومة معرفية… اتخذت الطابع المؤسسي» يهيئ لها المجتمع كل ألوان الدعم، «أي يحشد لها مؤسسيًّا، كما يحشد لكل أنشطة المجتمع، عوامل التمكين، وصولًا إلى مستقبل ينشده المجتمع وفق رؤية واعية، رُسم لها مسار مدروس قابل للتعديل وفقًا للظروف. والنظر إلى الترجمة بوصفها أداة تمكين ومسارًا مرسومًا، وراءها مجتمع محدد الرؤية يرقى بها عن أن تكون مجرد معارف منقولة، أي: ترف ثقافي، ويجعلها أداة لفعل اجتماعي نشط هادف يدفع حركة المجتمع في مضمار السباق الحضاري بين المجتمعات».

والترجمة، أرشد هورموزلو، «تعزز التفاهم بين الثقافات وتبني جسورًا بينها، وتؤدي دورًا بارزًا في تبادل الأفكار وحفظ التراث الثقافي بين الشعوب وتؤّمن الإبداع والتجديد الفكري والتواصل حتى على المستوى الدولي. ناهيك عن أنها تتيح المجال لتوسيع الأسواق والفرص الاقتصادية، ومعارض الكتب في العديد من الدول شرقًا وغربًا خير دليل على ذلك». وذكر أرشد أن جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي «كانت سبّاقة، بمنح الجائزة لأعمال أدبية مترجمة من التركية إلى العربية وبالعكس»، مشيرًا إلى أن «هذه المبادرة الرائدة سيكون لها الأثر الكبير في نشر الوعي المعرفي وصولًا إلى تفاهم نوعي ينتج عنه تعميق العلاقة الأخوية بين الشعبين، بل مع كل شعوب العالم».

منارات الثقافة

في حفلة تسليم الجائزة، بحضور الشيخ ثاني بن حمد آل ثاني الذي توّج الفائزين، أكد الأمين العام لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي حسن النعمة، أن الجائزة تواصل جهودها لنقل منارات الثقافة العربية وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية، مشيرًا إلى أنها تشكل عبر مسيرتها جسرًا للعبور إلى عوالم جديدة، نستلهم منها التقدم والفكر الإنساني الملهم.

وعبر النعمة عن سعادته بوصول الجائزة إلى عقدها الأول ونجاحها في إبراز دور قطر الريادي في توثيق التفاهم الدولي وتعزيز السلام، استنادًا إلى إسهاماتها الثقافية المتناغمة مع الجهود الإنسانية في مجالات الفكر. وأضاف: «نحتفل اليوم بمرور 10 سنوات على هذه الجائزة، وهو يوم مشهود في تاريخ قطر المعاصر، وتأكيد لدورها في مد جسور المعرفة من الدوحة إلى العالم. تسير الجائزة في استكمال جهود الحضارة الإسلامية عبر العصور، وإسهامات الأمة العربية في إثراء التراث الإنساني»، معربًا عن أمله في استمرار نجاح الجائزة؛ لتحقيق «أهدافها السامية التي تتجاوز تكريم المترجمين لتصل إلى تعزيز رسالة ثقافية وفكرية عالمية».

وفي كلمة ألقتها المترجمة الفرنسية ستيفاني دوغول، نيابةً عن الضيوف والمترجمين، ثمنت دور جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في تكريم المترجمين من أنحاء العالم، مؤكدةً أن الجائزة رمز لتقدير جهودهم والاحتفاء برسالتهم النبيلة. وقالت دوغول، التي فازت في فرع الترجمة من الفرنسية: «الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي فن نبيل يتطلب فهمًا عميقًا للثقافات، وتقديمًا دقيقًا للمعنى. إنها جسر بين الشعوب يعزز الحوار والتعاون. وبين اللغة العربية واللغات العالمية، نجد فضاءً غنيًّا بالإبداع والتاريخ المشترك»، مضيفة أنها بصفتها مترجمة فرنسية، كان العمل مع النصوص العربية تجربة استثنائية لها، «شعرت بثقل الأمانة وجمال الرسالة في كل نص قمت بترجمته. اللغة العربية بثرائها تحمل تراثًا وقيمًا إنسانية تتجاوز الحدود. من خلال الترجمة، نساهم في تقديم هذا التراث إلى العالم ونفتح للقارئ العربي نافذة جديدة على الإنتاج الأدبي والفكري العالمي».

وأكدت دوغول أن جائزة الشيخ حمد «تؤدي دورًا محوريًّا في دعم المترجمين»، مشيرة إلى أنها ليست مجرد اعتراف بجهودهم، «بل رسالة تقدير وتشجيع على مواصلة العطاء». وأهدت ستيفاني دوغول التكريم إلى المترجمين العاملين بصمت، مؤكدة أهمية دورهم في تقارب الشعوب.

فائزون في الدورة العاشرة للجائزة

فازت بالمركز الثاني في فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية رانية سمارة، عن ترجمة كتاب «نجمة البحر» لإلياس خوري. وفاز بالمركز الثالث: إلياس أمْحَرار، عن ترجمة كتاب «نكت المحصول في علم الأصول» لأبي بكر ابن العربي. كما توجت بالمركز الثالث مكرر: ستيفاني دوغول، عن ترجمة كتاب، «سم في الهواء» لجبور دويهي. وفي فئة الترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، فاز بالمركز الثاني: الحُسين بَنُو هاشم عن ترجمة كتاب «الإمبراطورية الخَطابية» لشاييم بيرلمان، وفاز بالمركز الثاني مكرر: محمد آيت حنا عن ترجمة كتاب «كونت مونت كريستو» لألكسندر دوما، وفاز بالمركز الثالث: زياد السيد محمد فروح، عن ترجمة كتاب «في نظم القرآن، قراءة في نظم السور الثلاث والثلاثين الأخيرة من القرآن، في ضوء منهج التحليل البلاغي» لميشيل كويبرس. وفازت بالمركز الثالث مكرر: لينا بدر، عن ترجمة كتاب «صحراء» لجان ماري غوستاف لوكليزيو، ومنحت الجائزة التشجيعية: للمترجم الدكتور عبدالواحد العلمي عن ترجمة كتاب «نبي الإسلام» لمحمد حميد الله. وفي فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، فازت بالمركز الثالث: طاهرة قطب الدين، عن ترجمة كتاب «نهج البلاغة» للشريف الرضي، ومنحت الجائزة التشجيعية إلى إميلي درومستا، عن ترجمة المجموعة الشعرية، «ثورة على الشمس» لنازك الملائكة. وفي فئة الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، توج بالمركز الثاني: مصطفى الفقي وحسام صبري عن ترجمة كتاب، «دليل أكسفورد للدراسات القرآنية» من تحرير محمد عبدالحليم ومصطفى شاه. وفاز بالمركز الثاني مكرر علاء مصري النهر عن ترجمة كتاب «صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس» لستانلي لين بول. وتوج بالجائزة في فئة الإنجاز في اللغة الفرنسية كل من: مؤسسة البراق، ودار الكتاب الجديد المتحدة. وفاز في فئة الإنجاز في اللغة الإنجليزية كل من: مركز نهوض للدراسات والبحوث، والمترجم تشارلز بترورث. وفاز بالإنجاز في لغة اليورُبا: شرف الدين باديبو راجي، ومشهود محمود جمبا، وفي اللغة التترية فازت جامعة قازان الإسلامية، أما الإنجاز في اللغة البلوشية فذهبت إلى دار الضامران للنشر. وفي اللغة الهنغارية ذهبت إلى كل من: جامعة أوتفوش لوراند، وهيئة مسلمي هنغاريا، والمترجمين: عبدالله عبدالعاطي النجار ونافع معلا.

وكانت الجائزة قد استقبلت في دورة هذا العام مشاركات تمثل أفرادًا ومؤسسات معنية بالترجمة من 35 دولة. وتهدف الجائزة إلى تكريم المترجمين وتقدير دورهم في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين شعوب العالم، وتقدير دورهم عربيًّا وعالميًّا في مد جسور التواصل بين الأمم، ومكافأة التميز في هذا المجال، وتشجيع الإبداع، وترسيخ القيم السامية، وإشاعة التنوع، والتعددية والانفتاح، كما تطمح إلى تأصيل ثقافة المعرفة والحوار، ونشر الثقافة العربية والإسلامية، وتنمية التفاهم الدولي، وتشجيع عمليات المثاقفة الناضجة بين اللغة العربية وبقية لغات العالم عبر فعاليات الترجمة والتعريب، ويبلغ مجمل قيمة الجائزة في مختلف فئاتها مليوني دولار أميركي.

حنان الفياض: جائزة حمد للترجمة تسهم في نشر الثقافة العربية

حنان الفياض: جائزة حمد للترجمة تسهم في نشر الثقافة العربية وتعزيز مكانة المترجم

حنان الفياض: جائزة حمد للترجمة تسهم في نشر الثقافة العربية

وتعزيز مكانة المترجم

تؤكد الدكتورة حنان الفياض، المستشار الثقافي لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، أن جائزة الشيخ حمد تأتي تعزيزًا للدور الثقافي القطري على الصعيدين العربي والعالمي، بهدف مد جسور التواصل الفكري والمعرفي والإنساني بين شعوب العالم من خلال الترجمة بوصفها وسيلة لتبادل الثقافات.

وتتطرق الفياض، في حوار مع «الفيصل»، إلى التحديات التي واجهت فريق الجائزة ومعايير اختيار الأعمال المترجمة وسعي الجائزة من أجل إثراء المكتبة العربية بمحتوى متنوع يمثل الثقافات المختلفة. تقول الفياض: إن الجائزة استطاعت أن تخلق بيئة حاضنة للإبداع والتميز في مجال الترجمة، وقد حققت نجاحًا ملحوظًا في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين الشعوب، ونشر الثقافة العربية عالميًّا. وأن الجائزة أسهمت في بناء شراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية عالمية، مما أدى إلى تبادل المعرفة والخبرات بين المترجمين.

تأثير الجائزة وأهدافها

  منذ انطلاق جائزة الشيخ حمد للترجمة، حفرت مكانة بارزة في الواقع الثقافي العربي والعالمي، ماذا عن التحديات التي واجهت الجائزة خلال مسيرتها؟

  انطلقت جائزة الشيخ حمد للترجمة في قطر عام 2015م تعزيزًا للدور الثقافي القطري على الصعيدين العربي والعالمي، بهدف مد جسور التواصل الفكري والمعرفي والإنساني بين شعوب العالم من خلال الترجمة بوصفها وسيلة لتبادل الثقافات، وانطلاقًا من الحاجة إلى تعزيز مثل هذا التواصل بين الثقافة العربية وثقافات اللغات الأخرى، وبخاصة في ظل تزايد الاهتمام بالترجمة كأداة تفاهم متبادل.

أما أبرز التحديات التي واجهت فريق الجائزة، فتتعلق بدقة المعايير لاختيار الأعمال المترجمة، وضمان جودة الترجمة وموضوعيتها، وأهمية العمل في لغته الأم من جهة واللغة الهدف من جهة ثانية، إضافة إلى جذب المترجمين المميزين وتحفيزهم للمشاركة، فضلًا عن الحاجة إلى تسليط الضوء على الترجمات ذات الجودة العالية في ظل المنافسة الكبيرة في هذا المجال. لكن على الرغم من تلك التحديات، استطاعت الجائزة أن تبرز وتحقق تأثيرًا ملحوظًا في الساحة الثقافية، من خلال تشجيع المترجمين ودعمهم وتعزيز الوعي بأهمية الترجمة في الثقافة العربية.

  ما الأهداف التي انطلقت منها جائزة الشيخ حمد، وكيف أمكنكم تحقيقها؟

  تهدف الجائزة إلى تشجيع المترجمين وتكريمهم؛ لكون المترجم في أغلب الأحيان لا يلتفت إلى الدور الذي يضطلع به وتحديدًا في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدبية. وتسعى الجائزة إلى إغناء المكتبة العربية بمحتوى متنوع يمثل الثقافات المختلفة، ويتأتى ذلك من خلال تقديم جوائز معنوية ومادية مجزية لتحفيز المترجمين على تجويد مهاراتهم، وكذلك من خلال الوصول إلى شرائح المترجمين جميعهم وإيجاد همزة وصل معهم لتحفيزهم ومعرفة التحديات التي تواجههم في مجالاتهم.

وما زالت الجائزة مستمرة بتطبيق تلك الفلسفة من خلال الفعاليات والمؤتمرات، وتسليط الأضواء على الأعمال الفائزة والمترجمين عبر عقد الندوات لاستمرار التواصل فيما بينهم، ومحاولة تعزيز مكانتهم في الساحة الثقافية. وبهذه الطريقة، استطاعت الجائزة أن تخلق بيئة حاضنة للإبداع والتميز في مجال الترجمة.

منصة للحوار الثقافي

  إلى أي مدى ترين أن الجائزة أمكنها في الدورات الماضية أن تحقق أواصر الصداقة والتعاون بين أمم العالم وشعوبه، ونشر الثقافة العربية عالميًّا؟

  حققت الجائزة نجاحًا ملحوظًا في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب، ونشر الثقافة العربية عالميًّا، وذلك من خلال تعزيز الفهم المتبادل بين الثقافات المختلفة، وتشجيع ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى؛ إذ أُتيح للقراء في أنحاء العالم الاطلاع على الروائع الأدبية العربية وكتب التراث العربي، ولمسنا حرص المترجمين على استكمال أعمالهم الترجمية من العربية إلى لغاتهم ودفعها لدور النشر حرصًا منهم على إبراز هذه العلاقة الحضارية بين اللغات مما يعزز من مكانة الثقافة العربية. ومن اللافت أيضًا زيادة نتاج المترجمين الفائزين بعد الفوز، فاستمروا بالتواصل معنا للحديث عن الإنجازات الجديدة التي كان للفوز دور في تحفيزها.

كما أسهمت الجائزة في بناء شراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية عالمية؛ مما أدى إلى تبادل المعرفة والخبرات بين المترجمين والكتّاب من مختلف البلدان، وأبرمت الجائزة العديد من الاتفاقات ومذكرات التعاون مع اليونسكو ومنتدى الفكر العربي، وأقامت شراكة مع مجلة Ide Arabia على سبيل المثال؛ مما يزيد من تنوع المشاركات وجودتها ويمنحنا فرصة التعرف إلى واقع الترجمة بين العربية ولغات العالم.

في سياق متصل، إن تنظيم حفل توزيع الجوائز في حد ذاته يسهم في خلق منصة للحوار الثقافي ولقاء المشتغلين بالترجمة في رحاب الدوحة؛ مما يعزز العلاقات الإنسانية بين الشعوب. وبناءً على هذه العوامل، يمكن القول: إن جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي أسهمت بشكل فاعل في نشر الثقافة العربية وتعزيز التواصل بين الشعوب؛ مما يعكس أهمية الترجمة كوسيلة للتفاهم والتعاون العالمي.

الترجمة والملكية الفكرية

  عادة ما تحدث مشكلات في ملف حقوق الملكية الفكرية للأعمال المترجمة، كيف أمكن للجائزة أن تتجنب فوز مترجم أو مؤسسة لا تحترم حقوق الملكية الفكرية؟

  سياسة الجائزة أنها تُمنح للمترجم تحديدًا ولا تتعرض للعلاقة بين المترجم ودار النشر أو بين المترجم والمؤلف، فهذا الأمر متروك للعقد الذي بينهما، وهذه مسؤولية المترجم ودار النشر. وعادة يُطلب تفويض مكتوب من جميع المترجمين للعمل الواحد (في حال كان هناك أكثر من مترجم) لضمان أن كل من شارك في العمل سيتم تكريمه؛ لأن الجائزة تعنى بشكل رئيس ومباشر بالمترجمين خاصة.

ولا بد من الإشارة إلى أهم شروط الجائزة المرفوعة على موقعها الرسمي بالنص: «الجائزة تكرم حصرًا المترجمين في حال فوز أعمالهم حتى لو تم ترشيح هذه الأعمال من قِبل مؤسسات أو دور نشر قامت هي بإصدار الكتاب الأصلي أو الترجمة»، وذلك لاستحالة مراجعة المئات من العقود المبرمة بين المترجمين والمؤلفين والناشرين للتأكد من صحتها، ومن الأفضل ترك المسؤولية القانونية على عاتق المترجم ودار النشر؛ لنركز بدورنا على جودة الترجمة والتزام المترشحين بشروط الجائزة.

  ما طموحاتكم لتطوير الجائزة في السنوات القادمة، وهل يمكن أن نشهد تحولها إلى مركز للترجمة؟

  طموحات تطوير جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في السنوات القادمة تتضمن جوانب عدة؛ منها توسيع نطاق الجائزة بتوسيع الشراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية عالمية، مما يعزز من تبادل المعرفة والخبرات في مجال الترجمة.

إن فكرة إنشاء مركز للترجمة فكرة مطروحة بالفعل، لكنها تحتاج إلى المزيد من الدراسة. المهم أننا في الجائزة نسعى وبشتى الطرق لتعزيز الثقافة العربية على المستوى العالمي، وتعزيز مكانة الترجمة كفنٍّ وعلم، ودعم المترجمين المميزين.

جوائز الترجمة العربية

  تشهد حركة الترجمة في الوطن العربي عددًا من الجوائز المرموقة في السعودية والإمارات وبلدان أخرى، وهي جوائز ذات قيمة عالية، كيف ترون هذه الجوائز وأثرها في حركة الترجمة؟

  تعد الجوائز المرموقة في حركة الترجمة في الوطن العربي، ذات تأثير كبير وإيجابي في مجمل النشاط الثقافي العربي والترجمة، فهي تعمل على تحفيز المترجمين لتقديم أفضل ما لديهم؛ مما يسهم في رفع مستوى الجودة في الأعمال المترجمة، كما تسلط الضوء على أهمية الترجمة كوسيلة لنقل المعرفة والثقافة، وتمنح نشر الكتاب المترجم فرصة توسيع دائرة تداوله بين المهتمين والأكاديميين الذين يكتسبون الثقة بالعمل الفائز؛ مما يعزز الوعي العام بأهمية هذا المجال.

إلى جانب ذلك، توسع الجائزة نطاق الاختيارات من خلال تشجيع ترجمة الأعمال الأدبية من لغات متعددة، وتسهم في تنشيط حركة اقتناء المكتبات العربية للأعمال الفائزة وتسليط الضوء عليها وعلى المترجم الذي يحظى -بعد فوزه- بثقة أكبر من قبل دور النشر، وبناء علاقات جيدة بين المترجمين والكتّاب والناشرين؛ مما يقوي فكرة التعاون المهني ويساعد في تبادل الخبرات.

ومن خلال المنافسة العلمية الشريفة بين هذه المراكز والجوائز، يكون تشجيع المترجمين على الابتكار والإبداع؛ مما يؤدي إلى تحسين مستواهم المهني. بشكل عام، تسهم هذه الجوائز في تعزيز حركة الترجمة في الوطن العربي، وهو الأمر الذي يعكس أهمية القطاع في تعزيز التواصل الثقافي بين الشعوب، وقد يكون المرء متفائلًا أكثر بأن تصل هذه الجوائز إلى مرحلة التكامل فيما بينها.

  يؤخذ على الجوائز العربية، سواء في حقل الترجمة أو سواه، عدم التنسيق فيما بينها؛ لذلك نشهد في حالات متكررة، فوز كاتب أو مترجم ما بجائزتين مرموقتين في عام واحد، أو جائزتين تفصلهما بضعة أشهر، في حين يُفترض تفادي ذلك وأن يكون هناك أكثر من فائز؟

  هذا صحيح ولكن ليس دائمًا، فمسألة عدم التنسيق بين الجوائز العربية، بما في ذلك جوائز الترجمة، من القضايا المهمة التي تحتاج إلى معالجة. إن تكرار فوز كاتب أو مترجم بجائزتين في العام الواحد أو بفارق زمني قليل على سبيل المثال يمكن أن يثير تساؤلات حول عدالة التوزيع، وقد يقلل من فرص فوز آخرين، ويعكس عدم التنوع في تقدير الأعمال.

لذلك من المهم أن تتعاون الجوائز المختلفة لتحديد معايير مشتركة وتنسيق مواعيد التقديم والإعلان عن الفائزين؛ مما يتيح فرصة أكبر للمترجمين والكتّاب للحصول على تقديرات متعددة. كما يمكن أن تستفيد الجوائز من تبادل الخبرات وأفضل الممارسات؛ مما يسهم في تحسين العمليات وتجنب التداخلات غير المرغوب فيها.

  هل أعطت هذه الجوائز المترجم العربي حقه من التقدير المعنوي والمادي؟

  لا شيء يمكن أن يعادل الجهد البشري الجاد في سبيل الثقافة، ومع هذا تعد الجوائز العربية في مجال الترجمة خطوة مهمة نحو تقدير المترجمين، لكن هناك بعض النقاط التي يجب النظر فيها لتقييم مدى إعطاء المترجم العربي حقه.

الجوائز تسهم في رفع مكانة المترجمين في المجتمع الثقافي، كما أن تكريم المترجمين من خلال الجوائز يساعد في تسليط الضوء على إنجازاتهم؛ مما يعزز من أهمية دورهم في نقل المعرفة والثقافة. ومهما كانت قيمة المكافأة المالية، غالبًا ما تكون غير كافية مقارنة بالجهود المبذولة، علمًا أن العديد منهم أشاروا في لقاءات متلفزة إلى أن الفوز ساعدهم ماديًّا في المضي قدمًا بمشروعاتهم الترجمية والعلمية الخاصة، أمثال المترجم الألماني هارتموت فندريش الذي عبّر بقوله مداعبًا: إن فوز المترجمين ينقذهم من الفقر.

لكن من حسن الحظ أن بعض الجوائز توفر فرصًا لدعم مشروعات جديدة. وبشكل عام، بينما تسهم الجوائز في تقدير المترجمين، لا يزال هناك مجال لتحسين الأوضاع المادية والمعنوية لهم، من خلال تعزيز الدعم المستديم والتنوع في فرص التكريم.

الترويج للجائزة والأدب العربي

  نتابع الجولات التي تقوم بها لجان الجائزة للتعريف بها في بلدان عديدة، كيف تنظمون هذه الجولات، وهل حققت أهدافها؟

  تعد جولات لجان الجائزة للترويج والتعريف بها في بلدان متعددة خطوة إستراتيجية مهمة في سبيل زيادة الوعي بأهمية الترجمة ودور الجائزة في تعزيز التواصل بين الثقافات والحضارات. وقد لقيت اللجان الترحيب من الجهات ذات الاهتمام بمجال الترجمة كالمؤسسات والمعاهد والجامعات بحيث سنحت لنا الفرصة للقاء المترجمين والطلبة الذين يَدرسون العربية في مختلف جامعات دول العالم التي وصلنا لها، كما أن التواصل مع المترجمين والكتّاب والناشرين في بلدان مختلفة أتاح بناء علاقات وشراكات إستراتيجية وشجّع المترجمين من مختلف الثقافات على المشاركة في الجائزة.

وغني عن القول: إن اللقاءات المباشرة مع المترجمين والمهتمين ساعدتنا في جمع ملحوظات قيمة حول كيفية توسيع مجالات الجائزة. وبالتالي، يمكن القول: إن هذه الجولات كانت فعّالة في تحقيق الأهداف المرجوة؛ مما يدعم رؤية الجائزة في ترسيخ ثقافة الترجمة وتعزيز التواصل بين الشعوب.

  يعاني الأدب العربي أزمة في ترجمته إلى الغرب، فإلى أي مدى استطاعت الجائزة أن تسهم في حل هذه الأزمة، وهل يجد الأدب العربي سوقًا جيدة في الخارج؟

  تعاني ترجمة الأدب العربي إلى لغات العالم تحدياتٍ عدةً، لكن الجائزة أسهمت في مواجهة بعض هذه التحديات من خلال تكريم الأعمال المترجمة، وتعريف الجمهور الغربي بأبرز الكتّاب العرب؛ مما يزيد من فرص ترجمة أعمالهم إلى لغات أخرى.

إلى جانب ذلك، تؤدي الجائزة دورًا في تحسين الفهم المتبادل بين الأدب العربي والأدب الغربي. مع ملاحظة أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالأدب العربي في الغرب، وبخاصة مع تزايد الوعي بالقضايا الثقافية والاجتماعية في العالم العربي، وهذا يتطلب مزيدًا من الدعم من الناشرين والمترجمين لتقديم الأدب العربي بشكل مناسب، بما في ذلك تسليط الضوء على الأعمال الجديدة والمبتكرة.

ويمكن القول: إن الجائزة تسهم بشكل جيد في معالجة أزمة ترجمة الأدب العربي، لكنها ليست الحل الوحيد. يحتاج الأدب العربي إلى دعم مستمر وشراكات قوية مع دور النشر العالمية؛ لتعزيز وجوده في الأسواق الغربية.

رعاية رسمية للترجمة

  ما مدى أهمية أن تعتني الحكومات برعاية أنشطة الترجمة، وإلى أي مدى سيعود ذلك بالنفع على الشارع العربي؟

  تعد رعاية الحكومات لأنشطة الترجمة خطوة حيوية لها تأثيرات إيجابية واسعة. فدعم الترجمة يشجع على تبادل الأفكار والابتكارات بين الثقافات، ومن خلال ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية، يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية؛ مما يساعد الأجيال الجديدة على فهم تراثهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تاريخنا الحضاري العربي ازدهر بفضل نقل علوم وثقافات العالم الحضاري قبل الإسلام عبر تشجيع الخلفاء والأمراء للمترجمين الذي وصل إلى أن يعادلوا وزن الكتاب المترجم ذهبًا.

كما أن رعاية الترجمة تتيح للشارع العربي الوصول إلى المعرفة والأفكار من مختلف الثقافات؛ مما يساعد في إثراء الفكر النقدي وتحفيز النقاشات المجتمعية، ناهيك عن دعم الاقتصاد الثقافي، مجسدًا في خلق فرص عمل جديدة للمترجمين والناشرين؛ مما يسهم في التنمية الاقتصادية.

يضاف إلى ذلك تدعيم العلاقات الدولية من خلال دعم الترجمة؛ إذ يمكن تعزيز العلاقات الثقافية والسياسية مع الدول الأخرى. كما تتيح الترجمة للشارع العربي الوصول إلى المعرفة والأبحاث العلمية والكتب الأدبية التي قد تكون محصورة في لغات أخرى.

كسر المركزية الأوربية

  كيف أمكن للجائزة أن تكسر المركزية الأوربية في الترجمة؟

  تمكنت جائزة حمد للترجمة من كسر المركزية الأوربية في الترجمة من خلال إستراتيجيات فعالة عدة؛ منها تسليط الضوء على الأدب العربي، فالجائزة تعمل على تعزيز ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية العربية إلى لغات مختلفة؛ مما يسهم في تقديم الأدب العربي للجمهور العالمي، كجزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي العالمي، ويعزز من التفاهم المتبادل ويعكس التنوع الثقافي الغني.

ومن هذه الإستراتيجيات تشجيع التنوع الثقافي، من خلال تكريم الترجمات من لغات متنوعة؛ إذ تشجع الجائزة على تقديم وجهات نظر ثقافية مختلفة؛ مما يسهم في تقليل التركيز على الأدب الأوربي فقط. والأهم من ذلك استحدثت الجائزة فئة جديدة تسمى «فئة الإنجاز»؛ فطرحت خمس لغات ثانوية كل عام إلى جانب اللغتين الرئيستين اللتين تُطرحان سنويًّا، وذلك لكسر فكرة سيادة لغة دون غيرها من لغات العالم، ومنح جميع اللغات فرصة التقدم للجائزة.

شعار النسخة الرابعة «بين الثرى والثريا» «نور الرياض»: 60 فنانًا من مختلف أنحاء العالم يربطون الفن بالتاريخ والمستقبل

شعار النسخة الرابعة «بين الثرى والثريا»

«نور الرياض»: 60 فنانًا من مختلف أنحاء العالم يربطون الفن بالتاريخ والمستقبل

يعود احتفال نور الرياض 2024م، في نسخة رابعة تحت شعار «بين الثرى والثريّا»؛ ليرمز بصورة شعرية إلى «الثَّرى» الذي يُبلله المطر، ونجم «الثريّا» الذي يصور معنى السمو والعلو. في أماكن عدة في مدينة الرياض تتجلى قصص الإبداع ويضيء الإلهام، ويجسد الطموح بجسارةٍ كدليل عندما يكون الطريق مجهولًا، وتكمن العلاقة العميقة بين الثرى والثريّا في تصوير الانتقال من عُمق الخُطى على الأرض إلى سماء الوضوح والتجلّي، ومعرفة الدروب بالاستدلال بالنجوم في السماء الذي يعبر بنهجه عن الترابط الحقيقي الكامن في احتياج المرء للثرى، وتأمل الثريّا لتتحد قوة إبداعية تدعو لابتكار وسائل فريدة. ويأتي الاحتفال بمشاركة القيّمة الفنيّة السعودية الدكتورة عفت عبدالله فدعق، والقيّم الفني العالمي الدكتور ألفريدو كراميروتي، ويقدم الاحتفال في نسخته الرابعة أكثر من 60 عملًا فنيًّا إبداعيًّا. ويشجع احتفال نور الرياض 2024م، الزوارَ على التفاعل مع كل من المفاهيم التقليدية والحديثة للضوء والإبداع، من خلال التركيبات النحتية والتجارب الغامرة وتقنية الإسقاط الضوئي، ويحول العاصمة إلى لوحة مضيئة، تُجسد حوارًا نابضًا بالحياة بين الفن والتكنولوجيا.

وقد أضاءت ليلة العرض الخاص للاحتفال مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، مقدمةً لمحة حصرية عن أكبر احتفال للفنون الضوئية في العالم وسط حضور نخبة من الفنانين والقيمين الفنيين، والشخصيات البارزة، ووسائل الإعلام المحلية والدولية احتفاءً بالإبداع.

منصة إبداعية تجمع كبار الفنانين

بهذه المناسبة، أكد الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة عضو مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض رئيس اللجنة التوجيهية لبرنامج «الرياض آرت»، أن احتفال «نور الرياض» يُعَدُّ بمنزلة منصة إبداعية سنوية تجمع كبار الفنانين بأبرز المواهب المبدعة الوطنية والعالمية في أعمال فنون الضوء من داخل المملكة ومن مختلف أنحاء العالم؛ لتقديم أعمال فنية مُلهِمة، تدعم الحركة الفنية والإبداعية في مدينة الرياض، وتُسهم في تعزيز موقع المدينة على خريطة المشهد الفني العالمي، وترفع مستوى جودة حياة سكانها وزوّارها.

وأوضح وزير الثقافة أن «احتفال نور الرياض» يحظى بدعم ورعاية كريمة من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، مؤكدًا أن هذا الدعم والرعاية الكريمة «تشكّل امتدادًا لما تحظى به مختلف البرامج والمشاريع والأنشطة الثقافية والفنية في المملكة، من دعم ورعاية كريمة من قيادتنا الرشيدة؛ مما أسهم في وضع السعودية في صدارة المشهد الفني العالمي».

وكان المهندس خالد الهزاني مدير برنامج الرياض آرت قال: إن رؤى احتفال نور الرياض وأهدافه تساهم في تحقيق رؤية السعودية 2030 «كما يحقق احتفال نور الرياض طموح العاصمة الفني في تحويل الرياض إلى معرض فني مفتوح»، مؤكدًا أن الاحتفال يعزز الارتقاء بجودة الحياة في عاصمة المملكة، ويشجع الإبداع ويقدم الفنّ للمجتمع، «ويعتبر بمثابة منصّة للتبادل الفنّي والثقافي لتحقيق أهداف برنامج «الرياض آرت»، ومختلف مشاريعه في رعاية المواهب المحلية، وتعزيز الاقتصاد الثقافي في العاصمة».

في حين رأت المهندسة نوف المنيف مديرة احتفال نور الرياض أن الاحتفال يقدم جولات إرشادية؛ لاستكشاف الأعمال الفنيّة المميزة بإشراف القيّمين الفنييّن، إلى جانب عرض استثنائي قدمته فرقة الفنانين البصريين العالمية «United Visual Artists» باسم «الأثير» وضم 1,500 طائرة بدون طيار، حولت سماء الرياض إلى لوحة مضيئة مستوحاة من القوى الخفية التي تشكل عالمنا، بشكل ينسجم من خلاله الضوء والصوت والحركة.

من ناحية، يحول احتفال نور الرياض 2024م العاصمة إلى معرض مفتوح على مستوى العالم، حيث يُعرض أكثر من 60 عملًا ضوئيًّا أبدعه أكثر من 60 فنانًا من 18 دولة. من بينهم 18 فنانًا سعوديًّا موهوبًا إلى جانب 43 فنانًا دوليًّا يمثلون أستراليا، وفرنسا، وألمانيا، والمجر، وإيطاليا، واليابان، والجبل الأسود، وهولندا، وبولندا، وروسيا، وسلوفينيا، وكوريا الجنوبية، وإسبانيا، وتركيا، والمملكة المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية.

تضم قائمة المشاركين في نور الرياض 2024م: أستوديو 05.10، أ.أ. موراكامي، وفيديريكو أكاردي، وبوريس أكيت، ويوسف الأحمد، وحمود العطاوي، وآثار الحربي، وأسماء الجهني، ونجلاء القبيسي، وعلي الرزيزا، وراشد الشعشعي، ونواف الدوهان، وسعد الهويدي، وهاشل اللمكي، وفهد النعيمة، وناصر التركي، ورفيق أناضول، وأتلييه سيسو، وإدواردو ديونيا شيكوني، وستيفانو كاجول، وكوليكتيف سكيل، وأيمن يسري ديدبان، وفيليكس فرانك، وسعيد قمحاوي، وماتياس غراموسو، ويانيس غروشيلي، وريوجي إيكيدا، ومشروع من الداخل للخارج لجي آر، وكريستا كيم، وكيمتشي أند تشيبس، وكسافيري كومبيوتري، وأستوديو كوروس للتصميم، وجيين لي، وكريس ليفين، ومارشميلو ليزر فيست، وريكاردو مارسيللو، وتاكايوكي موري، ويان نغويما، ونونوتاك، وكوايت إنسمبل، وراندوم إنترناشونال، وآنا ريدلر، وخافيير رييرا، وفيليب روكا، ودان روزغارد، وفينسنت روخترز، وإبتسام صالح، وشستر وموسيلي، وسباي، وستانزا، وعبدالرحمن طه، ومريم طارق، ورومين تاردي، وجوكان تاتيسي وتاكاشي ياسورا، وثيرد سبيس أستوديو، وتندرا، ولاكلان توركزان، ويونايتد فيجوال أرتيستس، ونيك فيرستاند، وڤاو، وأستوديو جافي بوفي.

وانطلق الاحتفال في 28 نوفمبر ويستمر إلى 14 ديسمبر، في ثلاثة مراكز رئيسية: مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، ووادي حنيفة، وحي جاكس. وعلى هامشه برنامج للشراكة المجتمعية يتضمن عروضًا فنية وورش عمل وحوارات وأنشطة متنوعة، ليقدم مزيجًا فريدًا من الإثراء الثقافي وتعزز التعبير الإبداعي.

نور الرياض.. ثقافة بصرية جديدة

أعلن احتفال «نور الرياض» أحد برامج «الرياض آرت»، الذي تقوم عليه الهيئة الملكية لمدينة الرياض، عن إصدار كتاب «نور الرياض.. ثقافة بصرية جديدة» بالتعاون مع «دار أسولين العالمية للنشر» في احتفالية أقيمت بهذه المناسبة في العاصمة البريطانية لندن، بمشاركة عدد من أمناء المتاحف الفنية ونخبة من الفنانين والمبدعين والمتخصصين في المجال الفني والثقافي من مختلف أنحاء العالم.

ويهدف هذا الكتاب إلى توثيق احتفال «نور الرياض» الذي يعد أكبر احتفال للفنون الضوئية في العالم، والذي أسهم في تعزيز مكانة العاصمة الرياض حول العالم، وجسّد أحد أهداف «برنامج الرياض آرت» المتمثل في تحوّيل العاصمة إلى معرض فني مفتوح يمزج بين الأصالة والمعاصرة بمشاركة كبار الفنانين من المملكة العربية السعودية ومختلف أنحاء العالم بما ينسجم مع أهداف برامج «رؤية السعودية 2030» في تعزيز الفنون والثقافة بين سكان وزوار مدينة الرياض.

وصدر الكتاب ضمن المجموعة «الكلاسيكية الفاخرة» من دار أسولين العالمية للنشر، ويتميز بأخذ القارئ في رحلة بصرية تستعرض النسخ السابقة من «احتفال نور الرياض»، من خلال مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية التي تعكس الطاقة الحيوية، وقوة الضوء في توحيد وإلهام الناس، وتصوير معنى التعبير الجمالي لفن الضوء في احتضان أبرز الأعمال الفنية للفنانين التي تألق بها المشهد الثقافي ضمن «احتفال نور الرياض».

كما يعكس الكتاب حيوية المجتمع الإبداعي في مدينة الرياض، ويظهر جوهرها النابض بالحياة، ويقدّم فرصة لعشاق الفن والمصورين، وكل من يملك القدرة والإلهام، لقراءة رسالة فنية ضوئية عميقة.

أعمال بارزة ومتنوعة

«دائمًا في لمحة» لفينسنت روخترز، تركيب حركي يستكشف الهوية والتراث والنزوح من خلال التفاعل بين الضوء والظل والقماش؛ إذ يستند العمل إلى بحث الفنان في جذوره الصينية الإندونيسية؛ ليعكس جمالية هذه الثقافة الهجينة من خلال إشارات تقليدية إلى المجتمعات الصينية الإندونيسية. يتمثل الاستكشاف الشخصي العميق لروخترز في هيكل معدني يشبه العروق، تتدلى منه شرائط من القماش الأحمر، ملونة بصبغة رمزية من لاسيم في إندونيسيا. ويستمد الأساس شكله من بتلات مستوحاة من نمط «كاوونغ» الشائع في فن الباتيك الجاوي، وتحيط بالعنصر المركزي مصابيح قائمة تحمل أشواكًا تُشبه زخارف «كيمبانغ كيلابا» الموجودة في ثقافة بيتاوي. في قلب التركيب، يلقي المصباح الكهربائي المتحرك ظلًّا غامرًا على الجدران والأرضية، ويدعو المشاهدين إلى التفكير في كيفية تموج ثقافة الأجداد، والهجرة إلى الحاضر لتشكيل هويتنا المتغيرة باستمرار.

«من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب» من «ثيرد سبيس- أستوديو» عمل فني بتركيب ضوئي تفاعلي يواكب التحولات المتسارعة التي تشهدها السعودية، يعتمد العمل الفني الجديد على رمزَي الضوء واللعب بوصفهما رمزين للجاذبية والأحلام ضمن هذا المشهد المتغير. يدعو العمل الزوار للتفاعل مع أرجوحة رباعية الاتجاهات، حيث يتحرك العمل الفني مع حركة الزائر، ويُمثّل هذا التفاعل حركة الصعود والهبوط، التي ترمز إلى طبيعة البحث عن الطريق في عالم معولم يعكس علاقتنا المتبادل بعضها مع بعض ضمن رحلتنا الجماعية. ومع الإيقاع والتفاعل فردًا تلو الآخر، يلهم العمل الفني المُشاهد للوصول إلى السماء بشكل حرفي ومجازي، ويحول العالم المحيط إلى فضاء حالم. من خلال التفاعل والاستكشاف، يشجع التركيب الفني على التأمل في معنى إعادة تخيّل الذات والانطلاق في رحلة عبر العالم.

«أحلام المرجان» هو عمل فني نحتي قائم على الذكاء الاصطناعي للفنان رفيق أناضول، يصوّر مجموعة ضخمة من صور الشعاب المرجانية، مسلطًا الضوء على جمالها الهش وأزمتها البيئية المُلِحّة، يحوّل العمل نحو 100 مليون صورة مرجانية خام إلى تصورات سائلة وديناميكية، وهو ما يعكس للزوار بيئة رقمية تشبه المحيط؛ لتجسد عالم الشعاب المرجانية النابضة بالحياة، والمعرضة للخطر في الوقت ذاته. من خلال تمثيلاته الحية، يهدف «أحلام المرجان» إلى زيادة الوعي بتأثير تغيُّر المناخ على موت الشعاب المرجانية، مُقدمًا تذكيرًا مؤثرًا بالحاجة المُلِحّة لاتخاذ إجراءات بيئية.

«الهرم الخامس» لراشد الشعشعي هو عمل فني نحتي يعكس التطور السريع للصناعات الإبداعية في المملكة العربية السعودية من خلال مفهوم الهرم المفكك؛ إذ يشكّل هذا العمل حلقة جديدة ضمن سلسلة من الأعمال المبنية على إعادة توظيف مواد متبقية من اقتصاد سابق يعتمد على النفط، بهدف تجسيد التحول المستمر لمدينة الرياض إلى مركز للفنون والثقافة والابتكار.

يستقبل الزوار هيكلًا هرميًّا ضخمًا مصنوعًا من منصات شحن بتروكيميائية خضراء. وبخلاف المعالم الأثرية القديمة، ينقسم هرم «الشعشعي» من المنتصف؛ ليكشف عن ممر مُضاء باللون الفوشيا الزاهي، مسلطًا الضوء على الطريق نحو مستقبل مشرق، حيث يعكس هذا اللون الجريء الروح الجريئة اللازمة لإحداث تغييرات مهمة.

عبر تفكيك رمزٍ تقليدي للاستقرار، يحفز هذا العمل الجمهور على التأمل في كيفية إعادة تشكيل الهياكل القائمة في المملكة؛ لتمهيد الطريق نحو اقتصاد جديد يقوم على المعرفة والاستدامة.

«صوت الرحى» لنجلاء القبيسي عمل تركيبي سمعي بصري تفاعلي يقدم لمحة عن عادات النساء قديمًا في نجد، حيث تسعى الفنانة في هذا العمل الجديد إلى توثيق التراث الشفوي من خلال عرض الأهازيج الشعبية التي تنشدها نساء نجد في أثناء قضائهن ساعات طويلة في طحن الحبوب على الرحى. يقدم هذا العمل عملية طحن الحبوب عبر استخدام تقنية الإسقاط الضوئي بشكل دائري؛ ليحاكي شكل الرحى، حيث تُوَلّد تقنية الذكاء الاصطناعي أشكالًا وحركاتٍ حيويةً تتراقص على السطح، وتتفاعل مع الأهازيج الشعبية وأصوات طحن الحبوب. ويرى الزائر من خلال هذا المشهد التصويري عملية إنتاج الطحين المضنية، التي تُعَدّ مصدرًا أساسيًّا للحياة، ومع دوران النساء للرحى وطحن الحبوب، واستيعاب هذه العملية بوصفها تجسيدًا للحفاظ على الحياة وربما المستقبل.

«داخل وخارج الرياض – بين الثرى والثريا» هو تركيب فني عام يتألف من صور بالأبيض والأسود للزوار، تُلْتَقَطُ في كشك تصوير مخصص. وبوصفه جزءًا من مبادرة «أكشاك الصور» لمشروع «من الداخل للخارج»، يهدف هذا العمل إلى تعزيز التبادل الثقافي والإنسانية المشتركة من خلال عرض التنوع والقصص غير المروية في عمل فني فسيفسائي ضخم.

يقع كشك التصوير في حي جاكس، حيث يستطيع الزوار التقاط صورة شخصية بالأبيض والأسود بمقاس 90 × 135 سم، والحصول على نسخة مطبوعة في غضون دقائق. ويمكن لمن لديه الرغبة في الانضمام إلى المجتمع المحلي لإيصال رسالتهم القوية أن يضعوا صورهم ضمن هذا العمل الفني الجماعي المتنامي، بعض هذه الصور ستُعرض أيضًا في مساحات مختلفة من الاحتفال، وهو ما يُضفي لمسة فنية ساحرة على مساحات المناطق العامة. يُلهم هذا العمل البصري الجمهور للتأمل في الترابط الإنساني، موضحًا قوة وجمال الهوية الجماعية.

     

«تدفق» لكوليكتيف سكيل، تركيب فني حركي مستوحى من دينامية الطبيعة وهندستها. يتكون العمل من 48 شريطًا ضوئيًّا مصفوفة على شكل دائرة؛ لتُشكل مساراتٍ ضوئيةً متموجةً تتفاوت في سرعتها وتدفقها، مُجسِّدة حيوية الطبيعة وشاعريتها. يكون التحكم في حركة الأشرطة الضوئية وَفْق الوقت الفعلي، وهو ما يضفي على جوهر العمل روحًا حيّة تتفاعل مع محيطها، حيث تؤدي التغيرات البسيطة في إيقاع سرعتها واهتزازها إلى تشكيل أنماط ساحرة وجذابة تُنَظّم قصيدة بصرية متناغمة. عند التأمل في عمل «تدفق»، سيحظى الزوار بفرصة عيش التجربة الأخّاذة وسط مشهد تفاعلي تتحول فيه الأضواء إلى موسيقا بصرية. عُرض هذا التركيب المعياري لأول مرة في مهرجان Constellations de Metz في مدينة ميتز بفرنسا عام 2021م، ومنذ ذلك الحين وهو يجوب العالم مضيئًا مسارح الموسيقا والفعاليات الفنية.

«جزء من حياة الإنسان» لعلي الرزيزا، عرض فني بتقنية الإسقاط الضوئي لإحدى لوحاته التي تجسد لحظة رمزية من التجربة الإنسانية، حيث تُعرَض الحركةُ البصرية الديناميكية التي ترسم اللوحة على واجهة مبنى في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، التي تجسد المشاعر المتنوعة في أعمال الرزيزا. وصُوِّرَت اللوحةُ الأصليةُ للفنان بدقة عالية لإنشاء تمثيل رقمي. وتُضفِي الرسومُ المتحركةُ الحياةَ على اللوحة، فتبدو عناصرها وكأنها تتنفس على الجدران. أما العناصر البصرية في اللوحة فهي تجمع بين الرمزية والتجريد؛ لتمثل الذكريات تاركةً المجال للتفسير الشخصي، وهو ما يعكس الطبيعة المتعددة والمتنوعة للحياة. يعكس عمل الرزيزا التجربة الإنسانية، داعيًا الزائر إلى إسقاط فهمه الشخصي على العمل الفني، والتأمل في كيفية تشكُّل اللحظات كجزء من نسيج الحياة الغني.

«بئر الحياة» ليان نغويما هو إسقاط خريطي لجزيئات ضوئية راقصة تصور نمو كائن مجرد يحاكي دورة الحياة، حيث يعتمد العمل الفني على خوارزميات النمو، التي تستخدم عادة لمحاكاة الشبكات الطبيعية المعقدة في علم الأحياء وعلوم أخرى، فبينما ينتقل الكائن بين الظلام والنور، محاصرًا في حلقة أبدية، يستكشف التركيب التوازن الدقيق بين الضوء والظل، وبين الحياة والموت. تُعرَض دورةُ الحياة على السطح الصخري لبئر قديم في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، حيث ينمو ويتدفق ويختفي، ثم يظهر مرة أخرى عبر الحجر في تصميم رقصات متقنة تدعو الزوار لملاحظة كيف أن جزيئات الضوء تخلق أحيانًا حيوانات ونباتات، وتتطور وفقًا للقوانين البيولوجية. هذه الرقصات المضيئة، التي تجمع بين الدقة والتعقيد وتصاحب مشهدًا صوتيًّا، يدعو الزائر إلى التأمل في شاعرية حركاته، والاحتفاء بدورة الحياة.

يتناول العمل النحتي لميلتون إستريلا قضايا الحياة اليومية عبر الهياكل المعمارية الصلبة والقاسية، التي غالبًا ما تظهر جنبًا إلى جنب مع التفاصيل العضوية الدقيقة، والتي تتآلف لتكون أشكالًا وحركات مجردة؛ إذ تصبح تلك الأشكال الهندسية، عند دمجها في البيئة الطبيعية وأصوات المدن بمنزلة موسيقا تتدفق في الفضاء الحضري لتشكيل لغة فنية فريدة. تدل هذه الأعمال على تجربة فريدة من نوعها، تجمع بين الحركات الصوتية والنحتية المتداخلة في غابة البناءات.

لا تقرأ القصائد… أقرأ جدول القطارات

لا تقرأ القصائد… أقرأ جدول القطارات

كانت “الفيصل” قد كرست ملف عدد مارس – إبريل 2017 للقطار والمترو، فتضمن تأملات في المترو والقطارات من زوايا عدة، كتبها عددًا من الكتاب والباحثين. وكانت مناسبة الملف آنذاك مترو الرياض واستمرار العمل لإطلاقه.

اليوم نعيد نشر هذا الملف، وفي مناسبة انطلاق مترو الرياض فعليا في 1 ديسمبر 2024.

تأملات في المترو والقطار من زوايا ثقافية واجتماعية وجمالية

صناعة النخب

صناعة النخب

لا شك في أن «النخب» بما يتوافر لها من قدرات ذاتية مدعومة بالتميز الفكري والثراء المعرفي، وبما تملك من أدوات التأثير والاستنارة، فئة موجودة في كل المجتمعات والثقافات، ومتجذرة في تاريخ الشعوب والحضارات منذ القدم، وهي مطلب قائم ودائم ومتجدد، وصناعة ضرورية لكل مجتمع ولكل مجال، وهذه الصناعة بمفهومها العقلاني المتوازن لا خلاف عليها ولا اختلاف حولها؛ لأنها في مجال تخصصها بمنزلة العقل من الرأس، أو الرأس من الجسم البشري، ولكن اللافت في الأمر أنه كلما اتسعت دوائر الصراعات والنزاعات والمصالح تعددت وتنوعت صور «صناعة النخب»، فهناك بعض النخب تُصنَع وَفْقَ معايير ربما تكون غير أخلاقية؛ لأن الهدف من تأسيسها وتمكينها ووضعها موضع الصدارة، وتزويدها بوفرة من الصلاحيات والسلطات؛ يكمن في تهيئتها لتكون أدواتٍ للصراع لا للحوار، أو أدوات للهدم لا للبناء، أو ربما الهدم بغرض إعادة البناء وفق منطق القوة ومتطلبات الهيمنة.

ومخطئ من يعتقد أن «صناعة النخب» ميدانها الوحيد هو العمل السياسي؛ ففي كل المجالات تنشط هذه الصناعة بصورها المتعددة، وأهدافها المختلفة، وأغراضها المتباينة، حيث تؤدي النخب دورًا كبيرًا ومؤثرًا في الواقع اليومي للمجتمعات والدول، وهي -كما أشرنا- ذات صور وأنماط متعددة على الرغم من القواسم المشتركة التي بينها، فإلى جانب النُّخب السياسية؛ هناك النُّخب الدينية، والفكرية، والثقافية، والاقتصادية، والإعلامية، والفنية، والرياضية، والمجتمعية، وغيرها من التصنيفات والتعريفات المتصلة بالتأثير في الرأي العام وإدارة الجماهير، حيث تعمل كل نخبة من تلك النُّخب في إطار حقلها العام ليعلو شأنها فيه، وتبدو بالغة الأثر والتأثير في محيطها ودوائر نفوذها، وبينما تبدو صناعة النُّخب بالمفهوم العقلاني احتياجًا لتحقيق التميز والتفوق والتوزان في مختلف المجالات، يبقى المثير للدهشة والجدل أن ينحرف المصطلح عن مساره المنطقي، فتُصنع بعض نماذج النخب من شخصيات هشة محدودة المعرفة لتكون سهلة القيادة، ومضمونة الولاء لمن أسهموا في صُنعها وتصديرها للمجتمع، وهذا ما يثير كثيرًا من التساؤلات، مثل:

لماذا تُصنع؟ وكيف تُصنع؟ ولمصلحة من تعمل؟

وإلى أي مدى تتغلب فيها المصالح الذاتية على المصالح العامة التي صُنعت من أجلها؟

وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تطرحها فكرة صناعة النخب عامةً، ونظرًا لأهمية هذه القضية، ولأن «الفيصل» مجلة معنية بالشأن الثقافي العام، فقد خصصنا ملف هذا العدد لمناقشة الأبعاد الثقافية لصناعة النخب، وطرحنا الموضوع على عدد من المثقفين والمختصين لمناقشة القضية من منظورها الثقافي الذي يتشابك مع كل جوانب الحياة بطبيعة الحال.