«وأنا بر وأنا دخن» لعبدالرحمن الموكلي كتاب الأطعمة المقدسة في جازان

«وأنا بر وأنا دخن» لعبدالرحمن الموكلي

كتاب الأطعمة المقدسة في جازان

يبدو أن الشاعر عبدالرحمن الموكلي لم يكن يفكر في كتابة عمل على قدر كبير من الأهمية، بقدر رغبته في ممارسة هوايته في اللعب مع الكتابة، فنتج من ذلك كتابه المهم الذي منحه العنوان «وأنا بر وأنا دخن»، الصادر حديثًا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالقاهرة. فقد رغب الموكلي أن يكتب عن واحدة من أشهر الأكلات أو الأطعمة في منطقة جازان التي ينتمي إليها، وهي أكلة «المرسة» التي تصنع من البر أو الدقيق الأبيض أو الدخن أو الخضير، إضافة إلى الموز، يفضل النوع البلدي، والعسل والسمن البلدي.

لكن الموكلي الذي بدأ كتابه وكأنه يمارس هوايته في اللعب قائلًا: «اسم «المرسة» يصلح عنوانًا لرواية، فصولها قائمة على أنواع المرسة ومقاديرها، وأبطالها نساء مولعات بالتباهي بصناعة الأكل، ورجال مولعون بتتبع أرواح النساء في المأكولات»، سرعان ما يتورط في الحكي عن مشاهداته في عوالم الطفولة، راصدًا ما كانت عليه منطقة جازان وبعض مدنها وقراها في صباه، مثل مدينة «صبيا» وغيرها، في نهاية الثمانينيات وزمن التسعينيات الميلادية؛ لينتقل من «المرسة» إلى أكلات أخرى شهيرة ارتبطت بمنطقة جازان.

يفتح عبدالرحمن الموكلي بابًا من أجمل أبواب المعرفة والسرد؛ لنتعرف معه إلى نشأة هذه الأطعمة وعلاقتها في العصور القديمة بالآلهة، وهو ما يجعلها في باب الأطعمة المقدسة، ويرتقي بالكتاب من فكرة الكتابة عن الأطعمة الشهيرة في مكان ما إلى كونه أحد المداخل الأنثروبولوجية المهمة لدراسة المكان وأهله، رابطًا بين مفردات الحياة اليومية للناس وبين هذه الأطعمة وما فيها من مواد، متتبعًا خريطة اللغات والآلهة القديمة ومساراتها في شبه الجزيرة العربية.

جاذبية

بدأت لعبة الموكلي بالحكي عن «المرسة» وذكر أنواعها والمقادير المطلوبة في صناعتها، راصدًا كيف تجلس الأمهات والجدات وهن «يمرسن» الدقيق بالموز بالعسل بالسمن، لكن اللعبة جذبته أكثر للحديث عن كل مكون من مكونات «المرسة»، سواء كان الموز وأنواعه والمناطق التي نبت فيها، والفارق بين كل نوع وآخر، أو البر والدخن والخضير، أو التنور الذي تخبز فيه أقراص العجين، راصدًا بحس أنثروبولوجي راقٍ، شكل الحياة في تسعينيات القرن الماضي، وكيف تطورت إلى ما هي عليه الآن في منطقة جازان، وذلك من خلال أكلة «المرسة» ومكوناتها.

لم يتوقف الكتاب كما توحي صفحاته الأولى عند «المرسة» وأنواعها وأشكالها وحضورها في الأعياد والأيام العادية، فقد تخطاها إلى أكلات أخرى مثل «العثامة» التي توزع في الأعراس، و«رد الجد» التي يرسلها العريس إلى أهل عروسه ليتعشوا بها يوم الزواج، و«الصبحية» التي يقيمها العريس لأهله وجيرانه يوم زواجه، و«المغش»، وطبخ اللحم باللبن، و«الحوت» الذي ينقسم إلى «الحوت المالح» و«الحوت الممطق» و«الحوت الذريح»، وكذلك أكلات «السليط» و«الشمير» و«العزبة» و«مرق الهوى»، و«السمن» و«السمين». وهي في مجملها أكلات معروفة في جازان، كما هي معروفة في مناطق أخرى، لكن لكل مكان بعض تفاصيله الخاصة التي تميزه من غيره، وهو ما يجعل تتبع أصول كل أكلة ونشأتها وانتشارها والفروق التي تميزها من غيرها مدخلًا أنثروبولوجيًّا مهمًّا؛ لمعرفة حياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم في هذا المكان.

أهمية كبرى

لكن ما جعل لكتاب الموكلي أهميته الكبيرة أنه سعى لربط الأطعمة، على كثرتها، بالآلهة التي كان الناس يعبدونها في منطقة الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، سواء في اليمن أو جازان أو الشام والعراق، وهي في أغلبها آلهة من الطبيعة، بعضها يتخذ من القمر رمزًا له مثل «هبل» و«ود»، فتسمى آلهة قمرية، وبعضها يتخذ من الشمس رمزًا له مثل «تشميس»، فتسمى آلهة شمسية، وبعضها يخص البحر مثل الإله «تحوت» الذي عبده المصريون القدماء.

وقد ارتبطت الأطعمة قديما في مجملها بالآلهة، ف«المرسة» ارتبطت بالأعياد الدينية، سواء أعياد الحصاد قبل الإسلام، أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية، خاصة في «جازان» التي ارتبطت هي نفسها بآلهة ما قبل الإسلام، فبعض العلماء يرى أن اسم «جازان» مأخوذ من اسم الإله «عزى»، حيث حذفت منه الألف المطوية فأصبح «عزن»، ثم أضيفت إليه ألف المد فأصبح «عزان»، ثم قُلِبَت العين جيم فأصبح «جزان»، ثم أضيفت إليه ألفًا أخرى، فأصبح «جازان». بينما يرى بعض الباحثين أنه مأخوذ من اسم إله القمر «ود»، الذي تحول إلى «دد»، ثم أضيفت إليه نون التعريف في اللغة الآرامية فأصبح «ددن»، ثم أضيف له الألف فأصبح «ددان»، ثم أضيفت ألف أخرى فأصبحت «دادان»، ثم تحولت مع الزمن إلى «جازان».

يقول الموكلي في كتابه عن التمر: «إن صنم بني حنيفة «حيس» مرتبط في الأصل بتقديس التمر، هذا التقديس قادم من تقديس النخلة، التي كانت تُعبَد في الجزيرة العربية، ولأن مناسبات الأكل الجماعية تمثل جزءًا من البُعد التعبدي لهذه الآلهة، فقد بُنِيَ الصنم «حيس» من التمر، والتقرب إليه، ومن بعد ذلك أكله». وفي حديثه عن أكلة «رد الجد» رصد علاقة الديانات القديمة بالجد، وكيف أن كثيرًا منها قَدَّسَ الجد، فقُدِّمَ العديد من الأضحيات له أو باسمه، فارتبط تكريم الجد بإرسال الطعام من بيت العريس إلى أهل العروس؛ كي يرضوا عنه، ويباركوا زواجه. وعن السمن والسمين يقول: «وفي الكتابات العربية الجنوبية القديمة ورد ذكر إله يدعى «بعل سمن»، «بعل سمين»، «بعل سموات»، كإله للبركة والخصب؛ إذ يرسل المطر فينتشر الخير». وعن طبخ اللحم باللبن يقول: «طقس أكل اللحم باللبن يعود إلى الكنعانيين حسبما يذكر الباحث العراقي علي الشوك، وفي أوغاريت الكنعانية كانوا يقيمون قداسًا احتفالًا بتجديد قوى الإله «إيل» التناسلية، وفي هذا القداس كانوا يطبخون جديًا بلبن أمه».

محدودية العنوان

هكذا تتبع عبدالرحمن الموكلي علاقة الأكلات والأطعمة التي عرفتها جازان بالآلهة، وهو ما يجعلنا أمام تساؤل عن العنوان وإلى أي مدى كان مدخلًا مناسبًا لعالم الكتاب؟ يبدو لي أنه كان مناسبًا للصفحات الخمسين الأولى التي خصصها الموكلي للحديث عن المرسة، لكنه لم يكن عتبة جيدة للدخول إلى عالم العمل ككل، فلم يكن الكتاب بخفة الحديث عن مكونات مجموعة من الأكلات في منطقة ما، لكنه كان بحثًا مهمًّا في علاقة هذه الأطعمة بالآلهة قديمًا، وهو ما نقله من باب الحديث عن الأطعمة ومكوناتها وطرائق طهيها إلى الحديث عن أثر حضور الآلهة في ثقافة هذا المكان على إنتاج أطعمة بعينها، وهي بالضرورة أطعمة مقدسة؛ لأنها ظهرت من خلال مذابح الآلهة، ومن ثم كان يمكن للعنوان أن يكون على نحو «الأطعمة المقدسة في جازان»، وهو ما يمكن أن نَعُدّه مدخلًا مناسبًا للدخول إلى عالم الكتاب وما هدف إليه الموكلي ورصده في كتابه.

السيد الجزايرلي في ديوانه الجديد بصير يتلمس عبر التصوف حنينه إلى الوطن

السيد الجزايرلي في ديوانه الجديد

بصير يتلمس عبر التصوف حنينه إلى الوطن

العلاقة بين التنبؤ والشعر قديمة ووطيدة منذ قصة وادي عبقر، والقول بأن لكل شاعر عفريتًا من الجن يلهمه أشعاره، مرورًا باتهام قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه شاعر، وتنزيه القرآن الكريم له عن ذلك، وصولًا إلى ادعاء المتنبي النبوة، أو قوله بذلك حين شبه نفسه بأنه في أمة تداركها الله مثل صالح في ثمود، وصولًا إلى الديوان الجديد للشاعر المصري السيد الجزايرلي الصادر مؤخرًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، الذي حمل عنوان: «أنا رسول بصيرتي»، وفيه يعتمد الشاعر على بصيرته في معرفة الأشياء والحكم عليها، ومن ثم فهي التي تقوده في مسالك الحياة.

في هذا الديوان نجد أنفسنا أمام طرح صوفي يعتمد فيه الشاعر على إلهامه الخاص في التعرف إلى الوجود من حوله. وربما كان ذلك ما دعاه لاعتماد كل من ابن عربي وابن عطاء الله السكندري مدخلًا للولوج إلى عالم ديوانه، فقد اختار لابن عربي مقولته: «من لم يتحقق بحقائق الأسماء والحروف فهو عن كشف سر غوامض الأشياء مصروف»، واختار لابن عطاء قوله: «النور له الكشف، والبصيرة لها الحكم، والقلب له الإقبال والإدبار».

الشعر والتصوف

يضعنا الجزايرلي بدءًا من عنوان الديوان وتصديره له أمام علاقة مثلثة الأضلاع تربط بين البصيرة والشعر والتصوف، وتجمع كلًّا من المتبصر والشاعر والصوفي في آن واحد؛ إذ يعتمد كل منهم على وحيه الخاص، وتجربته الوجدانية، لكن تظل اللغة هي الجسر المعبر عن إلهامات الثلاثة. ومن ثم فقد منحها كل منهم عنايته الخاصة. والشاعر في هذا الديوان متبصر من نوع خاص، متبصر اجتاحه الحنين إلى وطنه، وهو لسان حال جماعته من المنفيين أو المغتربين عن أوطانهم، ومن ثم فإنه يقوم بالتعبير عن حالهم.

السيد الجزايرلي

من السطر الشعري الأول في قصيدته الأولى، يتوقف بنا الشاعر أمام البلاد التي أتى من أجلها، وهي بلاد الحزن، موضحًا أنه لا هو ولا غيره ممن أتوا إلى هذه البلاد يسعون إلى تحقيق معجزة ما؛ لأنهم لم يأتوا بإلهام من الله، ولا برسالة من السماء، ومن ثم لا يعدون بتحقيق معجزة أو حتى أمر خارق للعادة. ويزيد الجزايرلي في توضيح مدى ضعفه الإنساني، وعدم إعجازه في مهمته، فرسالته للذين صلوا صلوات الموت في بلاد المنفى لم تصلهم، ومن ثم فبصيرته ليست موجهة لقوم فرحين مطمئنين في أوطانهم، لكنها من أجل المغتربين بعيدًا من الماء الذي نشؤوا فيه، والقرى التي ولدوا في أحضانها. ويبدو أن هذا التحديد لنوع البصيرة التي يمتلكها الشاعر وطبيعتها كان مطلوبًا من اللحظة الأولى في الديوان؛ لأن ذلك اتفاق ضمني بين الشاعر وقارئه.

السؤال والإجابة

تتنوع قصائد الديوان التي بلغت خمس عشرة قصيدة، وتوزعت ما بين التصوف والمعرفة الوجدانية، والحنين إلى الوطن ممثلًا في القرى التي خرج منها الشاعر، والرسالة المضمرة التي لا يصرح بها، لكن على القارئ أن يستشفها من بين السطور. ولعل قصائد مثل: (إغماءة، خرقة الصوفي، العراف، معراج) تعكس البعد الصوفي الذي شمل أجواء الديوان، انطلاقًا من كوننا أمام بصير لديه رسالة محددة، وليس معه وسيط سوى اللغة لتوصيل هذه الرسالة من خلالها. ومن ثم حملت اللغة في الديوان الشحنة الوجدانية التي أراد الشاعر توصيلها، ولم يرد الإفصاح عنها، عامدًا إلى أن تصل للقارئ بقلبه وشعوره وليس بوعيه ومنطقه قائلًا: «وكأن مائي سجدة/ غفرت لطمي الأرض/ تاريخ الظمأ».

يحتل الماء مركزا رئيسًا في الديوان، ليس بوصفه فقط أداة الطهر والنظافة، ولكن لأنه منبع الحياة وأصلها في مختلف الأساطير والديانات، كما أنه رمز للقرى التي أتى منها الشاعر، وهو أيضًا مقابل لأرض المنفى التي يسكنها من صلوا صلاة الموت، والموت هنا مقابل الحياة، والصلاة توءَم الماء.

يضعنا الديوان أمام بعد نفسي لا يصرح به الشاعر، وهو الاغتراب الذي يشعر به، ولا يمكن القبض على مفرداته الخاصة، فالشحنة الوجدانية في ظاهرها موجهة نحو التصوف والزهد والتسامي، لكنها في باطنها تحكي تاريخًا من الابتعاد والغربة عن الديار والأهل والوطن، ويتجلى حضور الوطن في العلامات الدالة عليه عبر عناوين قصائد مثل: «طين القرى»، «النيل»، «صوت الماء»، بينما تدل على الرسالة التي من أجلها كتب الشاعر ديوانه، أو دلت عليها بصيرته، عناوين مثل: (ملك أسير، بوابة المنفى، نشيد المحبطين، بياض الملح)، ولعل أول بوابات الغربة هي السؤال، ومن ثم تكمن بصيرة الجزايرلي في السؤال وليس الإجابة؛ لذا يقول في قصيدة «بياض الملح»:

«لماذا.. / كلما كُسرت جرار الوقت/ سال الحزن/ وارتبكت بيوت/ غلقت أبوابها قبل الغسق/ لماذا../ كلما وصل السراة إلى حدود الفجر/ تخذلهم قوافلهم/ لماذا../ عندما أغفو على نهر/ يمر الماء من غدهم إلى عطشي؟».

هكذا نجد أنفسنا أمام ديوان غني بالتساؤلات والرؤى والعوالم، يمزج فيه الشاعر ما بين التصوف والاغتراب النفسي والحضور الفني لفكرة البصيرة، وتوقف فيه دوره عن كونه ملهمًا إلى حدود أنه عضو فاعل في مجتمع كبير، وربما متصوف جديد يحركه شعوره بفقد وطنه وقراه التي نشأ في أحضانها، وماء أنهارها التي سرت في عروقه.

«الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر» لعزت القمحاوي.. حول العلاقة بين الكتابة والطبخ

«الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر» لعزت القمحاوي.. حول العلاقة بين الكتابة والطبخ

يفاجئنا الكاتب المصري عزت القمحاوي بوضع ما يمكن تسميته بنظرية عن الكتابة الجيدة، تلك التي سعى للتأكيد والتدليل عليها من خلال عشرات النصوص ومئات المشاهد والحكايات والقصص، مستلهمًا مبادئها الأساسية من عالم الطهو، وباحثًا عن شواهدها في عالم الرواية، وذلك من خلال كتابه الجديد «الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر» الصادر مؤخرًا من الدار المصرية اللبنانية.

ومن العنوان قد نعتقد أننا أمام عمل خفيف يخاطب القارئ البسيط الباحث عن حكايات أشهر الطهاة والأكلات وعادات الشعوب وتقاليدها الغريبة، رابطًا ذلك بحكايات الكُتاب وقصصهم عن الطعام، لكن ما إن ندخل إلى مقالات الكتاب التي تصل إلى 26 مقالًا حتى نكتشف أننا أمام حالة من النقد الثقافي، حيث يؤسس الكاتب من مقالته الأولى «مصافحة» للعلاقة بين الكتابة والطعام منذ فجر التاريخ «بالحكاية والطبخ تمكن البشر من استئناس بعضهم بعضًا».

مؤكدًا أن الرافد الأساس لنهر الرواية ليس ثرثرة الأصدقاء والمعارف، لكنها روح الكاتب التي تمنح كل شخصية لديه جزءًا من أفكاره وذكرياته وأحلامه. ويظل مجهوده الأهم هو إخفاء أي أثر لوجوده داخل النص. ومن ثم فالكاتب يقتل نفسه في نصه، أما الطاهي فيقتل النباتات والحيوانات والطيور التي يستخدمها عناصر في وجبته. وكلما أجاد الكاتب التخفي بين نصوصه كان كاتبًا كبيرًا، مثل نجيب محفوظ ونيكوس كازانتزاكيس، لكن هناك كتاب، مثل مارسيل بروست، لم يتخفوا ولم ينتحروا وقدموا سيرهم الذاتية في نصوصهم، وعلى الرغم من ذلك ظلوا كتابًا كبارًا. ونظرًا لارتباط فعل الحكي بأعمال، كالطهو والخبز، فإن القمحاوي يعتقد أن الكتابة فعل أنثوي، ويعتمد تعريف كارول م. كونيهان للعائلة بأنها جماعة من الناس تتشارك موقدًا، ويذهب القمحاوي إلى أن الكاتب يحتاج، مثل الطاهي، إلى الصبر والحيلة وعدم الخجل من الهشاشة في العمل، كما يحتاج إلى الصبر والحيلة وابتكار ما يدفع بالكتابة إلى آفاق أبعد.

وحدد القمحاوي عددًا من العناصر المهمة التي قد تحتاجها أي طبخة جيدة، سواء في الكتابة أو الطعام؛ أولها «الانسجام» الذي يعتمد على التوازن والتكامل والحركة التي تعتمد في الطعام الانتقال من المذاق المالح إلى الحامض، أو من عديم الطعم إلى الحلو أو الحار. لكنها في الكتابة تعتمد على النقائض التي تعزز بعضها بعضًا في النص، كما تحتاج الروح أو النفَس، فالأصناف التي تدخل في الأكلة قد تكون هي نفسها في أي مكان، لكن مذاقها يختلف بسبب ما يعرف باسم نفَس الطاهي، ولا يختلف الأمر عن ذلك في الكتابة، فموضوعات الفن لا تزيد على 37 موضوعًا بحسب النقاد، لكن معالجتها تختلف من كاتب لآخر بحسب خبرته والبهارات التي يضيفها والنار التي يستخدمها.

حكمة الشكل

وعلى الرغم من أهمية الروح في تكوين العمل الروائي، فإن القمحاوي يتوقف أمام ما أسماه «بحكمة الشكل» الذي يرى أنه يمنح الرواية جوهرها. لكن يجب ألّا يطغى على المضمون، فتطور بناء ألف ليلة وليلة كان درسًا في الحكمة الخفية للشكل. ولا يقل حضور اللغة أهمية عن حضور الشكل وحكمته. فإذا كان الطاهي لديه العديد من العناصر التي يظهر من خلالها طبخته، فإن الروائي ليس لديه سوى اللغة والعناية بها، وذلك من خلال الاهتمام بالبناء اللغوي الخاص بكل شخصية وعالمها. ولا توجد، بحسب القمحاوي، رواية عربية حققت طموح تعدد لغاتها مثلما حدث في رواية «الحرافيش» لنجيب محفوظ، «ببنائها الذي مدد فضاء الحارة وجعلها مكانًا مناسبًا لملحمة، وجعل من فتواتها البسطاء شخصيات أسطورية دون أن يتيهوا في البحر أو يخوضوا حروبًا مع وحوش في الظلام».

عزت القمحاوي

ويبدي القمحاوي في وصفته الروائية عناية خاصة بـ«حسن المطالع» ضاربًا المثل ببداية رائعة خوان رولفو «بدرو بارامو» التي تقول: «جئت إلى كومالا لأنهم قالوا لي: إن أبي يعيش هنا، إنه شخص يدعى بدرو بارامو، أمي قالت لي ذلك، وقد وعدتها أن أحضر لمقابلته عندما تموت». ويؤكد القمحاوي أن إحدى المهارات المهمة لدى الطاهي هي ترتيب إضافة السوائل والجوامد، أو ما يعرف في الكتابة بـ«الاستباق والإرجاء»، بالإضافة إلى «حكمة الخفاء» أو عدم إظهار المكونات، فذلك يجعلها لغزًا يسعى القارئ إلى فكه طيلة النص، وهو ما يسهم في إقامة شراكة بينه وبين الكاتب. فرواية «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ تعد مثالًا جيدًا لحكمة إخفاء العناصر؛ إذ يعتقد كثيرون أنها سيرة لمنافق جديد، لكن المخفي الذي تبرزه اللغة هو أن الموظف عثمان بيومي لم يكن يسعى إلا لأن يكون إلهًا على الأرض. وقد تشارك في هذا المنحى نجيب محفوظ مع دستويفسكي في روايته «الجريمة والعقاب» على الرغم من فارق الصفحات الذي وصل في «الجريمة والعقاب» إلى 600 صفحة، بينما لم يَتعدَّ في حضرة المحترم مئتي صفحة.

يضيف القمحاوي عنصرًا مهمًّا في نظريته عن الطبخة الجيدة أسماه «الشيء في الشيء»، حيث يحتوي الطعام من الخارج على نوع، ومن الداخل على نوع آخر، والانتقال بين النوعين هو ما يخلق الدهشة واللذة. وهو الأمر نفسه الذي يتكرر في الكتابة، فقد لعبت «ألف ليلة»، في مجمل حكاياتها، على هذا المبدأ. حيث تحتوي كل حكاية على حكايات أخرى، وهو ما يجعل القارئ منتبهًا ومتشوقًا لمعرفة ما ستنتهي إليه الحكاية الأم. لكن القمحاوي لا يتوقف كثيرًا في هذا المبدأ أمام «ألف ليلة» بقدر ما يتوقف أمام رواية «فردوس» لمحمد البساطي، حيث اللغط الذي أثير عن التشابه بينها وبين رواية «مديح الخالة» لماريو فارغاس يوسا. دافع القمحاوي عن أصالة عمل البساطي، موضحًا أن تاريخ الأدب عرف العديد من الأعمال التي حملت ما يعرف بالحب المحرم، بدءًا من قصة الأخوين في الأدب المصري القديم. وإذا كان البساطي متهمًا بالتناص مع «مديح الخالة»، فإن الأخيرة اعتمدت في بنائها على لوحات تشكيلية إيروتيكية رُسمت كترجمة لحكايات أسطورية، ومن ثم انطوت «مديح الخالة» (الشيء) على (شيء آخر)، وهو ما زاد من ثراء العمل وطبقاته.

الطبخة المدهشة

في مقال «شربة البيض وكمأة الطفل بوذا» يؤكد القمحاوي أهمية الدهشة والغرائبية في مفاجأة القارئ. وفي «خفة الأحلام» يقيد هذا المبدأ موضحًا أن الإنسان في الحلم يتحرك كما يريد في كل مكان، لكن الأمر مختلف في عالم الواقع. وكذلك في الكتابة، لا بد من وضع قدم على الأرض، ومراعاة بعض المنطق في صناعة الفانتازيا، كي لا تكون محض تحليق في الفراغ. أما عنصر السخرية أو «المزحة» فيعتبره القمحاوي لا يقل أهمية عن الخيالي في الطبخة المدهشة، فالفانتازيا والسخرية يتطابقان في الإخلال بالنسب المتعارف عليها في قوانين الطبيعة «ولكي يكون الكاتب الجيد مقنعًا يجب أن يظل على صلة بالأصل الواقعي». ص166. وأبرز ما أسماه بـ«المزاح مع التاريخ» من خلال حضور شخصيات مثل هارون الرشيد وجعفر البرمكي في «ألف ليلة»، لكن حضورها، على الرغم مما به من انحراف عن الواقع، ظل مستندًا على أحداث حقيقية تاريخيًّا.

وإذا كان للبهارات والتوابل تاريخ طويل قامت خلاله من أجلهما حروب وأساطير، فإن الكتابة لا تخلو مما أسماه القمحاوي بـ«بهارات الدهشة»، تلك التي تتمثل في التضمين الشعري والتضمين المعرفي والشخصية الفرعية التي يمكن الاستغناء عنها. وهي عناصر تحتاج إلى دقة في التعامل معها كي لا تحيل الكتابة إلى «كيتش» أو زيف ورداءة. وقد شن القمحاوي هجومًا شديدًا على ما أسماه بـ«سحر الكيتش»، أو الكتابة التي تزيد من التوابل ومكسبات الطعم والرائحة من أجل مغازلة قارئ يؤمن بالحجم والشكل، على نحو ما يفعل الشيف بوراك في أطعمته. أو كارلوس زافون في «مقبرة الأعمال المنسية».

في مقاله «تذوق الأذى» يضعنا أمام قارئ أو آكل يرغب في تذوق الرديء من الطعام، وهو عادة من الطبقة المرفهة التي ترغب في تجريب هذا النوع من الأطعمة. لكن متذوقي الأذى في الكتابة هم نوع من القراء غير المحترفين أو المنشغلين بالقراءة الجادة، يبحثون عن اللقطة أو الصورة مع ما هو منتشر. في المقابل يوجد ما أسماه بـ«مطبخ العظمة» حيث الموائد والأطعمة التي لدى الأمراء والسلاطين، والتي حضرت في «ألف ليلة وليلة» مقابل أطعمة الفقراء التي جاء أغلبها من السمك، ربما لأنه لا يحتاج إلى جهد استخراجه، بقدر ما يحتاج إلى صبر وحظ.

وعلى نقيض وضوح الأذى والعظمة تجيء «متاهة المذاقات»، حيث المذاق الذي ينقلنا إلى عوالم مختلفة ويجعلنا ننسى واقعنا وهمومنا كما فعل مارسيل بروست في وصفه لملعقة العسل المحتوية على بسكويت المندولين في رائعته «البحث عن الزمن المفقود». أما النوع الرابع فهو بقايا الأطعمة التي أطلق عليها القمحاوي اسم «البابيا». وعلى نقيض ما نتوقع يفاجئنا بقوله: «ومن المصادفات العجيبة أن طاهي البابيا الأول ليس عربيًّا ولا إسبانيًّا، لكنه الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي تخصص في تقديم طبقه الأدبي الشهير من بقايا الطبخات الأدبية السابقة، مستلهمًا آداب العالم داخل نفسه، وبينها التراث الشعري والفلسفي القصصي العربي» ص243.

يختتم القمحاوي عمله بما أطلق عليه «الطبخة غير المنتهية»، موضحًا أن كل الطبخات تنتهي، وكل الروايات تنتهي، مهما كان حجمها، فيما عدا «ألف ليلة وليلة»، تلك التي ما كان لها أن تنتهي لولا ظهور الطباعة وانقضاء عصر الحكاء الشفاهي. فطول الحكايات وابتكارها رهن برغبة السارد في استثارة فضول السامع، ورغبة الأخير في الاستزادة، وربما هو العامل الذي لعبت عليه شهرزاد طيلة الحكايات، ولعب عليه الحكاء الشفاهي وهو يحكي لمستمعيه، ومن ثم تتعدد طبعات «ألف ليلة»، وتتعدد رواياتها، وتتباين من القاهرة إلى بغداد إلى دمشق، بحسب الطول والترتيب والحجم، فألف ليلة في نظر القمحاوي هي الطبخة التي لا تنتهي.

كيف نستعيد ثقافة الوقف لإحداث نهضة ثقافية شاملة ودعم المشروعات الأدبية والفكرية الكبرى؟

كيف نستعيد ثقافة الوقف لإحداث نهضة ثقافية شاملة ودعم المشروعات الأدبية والفكرية الكبرى؟

لعبت ثقافة الوقف في الحضارة الإسلامية دورًا كبيرًا في رعاية المؤسسات العامة، تلك التي كان الأثرياء يوقفون عليها أموالهم لصيانتها ورعاية المستفيدين منها؛ بدءًا من المساجد، مرورًا بالتكايا والأضرحة والأسبلة وغيرها، وصولًا إلى الجامعات والمدارس التي طالما تبرع الأثرياء لتطويرها ورعايتها، حتى إن بعضهم كان يوقف ماله لرعاية كرسيّ أو اختصاص فيها، إلا أن منظومة الوقف التي كانت بمنزلة حجر الأساس الأول في فكرة مؤسسات المجتمع المدني لم تعد موجودة الآن إلا في بلدان قليلة، وعلى الرغم من أن القوانين في البلدان الإسلامية لا تمنعها، فإن الثقافة التي كانت تقف خلفها اختفت.

فمن أين نشأت فكرة الوقف، وكيف تطورت عبر التاريخ، ولمَ توقفت في العصر الحديث، وهل يمكن استعادتها من جديد وتوسيع مفهومها لتشمل الإنفاق على مشروعات ثقافية وفكرية وأدبية كبرى؟

محمد عفيفي: لا نحتاج إلا لتشريع مناسب

ثمة رأيان في نشأة الوقف؛ الأول يقول: إنه موجود في كل الديانات الوثنية بأشكال مختلفة، ودليل ذلك أرض المعابد المصرية والرومانية واليونانية قديمًا، وكذلك أرض الأديرة والكنائس، ومن ثم فكل المجتمعات عرفته على مختلف العصور، أما الرأي الثاني فيقول: إن الوقف ظاهرة إسلامية، جاءت من حديث للرسول صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل يريد أن يتصدق ببستان أو نخلتين، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. ومن ثم فمفهوم الوقف هو حبس الأصل والتصدق بالفرع، حيث يكون التصدق بنتاجه لرعاية أمر أو جماعة ما، لكن الوقف تطور ولم يعد يشمل المسلمين فقط، فقد انتقل إلى المسيحيين واليهود وغيرهم، وما كان ظاهرة إسلامية أصبح ظاهرة إنسانية عامة.

لكن طوال التاريخ كانت ثمة مشكلة للدولة مع الوقف؛ لأنه معفي من الخراج، ومع الوقت تحول إلى مؤسسة تنطوي تحتها مساحات شاسعة من الأراضي لا تؤخذ منها ضريبة الخراج، فقد توسع الوقف وقلت ضرائب الدولة، ونشأت جماعات مصالح تستفيد منه، فحاولت كل دولة أن تقلل من مساحات الوقف، أو تفرض عليها أنواعًا أخرى من الضرائب، حتى وصلنا إلى عصر محمد علي الذي أدخل كل الأوقاف تحت سلطة الدولة، ثم عادت الأوقاف من جديد مع عصر إسماعيل، فاستمرت حتى ثورة يوليو، تلك التي وضعت يدها على الأوقاف وعوضت أصحابها.

ورصدت السينما في فِلْم مثل «العتبة الخضرا» نهاية الوقف الأهلي، حين قال إسماعيل ياسين لأحمد مظهر: إنه جاءه خطاب من وزارة الأوقاف بحل الوقف الأهلي وتعويضه بتسعين ألف جنيه. لكن هذا لا يعني أن الوقف انتهى تمامًا من الحياة الحديثة، فما زالت هناك دول تسمح بنظام الوقف، من بينها الكويت وتركيا، ففي تركيا هناك بنك اسمه بنك الأوقاف، تُستثمَر أموال الأوقاف، وهي عديدة ومتنوعة، فهناك مثلًا وقف التاريخ التركي، حيث يوقف من خلاله أناس جانبًا من ثرواتهم لرعاية المؤرخين والأبحاث التاريخية.

أعتقد أنه يمكن استعادة ثقافة الوقف من جديد في حياتنا الراهنة عبر تشريع قانوني جديد، وقد كنت وبعض الأصدقاء في مرحلة ما نسعى لعمل حملة رأي عام للمطالبة بهذا التشريع، بحيث يُوقَف مال أو عقار أو أرض لرعاية شيء ما تحت إشراف من الدولة، وثمة نماذج معمول بها في عدد من الدول، يمكن الاعتماد عليها والأخذ منها بما يتوافق مع مصلحة الدولة، لكن ثم تخوف الآن من استغلال التيارات الإسلامية للفكرة، لكن في حال صدور تشريع يضمن الإشراف الكامل للدولة فإن ذلك يضمن الشفافية، وأعتقد أن الأثرياء لن يتأخروا عن وقف جانب من ثرواتهم لرعاية العديد من الأنشطة والمؤسسات، آية ذلك أنه في حال حدوث أي زلزال أو غيره فإنهم يتبرعون، والقانون يتيح نسبة من الضرائب لصالح العمل الخدمي والأهلي، ومن ثم فلدينا الأرضية المؤهلة ولا نحتاج إلا إلى التشريع المناسب.

أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة

محمد المسعودي: الوقف شمل كل مناحي الحياة

شكل الوقف في الحضارة الإسلامية بابًا من أبواب الإنفاق فيما يعود على الناس، وعلى المجتمع بالخير، انطلاقًا من مبدأ التكافل، واستنادًا إلى أهمية حفظ الحياة والرقي بها. وتعلق الأمر من خلال الفعل الحضاري بغايات عدة تتمثل في العمل على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال؛ إذ حرص ذوو الأملاك والأغنياء على أن تعم أوقافهم كل مجالات الحياة، مثل: وقف المساجد والعناية بها، والكتاتيب القرآنية، ووقف المقابر والعناية بها. ووقف المستشفيات، وإطعام الطعام، وإيواء المحتاجين والمسنين. ووقف المدارس والجامعات، والمكتبات، ودفع مرتبات للقراء والدارسين من البلدان الأخرى، ووقف تشجيع البحث العلمي (مثل: العناية بالطيور والحيوانات/ دار بلارج (اللقلق)/ دار الطير… إلخ). ووقف المعاونة للمقبلين على الزواج، وكفالة اللقطاء واليتامى، وتطبيبهم ورعايتهم. وتخصيص أوقاف معنية بقرض المال من دون فائدة، أو ضمان المتلفات.

هذا فضلًا عن تحقيق التكافل الاجتماعي والتضامن بين أفراد المجتمع الواحد، فكان الوقف تجسيًدا حيًّا لقيم التكافل الاجتماعي التي تُميّز المجتمع المسلم. غير أن عصرنا الحاضر، وبعد دخول الاستعمار إلى بلادنا العربية والإسلامية، خلخل نظام هذه المؤسسة الاجتماعية الدينية والاقتصادية، كما خلخل عقلية الطبقة الموسرة، وبخاصة التي اغتنت بطرائق غير مشروعة، فلم تعد تهمها القربة إلى الله، ولا يعنيها المجتمع إلا فيما يخدم أغراضها ويسعفها على تراكم أموالها في البنوك الخارجية.

وبذلك نرى أن الوقف لم يعد له دور فاعل في مجتمعنا المعاصر، ولم يعد يهتم به أغلب الناس اللهم إلا عند فئات محدودة من الأثرياء لا تزال تؤمن بأهميته، لكنها تقصره على أداء أدوار محدودة، مثل بناء المساجد بمنح أراضيها لهذا الأمر، أو وقف أموالها ودكاكينها لتحقيق استمرار المسجد وضمان ما يجعله يؤدي وظيفته الدينية. أو المساهمة في توزيع المؤونة والزاد على المعوزين والفقراء في الأعياد الدينية والمواسم، ولم يعد يخطر في بال هؤلاء المساهمة في بناء الجامعات وتشجيع العلماء والأدباء والمفكرين والباحثين، وتخصيص قسط من أموالهم في تشجيع القراءة ونشر الوعي، وتشييد المكتبات والمختبرات العلمية والطبية.

وإذا كانت مجالات العلم والاهتمام بالفن والأدب، في مقدمة ما أولاه الأغنياء المسلمون كامل اهتمامهم ودعمهم في القديم، فكان المقتدرون يحبسون أموالهم لتشجيع الإقبال على العلم وتحصيله، والعناية بالأدب وتشجيع الأدباء، وتقريب الفنانين والإغداق عليهم، فإن هذا الأمر قد صار في خبر كان؛ لأن الطبقة الغنية الجديدة في مجتمعاتنا لا علاقة تصلها بالعلم والأدب والفن، ولا تهتم سوى بجمع الأموال والتنافس في شراء الكماليات والتفاخر بها.

ناقد وباحث مغربي

سعد إبراهيم الدراجي: عودة الوقف تتعارض مع القوانين الحديثة

موضوع الوقف طويل الذيل عميق السيل كما يقولون؛ لأن بداياته في عصر النبوة والخلفاء الراشدين، وهو استجابة لأمر الله -عز وجل- بالصدقة والإنفاق على الفقراء والمحتاجين، وضمان إدامة المنفعة على شريحة من المجتمع، وربما هو نوع من التكافل بين الأفراد. والذي يطلع على مجالات الوقف ومشروعاته في المدن الإسلامية الكبرى يدرك أهميته، وقد أصبح للوقف هيئة خاصة في العهد الأموي بعد أن كان الإشراف والإدارة بوساطة الأفراد، وفي العصر العباسي أصبحت للأوقاف إدارة مستقلة غير مرتبطة بالقضاء.

إن رعاية الحاكم وحمايته لأوقاف المسلمين على مر العصور، وضبط أحكام الوقف من الفقهاء من خلال مؤلفاتهم؛ ساهم في تطور مؤسسات الوقف، وأدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية الاجتماعية في كل البلاد الاسلامية، وكذلك رغبة بعض الأشخاص في إدامة ريع بعض الأملاك لأسرهم من بعدهم ساهم بشكل فاعل في تنمية الوقف وزيادة العمائر والمشروعات الخدمية الموقوفة، ولا سيما في العصرين المملوكي والعثماني؛ إذ جرت العادة أن يوقف رب الأسرة ربع أو ثلث أو نصف المنشآت على المؤسسات الدينية أو المشروعات الخيرية، ويبقى النصف الآخر لأولاده وأحفاده.

إن قلة من الحكام تجرؤوا على مصادرة الأوقاف في التاريخ الإسلامي، وقد توقف في عهد الدولة الحديثة التي صادرت الأوقاف وضمتها إلى مؤسسة أو وزارة واحدة، وأخذت تتصرف بها على غير الشروط التي نصها الواقف واشتراطها في وقفيته؛ لذلك أصبح قلة من الناس في زماننا يهبون أملاكهم إلى المؤسسة الحكومية، والحقيقة هي لم تتوقف تمامًا، فهناك أشخاص الآن يبنون منشآت خدمية وصحية وفي الغالب دينية، ويشرفون على إدارتها بقصد الأجر، وبعضهم يسلمها إلى وزارة الأوقاف لتشرف على إدارتها، وبخاصة المساجد.

يمكن استعادة نظام الوقف إذا عدنا به إلى التنظيمات التي سنها الفقهاء، وراعت الدولة ذلك، وهذا صعب جدًّا؛ لأنه يتعارض مع القوانين المدنية الحديثة، وسياسة الدول في السيطرة على المؤسسات وأموالها.

أستاذ التاريخ بجامعة بغداد

أحمد زكريا الشلق: نظام الوقف توارى لصالح مؤسسات الدولة

بدأ الوقف منذ العصور الوسطى، وازدهر بشكل كبير في العصر المملوكي، وهي فكرة أساسها ديني، حيث يوقف الإنسان جزءًا من أملاكه على عمل معين. ومن ثم فقد سعى كثير من الحكام والأثرياء إلى وقف جانب كبير من أملاكهم لرعاية أسبلة ومستوصفات ومساجد وتكايا وجامعات كما فعلت الأميرة فاطمة إسماعيل في جامعة القاهرة في العصر الحديث.

ومن ثم فالفكرة كانت أن يوقف شخص ما مصدرًا من مصادر رزقه بشكل رسمي لرعاية مؤسسة ما، ويتقدم بذلك بحجة رسمية إلى القاضي أو الدولة؛ كي تضمن الدولة تنفيذ وصيته أو وقفه، وبعضهم كان يضع شروطًا في الحجة، كأن يُعيّن خادمون للسبيل، أو أن يوجد قارئ قرآن به، أو أن تخصص وقفيته لرعاية قناديل الزيت بالمسجد، أو غيرها من الشروط، وقد أخذت فكرة الوقف تتوسع من الزوايا والمساجد والأسبلة إلى مختلف شؤون الحياة، حتى إن بعضهم كان يوقف وقفًا لرعاية طريق ما، أو إصلاح ترع وغيرها، وهو ما جعل الحكومات في الزمن الحديث تنشئ وزارات الأوقاف لتنظيم عمل الأوقاف، ففي مصر أنشئت وزارة الأوقاف عام 1912م.

لكن نظام الوقف توارى لصالح مؤسسات الدولة وهيمنتها على مصادر التمويل لعدة أسباب، منها الدور المركزي الذي لعبته الدولة، ومن ثم فقد أصبحت الدولة نفسها طرفًا مستغلًّا بديلًا لجماعات المصالح التي نشأت على ضفاف الوقف القديم، ومنها أيضًا أن أغنياء هذا العصر يختلفون عن الأغنياء قديمًا، ففي الماضي كانت الحالة الدينية أكثر قوة، ومن ثم كان الأثرياء يسعون لتأمين فكرة الصدقة الجارية على أرواحهم، مثلما سعوا لإنجاب وتعليم الولد الصالح الذي سيدعو لهم، أما الآن فالأثرياء يؤمنون إيمانًا مظهريًّا؛ لذا يقيمون موائد الرحمن أو غيرها من الأمور التي تجلب لهم الوجاهة.

أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس

سلطان الحويطي: الوقف أسهم في نهضة ثقافية وعلمية

لا شك أن للوقف دورًا مهمًّا في نهضة الأمة الإسلامية في شتى المجالات سواء فكرية أو علمية أو ثقافية، ولكن للأسف الشديد فقد أصاب ثقافة الوقف داء التقليد والتكرار والانسياق خلف قوالب مجهزة مسبقًا، فاقتصر دور الوقف على بناء المساجد ورعاية الأيتام، ولا شك أن هذه المناحي مهمة، إلا أن الجهل وعدم تثقيف العامة بدور الوقف المهم في بناء شخصية مسلمة واعية منتجة أدى للركود.

ولو عدنا إلى العصور الإسلامية الأولى لوجدنا الوقف يساهم في نهضة علمية وثقافية عادت على العالم أجمع بالمنفعة، فكانت المدن الإسلامية تعج بالمكتبات الوقفية العامة مثل مكتبة الحكمة ببغداد، ودار العلم بالموصل، ودار الحكمة بالقاهرة، وخزانة الكتب بحلب وغيرها، ولاستعادة دور الوقف بشكل يتناسب مع معطيات عصرنا الحاضر لا بد أولًا من رفع مستوى الوعي لدى المجتمع بأهمية تنوع مجالات الوقف، وتعزيز مفهوم التنمية الشاملة، ومن ثم قيام المؤسسات الوقفية بالنهوض بالفكر والثقافة والإبداع، ويكون ذلك بإنشاء مطابع ودور نشر تهتم بطباعة الكتب القيمة وترجمتها وتسويقها، وإنشاء مراكز للبحث العلمي توفر بيئة ملائمة للباحث، وإقامة ندوات ثقافية ومسابقات في شتى مجالات الإبداع.

كاتب سعودي

«رواية ما بعد الحداثة» لعزت عمر.. وثالوث التجريب والتناص والتجاور

«رواية ما بعد الحداثة» لعزت عمر.. وثالوث التجريب والتناص والتجاور

جاءت ما بعد الحداثة كنوع من رد الفعل على الحداثة، تلك التي كانت تدعي الكمال في كل شيء، وهو ما جعل الأجيال الجديدة من الفلاسفة والمفكرين والمعماريين والأدباء والفنانين يوجهون انتقادهم إلى هذا اليقين بالكمال، ومن ثم أخذت كتاباتهم تؤسس للخروج عليه. ولم يكن إيهاب حسن الذي أصبح في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أهم منظري ما بعد الحداثة أول من تحدث عنها، فقد ورد المصطلح في أدبيات فلاسفة القرن التاسع عشر أمثال هيغل وماركس وهايدغر، وسرعان ما انتشر المصطلح بشكل أكبر في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية، كنوع من رد الفعل على ما وصلت إليه قيم الحداثة من انهيار، فانتشرت الرغبة في تهشيم هذا النموذج القائم على الثنائية الواضحة بين الخير الشر، وراح رواد ما بعد الحداثة يبحثون عن التعدد والتجاور والتباين، ومن ثم راجت التفكيكية والبنيوية الجديدة.

وأصبح لما بعد الحداثة منظروها الذين سعوا إلى إبراز قيمها في الفنون والفكر والأدب، وكان إيهاب حسن أبرز هؤلاء المنظرين الذين تركوا إرثًا كبيرًا في البحث عن معالم ما بعد الحداثة ورصدها، وعلى نهجه سعى الكاتب والناقد السوري المقيم في دولة الإمارات العربية عزت عمر إلى تلمس معالم وتقنيات ما بعد الحداثة في كتابه «رواية ما بعد الحداثة: التناص، التجاور، التجريب» الصادر عن دار «الغد» في الإمارات.

تمثيلًا للمشهد الروائي العربي

في هذا الكتاب تعرض عزت عمر بالنقد لنحو ثلاثين عملًا روائيًّا، أعمال متباينة ومتنوعة وتصلح أن تكون تمثيلًا جيدًا لمجمل المشهد الروائي العربي الراهن، فيما عدا ثلاثة أعمال خصص لها الفصل الثاني تحت عنوان: «ريادة مبكرة لرواية ما بعد الحداثة»، وهي رواية «شتاء البحر اليابس» للسوري وليد إخلاصي، و«ذات» للمصري صنع الله إبراهيم، و«مالك الحزين» للمصري أيضًا إبراهيم أصلان.

وعلى الرغم من أن الروائيين الثلاثة ينتمون إلى جيل الستينيات، ومن مواليد عقد الثلاثينيات، فإن الأعمال الثلاثة صدرت في عقود مختلفة. وفي الوقت الذي اعتمدت فيه رواية إخلاصي، بحسب المؤلف، على توظيف تقنيات جديدة في شكل من أشكال المغامرة السردية التي خلت من التسلسل الزمني المعتاد، ومن الحدث المتصاعد، وهو ما أهلها لأن تكون أول عمل عربي رائد في كتابة ما بعد الحداثة، فإنه يرى أن رواية «ذات»: «يمكن اعتبارها نموذجًا فائضًا بالتجريب في تقنياته واجتراحاته الفنية، التجريب النابع من رغبته في مفارقة نمط الكتابة الكلاسيكية نحو شكل من الكتابة جمع ما بين الإبداعي السردي والوثيقة المستقاة من الصحافة اليومية».

عزت عمر

لكننا لا نعرف الأسباب التي اختار على أساسها رواية «مالك الحزين» كي تكون ضمن رواد الرواية في كتابة ما بعد الحداثة… حمل الفصل الثالث من كتاب عزت عمر، عنوان «ما بعد الحداثة كنظام تفكير» وهو الفصل الأكبر أو العمود الأساس في الكتاب كله، فمن قبله كانت مقدمة بسيطة عما بعد الحداثة التي سادت في العقود الأخيرة، وعن الرواية العربية التي بدأت من منتصف القرن التاسع عشر وتطورت إلى وقتنا الراهن. وتلى ذلك فصل الرواية، ثم جاء الفصل الأساس الذي من المفترض أن يقدم فيه الناقد طرحه عن الرواية العربية، وكيف أصبحت ما بعد الحداثة هي نموذج التفكير الأساس الذي تقوم عليه، وفي هذا السياق قدم ما يمكن تسميته بمجموعة من القراءات ما بعد الحداثية، لأعمال تسعة عشر كاتبًا، ولا يسمح المقال باستعراض كل القراءات، إنما بعضها.

فالناقد يبدأ هذا الفصل بقراءة عن «التجاور وفاعلية التخييل في رواية البدل» للكاتب السوري خليل الرز، الذي وصفه بأنه أحد رموز الحداثة وما بعدها في المشهد السوري المعاصر، وقدم له أيضًا قراءة في روايته «الحي الروسي» بعنوان: «استعادة لغة وخيال الطفولة الفطرية»، موضحًا أنها تمتعت بأسلوب التداعي العفوي والمصاحبات اللغوية والبصرية، وقدرة السارد على اتباع أسلوب التكرار المعتمد كتقنية خاصة بخليل الرز. ورصد صراع الهوامش في رواية «منتجع الساحرات» للكاتب السوداني أمير تاج السر، قائلًا: إنها تنهض على نمط سردي من الواقعية السحرية «وفق النهج الماركيزي، يمزج الواقعي مع الخيال الفانتازي لتقديم النص في سوية عالية من المفارقات المدهشة التي تحفل بها القارة الإفريقية من ضروب جمالية وحكايات خرافية».

ووصف عمر «قوس الرمل» للكاتبة الإماراتية لولوة المنصوري بأنها واقعية سحرية وبنية ما بعد حداثية، واستعرض مهارات توظيف الرموز في رواية «فهرس» للشاعر والكاتب العراقي سنان أنطوان. أما دراسته عن رواية «حوض الشهوات» للعماني محمد اليحيائي، فقال فيها: «والتجريب سيتجلى واضحًا بالنسبة للناقد والقارئ الحصيف منذ الإطلالة السردية الأولى، فالرواية هنا تحكي ذاتها من خلال ذلك التناغم الصوتي بين السارد والشخصيات، وبين الشخصيات الذين سيتحولون إلى رواة، بمعنى أن تحكي الرواية ذاتها بمعزل عن المؤثرات الأيديولوجية الخاصة بالمؤلف وسارده العليم».

شتات وآلام

وتوقف عند رواية «كلاب المناطق المحررة» للسوري زياد عبدالله، تلك الرواية التي رصد فيها أجواء الحرب الأهلية في سوريا، وما نجم عنها من شتات وآلام للكثيرين. أما رواية «جبل الزمرد» للمصرية منصورة عز الدين، فذكر أنها جاءت على غرار الكثير من الروايات التي سعت للتناص مع حكايات ألف ليلة وليلة، كرواية السوري هاني الراهب «ألف ليلة وليلتان»، ورواية واسيني الأعرج «فاجعة الليلة السابعة بعد الألف»، فضلًا عن رواية غوته «الليلة الثانية بعد الألف» التي تعد أول عمل عالمي تناص مع ألف ليلة وليلة.

وكتب عن رواية السوري إسلام أبو شكير «زجاج مطحون»، قائلًا: إنها تنفتح على إمكانية التأويل لأكثر من وجهة دلالية تبعًا لزاوية القارئ، وهذا مؤشر على إشكاليتها وإمكانيتها في إثارة الأسئلة. أما رواية «ستيمر بوينت» لليمني أحمد زين فقد وصفها بأنها «رواية التفاصيل والإحالات الدلالية»، موضحًا أن بناء الرواية يقوم على شخصيتين هما: «الخادم والمخدوم اللذان يتواجهان للمرة الأولى أمام مرآة بانورامية، كما لو أنهما على خشبة مسرح، ومن زاوية قريبة يتابعهما السارد العليم الذي قام بتقديمها بتسليط الإضاءة على كل منهما للكشف عما يعتمل في الداخل من أفكار وهواجس».

وذكر أن رواية الليبي إبراهيم الكوني «فرسان الأحلام القتيلة»، تقوم على «التناص وبنية الاسترجاع». ووصف عزت عمر رواية «ملك الهند» للبناني «جبور الدويهي» بأنها «سفر في الذات الاجتماعية»، لافتًا إلى أنها تحكي عن مغترب لبناني غادر بلاده في الحرب الأهلية، ثم عاد إليها في أيامنا الحالية لتكتشف جثته بعد أيام من عودته على مبعدة يسيرة من مسقط رأسه، لتبدأ الأحداث وتتسع وتتشابك الخيوط والأفكار والمعارف.