دعم الثقافة في السعودية وفق معاييـر الاقتصاد الثقافي

عبدالرحمن مرشود – باحث سعودي
من النادر أن يتحدث أحد عن الاقتصاد الثقافي من دون أن ترد في حديثه مسألة دعم الأنشطة والمنتجات الثقافية، ومن دون أن يتطرق ذلك الحديث إلى دور الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني في ذلك الدعم. وكثيرًا ما يمتد الحديث حتى يصل إلى الجدال حول مسوّغات ذلك الدعم، وموانعه، أو ضوابطه. ربما كان من أبرز الكتب الحديثة التي ناقشت أبعاد هذه القضية كتاب «الاقتصاد الثقافي، ودعم الثقافة والإبداع في المملكة العربية السعودية» من تأليف الدكتور عبدالواحد الحميد. انطلق الحميد في توضيح ذلك من الإشارة إلى أن الطبيعة الاقتصادية للأنشطة والمنتجات الثقافية تتسم بخصائص تميزها مِن كثير من الأنشطة الأخرى التي تمارسها المجتمعات أو المنتجات التي تنتجها.
ومن أبرز الخصائص التي نعنيها هي تنافر كثير من مظاهر النشاط الثقافي مع قوانين العرض والطلب التي ينظر إليها دائمًا بوصفها أحد مقومات علم الاقتصاد. ومن أمثلة ذلك أن أي سلعة مهما بلغت قيمتها لدى المستهلك، فإنه عند بلوغ حد معين من الإشباع يبدأ تقديره لها بالتراجع مما يؤثر في سعرها نتيجة لانخفاض الطلب عليها.
ولكن مثل هذا لا يحدث بالضرورة لدى مستهلكي بعض المنتجات الثقافية، فبعض متذوقي الموسيقا على سبيل المثال يمكن أن تنمو ذائقتهم في اتجاه ما بعد تكرار الاستماع إلى ألوان معينة فيتطور الأمر إلى استهلاك المزيد من دون بلوغ أي حد يتراجع فيه إقبالهم عليها. كما أن أي مادة ثقافية لا تخلو من أن تكون لها طريقتان في تقييمها؛ تسعى إحداهما إلى تحديد «القيمة المالية» لها، وتسعى الأخرى إلى تحديد «القيمة الجمالية» لها. فكما يمكن تقييمها ماليًّا كأي سلعة في السوق، لا بد أن تقيّم وفق مناهج نقدية تراعي مقدار أهميتها الرمزية لدى المعتقدين بجماليتها.
ومن الخصائص التي ينبغي لنا مراعاتها عندما نناقش المنتجات الثقافية اقتصاديًّا، استحالة التعامل معها بوصفها منتجات نمطية متماثلة الوحدات، فلا يمكن التنبؤ بقيمة رواية ما قياسًا على قيمة رواية أخرى، بل قد يتعذر أحيانًا التنبؤ بقيمة فصل قياسًا على فصلٍ آخر من الرواية ذاتها.
دراسة مظاهر الاقتصاد الثقافي
تدعونا الخصائص المشار إليها بشدة إلى استعمال أدوات اقتصادية، وبخاصة عند دراسة مظاهر الاقتصاد الثقافي، ولا سيما ما يتعلق بجدلية «الدعم الحكومي للقطاعات الثقافية» وهو الدعم الذي لا يسوّغه الاقتصاديون عادةً إلا عند خشية الوقوع في الحالة التي يسمونها «فشل الأسواق»، وهي الحالة التي تعجز عندها آليات الأسعار في السوق عن احتساب جميع التكاليف والمنافع المتعلقة بإنتاج واستهلاك سلعة ما. وهو ما يؤدي إلى سوء توزيع الموارد الاقتصادية ويؤثر سلبًا في التوازن الاقتصادي والكفاءة الاجتماعية، فيستدعي التدخل الحكومي من أجل التصحيح.
ويؤدي أيضًا إلى عجز السوق عن احتساب بعض عناصر الإنتاج الثقافي؛ لكونها عناصر يمكن أن يقال عنها ذات «تأثيرات خارجية». والتأثيرات الخارجية مصطلح يقصد به الحالة التي يترتب عليها منافع تحدث لطرف ثالث –غير المستهلك والمنتج- من جراء نشاط ما، وذلك مثل إقامة متحف أو معرض ثقافي في حي قديم قد يؤدي إلى إحيائه وتنشيط الفضاء التجاري حوله، وهو ما يترتب عليه خلق قيمة اقتصادية مضافة، وبالتالي فإن العائدات المتحققة لن يستفيد منها المستثمر الذي أنشأ المتحف أو المعرض، وإنما ستستفيد منها أيضًا أطراف أخرى لم تتكبد تكاليف الاستثمار.
ولأن كثيرًا من المنتجات الثقافية تنطبق عليها حالة التأثيرات الخارجية الإيجابية، على نحو يجعل العائد الاجتماعي أكبر من الفردي، فقد يستوجب ذلك بعض المعالجات الاقتصادية التي تضمن الاستدامة وتعظم الرفاه الاجتماعي.
كما أن بعض عناصر الإنتاج الثقافي تصنّف ضمن «السلع العامة» التي قد يستفيد منها مستخدم ما من دون أن يتكبّد تكلفة استخدامه، ومثل ذلك بعض المواقع الثقافية والتراثية، التي يمكن أن يستمتع بها بعضٌ من دون دفع أي ثمن مقابل، ومن دون أن يقلل استمتاعهم بها من فرص استمتاع الآخرين بها. وقد يؤدي عدّ السلعة الثقافية سلعة عامة إلى إعراض المستثمرين عن الاستثمار فيها أو تطويرها، وهو ما يحرم المجتمع من قيم اقتصادية واجتماعية مضافة.
وهناك توصيف آخر قد يطلق على بعض السلع الثقافية وهو كونها «سلع ذات جدارة»، وهو توصيف يطلق في علم الاقتصاد على السلع التي لو ترك للفرد تحديد الكمية التي يستهلكها منها، فهناك احتمال بعدم اختيار الكمية المفيدة للمجتمع كله. ومن أبرز أمثلة ذلك «التعليم» الذي يعدّ أخطر من أن يترك للقرارات الفردية، فهناك من قد لا يرى أهمية حصوله على مستوى تعليمي كافٍ لتحقيق نمو المجتمع واستفادته المثلى من موارده البشرية.
وهو ما ينطبق كذلك على بعض المنتجات والأنشطة الثقافية؛ إذ من المتوقع وجود من لا يدرك أهميتها وحجم عائدها الاقتصادي الكلي على المجتمع وعلى الصورة الذهنية المنعكسة عنه، أو تأثيرها الاجتماعي الرافع لمستوى جودة الحياة. وهو ما يستدعي إنشاء سياسات تعالج الأعراض الناشئة عن هذا الخلل المتوقع.
يضاف إلى ما سبق أن القطاع الثقافي يتسم بالمخاطرة لعدم وضوح الطلب المستقبلي عليه، ومن أمثلة ذلك أن إنتاج فِلم سينمائي يتطلب تكاليف كبيرة من دون توافر معرفة واضحة عن احتمالات نجاحه! وهذه السمة في المنتجات الإبداعية تختلف عن كثير من المنتجات التي يمكن لمنتجيها التراجع عن إنتاجها في أي مرحلة قد يتبين بها ضعف الطلب. وعليه، فإن هذا المستوى من المخاطرة قد يمنع الشركات من الإنتاج ما لم تدعم بتدخل حكومي.
إذن هناك كثير من المسوغات التي يضعها الاقتصاديون لدعم الموارد الثقافية. والدعم المقصود هنا لا يقتصر على المدلول المالي، بل يشمل مدلولاته العينية والتنظيمية والتشريعية والمعنوية كافة. وكل ذلك من المهم أن يكون وفق سياسات مدروسة جيدًا تفاديًا للنتائج السلبية. إن استيعاب هذه المعاني هو ما جعل كثيرًا من البلدان تحرص على صياغة سياسات ثقافية تفعّل مناحي الاقتصاد الثقافي، بما تتضمنه من مواد تتعلق بأشكال الإنفاق الحكومي وتسهيل الإجراءات ووضع القوانين المنظمة لممارسة أنشطة الاقتصاد الثقافي.

الاقتصاد في السياسة الثقافية السعودية
وبحسب كتاب الدكتور عبدالواحد الحميد المشار إليه، فقد توخت السياسة الثقافية السعودية الصادرة عن وزارة الثقافة في عام 2019م مراعاة الجانب الاقتصادي. ويتمثل ذلك في الركيزة الثانية من ركائز الإستراتيجية الوطنية للثقافة وهي «الثقافة من أجل النمو الاقتصادي». كما تجلى الاهتمام بالثقافة من منظور اقتصادي في إنشاء «الصندوق الثقافي» ويعدّ أبرز قنوات الدعم الحكومي للقطاع الثقافي في المملكة والاداة الرئيسة التي تنفذ من خلالها الإستراتيجية الثقافية الوطنية. وكان برنامج حَفْز المشروعات الثقافية أول برامج الصندوق الثقافي، وهو يسعى إلى تشجيع منشآت القطاع الخاص والمؤسسات والجمعيات الأهلية العاملة في المجالات الثقافية. ومن برامجه أيضًا برنامج تمويل قطاع الأفلام، وهو يقدم التمويل المالي لمنشآت القطاع الخاص من أجل دعم المحتوى المحلي، وإنتاج وتوزيع الأفلام في المملكة.
وقد أنشأت وزارة الثقافة عددًا من برامج الدعم مثل برامج الإقامات الفنية والأدبية والمعتزلات الكتابية، وإقامات فنون العمارة والتصميم والصناعات الإبداعية، ومسرعات وحاضنات الأعمال التي تقدمها الهيئات التابعة لوزارة الثقافة.
ومن أجل تمكين القطاع الاقتصادي الثقافي وتحقيق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية الثقافية، أسهمت بعض الجهات الحكومية ببعض المبادرات، ومنها وزارة الاستثمار التي عملت على تكوين بيئة جاذبة للاستثمارات في القطاع الثقافي من خلال تسهيل الإجراءات ومراجعة الأنظمة ودعم المستثمرين وجذب المقرات الإقليمية لبعض الشركات العاملة في هذا القطاع. ومنها كذلك وزارة التعليم التي أطلقت بالتعاون مع وزارة الثقافة، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وبعض الجهات الأخرى إستراتيجية تنمية القدرات الثقافية وهي إستراتيجية تهدف إلى دمج الثقافة والفنون في جميع مراحل التعليم والتدريب التقني، وتمكين التطوير المهني المستديم لممارسي الفنون والثقافة ورواد الأعمال. وكذلك الهيئة العامة للترفيه التي تدعم تمكين المهارات الوطنية في صناعة المحتوى الثقافي المحلي ودعم الفنون والعروض المسرحية والورش التدريبية وبعض المبادرات الأخرى مثل طرحها لجائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيرًا، وديوانية القلم الذهبي لتعزيز الحراك الثقافي في المملكة.
أما القطاع غير الربحي فهو من أقدم روافد خدمة المجال الثقافي في المملكة، وقد برزت في العقود الماضية إسهامات مؤسسات ثقافية سعودية مهمة تنتمي إلى القطاع غير الربحي منها مؤسسة الملك فيصل العريقة، وكذلك مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وغيرهما من المؤسسات العريقة ذات الجهد المعروف. ولذلك كان من المتوقع أن يُشمَل القطاع غير الربحي باهتمام الإستراتيجية الثقافية السعودية.
وبما أن البنية العميقة لاقتصاديات الثقافة تقتضي الاستناد في دعمها على أركان تأسيسية من أهمها حماية الاقتصاد من اختلالات السوق، والتمايز الجوهري بين الأصول والسلع، وأفق الاستثمار السيادي العابر للأجيال، والعائد الجيوسياسي القائم على القوة الناعمة. فإنّ الأثر المتوقع للعمل الثقافي في العادة لا ينبغي أن يكتفى بقياسه بواسطة المؤشرات المصممة لدورات الاستثمار قصيرة المدى التي تعوّد القطاع الخاص على استعمالها مثل مؤشرات الرضا أو المؤشرات الكمية المباشرة.
بل ينبغي استعمال أدوات معقّدة عرف استعمالها في هذا المجال تعتمد على أكثر من منظور يرتبط بالغايات الإستراتيجية كحماية الهوية الحضارية للبلاد وتحصينها ضد التبعية، وكذلك بناء الأصول الثقافية المعززة للارتقاء الاجتماعي، وتشييد الرمزية المرسخة لوزن الدولة إقليميًّا وعالميًّا. وينبغي عند القياس والتقييم عدم تجاهل طبائع الإنتاج الثقافي الخاصة كضرورة التعامل مع منتجاته بوصفها «سلع ذات جدارة» ينبغي ان يؤخذ في الحكم على منحنيات تطورها بواسطة الخبراء من كل جنس من أجناس الثقافة.
ومع أن الحكم على نجاح أي سياسة ثقافية اقتصاديًّا يصعب إطلاقه قبل مرور الأمد الطويل المسوّغ لإطلاقه، ولا سيما أنّ إنشاء وزارة الثقافة في المملكة كان في عام 2018م وعدّ نقطة تحول جذرية في تفعيل القطاع الثقافي السعودي من جميع الجوانب. وهو تحول يمكننا قراءة انعكاساته في العديد من المجالات الحيوية الوطنية؛ إلا أن هناك مساحة كبيرة تنتظر تحقيق المزيد من المنافع الاقتصادية من القطاع الثقافي في المستقبل، وهو ما يتطلب تعزيز واستكمال البنى التحتية للقطاع والتوسع في استثمار إمكانيات المناطق البعيدة من المراكز الكبرى، وتوفير البيانات والإحصائيات التراكمية الكافية عن كل ما يتعلق بالقطاع الثقافي وفرص الاستثمار فيه.
الاقتصاد في الثقافة

فتحي المسكيني – كاتب تونسي
حسب تعبير هايدغر نحن «ملقى بنا» في العالم، سلفًا. تعريفنا البدائي هو: نحن «ما نجد عليه» أنفسنا. وهذا «الوجدان» -وجدان أنفسنا أو وجدان الآخرين أو وجدان الأشياء- هو الحال الأُولَى لأي شخص أو أي مجتمع. نحن لا نعدو أن نكون كمية متوافرة من «الوجود» حيث تختلط «الكينونة» مع «المِلك»، نحن «نوجد» بحسب ما «نجد» عليه أنفسنا. «نوجد» أي ندعي أننا نملك تعريفًا أخلاقيًّا أو ثقافيًّا لأنفسنا؛ و«نجد» أي نتوافر على كمية محددة من إمكانيات العيش في الوضع الذي نحن عليه. نحن إذن مركب من الوجود والمِلك، ولا معنى لأي فصل مزعوم بينهما.
وإذا ما طبقنا هذا الإطار النظري على العلاقة بين الاقتصاد والثقافة، وعلى مفهوم «الاقتصاد الثقافي»، فإن الوضع الإشكالي سيكون على هذا النحو: أنه لا يمكن الفصل بين الثقافة والاقتصاد كما لا يمكن الفصل بين الوجود والمِلك. ومن ثم فإن إعادة تعريف المفهومين هو السبيل الأنسب لإعادة التفكير في إشكالية العلاقة بينهما، وبخاصة في دلالة «الاقتصاد الثقافي» ومنزلته.
الإنسان الاقتصادي
«فلسفيًّا»؛ إذن، (أي وفق «مقولات» أرسطو)، يتنزل الناس غالبًا، منذ أول أمرهم، في «حال» أو «وضع» يقع تحت ما يسميه مقولة «المِلك» أو مقولة «له»، وهي مقولة تُقال على معانٍ عدة (أرسطو، المقولات، فقرة 15). نحن نكون دومًا في وضع «نمتلك» معه شيئًا ما، وهذه أمثلة أرسطو: نمتلك في معنى كيفي، «مثلما نمتلك علمًا أو فضيلة»، أو في معنى كمي مثل طول القامة، أو في معنى اللباس، مثلما نمتلك معطفًا أو خاتمًا، أو في معنى الأعضاء، أن تكون لنا يد أو ساق، أو حتى زوجة، وإن كان أرسطو قد شعر بغرابة امتلاك زوجة لأن ذلك لا يعني سوى الزواج بها أو السكن معها. هذا ما يجد عليه المرء نفسه بما هو «جسم» حين يعتزم تحديد الحال التي هو عليها بوصفها نوعًا من «الحيازة»: نحن نمتلك الحال التي نحن عليها (أرسطو، ما بعد الطبيعة، V، 20).
من أجل ذلك فإن مشكل «البقاء» قد ظل مطروحًا دومًا تحت مقولة «له»: لا يبقى على قيد الحياة إلا الذين «يملكون» وسائل البقاء. بهذا المعنى فإن البشر هم في أول أمرهم ليسوا «موجودات» مجنحة بل كائنات «اقتصادية» صرفة، ويبدو أنهم ما زالوا كذلك، أي لم يعثروا على طريقة أخرى لتأمين هويتهم. ومن ثم يبدو أن التعريف الأصلي للبشر هو «الإنسان الاقتصادي»، وليس الكوجيطو أو الأنا الأعلى أو «الدازين». والحال أن «الإنسان الاقتصادي» هو تعريف لن يظهر إلا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أي متأخرًا بأكثر من ألفي سنة عن التعريف المعتمد في الفلسفة منذ اليونان أي «الحيوان الناطق» أو «الحيوان القادر على اللوغوس»، أي، بالنسبة إلينا اليوم، القادر على «الثقافة». وعلى خلاف ما ظنه الفلاسفة اليونان، فإن الإنسان لم يصبح «حيوانًا ناطقًا» إلا في وقت متأخر جدًّا، بعد أن كان لآلاف السنين «حيوانًا اقتصاديًّا». ربما هذا يفسر لنا، بوجه ما، تأخر ظهور مفهوم «الثقافة» في تاريخ المعرفة كما حكاه الغرب.
لنقل: إن «الثقافة» حدث أخلاقي متأخر جدًّا في تاريخ البشر، ومن المؤكد أنه متأخر عن التحدي «الاقتصادي» لبقاء هذا الكائن الذي بذل وسعه في كل العصور؛ كي ينسى أنه مجرد «جسم» حيواني، وكي يثبت لنفسه وللآخر أن وجوده يعني أكثر من ملكيته. إن اكتشاف أو اختراع بُعدٍ رمزي آخر غير البعد الاقتصادي هو حدث حضاري متأخر جدًّا في قصته، وهو بُعْدٌ لا يعني «فلسفيًّا» سوى إدراك أن بقاء البشر يطرح مشكلًا آخر لا يمكن أن يكون «اقتصاديًّا»: هو مشكل لا يمكن أن ينضوي تحت مقولة «له»؛ لأن مقولة «له» نفسها ليست سوى إحدى مقولاته الكبرى، أما هذا المعنى فهو أكبر من أي مقولة؛ لأنه الحامل الأنطولوجي لكل المقولات. هذا المعنى هو «الوجود» عامةً.

الوجود بوصفه حيازة
قد يُقال: إن بين الثقافة والاقتصاد فرقًا أصليًّا، أي أنطولوجيًّا، هو ذاك الفرق نفسه بين «الوجود» و«المِلك»، بين أن «نكون» وأن «نحوز»، أن «نعني» وأن «نخدم»، أن «نفهم» من نحن وأن «ننجح» في وظيفتنا… لكن ذلك لا يعني أن الانتقال من مشكلات «البقاء» إلى مشكلات «الوجود» هو ترف أخلاقي متاح، بل إن الأمر أكثر تعقيدًا. إن الجسم البشري اقتصادي لكن «روحه» تدعي أنها معنى لا يمكن لأي استخدام اقتصادي أن يستوفيه؛ ذلك أن العلاقة بين الوجود والمِلك هي علاقة مقولية وأنطولوجية، وليست ادعاءً لغويًّا أو نفسانيًّا. هناك تواشج أصلي بين أن نوجد بالنسبة إلى أنفسنا وبين أن ننتج وفق نظام حاجات معين، بين أن نكون أنفسنا وبين أن يكون لنا شيء ما تحت تصرفنا. وهذا التواشج غير المرئي هو نواة الإشكال.
إذْ على خلاف ما دعا إليه هايدغر طيلة مسيرته، فإنه ليس ثمة سؤال محض عن «معنى الوجود»، بل كل سؤال عن وجود الموجود هو سؤال وفق حاجة «اقتصادية» سابقة عليه: فإن المفارقة هي أن ما سماه الفلاسفة اليونان «οὐσία» (ousia)، وتُرجم بمصطلحات «الماهية» و«الجوهر»… وعدّه أرسطو رأس القول الفلسفي في معنى الموجود، هو لم يكن يعني في أصله سوى «ما نملكه»، في معنى الحيازة والمتاع والعقار، ومجموع ممتلكات الشخص من بيوت وأراضٍ فلاحية وحقول، وما يمكن أن نبني عليه. وبهذا المعنى استُعمل اللفظ اليوناني في إنجيل لوقا (15: 12-13). إن ما سمّاه أرسطو (ماهية، جوهر…)، هو إذن ردم معرفي لمعنى اقتصادي سابق في اللفظة اليونانية. وهذا يعني أنه لم يكن هناك أبدًا تقابل حزين بين «الوجود» و«المِلك» في التقليد اليوناني، ومن ثم هو لا يعدو أن يكون اختراعًا «حديثًا» ربما هو منحدر من القيم المسيحية ولا علاقة له بالفلسفة.
إن ما يجدر بالفلسفة (وليس سوسيولوجيا الاقتصاد) أن تقترحه وفق معجمها الخاص، هو أن تدعو إلى ممارسة نوع من «الاقتصاد في الثقافة»، على وِزَان دعوة الغزالي يومًا ما في نطاق الملة، إلى «الاقتصاد في الاعتقاد».
فقبل تخليه عن التدريس في المدرسة النظامية ودخوله مرحلة العزلة، سنة 1096 ميلادية، ألف الغزالي كتابًا سماه «الاقتصاد في الاعتقاد»، وذلك في معنى «نقدي» طريف، لا يتعلق بسياسات الاعتقاد، بل بالاستخدام الاقتصادي للاعتقاد من زاوية حياة المؤمن. هو يوصي بأن «نقتصد» في الاعتقاد لأن نظام المعرفة السائد يفرط أو يفرط في الاعتقاد ويؤدي إلى باثولوجيا لاهوتية.
وحين نقرأ الغزالي اليوم، بعد الخروج من تقليد الملة والانخراط في براديغم الدولة الحديثة، نشعر أننا صرنا نتكلم لغة تتميز بدلالة خاصة للفظة «الاقتصاد»، تبدو غريبة عن اللفظ المتداول في اللغات الأوربية منذ اليونان. ومن ثم فإن ترجمة المصطلح الإنجليزي، «economy»، بلفظة «اقتصاد»، هي في ظاهرها مجرد اتفاق لغوي في الفصاحة العربية المعاصرة بين متكلمين «مثقفين»، منحدرين من تقاليد لغوية مختلفة، لكنها في سرها تقوم على خدعة نبيلة هي أن نوهم السامع في اللغة-الهدف بأن ما قيل في اللغة-المصدر هو «الشيء نفسه تقريبًا» حسب تعبير أومبيرتو إيكو.
من تدبير المنزل إلى علم الاقتصاد
لو تدبرنا قليلًا في اللفظة الغربية لألفيناها منحدرة من الأصل اليوناني القديم «oikonomia»، الذي يعني -كما قال مترجمونا القدامى- «تدبير المنزل». كان تدبير الوجود مشكلًا فلسفيًّا، مثلما أن تدبير المدينة مشكل سياسي؛ لكن تدبير المنزل هو مشكل «اقتصادي». كل «منزل» يحتاج إلى «تدبير»، واللفظ اليوناني مأخوذ هنا في معنى «رعوي» متعلق برعي المواشي وتقسيمها والتصرف فيها. ولكن علينا ألا نقلل من خطورة هذا الجذر اللغوي، الرعوي؛ ذلك أن اللغة اليونانية تقيم صلة قرابة دفينة، يسكت عنها التقليد الأفلاطوني، بين «الرعي» (nomós)، و«البحث عن المراعي» (nomás)، وبين «الناموس» (Nómos)، أي «العرف» و«الناموس» الذي يحكم المدينة. كان ذلك يعني أن «تدبير المدينة» إنما كان عند اليونان مجرد استنساخ لنموذج سابق هو «تدبير المرعى»، الذي كان هو النسخة البدائية من «تدبير المنزل». وربما أن رهان محاورة «السياسي» لدى أفلاطون هو ردم هذا الأصل وتنصيب نموذج «مدني» صرف مكانه (كما بيَّن ذلك فوكو).
علينا أن نلحظ أن ما كان يسميه أرسطو «oikonomikè» (ما هو متعلق بتدبير المنزل) هو معنى مختلف عما صار يسميه الفكر الغربي الحديث «علم الاقتصاد». إن موضوع «التدبير المنزلي» هو «البشر» وليس «الموارد»؛ وهو لا يتضمن أية إشارة إلى أكبر ظاهرة تميز التصور الحديث للاقتصاد، نعني ظاهرة «التسليع»؛ أن كل «شيء» هو «سلعة» قابلة للبيع والشراء. كان اللفظ اليوناني يشير إلى مصطلح خال من أي «تشيؤ» أو «استغلال» أو «تبضع». بل كان يحيل على نوع من التدبير الرعوي لثروة الأسرة، المكون الأصغر للمدينة. إذن كان أقرب إلى معنى «الحوكمة» منه إلى معنى «الشركة الربحية» التي وصفها ماكس فيبر.
كان ما يميز «تدبير المنزل» عند اليونان أن «الاقتصاد» ليس أخلاقيًّا (تدبير النفس) ولا سياسيًّا (تدبير المدينة)، بل يملك نوعًا خاصًّا من التدبير يتعلق بنمط «الحياة الجيدة» للأسرة بوصفها وحدة حيوية لا يمكن اختزالها لا في «الفرد» ولا في «الجماعة». التدبير يعني هنا استعمال خيرات النفس وخيرات الجسد جيدًا. كان أرسطو يميز في الواقع بين صفتين: صفة «استعمال الخيرات» (oikonomikè) الضرورية للحياة الجيدة، وصفة «اكتساب الخيرات» (chrematistikè)، والتدبير لا يهم في الأساس إلا المعنى الأول. لا يتعلق الأمر بمجرد «الحياة» بل بالحياة الجيدة، أي الحياة التي نعيشها في «المنزل»، مع الذين ننتمي إليهم. وبما أنه يتعلق بالحياة الجيدة فإن التدبير لا يمكن اختزاله في الكسب بل هو «ملكة»، بل هو «قدرة» على استخدام الخيرات، وبالتالي هو «طريقة وجود» أيضًا، ومن ثم يشمل «الفضيلة». وهذا يعني أنه لا يمكن فهم «التدبير المنزلي» في معنى «علم الاقتصاد» الحديث، بل في معنى «أنطولوجي».

من الثقافة إلى الترفيه
لقد سبق أن تعرض فلاسفة معاصرون لنقد «الصناعة الثقافية»، كما فعل أدورنو وهوركهايمر، خاصة، في كتابهما «جدل التنوير» (1944م). وافترض هذا النقد أن انهيار العالم التقليدي، ما قبل الرأسمالي، لا يعني السقوط في «فوضى ثقافية»، بل إن «الثقافة» قد تحولت تحت سلطة رأس المال المطلقة إلى «صناعة الثقافة»، ومن ثم فإن «حركة التنوير» التي يفتخر بها الأوربيون بوصفها برنامجًا عقلانيًّا ونقديًّا واسع النطاق لبناء الثقافة الغربية بعد انحسار الدين المسيحي؛ هي لا تعدو أن تكون حركة «خداع للجماهير». في واقع الأمر كان هذا «النقد» المضاد للتنوير ترفًا معرفيًّا وجماليًّا لم يعد مناسبًا لوضعية التفكير الحالية: كان عبارة عن رثاء «مسياني» لثقافة زائفة نابعة من تفكير ليس له من وجاهة أخرى غير الشعور بالذنب تجاه ما يفكر فيه، وذلك لأنه «لم يعد يمكن لأي نظرية أن تفلت من السوق».
هذا الوضع سمته حنا أرندت «أزمة الثقافة» في الفصل السادس من كتابها «بين الماضي والمستقبل» (1961م)، إلا أنها لم تهتم بالتحول «الاقتصادي» للثقافة بما هو كذلك، بل عملت على تشخيص «أزمة الثقافة» من زاوية أن ما أتى به «المجتمع الجماهيري» هو «ثقافة جماهيرية»، حيث صار المبدع التقليدي للثقافة، أي «الفنان»، الذي تصفه بأنه «الفرد الأخير في المجتمع الجماهيري»، يشعر بأنه قد جُرد من وظيفته. لكن ما اقترحته أرندت من استشكال لماهية الثقافة هو طرح «سياسي» محض. ولم تر الوجه الاقتصادي من المسألة إلا عرضًا.
صحيح أنها وقفت على التحول الذي وقع للثقافة التقليدية منذ القرن التاسع عشر عندما بدأ المجتمع الليبرالي في وصف الموضوع الثقافي بأنه «قيمة»، أي «بضاعة اجتماعية يمكن تداولها وتبادلها مقابل كل أنواع القيم الأخرى، الاجتماعية والفردية». وبخاصة أنها وصفت ما أصاب «القيم الثقافية» حين صارت قيمًا تبادلية: أنها «فقدت تلك الملكة التي هي في الأصل خاصة بالأشياء الثقافية، نعني قوة جذب انتباهنا وهز مشاعرنا». لكن أرندت لا تهتم بهذا التماهي «الرأسمالي» بين القيم الاقتصادية والقيم الثقافية، بل تفترض أن أزمة الثقافة في مكان آخر: في «العلاقة الإشكالية جدًّا بين المجتمع والثقافة». المشكل إذن بالنسبة إليها ليس في الثقافة ولا حتى في «المجتمع» بالمعنى الحديث، بل في «المجتمع الجماهيري»، أي المجتمع-الكتلة، الذي يلغي «الفرد» المبدع للثقافة ويعوضه بشيء آخر. والأطروحة الناظمة هنا هي هذه: «أن المجتمع الجماهيري لا يريد الثقافة بل الترفيه، والسلع التي تقدمها صناعة الترفيه هي مستهلكة في الواقع من طرف المجتمع تمامًا مثل أي مواد استهلاكية أخرى… ولا يعني ذلك أن الثقافة قد انتشرت داخل الجماهير، بل إن الثقافة قد دُمِّرَت من أجل إنتاج الترفيه».
إن ما يميز أرندت عن أدورنو هنا هو أنها لا تزال تعول على إمكانية الفصل بين الثقافة والصناعة الثقافية، بين الإبداع والترفيه. وهي ترى أن الآثار الفنية هي المقياس الأصيل للحكم على أي شيء ثقافي، بل تعدّها أعلى درجة من أي شيء صنعه البشر. ومن ثم فإن علينا الفصل بين القيم الاستهلاكية والقيم الفنية؛ إن الثقافة قيمة لا يمكن استهلاكها. لماذا؟ لأن الآثار الفنية في تقديرها ليس لها أي «وظيفة» في الحياة الاقتصادية للمجتمع، بل هي «ليست مصنوعة للبشر، بل للعالم الذي يُفترض أن يبقى حيًّا بعد حياة الفانين عبر الأجيال». وحسب أرندت لا توجد طريقة لاختراع «المسافة» الإبداعية بين المجتمع والعالم إلا طريقة الثقافة. فهي فن «العالمية، أي القدرة على صنع عالم ما وابتكاره». وهو ما لا يمكن لأي ترفيه أن يحققه. بيد أن ذلك لا يعني أن الثقافة لا تلبي «حاجة» أصيلة في حياة البشر؛ بل فقط أن هذه الحاجة هي ليست من طبيعة «استهلاكية»، وبالتالي ليست مشكلًا اقتصاديًّا.
تقول أرندت: «إن الحياة البشرية لا تحتاج إلى عالم إلا بقدر ما تحتاج إلى موطن على الأرض للمدة التي تقضيها هنا». فالعالم في حاجة ثقافية إلى «موطن»، أي إلى مسافة عن المجتمع الاستهلاكي حيث يمكن ابتكار شيء خالد نتركه للأجيال. وهذا الشيء الخالد ليس ثمة من طريقة مناسبة لإبداعه، حسب أرندت، سوى بالأعمال الفنية. فهي إذن المسؤولة عن ابتكار «العالم» الذي نريد أن نتركه بعدنا للأجيال التي ستنتمي إلينا. وهذا يعني أن التقابل الظاهر بين «الوجود» و«المِلك» ليس حقيقيًّا: نحن «نوجد» فقط لأننا «نملك» العالم الثقافي الذي يخصنا. وبهذا المعنى تحديدًا علينا أن نفهم تنبيه أرسطو عند تعريفه مقولة «المِلك»: نحن نملك الأشياء، ولكن نحن «نملك المعرفة والفضيلة» أيضًا، وهي ليست سلعًا للبيع. هناك إذن معنى آخر للملكية هو ملكية ما لا يُباع ولا يُشترى. وهذا هو ميدان الثقافة.
حين تصبح الحواس ثروة
ولكن، إلى أي مدى يمكننا الاستفادة اليوم من تأويل أرندت للثقافة على أساس فكرة «ابتكار العالم»؟- إن التقنية الفائقة قد دمرت معنى «العالم» الذي تعول عليه أرندت، أي العالم الذي يبدعه الفنانون ويتركونه للأجيال في شكل أعمال خالدة. لقد أنشأت عالمًا اصطناعيًّا لم يعد قائمًا على الإبداعات، بل على «التطبيقات». كل جهاز ثقافي اليوم هو «تطبيقة» لإنتاج نوع مبرمج من الانفعال الجماهيري. ومن ثم فإن خيار «الترفيه» ليس قرارًا يمكن مراجعته بمجرد نقد الثقافة ودعم الفنانين والمقاطعة الجمالية. فإن «الفنان» نفسه لم يعد «الفرد الأخير في المجتمع الجماهيري»، الذي يحمل رسالة الخلود، بل انخرط هو نفسه في تبني خيار ترفيه الحواس وصناعة المتعة السريعة وعرض الفرجة المحايدة، وشرع في إنتاج «التطبيقات».
ربما على «الفلاسفة» أن يتخلوا عن آخر رواسب ثقافة «الإنقاذ» الأخلاقي أو الجمالي التي ورثوها عن التقاليد الدينية، وأن يحاولوا فهم «اقتصاد» الترفيه دون تأثيم مسبق: إن «ترفيه» الحواس هو نشاط ما بعد-أخلاقي (الإبداع ليس عملًا أخلاقيًّا) وما بعد-ديني (الفن ليس تصوفًا)، ولكن أيضًا ما بعد-سياسي (الفن ليس أيديولوجيا). إن الترفيه نشاط اقتصادي رائع، ولكن بمعنى تدريب الناس على استعمال جيد لحواسهم وانفعالاتهم بوصفها هي نفسها ثروة ثقافية. فليس ثمة من معنى آخر للترفيه سوى تأمين وجبة حسية أو عاطفية جيدة لحشود ترزح تحت منظومات المال والسلطة والحياة. وفي الغرب دافع باسكال عن الترفيه بوصفه من حق أي كان، عاميًّا أو ملكًا، فالشعب يحتاج إلى الترفيه مما يعانيه من وضعه البشري، كما يحتاج المؤمن إلى الله؛ لذلك يرى أن «أنصاف العلماء» فقط هم الذين يحتقرون ترفيه الشعب، والحال أن الشعب على حق. أما مع مجتمعات التقنية الافتراضية فإن السيل قد بلغ الزُّبَى: إن نتاج الإنتاج الذي جرد الأفراد من ذاتيتهم لم يبق لهم من حل إلا الترفيه، بوصفه، حسب باسكال، أفضل حيلة كي نساعد نفسًا على ألا تفكر في نفسها.
ولذلك على المتفلسفة أن يشرعوا في محاولة فهم الترفيه بعيدًا مما ورثوه من نظريات حول الخير والحق والجمال قائمة كلها على معاداة الحواسّ؛ ذلك أن «ترفيه الحواس» الذي يقوم على اختراع تطبيقات صوتية أو بصرية أو إدراكية أو جسدية أو افتراضية، إلخ… هو ليس تهمة لأحد. بل هو نوع غير مسبوق من الإبداع يستند إلى إعادة تعريف حرة لمعنى «الوجود»، ليس في تقابله الحزين مع «المِلك»، ومع الاستهلاك، بل بوصفه هو نفسه نوعًا من «الملكية اللامادية» التي يمكن استثمارها «اقتصاديًّا»، بالمعنى اليوناني: أي في معنى «تدبير المنزل». وهنا يمكن أن تكون «السياحة» مثالًا استثنائيًّا: إن دفع المال من أجل التمتع بالطقس، أو مناظر الطبيعة، أو زيارة أماكن مقدسة، أو مشاهدة الآثار، أو سماع الأغاني، أو تعلم اللغات، ليس سلوكًا استهلاكيًّا تافهًا، بل هو ثقافة محضة، ونوع غير تقليدي من إنتاج الحياة، الثروة الأخيرة لأي كان.
الاقتصاد الثقافي:
من اقتصاد الفنون إلى محرك تنمية وطنية

حسام نايل – ناقد ومترجم مصري
شهد مفهوم «الاقتصاد الثقافي»، خلال العقود الأخيرة، تحولًا جوهريًّا في بنيته النظرية ووظيفته العملية؛ إذ لم يعد يقتصر على دراسة الفنون والمؤسسات الثقافية بوصفها قطاعات تحتاج إلى الدعم العام، بل اتسع ليغدو إطارًا تحليليًّا يفسر الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد ارتبط هذا التحول بجملة من المتغيرات البنيوية التي شهدها الاقتصاد العالمي، من أبرزها صعود الصناعات الثقافية والإبداعية، والتوسع المتسارع في الاقتصاد الرقمي، وتنامي الدور الذي تؤديه المعرفة والابتكار بوصفهما من أهم مصادر خلق القيمة المضافة وتعزيز النمو الاقتصادي.
وفي ضوء هذا التحول، انتقلت الثقافة من موقعها التقليدي بوصفها نشاطًا رمزيًّا أو ترفيهيًّا إلى موقع جديد يجعلها أحد مكونات الاقتصاد الوطني، ورافدًا لتنويع مصادر الدخل، وتوليد فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للدول، وترسيخ قوتها الناعمة. ومن ثم، بات الاهتمام يتجه إلى بحث السبل الكفيلة بتحويل الموارد والمنتجات الثقافية إلى قيمة اقتصادية مستديمة، بما يوازن بين مقتضيات الاستثمار والتنمية من جهة، والحفاظ على الوظيفة الحضارية والاجتماعية للثقافة من جهة أخرى.
ويعكس هذا التطور تغيرًا في فلسفة السياسات الثقافية؛ فلم تعد الدولة مطالبةً بالاضطلاع منفردةً بتمويل النشاط الثقافي، كما لم يعد السوق قادرًا بمفرده على تحقيق الأهداف الثقافية والاجتماعية. ومن ثم، اتجهت تجارب دولية عديدة إلى بناء منظومات تشاركية تتكامل فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يهيئ بيئةً قادرة على دعم النشاط الثقافي وتحقيق استدامته. وانطلاقًا من هذا المسار؛ يسعى هذا العرض المقتضب إلى تتبع تطور الاقتصاد الثقافي، ورصد انتقاله من اقتصاد الفنون إلى الاقتصاد الإبداعي، ثم استكشاف تجليات هذا التحول في السياسات العامة من خلال المقارنة بين نموذج آسيوي تمثله كوريا الجنوبية وثلاث تجارب من شمال إفريقيا تمثلها مصر والمغرب وتونس، وصولًا إلى استشراف آفاق الاقتصاد الثقافي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
تطور الاقتصاد الثقافي
نشأ الاقتصاد الثقافي بوصفه أحد فروع الاقتصاد التطبيقي، بغرض تفسير الأنشطة الفنية والثقافية بأدوات التحليل الاقتصادي، بعد أن كانت هذه الأنشطة تُدرَس من منظور جمالي أو تاريخي أو اجتماعي. وقد تبلورت بدايات هذا الحقل مع محاولات تفسير الخصائص الاقتصادية للفنون، ولا سيما الفنون الأدائية، التي تتميز بارتفاع تكاليف إنتاجها ومحدودية الإمكانات لزيادة إنتاجيتها مقارنةً بقطاعات الصناعة.
ففي عام 1966م، صدر كتاب بومول (1922- 2017م) وبوين (1933- 2016م) المشترك «الفنون الأدائية: المعضلة الاقتصادية: دراسة المشكلات المشتركة في المسرح والأوبرا والموسيقا والرقص»، الذي عد نقطة الانطلاق الرئيسة للاقتصاد الثقافي الحديث؛ وفيه قدم مؤلفاه مفهوم «مرض التكلفة» الذي بين أن بعض الأنشطة الثقافية لا تستطيع -بحكم طبيعتها- تحقيق زيادات ملموسة في الإنتاجية، بما يؤدي إلى ارتفاع تكاليفها بمرور الزمن، ويفسر حاجتها المستمرة إلى التمويل العام. ولم يكن الهدف من هذا التحليل دفاعًا عن الإعانات الحكومية بقدر ما كان تفسير الخصائص الاقتصادية المميزة للإنتاج الفني والثقافي، وبيان اختلافه عن أنماط الإنتاج الصناعي التقليدي، وهو ما وضع الأساس النظري والمنهجي لدراسة اقتصاد الفنون.
ومع اتساع نطاق الدراسات، لم يعد الاقتصاد الثقافي مقتصرًا على تحليل اقتصادات المسرح أو الموسيقا أو المتاحف، وإنما أصبح يهتم أيضًا بجميع مراحل دورة المنتج الثقافي الاقتصادية، بدءًا من الإبداع والإنتاج، مرورًا بالتوزيع والتسويق وانتهاءً بالاستهلاك، إلى جانب دراسة أنماط التمويل وآليات الاستثمار، والسياسات العامة، وحماية حقوق الملكية الفكرية. وبذلك انتقل الاهتمام من دراسة النشاط الفني والثقافي في ذاته إلى تحليل المنظومة الاقتصادية المتكاملة التي تحيط بإنتاج الثقافة وتداولها واستهلاكها.
وإذا كانت أعمال بومول وبوين قد أرست الأساس المنهجي للاقتصاد الثقافي، فقد وسع ديفيد ثروسبي (1939م- ) آفاق هذا الحقل، فنقله من التركيز على اقتصاد الفنون إلى بناء إطار نظري يفسر العلاقة المتبادلة بين الثقافة والاقتصاد. ففي كتابه «الاقتصاد والثقافة» (2001م)، قدم تصورًا متكاملًا لمفهوم القيمة الثقافية، مبينًا أن المنتجات الثقافية لا تقتصر على قيمتها الاقتصادية القابلة للقياس في السوق، وإنما تحمل أيضًا قيمًا جمالية ورمزية وتاريخية واجتماعية تسهم في حفظ التراث وتعزيز الهوية، وتنمية المعرفة ودعم الإبداع، وهي منافع لا تستوعبها أدوات القياس الاقتصادي التقليدية.
كذلك طور ثروسبي مفهوم الرأسمال الثقافي الذي استعاره من بيير بورديو (1930- 2002م)، وأعاد توظيفه ضمن إطار الاقتصاد الثقافي؛ ليشير به إلى الأصول الثقافية المادية وغير المادية التي تولد قيمةً ثقافية وقيمةً اقتصادية معًا، وتمثل موردًا إستراتيجيًّا للتنمية المستديمة إلى جانب الرأسمال المادي والبشري. وبذلك اتسع هذا المفهوم في الاستعمال الاقتصادي بعد اقتصاره عند بورديو على ما يمتلكه الأفراد من معارف ومهارات ورموز ثقافية، ثم عزز ثروسبي هذا المنظور وطوره في كتابه «اقتصاد السياسة الثقافية» (2010م)؛ حيث انتقل من التأصيل النظري إلى تحليل السياسات الثقافية، فبين دور الدولة وآليات التمويل، وحماية التراث، وتنمية الصناعات الثقافية والإبداعية، وقياس إسهامها في الاقتصاد الوطني. وقد أسهم هذان الكتابان في ترسيخ الاقتصاد الثقافي بوصفه مجالًا يفسر التفاعل بين الثقافة والاقتصاد في سياق التنمية الوطنية.
وفي ضوء هذا التطور، اتسع مفهوم الاقتصاد الثقافي ليشمل الصناعات الثقافية، القائمة على إنتاج المحتوى الثقافي وتوزيعه، مثل: السينما والموسيقا والإذاعة والتلفزيون والنشر، ثم امتد إلى الصناعات الإبداعية، التي تضم مجالات التصميم والعمارة والأزياء والإعلان والوسائط الرقمية والألعاب الإلكترونية والبرمجيات، وغيرها من الأنشطة القائمة على الإبداع والمعرفة والملكية الفكرية. ومن هذا التطور، تبلور مفهوم الاقتصاد الإبداعي، الذي ينظر إلى الإبداع والمعرفة والابتكار بوصفها أهم موارد خلق القيمة في اقتصاد القرن الحادي والعشرين؛ فغدت القدرة على إنتاج الأفكار وتحويلها إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة مؤشرًا رئيسًا للتنافسية الاقتصادية، واكتسبت الملكية الفكرية مكانةً متزايدةً بوصفها من أهم الأصول الاقتصادية في اقتصاد المعرفة.
وقد انعكس هذا التحول على طبيعة السياسات العامة والثقافية، فلم تعد الثقافة تدار بوصفها قطاعًا مستقلًّا عن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وباتت تتقاطع مع التعليم والسياحة والإعلام والاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال والابتكار والتنمية الحضرية. وبهذا انتقل الاقتصاد الثقافي من دراسة اقتصاد الفنون إلى إطار إستراتيجي يفسر العلاقة بين الثقافة والتنمية، ويستكشف كيفية توظيف الإبداع بوصفه موردًا اقتصاديًّا يسهم في النمو المستديم. وأدى هذا التحول إلى تغير القضية المركزية التي تشغل الباحثين وصناع السياسات؛ فأصبح تركيزهم موجهًا نحو بناء منظومات قادرة على تحويل الثقافة إلى قطاع إنتاجي يحقق عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، ويخلق فرص عمل، ويزيد قدرة الدولة على التنافس، مع صون القيمة الثقافية والحفاظ على دور الثقافة في حماية الهوية وتعزيز التماسك الاجتماعي؛ وهو الأمر الذي مهّد لظهور نماذج تطبيقية جديدة أعادت تحديد موقع الثقافة في الاقتصاد الوطني.

الاقتصاد الثقافي والسياسات العامة: أربع تجارب مقارنة
أفضى تطور الاقتصاد الثقافي والإبداعي إلى إعادة النظر في فلسفة السياسات الثقافية وآلياتها، وبرز في هذا السياق مفهوم النظام البيئي للصناعات الثقافية والإبداعية، بوصفه منظومة مترابطة تتكامل فيها عناصر التعليم والتدريب والتمويل والتشريعات، وحماية الملكية الفكرية، والبنية التحتية الرقمية، وريادة الأعمال، والتسويق، بما يهيئ للمبدعين تحويل إنتاجهم إلى قيمة اقتصادية مستديمة. وانطلاقًا من هذا التصور، لم تَعُدِ الدولةُ المُنتِجَ الرئيسَ للنشاط الثقافيّ، وفي الوقت نفسه لم تترك هذا القطاع لقوى السوق وحدها، بل غَدَتْ تضطلع بوضع الأُطر التشريعية والتنظيمية، وتوفير البنية الأساسية، وحَفْز الاستثمار، ودعم المشروعات الناشئة، والتدخل في تمويل المجالات التي يعجز السوق عن تمويلها، وبذلك انتقلت السياسات العامة من نموذج الإعانة المستمرة إلى نموذج الاستثمار والتمكين وبناء بيئة مستديمة للاقتصاد الثقافي.
وتكشف المقارنة بين نموذج آسيوي، تمثله كوريا الجنوبية، وثلاث تجارب من شمال إفريقيا، تمثلها مصر والمغرب وتونس، عن أربعة مسارات مختلفة في توظيف الثقافة اقتصاديًّا، تحددها الموارد التاريخية والمؤسسية والاقتصادية، إلى جانب السياقات السياسية لكل دولة. فبينما اتجهت كوريا الجنوبية إلى بناء صناعة عالمية لتصدير المحتوى، تستند مصر إلى رصيد ثقافي وإبداعي متراكم تسعى إلى تعظيم قيمته الاقتصادية، وترتكز التجربة المغربية على توظيف التراث والصناعات الحرفية والسياحة في التنمية المحلية، في حين تمثل تونس حالة انتقالية تبرز أهمية الاستقرار المؤسسي في تحويل الثقافة إلى مورد اقتصادي. ومن ثم، لا تمثل هذه التجارب نموذجًا واحدًا للاقتصاد الثقافي، بل تكشف عن مسارات متعددة لتوظيف الموارد الثقافية وفق خصوصية كل دولة.
تعد كوريا الجنوبية من أبرز النماذج التي جسدت هذا التحول؛ إذ دفعت الأزمة المالية الآسيوية عام 1997م الحكومة إلى إعادة النظر في نموذجها التنموي، فأدرجت الصناعات الثقافية ضمن قطاعات النمو الاقتصادي الإستراتيجية. ولم يقتصر هذا التوجه على زيادة الإنفاق على الثقافة فقط، وإنما شمل أيضًا تطوير منظومة دعمت إنتاج المحتوى الإبداعي وتوسع الشركات العاملة فيه، مع الاهتمام بالتقنية وحماية الملكية الفكرية والترويج الخارجي. وقد أثمرت هذه السياسات عن صعود ما عرف بالموجة الكورية Hallyu، التي تجاوز تأثيرها نطاق الفن والترفيه لتتحول إلى ظاهرة اقتصادية متكاملة؛ فغدت الدراما الكورية والموسيقا والسينما والألعاب الإلكترونية منتجات قابلةً للتصدير، وامتد أثرها إلى السياحة وقطاعات اقتصادية أخرى؛ وهو الأمر الذي يكشف عن قدرة المحتوى الثقافي -حين يدمج في إستراتيجية صناعية وتصديرية واضحة- على توليد سلاسل ممتدة من القيمة المضافة تتجاوز حدود القطاع الثقافي نفسه.
وأما مصر فتستند إلى رصيد حضاري وثقافي وإبداعي واسع جعلها أحد أبرز المراكز الثقافية في العالم العربي. فقد أسهمت السينما والموسيقا والدراما والنشر والإعلام والفنون والتراث في بناء قاعدة إنتاجية وثقافية ذات تأثير إقليمي، منحت الثقافة المصرية مكانةً مهمة في مجال القوة الناعمة، كما وفرت إمكانات اقتصاديةً واعدة في إنتاج المحتوى، وخلق فرص العمل، والاستثمار، والسياحة الثقافية. وعلى الرغم مما شهدته البلاد من اضطرابات سياسية واقتصادية قصيرة عقب 2011م، فقد اتجهت الدولة منذ 2014م إلى إعادة توظيف هذا الرصيد ضمن رؤية تنموية شاملة، عبر تطوير المتاحف والمواقع الأثرية، وإحياء المدن التاريخية، وإنشاء مراكز للحِرَف التقليدية، وتنظيم معارض لتسويق المنتجات التراثية، وفي مقدمتها معرض «تراثنا»، بما يعكس توجهًا متزايدًا نحو دمج الثقافة في مسار التنمية الاقتصادية وتعظيم الاستفادة من التراث بوصفه موردًا إنتاجيًّا. ومع ذلك، يظل التحدي الرئيس متمثلًا في بناء منظومة أكثر تكاملًا تربط المؤسسات الثقافية بالقطاع الخاص، وتطور الإنتاج والتوزيع والبيئة الرقمية، وتعزز حماية الملكية الفكرية، بما يمكن الثقافة المصرية من المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتقدم المغرب نموذجًا يرتبط فيه الاقتصاد الثقافي بالتراث والتنوع الثقافي والصناعات الحرفية والسياحة والتنمية المحلية. فالموروث الحضاري المغربي المتنوع، بما يضمه من مدن تاريخية مثل فاس ومراكش ومكناس والصويرة، ومن فنون وحرف تقليدية ومهرجانات ثقافية، يمثل موردًا اقتصاديًّا يسهم في خلق فرص العمل، وتنشيط السياحة، وتعزيز الاقتصاد المحلي. وقد أسهم الاستقرار المؤسسي الذي أعقب الإصلاحات الدستورية عام 2011م في استمرار السياسات الرامية إلى تثمين هذا الرصيد، من خلال تأهيل المدن العتيقة، ودعم التعاونيات والصناعات الحرفية، وتنظيم مهرجانات دولية، مثل: مهرجان فاس للموسيقا العالمية العريقة، ومهرجان كناوة وموسيقا العالم بالصويرة، إلى جانب توسيع تسويق المنتجات الحرفية في الأسواق المحلية والدولية. وتكتسب التجربة المغربية أهميةً خاصة من ارتكازها على تعظيم القيمة الاقتصادية للتراث الثقافي المادي وغير المادي، وربطه بالتنمية المحلية والسياحة الثقافية، مع بقاء فرص تطويرها رهينةً بتعزيز الابتكار في الصناعات الإبداعية ورفع القيمة المضافة للمنتجات الثقافية وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.

وأما تونس، فتمثل حالةً انتقاليةً تبرز أن نجاح الاقتصاد الثقافي لا يعتمد على وفرة الموارد الثقافية وحدها، وإنما يتطلب استقرارًا سياسيًّا ومؤسسيًّا أيضًا. فقد فرضت التحولات التي أعقبت عام 2011م ضغوطًا اقتصادية وإدارية طويلة نسبيًّا حدت من قدرة القطاع الثقافي على التحول إلى محرك للتنمية، غير أنها حفزت في الوقت نفسه جهودًا لإصلاح السياسات الثقافية، وتعزيز اللامركزية، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية بالتعاون مع الاتحاد الأوربي واليونسكو. ومن ثم، تقدم تونس مثالًا على أن الاقتصاد الثقافي يرتبط بقدرة الدولة على توفير بيئة مؤسسية مستقرة تضمن استدامة السياسات الثقافية.
وتكشف المقارنة بين هذه التجارب عن تباين واضح في منطلقات الاقتصاد الثقافي وآليات توظيفه؛ فقد بنت كوريا الجنوبية نموذجًا آسيويًّا يقوم على الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية وإنتاج المحتوى وتصديره إلى الأسواق العالمية، في حين تقدم دول شمال إفريقيا ثلاثة مسارات مختلفة؛ إذ تعتمد مصر على رصيد حضاري وثقافي وإبداعي ضخم، تسعى إلى تعظيم قيمته الاقتصادية من خلال دمجه في مشروعات التنمية وتطوير البنية الثقافية، ويرتكز النموذج المغربي على تثمين التراث الثقافي المادي وغير المادي، وربطه بالسياحة والتنمية المحلية والصناعات الحِرَفية، في حين تمثل تونس حالةً انتقالية تكشف أن تحويل الثقافة إلى محرك اقتصادي يظل رهينًا بالاستقرار المؤسسي واستمرارية السياسات العامة. وعلى الرغم من اختلاف هذه المسارات، فإنها تؤكد جميعها أن امتلاك الموارد الثقافية، مهما بلغ ثراؤها، لا يكفي لتحقيق العائد الاقتصادي، بل يتطلب سياسات عامةً متكاملة قادرة على تحويل هذه الموارد إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة، وربطها بالابتكار والتقنية والاستثمار والأسواق المحلية والعالمية.
العصر الرقمي وآفاق المستقبل
لقد أعاد التحول الرقمي تشكيل آليات إنتاج القيمة وتداولها في الاقتصاد الثقافي؛ إذ باتت القيمة الاقتصادية للمحتوى الإبداعي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الجمهور عبر المنصات الرقمية، والاستفادة من البيانات وتحليل سلوك المستخدمين، وابتكار نماذج أعمال جديدة، وإدارة حقوق الملكية الفكرية. ويتزامن ذلك مع التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يثير تساؤلات متزايدةً حول دور الإبداع البشري، وحقوق الملكية الفكرية، وآليات توزيع العوائد، فضلًا عن التحديات التي يفرضها تنامي نفوذ المنصات الرقمية العالمية على التنوع الثقافي، وصون الهوية الوطنية في الفضاء الرقمي.
وتتضح أهمية هذه التحولات في ضوء التجارب الأربع محل المقارنة؛ فقد أظهرت التجربة الكورية إمكان توظيف التحول الرقمي في توسيع صناعة المحتوى، وتحويلها إلى نشاط تنافسي عابر للحدود، في حين تكشف التجربة المصرية عن فُرَص لإعادة توظيف رصيدها الفني والثقافي المتراكم عبر أدوات الإنتاج والتوزيع الرقمي. أما المغرب فيوظف الأدوات الرقمية بوصفها وسيلةً مسانِدة لتثمين التراث والصناعات الحِرَفية، أكثر من كونها محركًا رئيسًا للاقتصاد الثقافي؛الدوات الرقمية بوصفها وسيلة مساندة لتثمين التراث والصناعات الحِرَفية أكيثر من كونها محرِّكاً رئيساً للاقتصاد الثقافيفتشير ، وتبرز التجربة التونسية أهمية توافر بيئة مؤسسية ورقمية مستقرة، تُمكِّن الصناعات الثقافية والإبداعية من مواكبة التحول الرقمي. وتؤكد هذه التجارب، مع تباينها، أن مستقبل الاقتصاد الثقافي يتوقف على قدرة الدولة على مواءمة مواردها وخصوصياتها الثقافية مع التحولات التقنية، بما يعزز إنتاج القيمة والقوة الناعمة من دون اختزال الثقافة في بُعدها التجاري أو إغفال وظائفها الحضارية والاجتماعية. وأخيرًا، تبين المقارنة بين هذه التجارب الأربع أن نجاح الاقتصاد الثقافي لا يرتبط بوجود نموذج واحد قابل للتطبيق، بل بقدرة كل دولة على توظيف مواردها الثقافية في ضوء ظروفها التاريخية والمؤسسية والاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يمكننا اقتراح إطار عربي للاقتصاد الثقافي يبدأ من عدِّ الثقافة أصلًا إستراتيجيًّا واقتصاديًّا، ويقوم على بناء بيئة مؤسسية وتشريعية داعمة، تتكامل فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص، بحيث تضطلع الدولة بوظائف التنظيم والحَفْز والتمكين، مع تنويع مصادر التمويل، وتنمية رأس المال البشري، وتطوير البنية الرقمية، وتعزيز حماية الملكية الفكرية، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية القادرة على إنتاج محتوى تنافسي محليًّا وعالميًّا. وينبغي أن يُراعيَ هذا الإطارُ خصوصيةَ كل دولة عربية ومواردها الثقافية، وأن يُعزِّزَ التكامل بين الثقافة والتعليم والسياحة والإعلام والتقنية واقتصاد المعرفة، مع تطوير مؤشرات منهجية لقياس إسهام الثقافة في الاقتصاد الوطني. وبهذا يمكن الانتقال من التعامل مع الثقافة بوصفها قطاعًا خِدْميًّا أو نشاطًا رمزيًّا إلى عَدِّها موردًا إستراتيجيًّا للإنتاج والابتكار والتنمية المستديمة، يستثمر التراثَ والإبداعَ المعاصرَ والهُويةَ بوصفها مصادرَ متجددةً للقيمة الاقتصادية والاجتماعية، ويواكب التحول الرقمي مع الحفاظ على التنوع الثقافي والوظيفة الحضارية للثقافة. وبذلك يغدو الاقتصاد الثقافي إطارًا تنمويًّا متكاملًا، تنتقل فيه الثقافة من كونها مجالًا للإنفاق أو الحفظ إلى محرك للإنتاج والابتكار والتنمية الوطنية المستديمة.
اقتصاد الفكرة:
من إنتاج المعنى إلى إشكال التسويق والاعتراف

فوزية ضيف الله – باحثة تونسية
لا يمثل الاقتصاد الإبداعي مجرد تحول تقني في أنماط الإنتاج، بل يعكس تحولًا أنطولوجيًّا في طبيعة القيمة ذاتها؛ إذ لم تعد الثروة تقاس بالمادة فقط، بل بالمعنى والرمز والدلالة. وفي هذا السياق، يبين جان بودريار في كتابه «مجتمع الاستهلاك» أن الاستهلاك أصبح موجهًا نحو العلامات لا نحو الأشياء، بحيث تغدو السلعُ حواملَ رمزيةً أكثر من كونها موضوعات نفعية. ومن جهته، يرى مارتن هايدغر أن التقنية ليست أداة فحسب، بل نمطًا في انكشاف الوجود، غير أن هذا الانكشاف لم يَعُدْ ماديًّا فقط، بل أصبح رمزيًّا أيضًا، حيث تتحول الفكرة والصورة والخيال إلى موارد قابلة للإنتاج والاستثمار.
لم يَعُدِ الاقتصاد المعاصر يقاس بما يُنتج من أشياء فحسب، بل بما يُبدع من أفكار وما يُشيد من معانٍ. غير أن هذا التحول، على عمقه النظري واتساع آفاقه، يصطدم في السياق العربي، وخصوصًا التونسي، بواقع إجرائي معقد يجعل من الفكرة إمكانًا معطلًا أكثر منها قوة مفعلة داخل الدورة الاقتصادية.
وهكذا، لم يعد السؤال المعرفي التقليدي: ما الفكرة؟ بل انزاح نحو سؤال عملي- أنطولوجي أكثر إلحاحًا: كيف تُصاغ الفكرة؟ وكيف تُبنى لِتُقنِع؟ وكيف تُقدَّم لتُتداوَل داخل منظومة مالية لا تزال عاجزةً عن استيعاب القيمة اللامادية؟ بعبارات أخرى: كيف تُقال الفكرة؟ وكيف تُسوَّق؟ وكيف تتحول إلى قيمة قابلة للتداول داخل منظومة مالية معقدة؟
معوِّق تحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية
تبدو الفكرة في السياق التونسي محاصَرة داخل بنية مزدوجة: منظومة مالية وإدارية معقدة تعوق تحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية، وبخاصة مع قيود العملة الصعبة والمنصات الدولية، وضعف ثقافة تسويق الفكرة لدى المبدعين أنفسهم، حيث تظل غالبًا إنتاجًا ذهنيًّا غير مهيأ للدخول في منطق السوق.
لا تكمن الأزمة في ندرة الأفكار، بل في غياب الشروط التي تسمح بتحويلها إلى قيمة فعلية؛ فالفكرة لا تكتسب وجودها الاقتصادي إلا عبر لغة تُقدم بها، وآليات تحميها، وسوق يعترف بها؛ غير أن الواقع التونسي يكشف عن حلقة مزدوجة من التعطيل: بيئة مالية وإدارية غير مهيأة بالكامل لاحتضان الاقتصاد اللامادي، ومبدعون يملكون أفكارًا واعدة لكنها تبقى غالبًا حبيسة المجال النظري؛ لغياب ثقافة التسويق وآليات التحويل إلى مشاريع قابلة للاستثمار.
وهنا تتجلى مفارقة لافتة تكشف عمق الفجوة بين الاقتصاد الإبداعي في سياقاته العالمية وبين واقعنا المحلي. ففي بعض الصناعات الإبداعية، وخصوصًا في المجال السينمائي، يمكن للفكرة أن تتحول بسرعة إلى قيمة اقتصادية؛ إذ قد تُختزل أحيانًا في مفهوم بسيط جدًّا لا يتجاوز كلمتين، ومع ذلك يُمنح هذا التصور الأَوَّلِيّ وزنًا اقتصاديًّا معتبرًا؛ لأنه يُفهم بوصفه نواة مشروع قابل للتطوير والاستثمار.
ويمكن تلخيص هذا العجز في ثلاثة مستويات مترابطة:
أولًا– غياب آليات واضحة لتحويل الفكرة إلى قيمة، أي نقص الوسائط العملية التي تسمح بتطوير الفكرة، واختبارها، ثم تحويلها إلى مشروع أو منتوج قابل للتداول داخل السوق.
ثانيًا– غياب منظومات قانونية فعّالة لحماية الفكرة، بما يجعل المبدع في موقع هش أمام احتمالات الاستنساخ أو التوظيف غير العادل لأفكاره، من دون ضمان حقوقه الفكرية والمادية.
ثالثًا– ضعف المسارات المؤسساتية والتجارية لتسويق الأفكار وتداولها، وهو ما يحول دون دخولها في دورة اقتصادية منظمة، تجعل منها عنصرًا فاعلًا داخل منظومة الإنتاج بدل بقائها في حيز الإمكان النظري.
وبذلك، يتضح أن الأزمة ليست أزمة إبداع، بل أزمة تحويل وتثمين واحتضان للفكرة داخل بنية اقتصادية قادرة على استيعابها. فالمبدع اليوم، سواء كان باحثًا جامعيًّا أو مفكرًا أو صاحب مبادرة فردية، لم يعد يواجه فقط سؤال الفكرة من ناحية مضمونها أو قيمتها النظرية، بل أصبح يواجه سلسلة من الإشكالات العملية التي تمس شروط وجودها داخل العالم الاقتصادي. فهو يجد نفسه أمام وضعية مركبة تتقاطع فيها المعرفة بالإنتاج، والإبداع بالسوق، والرمز بالقيمة المادية، وهو ما يفرض عليه التفكير في أسئلة جديدة لا تقل أهمية عن السؤال الفكري ذاته، من قبيل:
كيف يمكن حماية الفكرة قانونيًّا من الاستنساخ أو الاستغلال غير العادل؟
كيف يمكن صياغتها وتقديمها بلغة مفهومة وقابلة للدخول إلى السوق؟
كيف يمكن تحويلها من مجرد إنتاج ذهني إلى مورد اقتصادي فعليّ يضمن الاستمرارية؟
وكيف يمكن التعامل مع منظومة مالية وإدارية لم تُصمم أساسًا لاستيعاب طبيعة الإنتاج اللامادي القائم على الإبداع والمعنى؟
متى يُعترَف بالجامعيّ المُبدِع؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بوضعية اعتبار رمزي داخل المؤسسة الأكاديمية، بل يمس طبيعة الدور الذي يُسند إلى الجامعي داخل الاقتصاد المعاصر. فالجامعي لم يَعُدْ يُنتظر منه أن يكون مجرد منتِج للمعرفة النظرية أو ناقل لها داخل الفضاء التعليمي، بل أصبح من الضروري إعادة تعريف موقعه بوصفه فاعلًا اقتصاديًّا وثقافيًّا قادرًا على تحويل الفكرة إلى قيمة، والمعرفة إلى مشروع قابل للحياة داخل السوق.
إن الاعتراف الحقيقي بالجامعي المبدع لا يتحقق إلا عندما يُنظر إليه بوصفه حلقة وصل بين المعرفة والإنتاج، بين الفكرة والتطبيق، أي بوصفه عنصرًا فاعلًا داخل الدورة الاقتصادية للمعرفة، وليس فقط داخل بنيتها النظرية. وهذا يقتضي إعادة التفكير في وظيفة الجامعة ذاتها، بحيث لا تظل محصورة في إنتاج الأفكار وتخزينها، بل تتحول إلى فضاء ديناميكي يرافق الفكرة في مسارها الكامل: من لحظة التكون النظري، إلى لحظة الاختبار والتطوير، وصولًا إلى لحظة التثمين والتداول الاقتصادي.
هنا تتبلور الحاجة إلى تصور مؤسساتي جديد يمكن تسميته مجازيًّا «صيدلية للأفكار»؛ أي فضاء منظم لا يكتفي بتجميع الإبداع، بل يتعامل مع الفكرة بوصفها «مادة حية» تحتاج إلى رعاية، وتطوير، وتثمين، قبل أن تدخل إلى السوق أو تتحول إلى مشروع.

صيدلية الأفكار: من ولادة الأفكار إلى تسويقها
لا يشتغل هذا الفضاء بوظيفة واحدة، بل يقوم على شبكة من الوظائف المتكاملة التي تتداخل فيما بينها لتأمين مسار الفكرة من لحظة تشكُّلها الأُولى إلى لحظة تحوُّلها إلى مشروع قابل للحياة. فهو يستقبل الأفكار في مراحلها الأولية، ويفتح أمامها إمكانات التقويم العلمي والعملي، بما يسمح بتمييز ما هو قابل للتطوير وما يحتاج إلى إعادة صياغة. كما يرافق أصحاب هذه الأفكار في مسار التطوير، بحيث تنتقل الفكرة من وضعها الخام إلى صياغة أكثر نضجًا وقابلية للتطبيق داخل الواقع. وفي الآن ذاته، يتولى تأطيرها قانونيًّا لضمان حمايتها من التعدي أو الاستغلال غير المشروع، بما يحفظ حقوق المبدع ويؤمن له الاعتراف بإنتاجه.
ويعمل على ربط هذه الأفكار بشبكات التمويل والاستثمار والتسويق، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، بما يتيح لها الاندماج داخل الدورة الاقتصادية الفعلية. وأخيرًا، يساهم في تحويلها من مجرد تصور ذهني إلى مشروع حي قابل للتداول والاستمرار داخل السوق.
فلكي تتحول الفكرة، إلى قيمة اقتصادية، فهي تحتاج أولًا إلى لغة تُقال بها، أي إلى خطاب واضح وقدرة على الصياغة والتقديم تجعلها قابلة للفهم والإقناع والتسويق. وتحتاج ثانيًا إلى منظومة تحميها، قانونية ومؤسساتية، تضمن حقوق صاحبها وتحول دون استغلالها أو تبديد قيمتها. كما تحتاج ثالثًا إلى سوق يعترف بها، أي فضاء اقتصادي قادر على استقبالها وتثمينها وإدماجها داخل دورة الإنتاج والتبادل. وما لم تتوافر هذه الشروط مجتمعةً، فإن الفكرة تبقى عالقةً بين الوعي والإمكان.
العالم العربي: نحو إبستمولوجيا إبداعية جديدة
يطرح وضع العالم العربي اليوم في سياق التحولات العالمية سؤالًا مركزيًّا يتعلق بقدرة الثقافة على التحول إلى قوة إنتاجية ومعرفية فاعلة. فعلى الرغم مما يملكه من رصيد تراثي وثقافي غنيّ ومتنوع، فإن هذا الرصيد لم يتحول بعدُ بشكلٍ كافٍ إلى منظومة إبداعية منتجة تساهم في الاقتصاد والمعرفة والتقنية.
في هذا الإطار، يمكن الحديث عن ضرورة ما يُسمى بـالإقلاع الرمزي، أي القدرة على تحويل الرموز الثقافية والمعرفية إلى طاقة إنتاجية جديدة، تتجاوز الاستهلاك الثقافي إلى الفعل الإبداعي الممنهج. وهذا الإقلاع لا يعني القطيعة مع التراث، بل إعادة توظيفه داخل رؤية معرفية حديثة تدمج بين الثقافة والاقتصاد والمعرفة.
ويقتضي هذا التحول إبستمولوجيا جديدة تعيد النظر في طريقة فهمنا للثقافة ذاتها، بحيث ننتقل من تصور التراث بوصفه ذاكرة ثابتة تُحفظ وتُستعاد، إلى عدِّه إمكانًا مفتوحًا يمكن تطويره وإعادة إنتاجه. ويستلزم الانتقال من فهم الثقافة على أنها هوية جامدة، تُعرفنا في علاقتنا بالماضي، إلى عدِّها عملية إبداعية ديناميكية تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع الحاضر والمستقبل.
وهكذا، لا يصبح السؤال المطروح: كيف نحافظ على التراث؟ بل: كيف نحوله إلى طاقة فاعلة داخل اقتصاد المعرفة؟ وكيف نبني علاقة جديدة بين الثقافة والإنتاج تجعل من العالم العربي فضاءً قادرًا على الإسهام في صناعة المعنى لا مجرد استهلاكه؟
الفكرة بوصفها أفقًا وجوديًّا: كيف نستثمر الخيال اقتصاديًّا؟
لا ينجح اقتصاد الفكرة بمجرد الاحتفاء بالإبداع، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الفكر والسوق، بحيث تصبح الفكرة قابلة للتحول من التأمل إلى القيمة والتداول. فالإبداع وحده لا يكفي ما لم تدعمه شروط مؤسساتية وثقافية قادرة على تثمينه. وفي هذا السياق، يتحول الخيال من وظيفة ذهنية إلى أفق وجودي؛ لأن الإنسان المعاصر لم يعد يكتفي بفهم العالم، بل يعيد تشكيله عبر الفكرة والإبداع.
فليس كل مَنْ يُفكِّر قادرًا تلقائيًّا على إنتاج قيمة داخل السوق، كما أنه ليس كل فكرة تمتلك بالضرورة مسارًا يسمح لها بالوصول إلى التداول الفعلي أو الاعتراف الاقتصادي. بين الفكرة وقيمتها توجد دائمًا مسافة تتدخل فيها آليات الحماية، والتسويق، والتمويل، والاعتراف المؤسساتي.
0 تعليق