فرانك مرمييه

فرانك مرمييه

استعارة «الربيع العربي»، ذات الطابع الموسمي والتي تحيل إلى ثورات سنة 1848م في أوربا، وإلى قوة انتشارها عبر فضاء موزع على أمم مختلفة، كان لها على الأقل فضل إبراز رغبة في المواطنة على الصعيد العربي. كانت تلك الرغبة تنتشر من ساحة لأخرى، عاكسةً في الأفق العقلي لملايين الأشخاص التصور الطوباوي لمدينة عربية فاضلة ومتخطية للحدود، وإن كان هذا المثال يتوطّد أولًا في فضاء وطني.

غدت المدينة في الوقت عينه مكان تجمّع المحتجين الذين يجمعهم شعار «الشعب يريد….»، وحلبة مواجهة مع الدولة الأمنية التي كانت صادرت الفضاء العام حتى ذاك الحين. في هذا الصراع على الساحات، من تونس إلى صنعاء، مرورًا بالقاهرة وتعز وعدن ودمشق وحمص وحلب وطرابلس…، كانت دولة العنف تنكشف على حقيقتها العارية، بمقدار من القسوة والتناقضات خاص بكل وضع وسياق سياسي. مثلت إعادة احتلال الفضاء العام بالتظاهرات والتجمعات العلامة على وجود مجتمع يوكّد نفسه بالصرخات والنقوش الجدارية في مواجهة حجب السلطة له.

اجتماع الهوامش وانصهارها

في مركز المدينة، كانت الهوامش تجتمع وتنصهر مع الطبقات الوسطى المدينية في نفس «أفق التطلعات»، وهذا في حين لم تكف المجتمعات المدينية منذ عقود عن التشظي إلى تجمعات منعزلة اجتماعية وثقافية وسياسية.

على هذا النحو، مثّل تعاظم التمييز الاجتماعي والمكاني داخل المدن أحد الظواهر الأكثر أهمية في العقود الأخيرة. وأفضى ميل النخب السياسية والاقتصادية الجديدة إلى حصر تعاملها فيما بينها في إنشاء أشكال مكانية جديدة مع ظهور تجمعات سكنية مغلقة ومتجانسة اجتماعيًّا. صارت المدينة أرضًا متنازعة، وعرضة لحروب أهلية صامتة بين أنماط عيش مختلفة. في هذه المحصلة الصراعية من التمييز والتمايز،  تشكل «الرأسمال الكوسموبوليتي» إذًا مؤشرًا طبقيًّا مهمًّا، كما هو حاسم، للنخبة المدينية. يقدم مثال القاهرة على هذا الصعيد عارضًا نموذجيًّا لظاهرة توجد، وفق أنماط مختلفة، في مجتمعات مدينية مختلفة من العالم العربي. على هذا النحو، وبالنسبة لقسم من طبقات المجتمع المصري العليا، استخدام الإنجليزية، أو لهجة  ممزوجة بالإنجليزية، والتعليم الغربي، والاختلاط بين الجنسين، والملبس، وممارسات معينة من الاستهلاك واللهو، وخيارات السكن، وأمكنة التلاقي الاجتماعي، هي أمور تشكل عناصر تلك المرجعية الاجتماعية والثقافية، ومنظومة للتصنيف الاجتماعي. يتباين ذلك بقوة مع أماكن وممارسات توصف بالشعبية، على غرار صالات سينما ومسرح وسط البلد في القاهرة التي كانت تتردد عليها فيما مضى الطبقات العليا، وصارت اليوم مرتع شبان الطبقات الشعبية، أو مع العديد من المناطق السكنية العشوائية التي تكاثرت على الأراضي الزراعية السابقة.

كانت الخطابات المتكررة لبعض المثقفين العرب حول «ترييف المدينة» تحمل، على نحو مضمر أو صريح، نقدًا للأنظمة القائمة التي كان قادتها يجمعون في الآن نفسه بين أصل ريفي أو جهوي هامشي (أحيانًا معطوفًا على الانتماء إلى جماعة أقلوية كالعلويين في سورية) وارتقاءٍ اجتماعي وسياسي بواسطة الجيش. على هذا النحو، كان الدفاع عن المدينة يقرن بينها وبين نموذج ثقافي واجتماعي مبني على الانفتاح، ونموذج سياسي ديموقراطي بوسع مرجعيته أن تكون محلية، كما كان الحال مع تجارب الأنظمة البرلمانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.

tunis

تونس

  تهميش البرجوازيات المدينية

بعد موجة الانقلابات العسكرية في الستينيات التي أوصلت إلى السلطة ضباطًا متحدرين غالبًا من أصول ريفية، ترافق التهميش السياسي للبرجوازيات المدينية مع تهميش مجالس البرلمان، وشَخصَنة السلطة، والاستحواذ عليها من قبل جماعات عائلية، وكذلك مع توريثها أو محاولة توريثها حتى في أنظمة مسماة جمهورية (سوريا ومصر واليمن). وغالبًا ما ينسب بروز الأصولية الإسلامية إلى أبناء المدن الجدد الوافدين إلى المدينة من الأرياف، وينسبها كثر، في مصر وسوريا، إلى المهاجرين إلى دول شبه الجزيرة العربية، في وقت توصم السياسات الاستبدادية بوصمة ريفية وقبائلية. وعليه، يسود رأي بأن عادات مثل ذيوع الحجاب، والتباهي بالتزام الفروض الدينية، وأسلمة دوائر العلانية العامة، تفشت في المدينة من طبقاتها الدنيا، وأن السلطة المتعسفة تضيق عليها الخناق عموديًّا، وتحاصرها بواسطة أجهزتها الأمنية. وهذه الرؤية المثالية إلى المدينة تسلط الضوء على ميل راسخ إلى ربط التمدن بالمدينة والمواطنة، وهاتان من سمات الحضرية، على ما يفعل عدد من علماء الاجتماع والباحثين. ويسود على هذه الرؤية حنين إلى عالم مديني متخيل أكثر مما هو عالم ماضٍ أفل.

%d9%8cyeman

اليمن

الثورات تكشف شقوقًا اجتماعية وثقافية

كشفت «الثورات العربية» عن الشقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية العديدة التي تعبر جسد المجتمعات العربية. نجد بينها التمايزات والاختلالات المناطقية، وهي صارخة في حالة تونس حيث بدأت الثورة في المناطق المحرومة من وسط وجنوب البلد. وفي اليمن، ليست مشاركة سكان تعز الواسعة النطاق في حركة الاعتراض، أكان ذلك في المدينة نفسها أم في صنعاء، معدومة الصلة مع شعور بالإقصاء أو التهميش. وفي سوريا، سعى النظام السوري منذ بداية الثورة للسيطرة على المدن التي نُظمت فيها التظاهرات الكبرى (حمص ودرعا وحماة ودير الزور)، الأمر الذي دفع بالثوار وبقسم كبير من سكان المدن إلى اللجوء إلى الأرياف، متسببًا في تشظي المعارضة العسكرية أو المدنية. تسبب سقوط المنعطف الثوري في حروب داخلية  تغذيها التدخلات الخارجية بالتدمير لمدن عديدة، بخاصة في سوريا واليمن وليبيا، وذلك من دون ذكر العراق حيث بدأت المحصّلة منذ الاجتياح الأميركي في 2003م. وأبعد من الخسارة غير القابلة للتعويض للعديد من واجهات التراث المديني، أَحصل ذلك في غضون المعارك أو تبعًا لرغبة الجهاديين في تدمير معالم الذاكرة الثقافية والتاريخية، تمت زعزعة النسيج الاجتماعي بعمق لمجتمعات مدينية عديدة.

الخسائر البشرية، والنزوح السكاني، ورحيل النخبة والطبقات الوسطى كانت نتيجة الحرب التي أوجدت وضعًا مدينيًّا جديدًا يسمه تدمير الفضاءات العامة. في المقابل، ليست مدينة «الربيع العربي» الفاضلة تصورًا طوباويًّا بقدر ما هي أفق تطلعات تلوح براعمه من تونس. وهي سبق أن استحالت حنينًا ذا قوة كامنة لإعادة استيلاء الفضاءات العامة، والاعتراف بتعددية المجتمعات المدينية.

سوريا

سوريا