بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يناير 1, 2023 | مقالات رئيس التحرير
يرتبط الأمن الغذائي ارتباطًا جذريًّا بتوفير الشروط الأمنية الأساسية التي تضمن سلامة التبادل التجاري، وتيسير عملية الإمدادات الغذائية بين دول العالم، وقد عُرف مصطلح «الأمن الغذائي» في المؤتمر العالمي للغذاء لعام 1974م بأنه «تعزيز الإمداد»، بمعنى أنه لا يتحقق الأمن الغذائي إلا حينما يتمكن جميع الأفراد في كل زمان من الحصول على الغذاء الآمن والكافي لتلبية احتياجاتهم الغذائية، غير أن هناك أزمات دولية تحدث في دول محددة، ولكنها تلقي بظلالها السلبية على مختلف دول العالم وتهدد أمنها الغذائي، وتُعد النتائج التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية أحد أهم المؤشرات الواضحة على حجم الخطر الذي يهدد الأمن الغذائي العالمي، ففي مدة زمنية وجيزة تسببت هذه الحرب في زيادة عالمية أثارت كثيرًا من المخاوف الناتجة من فرض المزيد من القيود على تصدير المواد الغذائية، إذ أشارت تقارير دولية إلى أنه «في غضون أسابيع قليلة، شهدت دول عدة قيودًا على تصدير المواد الغذائية، كما شهدت زيادة كبيرة بلغت 25%، ليصل إجمالي عددها إلى 35 دولة»، وأنه بنهاية شهر مارس 2022م، «فُرِضَ 53 تدخلًا جديدًا على صعيد السياسات، وهو ما أثّر في تجارة المواد الغذائية، وأدى إلى زيادة هائلة في أسعار القمح بلغت 30%».
كانت القيود التي فرضتها روسيا على صادرات القمح إلى بلدان خارج الاتحاد الاقتصادي للمنطقة الأوربية الآسيوية أثره الواضح في أسعار القمح في العالم، واتخذت بعض الدول نتيجة لذلك عددًا من الإجراءات التي حاولت بوساطتها تعويض احتياجاتها من القمح التي كانت تحصل عليه من روسيا أو من أوكرانيا، ومن تلك الإجراءات إصدار توجيهات وقرارات تهدف إلى الدعم المحلي للزراعة في تلك الدول التي تسعى لتعويض وارداتها من القمح أو غيره من المواد الغذائية، خصوصًا من روسيا وأوكرانيا.
وبالنظر إلى البيانات التي نشرتها منظمة الأغذية والزراعة؛ نجد أن الدول العشر الكبرى في إنتاج المحاصيل الزراعية الأولية لعام 2021م لم يكن من بينها أي دولة عربية، وكذلك الدول العشر الكبرى التي تصدّر الغذاء على مستوى العالم لم يكن من بينها أي دولة عربية، وهو ما يعكس حجم النتائج السلبية التي تلقي بظلالها على الأمن الغذائي العربي، وفي الوقت الذي يؤكد فيه كثير من التقارير الاقتصادية أن الدول العربية «تعاني فجوةً غذائيةً منذ سنوات»، تكشف تقارير أخرى أن الآثار الاقتصادية المترتبة على هذه الفجوة قد «بلغت في عام 2020م نحو 35.3 مليار دولار»، وأن الحبوب هي نقطة الضعف الكبرى لدى الدول العربية؛ لكونها «تمثّل 47.8% من إجمالي قيمة تلك الفجوة»، إذ بلغت واردات الدول العربية من الحبوب ما قيمته 20.8 مليار دولار في عام 2020م، وكان القمح على رأس القائمة بقيمة بلغت أكثر من 9 مليارات دولار.
ونظرًا لأهمية هذه القضية، وخطورة نتائجها السلبية على عالمنا العربي، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة مستقبل الغذاء في العالم العربي، وطرحنا الأمر على عدد من المثقفين والمختصين لتعرُّف إلى رؤيتهم لمستقبل الأمن الغذائي، ودور الحرب الأوكرانية في تهديده أو ضرب استقراره، إضافة إلى تسليط الضوء على أبرز التجارب العربية في هذا المجال.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | نوفمبر 1, 2022 | مقالات
الطبيعة الإلهية هي أن الله خلق من كل زوجين اثنين (الذكر والأنثى)، وما هو غير ذلك يتعارض مع هذه الطبيعة والفطرة التي خلق الله بها الأرض ومن عليها.
ولا تزال «المثلية الجنسية» من القضايا الشائكة في المجتمعات العربية والإسلامية، فهي من السلوكيات المرفوضة ليس فقط لأسباب دينية، ولكن أيضًا لأسباب متعلقة بالأخلاقيات والأعراف والبنية الثقافية للمجتمع، إلا أن «نسبة الرفض» تتراجع بالتدريج من وقت لآخر، وبعد أن كانت الدول العربية والإسلامية تعارض تحركات الأمم المتحدة، والجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الرامية إلى تعزيز حقوق المثليين، أصبحت «العلاقات الجنسية المثلية قانونية في 18 بلدًا بدءًا من 2015م». وقد أظهر استطلاع عام 2007م أُجرِيَ على مسلمين بريطانيين أن 61% يعتقدون أنه يتوجب على المثلية الجنسية أن تكون غير قانونية، وأظهر استطلاع لاحق لمؤسسة غالوب عام 2009م أن لا أحد من أصل 500 مسلم بريطاني شملهم الاستطلاع يعتقد أن المثلية الجنسية «مقبولة أخلاقيًّا»، ولكن مع الوقت أصبحت الفئات المسلمة التي تعيش في أميركا وأوربا أكثر تقبلًا للمثلية الجنسية، وفي أميركا على سبيل المثال: أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث يعود لعام 2007م، أن نسبة 27% من المسلمين الأميركيين يعتقدون أنه ينبغي تقبّل المثلية الجنسية. وارتفعت نسبة المؤيدين لتقبّل المثلية في استطلاع لعام 2011م لتصل إلى 39%. وكشف استطلاع في يوليو عام 2017م أن نسبة المسلمين الأميركيين المؤيدين لتقبّل المجتمع للمثلية الجنسية تجاوزت من عارضها لتصبح 52%، مقابل نسبة المعارضين التي انخفضت لتصبح عند 33%، بل ظهرت جمعيات تحمل شعارات إسلامية تدعم حقوق المثليين، ففي عام 2011م نُظِّمَتْ مسيرة لقافلة إسلامية داعمة لحقوق المثليين في شوارع لندن.
هذا القبول التدريجي للفكرة التي كانت تواجه رفضًا قاطعًا من الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، يدفع إلى سؤال إشكالي كبير: ماذا بعد المثلية؟
لم تعد القضية متصلة فقط بالأبعاد الدينية، ولا بالمجتمعات العربية والإسلامية كما يتصور بعضهم فحسب، بل أصبحت قضية جدلية تشغل كثيرين في مختلف دول العالم، وتتطلب كثيرًا من البحث والدرس والتحليل والتأمل العلمي والفكري في ظل الارتفاع المتزايد لنسبة القبول حول العالم، ويكفي أن اليابان هي الدولة الوحيدة في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التي لا تسمح بزواج المثليين حتى الآن على الأقل.
ونحن في مجلة «الفيصل» قد خصصنا ملف هذا العدد لـ«ما بعد المثلية»، وطرحنا القضية على عدد من المثقفين والمختصين؛ لاستيضاح الحقائق التي حملتها إلينا تلك الأفكار، والتعرف كذلك إلى ما يدور حولها من جدلٍ أو تشكيك.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | سبتمبر 1, 2022 | مقالات
هناك كثير من التفسيرات لمصطلح (الزومبي)، فهو قد يعني الكسالى، وقد يعنى الموتى الأحياء، كما يعني الجثث المتحركة بوسائل سحرية، وهناك أيضًا أقوال كثيرة حول أصوله الثقافية أو جذوره اللغوية، ولكن القاسم المشترك بين كل التعريفات والأقوال أنها تفضي إلى حقيقة مفادها أن (الزومبي) هو الشخص المجرد من الوعي والإرادة الذي يُحرّكة ويُوجّهه ويَستخدمه آخرون، وقد اكتسب هذا المصطلح، والشخصيات التي ينتجها مفهوم المصطلح؛ شعبية وشهرة واسعة في مختلف دول العالم، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين، وتعدّ ظاهرة الزومبي من ظواهر القرن العشرين، ولكنها انتشرت بصورة أكبر في القرن الحادي والعشرين، وقد بات من الواضح أن الزومبي قد تجاوز حدود النوع الفني، ولم يعد مقصورًا على السينما وحدها، فأصبح رمزًا ثقافيًّا واسع الانتشار في الفن والأدب والموسيقا والألعاب ومعطيات الثقافة الشعبية، وأصبح كما قال دولوز وغوتاري (1972م)، «الأسطورة الحديثة الوحيدة
هي أسطورة الزومبي».
يبدو أن الزومبي هو دلالة متغيرة بتأويلات لا تنتهي، فهو يمثل العديد من قصص نهاية العالم من دون تغيير في طبيعته الأساسية: معيشة الاستهلاك، والفقر، والجوع، والتدهور البيئي. ولم يعد الزومبي مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح أساسًا للتفكير النقدي والفحص الذاتي الثقافي، وقد حظي هذا الموضوع باهتمام كثير من الإصدارات الأكاديمية.
الظاهرة الثقافية للزومبي تقدم لنا أمثلة ورموزًا متقاطعة لروح إنسانية حديثة، والرموز هنا تمثل أزمة في النظرة إلى العالم لم يسبق لها مثيل في الحضارة الغربية الحديثة، وهو ما يعكس حال التعب والإعياء والعزلة الذي خلفته الحرب الباردة، وتهديدات النهاية لهذا العالم النووي.
الزومبي، وفقًا لجميع الروايات تقريبًا، هم صورة مشوهة خيالية وانعكاس ذاتيّ للإنسانية الحديثة، حيث تبدأ معظم التفسيرات لظاهرة الزومبي بهذه الفرضية، وبطريقة محورية، تقول: إن «الزومبي هم نحن»، وإن الزومبي يمثلوننا، ولكن بشكل أكثر تحديدًا، يمثلون خراب كل ما له معنى في داخلنا.
وفي ظل الآراء التي تؤكد أن مفهوم «الزومبي» الآن أصبح جزءًا من الثقافة، وأنه تحول بسبب انتشاره عبر الأعمال السينمائية إلى علامة من علامات المرحلة الراهنة، نتساءل: إلى أي درجة يمكن ملاحظة تأثيره في الفنون الأخرى كالأدب (شعر، قصة، رواية، قصص الأطفال)، وفي الفن (مسرح، دراما، موسيقا، غناء، فيديو، ترفيه)، وكذلك في التشكيل (رسم، تصوير، نحت، إبداع رقمي).
وللإجابة عن بعض هذه الأسئلة، وغيرها من الإشارات الثقافية المتصلة بقضية الزومبي، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة القضية، وتناول أبعادها، ومدى تأثيرها في مجالات الحياة المختلفة من خلال آراء المشاركين من الباحثين والمختصين.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يوليو 1, 2022 | مقالات
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
فيما يتصل بمفهوم «الأمومة» يرى مختصون أن أهمية دور الأمومةِ يتجلى في كونه أحد العوامل الأساسية في نهضة الأمة، وأن وجود الأمومة بمعناها الحقيقي، يُسهم في صناعة أجيال ناجحة، وتقدم للمجتمع والإنسانية عامة علماء وعُظماء في مختلف المجالات، فالأمومة تشمل كثيرًا من الأدوار في طليعتها الاستقرار العاطفي والنفسي لأفراد العائلة، وبناء شخصيات مُتّزنة تتمتّع بالقيم والأخلاق الحميدة، من خلال تربية الأطفال وتنشئتهم على مبادئ الحياة الاجتماعية والعادات السليمة، وتعزيز طاقاتهم، وزيادة وعيهم في الأمور الدينية، والفكرية، والسياسية، والثقافية التي من شأنها ترسيخ القيم والسلوكيات الصحيحة، ويرجع ذلك لتميّز المرأة عن الرجل بقدرتها الطبيعية على رعاية الآخرين والشعور بهم.
في بحث علمي للباحث الأميركي رينيه سبيتنز قارن فيه بين مجموعتين من الأطفال، وضعتا في مؤسستين متشابهتين، مع فارق واحد بينهما، وهو درجة العطف والحنان اللذين يحصلان عليهما الأطفال من رعاية أمهاتهم لهم، بحيث تعتني في المجموعة الأولى كل أم بطفلها، في حين كان أطفال المجموعة الثانية يلقون عناية ضئيلة من موظفات غير أمهاتهم، فوجد الباحث أن نمو أطفال المجموعة الأولى استمر على مستوى طبيعي، بينما تطور نمو أطفال المجموعة الثانية بنسبة أقل، مع ميلهم إلى الكآبة والتعاسة، وعندما طال غياب الأمهات في المجموعة الثانية كانت استعادة الأطفال لمعدل نموهم ضعيفة.
وعلى الرغم من صعوبة الموازنة بين أعباء الأمومة وأعباء العمل، استطاعت المرأة أن تحقق كثيرًا من النجاحات على المستوى الخاص من خلال دورها زوجةً وأمًّا، وعلى المستوى العام من خلال دورها في العمل الذي جعلها –في ظل تعاظم متطلبات الحياة- قادرةً على مساعدة زوجها على توفير احتياجاتهم الأسرية، ومعاونته على تأمين حياة اقتصادية واجتماعية مناسبة من خلال مشاركتها في سوق العمل وفي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وصولًا إلى أكثر المشاركات العملية تأثيرًا، وهي المشاركة السياسية التي ازدادت في العقدين الماضيين بصورة ملحوظة، حيث ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في البرلمانات الوطنية على مستوى العالم، فبعد أن كانت في عام 1998م تقدر بنحو 11.8%، ارتفعت تدريجيًّا حتى وصلت إلى 17.8% في عام 2008م، ثم وصلت إلى 31% في عام 2021م.
قد يبدو الأمر طبيعيًّا، وقد يُؤخذ حصول المرأة على المزيد من حقوقها في سياق التطور والتحقق والمزيد من الفاعلية في مجتمعها، ولكن هناك من يرون الموضوع من زاوية مغايرة تمامًا، فهؤلاء يعتقدون أن المواثيق الدولية تهدف إلى توسيع نطاق تمكين المرأة بدعوى الحرية والمساواة، ويشددون على أن المواثيق الدولية «منحت لنفسها سلطةً شمولية واستبدادية مطلقة في التحليل والتحريم والتبرئة والتجريم»، وأن هذه المواثيق، بحسب كتاب «المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة»، تطالب الحكومات والشعوب بالانقياد والإذعان والتسليم بها، وعدم التحفظ عليها حتى «بلغ الإكراه التشريعي مداه بإجبار البرلمانات والمجالس التشريعية على تقنين منظومة الفوضى الجنسية بكل مفرداتها وتفصيلاتها، وأدوات حمايتها القانونية والقضائية، وإعادة هيكلة وظائف المجتمع بكل شرائحه وفق المنظور الجنساني القائم على إلغاء ثنائية الخلق البديع من ذكر وأنثى، وإحلال كائن افتراضي مضطرب اسمه النوع الاجتماعي، والعمل على تصفية المؤسسة الأسرية الحضارية بإغراقها في مستنقع فوضى الأدوار، وحرية التصرف بالجسد، وحرية قتل الأجنة، وضمان تيسير الإباحية المطلقة، مرورًا بتحكم الأبناء بالآباء والأمهات على السواء، وصولًا إلى تكريس الفواحش ومنها الشذوذ الجنسي، وتغيير الجنس تحت عنوان اختيار الهوية الجنسية». ولا ينتهي الأمر بنزع صفات الأمومة من أبعادها الحسية والعاطفية حتى لا تكون مقصورة على المرأة، ويمكن تحميل كامل أعبائها للرجل/الزوج.
نحن في مجلة «الفيصل» قد خصصنا ملف هذا العدد لقضية الأمومة، وقد شارك في الملف عدد من الباحثين والمختصين، كل منهم تناول هذه القضية الشائكة والراهنة من زاوية حيوية.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | مايو 1, 2022 | مقالات
يرى الدكتور حسين مؤنس أن الحضارة «نتاج الجهد الذي يطبقه الإنسان لتحسين وتطوير ظروف حياته ومعيشته، سواء كان الجهد المبذول ماديًّا أم معنويًّا، وسواء كان مقصودًا أم غير مقصود». والحقيقة أن مصطلح «الحضارة العربية أو الإسلامية» لا يزال مثارًا للجدل والاختلاف بين كثير من العلماء والمفكرين والمثقفين، فهناك من يرى الحضارة العربية على شكل أجزاء كانت موزّعة بين أقطار عدة في الجزيرة العربية، ولا تُذكر إلا متفرّقة مبعثرة مما يُعطي إيحاءً بضعفها وقلة تأثيرها. وهناك من يرى أن طبيعة العرب القدامى، وعدم ميلهم إلى الكتابة والتسجيل، مع غياب الإمكانيات والخامات والاستقرار بسبب بيئتهم التي يغلب عليها التصحّر والطقس المتقلب، من أبرز الأسباب التي حالت دون أن تبوح حضارتهم بتاريخها كما باحت الحضارات الأخرى.
أيضًا هناك من يراها حضارة إسلامية لكون الإسلام هو العنصر الرئيس في نشرها وتطورها، وتحولها من البداوة إلى الحضارة والثقافة في أقل من نصف قرن، وكان لغير العرب من المسلمين فضل كبير وإسهام واضح في تطور هذه الحضارة، ولذلك فهي حضارة إسلامية تشمل العرب وغيرهم.
وفريق آخر يرى أنه لا يجب الفصل بين ما هو عربي وما هو إسلامي، وأنها «حضارة عربية إسلامية»، ولا قطيعة بين العمق العربي والبعد الإسلامي شأن كل الحضارات التي ترتبط عادة بمن صنعها كالحضارتين البابلية والرومانية على سبيل المثال، إلا أن الأمر هنا يختلف، فالإسلام ولد على أرض عربية، وحمل رسالته رسول عربي، وبدأ الانتشار من خلال إيمان العرب به، ولكن الله لم يخص العرب وحدهم بالإسلام، فالرسالة التي نزلت «بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» (الشعراء: 195)، وانطلقت من أرض عربية كانت موجهة لكل العالمين، واتسعت جغرافيًّا فجاوزت الجزيرة العربية إلى سواها.
من المآخذ والأخطاء التاريخية التي تُطرح في هذا السياق، أن هناك من يعتقد أن العرب قبل الإسلام كانوا يعيشون على أرضٍ خالية من الحضارة، في حين تؤكد الشواهد الحضارية أن الجزيرة العربية كانت شريكًا مؤثرًا في تطور الحياة البشرية من خلال الحضارات التي نشأت على أرضها، أو تعاقبت عليها، أو تفاعلت معها، فقد تميزت الجزيرة العربية بموقعها الجغرافي الذي يربط بين الشرق والغرب، وهو ما أتاح لها التفاعل مع الحضارات المجاورة، ولا شك في أن هذا التفاعل ترك كثيرًا من الآثار المادية والثقافية والدينية في مناطق متفرقة من أرضها، وهو ما كشفت عنه العلوم الحديثة وفي مقدمتها علوم الآثار، وهو ما يعني أن ظهور الإسلام يمكن النظر إليه بوصفه مرحلة فارقة من مراحل تطور الحضارة العربية، وأن بنية الحضارة العربية هي التي حملت الإسلام إلى مختلف الثقافات والحضارات، ولكن ربما للأسباب التي أشرنا إليها، إضافة إلى نشوء بعض التيارات الدينية والفكرية والفلسفية المتشددة التي نبذت كل ما قبل الإسلام بوصفه تراثًا وثنيًّا وجاهليًّا، والدعوة للتمسك فقط بما جاء به الإسلام بوصفه تراثًا إسلاميًّا يجبُّ كل مظاهر التحضر السابقة عليه، أسهم في تكريس انطباعات سلبية عن الإرث الحضاري للجزيرة العربية.
والمؤكد أن إيمان المسلمين بأن عقيدة الإسلام عقيدة كونية، وأن تسمية «الحضارة العربية» قد لا يتسع لمفهوم الدين الإسلامي بمعناه الشامل الذي أسس لحضارة أبعد وأوسع من الجغرافية العربية، وأشمل من الثقافة العربية، أسهم أيضًا في تكريس مصطلح الحضارة الإسلامية بدلًا من الحضارة العربية، وبرغم كل الدراسات التي تناولت هذا الموضوع على مدى سنوات طويلة، لم ينتهِ الجدل حول سؤال المصطلح: «حضارة عربية»، أم «حضارة إسلامية»، أم حضارة عربية إسلامية؟
ولذلك حاولت «الفيصل» من خلال ملف هذا العدد إعادة طرح هذه الأسئلة الجدلية بحثًا عن إجابات قد تكشف لقرائنا عن بعض الحقائق أو الرؤى الفكرية المغايرة، وقد تفتح أمامهم أكثر من نافذة جديدة لمناقشة هذا المفهوم من زوايا مختلفة.