تعبيرات الشباب… آليات جديدة لأسلوب الحياة

تعبيرات الشباب… آليات جديدة لأسلوب الحياة

بدأ الاهتمام بما يعرف بـ«تعبيرات شبابية» مع ظهور «سوسيولوجيا الشباب» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عبر الأفكار التي قدمها إميل دوركايم في كتابه «السوسيولوجيا والتربية»، عادًّا التربيةَ هي التنشئة الاجتماعية الممنهجة لجيل الشباب، وهي التي تبين ثقافتهم؛ إذ تعبّر عن مجموعة القيم والاتجاهات والآراء وأنماط السلوك، ورغبة الاتصال بين ثقافة الشباب وثقافة المجتمع.

والغالب أن تعبيرات الشباب تنشأ عبر ثقافتهم المكتسبة التي تُعد جزءًا من تكوينهم، وهي ثقافة أثّرت فيها وسائل الإعلام التقليدية، وعلى نطاق أوسع أثّرت فيها وسائل التواصل الاجتماعي وأسهمت في تطورها، سواء عبر المضامين والرموز، أو المميزات التي تقدمها هذه الوسائل الحديثة من حيث سهولة الوصول، والتشارك، وإنتاج المضامين ونشرها، وسرعة انتشارها، وهو ما ساهم في ظهور أنماط جديدة من الخطابات الإعلامية أو الصحفية، وما يطلق عليه الآن «صحافة المواطن» أو «صحافة المشاهير» التي حققت وجودها انطلاقًا من تلك المنصات، وأسهمت في صناعة أو صياغة تعبيرات مميزة تعكس ثقافة الشباب.

وبالنظر إلى معطيات هذه الثقافة؛ سنجد أن فئة الشباب تجمع بين مجموعة من المواصفات؛ أبرزها البحث المتواصل عن الاستقلالية، والإحساس بالمسؤولية تجاه الذات، والقدرة على اتخاذ القرارات الخاصة، وغيرها من سمات أو أدوات الاستقلالية التي أدت إلى ظهور أداءات تعبيرية جديدة لدى الشباب تختلف عما هو تقليدي، وهو الأمر الذي جعلها تخلق حراكًا ديناميكيًّا في المجتمع، وهذا الحراك يتحقق وينتشر بشكل تلقائي، وتحمل التعبيرات التي تنتج عنه أبعادًا اجتماعية وثقافية، وتبتكر أساليب حياة مغايرة لمواجهة أساليب الحياة التقليدية، وهم بذلك يصنعون تعبيراتهم الخاصة لتأكيد وجودهم الخاص، وهويتهم المختلفة عن الأجيال السابقة، والإعلان عن ذواتهم، والسعي إلى تجاوز حدود جيل الآباء، والخروج من عباءة الموروث بهدف الانتماء لثقافة عالمية جديدة تتحول التعبيرات فيها إلى هوية أو ملاذ.

وعلى هذا النحو تبرز «تعبيرات الشباب» بآلياتها المغايرة من حيث إنتاج المضمون، أو التواصل مع الآخرين عبر الميديا التفاعلية، والاستفادة من التطور التقني، والشبكات الاجتماعية والميزات التي تقدمها، إضافة إلى الوسائل الأخرى التي يستخدمها الشباب في هذا السياق للتعبير عن أنفسهم؛ مثل: الغرافيتي، الأزياء، النحت، الموسيقا، الغناء بكلمات سريعة تحكي تفاصيل حياتهم، والتحدث بلغة جديدة هي في واقع الأمر (خليط) من لغات مختلفة يستخدمها الشباب، ويصنعون منها رموزهم وتعبيراتهم الخاصة، والمحتوى المعبّر عن ثقافتهم والمناسب لسلوكياتهم؛ مثل: المقاطع الموسيقية، والفيديوهات، والرسوم الفنية، والملابس، وغيرها من الأعمال والأنشطة والسلوكيات التي تعبّر عن هؤلاء الشباب.

ولأهمية هذا الموضوع؛ تُخصص «الفيصل» ملف هذا العدد للتعرف إلى «تعبيرات الشباب»، ومناقشة أبعادها عبر مجموعة من النقاد والمثقفين الذين استضافتهم لتسليط الضوء على أنماط التعبيرات الجديدة من منظور سوسيولوجي وثقافي.

تعبيرات الشباب… آليات جديدة لأسلوب الحياة

أسئلة الرواية التاريخية

الرجال مواقف وكلمات، والتاريخ يصنعه الرجال وتخلده المواقف والكلمات، وتتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل حتى يصبح جزءًا عزيزًا من المكوّن الثقافي للشعوب، ينير لها الطريق ويكشف لها الدروب، فتاريخ العالم ليس إلا سيرة الرجال العظماء كما يقول الكاتب الأسكتلندي توماس كارليل، وقد كانت هناك كلمات وأقوال على مر التاريخ، حفظتْ أحداثَ التاريخِ من التحريف، أو الفقد، أو النسيان.

لقد أصبحت هذه الكلمات شاهدة على مواقف أصحابها من جهة، وحافظة للتاريخ من جهة أخرى؛ لذلك تناولتها الروايات عبر الأجيال.

ألم تتناقل أجيال العرب قول أُمّ الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم: «واذُلّاه آل تغلب» وقد كان هذا القول سببًا في قتل ملكٍ (هو عمرو بن هند على يد عمرو بن
كلثوم) تعبيرًا عن الفخر والاعتزاز بالنفس وعدم
قبول الضيم.

ألم تتناقل الأجيال جيلًا بعد جيل وصف «الهرمزان» ملك خوزستان للخليفة عمر بن الخطاب حينما سِيقَ إليه أسيرًا وكان لم يزل الموكَّل به يقتفي أثر عمر بن الخطاب حتى عُثر عليه في المسجد نائمًا متوسّدًا دِرَّته، فلما رآه الهرمزان قال: هذا والله الملك الهنيّ؛ عدلتَ فأمنتَ فنمتَ، والرواية متجذرة في وجداننا… نتناقلها لنُدلّل بها على عدل الفاروق، وأن العدل يجلب الأمن لصاحبه.

إذا ما تحدثنا عن الشجاعة والإقدام في التاريخ تقفز أمامنا كلمات القائد المسلم طارق بن زياد في أصحابه حينما اقترب جيش الملك لُذريق من الجيش الإسلامي، حيث قام طارق فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال «أيها الناس، أين المفرُّ؟! البحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم، فليس لكم والله! إلا الصدق والصبر».

أما نجدة المظلوم، والسعي لرد الحقوق، فالرواية التاريخية التي نتوارثها عن موقف الخليفة العباسي المعتصم حينما وقعت امرأة في أسر الروم وقالت: «وامعتصماه»، فنُقل إليه ذلك الحديث، وفي يده قَدَح يريد أن يشرب ما فيه، فوضعه، ونادى بالاستعداد للحرب، ولم يزل على ذلك حتى حرر تلك المرأة المسلمة، تلك الرواية حاضرة دائمًا في أذهاننا.

كما يسجل لنا التاريخ أيضًا قول الشاعر أبي الطيب المتنبي مفتخرًا بشجاعته: «الخَيْلُ وَالليْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني*** والسيفُ والرُّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ»، وهو القول الذي كان سببًا في مقتل الشاعر على يد أعدائه بعدما أنِفَ أن يهرب.

أما موقف شيخ المجاهدين عمر المختار، فقد أضحت كلماته التي قالها قبل إعدامه: «نحن لن نستسلم؛ ننتصر أو نموت»، نبراسًا للمجاهدين والمصلحين، ودليلًا صادقًا على كفاح الليبيين ضد الاحتلال الإيطالي.

وإن كان هناك تشكيك في المناهج المستخدمة في تحليل الرواية التاريخية، وربط بعض المؤرخين الرواية بالأيديولوجية التي تُنشَر من خلالها، فإن ذلك أدى إلى انتفاء الدراسة النقدية للمعرفة العلمية التي تقدمها الرواية التاريخية.

ونحن في مجلة «الفيصل» قد خصصنا ملف هذا العدد لأسئلة الرواية التاريخية، وطرحنا الأمر على عدد من النقاد والمبدعين والمثقفين والمختصين لاستيضاح الحقائق التي حملتها إلينا تلك الروايات، والتعرف –كذلك –
إلى ما يدور حولها من جدلٍ أو تشكيك.