بواسطة الفيصل | سبتمبر 1, 2024 | سينما
أوضح المخرج السينمائي السعودي علي الكلثمي، أن المصادفة هي التي أوحت له بشخصية «فهد القضعاني»، مشيرًا إلى التخطيط الدقيق لبناء الشخصية، شكلًا ومضمونًا. الكلثمي تطرق في حواره مع «الفيصل» إلى العناصر المكونة لقصة فِلْمه الروائي الأول «مندوب الليل»، ودلالاتها من موسيقا تصويرية ومواقع تصوير حية وعدسات وزمان ومكان وإضاءة وألوان، بحيث توازنت هذه العناصر وأكملت بعضها وأسهمت في تحقيق رؤية متكاملة تعبر عن رحلة البطل بأسلوب واقعي ومؤثر. وتحدث الكلثمي عن المخاوف التي رافقت عرض الفِلم، محليًّا ثم عربيًّا وعالميًّا، وردود أفعال الجمهور التي عكست الخلفيات الثقافية المتنوعة، مؤكدًا أن لغة السينما والقصص الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الثقافية واللغوية، والوصول إلى قلوب الناس وعقولهم في كل مكان، وأن التفاعل الدولي مع الفِلم السعودي يحفز المخرج لصناعة أعمال، تعبر بصدق عن «قصصنا المحلية».
شخصيات من هامش المجتمع
● لنبدأ من أول أفلامك الروائية «مندوب الليل»، الذي يتناول حياة شاب ثلاثيني في ليل الرياض، شاب يفقد وظيفته، بينما يرزح تحت أعباء والتزامات عائلية، بين أبيه المريض وأخته وابنتها. ما التحديات التي واجهتك وأنت تحاول سينمائيًّا تجسيد شخصية فقدت عملها الرئيس ولجأت إلى العمل في مهنة خطرة؟
■ عندما بدأت كتابة فِلْم كرنمال (كرنفال + مال) الذي تغير اسمه لاحقًا إلى «مندوب الليل»، مع الكاتب محمد القرعاوي، كانت لدينا العديد من التساؤلات عن فهد ودوافعه، ولكن كنا دائمًا نعود إلى المشهد الأساسي الذي شاهدته أمام عيني خلال إحدى الحفلات، التي كانت مليئة بالمشهورين ولاعبي كرة القدم، ودخل وقتها مندوب توصيل الطلبات إلى منتصف المجلس، وكأنه خيال لا يراه أو يشعر به أحد وظل هائمًا، هل هذا وهم أم حقيقة. هذه اللحظة أثارت فيّ تساؤلات حول الشخصيات التي تعيش على هامش المجتمع وتكافح للنجاة في مهن خطرة.
كان التحدي الرئيس هو كيفية تجسيد هذا الشعور بالاختفاء والانتماء الهش في سيناريو الفِلم. حرصت على أن تكون تفاصيل الشخصية دقيقة وواقعية، بدءًا من طريقة تفاعله مع الآخرين وصولًا إلى تعابير وجهه ولغة جسده. كان من الضروري أيضًا العمل على الجانب النفسي للشخصية، بحيث يظهر فهد شخصية معقدة ومليئة بالصراعات الداخلية، وهو ما يعكس بدقة واقعه الاجتماعي والنفسي.
● الملحوظ أنك تجنبت الوقوع في فخ النمطية من خلال اهتمامك بالتفاصيل، سواء من حيث التصوير أو اختيار الموسيقا، والأهم اختيار الليل، بُعدًا زمانيًّا، أضفى عمقًا ومشاعر مختلفة. كيف وازنت بين هذه العناصر لتحقيق رؤية تعبر عن رحلة البطل؟
■ اختيار الليل خلفية زمنية للأحداث كان له دور كبير في إضفاء العمق والمشاعر المختلفة. الليل يضيف بعدًا من الغموض والتوتر، ويعزز من حالة العزلة والوحدة التي يشعر بها فهد. كما أن الإضاءة الليلية والألوان التي استخدمناها، مثل الألوان الخضراء والزرقاء والحمراء، ساهمت في خلق جو درامي يكثف من حالة فهد النفسية ويعكس التحديات التي يواجهها.
على مستوى الموسيقا تعاونا مع الموسيقيين فابيان ومايك كورتزير والموزع الموسيقي محمد الحمدان (أبو حمدان) من أجل صناعة موسيقا أصيلة تجذب المشاهد إلى المعضلات النفسية والعاطفية التي يعيشها فهد وتفاعله مع التحديات التي يواجهها؛ حتى تبني هذا العالم العاطفي الذي يواكب العالم المرئي، الذي صممته نيرفانا الشناوي.
عملنا على خلق توازن بين هذه العناصر من خلال الاهتمام بأدق التفاصيل في التصوير والموسيقا، بحيث تكون كل منها مكملة للأخرى، وتساهم في تحقيق رؤية متكاملة تعبر عن رحلة البطل بأسلوب واقعي ومؤثر.

شخصية المكان
● اتخذت من مدينة الرياض خلفية مهمة للأحداث في فِلْمك؛ إذ تبدو أكثر من مجرد مكان؛ فهي تكاد تكون شخصية في حد ذاتها، فكيف تعاملت مع تصوير المدينة وجعلها جزءًا لا يتجزأ من القصة؟ وما الدلالات الرمزية التي يحملها اختيارك لهذه الخلفية المكانية؟
■ على الرغم من أن الرياض مدينتي التي نشأت وتربيت فيها ولي فيها أعمق وأدق الذكريات، ولكن خلال التحضير للفِلم، تحديدًا قبل بداية التصوير بثلاثة شهور، كنت أخرج مع مدير التصوير أحمد طاحون، نجوب شوارع الرياض ونتناقش حول طبيعة كل حي وتاريخه على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وحول بعض الذكريات التي تخص كل شارع، وبدأنا في اختيار الشوارع ومواقف السيارات المناسبة للقصة التي تضيف إلى المشاعر الخاصة بكل مشهد.
الرياض في «مندوب الليل» ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي شخصية في حد ذاتها تعكس الحالة النفسية للبطل والتغيرات التي يمر بها. المدينة بشوارعها وأضوائها الليلية تمثل عالم فهد الداخلي المضطرب والمتغير. الدلالات الرمزية لاختيار الرياض كمكان للأحداث تعكس رحلة فهد في البحث عن ذاته والتحديات التي يواجهها في مجتمع سريع التغير. تصوير المدينة بهذه الطريقة كان يهدف إلى إظهار تباين الحياة في الرياض بين الأحياء المختلفة، من الأحياء الفقيرة إلى الأحياء الغنية، وهو ما يعكس التنوع الاجتماعي والاقتصادي في المدينة، ويعزز من واقعية القصة وتأثيرها في الجمهور.
الاعتراف الدولي وتفاعل الجمهور
● حصل «مندوب الليل» على جائزة الجمهور لأفضل فِلم روائي طويل في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2023م، فكيف تنظر إلى هذا الاعتراف الدولي وما الأثر الذي سيتركه في مسيرتك السينمائية وفي صناعة السينما السعودية عامةً؟
■ كان هناك تخوف كبير منذ انطلاقة الفِلْم في المهرجانات الدولية انطلاقًا من أحد المهرجانات ذات التصنيف A عالميًّا، مثل مهرجان تورنتو السينمائي الدولي. والتخوف كان لأننا عندما صنعنا هذا الفِلم كان الهدف هو الجمهور والمشاهد في السعودية، في الدرجة الأولى، فقد حرصنا أن يخاطب الفِلم الجمهور المحلي وأن يكون «مندوب الليل» منتجًا للسوق المحلي. الرائع أنه مع العرض الأول للفِلم في تورنتو، كندا، أذكر أنني جلست في نهاية القاعة الممتلئة عن آخرها وبدأت أتابع ردود أفعال الجمهور، الذي كان ينقسم إلى جمهور كبير في السن يتصدر الصفوف الأمامية، بينما انتشرت الوجوه الشابة في بقية القاعة، وقد كان تفاعل كل منهما مختلفًا تمامًا مع أحداث الفِلْم، ولكن القاسم المشترك بينهم أنهم شعروا بالتعاطف أحيانًا وبالغضب أحيانًا أخرى من سلوكيات وتصرفات فهد القضعاني. وقد كانت الجلسات النقاشية بعد كل عرض من عروض الفِلم متنوعة من حيث نقاش القصة أو الاستفسار عن أماكن التصوير، وهناك من تساءل عن أدوار محمد الدوخي وجميعهم كانوا منبهرين بأن الدوخي اشتهر بالأعمال الكوميدية.
الشاهد أن لغة السينما والقصص كلما كانت حقيقية وأصيلة، لامست الإنسان في أي مكان ومن أي ثقافة. وهذا ما أثبتته لي تجربة «مندوب الليل». لا شك أننا فخورون بكل التقدير والاحتفاء بالفِلم، ولكن يبقى رد فعل الجمهور وتفاعله مع الفِلم وأحداثه وشخصياته هو أكبر تقدير يشبع غرور أي مخرج محب للسينما.
هذا الاعتراف الدولي يعزز من مكانة السينما السعودية، ويحفزني على تقديم المزيد من الأعمال التي تعبر بصدق عن قصصنا المحلية. كما أنه يفتح الأبواب أمام المزيد من التعاون الدولي، ويزيد من الثقة في قدراتنا، نحن صناع السينما، وأننا قادرون على إنتاج أعمال تنافس على المستوى العالمي.
● عرض الفِلم أول مرة عربيًّا في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الدورة الماضية، حصد إعجاب الجمهور، لكنه لم يفز بجائزة أفضل فِلم، ما تعليقك؟
■ لا شك أن الدورة الماضية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي كانت المنافسة فيها شرسة؛ إذ شاركت العديد من الأفلام السعودية والعربية والعالمية القوية على المستوى الفني. كان هناك مستوى عالٍ من الإبداع والتنوع في الأفلام المعروضة، وهو ما جعل المنافسة صعبة جدًّا. بالنسبة لي، أن يكون العرض الإقليمي الأول لفِلم «مندوب الليل» بين أهله وناسه في السعودية من خلال مهرجان البحر الأحمر هو في حد ذاته إنجاز كبير. هذا التقدير من الجمهور السعودي، ودعم مهرجان البحر الأحمر السينمائي للفِلم، ساهم بشكل كبير في استكمال مسيرة الفِلم ووصوله إلى شريحة واسعة من المشاهدين المحليين.
حصول الفِلم على إعجاب الجمهور هو أمر نفخر به كثيرًا، وهو دليل على أن العمل قد تمكن من لمس قلوب الناس والتواصل معهم بشكل فعال. بالنسبة لي وللفريق، هذا التفاعل الإيجابي من الجمهور هو الجائزة الحقيقية، وهو ما يدفعنا لمواصلة العمل على تقديم قصص تلامس واقعنا وتعبّر عن تجاربنا. في النهاية، عدم الفوز بجائزة لا يقلل من قيمة الفِلم أو تأثيره، بل يزيد من حماستنا للعمل على مشروعات مستقبلية تتحدى معايير السينما، وتواصل تقديم محتوى مميز يلبي تطلعات الجمهور المحلي والدولي.
● عُرِضَ «مندوب الليل» في دول عدة؛ منها مصر وإيرلندا وبريطانيا، كيف تلقيت استجابة الجماهير في تلك الدول؟
■ انتابني شعور مختلف قبل عرض «مندوب الليل» في سينما زاوية في القاهرة. كنت قد رزقت بمولودتي الثانية «عزة»، قبل أيام من العرض، وكنت أعيش إحساس الأبوة للمرة الثانية من جديد. حرصت على حضور الجلسة النقاشية مع الجمهور المصري الذي كنت أتساءل في قرارة نفسي هل سيفهم الحوار واللهجة، هل سيتفاعل مع المشاهد التي تكاد تكون مختلفة عن الصورة النمطية للرياض. لكن تفاجأت بردود أفعال إيجابية ونقاش فني عميق مع الجمهور، وهو ما أكد لي أن القصص الأصيلة تستطيع الوصول إلى قلوب الناس في كل مكان.
في إيرلندا وبريطانيا، كان الوضع مشابهًا إلى حد كبير. في دبلن، كان الجمهور متحمسًا لمعرفة المزيد عن الحياة في الرياض، وكيف يجري تصويرها من خلال عيون فهد. النقاشات بعد العرض كانت مثرية حيث استفسر الجمهور عن تفاصيل تصوير المدينة، وكيفية التعامل مع العناصر المختلفة في الفِلم. في بريطانيا، وبخاصة لندن، كان هناك اهتمام كبير بالتفاصيل الفنية للفِلم. النقاد والجمهور على حد سواء أبدوا إعجابهم بالتصوير الليلي واستخدام الألوان لإبراز الحالة النفسية للشخصيات. كان من المدهش رؤية كيف أن تفاصيل دقيقة جدًّا، مثل الموسيقا والإضاءة، قد لاقت استحسان الجمهور ونالت إعجابهم.
بشكل عام، تلقيت ردود أفعال إيجابية جدًّا من الجماهير في هذه الدول، وهو ما يعزز من إيماني بأن القصص الإنسانية قادرة على تجاوز الحدود الثقافية واللغوية، والوصول إلى قلوب الناس في كل مكان. هذا النجاح الدولي يعطينا دفعة قوية للاستمرار في تقديم أعمال تلامس الواقع، وتعبّر عن تجاربنا بأسلوب سينمائي مميز.

وصفة للنجاح
● كيف تبني جسور التواصل والتفاهم مع فريقك الفني لضمان تجسيد رؤيتك السينمائية؟ وما أبرز الصعوبات التي تواجهها في هذا الجانب؟
■ بعد الانتهاء من كتابة الفِلم حرصنا، جميع رؤساء الأقسام، على مناقشة الجوانب الفنية ودوافع الشخصيات والمقترحات لأماكن التصوير، التي حرصنا أن تكون مواقع حقيقية دون اللجوء إلى أستوديوهات داخلية. هذه المرحلة من التعاون والتفاهم كانت أساسية لبناء جسور التواصل بيني وبين الفريق الفني، فكنا نتشارك الأفكار ونتبادل الآراء بخصوص كل جانب من جوانب الفِلْم.
أحد أبرز الصعوبات التي واجهناها كانت التحديات اللوجستية. التصوير والتنقل بين المواقع في مدينة الرياض المزدحمة كان أمرًا معقدًا جدًّا، وبخاصة أن الرياض مدينة لا تنام. كما أننا تعرضنا لحادث خلال تصوير مشهد النفق الذي يظهر في افتتاحية الفِلْم، حيث كان هناك خلل في تركيب إحدى رافعات الكاميرا وسقطت، ومعها أحد المصورين، ولكن بفضل الله لم تكن هناك إصابات. كانت هذه الحادثة صدمة لنا جميعًا، وتوقفنا أيامًا عدة لإعادة ترتيب أوراقنا والتركيز على تطبيق معايير أمن وسلامة تحافظ على الجميع.
● كيف تقيم النجاح التجاري للفِلم؟ وإلى أي حد تَتحققُ الموازنة بين النجاح التجاري والنجاح الفني في السينما السعودية الحديثة؟
■ لأني منتج تنفيذي لفِلم «مندوب الليل» والعديد من الأفلام من إنتاج أستوديو تلفاز١١، أعتقد أن المخرج عليه مسؤولية أن يتعامل بواقعية مع المعطيات الخاصة بالفِلم، سواء كانت الميزانية أو تكاليف الإنتاج وغيرها. وأعتقد أننا نعيش عصرًا ذهبيًّا تتوافر فيه سبل الدعم والإمكانات كافة لكي يعمل المخرجون على قصص سعودية أصيلة.
حرصنا على تقديم حملة تسويقية للفِلْم تجذب المشاهد المحلي وتمنحه الثقة في مشاهدة فِلم سعودي، بما يسهم في زيادة المداخيل الخاصة بالفِلم من شباك التذاكر. ولأكون صادقًا، لم نكن نتوقع هذا الإقبال الكبير، وأن يكون «مندوب الليل» أعلى افتتاحية لفِلم سعودي على الإطلاق. إن النجاح التجاري للفِلْم كان مصحوبًا بردود أفعال إيجابية من النقاد والجمهور، وهو ما جعلني أُومِن أكثر بأن تحقيق التوازن بين النجاح التجاري والنجاح الفني ممكن جدًّا في السينما السعودية الحديثة.
النجاح التجاري للفِلم يمنحنا الموارد والإمكانيات للاستمرار في إنتاج أعمال فنية متميزة، بينما النجاح الفني يساهم في بناء سمعة السينما السعودية وجذب اهتمام النقاد والجمهور العالمي.
التقنية في خدمة القصة
● تطور التقنية في صناعة السينما يفتح آفاقًا جديدة للإبداع. كيف تتعامل مع التقنيات الرقمية محتفظًا بالعمق الفلسفي والأدبي في أعمالك؟
■ حرصنا خلال مرحلة التحضير على الاستعانة بالعديد من الوسائل التقنية الخاصة بتصميم المشاهد حتى تكون الرؤية الفنية واضحة لأعضاء فريق العمل. على سبيل المثال، استخدمنا تقنيات الرسوم المتحركة التوضيحية (Previsualization) لتحديد كيفية تحرك الكاميرا وتوزيع الإضاءة قبل البدء في التصوير الفعلي. هذا ساعد في تقليل الأخطاء وزيادة الكفاءة في وقت التصوير.
ومع ذلك، كنت حريصًا على العودة إلى أساسيات السينما خلال التصوير. استخدمنا عدسات كلاسيكية من طراز Cooke Panchro، التي تعطي المدينةَ الطابعَ الحاد والدقيق الذي اشتهرت به تلك العدسات. هذه العدسات ساعدت في الحفاظ على الطابع الكلاسيكي للصورة، وأضفت لمسة من الأصالة والعمق البصري على المشاهد.
تكمن القدرة على الحفاظ على العمق الفلسفي والأدبي في الأعمال السينمائية في كيفية دمج التكنولوجيا مع الرواية الأصيلة. التقنية توفر الأدوات لتحسين الجودة البصرية والتنفيذ الفني، لكن الفلسفة والأدب يأتيان من القصة نفسها، من الشخصيات، من الحوارات، ومن اللحظات الإنسانية التي تنقل المشاعر والأفكار بصدق. لهذا، كنت أحرص دائمًا على أن تكون التقنية في خدمة القصة، وليس العكس، وهو ما يضمن أن يبقى العمل السينمائي محملًا بالعمق والمعاني التي نسعى لإيصالها. بهذا الأسلوب نتمكن من الاستفادة من التقنيات الحديثة لتعزيز تجربتنا الإبداعية من دون التضحية بالجوهر الفلسفي والأدبي للأعمال.
● تشهد السينما السعودية نهضة ملحوظة في السنوات الأخيرة. كيف تنظر إلى هذه التحولات فنيًّا؟ وما التطلعات التي تسعى إليها لتعزيز هذا الاتجاه ولإحداث تأثير دائم في الثقافة السينمائية المحلية؟
■ أعتقد أننا جيل محظوظ لأننا واكبنا انطلاقة الإنترنت والثورة المعلوماتية، وكانت انطلاقتنا على اليوتيوب فرصة للتواصل مع الجمهور السعودي وبناء علاقة فنية قوية. كنا نتناقش في قضايا تشغل بالنا وتهمنا جميعًا. ومع عودة السينما بقوة، كانت هناك فرصة لنحكي قصصًا تشبهنا وتعبر عن واقعنا وتطلعاتنا.
التحولات التي تشهدها السينما السعودية فنيًّا تتميز بالتنوع والإبداع. نشهد حاليًّا إنتاج أفلام تعبر عن مجموعة واسعة من الموضوعات والقضايا الاجتماعية والثقافية. هذا التنوع يعزز من قوة السينما السعودية، ويساهم في جذب جمهور متنوع. كما أن الدعم المتزايد من المؤسسات السينمائية والمهرجانات الدولية والمحلية يسهم في رفع مستوى الإنتاج السينمائي، ويوفر فرصًا للمخرجين والمنتجين السعوديين لتقديم أعمالهم على منصات أوسع.
التطلعات التي أسعى إليها لتعزيز هذا الاتجاه تتضمن محاور عدة:
دعم المواهب الشابة: الاستمرار في توفير برامج تدريبية وورش عمل للمواهب الشابة في مختلف مجالات صناعة السينما، من الكتابة والإخراج إلى التصوير والمونتاج؛ لتمكينهم من تطوير مهاراتهم وإبداعاتهم.
التعاون الدولي: تعزيز التعاون مع صناع السينما الدوليين لتبادل الخبرات والتجارب، وهو ما يساهم في رفع مستوى الإنتاج السينمائي المحلي، ويساعد في نقل القصص السعودية إلى جمهور عالمي.
تقديم قصص أصيلة: التركيز على تقديم قصص تعبر عن التجارب والواقع المحلي بصدق وأصالة. القصص التي تنبع من الثقافة والتاريخ السعودي لها قدرة كبيرة على التأثير والوصول إلى قلوب الناس في كل مكان.
تطوير البنية التحتية: الاستمرار في الاستثمار في تطوير البنية التحتية لصناعة السينما في السعودية، من خلال بناء أستوديوهات ومرافق إنتاج متقدمة، وتوفير المعدات الحديثة التي تساهم في تحسين جودة الإنتاج.
زيادة الدعم المالي: توفير برامج التمويل المتنوعة لصناع الأفلام السعوديين، وهو ما يمكنهم من إنتاج أعمال ذات جودة عالية تستطيع المنافسة على المستوى الدولي.
من خلال هذه الجهود، نسعى إلى إحداث تأثير دائم على الثقافة السينمائية المحلية، بحيث تصبح السينما وسيلة فعالة للتعبير عن الهوية والثقافة السعودية، وتساهم في تعزيز الوعي والفهم بين الثقافات المختلفة. نحن نطمح إلى أن تصبح السينما السعودية جزءًا مهمًّا من المشهد السينمائي العالمي، وأن تكون لدينا أفلام تتحدث عن تجاربنا وقصصنا بصوت قوي وواضح.

السينما وقضايا الوجود والمجتمع
● يتطلب الفن الشجاعة لاستكشاف المناطق المظلمة وغير المألوفة في النفس البشرية، بصفتك مخرجًا، كيف ترى تأثير السينما والأفلام ودورها في تشكيل الوعي الجمعي والثقافي داخل المجتمع؟
■ الفن بأشكاله كافة له دور مهم في بناء الوعي الثقافي وتشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمع. السينما، بوصفها أحد أشكال الفن الأكثر تأثيرًا، تمتلك قدرة فريدة على نقل التجارب الإنسانية والمعاناة والأفراح إلى الجمهور بطرق تجعلهم يشعرون ويتفاعلون مع القصة بشكل عميق.
لقد تربيت في مجلس والدي الذي كان راويًا متمرسًا يقص قصصًا من التاريخ، ويروي حكايات ونوادر من الأدب، وقد رأيت كيف كان يوظف تلك القصص والروايات في نشر الوعي عن قيمة اجتماعية أو فضيلة معينة، وكيف كان يستخدمها أحيانًا في تهدئة النفوس بين المتخاصمين وإصلاح ذات البين. هذه التجربة أثرت فيّ تأثيرًا كبيرًا وزرعت فيّ الإيمان بقوة السرد القصصي في تغيير القناعات وتعزيز الفهم.
أعتقد أن السينما تمتلك القدرة على استكشاف المناطق المظلمة وغير المألوفة في النفس البشرية، بطرق تجذب الجمهور وتجعله يفكر في قضايا قد لا يكون على دراية بها. من خلال الشخصيات المعقدة والمواقف الصعبة التي يجري تصويرها في الأفلام، يمكننا أن نعرض جوانب من الحياة الإنسانية التي قد تكون مخفية أو مغمورة في الظل. هذا يساعد في زيادة التعاطف والفهم بين الناس، ويعزز من الوعي بالقضايا الاجتماعية والنفسية.
على سبيل المثال، في فِلم «مندوب الليل»، حرصنا على تقديم شخصية فهد القضعاني بواقعية وصراحة، بما فيها من تناقضات وصراعات داخلية. كانت حواراتي مع محمد الدوخي خلال التحضير للشخصية تهدف إلى إبراز هذه الجوانب المظلمة من خلال علاقته بأبيه ومحيطه الاجتماعي. اقترح الدوخي أن يكون فهد بارًّا بوالده؛ لأننا لا نريد أن نرى الشر مطلقًا ولا الخير مطلقًا، بل نريد أن نعرض الشخصية بكل تناقضاتها الإنسانية.
من خلال السينما، نستطيع أن نثير تساؤلات حول قضايا الوجود والمجتمع ونحفز التفكير النقدي والتأمل العميق. الأفلام تساهم في تشكيل الوعي الجمعي من خلال طرح قصص تعكس تجارب الناس ومشاعرهم بطرق تجعلهم يرون الأمور من منظور مختلف. هذا يساعد في بناء مجتمع أكثر تفهمًا وتسامحًا، ويعزز من التواصل الثقافي بين الأفراد.
بوصفي مخرجًا، أسعى دائمًا إلى تقديم أعمال تثير التساؤلات أكثر من تقديم الإجابات؛ لأن الفن في جوهره يسعى إلى استكشاف المجهول وحَفْز النقاش والتفكير. أعتقد أن هذا هو الدور الحقيقي للسينما والأفلام في تشكيل الوعي الجمعي والثقافي داخل المجتمع.
● يسعى الفن بطبيعته إلى إثارة التساؤلات أكثر من تقديم الإجابات، فما الأسئلة الكبرى التي تأمل أن تثيرها من خلال أفلامك؟ وكيف ترى دور السينما في حَفْز التفكير النقدي والتأمل العميق في قضايا الوجود والمجتمع؟
■ في هذه المرحلة، كوني أعيش شعور الأبوة من جديد مع بنتي عزة وأخيها عزيز، أجد أن كثيرًا من التساؤلات في ذهني تدور حول الأسرة ومستقبل أبنائنا. من خلال أفلامي، أسعى إلى إثارة تساؤلات حول القيم الاجتماعية، الهوية، والتحديات التي يواجهها الأفراد في مجتمعنا الحديث. أتساءل عن تأثير التغيرات الاجتماعية والثقافية في الأسرة والعلاقات الإنسانية، وكيف يمكننا الحفاظ على التوازن بين التقاليد والحداثة.
● أحد الأسئلة الكبرى التي أطمح إلى إثارتها هو كيف يمكن للفرد أن يواجه تحديات الحياة المعاصرة دون أن يفقد هويته وقيمه. كيف يمكننا التعامل مع الضغوط النفسية والاجتماعية التي تفرضها الحياة الحديثة؟ وما الدور الذي تؤديه العلاقات الإنسانية في تحقيق التوازن والسعادة في حياتنا؟
■ السينما تشجع على التفكير النقدي من خلال طرح قضايا معقدة دون تقديم حلول جاهزة، وهو ما يدفع المشاهدين إلى تحليل الأحداث والشخصيات ومحاولة فهم الدوافع والنتائج. هذه العملية تعزز من قدرتهم على التفكير النقدي وتطوير وجهات نظرهم الخاصة. بصفتي مخرجًا، أهدف إلى تقديم أفلام تحفز الجمهور على التفكير والتساؤل والتأمل؛ لأنني أُومِن بأن الفن الحقيقي هو الذي يثير النقاش ويحفز العقل والروح.
بواسطة الفيصل | سبتمبر 1, 2024 | الملف
آفاق السنام الواحد

عهود منصور حجازي – ناقدة سينمائية
منذ فجر التاريخ، كان إدراك الإنسان لتقاسمه الأرض مع كائنات أخرى، مثارًا لتساؤلاته، ودافعًا لمحاولاته لاستحداث الطرائق التي تعبّد الطريق إليها، أو تقطعه عنها، استغلالًا، ورحمة، ومنفعة، وفهمًا، ودفاعًا، واجتنابًا.
وقد عُدّ الإنسان «حيوانًا ناطقًا»، في الفلسفة القديمة، لتميزه عن الحيوان، وهو ما يعني أن الفروقات بين العالَمين كانت موضع البحث والتأمل. من ثمّ، خُصصت أعمال مطوّلة لدراسة الحيوانات، ومعرفة مزاياها وفصائلها وأنواعها، وكل ما يتعلق بها، منذ أرسطو في «تاريخ الحيوانات»، مرورًا بالجاحظ في موسوعته «الحيوان» حتى يومنا هذا.
ولعل علاقتنا بالحيوان علاقة معقدة؛ لأنها تُقاسمنا الأرض نفسها، ومع ذلك تحظى باستقلاليتها، وإدراكها، وقدراتها المختلفة، والمتباينة أيضًا. لذلك، قامت الدراسات المتخصصة في المجال، ونشط المؤلفون للكتابة، وشاركت الفنونُ الفلسفةَ الاهتمامَ؛ ليكون الحيوانُ جزءًا حيويًّا من تلك الفنون، التي أنطقت الحيوان، وقرّبته من إدراك البشر، وفتحت الباب بين العوالم، داعمة رؤاها بالخيال تارةً، وبالتوثيق تارات، فحركت في القلوب الشعور تجاه الكائنات التي لا تتكلم. ولا شك أن السينما على رأس تلك الفنون، ومن خلالها أمكن الدخول بأمان إلى ذلك العالم المجهول، وغزل حكايات قائمة على تقاسم الكوكب بين الكائنات الحية.
وعلى اعتبار أن اجتذاب المتلقي ركن رئيس في إنتاج الأفلام، عمد الصناع إلى استخدام الحيوان موضوعًا، من باب إضفاء الإثارة والمتعة، والحرص على إبقاء شعلة ذلك المتلقي متقدة، بامتداد فضوله وشغفه. وكلما تعقدت القصة، واستطاعت التأثير في شعوره، ارتفع منسوب الربح، ونال العمل الشهرة والمجد.
الحيوان بطل رئيس
بنظرة على الأفلام التي قدمتها السينما، على اعتبار أن العلاقة بين الإنسان والحيوان علاقة صداقة ومحبة، ومع الاعتماد على عنصر الخيال بشكل أساسي، نجد أن أفلام (والت ديزني) فتحت الباب على مصراعيه لاستنطاق الحيوانات وأنسنتها، وإلباسها العقل والتفكير. مِن هذه الأفلام، فِلم «سندريلا» من إخراج كنيث براناغ، القصة المعروفة للفتاة المسحوقة التي تعشق أميرًا، فتهبّ لنجدتها الفئران والطيور، بمعية واحدة من الساحرات، محوّلةً الأسمال البالية إلى فستان أنيق، مع مشاهد خلابة للمرح والرقص والموسيقا، لتذهب سندريلا إلى الحفل، وتفوز بالأمير في النهاية.
وإذا ما استطردنا في ضرب الأمثلة السينمائية عن علاقة الصداقة التي تجمعنا بالحيوانات، فإن فِلم ماوكلي «كتاب الأدغال»، من إخراج جون فافريو، خير مثال على ذلك. فقد نشأ في الغابة، وتربى بين القطعان والأسراب. وإن كان لهذه القصة جذور تاريخية، إلا أن تناولها في الفِلم نقلها إلى مستوى مختلف من التعاطف مع الحيوانات التي أحاطت الفتى بعنايتها، وقدمت له الأمان، وأهدته العائلة والأصدقاء، كما أنها كانت حصنه الحصين وحامي حماه. وعلى الجانب الآخر، أبرز الفِلم الجانب الوحشي في عالم الحيوان، ذلك الجانب الذي لا يمكن مصادقته وليس بالإمكان مهادنته، ويُرفع فيه شعار البقاء للأقوى.
وإذا ما ابتعدنا من العالم الخيالي في أفلام ديزني إلى علاقة مختلفة مع الحيوان، تتمثل في كسب ودّه، رغبةً في تحقيق المصالح المشتركة. مثل فِلم «ألفا» لألبرت هيوز، الذي يبدأ بصراعٍ دراميّ مع الذئب، إلا أن تطور الحدث، يحول مفاهيم المواجهة إلى عقد أمانٍ ضمني بين الرجل والذئب، من أجل الخروج من المواقف الصعبة المشتركة معًا.
ومع اعتبار كفة الحيوان راجحة في اجتذاب تفاعل الجماهير، اتخذت بعض الأفلام من الحيوان بطلها الرئيس، جاعلة منه بطلًا نبيلًا كما في فِلم «هاتشي: حكاية كلب» للمخرج لاسي هالستروم، الذي يروي حكاية الكلب (هاتشي) الوفي مع الرجل الذي اعتنى به ورباه منذ طفولته، ليُشاهَد بعد وفاته كل يوم، وعلى مدى عشرة أعوام، أمام باب محطة القطار، منتظرًا صاحبه على أمل العودة. ومنها ما عدت الحيوان بطلًا شريرًا وعدوًّا صريحًا، مثل سلسلة أفلام (جوراسيك بارك)، من إخراج ستيفن سبيلبرج، التي تدور أحداثها داخل حديقة الديناصورات المتحررة من سيطرة الإنسان، والخارجة عن تحكمه، لتنقلب عليه، وتخطف أحبابه، وتدمر حياته. وكذلك فِلم «الفكين» لسبيلبرج أيضًا، الذي يبرز وحشية سمك القرش اللامتناهية، وانعدام التفاهم بينه وبين بني البشر، بتصوير مشاهد مثيرة للرعب، تجسدها الملاحقات، وافتراس الأحياء، وانخفاض فرص النجاة.

من صور الإبل في السينما
ومع اختلاف الزوايا التي تناولتها الأفلام عن الحيوان، يجدر انتقاء الإطار الذي تناول حيوان (الإبل) على وجه الخصوص. وذلك بمناسبة تسمية هذا العام بـ(عام الإبل) في المملكة العربية السعودية؛ لكونه واحدًا من أهم مكوّنات البيئة الصحراوية، بل يعد أيقونة لها، ويمتاز وجوده فيها بعلاقة وثيقة بينه وبين سكانها، جعلته ذا قيمة أعلى فيها، وأكثر حظًّا من بقية الحيوانات. إضافة إلى ذلك، فإن سلوك هذا الحيوان على وجه الخصوص، ومزاياه الفائقة في التكيّف والاحتمال، جعلت منه مادة جاذبة لصناع السينما، وللجمهور المتعطش للغريب والمألوف، على حدٍّ سواء.
ولعل البداية من الأفلام العالمية التي كانت فيها الإبل موضع اهتمام الإنسان، واستدرار رحمته، وتجييش خبرته من أجل بقائها. مِن هذه الأفلام «قصة الجمل الباكي» من إخراج بيامباسورين دافا ولويجي فالورني. وهي قصة درامية وثائقية يتدخل فيها الإنسان في حياة الحيوان، محاولًا مد يد العون له؛ لتسهيل حياته. هي قصة الناقة التي وضعت صغيرها، ورفضت إرضاعه، وهو ما اضطر البشر إلى إقامة الطقوس، وعزف الموسيقا، رغبة في إيقاظ غريزة الأمومة لديها، وتحريك مشاعرها تجاه الصغير الجديد. ثم تحدث المعجزة، وتتأثر الناقة بالمحاولات البشرية المتواصلة، ذارفة دموعها، ومقبلة على وليدها لإرضاعه.
وإن شئنا التمثيل على اتخاذ الإبل مفخرة لسكان الصحراء، ورمزًا شديد الالتصاق بها، فخير مثال على ذلك فِلم «لورنس العرب»، إخراج ديفيد لين، الذي لا يخطر على البال إلا وتنبثق معه صور الإبل في إطاراتها المتعددة داخل الأحداث. حيث تظهر القوافل بمعية الإبل بأعداد كبيرة، تعتلي بعضها الهوادج، ويتزيّا بعضها بأردية ملونة، حمراء وزرقاء وبنفسجية. وقد وُظِّفتْ في التنقل والحروب وإظهار القوة والتواصل الشعوري بينها وبين البشر. ويظهر من خلال الفِلم معرفة البدو الواسعة في التعامل مع الإبل، وقدرتهم الفطرية على توجيهها والسيطرة عليها.

وإذا ما اقتربنا من عالم الكوميديا، وجدنا أن الجمَل كان بطلًا مُشارِكًا في رحلة مُحاكية لاستكشاف أستراليا، من جنوبها إلى شمالها، سيرًا على الأقدام، في رحلة محكوم عليها بالفشل. وذلك في الفِلم الكوميدي «Wills & Burke» للمخرج بوب ويس، الذي ظهر الجمَل فيه على بوستر دعايته، متوسطًا بين البطلين البشريين.
وإن كانت الأفلام الناطقة بالإنجليزية قد وظفت الإبل، واستفادت من تطعيمه مادتها لاجتذاب روّادها، فقد فعّلت السينما العربية دور الإبل باحترافية، مستمدة ثقتها من الشعور الجمعي العربي، ذلك الشعور المستند في الدرجة الأولى من كون (الناقة) حيوانًا معجزًا في قصص الأنبياء عليهم السلام، إضافة إلى دعوة القرآن الكريم للتأمل في خَلقها على وجه الخصوص، ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، وكونها الحيوان الذي اعتاش العرب على لحومه وألبانه، «والتداوي بأبواله»، والتفاخر بكثرته. وفي فِلم «ذيب» من تأليف وإخراج ناجي أبو نوار، مثالٌ على ذلك. حيث برزت الإبل بصورة أساسية في المشهد الصحراوي لوادي (رُم) الذي يحاول الفتى ذيب النجاة منه والفرار بحياته.
من جانب آخر، عُدّت الناقة امتدادًا للشخصية العربية في الجاهلية، حيث كانت حاضرة في الشعر القديم بمستوى تعالقها مع تلك الشخصية، مشكّلة هيمنةً كُبرى، ذات دلالات رمزية، متصلة بقضايا الوجود والمصير. ولو أردنا فهم القيمة المعنوية للناقة في حياة العربي، يكفينا الاستعانة بفِلم «الرسالة» التاريخي الملحميّ، من إخراج مصطفى العقاد، الذي ظهرت فيه الإبل بدلالة مقدسة، حيث برز مشهد مشي الناقة البيضاء، حاملة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند دخوله المدينة المنورة، واستقبال الأنصار له، مرحّبين، ومتنافسين على شرف ضيافته. حين أمرهم بترك الناقة لتختار مكانها بنفسها: «خلّوا سبيل الناقة، فإنها مأمورة»، وحين توقفت الناقة، بُني مكان وقوفها بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومسجده.

الإبل في السينما السعودية
وإذا سلطنا الضوء على مساهمة السينما السعودية على وجه الخصوص في إثراء مادة الإبل؛ فسوف نجد لتلك المساهمة نصيبًا بارزًا بين الأفلام العربية والعالمية. منها ما عُرض في المهرجانات السعودية عرضًا أوليًّا، ومنها ما نُشر على نطاقٍ أكثر تداولًا، وأتيح للمشاهدة في صالات العرض السينمائية. وللتنويه، فإن مدلول (السينما السعودية) في هذا المقال يشمل الأفلام التي كان مُخرجها سعوديًّا، أو موّلتها جهات سعودية، وكذلك التي صُوّرت في السعودية، أو اتخذت من الثقافة السعودية أو أحد مكوّناتها مادة أساسية لها. ويمكن تقسيم هذه الأفلام إلى قسمين: قسم كان في استعانته بالإبل تحريكٌ للمَشهد، أو تتميم للحدث، ولا تستحوذ الإبل فيها على النصيب الأكبر. أما القسم الثاني فاتخذ من الإبل مادته الأساسية، التي هي أسّ الفِلم، أو جعله بطلًا أساسيًّا من أبطاله.
أما أفلام القسم الأول، فيمثَّل لها بالفِلم الوثائقي «درب زبيدة» للمخرجة دنيا العطوة. مصورًا أهمية الإبل في قطع ذلك الدرب، جنبًا إلى جنب مع وسائل نقل أخرى، كالخيل والدراجات الهوائية والمشي على الأقدام. مبرزًا قدرة الإبل على التحمل، والإشارة إلى زيادة لياقتها اطرادًا مع زيادة المسافة، وتناغمها مع راكبها، وفهمها له، وتأثرها بصوته. وليس بعيدًا منه فِلم «أصوات العُلا» للمخرجة ميتوشكا ألكوفا، المصوَّر في صحراء مدينة العلا السعودية، مستعرضًا لمحات من العيش مع الإبل جنبًا إلى جنب، وعدّها مساهمًا في بناء الحضارة، وعمودًا أساسيًّا من أعمدة الرفاه والبقاء.
بالانتقال إلى القسم الثاني، يمكن التمثيل له بثلاثة أفلام، تناول كل منها الإبل من زاوية مختلفة. أولها الوثائقي «حادي العيس» من إخراج عبدالله سحرتي، الذي حمل المشاهدين إلى رحلة عاطفية لحُدَاء الإبل -بمعنى أغانيها- مستعينًا بعنوان القصيدة الغزلية المنسوبة للشريف الرضي -التي جاء في مطلعها «يا حادي العيس عرّج بي على الدّمنِ، فكمْ لنا عندهنّ اليوم مِن شجنِ»- المعبّرة عن ألم الفراق، ووجع الفقد بين الشاعر وحبيبته، ليكون هذا الحُدَاء واسطة الفِلم للتوغل في عالم الإبل، وارتباط البشر بها ارتباطًا لا يخلو من التزام وشغف.
يحاول الفِلم الإجابة عن معظم التساؤلات التي قد تطرأ على الذهن حول هذا الحيوان المحوريّ في الثقافة العربية، فيذكر سبب تسميته بسفينة الصحراء، كونه اقترن بالفلك في القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)، معرّجًا على فصائله وأنواعه وألوانه، ومذكّرًا بفضائل الإبل وارتباطها بعلاقة تبادلية مع الإنسان، فهي تحب مَن يحبها، وتعرفه، وتستقبله حين يُقبل عليها، وهو يبادلها الأُلفة، فيُسمّي نياقه، ويتباهى بمعرفة أمهاتها وجدّاتها. كما يسلط الضوء على أهمية (الحادي) أي المغنّي لهذه (العيس) حيث لا بد من وجوده لقطيع الإبل طوال مسيرها؛ لأنها حيوانات ذوّاقة، تميّز الصوت الحسن من القبيح، وكلما كان الصوت شجيًّا، نشطت في سيرها، وأقبلتْ على الأكل والشرب، وبانت عليها أمارات الأنس والبهجة.

الناقة في فِلمين سعوديين
وإذا ما انتقلنا إلى فِلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، نجدنا أمام حكاية اجتماعية، تدخل فيها الناقة دخولًا جدليًّا، بدءًا من عنوان الفِلم، ودعايته المصوّرة، والأحداث التي مرت ببطلة القصة (سارة) التي تعيش في نطاق اجتماعي متشدد، بينما تحمل في داخلها الشخصية الراغبة في كسر العادات والانتقام من المحيط. فتخادع والدها للقاء صديقها (سعد) الذي يواعدها في الصحراء، لكنهما يصطدمان بناقة حُبلى، على وشك الولادة. يُلحظ سعى الناقة للانتقام، وسعي سارة نفسها للتمرد، كأن الناقة صورة موازية، أُسقطت عليها رغبات سارة نفسها، وحُمّلتْ غضبها ورغبتها في كسر القيد والفتك بالآخر المعتدي. وإن بدا الأمر محاطًا بالخوف كما يظهر عند (سارة) لكنه مدفوع بالغريزة الوحشية عند الناقة الأم. هذا الفِلم اختار أن يصوّر الإبل من ناحيةٍ لم تُطرق في الأفلام التي سبقته، فقد اعتبر الناقة عدوًّا، حافزًا لترقّب المُشاهد؛ كي يعرف المترتّب على ملاحقتها لمن ينالها بالأذى.
أما الفِلم الأخير الذي سيُختم به المقال، فهو الفِلم الروائي الذي نال العديد من الجوائز، وعُرض في السينما العالمية، مختطفًا إعجاب الجماهير، ومنتصرًا للعلاقة الإنسانية بين الإنسان والحيوان، وهو فِلم «هجان» للمخرج أبي بكر شوقي.
يمكن سرد قصة الفِلم باختصار بأنها حكاية الصبيّ (مطر) الذي يخوض معركة (حياتية) تفوق عمره الصغير، من أجل الانتقام لمقتل أخيه (غانم) والحفاظ على ناقته المحبوبة (حفيرة). لكنّ وصف الفِلم بهذا الاختصار مجحف في حقه، فدور الناقة (حفيرة) كان دور البطولة، جنبًا إلى جنب مع الفتى الصغير، ومن دون إغفال للأدوار المهمة الأساسية الأخرى، كدور الشرير (جاسر) الذي لا تتوقف محاولاته عن قطع الحبل بين الناقة وصاحبها، مرتكبًا أفعالًا مشينة، وأدوار الفتية سائقي الإبل -الهجانين- مسلوبي الحَوْل، والدور البارز لزوجة الشرير الماكرة وابنتها، التي تكون سببًا في التخلص من زوج أمها لاحقًا. لكن اللافت في هذا الفِلم هو المحبة الغامرة التي حملها الفتى (مطر) لناقته، واستماتته في الحفاظ على بقائها، وارتباط حياته بحياتها. ما يعيدنا إلى الوعي الجمعي للعربي القديم الذي يرى في الناقة امتدادًا لحياته.
تجدر الإشارة إلى القبول الواسع الذي تلقى به الجمهور قصة الهجان، متمثلًا في التفاعل الحي مع الأحداث في صالات السينما، ومتنوعًا في التعبير، بين التصفيق والهتاف، وكذلك في التعليق والضحك والبكاء في مواضع متعددة.
يخلص المقال إلى أن تناول الحيوان في الأفلام السينمائية له دور مؤثر في حَفْزِ المشاعر الإنسانية، متمثلة في التعاطف والغضب والحب والخوف. وهو ما ينعكس بالضرورة على صناعة الأفلام وإذكاء تنافسها، ودعم إيراداتها، من خلال ارتفاع منسوب الطلب على الأفلام التي نالت جماهيرية واسعة. وفيه دعوة إلى تسليط الضوء على العلاقة بين البشر والحيوان، وتحليل تلك العلاقة دراميًّا، والسعي إلى تقديم مادة غنيّة قوامها الاهتمام بالابتكار، والحرص على كسر آفاق التوقع لدى المتلقين، وهو ما يمنح العمل قيمة عليا، ويحدو به إلى مصافّ الخلود.
الإبل وعلاقتها بالبيئة البدوية في الكتابات المسمارية

قصي منصور التركي – أكاديمي سعودي
شيء عن مفردة عرب وارتباطها ببيئة الإبل
يرى المتخصصون في الآثار واللغات القديمة أن كلمة العرب مفردة مرتبطة بالبيئة والتغير المناخي. الكلمة مأخوذة من مادة «عرب» بمعنى «محل» أو «جدب» لكنها، بهذا المعنى في اللغة العربية، ماتت ولم تعد تستعمل إلا قليلًا في اللغات الجزرية المتأخرة نسبيًّا كالبابلية والآرامية والعبرية(1).
والإبل من أكثر الحيوانات ملاءمة للعيش في الصحراء من خلال تناول ما توفره البيئة المحيطة من غذاء مع شح المياه. ومن المكتشفات الحديثة من النقوش الثمودية المرافقة لرسوم صخرية في عموم المملكة العربية السعودية، اخترنا مشهدًا لامرأة تدعى «ملحة»، تلك المرأة التي كانت تملك الإبل وترعاها في مشهد جميل ومهيب (ينطر صورة الرسم الصخري رقم ١). يظهر في الرسم «ملحة» وهي تقف بين نوقها برشاقة جسمها وحركتها التي تتناغم مع القوس الذي تحمله، وهي تحاول صيد النعام. ومن خلال حروف النقش الستة، وبكل وضوح هي حروف ثمودية، تحمل اسم «ملحة»، وقراءة هذه الحروف هي «ل م ل ح ت» (لملحة) (ينظر صورة تفريغ النقش، صورة رقم ١-١)، وحرف اللام هنا يشير إلى العائدية والملكية.

بعض المفردات المرتبطة بالإبل في الكتابات المسمارية
نعود إلى أصول المفردات اللغوية العربية الفصيحة التي نستعملها اليوم، متأصلة لفظًا ومعنى في لغات ولهجات قديمة نشأت وترعرعت في أرض الجزيرة العربية واحتضنها وتحدث لها بكل اعتزاز إنسان الإبل في البوادي حيث البيئة الصحراوية. وسنبدأ بالإشارة إليها -ومدى ارتباطها كبيئة استيطان وعيش- بلفظ العرب، ثم سنعرج على أهم المفردات المرتبطة بحياة سكان الإبل.
اسم العرب المرتبط ببيئة الإبل في أقدم المدونات اللغوية من الألف الثالث قبل الميلاد
تخبرنا الكتابات المسمارية أن العلامة الصورية السومرية بلفظ «دُل.دو / تل» «DUL-DU / TUL» (ينظر صورة رقم -٢) التي يقابلها في اللغة الأكدية الجزرية اللفظ «تِلُّ» (tillu) الذي يترجم إلى «تَل» أو كومة أو كدس، كما تقرأ قراءة أخرى باللغة نفسها وبالخط المسماري، بلفظ «أرَدو/ عَرَدُ» (arādu)،(2) التي هي مفردة متطابقة مع لفظة علامتها المسمارية تقرأ «علوّ» (elû) الأكدية التي تعني ارتفاع، أي علوّ، علمًا أن صوت حرف «E» اللاتيني هو صوت حرف العين في اللغة الأكدية بلهجاتها البابلية والآشورية(3). ولو جاز لنا إبدال حرف الدال باء لأصبحت المفردة تتطابق تمامًا مع مفردة «عَرَب». ويوجد لفظ ثالث لهذه العلامة الصورية من نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، وهو لفظ «إردو» «eredu» التي تترجم إلى «نُزُل» أو «ينحدر من» التي ترد كثيرًا في كتابات الفأل(4).
وإذا أردنا أن نقرّب المعنى أكثر فإنه يعطينا صفة النزول، أي الساكن في المنزل وتحديدًا في الخيام ومفردها خيمة (ينظر صورة رقم ٢)، والشكل الصوري للمفردة يشير بكل وضوح إلى الخيمة. ولا بد أن للإبل الدور الكبير في صناعة أهم المواد الأساسية للخيمة العربية؛ إذ يستخدم وبر الإبل كثيرًا في مستلزمات صناعة الخيمة العربية في الصحراء.
ومن السياق نفسه الخاص بسكن العرب، استخدمت الكتابات المسمارية الآشورية اللفظ «عربوتي» (arbuti) للإشارة إلى الأرض التي يسكنها أناس دون بيوت مشيدة مسكونة بشكل دائم ولا طابوق بناء لديهم وأرضهم غير مزروعة، وذلك في النص الآتي:(5)
Itāt idiqlat ina nam ugarī ar-bu-ti ašar bītu u šubtu la bašu tīlu u epperu la šapkuma libittu la nadātu
وترجمة النص: (قمت ببناء مدينة آشور) على ضفاف نهر دجلة في المروج والحقول غير المزروعة، حيث لم يكن هناك منزل أو مسكن (دائم) ولا أنقاض، ولا يوجد طابوق بناء على الإطلاق.
ولدينا في المصادر المسمارية الآشورية إشارات واضحة كتابية ومادية تتمثل في المنحوتات الجدارية الآشورية. على سبيل المثال للملكة العربية «عدية» (Adiâ)، وأرجّح أنها مؤنث الاسم العربي المشهور «عَدي»، التي عاصرت حقبة حكم «الملك آشور بانيبال» (668-626 ق.م)، وذكر أنها ملكة العرب ولديها شعب، وكانت تتصف بالقوة والشأن، وأنها هي وشعبها يسكنون الخيام التي أحرقها بعد أن قبض عليها وهي على قيد الحياة وترجمة النص الآتي:
«أنا آشور بانيبال»، ملك آشور، عدية، ملكة العرب…، ألقي القبض عليها … عدية، ملكة العرب، ذبحت شعبها وأحرقت خيمتها وألقيت القبض عليها حية»(6).
وتجدر الإشارة إلى أن الملك «آشور بانيبال»، قد ترك نحتًا بحادثة حرق خيام بلاد ملكة العرب في أحد منحوتاته التي تظهر النار مشتعلة في مجموعة من الخيام.(7) (ينظر صورة رقم ٣).

مفردة الإبل والجمل والناقة في المصادر المسمارية
ورد في النصوص الأكدية ما يدل على أن الأكديين عرفوا الإبل، من خلال مفردتين: الأولى باسم «گ/جمَّلُ» (gammalu) والثانية بصيغة «إبلُ» (ibilu)(8) وهنا نجد التطابق التام، في اللفظ والمعنى، مع اللغة العربية. وكذلك نجد التطابق في رسم صورة رأس لحيوان من المرحلة الصورية من نهاية الألف الرابع، الذي يشبه رأس الجمل (ينظر الصورة رقم 4). ثم بكل وضوح في حقب لاحقة، منذ مطلع الألفية الثانية ق.م. وفي المدة المعروفة بالعهد البابلي القديم، ظهرت التسمية الوصفية للإبل في معجم لغوي قديم وضعه كتّاب بلاد الرافدين القدامى للتعريف بالمفردات والأفعال السومرية وما يقابلها في الأكدية، فجاءت التسمية الخاصة بالإبل، في اللغة الأكدية بثلاثة مقاطع صوتية، وبصيغة «إبِلُ» وبلفظ ومعنى يتطابق مع «الإبل»، وهي الصيغة المعروفة في اللغة العربية للجمع. كما تأتي بالأكدية بلفظ «جمّلُ» التي تقابل الاسم السومري «أنشي جمّلو» (ANŠE-GAM-MAL) وهي اللفظة العربية نفسها لصيغة الجمل، مع إضافة السابقة الخاصة بحيوانات الركوب في اللغة السومرية وهي «أنشي»(9). أما اللفظ الثالث، فيساعدنا في فهمه أن نعود إلى الشكل الصوري في مجموعة العلامة الصورية للفظ «أنشي»، حيث نجد من ألفاظها الأخرى المفردة «شآروّ» (šārû) التي من معانيها «جمل بسنام واحد»، أما الشكل الصوري لهذه العلامة المسمارية الصورية، فربما يوحي إلى رأس الجمل (ينظر الصورة رقم ٤)، وإن صح ذلك فهذا دليل على أن الجمل العربي ذو السنام الواحد عُرف في الكتابات الصورية منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد.
وعند البحث في صيغة الفعل لاسم الإبل، فإنه بصفة عامة، نجد لفظة إبل لها علاقة بجذر الفعل الأكدي «أبلو» abālu وكذلك «وبلو» wabālu ومعناهما «ينقل- يجلب- يحمل»، واسم الفاعل منه «آبيلُ» ābilu، أي الحامل والناقل(10). ومنذ عصور قديمة إلى يومنا هذا، فإن الجمال مرتبطة بالنقل والحمل، ومن الأرجح أن تكون إحدى المفردتين أساسًا للأخرى، وعلى أية حال فهي من الكلمات العربية الأصيلة.
أما فيما يخص تاريخ تدجين الإبل فالدراسات القديمة ترجع حقبة تدجينها الأولى إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وهذا ما لا نتفق معه على الإطلاق؛ لأن المكتشفات الحديثة والأدلة الميدانية للرسوم الصخرية أو المجسمات للإبل، تشير إلى أن الإنسان في الجزيرة العربية قد تعايش وخبر الإبل منذ الألف السادس قبل الميلاد، وربما قبل ذلك، وفقًا لدراسة قام بها فريق سعودي عالمي مشترك في موقع منحوتات الجمال في قلب واحة «سكاكا» بمنطقة الجوف، حيث ضم الموقع 21 نحتًا مجسمًا لجمال بالحجم الطبيعي.(11)
ولا بد أن يكون للناقة شيء مما عرضنا له عن اسم الإبل، فالناقة في اللغات القديمة ترد في المدونات الآشورية من القرن الثامن قبل الميلاد بصيغة «أناقاتي» (anaqate)، وهي صيغة جمع المؤنث السالم في اللغة الأكدية، إذًا لفظة «ناقة» في اللغات القديمة جاءت كتسمية لأنثى الجمل باسم «أناقة» (anaqate) منذ العهد الآشوري الوسيط والحديث،(12) بيد أن تكرار ذكر الاسم الدال على سفينة الصحراء التي يعرفها الجميع اليوم، كان من نصيب الجمل، الذي ذكرته المصادر المسمارية صراحة ضمن نصوصها منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد ولا سيما في أخبار الملك «شيلمنصر الثالث» في حملته على دويلات الشام في معركة القرقار سنة 853 قبل الميلاد(13). إذ يرد ذكر ملك بلاد العرب واسمه «جنديبو» (Gindibu) أو «جندب»، وأنه كان على رأس 1000 جمل تعود إلى بلاد العرب(14)، وقراءة وترجمة السطر هي(15):
I LIM ANŠE gam- ma- lu ša mgi-in-di-bu-u KUR ar-ba-a-a
«ألف جمل عائدة إلى جنديبو ملك بلاد العرب».
وفي لغات جزرية (سامية) أخرى من غير الأكدية والعبرية، ترد لفظة الجمل في آرامية المملكة النبطية والتدمرية(16)، والسريانية الفصحى(17)، واللهجات العربية القديمة مثل: اللحيانية، والصفوية، والثمودية، والسبئية(18).
أما لفظة «البعير» فتطلق على الجمل أيضًا في العربية الجنوبية والسريانية والآرامية والإثيوبية، وتستعمل العبرية لفظة «البعير» لحيوان الجمل عمومًا(19). كما أن الاستعمال القرآني للبعير يحدده بالحمل أيضًا. قال تعالى: (وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) (سورة يوسف، آية:72)، وتذكر المصادر اللغوية الخاصة بالتفسير أن اللفظ «كيل بعير» الوارد في سورة يوسف الآية 65، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، بمعنى «كيل حمار»، وأن البعير في اللغة العبرانية «كل ما يحمل عليه».(20)

الصحراء بيئة الإبل
الصحراء هي أول ما يمكن أن يكون له علاقة ببيئة الإبل، ففي لسان العرب ترد البادية كاسم لأرض لا حَضر فيها، وإذا خرج الناس من الحضر إلى المراعي في الصحارى قيل: قد بَدوا، والاسم البدو. كما توصف الصحراء بأنها الفضاء الواسع الذي لا نبات فيه، وجمعها صحارٍ وصحارى وصحراوات.(21) وفي أقدم اللغات الجزرية وهي الأكدية نجد لفظة «صيرُ» (Şēru) بمعنى السهل والصحراء، والرجل الذي يعيش في الصحراء يسمى برجل الصحراء أو رجل الأرض المفتوحة(22). وهنا اللفظة خالية من حرف الحاء؛ لأن الأصوات الحلقية (الهاء والحاء والعين) قد فقدتها الأكدية، إلا أنها احتفظت بالهمزة في بعض الكلمات أو فقدتها كليًّا، وفي بعض الأحيان يطرأ عليها تغيير صوتي في كلمات أخرى.
وفي العبرية نجد الأصل «صحراء» بمعنى اللون المائل للحمرة أو الأسمر المصفرّ، ومن المحتمل أن يكون لهذا الأصل علاقة بلون رمال الصحراء، وفي اللغة الأكدية قرب كبير وشبه في اللفظ بين الصحراء والأفعى التي يحتمل أنها شوهدت لأول مرة في الصحراء، فأخذت اسمها «صيرُ» الذي يلفظ (Şēru)،(23) واللفظ قريب من لفظ «الصّلّ» بإبدال حرف الراء لامًا، وهو صغير الأفعى، ويتوضح المعنى من خلال الرسم الصوري لشكل الأفعى منذ أواخر الألف الرابع قبل الميلاد في بلاد الرافدين (ينظر الصورة رقم ٥).(24)
الإبل في شبه الجزيرة العربية
وبلاد الشرق الأدنى القديم

حمد بن صراي – أكاديمي إماراتي
شاع استعمال الإبل على نطاق واسع سواء في بلاد الشرق الأدنى. كما شاع استخدام مفردَتَي: «جمل» و «إبل» في شتّى اللغات السامية مع اختلاف كلّ منها في استعمال الجذر الخاصّ بها. مِن المحتمل أنّ استئناس الإبل قد بدأ في شبه الجزيرة العربية. وقد اختلفت الآراء حول متى كانت بداية استئناس الجمل، فقيل: إنّها كانت قبل عام 2000ق.م. وقيل: في بداية الألف الرابع ق.م. أو خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م. ولكنّها اتّفقت أنّ ذلك كان في حقبة قديمة جدًّا. ومِن شبه الجزيرة العربية انتقلت الجمال المستأنسة إلى فلسطين وسوريا وبلاد الرافدين وعموم بلاد الشرق الأدنى، ثمّ انتشر استعمال الإبل في أجزاء واسعة مِن إفريقيا. وعُثر على عظام الجمال في العديد مِن مواقع العصور الحجرية الوسيطة والحديثة.
الإبل في التراث الديني والأدبي
ذُكر الجمل في مواضع عدّة مِن العهد القديم، مِنها أنّ ملك مصر صنع إلى أبرام (إبراهيم عليه السلام) خيرًا… وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتُن وجمال. ولمّا أتت ملكةُ سبأ سليمانَ، عليه السلام، كانت في «موكب عظيم جدًّا بجِمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًّا وحجارة كريمة.» أمّا في القرآن الكريم فيرد ذِكر الإبل في سورة الأنعام، الآية: 144، وفي سورة الغاشية، الآية: 17. وتكررت في القرآن الكريم الإشارات إلى ناقة صالح، عليه السلام، في عددٍ من السور. ويرد أيضًا ذِكر الجمل في سورة الأعراف، الآية: 40. وورد جمع الجمع وهي «جمالات» في الآية: 33 من سورة المرسلات. وتوجد في القرآن الكريم أيضًا لفظة «البدن» للدلالة على الإبل في الآية: 36 من سورة الحج. وفي موضعين مِن القرآن الكريم وردت لفظة «بعير» في سورة يوسف، في الآيتين: 65، و72.
وفي السيرة النبوية اشتهرت ناقة النبي، صلى الله عليه وسلم، المعروفة بالقصواء والجدعاء والعضباء وهي الناقة التي هاجر عليها. وكان له جمل أحمر يدعى الثعلب، وهو الذي أركب عليه خراش بن أميّة الخزاعي وأرسله إلى مكة أيّام الحديبية فاعتدى عليه المشركون وعقروا الجمل.
وتزخر اللغة العربية عمومًا بالمصطلحات والعبارات التي تصف الجمل وطبيعته وحياته وشكله وعاداته ومراحل نموّه المختلفة. وقد تعدّدت وتنوّعت الكلمات التي تتعلّق بالجمل وتصف شكله وخلقته. كما تنوّعت أسماء الإبل بحسب السنّ والعمر، والقوّة واللون، والعمل والمهمة، وبحسب جماعات الإبل.
الإبل في التاريخ والآثار
استُخدِمت الجمال في النقل البرّي في منطقة شاسعة مِن بلاد الشرق الأدنى القديم حيث نقلت أنواعًا مختلفة مِن السلع والبضائع مِن جنوب شبه الجزيرة العربية وظفار، ومِن الهند عبر موانئ الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية. وكان يوجد عدد مِن الطرق البرّيّة الرئيسة التي كانت تسلكها القوافل محمّلة بالسلع والبضائع. وفي خارج شبه الجزيرة العربية تؤكّد الأدلّة الأثريّة والكتابية والتصويرية على استخدام الجمال في بلاد الشرق الأدنى القديم في عصور متعدّدة، ومِن هذه الدلائل:
عُثر على عظام جمال وتماثيل صغيرة لجمال في مصر وأشكال رؤوس حيوانات مصنوعة مِن الفخار يبدو أنّها لجمال، وتؤرّخ بفترات زمنية مختلفة تمتدّ من العصر الحجري الحديث إلى عصر البرونز المتأخّر (عهد الأسرة الثامنة عشر). وفي عدد مِن المواقع الأثريّة في بلاد الرافدين والمؤرّخة بحِقَب زمنية مختلفة التُقِطت مجموعة مِن تماثيل الجمال المصنوعة مِن مواد متعدّدة مثل تمثال الطين مِن مدينة أور وآخر مِن مدينة أوروك، ويعود إلى حقبة العبيد (نحو الألف الخامس أو الأف الرابع ق.م.). وتمثال آخر على شكل جمل كان يستعمل كتميمة مِن مدينة لاجاش.
وفي أثناء الحِقْبة الآشورية دلّت النصوص والرسومات على معرفة الآشوريين بالجمل. بل إنّ ما خلّفه الآشوريون مِن صور وكتابات ورسومات يُعَدّ أكثر ما وصلنا مِن دلائل عن الإبل في بلاد الرافدين. كما دلّت على استخدامه في مهام متنوّعة. وبخاصة في عهود الملوك: شلمنصر الثالث (860- 825 ق.م.) وتيجلات بلاسر الثالث (744- 727 ق.م.) وسرجون الثاني (721- 705 ق.م.) وفي سوريا تتعدّد الآثار والكتابات والرسومات الدالّة على وجود الجِمال واستخداماتها؛ فقد وردت في أحد نصوص موقع آلالاخ (تل عطشانة في شمال سوريا، الألف الثاني ق.م.) قائمة بأنواع متعدّدة مِن الحيوانات والسلع والمؤن كان مِن ضمنها «مكيال واحد للجمل». وفي تل حلف بشمال سوريا أيضًا عُثر على نحت لرجل ممتطٍ جمل، يؤرّخ بعام 900 ق.م. ومجوعة مِن العظام في تل جمة بفلسطين تؤرّخ بنحو القرن الثامن أو السابع ق.م.
كما انتشرت الإبل العربية في الهضبة الإيرانية منذ نحو القرن الثامن ق.م. إذ استخدم الفرس الجمال في الحروب والتجارة وصوّروها على حيطان العاصمة، بريسيبوليس. واستعان الملك الإسكندر الثالث (الكبير) بالجِمال في رحلته إلى معبد الإله آمون في واحة سيوه، قاطعًا بها الصحراء في عام 332 ق.م. كما استعان الملك السلوقي أنطيوخوس الثالث (الكبير) بالجِمال لحمل المُؤَن والأَزْواد والماء في موقعة مجنيسيا بآسيا الصغرى، مع الرومان في عام 189 ق.م. ونشأت في بلاد الشرق الأدنى عدد مِن مدن القوافل التي اعتمدت بصورة كبيرة على التجارة والطرق التجاريّة البرّيّة مثل مدينَتَي البتراء وتدمر.
أمّا الأدلّة الأثريّة التي تؤكّد وجود الإبل في شبه الجزيرة العربية منذ القدم فهي متعدّدة، مِنها:
في جزيرة أم النار (الألف الثالث ق.م.) بدولة الإمارات عُثر على رسم لجمل على حجر ضمن الجدار الدائري للقبر 3 في الجزيرة. وفي أمّ النار أيضًا عثر المنقّبون على كميات كبيرة مِن العظام، تمثّل عظام الجمال النسبة الكبرى مِنها. وفي دولة الإمارات أيضًا عثر المنقّبون على مجموعة مِن عظام الإبل في مواقع أثريّة مثل: البحيص بالشارقة، وذلك ضمن مقبرة كبيرة تؤرّخ بنحو الألف الخامس ق.م. وفي جزيرة غناضة وهيلي 8 وشمل. وتؤرّخ هذه المعثورات بالألفين الثالث والثاني ق.م.
وفي عدد مِن مواقع الآثار في اليمن -مثل معبد هريدة في حضرموت ووادي جثمة وهجر بن حميد- عُثر على رسومات وتماثيل على شكل جمل، أُرّخت بحقبة تمتدّ مِن القرن التاسع إلى القرن السادس ق.م. وأشار عدد مِن الكتّاب الكلاسيكيين إلى وجود الجِمال في شبه الجزيرة العربية. وفي قرية الفاو عثر الآثاريون على كثيرٍ مِن عظام الجِمال وعلى مجموعة مِن المواد الدالّة على وجود الجمل واستخدامه في هذه البلدة المشهورة. وفي مواضع أخرى متفرّقة مِن شبه الجزيرة العربية عثر المنقّبون على عدد مِن دمى الجِمال تعود لِحِقَبٍ تاريخية مختلفة تُراوِحُ ما بين القرنين السادس ق.م. والثاني م. مِنها مِن قصر الحمراء في تيماء، ومِن دومة الجندل، وفي موقع ثاج بالمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية التُقِطت دمى لرؤوس جِمال مزخرفة بزخارف محزّزة على الرقبة، ودمى لجِمال في موقع جاوان بشمال الظهران، وفي عدد مِن المواقع بدولة الإمارات، مثل: رميلة والدور.
كما انتشرت في مناطق واسعة مِن شبه الجزيرة العربية رسومات صخرية تصوّر الجمال في أوضاع وأشكال متعدّدة اكتُشِفت في مواضع مثل: منطقة القصيم، ومنطقة حائل، ووادي فاطمة، وشمال شرق تبوك، ومنطقة تيماء، ووادي العلا ومدائن صالح. وأغلبية هذه الرسومات غير مؤرّخة، ويبدو أنها تعود إلى حِقَب بعيدة مختلفة.

قبور الجمال
عُثر على عددٍ مِن قبور الجِمال في شبه الجزيرة العربية، مِنها: قبر لناقة في منطقة F بموقع «الدور» في دولة الإمارات، والمؤرّخ إلى ما بين القرن الثاني ق.م. والقرن الثاني الميلادي. ويبدو أنّ هذه الناقة قد دُفنت بالقرب مِن صاحبها الذي وُجد هيكله العظمي إلى جوارها. وفي منطقة AV مِن الموقع نفسه اكتُشِف هيكلان عظميّان لجملين على عمق نحو 80 مترًا.
وفي موقع مليحة بدولة الإمارات أيضًا عُثر على 12 قبرًا لجمال بالقرب مِن قبر صاحبها. ويوجد معها كذلك قبر لحصان. وتؤرّخ هذه القبور بالحقبة ما بين القرن الثالث ق.م. إلى القرن الثاني الميلادي. وفي موقع الإميلح بين الذيد والشارقة، عُثر في القبر رقم (4) على هيكل عظمي لجمل. ربما يعود زمنيًّا إلى ما بين عامَي 640 و680م. وبالقرب مِن قبر الجمل اكتُشِف قبران آخران تدلّ محتوياتهما على أنّهما لشخصين محاربين. كما عثرت فرقة التنقيب المحلية بالشارقة على هيكل جمل في موضع دبا.
وفي موقع المزروعة على بُعد 23 كم جنوب غرب الدوحة بقطر اكتُشفَت بقايا أثريّة، ومن ضمنها بعض الهياكل العظمية البشرية وفخاريات. وفي الجهتين الجنوبية والجنوبية الغربية لأحد القبور البشرية وُجد قبران لجملين.
وفي موقع بات بسلطنة عمان وُجد قبر لجمل، وكذلك في موقع سمد رقم (10) عُثر على هيكل عظمي لجمل ضمن مستوطنة تعود إلى حِقْبة ما قبل الإسلام. وفي موقع جد حفص أو جنوسان بالبحرين عثرت بعثة التنقيب الدانماركية عام 1954م على هيكل لجمل من دون قوائم. راوَحَ تأريخُه آنذاك بين العصر البارثي أو أبكر بقليل وبين القرن الثاني الميلادي أو بعده بقليل. وفي الظهران اكتُشِفت ثلاثة قبور لجمال في مدافن، أُرّخت بأواخر القرن الأوّل ق.م.
وفي الجمهورية اليمنية عثر المنقّبون على عددٍ مِن قبور الإبل في موقعين، هما: ريبون والبليس. وقد نُقِّبَ في ستّة مِن هذه القبور. ووُجدت الجِمال فيها بوضع القعود، وربما كانت مقيّدة القوائم والرقبة مفقودة. وأُرّخت بالحِقبة الممتدّة بين القرن السادس ق.م. وبدايات القرن الأوّل الميلادي أو ربّما بعده.

مكانة الإبل عند العرب بين التقديس والتقدير
ارتبط دفن الجمال في قبور خاصّة بغرض ديني معيّن، وكان لهذا الحيوان لدى عرب الجاهلية مكانة عالية يدلّ عليها الشِّعر والروايات والكتابات والنصوص. ومِنها النقش الذي عثرت عليه البعثة الروسية في حضرموت الذي يشير إلى ارتباط الجمل بالموت وطقوس الدفن. كما أنّ النقش النبطي المكتشف في وادي رم يربط الجمل بنوع مِن العادات الجنائزية. وقد عَبدَت قبيلة بكر سقبًا، وهو ولد الناقة. وكذلك ما رُوي مِن أنّ قبيلة تميم أقبلت في حربها ضدّ بكر بن وائل ببعيرين مجلّلَيْنِ مقيَّديْن، وجعلوا عندهما مَن يحفظهما وتركوهما بين الصّفّيْنِ. وقالوا لا نفرّ حتى يفرّ هذان البعيران. وعُرف هذا اليوم بيوم الزوْرَيْنِ نسبة للبعيرين.
ويُذكر أيضًا أنّ ناقة أبي دؤاد الإيادي المعروف بالزّبّاء كان يتبرّك بها الناس. كما كان ليزيد بن عمرو الغسّاني ناقة محماة في عنقها مدية وصرة ملح، كان يمتحن بها رعيّته لينظر مَن يجترئ عليه. ويبدو أنّ هذه المكانة المقدّسة للإبل، وإنْ لم تتّضح بصورة جليّة، كانت سببًا في تحريم عرب الجاهلية ركوب تلك الإبل المخصّصة للآلهة أو استخدامها.
وشبّه العرب أيضًا بعض النجوم بالإبل حيث سمّوا سهيلًا «الفحل» تشبيهًا له بفحل الإبل؛ وذلك لاعتزاله عن النجوم وعِظِمه. ومِن مظاهر تبرّك العرب بالناقة وإعلاء مكانتها أنّهم شبّهوها بالسماء والمطر والسحاب.
ومِن ملامح قدسية الإبل ومكانتها العالية عند عرب الجاهلية قول أحدهم إذا حضرته الوفاة لولده: «ادفنوا معي راحلتي حتى أُحشَر عليها، فإن لم تفعلوا حُشرت على رجلي» فيربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخّرها مما يلي ظهرها أو مما يلي كَلْكَلَها، ويأخذون وليّة فيشدّون وسطها، ويقلّدون عنق الناقة، ويتركونها عند القبر. ويسمّون تلك الناقة «البليّة» والخيط الذي تُشدّ به «الوليّة». وأشار إلى عدد مِن الشعراء الجاهليين إلى البليّة، ومِن هؤلاء: الجميح الأسدي، وبشير بن أبي خازم، ولبيد بن ربيعة بن مالك الكلابي.
نحو معجم لألفاظ الحيوانات في اللغات السامية الشمالية الغربية: باب الإبل
دراسة مقارنة

سحر طلعت الصمادي – أكاديمية أردنية
حفلت النقوش السامية برسومات مرافقة للكتابات، جلّها كانت رسومات مصورة لحيوانات تمثل الحياة الاجتماعية لهم، من إبل وبقر ونعام وغيرهم، يتجول معها المهتم فيضع تصورًا حيًّا لطبيعة الحياة في قرون ما قبل الميلاد.
النقوش السامية
يطلق مصطلح النقوش السامية على اللغات التي تنتمي إلى فصيلة السامية الحامية. وأول من أطلق المصطلح هو العالم الألماني (شلوتسر) أواخر القرن الثامن عشر، مستنبطًا الاسم من التوراة (العهد القديم). وقسمت إلى غربية شمالية وغربية جنوبية والقسم الآخر الشرقية. أحيانًا نجد صعوبة في تحديد موقعها الجغرافي وامتدادها، فهي وإن كانت تمتد من شمالَيْ سوريا إلى اليمن جنوبًا، وبلاد الرافدين شرقًا والبحر المتوسط غربًا، إلا أنّ نقوشًا عثر عليها خارج هذه الحدود. على سبيل المثال وُجدت نقوش نبطية في الصحراء الشرقية من مصر وفي إيطاليا، ووجدت نقوش فينيقية في المغرب العربي وفي أميركا الجنوبية.
ولكن المشترك فيها كثرة الرسومات والكتابات التي تذكر وتصور الإبل وصفاتها، وبخاصة عند الصفائيين والثموديين والحضرية والنبطية (وهذه اللغات هي مجال الدراسة)، ولعل كثرة نقوش الإبل تدلل على استئناسها المبكر حيث يمكن تأريخه ما بين 1200-500 قبل الميلاد.
فمثَّل الناقش الإبل بأمومتها، وزينتها وحملها للأمتعة لكونها وسيلة التنقل في المنطقة، والاستفادة من جلودها ووبرها في صناعة الحبال، وفي القوافل التجارية التي كانت ممرًّا لها من الجنوب إلى الشمال والعكس. وعكست النقوش الحجرية التاريخية عمق الصلة بين الإنسان والإبل.
ولعل ما يلفت النظر اكتشاف رسم الجمل ذي السنامين في نقشين صفائيين؛ نشر أحدهما الدكتور صبري العبادي 2008م (نقش 82) في كتابه نقوش صفوية من وادي سلمى، والآخر اكتشفه ليتمان من منطقة العيساوي في سوريا (LP 325). وهو من النادر العثور عليه في المنطقة لكونه من الحيوانات التي تعيش في المناطق الباردة. فمن المعتاد الصيد على الخيل لكونها أسرع وأقل ضخامة وأقل ارتفاعًا من الإبل، وعلى الرغم من هذا فنجد أن الإبل استُخدمت في الصيد، ووثقت في رسومات كثيرة، وبخاصة عند الصفائيين.
وكذلك نُقشت الإبل عند الأنباط على عملتهم، فقد نشرت ليلى نعمة عملة نَبَطِيّة تعود للألف الثالث الميلادي، نُقش عليها جمل يحمل رجلًا (تاجرًا). فهذا يبرز اهتمام الأنباط والمنطقة بالإبل.

باب الإبل
أمّا عن الألفاظ الدالة على الإبل في النقوش فمنها: الجِمال والنوق والبعير… وما يسعى المعجم لإعداده هو حصر هذه الألفاظ مع توثيقها رسمًا وتحليلًا ومقارنتها بكتب التراث العربي.
يهدف المعجم إلى تأصيل الألفاظ التي استخدمت في النقوش السامية الشمالية الغربية للدلالة على الإبل، وذلك عبر دراسة مقارنة تحليلية لها؛ للوقوف على عمق تلك الدلالات واستمراريتها، وهل حدث تطور في دلالات تلك الألفاظ عبر الحِقَب التاريخية المختلفة. لكنّ هناك ألفاظًا في بعض النقوش يشك في قراءتها؛ قُرئت كأسماء للإبل وصفات لها، وهي في حاجة إلى تدقيق ودراسة قبل إلحاقها بالمعجم.
باب ألفاظ الإبل في النقوش الشمالية الغربية
ء ب ل: وردت في النقوش بصيغة الإبل: «الإبل لا مفرد لها من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا مفرد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، والجمع آبال.
وجاءت لفظة إبل صريحة في النقوش الصفائية مرافقة لرسمها على الأغلب. ففي النقش رقم 84 يذكر صاحبه أنه قد ذهب شرقًا بالإبل من حوران إلى الحرة. وفي الثمودية وردت بصيغة (إبل) بنقش (سكوبي 2004:208).
ب ل: ووردت في نقش (الذييب 2017: 90) بصيغة (ب ل) وهي اسم جمع من إبل، وفي اللهجات العربية تحذف الألف وتنطق (بل).
ب ك ر: وهو اسم يطلق على الأنثى من الإبل. وهي الفتيُّ من الإبل، والصغيرة من الإبل التي لم يلقِّحها الفحلُ، وهي من الألفاظ التي كثر ورودها في النقوش. وميز الناقش رسم الأنثى عن الذكر بارتفاع الذيل إلى الأعلى مع انحناء فيه، أما الذكر فيكون معقوفًا.
وردت في النقوش الصفوية ب ك ر (صغير الإبل) مذكر (Oxtoby 1968: 165) ل ح د ل ب ن ب ن ه ب ك ر. والأرجح أن اللفظة عند أوكستبي هي للدلالة على المؤنث وليس المذكر. و (ب ك ر ت): (Oxtoby 1968: 132) ل ن أ م ل ب ن ش ر ب ه ب ك رت، ورافق النقش رسم لبكرة، وهي تستعد للجلوس (تنوخ). بصيغة المؤنث.
ب ك ر ت ن: اسم مثنى، ورد في النقوش الصفوية (h b k r t n)(9WH:402)، ورافق النقش رسم لبكرتين معه وكتب النقش بينهما.
وترد كلمة بكرة في النقوش مسندة إلى ضمير الغائب، ولتدل كذلك على الملكية الشخصية، ففي نقش (حراحشة 2001: 314) ورد فيه أن صاحب النقش ع م ز قد وصل مكانًا وقد عطشت بكرته.
وفي النقوش الثمودية وردت (السعيد 2004: 24) (ب ك رت ي ه ث ع ن ع م ت و ن د م) بصيغة المفرد.

أ ر ك ب ت: وقد ترد بصيغة الجمع (أ ر ك ب ت) وهي الركاب، الإبل التي يسار عليها واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها وجمعها رُكُب. وهي الإبل التي تحمل القوم (حراحشة 2001: 313). وربما هي ما نطلق عليه الركوبة في لهجة بلاد الشام.
ب ع: ورد في نقش ثمودي ورد عند (أسكوبي 2004: 212) ولكن القراءة غير مؤكدة. ووردت في نقش صفوي والقراءة غير مؤكدة بصيغة (ب ع ب هـ) وهي من (ب ع)(LP: 888)، بمعنى الخطوة الطويلة، فإن أولت القراءة فتكون (ب ع) صفة للإبل لكونها طويلة العنق.
ولعل القراءة للنقش هي (ب ع ل س) ويقول (الأصمعي:105): ناقة دَلعس وبَلعَس وبَلعك ودلعك: وهنَّ العظام المسترخيات. فتكون صفة للإبل.
ج م ل: اسم جنس مفرد، يرد بكثرة في النقوش الصفائية بصيغة المفرد، وغالبًا معرفًا بأداة التعريف الهاء: (ل ي ع م ر بن ب ط ن ت ه ج م ل) (الخريشة 2002: 51) هذا الجمل ليعمر بن باطنة.
وورد (ج م ل) في النقوش الثمودية ففي (al-Theeb 2018: 9)، نجد الاسم مسبوقًا بأداة التعريف (هـ)، ووهب له الجمل. ورد اللفظ في النقوش الصفائية بكثرة لتدل على ذكر الإبل وهو زوج الناقة. ويرسم عادة ذيله مستقيم إلى الأسفل. ويقال: إنه يسمى جملًا إذا بلغ أربع سنوات.
ولقد ورد بصيغ عدة في النقوش الصفوية. مفرد الجمل (ه جمل)، ففي النقش رقم (WH 3500) يذكر يسلم أنّ له جملًا. ويصور نفسه راكبًا عليه.
أ ج م ل: صيغة جمع تكسير وردت في النقوش الصفوية (العبادي 2006: 80) (و ر ع ي ه أ ج م ل) ورعي الجمال.
ج م ل ن: ويرد كذلك بصيغة المثنى: «الجملان». ففي النقش رقم (CIS 1658= Dunand 388) يذكر صاحب النقش، وقال بن يعل: إنه يملك «الجملان» ويرسم نفسه معهما، ولعل النقش هنا يدل على الغزو وحصوله عليها من خلاله.
أ ج م ل: اسم جمع بمعنى أجمال، (WH: 3500).
ج م ل ي ا: وفي النبطية وردت بصيغة جمع التكسير المعرف (ج م ل ي ا) (CIS 157). وترد بصيغة الجمع «أجمل»، ففي النقش رقم (CIS 1148=Vogue 230a) يشير صاحب النقش سبان بن مالك الأجمل (أي له الجمال).
ووردت في النقش النبطي (CIS 157:1)، (ت ري ج م ل ي ا) (الجملان). ونلحظ أن الصيغة هي نفسها في الجمع، ولكن الذي أكّد أنهما مثنى، أن جملان أضيف إلى العدد «اثنان» (ت ري).
ر ح ل: لم ترد هذه الكلمة بكثرة في النقوش الصفائية ولعلها وردت في النقش الوحيد الذي نشره الدكتور سليمان الذييب التي تدل على الإبل. «الراحِلة من الإبل: الصالحُ للأَسفار والأَحمال، وفي حديث شريف: «تجدون الناس بعدي كإِبلٍ مئةٍ ليس فيها راحلة»، والجمع: رواحل». ففي النقش، غير الواضح للأسف، الصورة رسم وبجواره نقش يؤكد صاحبه ملكيته لـ(رحل)، أي الإبل التي في الرسم.
ع س: اسم جنس مفرد، ورد في الثمودية بمعنى الإبل؛ ففي نقش (الذييب 2006: 23): ل س ه ب ع د ه ع س بواسطة س ه ب (الذي) أحضر الإبل.

ع ي ر: والعير هي الإبل التي تحمل المِيرَةَ، يقال للرجال وللجِمال معًا، ولكل واحد منهما دون الآخر. مع أن لفظة عير تدل على الحمير والخيل، إلا أنها دلت على الإبل التي تحمل الطعام وغيره. ولقد وردت في سورة يوسف ثلاث مرات. ففي النقش المرفق نجد أن صاحبه قد كتب كلمة بعير مع رسم للجمل.
ق ت ب: م ق ت ب ي ا: اسم جمع مذكر معرفة، ورد في النقوش النبطية (Littmann 1953: 34) بصيغة (م ق تب ي ا) وفسرها بمعنى الجمال. ووردت عند الأصمعي القتب «والبِطانُ للقَتَب خاصة، والتصدير للرَّحل ويقال: أَقتَبت البعير أُقتِبُهُ إقتبابًا، إذا شددت عليه القتب. والقتب هو الرَّحْلُ الصغير على قدر سَنام البعير. وردت في نقش صفوي CIS 1383 وترجمت بأنها اسم مكان (قتابة).
ن ق: ن ق ت: (علولو 2001: 24): ل ر م م ت ه ن ق ت وترجمته: الناقة الرمامة.
الناقة هي أنثى الجمل، ووردت في النقوش الصفائية لتدل عليها «وهي تدل على المفرد وجمعها نوق، أو أنوُقٌ، وأينُق، وأيانِق، ونِياق» ويطلق على أنثى الإبل إذا كانت متوسطة العمر ناقة. ومن النوق المشهورة ناقة ثمود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم: «وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا»، وناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القصواء التي هاجر عليها إلى يثرب، وكذلك ناقة البسوس التي كانت سببًا في إضرام حرب بين قبيلة تغلب بن وائل وقبيلة بكر بن وائل.
وجاءت اسم مفرد نكرة في نقش (العبادي 2006: 17) (وذ ب ح ن ق ت) وذبح ناقة.
أ ن ق: صيغة جمع التكسير، ورد في النقوش الصفوية (علولو 2001: 97)، (ل ع ث م ت ب ن ق ن ه أ ن ق) لعثمة بن قن النوق. وكذلك جاءت بصيغة الجمع المؤنث المختوم بتاء التأنيث (علولو 2001: 325) (ل ك س ط و ل ه أ ن ق ت) النوق لكاسط.
ن ق: ووردت في اللحيانية بصيغة الجمع (ن ق) ففي نقش (أبو الحسن 1997: 1) في السطر الرابع نجد كلمة (ه ن ق) (النوق).
النقوش السامية، كما اصطلح عليها، وبخاصة مسميات الإبل التي تعود إلى ما قبل القرن السادس قبل الميلاد، تؤكد أن لغتها لغة عربية وإن اختلف الخط المكتوب به. وهذا ما نستنتجه من دراسة ألفاظ الإبل ومقارنتها.
الجمل في الحضارة
المصرية القديمة

سمير أديب – أكاديمي مصري
تُعَدُّ صورة الجمل من الهيئات الحيوانية النادرة في الفن المصري القديم سواء في النقوش والرسوم الصخرية أو على هيئة دمى وتماثيل صغيرة. وقد حاولنا هنا تتبع صورة الجمل في الفنون المصرية على مر العصور كما يلي:
العصور الحجرية
عُثر على عظام الجمل في مصر في بعض المواقع الأثرية المؤرخة بالعصر الحجري القديم والوسيط بمنطقة بير طرفاوي على بعد نحو ٣٥٠ كم من نهر النيل بصحراء مصر الغربية. فقد كشفت الحفائر في الموقع BT-14 كميات ضخمة من العظام الحيوانية، كان منها عظام الجمل، التي أُرخت بنحو ٤٣٠٠ ق.م.
عصر ما قبل الأسرات: (3100 – 4000 ق.م.)
ظهرت هيئة الجمل كعمل فني لأول مرة -فيما هو معروف حتى الآن- حيث كشفت حفائرُ جامعة القاهرة في المعادي خلال موسم 1930- 1931م قطعةً من الصلصال المحروق وبها آثار للون أحمر ربما يمثل لجام جمل، ومحفوظة في متحف جامعة القاهرة.
كما توجد بمجموعة «والتر آرت جاليري» رأس تمثال لجمل من العاج غير معروف مكان اكتشافه، ويبلغ طول الرأس ٤,٧ سم، ويؤرخ بأواخر عصر ما قبل الأسرات . ويوجد في متحف برلين لوحة حجرية سوداء اللون (رقم ٢٢٦٩٧)، مكان اكتشافها غير معروف، تمثل جملًا باركًا.
وقد عُثر في المقبرة رقم 58C4 في أبو صير الملق على إناء من الحجر الجيري الأصفر مشكل على هيئة جمل بارك، يبلغ ارتفاعه 6.4 وطوله ١٠ سم في متحف برلين برقم 185.93، ويؤرخ بأواخر عصر ما قبل الأسرات (نقادة الثالثة). ويوجد أسفل حافة الإناء أربعة ثقوب ربما للتعليق، ومن المحتمل أن هذه القطعة تمثل جمل يحمل على ظهره حمولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كان الجمل مستأنسًا في هذه المناطق، واستخدم في نقل البضائع التجارية منذ ذلك العصر؟
عصر الأسرات المبكر: (3100- 2686 ق.م.)
يُعرف هذا العصر أيضًا بعصر بداية الأسرات أو العصر العتيق، ويشمل الأسرتين الأولى والثانية، وكان ظهور الجمل هنا محدودًا بقطعتين في حدود معلوماتنا حتى الآن. القطعة الأولى وجدها بتري في معبد أبيدوس، وهي عبارة عن رأس جمل مُشكَّل من الفخار، يُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى، طوله ١٢ سم، وارتفاعه ٦سم، ومحفوظ في متحف كلية الجامعة بلندن.
والقطعة الثانية اكتشفها كويبل في معبد هيراكنبوليس (الكوم الأحمر)، عبارة عن رأس جمل من الفخار، مؤرخ أيضًا بعصر الأسرة الأولى، ومحفوظ في المتحف الأشمولي بأُكسفورد (E3266).
كما عثر (موللر) في منطقة أبو صير الملق داخل مقبرة من الأسرة الأولى على إناء مرهم من الحجر الجيري على شكل جمل راقد، وموجود الآن في متحف برلين.
وقد عثر زكي سعد على عظام رقبة جمل وبعض ضلوعه في المقبرة رقم 720H – 5 بحلوان، وترجع إلى عصر الأسرة الأولى. وقد دفعت هذه الشواهد الأثرية كلًّا من Emery و Childe، إلى الاعتقاد أن الجمل كان من بين الحيوانات التي استُؤنست في مصر في عصر بداية الأسرات، واستُخدِم في نقل البضائع والتجارة في المناطق الصحراوية، أو على الأقل معرفة المصريين له عن طريق احتكاكهم وتعاملهم مع جيرانهم في مناطق بادية الشام وشمال شبه الجزيرة العربية.
وقد أكد (بدج) «أن الجمل كان معروفًا لدى المصريين القدماء في عصر ما قبل الأسرات»، وقد عُثِر على أشكال خزفية للجمل في نقادة، كما اتفق (تشايلد وإمري) على مكانية إدراج الجمل ضمن الحيوانات التي كان يربيها المصريون القدماء خلال الأسرة الأولى والثانية.
عصر الدولة القديمة: (2687- 2190 ق.م.)
تشمل المدة الممتدة من الأسرات 3-6، وقد ظهرت هيئة الجمل في النقوش الصخرية في النوبة السفلى خلال عصر الدولة القديمة. كما يوجد نقش صخري بالقرب من أسوان، يُصوِّر رجلًا يقتاد جملًا بحبل، ومن أمامه نقش هيراطيقي مؤرخ بعصر الأسرة السادسة. وتُعَدّ هذه الصورة هي أقدم الصور الواضحة والمؤكدة والمؤرخة للجمل في الفنون المصرية القديمة.
والجدير بالذكر أنه عُثر في أثناء أعمال الحفر التي أُجريت في موقع أم الصوان شمال الفيوم في بدايات القرن العشرين على حبل أو خيط مفتول، طوله نحو ٣ أقدام و٦ بوصات. وقد أثبتت التحاليل المعملية أنه من وبر الجمال. وقد أُرخ هذا الحبل بناءً على الفخار الموجود معه بعصر الأسرة الثالثة أو بداية الأسرة الرابعة.
عصر الدولة الوسطى: (2000- 1650 ق.م.)
وقد وُجد ضمن ودائع أساس المعبد المصري في ميناء جبيل بلبنان على تمثال لجمل منحوت من الحجر، طوله ٤٢ سم، يمثل جملًا باركًا، به ثقب في الظهر، ونُحِتَ حول الفم حبل ملفوف، ويُعَدّ فريدًا في هيئته التي تصور الجمل يلتفت برأسه نحو الجانب. وعدّ مونتييه أن هذه القطعة مصرية الصنع، حيث عُثر عليها بين آثار مصرية تُؤرخ بالمدة الممتدة من 2000 إلى 1500 ق.م. كما عُثر أثناء المسح الجيولوجي في الفيوم على جمجمة جمل بجوار فخار مؤرخ بالمدة الممتدة من ٢٠٠٠ إلى 1400 ق.م.

عصر الدولة الحديثة: (1569- 1076 ق.م.)
يُعَدّ عصر الدولة الحديثة في مصر هو عصر الانفتاح على العالم الخارجي، ويشمل الأسرات من 18 – 20 حيث امتد النفوذ المصري ليشمل مناطق واسعة من بلاد الشام، وتوطدت صلات مصر وتأثيرها المتبادل مع مناطق الجزيرة العربية، وربما انعكس ذلك على ظهور الجمل بشكل واضح في بعض الأعمال الفنية.
وقد ذُكر أنه كان يوجد في متحف اللوفر تمثال صغير لجمل يقال إنه من عصر العمارنة (الأسرة 18) ولكنه لم يُنشر. كما عُثر على تمثال لجمل في الميدامود مؤرخ بالقرنين الخامس عشر والرابع عشر ق.م.
وفي إحدى المقابر بجبانة ريفة بأسيوط التي ترجع إلى عصر الأسرة 19، عُثر على تمثال من الفخار لجمل يحمل فوق ظهره إناءين، وهو ما يدل على استخدام الجمل ربما في نقل البضائع.
ومن معبد أوزيريس في أبيدوس عُثر على تمثال لجمل محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة (CG3830)، والتمثال مشكل من الفخار المزجج، لونه أزرق مائل إلى الخضرة، والتمثال مشكل يدويًّا، ويصور الجمل باركًا ورأسه مرفوعة لأعلى، والفم مفتوح. وفوق مقدمة ظهر الجمل يجلس رجل يمد يديه للأمام وكأنه يمسك اللجام، ويحمل الجمل على جانبي ظهره خمسة أوانٍ، وتدل ملامح ووضعية التمثال على أنه يصور جملًا وكأنه يتهيأ للوقوف، وهو يعود إلى النصف الأول من الألف الأول ق.م.
وفي أقصى جنوب مصر، اكتشف بتري نقوشًا صخرية بالقرب من جبل السلسلة، صورت مجموعة من الجمال، التي أرخها بالمدة الممتدة من 1320-1567 ق.م. ويدل وجود صور للجمل في جنوب مصر في مناطق النوبة السفلى والعليا على احتمال استخدامه في أعمال التجارة وتبادل السلع مع المناطق الجنوبية. كما تدل التماثيل الصغيرة المؤرخة بعصر الدولة الحديثة على استخدام الجمل في نقل البضائع إلى مصر.
العصر المتأخر: (1075- 332 ق.م.)
ويشمل الأسرات من 21- 30، ويتميز ذلك العصر بأن استخدام الجمل لم يعد مقصورًا فقط على نقل المنتجات والسلع التجارية، وإنما استُخدم أيضًا في مساعدة وتجهيز الجيوش في منطقة الشرق الأدنى القديم. فقد ذكرت النصوص أن القبائل العربية قد زودت الملك الآشوري «أسرحدون» بالجمال لمساعدة جيشه على اجتياز الصحراء في أثناء غزوه لمصر عام ٦٧١ ق.م. كما ذكر هيرودوت أن الملك الفارسي قمبيز أمر بحمل قِرَب الماء المصنوعة من جلد الجمال على ظهورها؛ لتزويد قواته في أثناء عبوره المناطق الصحراوية في حملته على مصر عام ٥٢٥ ق.م.
وظهرت صورة الجمل على كسرة من قاعدة طبق من الفخار المزجج والمحفوظ بالمتحف البريطاني (65553 BM.C)، فعلى أحد جانبي الكسرة إفريز من الحيوانات الصحراوية، وقد صور ضمن مجموعة من الحيوانات البرية التي شملت الظبي والغزال والوعل واللبؤة والنعامة، وعلى الجانب الآخر صورة المعبود بس.
كما نُقشت صورة جمل على قطعة من الحجر من أحد التلال الأثرية بمركز منوف، ويصور مجموعة من الحيوانات حول زهرة متفتحة في الوسط، والحيوانات هي الفيل والحمار والظبي والغزال إضافة إلى الجمل، كما نلحظ أن صورة الجمل تتقدم على الحمار، فهل قصد الفنان التعبير بذلك عن ازدياد أهمية الجمل بحيث أصبح وسيلة النقل البرية الأساسية في هذا العصر؟
كما عُثر على جمجمة جمل في شمال بحيرة الفيوم عام ١٩٣٤م، وهي محفوظة في المتحف الجيولوجي بالقاهرة. وقد أكدت التحاليل الكربونية أن الجمل المستأنس قد عُرف في مصر في أوائل الألف الأول ق.م. على أقل تقدير.

العصر اليوناني والروماني
وعندما دخل الإسكندر الأكبر مصر عام ٣٣2 ق.م، يبدو أنه استخدم الجِمال في رحلته إلى واحة سيوة لزيارة معبد آمون. وازداد استخدام الجمال في عصر البطالمة في مصر، فقد استخدم الملك بطليموس الثاني (285- 247 ق.م) الجملَ لنقل البضائع على الطرق الصحراوية.
ونتيجة لما سبق ازداد ظهور الجمل في الفنون المصرية في العصر اليوناني والروماني ومنها تمثال بالمتحف البريطاني (رقم 37628) يصور جملًا يحمل على ظهره حمولة مكونة من ستة أوانٍ، ثلاثة على كل جانب. كما يوجد تمثال آخر بإحدى المجموعات الخاصة (Fouquet) يمثل جملًا يشبه في طريقة تشكيله التمثال السابق، وإن كانت ملامح وجهه أكثر وضوحًا، وحمولته عبارة عن سلتين ممتلئتين بالعنب.
وعُثر على تمثال من الفخار في منف، وهو محفوظ في متحف كلية الجامعة بلندن (UC 48026) يصور جملًا واقفًا، وتتطلع رأسه لأعلى ويحمل ستة أوانٍ، ثلاثة على كل جانب. ويوجد تمثال لجمل من الفخار المشكل من الطمي، عُثر عليه في منف ومؤرخ بالعصر الروماني، وهو محفوظ في متحف كلية الجامعة بلندن (48033 UC).
كما يوجد في مخزن المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية تمثال صغير من الفخار الأحمر لجمل عثر عليه في الفيوم، ويؤرخ بالعصر الروماني رقم (P 10778). ويزين العنق زخرفة دائرية بارزة ربما ترمز إلى عقال البعير. وعلى جانب مقعد تمثال لأحد الأفراد من عهد تيبريوس، نقش يصور جملًا يقدم الساقين البعيدتين خطوة للأمام. وقد عُثر على هذا التمثال في مدينة هابو، وهو محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة (CG 1191).
ويوجد على موقع متحف كلية الجامعة بلندن أيضًا قطعة من الجص عليها صورة جمل مصور في حالة حركة، وقد وفق الفنان في تشكيل العناصر التشريحية للجمل، ولا سيما الجزء العلوي من الساقين القريبتين من المشاهد. ويمكن القول: إن هذه الهيئة تُعد من أوضح صور الجمل التي وصلت إلينا من مصر من العصور التاريخية القديمة.
الخلاصة
كان من الممكن أن يلقي اكتشاف تماثيل للجمال التي تعود للأسرة الأولى وبداية الحضارة المصرية القديمة مزيدًا من الأضواء على تاريخ الجمل في مصر القديمة، لو كان قد حظي بمزيد من الاهتمام. ويجب أن نتذكر أن البقايا النباتية والحيوانية، منذ وقت ليس ببعيد، لم تكن تحتل مرتبة عالية من الاهتمام بين علماء الآثار، ومن ثَمّ لا أحد يمكنه أن يعرف كميات عظام الإبل والحيوانات الأخرى التي جرى التخلص منها من جانب المنقبين قبل أن تُدرَس على نحو صحيح، أو تلك التي قد اندثرت وتحطمت.
وعمومًا فقد دلّت الشواهد الأثرية على معرفة المصريين القدماء بالجمل منذ عصر ما قبل الأسرات، وليس معنى ذلك أنه كان معتادًا في وادي النيل في مصر، ولكن على الأقل كان مستخدمًا في عبور المناطق الصحراوية، وفي الأقطار المجاورة لمصر سواءٌ في جنوبها أو شمالها الشرقي. وأصبح الجمل مألوفًا على الأقل في أواخر العصر المتأخر مع استخدام الآشوريين والفرس له في اجتياز الصحراء بتجهيزاتهم العسكرية.
واستُخدم على نطاق واسع في العصر اليوناني والروماني مع ازدهار التجارة في العالم القديم، فأصبح الجمل الحيوان الرئيسي لنقل البضائع والسفر عبر الصحراوات في مناطق الجزيرة العربية والشرق الأدنى. ونتيجة لذلك شاع تمثيل الجمل في الفنون المختلفة في هذه المناطق، ومنها مصر بطبيعة الحال.
«سفينة الصحراء» في المخيال العربي

صبحي موسى – صحافي مصري
«أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري» لم تكن هذه مجرد صورة أدبية وضعها المُنَخَّلُ اليشكُريُّ، ذلك الشاعر العربي القديم، في قصيدة له، لكنها كانت تعبيرًا صادقًا عن مدى ارتباط الإنسان العربي بذلك الحيوان الرائع؛ حتى إن أفعاله صارت انعكاسًا لأفعال صاحبه، بما فيها الحب لناقة الحبيبة. ولِمَ لا والبعير أو الجمل أو الإبل عامةً كانت رفيقة درب الإنسان العربي على مدار قرون طويلة، فهي سفينة إنقاذه، وجواز مروره في تلك الصحراء الكبرى الممتدة من المحيط إلى الخليج، ولا وسيلة انتقال له سواها، وهي ثروته ومحدد مكانته الاجتماعية، وأحد مظاهر كرمه وعطفه وغناه، وهي مهر حبيبته ومصدر رزقه، ومرشده ودليل سفره في البيداء والبرِّيَّة والفلاة؛ لذا كان طبيعيًّا أن يكون للجمل أكثر من مئة اسم، كل اسم منها يعبر عن مرحلة من عمره، وعن صفة من صفاته.
وكان طبيعيًّا ألّا يخلو حدث في حياة العرب من وجود الإبل فيها، بدءًا من الميلاد حتى الوفاة، فهي حاضرة في أمثالهم، وسيرهم الشعبية، وأيامهم التاريخية، وخطبهم المنبرية، وقصائدهم المعلَّقة، ومواقفهم الشهيرة، وحروبهم وأسواقهم وأفراحهم وأتراحهم. وكان طبيعيًّا أن يتوقف المستشرقون حين يأتون إلى الشرق أمام الإبل، وأن يكتبوا عنها في كتبهم؛ لأنها جزء أصيل من حياة العربي، حيث تمثل الإبل الموجودة في المنطقة العربية نحو 60 بالمئة من الإبل في العالم، وهي الإبل الأجمل والأشهر، وهي التي لا تخلو معلقة من وصف وذكر محاسنها؛ لذا قررت المملكة العربية السعودية أن تحتفي بهذا الشريك الحضاري للإنسان العربي على مدى تاريخه بتخصيص عام 2024 عامًا للإبل، وكان لـ«الفيصل» أن تشارك في هذا الاحتفال عبر رصدها لصورة الإبل في الثقافة العربية.
الإبل في جبال ظفار
محمد الشحري – روائي عماني
في ظفار تُدحض الفكرة المأخوذة عن الإبل والجِمال؛ إذ انطبعت صورة الجمل والصحراء كثنائي لا يفترقان، ولكن النوق في ظفار ترعى في أعالي الجبال، وتنتقل بين الأحراش ووسط الغابات. ولعل من الواجب التذكير بأن الطقس في ظفار جنوب سلطنة عُمان يختلف أيضًا عن بقية المواسم والمناخات في الوطن العربي. وإذا كانت الفصول المتعارف عليها في بعض المناطق مقسمة بين خريف وشتاء وربيع وصيف، فإن في ظفار يبدأ الخريف في نهاية شهر يونيو، وينتهي بنهاية أغسطس، وبعد الخريف يأتي الربيع الذي يسمى بالصرب في ظفار، وبعد الربيع يأتي الشتاء، ثم يلحقه الصيف، وقد شكلت هذه الدورة الفريدة من دورة المواسم طبيعة الأنشطة الاقتصادية والحياة الاجتماعية في ظفار. ونتيجة لذلك فقد وجدت الناقة مكانتها بين الممتلكات الثمينة التي يفتخر بها الإنسان في ظفار؛ إذ كانت ضرعًا حلوبًا وظهرًا مركوبًا، ومن النادر أن تُذبح الناقة إلا في الحالات الحرجة مثل: مرضها أو كسر في قوائمها.
وكان امتلاك النوق يحدد المكانة الاجتماعية للفرد والعائلة، كما ارتبطت النوق بتجارة اللبان؛ إذ تُحمل المادة المستخرجة من جذوع الأشجار إلى الموانئ والأسواق، ثم تسلك الإبل في قوافل نقل المنتج العُماني الثمين في طرق سُمّيت طرق القوافل التي تنطلق من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها.

الميثولوجيا والحياة الاجتماعية
نظرًا لمكانة النوق في الحياة الاجتماعية والثقافية في ظفار، فقد جعل منها المخيال الشعبي أشبه بأسطورة؛ إذ وردت في الميثولوجيا الشفهية المنطوقة باللغة الشحرية (إحدى اللغات العربية الجنوبية الحديثة في جنوب الجزيرة العربية) أن النوق كانت ملكًا لأهل الخفاء، ثم احتال عليهم أشقاؤهم الإنس وأخذوها منهم، وبعدها افترق الطرفان بعضهما عن بعض، ولذلك فقد ارتبطت الإبل دائمًا بعالم الجن وأهل الخفاء.
يغلب نشاط الرعي في جبال ظفار، فإضافة إلى النوق توجد الماعز والبقر، ولكن رعي الإبل يمنح الإنسان الحرية في الانتقال بين مناخات ومناطق لا تتوافر فيها المياه بشكل دائم، على عكس رعاة البقر الذين يستوطنون حول موارد المياه وتخومها، أما رعاة الإبل فيمكنهم الانتقال بين ثلاث مناطق جغرافية؛ في المناطق التي تسقط فيها الأمطار الموسمية، وفي مناطق النجد، والسهول المتاخمة للسواحل. ونتيجة لذلك فقد تأسست طقوس اجتماعية خاصة برعاة الإبل، مثل عادة «خطيل الإبل» ولفظة (الخطليت) القادمة من اللغة الشحرية، وتعني تسريح النوق في المراعي واختلاط قطعان الإبل واستئناس الرعاة بالموسم، تحت تأثير نشوة اللقاء وبهجة المشاركة في الرعي بعد شهور من تباعد الرعاة وتعذر التجمع.
إن الخطليت التي عرفتها في الطفولة لم يتبقَ منها شيء سوى تسريح النوق في المراعي، فمعظم المعاطن لم تعد معاطن بعدما استقر بها الإنسان، وحولتها الحداثة إلى قرى تحرسها إضاءة الأعمدة الكهربائية. وزاد عدد قطعان الإبل أضعافًا مضاعفة حتى أصبحت تشكل تحدّيًا للبيئة والغطاء الشجري على وجه التحديد، ثم جاءت القوى العاملة، من خارج البلاد، ومارست نشاط الرعي؛ بسبب انشغال الرعاة المحليين بأعمالهم ووظائفهم، وغابت وجوه مشاهير الرعاة، وطرقهم في الرعي والعناية بالنوق والبيئة معًا. كما انقطع جزء من المجتمع عن المشاركة في الخطيل بعد أن كان حضور الأسر، نساءً وأطفالًا، جزءًا لا يتجزأ من الفرحة والمتعة، متعة اللقاء ودموع الوداع. كنا في الطفولة نتمنى «الخطلة» مع أسر لديها أطفال لنستمتع مع أقراننا باللعب وتقاسم اللحظات الجميلة.
يتواصل اللقاء بين رعاة الإبل طوال اخضرار المراعي ووفرتها، وحين تُستهلك الأعشاب والمراعي يبتعد الرعاة بنوقهم من المعاطن التي تستقر بها الأسر، فتبدو المعاطن في المساء خاوية من الحركة والنشاط، عدا ممارسة الأطفال للعبهم في ساحة المعطن، وانبعاث الدخان من الأثافي المنصوبة عند الخيام. حين يتفارق الرعاة الذين يحضرون الموسم بكل أناقتهم وزهوهم وفرحتهم أرى دموعهم تنداح خلال لحاهم المخضبة بالبياض. مشهد لا يفارق الذاكرة أبدًا رؤية الكبار وهم يتوادعون ويبكون، كانت الحياة بسيطة إلى درجة أن تنقل الأسر من مكان إلى آخر مُيسر وسهل على الدوام، لا يحتاج إلى نقل أثاث أو غيرها.
في الوقت الراهن
لا أبالغ إنْ قلت: إنّ النوق في جبال ظفار قد حجزت مكانة لها عند ملاكها إلى درجة ارتباطها بالموروث العائلي، أو ربما تُشكل جزءًا من ذاكرة الرعاة، إذ يعتني بها أصحابها عناية كبيرة سواء من ناحية الإنفاق المادي على أعلافها وقضاء أوقات كبيرة معها. وعلى الرغم من ظروف الحياة وشؤونها وشجونها، فإن إصرار مُلاك الإبل التقليديين ما زال قائمًا على التمسك بنوقهم وبالعادات الثقافية المرتبطة بها.

الإبل بطلة أعمالي
فتحي إمبابي – روائي مصري
تمتد علاقتي بالإبل إلى زمن الطفولة عندما عدنا من القاهرة إلى مسقط رأس العائلة في قريتنا بالمنوفية. كان مشهد الحقول والدواب من حمير وجاموس وجِمال وخيول كبيرًا في عيون طفل صغير، كان نقل الحطب والذرة وأكياس القطن الضخمة وجوالات القمح بعد الحصاد إلى الشون، ونقل السباخ من الحظائر إلى الحقول مهمة ملقاة على الجِمال. وكان الفلاح يسير خلف الجمال حاملًا خيزرانة طويلة، وعندما غنت السيدة أم كلثوم أغنية «أنت عمري» التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب، انتشرت انتشارًا ساحقًا بين الفلاحين وأضيف إلى مشهد الجِمال الساحر والفلاح حاملًا عصا الخيزران، جهاز الراديو الترانزستور على ظهر الإبل وصوت أم كلثوم يصدح في سماء الحقول تغني، فقط الأغاني التي لحنها عبدالوهاب لفرط بساطتها.
شرف الله
لكن المشهد الكرنفالي والاحتفال بقوافل الجِمال كان يبزغ خلال المواسم التي تعقب الحصاد أو جني القطن أو جمع محصول الذرة، حيث تنتشر الأعراس وتحمل الهوادج العذارى على ظهور الجِمال، وتبدأ عودة مواسم الاحتفالات بالموالد الشعبية والدينية، فتخرج قوافل الجِمال وتغادر القرى وعلى ظهورها الأطفال والنساء والفتيات والشباب والرجال والعجائز في ملابسهن الملونة الزاهية في الطريق إلى موالد سيدي إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، أو سيدي أحمد البدوي في مدينة طنطا بشمال الدلتا، حيث سماع القصص الشعبية وحلقات الذكر والسيرك والأفراح والغوازي، وكل ما يمكن أن يتحصل عليه الفلاح وأسرته من متعة تضمن زيارة أولياء الله الصالحين، الذين يُلجأ إليهم لشكاية أو مظلمة أو زواج عانس أو رد مطلقة أو إنجاب عاقر، وبعدها تنحر الذبائح والنذور. في هذا العالم الشعبي الخصب كتبت واحدة من أهم رواياتي وهي «شرف الله»، التي تحكي عن رحلة قرية على ظهور الجِمال إلى مدينة دسوق لحضور مولد سيدي إبراهيم الدسوقي.
رقص الإبل
«رقص الإبل» هي الرواية الثالثة من ملحمة «خماسية النهر»، وتدور أحداثها عن الحروب التي دارت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في السودان بين القوات الحكومية المصرية والحركة المهدية بقيادة عبدالله المهدي، وخليط واسع من القبائل السودانية من الإبالة أو رعاة الإبل، والبقارة «رعاة البقر». وتبدأ بقصة عشق بين صبي يدعي «التلب» وابنة عمه «مسك الجنة»، وهما من عشيرة تعيش على تخوم مدينة «النهود» غرب مديرية كردفان، ثم يخوض الصبي أولى مغامراته مع إخوته الكبار وهم يبيعون قطيع العشيرة من الإبل والماعز الذي يسمى بالحمر، ويستبدلون ببعضها على تخوم مديرية بحر الغزال قافلة من الرقيق. يسرع الإخوة على ظهور الإبل بالتسلل عائدين إلى أرض النهود، لكن على الحدود يصطدمون بوحدة للدرك تابعة للحكومة.
جرت معركة أنقذ فيها التلب أحد إخوته من الموت، بعدها يطلب الإخوةُ منه أن يقود بقيةَ القافلة وأخاهم المصابَ إلى أرض العشيرة. فدخل مضاربها وهو منهار من ثقل المسؤولية، ولم يفهم أزمته سوى مسك الجنة. سارا معًا على ظهر الناقة إلى جوف شجرة التبلدي التي يصل قطرها عشرين مترًا، وتستخدمها العشيرة خزانًا لحفظ مياه المطر، وفي الصباح استيقظ التلب وهو يتوسد فخذ الصبية التي أصبحت عشقه الأبدي. في العام التالي يزوج الجد مسك الجنة قهرا لابن قاضي مدينة الأبيض، مقابل ضم أراضي «القوز» للعشيرة، وسرعان ما تزوج العشيرة «التلب» لابنة خاله «ست النفر» وهي طفلة لم تبلغ الحيض. فتركها ليلة عرسها ورحل بحثا عن «مسك الجنة». وفي مدينة الأبيض يلتقي الدرويشَ الذي كان يستعد للإعلان عن كونه المهدي المنتظر، والذي يرسل إلى أنحاء السودان داعيًا القبائل للحاق به في قتال القوات الحكومية المصرية من أجل نشر صحيح الدين. يرحل التلب على ظهر ناقته من مضارب عشيرته بأرض النهود ليلتحق بالثورة التي اشتعلت في ربوع السودان، وكان القتال يدور على ظهور الإبل، حيث كان راكبوها يقاتلون بالرماح والسيوف، وراكبو الخيل من حملة البنادق التي استولوا عليها من الجيش المصري. وما إن انتهت المعركة حتى انطلق التلب بحثًا عن حبيبته، وعندما وجدها تخفت في زي صبي، وامتطت ظهر ناقته، وأسرعا بالهرب إلى دار زوجته في بركة الرهد. وكان زوج «مسك الجنة» هو أحد قادة المهدي، فأطلق فرقة من مطاردي العبيد الآبقين للقبض عليهما. في الرهد استقبلتهما زوجته ست النفر وأعطت لهما ناقة محملة بالزاد، فشكرها التلب ومسك الجنة، ثم انطلقا من جديد هاربين إلى أرض عشيرته في النهود.

الإبل في الثقافة الشعبية
هشام عبدالعزيز – باحث مصري
تحظى الإبل والأحصنة في البيئة العربية باهتمام بالغ، سواء في ذلك بواديها أو حواضرها، وإن كان الاهتمام بهذين الحيوانين في البوادي أكثر منه في الحواضر. ويصل هذا الاهتمام في بعض الأحيان إلى درجه أنسنتهما. وليس ببعيد مما نقول تلك الصور البلاغية النادرة التي يرسمها الشعر العربي للإبل والأحصنة، وإن كان الاهتمام بالإبل أكثر، وبخاصة في الحواضر والأرياف.
وقد وصل الاهتمام بالإبل إلى درجة تعددت معها أسماؤها في المعجم العربي وفي الثقافة العربية، فهي الإبل والنوق والبكور. بل إن كل مرحلة من مراحل عمر الناقة تأخذ صفة تحل محل الاسم أحيانًا، فهي الفصلان جمع الفصيل، وهو كل وليد فُصِلَ عن أُمّه بعد فطامه، ولا يكثر إطلاق هذا الاسم إلا على الإبل. وهي النجائب جمع نجيبة، وغيرها من الصفات/ الأسماء.
كما أن العربي لم يجد غضاضة في أن يسمي أبناءه وبناته بأسماء تتصل بعالم الإبل؛ فهند وهو اسم من أسماء النساء والرجال عند العرب، وإن غلب على النساء، يطلق هند على الجماعة من الإِبل يزيد عددُها على مئة، ويقلّ عن مئتين.
الإبل في الأمثال
كما تشهد الثقافة الشعبية العربية كثيرًا من التعبيرات والأمثال الشعبية والعادات والمعتقدات التي تتصل بعالم الإبل من قريب أو من بعيد. والجِمال في الثقافة الشعبية العربية تشير إلى الصبر، وكثيرًا ما عبر المصريون عن عموم الشعب بالجِمال وعن قائدهم بالجمّال. ومن مطالع مواويلهم الشهيرة: «أنا جمل صلب لكن علتي الجمَّال»، ومن التعبيرات الشعبية الشائعة في الثقافة المصرية والعربية تعبير «يضرب أخماس في أسداس». وهو المثل الذي تعرض له ابن أبي السرور البكري في معجمه: «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»؛ إذ أشار إلى أن هذا المثل يعني أن أحدهم يدبر مكيدة لآخر، وهو المثل الذي نتداوله اليوم إشارة إلى شدة الحيرة، غير أن هذا المثل الشعبي يرتبط بعالم الإبل في البادية العربية قديمًا، حيث يشير إلى استعداد العربي للسفر، فيقوم بتعطيش ناقته خمسة أيام ثم يسقيها، ثم يعطشها ستة أيام ثم يسقيها، حتى يصل إلى هدفين: الأول تدريب ناقته (سفينة الصحراء) على تحمل العطش. والثاني هو إجبارها على تناول كمية كبيرة من المياه وتخزينها في جوفها، حتى إذا ما احتاج إلى ماء في الصحراء يمكنه أن يذبح ناقته، ويأكل لحمها ويشرب مما خزنته في جوفها من ماء.
منتجات تتصل بالإبل
كما عرفت الثقافة المادية الشعبية المصرية والعربية عددًا من المنتجات التي تتصل بالإبل، مثل: الهودج، والتختروان، والشقدف والمحني، وكلها أشياء توضع على ظهر الإبل في حالات محددة، وبخاصة العُرس. وقد ورد ذكر بعض هذه الملامح المادية الشعبية في «معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية» الذي حققتُه، وقد نشرته مكتبة الإسكندرية عام 2016م.
ومما جاء في المعجم عن التختروان أنه «اسم للمَحَفَّة التي يحملونها على الجمال، وينقلون فيها العروس من بلد لآخر، وتستعمل كثيرًا في طريق الحجاز لمن يقصدون الحج، وهي كثيرة الاستعمال عند العرب. وتسمى أيضًا عند الفلاحين «الْحمْل الْمغَطّي». أما «الشُّقْدُف» فهو محفّة أصغر من «التختروان». و«الْمَحْنِي» محفة صغيرة أيضًا. فأما «التختروان» و«الحمل المغطي» فيُحمل كل منهما على جملين معًا، وأما «الشُّقْدُف» و«الْمَحْنِي» فيحمل كل منهما على جمل واحد. و«التختروان» أشبه بالسرير، ينصب على خُشُب يُوضع بعضها إلى جانب بعض، ثم يحمل على جملين معًا، ثم يُزَيَّنُ ظاهره بأنواع من النقوش الجميلة. ومن الناس من يتخذه من حرير، ومنهم من يتخذه من ناعم الصوف، وإلى غير ذلك، فكل على قدر طاقته. ومن ينقل فيه العروس من بلد لآخر هم أغنياء البلاد وذوو اليسار. أما الفقراء فيستعملون لنقلها «الشقدف» أو «المَحْنِي»، وهما متشابهان، إلا أن «الشقدف» لا يُزيَّن بزينة، بل هو عبارة عن أقمشة من صوف خالية من الزينة تنصب على خَشب يحمل على جمل واحد، وهو مربع الجوانب كالسرير، بخلاف «المحني» فإنه يزين من ظاهره وينصب على جريد النخل، ويكون ضيقًا من أعلاه واسعًا من أسفله على شكل رأس السكر. وتبدو أطراف الجريد من أعلاه خضراء تتمايل كالغصون، وأسفله خُشُب موضوع بعضها إلى جانب بعض. ويتخذ من حرير ومن صوف على مقدار غنى الشخص ويساره».
ملامح فنية
ومن أهم الملامح الفنية المرتبطة بعالم الإبل الحُدَاء. والحادي في الثقافة الشعبية العربية معروف، غير أن الثقافة الشعبية المصرية تحدثنا أيضًا عن «الحادية»، وهي المرأة التي تؤدي ما يؤديه الحادي نفسه. وقد ورد في عامية القرن التاسع عشر، على ما جاء في «معجم التحفة الوفائية»، أن الحَدْوَ هو أن تردد واحدة من البنات اللاتي يغنين أغنية ما، ثم تجاوبها بقية البنات على ترديدها، وذلك وقت أن يكنَّ مشتغلات بعمل من الأعمال، وهذا يقع منهن تسلية عن تحمل مشاق العمل. وكذلك الشغالون من الذكور يغنون وقت الشغل، وواحد منهم يردد الغناء، فهذا الترديد يسمى: «حَدْو»، فيقولون: «فلان بِيحدِي»، أي: يردد وحده الغناء، والباقون يجاوبونه على ترديده. و«فلانة بِتِحْدِي». ولا يقولون اسم الفاعل «حادي» أو «حادية». وقد جاء في معاجم اللغة الفصيحة: «حادي»: مَنْ يَسُوق الإبل. قال ابن الفارض: خَفِّفِ السَّيْرَ واتَّئدْ يا حَادِي *** إنما أنْت سَائقٌ بِفؤادِي.

الإبل في التراث العربي
محمد تحريشي – باحث جزائري
الإبل، هذه المخلوقات الجميلة التي رافقت الإنسان في حِلّه وترحاله، كانت ولا تزال رمزًا من رموز علاقة الإنسان بالحيوان في كل الشرائع البشرية؛ وهو ما جعلها تحظى بالعناية والاهتمام لكونها أيقونة من أيقونات البيئة والطبيعة والثقافة والتراث والأصالة. ومنها كان المركب والمأكل، وكانت هي سفينة الصحراء من دون منازع، ومنها اشتقت أسماء بعض وسائل النقل، فهي السيارة، وهي القافلة، وهي القطار.
حظيت الإبل بمكانة خاصة في القرآن الكريم، ودعانا الله إلى التفكر في هذا الخلق. يقول تعالى: «أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) » (الغاشية: 17- 20). قال الزمخشري في «الكشاف»: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ نظر اعتبار كَيْفَ خُلِقَتْ خلقًا عجيبًا، دالًّا على تقدير مقدر، شاهدًا بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة(١)، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمّتها: لا تعاز ضعيفًا ولا تمانع صغيرًا، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار…» وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِه: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ»؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ…». هذا وقد ذكرت الإبل في مواضع أخرى من القرآن الكريم لا يسعنا الوقوف عندها هاهنا.
أشهر الإبل
احتفظ التراث بأسماء بعض الإبل لشهرتها ولقيمتها المرتبطة بأحداث مهمة في تاريخ البشرية؛ منها: ناقة الله لثمود قوم صالح؛ الذين طلبوا منه آية على صدق دعواه عبارة عن ناقة عشراء تتمخض من صخرة، فاستجاب الله لهم، وكانت تَرِدُ يومًا وهم يَرِدُونَ في يوم آخر، ثم إنهم عقروها فكان هذا سبب وقوع العذاب عليهم. ناقة البسوس: والبسوس امرأة استجارت بجساس بن مرة، وحين رأى ناقتها «كليب بن ربيعة» ترعى في حماه قتل فصيلها، فثارت الحرب بسببها بين قبيلتي بكر وتغلب أربعين عامًا. وعُرفت بحرب البسوس التي انتهت بصلح. ناقة رسول الله القصواء: وهي التي هاجر عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال للأنصار حين استقبلوه: «دَعُوها فإنها مأمورةٌ».
من أخبار الإبل
حظيت الإبل بمكانة خاصة في كتب الأدب والمعاجم وفي رسائل الحيوان التي شكلت نواة المعاجم العربية، وقد اهتم رواة الأخبار بالإبل، فرصدوا ما قيل فيها من أشعار وأقوال مأثورة ومن حكم وأمثال، حتى إن ذكرهم امتزج بذكرها. قال المثقب العبدي:
تَقولُ إِذا دَرَأتُ لَها وَضيني
أَهَذا دِينُهُ أَبَدًا وَديني
أَكُلُّ الدَّهْرِ حَلٌّ وَارتِحالٌ
أَما يُبقي عَلَيَّ وَما يَقيني
فجعل الناقة تشتكي من كثر سفره وألبس عليها لباس البشر، فهي تحس وتشعر وتضجر وتشتكي. وأما امرؤ القيس فقد ضحّى بناقته من أجل إسعاد تلك العذارى في يوم الغدير، والقصة مشهورة:
وَيَوْمَ عَقَرْتُ للعَذارى مَطيّتِي
فيا عجبًا من كورِها الْمُتَحَمَّلِ
فظلَّ العذارى يرْتَمينَ بلحمها
وشحمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ الْمُفَتَّلِ.
وتوقف الجاحظ كثيرًا عند الإبل، فأشار إلى شيء من طباعها، وعاداتها، وأشكالها، وحالاتها في كتابه «الحيوان».
الإبل في الأمثال
كثرت الأمثال عن الإبل عند العرب، التي تعتصر تجربة الإنسان مع هذا الحيوان، فعرف طباعها وأشكالها وصفاتها وقدرتها على الصبر، وفي حالات نبهت إلى أن الجمل يكون حقودًا إنْ هو تلقى معاملة قاسية، وقد يقوده حقدُه هذا إلى قتلِ مَنْ تَسبّبَ في إيذائه. كما أن العرب تعرف كيف تعامل هذه الإبل بما يضمن هذه العلاقة الخاصة، فإذا لم يتقن أحد عملًا، أو لم يعرف كيف يقوم به قِيل له ما قال الشاعر مالك:
أَوْرَدَها سعدٌ وسعدٌ مُشتمِل
ما هكذا يا سعدُ تُورَدُ الإبل
والبيت يشير إلى أن سعدًا أورد الإبل ماء لا تصل إليه بالاستقاء، ثم اشتمل ونام وتركها، ولم يستقِ لها، أي يرفع لها الماء لتشرب، فصار البيت مثلًا لمن لا يجيد القيام بمهمته كما يجب. ومن الأمثال قول العرب: «لا ناقةَ لي فيها ولا جَمَل»، ويضرب لمن يطلب منه الاشتراك في أمر لا يهمه، أو عند التبرؤ من الظلم والإساءة. ومنها أيضًا قولهم: «إبلي لم أَبِعْ ولم أَهَبْ»، أي لم أبعها ولم أهبها. ويضرب للظالم يخاصمك فيما لا حقَّ له فيه.
صورة الإبل لدى المستشرقين
مفيد الزيدي – باحث عراقي
هناك علاقة بين الدراسات الاستشراقية في المنطقة العربية وحياة ودور الإبل فيها، فلا يمكن أن تجد دراسات لمستشرقين إلا وكانت الإبل محورًا فيها، أو صورة أو لوحة فنية لها؛ لذلك ندرس في هذه المقالة صورة الإبل في نظر المستشرقين الغربيين.
إن نظرة المستشرقين في الغرب تجاه الإبل في الجزيرة العربية، كانت محور اهتمام العديد منهم، فقد تناولوا موضوعاتها بطرق تعكس تصوراتهم عن الثقافة العربية، والرؤى المتنوعة عن الإبل وعدّها رمزًا لهذه الثقافة، نظرًا لقدرة الإبل على التكيف مع بيئة الصحراء، وعدّها رمزًا للثروة والمكانة الاجتماعية لدى القبائل البدوية. ولاحظ المستشرقون أهمية الإبل كوسيلة نقل في الصحراء ودورها في الرحلات الطويلة، وهم الذين تنقلوا أو عاشوا في الجزيرة العربية لسنوات وعقود طويلة، وأدركوا أن الإبل جزء أساسي من حياة البدو. وبذلك فإن المستشرقين الذين درسوا المنطقة قدّموا الرؤى تجاه الإبل؛ نظرًا لدورها في الحياة البدوية والثقافة العربية، وأبرزوا أهمية الإبل كجزء من الاقتصاد البدوي، بوصفها مصدرًا رئيسًا للغذاء كالحليب واللحم، ووسيلة للتنقل في الصحارى الواسعة، وسلعة قيّمة للتجارة، ولاحظوا دور الإبل في النسيج الاجتماعي للقبائل البدوية، فامتلاكه كان بمنزلة الرمز للثروة والمكانة.
وأشار المستشرقون إلى تكيف الإبل مع البيئة القاسية في الجزيرة العربية، وقدرتها على البقاء من دون ماء وتحمل درجات الحرارة العالية، ودرسوا كيفية تربيتها واستخدامها في الرحلات الطويلة عبر الصحراء، والمعرفة التي يمتلكها البدو في رعايتها وتربيتها، وشاهدوا استخدامها في المناسبات الثقافية والدينية، كالحج، حيث كانت الإبل وسيلة النقل التقليدية للحجاج، ودرسوا تكيف المجتمعات البدوية مع التحولات في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإبل، وقدّموا رؤية شاملة عن أهميتها في الحياة البدوية في الجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، مع مزيج من الاحترام والإعجاب بالإبل. («لوحات المستشرقين ومكنونها في الشرق العربي، الاستشراق يظل إرثًا ثقافيًّا كان له دور في فهم العلاقات بين العالميْنِ الغربي والشرقي»، 2023/04/04،https://www.middle-east-online.com/%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-).
التاريخ الثقافي
كما اهتمت دراسات المستشرقين بالتاريخ الثقافي للإبل؛ وأبرزت حضوره في النتاج الأدبي والفني لأشهر الأدباء والفنانين الغربيين، وتداخله في الموروث الشعبي للمجتمعات العربية. ومثال ذلك: أصدرت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض كتابًا بعنوان: «شمال نجد: يوميات رحلة استكشافية على ظهور الإبل»، من تأليف ألويس موسيل (1868-1944م)، وصدر أيضًا كتاب بعنوان: »الجمل: التاريخ الطبيعي والثقافي، للكاتب روبرت إيروين، وقد صدر بالإنجليزية في لندن عام 2010م.
وعلى هذا الأساس أصبحت السردية الاستشراقية عن الإبل مرجعًا للدراسات التاريخية المعاصرة عن الثقافة البدوية العربية، وعن طبيعة المجتمع البدوي في الجزيرة العربية على وجه العموم.
هوامش:
(1) باقر، طه، علاقات بلاد الرافدين بجزيرة العرب، مجلة سومر، الجزء الثاني -المجلد الخامس، 1949، ص 126.
(2) Labat R, Ibid, No.459, p.205.
(3) خالد الأعظمي، مصدر سابق، ص 179-185.
(4) The Assyrian Dictionary of the Oriental Institute of the University of Chicago, Chicago, 1956ff, vol. A, p.212, (= CAD).
(5) CAD, Ibid, A, p. 239.
(6) Lukenbill D D, Ancient Records of Assyria and Babylonia Volume 2: Historical Records of Assyria from Sargon to the End, Chicago, 1927, (=ARAB,) vol.2, par.1083-1084, p.400.
(7) Julian Reade, Assyrian Illustrations of Arabs, in: Phillips C.S, Polls D.T and Searight S, 1st edition, Brvpols, 1998, p.226, fig.6.
(8) Labat R, op.cit, no.208, p.119.
وللمزيد حول الإبل ودورها في النقل، ينظر: قصي منصور عبدالكريم التركي، التجارة البحرية بين العراق والخليج العربي خلال الألف الثالث قبل ميلاد السيد المسيح، رسالة دكتوراه غير منشورة مقدمة إلى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 2003-2004م، ص257.
(9) Labat R, op.cit, no.208, p.119.
(10) Black J and Others, A Concise Dictionary of Akkadian, (=CDA) Wiesbaden, 1999, p.1.
(11) المواقع التراثية في منطقة الجوف، سلسلة المواقع التراثية في المملكة العربية السعودية، هيئة التراث السعودية،2023م، ص 6.
(12) قصي منصور التركي، مصدر سابق، ص125.
(13) رضا جواد الهاشمي، آثار الخليج العربي والجزيرة العربية، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1984م، ص279.
(14) رضا جواد الهاشمي، آثار الخليج العربي والجزيرة العربية، (بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1984)، ص279.
(15) Grayson A Kirk (1996), Assyrian Rulers of the Early First Millennium BC II (858-745). RIMA 3, in: The Royal Inscriptions of Mesopotamia Assyrian Periods, vol.3, University of Toronto, p.23.
(16) Hoftijzer J and K.Jongeling, Dictionary of the North-West Semitic Inscriptions, Leiden. New York. Köln, 1995, p. 226.
(17) Payne Smith, Syriac English Dictionary, Oxford, 1979, p.72.
(18) سليمان الذييب، المعجم النبطي، الرياض، 2000م، ص63-64.
(19) Brown F and other, op.cit ,p. 129.
(20) هاشم الطعان، مساهمة العرب في دراسة اللغات السامية، الموسوعة الصغيرة 19، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1978م، ص 59.
(21) أبو الفضل جمال الدين ابن منظور، لسان العرب، المجلد الأول، ط1، دار صادر، بيروت، 1997م، ص178.
(22) Labat R, Manuel D’épigraphie Akkadienne, société Nouvelle librairie orientaliste, Paris 2002, no.168, p.109.
(23) Labat R, op.cit, no.374, p.171.
(24) ibid.
(25) Hoffman, M., Egypt Before The Pharaohs, New York 1979, p.68 ; Wendorf, F., The Prehistory of the Egyptian Sahara, Science 193, 1976, p.106.
(26) Menghin and M. Amer, The Excavations of the Egyptian University in the Neolithic Site at Maadi, (Cairo, I932), 33, pl. 20. I37.
(27) Rizkana , I. and Seeher , J., Maadi III : The Non-Lithic Small Finds and the Structural Remains of the Predynastic Settlement , Mainz am Rhein 1989 , pp.11-12 , pl. I: 3,5.
(28) Michael Ripinsky, The Camel in Dynastic Egypt, JEA, Vol. 71 (1985), p.135.
(29) Scharff, A., Die Altertümer der Vor-und Frühzeit Aegyptens II,Berlin 1931, p. 71, pl.21:103.
(30) MӒller , G., Ausgrabung der Deutschen Orient – Gesellschaft auf dem Vorgeschichtlichen Friedhofe bei Abusir-el-Meleq im Sommer , 1905 , MDOG 30 , 1906 , 17.
(31) Petrie ,F., Abydos II , p.27 , 49 , pl.10.
(32) Quibell , J.E. and Green , F.W., Hierakonpolis II , p.49 , pl. 62, fig.2.
(33) G. Moller, ‘Ausgrabung der Deutschen Orient-Gesellschaft auf dem vorgeschichtlichen Friedhofe bei Abusir-el-Meleq im Sommer, 1905’, MDOG 30 (1906), 17.
(34) Saad,Z., Royal Excavation at Helwan (1945- 1947), in: Supplement aux ASAE, Cahier 14, Le Caire 1951, p.38, pl. XLVIII a-b.
(35) Child, V.G., What Happened in history, London 1942,p.65f.; Emery, W.B., Archaic Egypt, Baltimore 1961, p.240.
(36) حسني عمار، المرجع السابق، ص 127.
(37) E. A. W. Budge, The Mummy. A Handbook of Egyptian Funerary Archaeology, 2nd ed. (Cambridge, 1925), 388.
(38) V. G. Childe, What Happened in History (London, I142), 65-6; W. B. Emery, Archaic Egypt (Baltimore, I96I), 240.
(39) Dunbar, J.H., Rock Pictures of Lower Nubia, Cairo 1941, p.49, pl.14, fig.64.
(40) Schweinfurth, G., Über alte Tierbilder und Felsinscriften bei Assuan, Zeitschrift für Ethnologie 44, 1912, p.633.
(41) Caton-Thompson , G. and Gardiner , E.W., The Desert Fayum,Bedford 1934, p.123 , no.191.
(42) سمير أديب، موسوعة مصر القديمة، ج 6 ، الحضارة، القاهرة، 2020، ص 249.
(43) Montet, P., Byblos et l΄Égypte I, Paris 1928, p.91, pl.52:179.
(44) Little, O.H., Recent Geological Work in the Faiyum and the Adjoining Portion of the Nile Valley, Bulletin de l’Institut d’ Égypte 18, 1935-6, p.215.
(45) صالح، عبدالعزيز، شبه الجزيرة العربية في المصادر المصرية، مجلة عالم الفكر، المجلد. الخامس عشر، العدد الأول ص ٣٠٢.
(46) Free, J., Abraham’s Camels, JNES 3, 1944, p.188f.
(47) Bisson de la Roque, M.F., Raport sur les Fouilles de Médamoud, FIFAo 7, 1929, p.56.
(48) Petrie, F., Gizeh and Rifeh, London 1907, p.23, pl.27.
(49) Mariette, A., Abydos II, pl.40; Von Bissing, F.W., Zur Geschichte des Kamels, p.68.
(50) Petrie, F., Ten Years digging, London 1892, p.75.
(51) حسني عمار، المرجع السابق، ص 132.
(52) Shaw, I. and Nicholson, P., British Museum Dictionary of Ancient Egypt, The American University in Cairo 1995, p.59.
(53) A General Introductory Guide to the Egyptian Collections in the British Museum, London1971, p.200.
(54) Daressy, G., A Travers les Koms du Delta, ASAE 12, 1912, fig.9.
(55) حسني عمار، المرجع السابق، ص 133.
(56) Murray, G.W., Early Camels in Egypt, p.105.
(57) Janssen, R. and Janssen, J., Egyptian Household Animals, Shire Publications, Aylesbury, London (1989); Journal of Archaeological Science, Volume 32, Issue 3, March 2005, Pages 451-463.
(58) Epstein, H., The Origin of the Domestic Animals of Africa, Vol.2, London 1971, p.566.
(59) Saber, A.S., The Camel in Ancient Egypt, Proceedings of the Third Annual Meeting for Animal Production Under Arid Conditions, Vol. I, 1998, 208-215.
(60) قادوس، عزت، فنون الإسكندرية القديمة، الإسكندرية ٢٠٠١ ، ص170 – 171، شكل 24.
(61) Rostovtzeff, M., The Social and Economic History of The Roman Empire I, Oxford 1957, pl.53:4.
(62) Ibid., pl.53:3.
(63) http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/ostraka/uc62835.html
(64) http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/ostraka/uc62835.html
(65) achtergael,G.,Le chameau,l’âne et le mulet en Égypte gréco-romaine,Cd’É 64,1989,294nº 13.
(66) Borchardt , Statuen und Statuetten, CG 1191.
(67) http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/ostraka/uc62835.html
(68) حسني عمار، المرجع السابق، ص 136 – 138.
– Michael Ripinsky, The Camel in Dynastic Egypt, JEA, Vol. 71 (1985), p.141.
– A. S. Saber, The Camel in Ancient Egypt, Proceedings of the Third Annual Meeting for Animal Production Under Arid Conditions, 1998 United Arab Emirates University ,Vol. 1: 208-215.
بواسطة الفيصل | يوليو 1, 2024 | الملف
العمارة والفنون البصرية
علاقة تكافلية مدهشة

علاء حليفي – كاتب ومعماري مغربي
منذ فجر الحضارة حتى يومنا الحالي، لطالما شكلت العمارة مرآة تعكس التطور الفني والثقافي للمجتمعات البشرية، حيث تداخلت الفنون البصرية والهندسة المعمارية عبر العصور في علاقة تكافلية مدهشة، فأثر كل منهما في الآخر وألهمه بطرق لا تُحصى، وهو ما أنتج إرثًا معماريًّا وفنيًّا لا يُنسى، ترك بصمته على مختلف الحضارات البشرية؛ إذ إن الفنون البصرية لم تكن مجرد زينة للعمارة، بل كانت وما زالت جزءًا من الهوية المعمارية، تضفي عليها روحًا وحياةً، وتجعلها تنطق بتفاصيل الحضارات والثقافات عبر مختلف العصور.
تَأمُّل هذا الترابط العميق يكشف لنا عن رحلة مليئة بالإبداع والتعبير الفني والسعي المستمر نحو الجمال والكمال. في هذا المقال، سنتجول جولة تاريخية لاستكشاف التأثيرات المتبادلة بين الفنون البصرية والهندسة المعمارية. سنبدأ بشكل مختصر بفحص الأشكال الفنية الكلاسيكية وكيف ساهمت في تشكيل العمارة في الحضارات القديمة، قبل أن ننتقل إلى العصر الحديث لنتعرف بالتفصيل إلى الفنون المعاصرة ودورها في تطوير المفاهيم المعمارية التي يتبناها الجيل الحالي من المعماريين مثل المعمارية الأميركية سيران أرسلان، التي سوف نحاورها حول عملها الفني والمعماري وعلاقته بالتطور الذي شهده الذكاء الاصطناعي والفنون الرقمية في السنوات المنصرمة.
التطور التاريخي للعمارة والفنون البصرية
تعود أصول هذه العلاقة الساحرة بين الفن والهندسة المعمارية إلى البدايات الأولى للحضارة في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة. فقد كان الفن والهندسة المعمارية آنذاك متداخلين كما لو كانا عملًا ومجالًا واحدًا، حيث كانا يعكسان على نحو مادي وواضح رمزية السلطة والدين والنظام الاجتماعي السائد آنذاك. في بلاد ما بين النهرين، كانت الزقورات ترتفع بشموخ نحو السماء، مزينة بنقوش معقدة تجسد الآلهة والأساطير الملحمية. أما في مصر، فقد كانت الأهرامات تمثل مآثر خالدة للفراعنة، تعكس براعة هندسية وزخرفية، ومزينة بالهيروغليفية والمنحوتات الفريدة.
أما في العصر الكلاسيكي، فقد شهد العالم طفرة في الابتكار الفني والمعماري، حيث كانت اليونان وروما في طليعة هذا الإبداع، فالمعابد اليونانية، مثل معبد البارثينون، كانت تجسّد التوافق بين الفن والهندسة المعمارية، بفضل تفاصيل منحوتة وأقواس معقدة تزين أعمدتها الشامخة. وفي روما، أظهرت الكولوسيوم والبانثيون روعة الهندسة المعمارية وتكامل الزخارف الفنية، وهو ما جعل إنجازات الحضارات القديمة تظل حية حتى يومنا الحالي.
وقد كان عصر النهضة بمنزلة لحظة محورية في تطور الفن والهندسة المعمارية، حيث اجتاحت النزعة الإنسانية وإحياء المُثل الكلاسيكية جميع أنحاء أوربا، فأَخْفَى الفنانون والمعماريون مثل برونليسكي ومايكل أنجلو الخطوطَ الفاصلةَ بين الفن والهندسة المعمارية، وزيّنوا المباني بالعناصر النحتية والزخارف. وتشهد القباب المرتفعة لكاتدرائية فلورنسا والواجهات المزخرفة للقصور في البندقية على هذا التزاوج بين الجمال والبناء.
أما مع بزوغ العصر الحديث، فقد تغيرت العلاقة بين الفن والهندسة المعمارية على نحو كبير؛ إذ تبنت حركات مثل آرت نوفو وآرت ديكو موادَّ وأشكالًا جديدة، وهو ما أدى إلى تحدي الأفكار التقليدية للجمال والهندسة، حيث عمد المعماريون مثل غاودي ورايت إلى استعمال الأشكال العضوية والتقنيات الفنية المبتكرة، ليخلقوا مبانيَ تجمع بين الوظيفية والإبداع، متجاوزين المألوف ليحولوا العمارة إلى أعمال فنية في حدّ ذاتها.
صوت جديد يتمرد على كل ما هو كلاسيكي
في المشهد المعاصر للقرن الحادي والعشرين، يستمر التفاعل بين الفن والهندسة المعمارية في التطور، مدفوعًا بالتقدم التكنولوجي والعولمة والنماذج الثقافية المتغيرة، حيث يتعاون المهندسون المعماريون والفنانون في مشاريع طموحة تدفع حدود الإبداع والابتكار، فقد فتح تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة، وهو ما سمح بازدهار أشكال فنية ومعمارية تجريبية غير مسبوقة في بيئتنا المبنية.
منذ تسعينيات القرن الماضي، حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، ظهرت على الساحة أشكال جديدة من الفنون المعاصرة، غير الفنون الكلاسيكية مثل الرسم والنحت. إنها أشكال فنية حديثة قادها الجيل الجديد من الشباب، نتيجة تمردهم على الفنون الكلاسيكية؛ لكونها لا تناسب أصواتهم ولا تعبر عن رؤاهم وأفكارهم، وكانت إحدى أولى هذه الفنون المعاصرة هي فن الغرافيتي الذي ظهر وانتشر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في مدينة نيويورك الأميركية، عندما بدأ الشباب في استخدام الطلاء على الجدران لإنشاء صور وكتابات على المباني، تعبيرًا عن سخطهم وغضبهم على حال المدينة التي كانت تتخبط في براثن الفقر والبطالة آنذاك.
يُعَدُّ فن الغرافيتي أحد أهم أشكال الفن المعاصر التي ظهرت من العدم، وارتبطت ارتباطًا جوهريًّا بالعمارة والمدينة، حيث كانت المباني المعمارية بمنزلة اللوحات التي يبدع عليها الفنانون أعمالهم، فصار لهذا الفن القدرة على بث حياة جديدة في المساحات الحضرية المهملة، وتحويل المباني المهجورة والجدران الفارغة إلى أعمال فنية نابضة بالحياة، فأصبحت المستودعات والأنفاق والأزقة المهجورة مثل لوحة قماشية لفناني الغرافيتي لإطلاق العنان لإبداعهم، وحقن ألوانهم وتعبيراتهم في الزوايا المنسية من المدينة. ومن خلال استعادة المباني والمساحات المهملة وإعادة توظيفها كمواقع للتعبير الثقافي، طمس فن الغرافيتي الحدود بين الفن والهندسة المعمارية، داعيًا الناس إلى إعادة تصور بيئتهم المبنية.
وفي علاقة الغرافيتي بالعمارة، يقول فنان الغرافيتي الأميركي «دريكس وان» في محاضرة له بمدينة سان فرانسيسكو: إن فن الغرافيتي، غالبًا ما يُساء فهمه على أنه مجرد تخريب، لكنه في الحقيقة يحمل أهمية أعمق تتجاوز مظهره السطحي؛ إذ إن الأمر لا يتعلق فقط بالطلاء غير المصرح به على الجدران، بل هو شكل من أشكال التعبير، واستعادة الفضاء العام والبيئة المبنية للسكان، حيث يكمن جوهر الكتابة على الجدران في تحديها للمعايير التقليدية وتأكيدها الفرديةَ وصوتَ جيلٍ كامل من الشباب. ربما لا يختار السكان هيئة المباني التي تحيط بهم، لكن فن الغرافيتي يجعلهم يستعيدون حرية تزيينها بأفكارهم وألوانهم الخاصة، بالنسبة للمجتمعات التي غالبًا ما تُتجاهَل أو تُهَمَّش، تصبح الكتابة على الجدران صوتًا ووسيلة لاستعادة بيئتها وتأكيد وجودها.
العمارة والفنون الرقمية: محاكاة المستقبل
في عصرنا الحالي، الذي يتسم بالابتكار الرقمي والتطور التقني، تشهد مجالات الفن والهندسة المعمارية تقاربًا عميقًا، مدفوعًا بالتقنيات التكنولوجية المتطورة والإبداع اللامحدود، حيث تُحدث الفنون الرقمية، التي تشمل مجموعة واسعة من الوسائط مثل الصور المولدة بالكمبيوتر (CGI)، والنحت الرقمي، والمنشآت التفاعلية، ثورة في التصميم المعماري، وتقدم للمهندسين المعماريين أدوات جديدة للاستكشاف والتعبير، حيث إن تأثير الفنون الرقمية على الهندسة المعمارية يعيد بشكل ما تشكيل البيئة المبنية بطرق غير مسبوقة في التاريخ.
وقد أحدث التقاطع بين الهندسة المعمارية والفن الرقمي ثورة في الطريقة التي نتصور بها المساحات ونصممها. من قبلُ، ارتكزت الممارسات المعمارية التقليدية على الصياغة اليدوية والنماذج المادية. أما اليوم، تتيح الأدوات والبرمجيات الرقمية للمهندسين المعماريين إنشاء تصميمات أكثر تعقيدًا ودقة وابتكارًا. لا يقتصر الفن الرقمي في الهندسة المعمارية على مرحلة التصميم؛ بل يمتد إلى التصور وعرض المشاريع. يمكن للمهندسين المعماريين والمصممين الاستفادة من التطور التقني والذكاء الاصطناعي لاستكشاف مناطق إبداعية مجهولة، وإنشاء أشكال وهياكل قد يكون من المستحيل تصميمها يدويًّا.
إن هذه التكنولوجيا تساعد في خلق تصاميم معقدة وجمالية تتجاوز الحدود التقليدية للعمارة. يتيح هذا النهج أيضًا للمعماريين تجربة التصاميم بطريقة تفاعلية ومبتكرة، وهو ما يساهم في تحسين الكفاءة والإبداع في العمل المعماري. إن الجمع بين العمارة والفن الرقمي والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف ممارسات التصميم ويقدم رؤى جديدة حول كيفية تكامل التكنولوجيا مع الفن في خلق مساحات معمارية فريدة ومستديمة.
سيران أرسلان: حين يجتمع الفن الرقمي بالعمارة فرارًا من الواقع

تُعد سيران أرسلان، وهي مهندسة معمارية وفنانة رقمية أميركية مقيمة في مدينة نيويورك، أحد أهم الشخصيات التي تدمج الفن الرقمي بالهندسة المعمارية في زمننا الحالي، فهي إضافة إلى عملها التطبيقي كمعمارية، لها مشروعها الخاص ‘Exit’ الذي يُعَدّ مختبرًا تجريبيًّا للمساحات المعمارية المتخيلة التي تجمع الفن الرقمي بالعمارة في مزيج ساحر وطلائعي.
بوصفها معمارية متعددة المهارات، يتأثر عمل سيران بتقنيات فنية مختلفة بما في ذلك الرسم والكولاج، إضافة إلى التقنيات الرقمية المعززة بواقع الذكاء الاصطناعي؛ إذ تمثل أعمالها نقطة التقاء بين الهندسة المعمارية التقليدية والتكنولوجيا الحديثة، بخلقها فضاءاتٍ معماريةً لا تقتصر على تلبية احتياجات الحاضر فحسب، بل تستشرف المستقبل بتصميمات ذكية تجمع بين الفن والعلم في توازن مثالي، وهو ما سوف نستكشفه في الحوار التالي الذي أجريته معها:
● هل بإمكانك أن تحدثينا كيف أتتك فكرة دمج الفن الرقمي بالعمارة؟
■ بدأ كل شيء خلال فترة الحجر الصحي خلال أزمة كوفيد-19، حيث قضيت جل الوقت في بيتي، أعمل في العالم الرقمي؛ لذا قد كان لديّ متسع من الوقت، فشرعت في تصميم ما يستهويني حقًّا، فصرت أرسم كل ما يخطر في ذهني من عوالم ثلاثية الأبعاد، حيث أدمج العمارة بالفن الرقمي على شكل مساحات متخيلة تخرج عن المألوف، التي هي عبارة عن انعكاسات غير تقليدية لبيئتنا الحقيقية. إنها أفكار مستعارة من الحياة الواقعية ولكنها توضع في سياقات ساخرة وغير متوقعة، إن أعمالي بكل بساطة هي خروج من الواقع، نحو واقع متخيل، بعيدًا من العمارة التقليدية، وعن الفن بمفهومه الكلاسيكي.
هذه المساحات الخيالية تدرُس كيفية تأثير البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي على ثقافة التصميم المعماري. إنها تمثل وجهة نظري حول الممارسة التقليدية للهندسة المعمارية حيث أقوم بتصميم الصورة أولًا، لا المخطط. إن اللغة المعمارية لعملي الفني والتقني متجذرة في فكرة الهروب من الواقع والتفكير خارج الصندوق. المغزى من أعمالي هذه هو إثارة الناس والجمهور؛ إذ إنني أستطيع أن أصنع صورًا مثالية جدًّا لدرجة أنها تبدو واقعية رغم أنها متخيلة، وغالبًا ما يسألني الناس، «أين التقطتِ هذه الصورة؟» «أين يوجد هذا المبنى؟» لكن الحقيقة أنه غير موجود بتاتًا.
بعيدًا من عملي الكلاسيكي بوصفي مهندسة معمارية، أعتقد أن الفن الرقمي يمثل أداة عظيمة لطرح رؤيتي والوصول إلى جماهير أكبر، وبناء أسلوب فريد ومتسق. في نهاية المطاف، حلمي هو جعل هذه المساحات تنبض بالحياة، وصناعة نوع جديد من رواية القصص المعمارية، وهو نوع يجمع بين الواقع والخيال، وتجربة أحدث التقنيات لإنشاء بيئات رقمية، كما أنني أُومِن أن هذه التصورات الرقمية، قد تصبح في السنوات القادمة، الواقع الجديد لمهنتنا كمهندسين معماريين.
الخروج من الواقعي إلى الفانتازي
● هل يمكنك أن تخبرينا بالتفصيل عن مشروعك الشخصي Exit الذي يدمج المعمار بالفن الرقمي؟
■ المشروع يسمى ‘Exit’ أي «خروج»؛ ذلك لأن أعمالي المعمارية والفنية بالمشروع هي بمنزلة خروج من الحياة الواقعية إلى واقع خيالي وفانتازي. وهو مشروع فني أعمل عليه منذ بضعة أشهر، يجمع مجموعة من المساحات المعمارية والفنية التي تكسر الجماليات الدنيوية للواقع المبني، حيث حاولت إنشاء بيئات رقمية وتجربة التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وبرمجيات التصميم لسرد قصص مرئية متخيلة لكن ذات رسالة ومغزى. لقد بدأت العمل على هذه المجموعة منذ بضعة أشهر فقط كاستجابة لواقع الممارسة المعمارية. أبدأ بلوحة فارغة من البرنامج التقني وأتعامل مع ما أشعر به. تبدأ القصة كمفهوم لإثارة إعجاب الجمهور بجماليات فائقة الواقعية، أتعمد في بعض الأحيان ترك عيوب حقيقية في تصميم المساحات المتخيلة لتشبه الواقع، حيث تبدو المساحات مبهجة، وأحيانًا مبهرة، ولكنها تظل على الدوام غريبة مقارنة مع الواقع.
إن أعمالي المعمارية والفنية تحمل طبيعة شخصية للغاية؛ لأنني أحب إثارة استفزاز الناس والجمهور. أظن أن ذلك هو المغزى من كل فن، كانت فكرة هذه التصاميم هي أنني أستطيع أن أجعل أي شخص يؤمن بأي واقع أريده، إذا جعلتها حقيقية بدرجة كافية. والآن بعد أن اكتشفت المزيد من البرامج التقنية، يمكنني أن أجعل الصور مثالية لدرجة أنها تكاد تكون واقعية.

● ما الذي يلهمك في أعمالك، بين العمارة والفن؟
■ الحقيقة أن أشياء كثيرة تلهمني، قد يبدو الأمر متناقضًا، حيث إنه رغم أن أعمالي تستشرف المستقبل، لكن أكثر ما يلهمني هو العمارة التي أُنشِئَت قديمًا؛ إذ أشعر أن الهندسة المعمارية هي مهنة تتعلم فيها الكثير من الماضي، تجعله ملكًا لك، ثم تعيد اختراعه. أنا أستلهم أعمال العديد من المهندسين المعماريين مثل: ريكاردو بوفيل، وباولو مينديز دا روشا، ولويس باراجان، وبيتر زومثور. وأيضًا بعض الفنانين الرقميين الذين يعملون على الوسائط التقنية مثل: فيليب دوجاردان وفيليب شيرر.
دون أن ننسى الكتب، والأفكار الفلسفية التي تغني أعمالي المعمارية والفنية. أحد المفاهيم الكبيرة التي درستها بعناية شديدة هو اليوتوبيا المغايرة لميشيل فوكو التي يصفها بأنها مساحات استطرادية متحولة وغير متماسكة ومزعجة. إنها عوالم داخل عوالم وهو ما يشبه أعمالي في Exit. أنا أيضًا أسافر كثيرًا وأتأمل البنايات والإضاءة حتى الأصوات، أنا أحاول اثارة إلهامي بكل ما هو موجود حولي؛ ومن ثم صناعة عالمي الخاص.
بين العمارة والفن الرقمي
● ما رأيك في استخدام البرمجيات الفنية التقنية في عملِ المعماريِّ؟ هل يَحدّ من الإبداع أم يزيده أم كلا الأمرين؟
■ هناك ضجة كبيرة حول التصميم الرقمي، وبخاصة الجيل الأصغر من المعماريين مثلي. إن ثقافة إنتاج المساحات المعمارية تتوسع فعليًّا في العالم الرقمي حيث يمكنك بيع التصميمات المعمارية الرقمية بآلاف الدولارات هذه الأيام. أحد أسباب ذلك هو أن البرامج أصبحت سهلة الاستخدام، ويمكن للجميع الوصول إليها؛ لذلك هناك مساحة أكبر لاستكشاف قدراتك الإبداعية. إنه نوع من التوسع خارج حدود ما يمكن فعله كمهندس معماري. أعتقد أنه أمر يحررك، حيث يمكنك الاستكشاف وإنتاج المزيد. في الماضي، كان الاستكشاف المعماري فيزيائيًّا، من خلال صنع النماذج والمواد المختلفة. أعتقد أنه عندما تعمل رقميًّا، يكون الأمر أسرع، ويمكنك اختبار خيارات متعددة. يستغرق الأمر وقتًا أطول عندما تفعل ذلك بالشكل التقليدي، وأظن أنه عاجلًا أم آجلًا، سوف ينتهي نُقاد هذا المزيج بين الفن الرقمي والعمارة، إلى تقبله، بل أظن أنه في القريب العاجل، سوف يصير ضروريًّا لمستقبل المهنة.
● أخيرًا، في رأيك، ما مستقبل الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي وتأثيرهما في عمل المعماري؟
■ سوف أتحدت بناءً على مساري الشخصي، أنا مهندسة معمارية في الممارسة العملية وأوسّع رحلتي الإبداعية إلى مجالات فنية وتقنية مختلفة، تتخذ منعطفات مفاجئة من حيث التعاون والمشاركة. أعتقد أن وجود أساس متين وخلفية فنية في الهندسة المعمارية هو أمر مهمّ جدًّا لكل معماري بهدف بناء صوته وبصمته الخاصة في الميدان.
بعيدًا من الصور الواقعية للغاية والتصوير الدقيق لما تبدو عليه المشاريع المبنية بمجرد اكتمالها، التقنيات الفنية الحديثة هي أدوات تسمح بتقديم ما هو أعمق من البناء المادي، فهي تساهم في مشاركة الأجواء والعواطف التي يصورها المهندسون المعماريون. إن استخدام الوسائط التقنية، جنبًا إلى جنب مع التركيبات المعمارية والفن والإضاءة والموسيقا في كثير من الأحيان، قد ولّد نوعًا جديدًا من رواية القصص المعمارية، وجعل من العمارة أكثر إنسانية وفنية، لا مجرد أعمدة خرسانية باردة.
مراجع الصور:
https://news.artnet.com
https://www.dezeen.com
https://www.dailysabah.com/arts/ceren-arslans-exit-extraordinary-spaces-break-ordinary-order/news
https://en.studiomercado.com/post/dialogue-ceren-arslan-architectural-designer-digital-artist
https://exitceren.com/collection/parliement
https://voyagela.com/interview/check-out-ceren-arslans-story/
العمارة والفن، في مديح المكان والإنسان

أسعد الأسدي – معماري عراقي
كانت العمارة فنًّا، حين كان الفن يتأسس على محاكاة موضوع ما والتمثيل له، وكان جمال العمل الفني حصيلة تلك المحاكاة. وكانت مهارة العمارة تتمثل في محاكاة وتمثيل وتوظيف طراز معماريّ معتمد، وتعتني بصنع موجودات منشغلة بحضورها وتجسدها وتشكلها، أكثر من استجابتها لما يلزمه طبيعة استعمالها، كما حدث في العمارة الحديثة، حين تعمقت في تعقيدات توظيفات الأبنية وتعدد أنماطها، فجعلت تصنع أشكالَ أبنيةٍ متعلقة بوظيفتها ومعبرة عنها.
تحولات جوهرية
وحين تحرر الفن من المحاكاة والتمثيل، وأصبح معنيًّا بنفسه مستقلًّا عما هو خارجه، وامتلك حرية يحسد عليها، مهتمًّا بالمعرفة والاكتشاف وصنع ما يميّزه، تحررت العمارة أيضًا، لكنها لم تعد فنًّا، كانت قد غادرت تكرار طرزها القديمة، وابتكرت نصًّا شكليًّا مستجيبًا للوظيفة والتقنية، غير أنها لم تمتلك استقلالية الفن وحريته، ولم تستطع أن تتجرد من الجانب النفعي الذي يستدعي وجودها، ويتدخل في تشكل نتاجاتها، ولذلك صعب عليها أن تتغاضى عن الاستجابة لتفاصيل حياة الإنسان اليومية، كما أتيح للفن أن يفعل. وقد واصلت اعتناءها بالجمال بقدر مهارتها في صنع الأمكنة، في أثر التغيرات التقنية وتحولاتها الثقافية، وحين تعقدت المدينة وتعددت وظائفها، تكفّلت العمارة بمهمتها الاجتماعية في تنظيم أشياء الإنسان وأمكنته وأزمنته، حينها لم تعد مقولة الفن كافية لها أو متوافقة مع التزاماتها الواقعية المعقدة، وفي أثر تلك التحولات الجوهرية في طبيعة كلّ منهما، امتلك الفن عالمه، وامتلكت العمارة عالمها.
العمارة ليست متعلقة بالإنسان وحده، فهي احتفاء بالمادة والكتلة والشكل واللون والبيئة والمكان. يدخل الإنسان الأبنية كي يستعملها، يتلقى كامل معطياتها ويشهد على إبداعها، وقد يكون هو أحد أبعاد وجودها، لكن العمارة تصنع موجودات تمتلك ثقل حضور، وقيمة منجزٍ ماديّ، وتصنع سياسته في تعاطي العالم وإعادة إنتاج أمكنته وأزمنته وأشياءه، موجودات تزيد على كونها وقائع تتأسس في علاقة مباشرة مع الإنسان الذي ينسج في العالم حكايته، من دون أن يكون العالم صنيع تلك الحكاية، ولا أن يكون وجوده رهينًا بها. فالعمارة ليست صنيعة الإنسان وحده، وهو حين يدخل أبنيتها بقصد الانتفاع بها، يحدث أن يدخلها انسحارًا بها أيضًا، وهو يبحث عن الدهشة والمتعة والغرابة ولقاء ما يفوق المتوقع. يدخل الأبنية في تطفل وعيه على الموجودات والعالم، طامحًا إلى أزمنة من الجدة وأمكنة تفيض عن الألفة، فهو يدخلها ليس في استثمار ما يخدمه فيها وحده، ولكن في اكتشاف ما يبهره من جمالها أيضًا.
الوظيفة والجمال والفن
الجمال مقولة متعلقة بماهية أي شيء، فهو يكون جميلًا جماله هو، حين يكون ما هو، ويقدم لمتلقيه متعة حسية وذهنية. ولذلك ثمة فكرة جميلة، ذكية ونادرة وملهمة، وثمة شيء جميل، يمكنه أن يقدم متعة مدركة. حتى الأشياء الوظيفية النافعة في قدرتها أن تكون جميلة، وقد يلزمها ذلك، كما يحدث في العمارة، حين يكون جمال المبنى أحد أعمدته، فضلًا عن وظيفته ومتانته، وهو جمال لموجود يخدم إنسانًا لا يكتفي أن يرقبه ويتأمله. وجمال المبنى بعض ماهيته، يتجسد في شكل يتوافر على علاقات وتناسبات ورموز. وهو جمال يختلف عن جمال العمل الفني الذي يتصف بتحرره من شيء لازم، أو مرجعية شيئية أو فكرية سابقة تتدخل في قياده، وقد تجرد من المنفعة والنزعة الإنسانية، وتمتلك استقلالًا وانشغالًا بصنع عالم يخصّه ويميّزه، يتعلق بابتكار شكل حسيّ وذهنيّ لم يعد ملتزمًا أن يكون جميلًا، وقد يبدو غريبًا أو قبيحًا وهو يقدم تصورًا جديدًا عن الشيء، في شكل يبرر ذاته ويفسّرها، ويكون هو برهانها بوصفه عملًا حريته أشدّ قواه حضورًا وفعلًا. غير أن جمال العمارة متعلق بدواعٍ واقعية متعددة، هو جمال مبنيّ من مادة وشكل، يخدم إنسانًا ووظيفة، يسكن مكانًا يفعل في شكله ولغته وجماله؛ إذ إن مكان المبنى ليس موضعه وحده، ولكن بيئته وما فيها، من أبنية قريبة ولغة عمارة وثقافة مكان ونهج مدينة. وفي سعي العمارة جعل أبنيتها جميلة، فعل لا يحيلها أعمالًا فنية؛ إذ إن جمال الشيء لا يصنع منه عملًا فنيًّا، فالجمال غير متعلق بالفن وحده، ولا حتى به؛ إذ لا يعني الفن الجمال، ولا يعني الجمال الفن.
وفي ضوء هذا التصور، لا يكون الجمال مفصل تعلق العمارة بالفن، إنما الفن في العمارة أمر آخر، يظهر في ذهاب العمارة صوب الغرابة والاختلاف، في انزياح نحو أن تكون فنًّا، وهي تبني أشكالَ أبنيتِها وَفْقَ دوافع تفوق متطلبات توظيفها، مجانبة ما يلزم، حد أن يتدخل الفن في صياغة الحياة في المبنى الذي يكون مكانًا نذهب إليه ونمارس فيه ما يتيحه من أفعال، بكيفية لا علاقة لها بالضرورة بما هي أحلامنا، التي هي أمر لا يمكن التثبت منه، ولا الثبات عليه، ويصعب أن نصفه تمامًا، ويحار المبنى أن يفي باحتياجات العديد المختلف والمتحوّل من أحلامنا، وهو الذي يمكنه أن يكون في صورة حلم متعيّن بوضوح كافٍ. ولذلك تعجز العمارة أن تفي بأحلام شاغليها، فيكون مجديًا لها أن تكون فنًّا يمتلك حريته ونزقه، بديل أن تواصل الاعتقاد في أنها ماكنة كفؤة ومثالية للعيش فيها.
ومن الملاحظ ما تحاوله العمارة التفكيكية، من قود العمارة إلى منطقة الفن من جديد، وهو أمر تنجح فيه، لكنه خيار يصعب تعميمه، على الرغم من قبول وقائعه الفردية، بوصفها وقائع فردية، لا يمكنها أن تصنع توجهًا عامًّا، ولم يتحقق لها ذلك. وهي تسعى في العديد من تجاربها إلى إنتاج أشكال متحررة من متطلبات واقعية، مع أنها ملتزمة بدخول الإنسان إليها واستعمالها، ولكن ليس في قدر حاجته ولا بسببها وحده، بل في سعة وشكل ما يتيحه فضاؤها وكتلتها، غير المنقادين إلى متطلبات الحاجة وحدها، ولا المكتفيين بها. فهي تسعى لأنْ تصنع فنًّا في التحرر من نفعية العمل المعماري والتزامه باشتراطات الإنسان، منشغلة في أغلب أمثلتها بابتكار المزيد من الشكل، في واقعة بصرية وذهنية مربكة ومشوشة، يعوزها كي تُدرك العميق من التفسير. فهو شكل يستدعي ما يفوق التعاطي البصري المباشر، حيث تختلط فيه الأشياء والعناصر والأشكال اللازمة لدواعي وظيفية أو إنشائية أو سواهما، مع نقيضها من عناصر وأشكال أخرى غير لازمة، تمارس دورها بوضوح في بلبلة الصورة وتعقيد تلقيها، وفي اختفاء ما هو لازم في شبكة ما هو غير لازم، فيكون النص مختلفًا يفتقد إلى مداخل واضحة ومحددة لاكتشافه، وتكون مهمة التلقي أن يدرك الوضوح في صورته المرتبكة وغير الخاضعة لمهيمن محسوب، فيكون تأويلها بناءً في الممكن وغير المتوقع، مبرهنًا على توصلاته في ابتكار حجة يصنعها، مفارقًا ما هو واقعي، قاصدًا ما يذهب إليه الفن من تحرر في أعمال ذات تعقيد شكلي وثراء فكري مثير.
البيوت الدمشقية واللوحات الجدارية المدمجة مع عمارتها الداخلية

إيمان عسلية – معمارية سورية
ترتبط العمارة منذ نشأتها بأنواع الفنون وعلى رأسها الرسم والنحت، وقد كان لها عند هيغل المكان الأول بالتصنيف بوصفها فنًّا في حدّ ذاتها. فهي عنده «تمثل بدايات الفن» وكل الفنون وجدت بعدها، وكأنها الوعاء الحاضن للفنون، يتكامل فيها العمل المادي مع المعنوي «لتحقيق كلية العمل الفني». والتقارب الأساسي بين العِمارة والرسم يتمثل في أن إدراكها يتم من خلال حاسة البصر؛ فهي تشكيلات بصرية تعبر عن المكنونات الداخلية لصانعها، إلا أن الأولى تستوعب «أبعاد المكان الثلاثة»، وأما الثاني فيتمثل ببعدين اثنين على السطح(1). والعِمارة بتعريف جون راسكن هي «الفن الذي يرتب ويزيّن الصروح التي يشيّدها الإنسان»(2).
وفي تتبع السياق التاريخي وبناء على التعريفات السابقة، فإن منطقة بلاد الشام قد شهدت منذ آلاف السنين عمارة متقنة يختلط فيها الوظيفي مع الجمالي. فلقد تأسست دمشق في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهي واحدة من أقدم المدن في الشرق الأوسط وكانت مركزًا ثقافيًّا وتجاريًّا مهمًّا. نستشهد هنا بقول مارك توين: «لم يُسجّل حدث في العالم إلا وكانت دمشق حاضرة تتلقى أخباره، فمهما رجعت بذاكرتك إلى الماضي السحيق فستجد أن دمشق كانت دومًا قائمة…»(3).
البيوت الدمشقية من الداخل والخارج
وأبرز ما هو قائم حتى اليوم وما يميّز مدينة دمشق هو بيوتها التقليدية من العصر الإسلامي، خصوصًا عمارة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إن أهم التقسيمات المعمارية لتلك البيوت هي الباحة الداخلية: الصحن الذي يتمحور حوله البيت بالكامل، وقد كان هذا النموذج نتاجًا حيًّا لتفاعل الظروف البيئية والاجتماعية والمكانية. وقد تطور في الفترة الإسلامية ليتلاءم مع الحياة الأسرية حتى أصبح البيت بكل تفاصيله بمنزلة الجنة لساكنيه. حافظت البيوت الدمشقية التقليدية على تشابهها من الخارج، من حيث الجدران الصماء والفتحات القليلة ومواد البناء، واختلفت عمارتها الداخلية تبعًا للحالة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية لمالكيها، خصوصًا على صعيد التزيين وتعدد قاعات الاستقبال. يشير زكريا محمد كبريت إلى كيفية تعدد النماذج المعمارية للبيوت الدمشقية على مستوى المساحة والكسوة حسب الحالة الاجتماعية والاقتصادية للعائلات الدمشقية. كان أبرز المميزات للبيوت التي عُرفت باسم أصحابها الوجهاء الدمشقيين، اللوحات الجدارية المدمجة مع تفاصيل العمارة الداخلية.
تصنف البيوت الدمشقية لخمسة أنواع: البيت متعدد الصحن، متعدد الصحن والطوابق، المتعدد الطوابق وأحادي الصحن، الأحادي الصحن والطوابق، البيت المختلف. ونقلًا عن كبريت توصل الباحث أنطون عبد النور إلى اقتراح ثلاثة نماذج للسكن في المدن السورية: أحدها هو الدار ذات الباحة المركزية، وهو الأكثر شيوعًا في دمشق، وقد اعتمدها أبناء الطبقة الميسورة من الإداريين العثمانيين والأشراف والتجار. يتألف من الإيوان وعلى جانبيه حجرات الاستقبال، وبقية الغرف متقابلة حول الصحن. وللمسكن طابق ثانٍ وأحيانًا ثالث(4).

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحت الحكم العثماني، تأثرت مساكن دمشق بالعلاقة التفاعلية بين الإنسان والمكان. الأعيان والوجهاء سعوا لتمييز أنفسهم اجتماعيًّا من خلال تصميم منازلهم التي تأثرت بالجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على العناصر الأساسية للبيت التقليدي الإسلامي. تميزت هذه المنازل بقاعة الاستقبال المعروفة بالغرفة الدمشقية، التي تضم جزأين: الطزر (المجلس المرتفع لجلوس الضيوف)، والعتبة (الجزء الأقل ارتفاعًا مع بحرة في الوسط). بنيت الجدران من الحجر وزينت الأسقف بالعوارض الخشبية المرئية والمزخرفة.
تستخدم الغرفة الدمشقية مجموعة متنوعة من المواد الغنية مثل الحجر بأنواعه، الرخام، الخشب، الزجاج، والفسيفساء الخزفية (القيشاني(5)). طُورت أنماط الزخرفة مثل الأبلق، الذي يستخدم مداميك بألوان متناوبة (غالبًا الأبيض والأسود)، وزخارف العجمي، التي تعتمد على ملء الزخارف المحفورة بمادة ملاطية ملونة. استمرت أيضًا زخرفة الخشب بأسلوب الأرابيسك، الذي يتميز بتشابك الزخارف النباتية والهندسية والخطية(6).
إن اللافت في تلك الحقبة هو انتشار الرسوم الجدارية التي اندمجت مع التقنيات الزخرفية للحرفيين الدمشقيين. ومع دخول التأثيرات الأوربية في بداية القرن التاسع عشر، تغيرت المواد وتقنيات التنفيذ، وهو ما أثر في خصائص الجدران الداخلية. لم يقتصر التزيين على الجدران، بل شمل أيضًا أسقف البيوت الدمشقية. السقوف كانت تُغطى بصناديق مزخرفة وتضاف لها مقرنصات، وتغطى بألواح خشبية مزينة بالرسوم. في وقت لاحق، تأثرت بالأسلوب الأوربي وتغطت بالقماش المزخرف برسوم زيتية لنمط غربي. الرسوم واللوحات التصويرية كانت تملأ الفراغات بين السقف والكسوة الخشبية للجدران.
نماذج معمارية
يُعَدّ «بيت نظام» الذي يقع في دمشق القديمة في حي مئذنة الشحم، عقار 314- 334، من أهم النماذج المعمارية وأغناها فنيًّا ومعماريًّا وأقدمها. حيث يعود أقدم تاريخ وُجِد على جدرانه لعام 1758م. يضم البيت ثلاثة صحون و35 غرفة وقاعة، وثلاثة إيوانات وأقسام السلملك والحرملك والخدملك. ولكن يعتقد أن الدار قديمًا كانت دارين منفصلين، وللبيت واجهتان رئيستان شرقية وغربية من الحجر المنحوت المطلي بكلسة ترابية، وخاليتان من الزخارف. الدار الغربية منه كانت تُعرف بـ«بيت ناصيف باشا العظم» المميز منها الإيوان الجنوبي وسقفه المغطى بخشب العجمي وجدرانه المزينة بالأبلق. وأما الدار الشرقية «بيت علي آغا خزنة كاتبي» فتُعَدُّ تحفة معمارية دمشقية غير تقليدية. أهم وأجمل وأكبر قسم فيه هو قسم الحرملك الخاص بالنساء والأولاد. يتميز هذا القسم بوجود قاعة رئيسة في الجهة الشمالية منه مقابل الإيوان، تضم نقوشًا جدارية وزخارف خشبية ولوحات متكررة في الجزء العلوي من الجدار على جوانبه الأربعة، وقاعة ثانية في الجهة الشرقية من الإيوان وهي قاعة العنب، وسميت بهذا الاسم لأن عناقيد العنب أساس زخرفتها وسر جمالها. وقد زُينت جدرانها أيضًا بلوحات في القسم العلوي منها(7).
تتوزع الفراغات حول الصحن الرئيسي ذي الشكل المستطيل. أكثرها أهمية قاعة الاستقبال الشمالية التي زُين الجزء العلوي لجدارها المقابل لواجهة مدخل القاعة بلوحة بانوراما لمدينة إسطنبول تبلغ مساحتها 3.50 أمتار مربعة تقريبًا. سمات العمل الفني في هذه القاعة مشابه لقاعة العنب في بيت نظام(8).
وكمثال آخر نذكر بيت «محمد هادي المجلد» في محلة النوفرة- قيمرية عقار رقم 252. كباقي البيوت التقليدية تتوزع الفراغات حول صحن مستطيل تتوسطه البحرة، يطل عليه الإيوان الجنوبي كاشفًا عن لوحاته البديعة ذات المشاهد الطبيعية والمعمارية التي توزعت على جداريْهِ الشرقي والغربي وسقفه ذي العوارض الخشبية المزينة بالرسومات. يتميز بيت المجلد بلوحاته الجدارية، وبوجود أقواس مذهبة ومزخرفة في أغلبية غرفه، ومنها أقواس ثلاثية الفصوص مدهونة ومحفورة، حتى النوافذ محاطة بأطر خشبية محفورة ومزينة(9).

تأثير أجنبي وموروث متراكم
وفي التساؤل المطروح حول هوية الحرفيين الذين كانوا ينفذون هذا النوع من الرسم التصويري على جدران وأسقف القاعات الدمشقية، اعتقد بعض أن هذه الصور رُسِمَت بوساطة حرفيين ومهندسين مشرفين قدموا من تركيا ومن أوربا، ونقلوا تقنياتهم للحرفيين المحليين. في حين يذكر الباحث ستيفان ويبر أنه جرى التعرف إلى بعض الأسماء فقط من توقيعهم أو نقوش تركوها للدلالة على هويتهم إلا أنها حالات فردية قليلة ولم تكن شائعة؛ لذا رُسمت هذه اللوحات من دون معرفة الأشخاص ولا خلفيتهم التدريبية. ولكن يذهب بعض الباحثين إلى تأكيد أنه فن محلي تميّز به الحرفيون الدمشقيون؛ لأن مثل هذه الحِرف، وإن كانت تتأثر عبر الزمن بموضوعات وأفكار خارجية، إلا أنها حرف متوارثة تستلزم المهارة والدقة. فبالمقاربة والقياس والتحليل التاريخي العميق لجذور الفن الإسلامي عرض لنا الدكتور عفيف بهنسي أنماطًا منها: فن الرقش العربي والتصوير الجداري بالفسيفساء والمنمنمات، والرسم على ورق المخطوطات، وغيرها من الحرف التي كوّنت أسسًا تنفيذيةً اتبعها الحرفيون وطوروها. كما جاءت هذه اللوحات بموضوعاتها الزخرفية وألوانها ملائمة للبيئة الدمشقية المسلمة(10).
وبحسب دراسة الدكتور عبدالسلام، إن تصميم تلك القاعات معماريًّا وفنيًّا إنما «هو تجسيد واقعي لموروثات متراكمة، ونتاج حياة مجتمعية واقعية، وميثولوجيا دمشقية متكاملة معًا، عكست جوانب تراثية سورية مادية ومعنوية متعددة». كذلك فإن آنكه شيراز الباحثة في مجال ترميم الغرف الدمشقية ذهبت في بحثها إلى أن مواد الصباغة والطلاء المستخدمة لا بد أن تكون قد صُنعت يدويًّا في ورش محلية ومن مواد محلية، أجملها الصبغة الصفراء البرتقالية ذات اللون الشبيه بالذهبي(11).
كل ما تقدّم من عناصر يوضح لنا أنه على الرغم من أي نظريات تقول إن لوحات البيوت الدمشقية مستوحاة من ممارسات فنية عثمانية أو غربية، فإن طابعًا دمشقيًّا كان سائدًا بشكل واضح على صعيد الموضوعات والعناصر الموجودة في اللوحة والمواد المستخدمة. وربما إذا تتبعنا الخصائص التشكيلية من لون وتكوين ودرجات الضوء، فإننا سنحصل على تأكيدات إضافية على دمشقيّة تلك الجداريات، وهذا بحث منفصل يتخصص فيه مؤرخو الفن.
جدلية العمارة والنحت

بنيونس عميروش – فنان وناقد مغربي
تعد العمارة من أقدم الممارسات التي تحقَّقت بغاية الاحتماء، منذ وجود الكائن البشري، من الكهوف البدائية وبناء المآوي البسيطة بمواد المحيط الطبيعية، إلى أن تشَكَّلت قواعد التشييد وتداعياته الإبداعية. ومع تطور طرق معالجة مواد البناء وتَقدُّم التقنية، تجاوزت العمارة إطارها الحِرَفي، واتخذت بُعْدها المِهني التَّخَصُّصي، وفق تصورات المهندسين المعماريين الذين يصممون الوَحدات والمُجَمَّعات المَدَنِيَّة، ويعملون على ترجمة تطبيقات الهياكل التَّخطيطية لتشييد المباني والصُّروح الحضارية، ضمن عملية تنظيم المجال وتوظيف المفاهيم الجمالية، مع الأخذ في الحُسْبان المعطيات الاجتماعية والبيئية ضمن نظرة شامِلَة للإدماج الملائم لنوع البناء وطبيعة وظيفته؛ السكنية منها والدينية والتجارية والمؤسساتية والصناعية والدِّفاعيَّة والمشهدية وسِواها، بحيث تعكس العمارة ثقافة الشعوب، وتُجَسِّد الأساليب البنائية للأمم، فيما ترسم معالم التمييز بين العصور والجُغْرافِيّات.
العمارة وفن النحت
إذا كان الوجه الوَظيفي يجعل العمارة تخضع إلى قوانين وإلزاميات مرهونة بفعل العَيْش الداخلي، فإن جانبها الإبداعي، في حال البِنايَة الموصولَة بقدر من الإبداع، يَمْنحها الصِّفَة الفنية والجمالية، ولذلك جذَّر الفن المعماري انتماءَه إلى حقل الفنون التشكيلية، بوصفه فنًّا يقوم على تشكيل المادة، فيما يتناغم مع التصوير والنحت، بوصفهما فَنَّيْنِ قائمَيْنِ بذاتيهما. غير أنَّ العِمارة والنحت يشْتَركان في كَوْنِهِما من الفنون الفضائية بامتياز؛ إذ يتَّخِذان حيزًا مجسمًا في الفراغ من خلال تشكِيلِيَّة المادة الصَّلْبة التي تُحافِظ على شكلها النهائي، فيما يتَحَدَّدُ الفارق في الجانب الإجرائي للعمارة التي تتضمن فراغات داخلية للسكن والإقامة. كما يلتقيان ويتداخلان في النحت المعماري الذي يعتمد فيه المعماريون والنَّحَّاتون تقنيات النحت ومفرداته في تشييد الجسور والأبراج والأضرحة وغيرها من المنشآت الفنية، حيث يتكامل النحت مع بِنْيَة المِعمار، فيما الأعمال القائمة بذاتها تُعَدُّ جزءًا من التصميم الأصلي في النحت المعماري.
الأمر هنا يتعلق بمختلف أشكال النحت المُنْدمج مع المعمار، والمَوْصوفة بالمنحوتات الزُّخرُفية التي تمثل نماذج هندسية مُتَّفَق عليها، أو أشكالًا طبيعية مُنَمْنَمَة عامة، تعمل على زخرفة بناية أو أثر تاريخي أو شيء مُجَسَّم (إفريز، تيجان الأعمدة وغيرها)، والمنحوتات التَّزْيينية، بوصفِها أعمالًا منحوتة (تماثيل صغيرة) مُخَصَّصَة لتكون مُدْمَجَة في بناية أو أثر تاريخي أو أثاث أو شيء مُجَسَّم. فيما تُوَظَّفُ أنماط المنحوتات الزُّخْرُفية والتَّزْيينِيَّة في الصالونات والأدراج والأبواب والأعمدة وأقواس النَّصْر وغيرها. كما دأب العديد من المعماريين على تصميم وتنفيذ مُنشآتهم على شاكِلَة التأليف النَّحْتي، إلى الدرجة التي يُنْظر إليها من الخارج بمعايير النحت، وهي النماذج العديدة في تجارب المِعْمار المُعاصر، وبخاصَّة ما يُنْعَتُ بالعِمارة النحتيَّة، كما هو الشأن في أعمال المِعمارية العراقية، ذائعة الصيت، زُها حديد (1950- 2016م) على سبيل المثال لا الحصر؛ ذلك أن «العمارة» بالمعنى الصحيح، هي تلك البنايات التي تمتلك صفات الـتأثير والإبهار، ومن دون ذلك، فهي مُجرد مَبانٍ.
في حين، تتعدد مظاهر النحت التي يمكن حصرها في صِنْفَيْن شامِلَيْن: الناتِئ (البارز)، والمُحَدَّب. تندرج أشكال النحت الناتِئ في مُسَطَّحات، ومُخَصَّصَة بعُمق مُتغير، فيما تُكَوِّن مرحلة وُسطى بين التصوير والنحت المُحَدَّب، وتُمَثِّل عامة مناظر تُقرأ كما تُقْرَأ اللوحة. وفي مقابل النحت البارز الموصول بتزيين جُدران وأعمِدَة البنايات، تتحقق علاقة العمارة بالنحت المُحَدَّب بوصفه عملًا مستقِلًّا من خلال صنف المنحوتات الصَّرْحِيَّة (أو المَيْدانية)، وهي المُحدَّبات التي تُعَدّ جُزْءًا من مجموعة معمارية أو منظر طبيعي، تُنجَز بمَقاسات كبيرة، وتهدف إلى تزيين أو إعطاء دلالة خاصة لموقع معين.
في تصنيف الفنون من وِجْهَة نظر ميتافيزيقية، يصنف هيغل الفنون بناءً على الشكل والمضمون أو المادة والروح، حيث يَعُدّ العمارة فنًّا رمزيًّا، تليها الفنون الكلاسيكية مثل النحت، ثم الفنون الرومانتيكية كالتصوير والموسيقا والشعر. يرى هيغل أن النحت يحقق الروحي في شكله المادي ويقترب من العمارة؛ لأنه يصوغ الحسّي في شكل مادي مع مراعاة علاقته بمحيطه. هذا يقود إلى ارتباط دائم بين النحت والفضاءات المعمارية، مثل الممرات والساحات العامة في المدن، حيث تُنَصَّب المنحوتات الصرحية.

تأثير الوسط الاجتماعي والجغرافي
في ارتباط وثيق بالمدينة الحَديثة، يلعب الفضاء العمومي دورًا أساسيًّا في التحضر الحديث، الذي يشمل الممارسات والذِّهْنِيات والمواقف والقيم الثقافية. الثقافة الحضرية، وفق الأنثروبولوجي إدوار برنيت تايلور، هي مجموعة مركبة من المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات المكتسبة. تشكل المدينة جزءًا أساسيًّا في تنشئة الأفراد اجتماعيًّا من خلال تفاعلهم في المجال الحضري. وفقًا لهنري لوفيفر، «المدينة هي إسقاط للمجتمع في المجال». هذه المفاهيم تؤثر في تصميم وتخطيط المدن، حيث يسعى المهندسون المعماريون إلى إنشاء نماذج معمارية تحقق الحق في المدينة، وتناسب المجال الاجتماعي والجغرافي.
في السياق ذاته، فإن هذه النماذج المعمارية التي يقترحها المهندسون المعماريون، لا بد أن تُصَمَّمُ وفق تخطيط مَديني يأخذ في الحُسبان السَّلاسَة المُرورية والتواصلية (بالمعنى المكاني) بين المجموعات البنائية والشوارع ونقط تقاطعاتها واستدلالاتها، لكن دون إغفال التفكير في جمالية هذه الفضاءات العمومية الخارجية (الفراغات العامة)، باعتبار هذه الفضاءات الخارجية فراغات مشتركة بين عامة الناس في تَحَرُّكاتهم وتَنَقُّلاتهم داخل الحاضرة، وضمنها النافورات ومساحات التَّجَمُّع والتَّنَزّه، المُمَثّلَة في الساحات والميادين والحدائق والمساحات الطبيعية ومختلف الفُسَح المعمارية، من حيث إمكانية تجهيزها لتكون فُسْحات مكانية قابلة لتَنْصيب مختلف المُجَسَّمات والأنصاب التذكارية والمُنْشَآت الفنية. علمًا أن إنشاء وتوسيع المدن، أضحى يدفع، أكثر فأكثر، المتدخلين من مهندسي الهندسة المَدَنية ومهندسي التخطيط الحضري والتَّعْميرِيّين بالأخذ في الحُسْبان، البُعد الجمالي الذي يُعَضِّد الجانب السوسيولوجي، ومن ثمة تضع ضمن تصاميمها العمرانية للمدن الحديثة والمعاصرة، منذ التصاميم الأساسية الشاملة، النقط والأماكن المناسبة والمُخَصَّصَة لزرع القطع النحتية من تماثيل نصفية وصروح حَجْمية وغيرها من الأشكال الكُتلية والفضائية، في مواقع الفراغ المُحَدَّدَة والمدروسة، بحسب طبيعة النسيج الحضري بوصفِه كُلًّا متناغمًا. وهذا ما يبرر وجوب تعاون المهندسين المعماريين والتَّعميريّين مع الفنانين التشكيليين مصورين ونَحّاتين.
إضافة إلى ذلك، فإن الاستئناس بتَذَوُّق النحت ومختلف أنماط التشكيل الحَجْمي، ينطلق أساسًا من المعمار وامتداده المَديني؛ لكونه الجنس الفني الذي يخرج إلى الشوارع والميادين لتحسين الذائقة الجمالية العامة وأنسنة الفضاءات المدنية. الأنسنة تتحقق داخل الصروح من خلال تأمين مواقع معنوية للفرد وتلبية الحاجة الجمالية المتأصلة في النفس البشرية، وهو ما يمنح الإنسان قيمة ومعنى. الفن يرضي هذه الحاجة الجمالية، شاملًا القطع الفنية مثل: العمارة والنحت والتصوير، وسلوكيات الحركة مثل: الموسيقا والرقص والغناء والرياضة (رفعة الجادرجي، «في سببية وجدلية العمارة»، 2006م).
تزاوج النحت والطبيعة
تبقى مَشْهَدِيَّة الطبيعة بدورها من أساسيّات العمارة والنحت، ففي الوقت الذي تسعى فيه المدينة المعاصرة لنَيْل حصَّتها الكافية من المساحات الخضراء، ينفتح النحت الصَّرحي على الطبيعة أكثر فأكثر، خصوصًا أن الفنون منذ أن كانت، باتت تنطلق من الأحداث الطبيعية لاستعادة إيقاعها العُضْوي في اتجاه اكتشاف «الطبيعي» من جديد. فإذا كانت رؤية الخَلْق المرتبطة بصيغة بلاستيكية مع خالقها، يُنظر إليها وفق الإحساس بوحدة الوجود الجديد، فإن الفنان النَّحّات، بداية من القرن السابع عشر، عمل على التَّحقُّق من أفكاره حول الطبيعة، مثلما يظهر ذلك، حينما يشتغل في المجال الخاص بالطبيعة كالحديقة أو المتنزه أو الفيلا أو القصر وغيره. كما نلحظ أوج هذا الزواج بين النحت والطبيعة من خلال النوافير التي تَتَّحِد مع الهندسة المعمارية والتماثيل الحَيَّة، التي تجتمع مع البساتين ومسارات الظِّلال، بفضل إبداعات النحات والمهندس المعماري والخبير بالنبات أندريه لونوتر في قلعة فِرساي بوصفها أكثر أماكن الإقامة الريفية فَخامة حينها.
في هذا السياق، نستحضر نافورة بروفيدنس التي تُضْفي على ساحة السوق الجديد الواقعة في قَلْب البلدة القديمة في فيينا، طقسًا باذخًا خلاقًا، يُلقي بظلاله على هذا الفضاء التقليدي الموصول باللقاء والتبادل. تعود هذه التُّحفة الفنية المُشَيَّدَة في 1739م لرافائيل دونر (1693- 1741م)، الذي يعتمد رَفاهَة الروكوكو(12) بلمسته الخاصة. وعلى حافة ضِفاف النافورة المَعْمولَة بالرصاص، تتمَثَّل الأجسام المجازية للأنهار الأربعة التي تُغَذّي النمسا، بحيث تؤلف ذلك التوافق الكلاسيكي الذي يُشْعِرنا بالصَّدى الخافِت لأنهار الواجِهة البحرية لفِرْساي.

الفضاء العام متحف مفتوح
من ثمة، تتَحَقَّق طبيعة النحت كفن شامل، في أوجه ارتباطه بالعِمارة عمومًا؛ إذ لا بد أن يحتفظ النحت بعلاقات راسخة مع باقي الفنون الأخرى. ذلك أن البِنايات الكُبرى من قبيل الكنائس والقُصور والقِلاع وسواها، تتطلب نوع النَّحّات المُتَمَكّن، غير أن براعة النحات الكبير هنا، تشترط دعم فريق كبير من مُنْتِجي الصُّوَر؛ لتمسي اللغة المتخصصة بعد هذا التعاون الإبداعي جزءًا من خطاب أرحب وأكثر ثراءً.
وعبر العصور، يسجل القرن الثامن عشر صلاحية لافتة، بوصفه عهد تخطيط المدن بامتياز؛ التخطيط الذي يُراعي الوجه الجمالي كإلزامية حَضَرية قاطِعَة؛ فعملية شق الطرق والمداخل والمخارج وما يليها من شروط انسياب الحركة لولوج الميادين والمرافق العامة الأكثر مَكانَة، لا تمر دون الاهتمام الفعال بالديكور والجمال، والحال أن هذه المعادلة بين التشييد والتجميل تُحيلنا على ذلك الارتباط العُضْوي الوَثيق بين الماء والتماثيل، بوصف الماء مصدر الحياة؛ إذ يُبرِّر حضور النحت ويُمَجِّده، فيما يُشَدِّدُ تَمَظْهره الجذّاب للعِيان.
إن إخراج فن النحت إلى الحدائق والفضاءات الرَّحْبَة والمَطْبوعَة بالحَميمِيَّة مع الشعب، إنما هو إخراج الفن من طابعه النخبوي الموسوم بالاستحواذ ضمن نزعة المِلْكِيَّة الذاتية والفردية؛ إذ تبقى الصُّروح النَّحْتية مُثْبَتَة في الفضاء الخارجي بوصفها من مُمْتَلَكات الحاضرة وقاطنيها وزُوارها، في إطار ما يسمى بالمِلْك العام. ففي الوقت الذي يصبح فيه الفضاء المُحْتَضِن للأعمال النحتية مُحيطًا للالْتِفاف الجَمْعي، فإن ذلك يمنحه صِفة نَمط من أنماط متاحف الهواء الطلق، المفتوحة باستمرار في وجه الزُّوار بدون تَذْكرَة، حيث يتحول الفضاء العمومي إلى وِعاء للمتاحِف المُنْفَتِحة، وحافظ لتُراثِها الصَّرْحي كخِبْرة وكموروث فني وثقافي.(13)
فن النحت وتأثيراته في العمارة المحلية بالمملكة العربية السعودية

ريم فاروق الصبان – خبيرة سعودية وباحثة في التراث
يعد فن النحت والنقش من الفنون القديمة التي اعتمدها الفنان للتعبير عن النفس ومحاكاة الأحداث من حوله وتجسيدها وتخليدها لمن بعده. يُعَدّ هذا الفن رسالة يقدمها الفنان بمهارة عالية، يبذل فيها قوته ويعكس مشاعره وأفكاره بقالب إبداعي فريد. ويمكننا الادعاء أن فن النحت هو أبو الفنون؛ فقد ظهر هذا الفن في النقوش التاريخية قبل الميلاد بآلاف السنين. بدأها الإنسان الأول على جدران الجبال والأحجار حتى انتقلت إلى المباني؛ مثل: المنازل والقصور والقلاع.
يمكن تعريف فن النحت بأنه قطع الأشكال والزخارف دون فصلها عن السطح المعمولة فيه، ومنه النحت البارز الذي يقارب التجسيم، والنحت الغائر الذي تكون عناصره الزخرفية غائرة عن السطح، والنحت البسيط، وهو نحت قليل البروز، يبدو غائرًا أحيانًا، مثل لوحات النحت الإغريقي، أو خفيفًا غائرًا مثل لوحات النحت المصري القديم.
في التاريخ الإسلامي نجد أن النحات العربي قد خلد هذا الفن وأبدع فيه أيما إبداع، مثل نقوش قصر الحمراء الخالدة التي شكلت بصمة لإتقان العمل وإبداع الفكر وروحانية الفن. ومن يحظى بزيارة جامع قرطبة سيمر عند مدخله بخزانة كبيرة تمثل جدارية كاملة نقشت على معروضاتها أسماء الفنانين الذين كان لهم دور في نحت هذه الأعجوبة المعمارية الفريدة، والذين عُدّوا المعلمين الأوائل والمدرسة التي نستقي منها فنون البناء بأنواعه إلى وقتنا الحاضر.
النحت في مناطق المملكة
لقد حبا الله عز وجل الجزيرة العربية بأن تكون منبع كثير من الحضارات التاريخية، التي ما زلنا نكتشف عمقها حتى يومنا هذا عن طريق قراءة منحوتات المكتشفات الحضارية التي خلفها الأولون والتي تحكى قصص وبطولات ويوميات كان الفضل لإحيائها في يومنا هذا للنحات الذي خلد هذه القصص عبر أعماله التي نراها وما زلنا نكتشف المزيد منها.
إن منطقة الجزيرة العربية قد تأثرت بفن النحت والنقش تأثرًا كبيرًا، فنجده قد انتقل بكل تقدير إلى عناصر زخرفية تشكل جزءًا مهمًّا لتزيين المباني والمساكن المحلية بمختلف مناطق المملكة العربية السعودية الخمسة: الوسطى والشرقية والشمالية والجنوبية والغربية. كما نلحظ بعض الاختلافات في مواقع تطبيقه في المباني أو تقنياته أو موضوعاته وأشكاله، حيث شكلت البيئة المحيطة بالفنان أرضًا خصبة يستلهم منها نقوشه ويستثمر مواردها الطبيعية ويشكلها بيده الماهرة في الفراغات الداخلية والخارجية للمباني.

وسنستهل قراءاتنا بالمنطقة الشمالية أرض حضارتي ثمود والأنباط، حيث شكلت العوامل الطبيعية للجبال الرملية الحمراء منحوتات طبيعية ألهمت يد الفنان وشجعته على وضع بصمته عليها، فنجد إبداعات فنون النحت على هذه الجبال تحكي قصصًا تاريخية على هيئة كتابات أو رسومات، وعلى واجهات القصور والمعابد التي منها على سبيل المثال قصر البنت بمدائن صالح والقصور المحيطة بها وهي تكسوها منحوتات هندسية وحيوانية، بعضها على هيئة حيتان داخل شكل مثلث، أو منحوتات لشخصيات في تلك الحقبة أو لحيوانات وطيور ومخلوقات أسطورية.
ولا يفوتنا عند زيارة مدينة العلا التاريخية ملاحظة تأثر العمارة المحلية للمنطقة بهذا الفن، حيث نجد عند تجولنا في مدينتها القديمة وبين بيوتها المحلية أن أبوابها قد اعتلتها قطعة منحوتة تسمى معماريًّا (مفتاح عقد) لتميز الدار عن غيرها. كما أن كل مدخل لدار يحيط به زخرفة تختلف عن أبواب الدور الأخرى.
مميزات المنطقة الوسطى والشرقية
عند انتقالنا للمنطقة الوسطى (بمنطقة نجد)، نلحظ هذا الفن قبل دخولنا المبنى، حيث تزين النقوش الأبواب بأشكال هندسية متكررة ومتوازنة تدمج الخطوط مع الدائرة والمربعات بشكل جميل، تمثل دوران الشمس والتلال والنجوم ودورة القمر وربما أضيفت إليها بعض الألوان الزاهية، التي تكسر جمود المباني الطينية المصمتة من الخارج وترحب بالداخل إليها. فنجده عند الدخول وقد استمر النحات بنقوشه البديعة، حيث يحيط هذا الفن بجدران المجلي كإطار يتوسط الجدران بالعرض، فيحيط جدران المجلس ويتجمع في صدره كنقطة التقاء لنجد أجمل النقوش وقد غطت منطقة الوجار، وهي منطقة تتكون من أرفف على الجدران تُرص عليها دلال القهوة الذهبية، وعلى أرضيته موقد الفحم الذي تصنع عليه القهوة السعودية الأصيلة، ويلتف الضيف مع أهل البيت حول هذه المنطقة المزخرفة بالنقوش، التي أتقن النحات تزيينها بالنقش على الجدران الطينية المغطاة بخامة الجص الأبيض بشكل بديع.
ولو صادفنا الحظ وتجولنا قليلًا داخل المنزل النجدى، الذي يتميز بوجود الصحن السماوي داخله مثل البيوت العربية، نجد أن شرفاته قد زينت بنهايات مسننة نحتت بعناية لإضفاء جمال يعزز التقاء السماء بالمبنى، وهو ما ينعكس على نفسية الساكنين داخل هذه المباني ويربطهم بالطبيعة، فنجدها عند رفع النظر إليها وقد ارتبطت السماء بالصحن السماوى ليلًا ونهارًا كفراغ مفتوح صمَّم النحات إطارًا بديعًا لها لا يمل النظر إليه.
ننتقل إلى المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، أرض النخيل والواحات والمزارع الخصبة، حيث سجلت مؤخرًا واحة الأحساء كأحد مواقع التراث العالمي. نجد أن النحات تأثر بالبيئة المحيطة به، فنجد الأشكال المجردة للنخيل تشكل جزءًا رئيسًا في موضوعاته الفنية، وقد اعتمد الجص كمادة أساسية في تشكيلاته النحتية، فنجدها وقد فرغت الألواح الجصية كخلية متشابكة بديعة لتغطي الفتحات الخارجية للمباني، كما نجد بعض النقوش المحفورة بالحفر الغائر تعلو الأبواب وأجزاءها وترحب بالداخل إليها بأشكال نباتية من تحوير أفرع النخيل بشكل مبدع وجميل. إن استخدام الجص الأبيض على الجدران يشكل أهمية كبرى في زخرفة المباني بالمملكة؛ لسهولة تصنيعه وتوافره في المناطق، ولقوة تماسكه وقدرته الهائلة على امتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها في الأجواء الحارة وتلطيف الأجواء داخل الغرف.
ولعلنا نجد خير مثال للإبداع في فن النحت في المنطقة الشرقية، واجهة مدخل سوق القيصرية التاريخي بمدينة الهفوف، وتتميز بالأقواس المؤطرة بزخارف نحتت عليها تحويرات لأفرع النخيل الملتوية والمتتالية بشكل جميل. كما نلحظ زخارف تملأ الجدران والواجهة بشكل متكرر ومتوازن.

نماذج مختلفة للنقوش
كما ظهرت تسميات عدة للنقوش التي نراها منتشرة في مناطق المملكة منها «البيذانة»، وهي تنتج من تقاطع مجموعة من الدوائر، وتكون رباعية أو خماسية أو ثمانية، ونقش «الهيلة» وهي تشبة حبة الهيل (الحبهان) وترص على شكل وردة، وهناك نقش الزهرة والمرش. كما ظهر شكل النجمة، والشكل الشجري، وورقة التين، والجرو، وهي مشتقة من ثمرة القرع حيث تتميز بطول رفيع من الأعلى ومنتفخ في الجزء السفلي، وتزين بها الأبواب بشكل طولي بعد نحتها على الخشب، ويطلق على هذه الأجزاء (خشم الباب). وعند توظيف هذه العناصر على أطر الأبواب الخشبية في شكل شريط متتابع تسمى هذه العناصر في مجملها (جلود)، نجدها منتشرة في كثير من المباني بمناطق المملكة.
كما اشتملت بعض القصور بالمنطقة الشرقية على نقوش كتابية نقشت بالاستعانة بالجص على الأبواب بأسلوب زخرفي متشابك تصعب قراءته، ويحتفظ متحف الدمام الإقليمى بباب منقوش عليه آية الكرسي وينسب لمدينة القطيف.
أما في المنطقة الجنوبية للمملكة (منطقة عسير) التي تشتهر بمزارع الجبال والأودية، فقد اشتهرت بتزيين المنازل بالأصباغ الملونة والرسومات المتشابكة والهندسية والطبيعية وفن (القط)، ولذلك نجد فن النحت يظهر بالمنطقة بشكل متواضع؛ حيث يقتصر على بعض العناصر الداخلية للمبنى وملحقاته مثل الأعمدة الداخلية. كما نلحظ النقوشات على أبواب المنازل والنوافذ الخشبية وقد جرى دقها بشكل دقيق، بعضها تركت كما هي، وبعضها لونت بألوان زاهية تبهر الناظرين. ونجد توظيف فن النحت على الأواني الخشبية، التي تعلق عادة على الجدران، وعلى بعض الأواني الفخارية المستخدمة لحفظ الأطعمة أو مباخر لوضع البخور عليها لإضفاء روائح طيبة للمجالس والملابس.
وأخيرًا في المنطقة الغربية، أرض الحرمين الشريفين، نجد أن زخرفة المباني متأثرة بالكتابات الدينية التي تُزين بالأشكال النباتية والهندسية البديعة. فنجد النحات وقد استعان بخامة الخشب بشكل واسع ونقش الأبواب الخارجية والداخلية، لتعكس الزخارف المنقوشة والمنحوته ثراء المالك وجمال وفخامة المنزل كلما ارتفع مستوى النقش والنحت عليها. كما نلحظ تطبيقات فن النحت والنقش على النوافذ والمشربيات والرواشين الخشبية وعلى واجهات المباني الحجرية. وتتنوع تقنيات هذا الفن الجميل (فن النحت) الذي يعكس تنوعَ وخلفيات مَنْ استوطنوا فيها بحكم الحج والعمرة والتجارة، فنجد النحات هنا يلعب دورًا روحيًّا عند تزيينه الفراغ بالآيات القرانية والأحاديث النبوية التي تمنح أهل البيت راحة نفسية دائمة.
كما نلحظ أيضًا تجميل الفراغ الداخلي بأكاليل من الزهور وقد نحتت على الأركان، وبعضها قد وظفت عنصر الماء كقنوات مائية داخل الجدران ونوافير ترطب الأجواء الداخلية للمبنى، مثل ما نجده في قصر الكعكي في الطائف وغيرها من القصور. كما نلحظ بعض العناصر المعمارية كالكوة وقد تعلوها عقود زخارف حلزونية وتزين من الجانبين بأعمدة رفيعة منحوتة بدقة، تضفي جمالًا بديعًا على الفراغ عند إضافة عنصر الإضاءة وهو ما نجده منحوتًا على جدران بيت نصيف الأثري بجدة، وفي العديد من المباني التاريخية بالمنطقة الغربية.
وختامًا، وبناءً على ما سبق نجد أن فن النحت، بتعدد مستواياته من البسيط إلى المعقد، قد كان له دور كبير في تزيين العمارة المحلية وسمح للساكنين بالتمتع بالجمال وحب الحياة والاستمتاع بها. كل هذه المشاعر الإيجابية التي صنعها الفنان النحات بحب انتقلت في أثناء عمله لمحيطه ومجتمعه، كرسالة عرفان رسمتها هذه القطع الفنية وكتبت لها الخلود ما بقيت.
العمارة والسينما، شاعرية الصورة والبناء

سلطان فادن – معماري سعودي
هذه المقالة عبارة عن تدوين لبعض الملحوظات والتحليلات على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، عن العلاقة بين فن العمارة وفن السينما. ونهج المقال سيكون بأسلوب القفزات وعلى شكل أبواب، كنهج بعض السرد السينمائي المميز، مع بعض الأمثلة.
عن الثقافة البصرية والتفاعل بين العمارة والسينما
لا شك أن العالم يعيش حاليًّا حاضرًا مختلفًا ومتطورًا عن سابقه، وقد استفاد كثيرًا من التقنية والاتصالات؛ حتى أصبح التواصل البصري ركيزة أساسية ليس فقط في التواصل بين الناس، بل حتى في تكوين ثقافات شعبية مستندة على المخزون والتفاعل البصري.
هنالك علاقة ليست جديدة، بل جذرية وقديمة وعميقة، علاقة خفية متبادلة وأعمق من الربط المباشر، تنامت مع الزمن وتطور فن السينما. بالنسبة للتفاعل بين السينما والعمارة، فإن «العمارة المتأصلة للتعبير السينمائي والجوهر السينمائي للتجربة المعمارية» هو حوار معقد، وغالبًا ما يكون متعدد الأوجه بين كلا المجالين. في حين تعد صناعة السينما من أكثر المجالات إبداعًا وشهرة التي يمكن أن توفر للمعماري مجموعة واسعة من الوظائف. في الواقع، أولئك الذين لديهم خلفيات معمارية ينتقلون إلى صناعة الأفلام منذ عقود.
الفِلْم السينمائي قادر على التقاط وتقديم الأفكار لعامة الناس التي لولاها لبقيت ضمن الواقع المهني. وتتيح العلاقة بين الفِلْم والعمارة التفكير في أهمية العمارة كعنصر لا غنى عنه في كل تطور يتضمن المكان والزمان والناس، وذلك من خلال عرض أفلام حول العمارة، يتعرض الأشخاص فيها للقضايا الحضرية والبيئية لصور جديدة يمكن أن تغير تصورهم تصويرًا أسرع مما سيفعله واقعهم خلال حياتهم.
منذ سنوات تعقد ندوات ومحاضرات، وتُدَرَّس مواد جامعية لتقدير فن العمارة في تخصص السينما، وهناك مواد في علوم السينما والفنون البصرية تُدرَّس في تخصص العمارة. تُستخدم العمارة لتلبية كل من المتطلبات العملية والتعبيرية، وبالتالي فهي تخدم كلًّا من النهاية النفعية والجمالية.
ينشئ المعماريون تصميمات لمشروعات البناء الجديدة والتعديلات وإعادة التطوير. يستخدمون معرفتهم المتخصصة في البناء ومهارات الرسم عالية المستوى لتصميم المباني الوظيفية والآمنة والمستديمة والممتعة من الناحية الجمالية. فِلم Metropolis (1927)، للمخرج فريتز لانغ، هو مثال على تصوير المستقبل على أنه ديستوبيا (رؤية سوداء لمستقبل المجتمع) بتشكيل وتصور معماري وعمراني منذ نحو مئة عام في السينما.
يقول المخرج الإسباني أليكس دي لا إغليسيا: السينما تأخذك إلى أماكن يستحيل الوصول لها. السينما تعني وجودك في أماكن لا يمكنك أن تكون بها في الحياة الواقعية، وفجأةً تكتشف أنها موجودة، وتُعد جزءًا من منطقة غير معروفة حيث يمكنك أن تصبح منقبًا عن الآثار لتجدها.
من الصعب تخيل السينما وهي تجري في فراغ أو في فضاء بمعناه الآخر. لا يمكننا أن ننتقل بعيدًا من واقعنا إلى عالم الفِلْم الذي نتابعه وننغمس فيه. وبالنسبة لعلاقة العمارة بالأفلام فلطالما كانت هناك علاقة قوية بين العمارة والسينما. أما علاقة الأفلام بالعمارة فهي تحتاج إلى إجابة طويلة: هناك أوجه تشابه رائعة بين الأفلام والعمارة.
هناك فكرة الفراغ السينمائي، واللقطات الشاملة، واللقطات المتتابعة التي تؤكد السرد المكاني، وهناك فكرة العمارة كبطلة للفِلْم وتؤدي دورًا محوريًّا أساسيًّا فيه، على سبيل المثال أفلام مثل: Psycho، و Bladerunner، لكن هناك علاقة واحدة يُتغاضَى عنها وهي الطريقة التي يجري بها ربط كل منهما.
في حين أن المعماريين المخرجين كلٌّ في مشروعه يحصل على الجزء الأكبر من الفضل في بناء فِلم جيد الصنع، فإن جودته تعتمد على العديد من المساهمين الذين يضيف كل منهم إلى جودته. وذلك لأن الفراغ ليس ثابتًا، فجزء كبير من كيفية تجربتنا للفراغ له علاقة بما نشعر به ونحن نتحرك خلاله.
هل هناك أرضية مشتركة لفن العمارة والسينما؟ السينما عبارة عن مسرح للتعبيرات والكتابة السردية، ومن ناحية أخرى، فإن العمارة هي هوية جريئة وطويلة الأمد تتحدث عن نفسها من خلال الإنشاءات المبنية. كلاهما له علاقة طويلة المدى، وهي سطحية وعميقة. أهمية فن العمارة للسينما مثل النقل الفوري (Teleport) كتلك التي تستخدم في سلسلة (Star Trek).

العمارة تلهم السينما والعكس
السينما في منطقها السردي هي الكتابة بالحركة، مع تتابع الأحداث التي يجري توصيلها من خلال المرئيات والصوت. العمارة، من ناحية أخرى، هي سلسلة من الأحجام التي تفتح وتضغط بطريقة بنائية. الارتباط بينهما -الحدث السردي والحجم المرئي- يوحي بالرابط المشترك بينهما، وهو الزمن.
يؤكد الزمن، وهو جانب جرى تجاهله كثيرًا في صناعة الأفلام وعرضها، على تراكم حدث مجرد في غياب الحدث المرئي والسردي. ينشأ من نهج يجري فيه إبطاء إيقاع الفِلم عمدًا، بحيث يمكن تمديد دقيقتين إلى خمس دقائق أو العكس. أيضًا كان التعبير عن الصلة بين العمارة والسينما لأول مرة من خلال التصاميم الداخلية للمخرجين التعبيريين الألمان مثل: فريدريش فيلهلم مورناو، وروبرت وين. مصممون مثل ألفريد كوبين، استخدموا التوتر بين الأسود والأبيض، واللونان المزدوجان للسينما يمثلان العقل والمادة؛ لخلق توتر يجري تمثيله غالبًا من خلال الأشكال المثلثية الناتجة. تأثر أورسون ويلز، مخرج فِلْم «المواطن كين» (Citizen Kane) بمن سبقوه إلى حد كبير وأعاد توجيه جمالياتهم المعمارية لالتقاط علم الأمراض العصبي في غياب الحدث.
السينما في بعض الأعمال، على عكس العمارة، تدور حول أو تناقش علم الأمراض. مثل تسلسل جريمة القتل في أفلام ألفريد هيتشكوك، والخوف المرضي من نوع الرعب والشذوذ العقلي في أفلام مثل: «طيران فوق عش الوقواق» لميلوش فورمان، أو فِلْم «البرتقالة الآلية» (Clockwork Orange) لستانلي كوبريك. العمارة، في أسمى جمالياتها، تتعلق بالنسب والتناسب، والبناء الموجود في الإطار، سواء كانت مباني كبيرة أو صغيرة، بعيدًا من المساحات التي تجتاحها السينما. في فِلْم المخرج ستانلي كوبريك «البريق» (The Shining) يؤدي عدم التناسب في حجم موقع الفِلم والفندق والديكورات الداخلية إلى تعزيز العلاقة المتناقضة بين الحركة والمسار، لإبعاد المشاهد عن الراحة. وفيها يصنع كوبريك أكثر من مجمعة تكعيبية تدمر المخطط الكامل. وُضِعَ مخطط الفندق في هذا الفِلم على شكل متاهة خارج المنشأة. وفي وقت لاحق وُضِعَت متاهة مماثلة في التصميمات الداخلية للفندق. وجد المحللون أن المتاهتين لا تتطابقان في الواقع. غالبًا ما لحظ أعضاء طاقم الفِلم أن كوبريك غيّر أجزاءً من المتاهة بحيث كان الشحن المباشر للفِلم غير متماثل وتوقيع وإبعاد المشاهد، دون وعي، عن السرد.

تتيح العمارة والأفلام الوعي التهديمي
العمارة والأفلام تهيئ الوعي التهديمي بالتطورات التي تشمل المكان والزمان والناس. لقد أثر انخفاض المشاركة الاجتماعية والسياسية للبشر على مقياس صورتنا المجتمعية. وأدى هذا إلى تراجع تأثير الناس في التنمية المكانية. تثير العمارة والأفلام وعيًا تهديميًّا يساعد الناس على تخيل المستحيل، وكشف ما جرى نسيانه وإعادة تصور مستقبلنا الحضري. فمثلًا الفِلم البرازيلي «مدينة الله» وهو دراما وإثارة ترافق الشخصية الرئيسة في عشوائيات مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، تتنامى الأحداث المحبطة حتى الوصول إلى نهاية مقبولة نسبيًّا.
هناك أدوات وتقنيات معمارية في السينما. ففي صناعة الأفلام، لديك مهندس صوت، ومصور سينمائي، ومهندس إضاءة، ومصمم أزياء، وباحثون؛ للتعرف إلى المكان والزمان بشكل صحيح. وفي العمارة، لديك جميع مهارات أعضاء المكتب المختلفين: الفنيون، المصممون الداخليون، مساحو التكلفة أو الكمية، مديرو الموقع، ثم معلمو البناء ومقاولو الباطن. المبنى الرائع، هو كالفِلم الرائع، وعلى المخرج والمعماري العمل وفهم الاتجاه والتوجه. والعمارة المصممة تشبه لوحة مصورة، أو مع روايات مفردة مسبقة الصنع تجعل استخدام المبنى صعبًا أو مزعجًا، على الأقل، بمجرد استخدامه بطريقة مختلفة.
وجميع العلاقات الأخرى: المفاهيمية، الفنية، المكانية، السردية، إلخ. مثيرة للاهتمام كطريقة لرؤية الفن المعماري من منظور مختلف، لكن العلاقة دائمًا ما يجري تأكيدها بشكل مبالغ فيه، وحرفي جدًّا.
الفِلم عبارة عن فضاء، معبأ، ثنائي الأبعاد (كما هي الحال في جوانبه الحركية) أما العمارة ثلاثية الأبعاد (والحركية) فلا مفر منها. فنيًّا، تجتمع السينما والعمارة في كثير من الأسس والتقنيات الفنية، منها اللقطات المتناظرة. ومنظور النقطة الواحدة. الفِلم الكوري «طفيلي» (parasite) هو مثال ممتاز «للحرفنة» والأفضل لربط السينما بفن العمارة. الذكاء والدقة في هذا الفِلم ظهر أولًا في الطريقة التي يستخدم فيها الفِلم فن العمارة، باستخدام منزلين مبنيين من الصفر في تصميم إنتاجي رائع رشحه لجائزة الأوسكار للتصميم الإنتاجي، إضافة إلى جوائز أخرى. وللتحضير المسبق للفِلم، أجرى فريق المخرج بونغ مقابلات مع معماريين وقاموا بجولة في منزل فرانك لويد رايت في لوس أنجليس؛ إذ إن «المساحة البسيطة تجعلك تشعر أن كل ما تراه هو كل ما هناك».
قُدِّمَتْ عائلة بارك الثرية في الفِلم، وكأن منزلهم هو مركز الحركة لمعظم الفِلم. تمامًا مثل الطابق السفلي الذي يمثل مكان كيم وعائلته في المجتمع، فإن مسكنهم الأنيق والحديث يمثل منزلتهم. يقول بونغ: «إنهم يريدون التباهي بأن لديهم هذا الذوق الرفيع».
الاستعارة المركزية في هذا الفِلْم الغني بالرمزية هي السلالم. ينظر بونغ إلى السلالم على أنها أداة حاسمة في نقل رسالة الحراك الاجتماعي إلى جمهوره. بينما يرى متابع الفِلم الشخصيات باستمرار وهي تصعد وتنزل الدرج اعتمادًا على موقعها في التسلسل الهرمي الاجتماعي. وكمثال آخر لكن عن قمة العلاقة الشاعرية في فِلم «المريض الإنجليزي» نشاهد العسكري الهندي البريطاني، وفي فترة استراحة من الحرب، وهو يدعو بطلة الفِلْم، الممرضة (جولييت بينوش)، لمعايشة تجربة فريدة.
العمارة والفن في زمن الذكاء الاصطناعي

مي عبدالسلام سليمان – معمارية مصرية
نشهد الآن الثورة الصناعية الخامسة التي تتجه نحو دمج التكنولوجيا الآلية والذكاء الاصطناعي في الصناعات المتنوعة. فقد أثر الذكاء الاصطناعي بشكل ملحوظ في جميع التخصصات، وخصوصًا الفن والتصميم المعمارييْنِ. ولعلّ بعضًا يتساءل: هل هذه الطفرة التكنولوجية والتزايد الملحوظ في عدد أدوات الذكاء الاصطناعي، التي نرى تقدمها وتطورها في فترات متقاربة، سيطور الفن والهندسة المعمارية إيجابيًّا أم سيكون له تأثير سلبي في الفن ومهارات الإبداع للإنسان. وإلى أين ستقودنا هذه التكنولوجيا؟
إمكانيات الذكاء الاصطناعي
لكل تكنولوجيا إيجابيات وسلبيات. وتحديات التكنولوجيا الحديثة ليست استثناءً ومن مميزات دمج الذكاء الاصطناعي: زيادة كفاءة العملية التصميمية في مراحلها المختلفة بداية من مرحلة البحث، ثم تكوين الفكرة إلى بناء الفكرة في البرامج ثلاثية الأبعاد، ثم توليد البدائل المختلفة لتصميم ما وتقييمها والمفاضلة بينها لاختيار الأفضل والأنسب لهدف التصميم حتى نصل إلى استخدام بعض الأدوات في مرحلة إنشاء المباني وتشغيلها فيما بعد، مما يسمح للمهندسين المعماريين بالتركيز بشكل أكبر على التفكير التصميمي أو الجوانب المعقدة والإبداعية لعملهم، إضافة إلى تقليل الوقت المستهلك في العمليات التي كانت تتطلب الكثير من الوقت في الماضي باستخدام الطرق التقليدية.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على توليد الصور فقط كما يعتقد بعضٌ، ولكن له إمكانيات متعددة أخرى مثل توليد مخططات عامة، أو مساقط أفقية مبنية على قوانين، أو قواعد تصميمية معينة. فهناك العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الآن، ولكن يمكننا تقسيمها إلى ثلاث فئات رئيسية في الهندسة المعمارية: الذكاء الاصطناعي التوليدي، ونماذج اللغات الكبيرة، وأتمتة التصميم.

فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي التوليدي، نستشهد بالبرنامج الأكثر شهرة (ميدجورني) وقدرته على خلق إمكانيات تصميم جديدة وتنوعات مبنية على مجموعة كلمات نصية. ويساعد في استخدام الكلمات المناسبة وتحديد معايير معينة للتحكم في النتائج المولدة، كما يساعد بشكل كبير في تنمية خيال المهندس المعماري بمفاهيم جديدة ودمج مفهوم واحد أو أكثر معًا مثل الوحي من الطبيعة أو دمج أكثر من نمط معماري، وينتج عن هذه العملية صور ببدائل متعددة يمكن أن تكون مختلفة عن البيئة المبنية الحقيقية وتساعد في تطور وبناء الفكرة. كما يمكن للبرنامج تحويل رسم بسيط أو سكتش معماري إلى فكرة مطورة باستخدام الكلمات المناسبة التي تشرح تفاصيل الفكرة لغويًّا فيحول البرنامج كل كلمة إلى صور مترجمة للنص. ومن التجارب الشخصية فقد ساعد استخدام هذه الأدوات في رؤية العمارة الإسلامية من منظور جديد وبناء مكتبة مرئية مختلفة عما نراه في البيئة المبنية الحديثة أو التاريخية. فقد اعتمدت على إظهار مبادئ العمارة الإسلامية أكثر من تقليد الأشكال النهائية للعقود أو الأنماط الإسلامية كما هي في السابق.
وكمثال على دور نماذج اللغات الكبيرة في تحليل البيانات والنمذجة التنبؤية، نستشهد ببعض الأدوات الأكثر شهرة مثل ChatGPT الذي يساعد في مرحلة البحث والاطلاع على إيجاد المصادر من الكتب والإنترنت، وقد تطورت الإمكانيات الآن إلى تحليل النص والصور مثل الخرائط والرسومات. وفي جانب أتمتة التصميم نرى في مجال الإنشاء روبوتات البناء التي تعمل على أتمتة عمليات البناء المختلفة، وهو ما يعزز الدقة والسلامة والإنتاجية. يمكن للروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي أداء مهام مثل: البناء بالطوب، وصب الخرسانة، والطباعة ثلاثية الأبعاد حيث يفهم الروبوت إحداثيات الجدران، ويبدأ في صب الطين أو أي مادة صديقة للبيئة كخلط الرماد والخرسانة على سبيل المثال. وستغير هذه التكنولوجيا بشكل جذري سرعة البناء والتكلفة والإبداع.
ليست معركة بين الإنسان والآلة
في المقابل لا تخفى علينا السلبيات التي قد تنتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي كحال الاعتماد الكلي على أي تكنولوجيا أخرى مثل الاعتماد على ركوب السيارة أكثر من المشي والتريض واستخدام الآلة الحاسبة أكثر من استخدام العقل للحساب؛ لذا لا ينبغي أن نستخدمها بشكل مفرط بما يؤثر في إبداع الإنسان ومهاراته. ومن السلبيات الأخرى الواضحة أن كل أداة مُبَرمَجة على مجموعة صور أو مجموعة قوانين، وقد نرى كثيرًا منها منحازًا أكثر للعمارة الغربية بينما توجد أمثلة معدودة تعبر عن ثقافتنا العربية والإسلامية. فمحدودية المعلومات الموجودة في كل أداة على حدة تضطر المصمم للتنقل من أداة إلى أخرى لتنفيذ فكرة معينة لتحقيق أقصى استفادة.
أدت تلك المعلومات المحدودة إلى تكرار كلمات معينة في النص، وأصبحت معظم المقالات، أو الكتابات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي مشابهًا بعضها بعضًا؛ وذلك لاستخدام أدوات التدقيق اللغوي نفسها وتصحيحها بالأسلوب نفسه. وعلى صعيد إنتاج بدائل الصور فمحدودية المكتبة الخاصة بكل أداة أدت إلى تكرار التصاميم، وبخاصة تلك التي تظهر وكأنها مبانٍ نحتية غير واقعية، مما يبدو وكأننا ندور في حلقة، حيث يتضاءل عنصر التحديث تدريجيًّا، وهنا يكمن الركود الإبداعي لهذه الأدوات. فحتى الآن يُعَدّ الذكاء الاصطناعي محدودًا، فهو مقيد بكمية البيانات المدخلة إليه، ويزيد ابتكاره بزيادة هذه البيانات، ولكنه يفتقر إلى مهارة الابتكار والتعاطف وفهم مستخدم المكان والإحساس والمشاعر الطبيعية للبشر. هذه المهارات تنبع من التجارب الحياتية والخبرات التي لا يمكن للآلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي أن تحاكي البشر بشكل كامل حتى لو جرى برمجتها كليًّا بكل المعلومات المتاحة لتنفيذ مهمة ما.

والأمر الآن لا يتعلق بمن سيفوز في معركة الذكاء الاصطناعي: هل الإنسان أم الروبوت؟ ولكن الهدف هو الموازنة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في العمارة، على عكس الثورات الصناعية السابقة التي ركزت في المقام الأول على الأتمتة واستبدال العمالة البشرية بالآلات، لتؤكد الثورة الصناعية الخامسة التعاونَ بين البشر والذكاء الاصطناعي. بإدارة الاستخدام المناسب للتكنولوجيا والتركيز على تعزيز الجوانب الإيجابية لها، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكًا قيمًا للإبداع البشري وتعزيز التقدم في مجالات الفن والتصميم المعماري، وهو ما يؤدي في النهاية إلى مستقبل يزدهر فيه التوازن بين التكنولوجيا والإبداع الإنساني.
يرى كثير من المعماريين بعض إيجابيات فتح آفاق جديدة للذكاء الاصطناعي عند إدخال هذه التقنية للعملية التصميمية أو الإنشائية جنبًا إلى جنب مع ما يتميز به التفكير البشرى لحل مشاكل معينة في تصميم ما لمبنى معين أو منطقة معينة. فمن الواجب عند استخدام أي تقنية جديدة بطريقة حكيمة ودمجها بالشكل المناسب في أي مجال أو تخصص. وهو التكامل نفسه بين برنامج CAD وBIM واعتبار المبنى كيانًا واحدًا متعدد الأنظمة، ومن ثم البرمجيات البارامترية التي تساعد على دمج الرياضيات والأتمتة في التصميم. الآن نشهد دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، وأعتقد أن هذا سوف يرفع مستوى مجال الهندسة المعمارية بطريقة أعلى في التصميم والبناء، وسيوفر الوقت ويعزز التحسين.
المراجع:
غوميث، إيميليو. «أشعار عربية على جدران قصر الحمراء ونوافيره». ترجمة خالد الريسوني.
Hyland، Garth.Diraiyah – a photographers Study –
النويصر، محمد. خصائص التراث العمراني في المملكة العربية السعودية (منطقة نجد) دارة الملك عبدالعزيز.
دارة الملك عبدالعزيز.
النقوش الجصية الحسائية- سلسلة دراسات التراث العمراني الوطني (1).
سوق القيصرية- أمانة الأحساء.
الوايل، سعيد. الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.
وزارة المعارف، بيت نصيف جدة، مؤسسة المشهور للمعدات.
السيد، قاري. ملامح من التراث العمراني في محافظة الطائف.
أبو زيد، عبدالعزيز. المعماريون في جدة القديمة.
خطابي، صالح. الأعمال الخشبية في العمارة التقليدية بمنطقة المدينة المنورة.
هوامش:
(1) هيغل، «فن العِمارة»، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، 1979م، ص ٢٠-٢١.
(2) راسكن، جون، «القناديل السبعة في العمارة»، ترجمة محمد يسار عابدين وزاهي نديم رستم، 2024م، ص ٣٥.
(3) كنان، بريجيت، «دمشق القديمة وكنوزها الدفينة»، ترجمة محمد علام خضر، دار رسلان: دمشق، 2011م.
(4) كبريت، زكريا محمد، «البيت الدمشقي خلال العهد العثماني»، الجزء الثاني، مؤسسة الصالحاني، دمشق، 2000م، «النموذج الثاني مسكن الطبقات المتوسطة الدخل، بدون باحة ويتألف من قسم استقبال وخدمات في الطابق الأرضي وقسم للمعيشة فوقه في طابق مستقل، النموذج الثالث مسكن الفقراء الريفيين القادمين إلى دمشق واستقروا في أطراف المدينة وهو مسكن (الحوش) يضم هذا النموذج وحدات سكنية عدة تسمى« بيتًا» وهي غالبًا غرفة تسكنها عائلة واحدة، وأما فراغ الباحة أو الحوش استعمل كفراغ عام للاستقبال ومعيشة ومطبخ وممر لكل أفراد العائلات المتجمعة في «الحوش».
(5) انظر: عبدالسلام، محمد أحمد محمد، «الغرف الدمشقية العثمانية ودورها في إثراء العروض المتحفية وحفظ التراث السوري المادي واللامادي، دراسة متحفية تراثية»، مجلة البحوث والدراسات الأثرية، العدد الرابع عشر، جامعة المنيا، 2024م.
(6) انظر: الشهابي، قتيبة، «زخارف العمارة الإسلامية في دمشق»، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1996م.
(7) انظر كبريت، زكريا محمد، «البيت الدمشقي خلال العهد العثماني»، الجزء الثاني، مؤسسة الصالحاني، دمشق، 2000م.
(8) Weber, Stefan, “Images of Imagined Worlds: Self-Image and Worldview in Late Ottoman Wall Paintings of Damascus,” in The Empire in the City: Arab ProvincialCapitalsin the Late Ottoman Empire, eds. Jens Hanssen, Thomas Philipp, and Stefan Weber (Beirut: BTS 88, 2002), 145-171.
(9) انظر: كبريت، زكريا محمد، «البيت الدمشقي خلال العهد العثماني»، الجزء الثاني، مؤسسة الصالحاني، دمشق، 2000م.
(10) انظر: بهنسي، عفيف، «جمالية الفن العربي»، عالم المعرفة، الكويت، 1979م.
(11) syrian-heritage.org
(12) روكوكو من Rocaille، وتعني الحصى. طراز زخرفي بطابع أرستقراطي، يعتمد في التزيين الداخلي والنوافير باستعمال الحصى والأصداف، يمس الهندسة المعمارية والنحت والتصوير، عُرِف في فرنسا، باريس بداية، خلال القرن الثامن عشر في عهد لويس الخامس عشر، وانتشر في بلدان أوربية أخرى، ألمانيا والنمسا خاصة.
(13) باروك، من مصدرها البرتغالي Barroco، حركة فنية مناهضة للكلاسيكية، تتميز بالضخامة والتفاصيل المثيرة، نشأت خلال القرن السابع عشر في إيطاليا، وانتشرت في البلدان الكاثوليكية: النمسا، وإسبانيا، وبافيير، وأميركا اللاتينية.