صناعة النخب في الوطن العربي
صورة النخب وجدل الأدوار

محمد شوقي الزين – باحث جزائري
مثل المنطوق الأوربي (elite)، تنطوي مفردة «النخبة» في اللسان العربي على فكرة الانتخاب أو الاصطفاء باختيار الأفضل والأمثل من بين الأشخاص الذين لهم الكفاءات في إدارة الشأن العام في مختلف تجلياته العملية: الإدارة، والسياسة، والاقتصاد، والمعرفة. ومن ثمة فإن أبسط تعريف لمفردة «النخبة» هي الأقلية التي تمتاز بقدرات وملكات، وتمارس السلطة المادية (الإدارة، والسياسة، والاقتصاد) أو الرمزية (المعرفة، والقيمة، والدين)، وتركز الموارد المادية والبشرية في الاضطلاع بهذه المهمة التنظيمية. وعندما نقول «أقلية» لها الكفاءات، فإنا نستنتج بأن «الأغلبية» هي التي تمارس عليها هذه السلطة المادية أو الرمزية. كذلك، عندما نقول: إن النخبة هي الأقلية التي تتميز عن الأغلبية بأن تمتاز بقدرات تعد سامية وربما عبقرية، فإنا نضع في الحسبان أن هذه الأقلية لها مواقع النفوذ، ومصالح، ومزايا، سواء أكانت مادية أم رمزية.
السلطة والسيادة
وعليه، فإن مفردة «النخبة» تتطلب آليًّا الفاصل بينها وبين العامة، وهو فاصل جذري كما بين البر والبحر. وهي ثنائية بين «القائد» و«المقود». فالنخبة لها إذًا القيادة (ترأس) مثلما لها السيادة (تهيمن)، تبعًا لطبيعة هذه النخبة إذا كانت سياسية أو عسكرية، فهي «ترأس أو تقود» بمختلف الوسائط الإدارية والبيروقراطية التي تسخرها؛ وإذا كانت دينية أو اقتصادية، فهي «تهيمن» بمختلف المرجعيات المقدسة والروحية التي تتكئ عليها أو بمختلف الشركات ورؤوس الأموال والبنوك التي تتولى إدارتها، ثم إن مفردة «النخبة» تطرح مشكلة الأشباه والنظائر. من هذه النخبة؟ هل هي النخبة الإدارية المتخرجة في المدارس العليا، ومن المعاهد المتخصصة في الإدارة، التي على عاتقها تنظيم القطاعات الحيوية للدولة وتسييرها؟ وهل هي النخبة الثقافية والفكرية والدينية التي تتلخص في مجموع الكفاءات النظرية والعملية من تدريس، وتأليف، ونشر، وتوزيع، ووعظ، وإفتاء، ومراقبة السلوك العام؟ وهل هي كذلك البورجوازية التي تستولي على وسائل الإنتاج (كما تذهب الماركسية) أم الأرستقراطية التي كانت بالأمس مجتمع النبلاء والتي هي اليوم المجتمع التكنوقراطي (أوليغارشية) الذي يستولي على المعرفة التقنية وأدوات التواصل، ومجتمع الأثرياء (بلوتوقراطية) الذي يستحوذ على وسائل الربح ومصادر تخزينه وتوزيعه مثل: البنوك والبورصة والشركات المتعددة الجنسيات؟ وهل هي مجموع الفاعلين علميًّا من أطباء، وباحثين، ومدرسين، ومهندسين؟ وهل هي مجموع الفاعلين اقتصاديًّا من تجار، ومقاولين، ومصرفيين، وسماسرة؟ وهل هي مجموع الممثلين تنظيميًّا من نواب في البرلمان، وعمداء البلديات، ورؤساء المحافظات، ومديري المؤسسات، ووزراء، ومستشارين؟ وهل هي مجموع الممثلين فنيًّا من مشهوري الفن، والرياضة، والسينما، والثقافة؟
ينبري من هذه الأشباه والنظائر مسألتان على الأقل:
الأولى، إن النخبة هي دائمًا ما «يتميز» عن البقية بزائدةٍ يمكنها أن تكون معرفة أو حظوة أو ألمعية. هناك إذًا «سادة» من جهة، و«سواد» من جهة أخرى على أساس تراتبي بين فاعل ومفعول أو بين قائد ومقود. والثانية، إن النخبة، بما هي تتميز عن البقية بشيءٍ من قبيل العبقرية أو التفوق، هي محطّ استهجان إذا كانت «تتسلط» بالأدوات التي تحتكرها (مثلًا، الأدوات الرأسمالية في إغناء أصحاب الأسهم وإفقار العوام) أو محط استحسان إذا كانت «تسود» بالقيمة الرمزية التي تكتسيها (مثلًا، عالم حائز على جائزة نوبل أو مفكر أو كاتب أو إمام).
بهذا المعنى، صارت مفردة «النخبة» محل ازدراء إذا كان المراد بها «التسلط» والاحتكار والمضاربة والاستغلال، وقد تكون محل احتفاء إذا كان المراد بها «التسيد» والتوزيع العادل للثروات والمساواة في الحقوق والواجبات بين الناس. والعلاقة بين السلطة والسيادة هي عكسية وشبه رياضية: كل من يتسلط لا يسود كالمارقين والجائرين، وكل من يسود لا يتسلط كالأنبياء والحكماء والعظماء، شيء شبيه بما قاله الحكيم الصيني لاوتسي: «الإنسان السامي شديد البأس لكن لا يقسو؛ حاد مثل السيف، لكن لا يجرح؛ صريح، لكن لا يهين؛ ساطع، لكن لا يتألق». ويصعب أن يجد الواحد في النخبة هذه الفضائل السيادية التي يقطن فيها البسط في عين القبض، «بوجود الضد في عين ضده» (ابن عربي)؛ لأن المراد من ذلك أن تكون النخبة صارمة في أداء الأدوار المصيرية لكن سخية ونبيلة، «عقل صلب وقلب رؤوف» (جاك ماريتان).
وهذه المواصفات التي قد تتوافر في النخبة، يمكنها أن تكون حصيلة تحالف بين حدي المثلث البلاغي الذي سنه أرسطو في علم الخطابة. إما التحالف بين العقل والطبع، الذي يعطي السيادة، وإما الائتلاف بين التأثر والطبع، الذي يعطي السلطة. بعبارة أخرى، إما أن نقصي العقل ونستعمل الانفعالات والعواطف في سياسة الحشود؛ وإما أن نستبعد العواطف ونستعمل العقل والحكمة العملية في إدارة الشؤون العامة. في الحالة الأولى، تتسلط النخبة وتستعمل مفعول الحمية في قيادة الجموع الغفيرة وكل ما يترتب عن ذلك من شعبوية وتضليل؛ وفي الحالة الثانية، تتسيد النخبة وتستعمل التعقل والروية في إدارة الشؤون العامة وتصاحب المجتمع نحو تنويره وتحريره.
الإستراتيجية والتكتيكية
جاء هذا الفاصل الحاد بين النخبة والبقية من ناحية أن العلاقة بينهما هي مثل العلاقة بين الصخرة الصماء والسيل الجارف. في كل «نخبوي» ثمة الصلب، والصارم، والجاد، والمتفوق، والقائم على أسس متينة من التكوين أو الموالاة. نسمي «الإستراتيجية النخبوية» هذه، الطريقة في صناعة النخب التي تخطط، وتستشير، وتداول، وتقرر، وتنفذ (صناعة القرار) بمعية أو على خلفية مؤسسات أسهمت في صناعتها، أي في تكوينها وتدبيرها وغرس روح المبادرة أو الولاء فيها. على الخلاف من ذلك، في كل «عامي» ثمة اللين، والبسيط، والساذج، والأصيل، والفار، والشريد الذي ينفلت والذي تستعمل إزاءه النخبة أدوات الضبط، والحصر، والمراقبة من أمن وقضاء وإعادة تأهيل؛ لأنه مثل الماء الجاري الذي يتطلب الحواجز والسدود.
نسمي «التكتيكية العامة» السلوك العفوي والجماعي الذي ينفلت بطبعه من الضوابط، ويمقت القواعد والقوانين، ويسعى لأن يخط لذاته نقاط التلاشي أو أخاديد الفعل الحر. يفسر هذا الأمر الصدام الحاصل بين النخبة والبقية الذي يتمظهر من الأولى في الاستبداد ومن الثانية في العصيان على مر العصور وفي أقاليم عدة. ومن يتأمل في المسألة يجد أن العلاقة بين النخبة والبقية تقوم في الغالب على هذا العراك بين من يسن القواعد والقوانين لتنظيم المجتمع ومراقبته، وبين من يسعى للإفلات من هذه الإكراهات التي يؤولها على أنها أدوات قسرية تستعملها النخبة للذود عن مصالحها أو إذا تحدثنا مثل الماركسية، نقول: إنها «طبقة اجتماعية» تستخدم وسائل الإنتاج لضمان نفوذها وسيطرتها على البقية. لكن، لا يمكن تفسير الصراع بين النخبة والبقية على أساس اقتصادي صرف.
هناك بالأولى حدود تتفق أو تفترق تبعًا للمعطيات والظروف الملائمة. مثلًا، تلجأ النخبة، التي تتولى مسؤولية إدارة الدولة، إلى تغليب «العسكري» إذا كانت مصالحها تقتضي ذلك، أو تغليب «السياسي والدبلوماسي» إذا كان الأمن العام والسلم العالمي يترتب عن ذلك. وهذان المعطيان (القوة أو السياسة) يستقلان بمنطقٍ لا يمكن إرجاعه دائمًا إلى الاقتصاد. تمامًا مثلما أن النخبة الثقافية أو الدينية تستقل بإطارٍ فكري أو مذهبي أو بمشروعٍ تعمل على غرسه في المجتمع أو ترويجه في الرأي العام، الذي قد يتنافى أحيانًا مع الوجهة التي يتولاها المجتمع بناءً على قيم أو أصولٍ هو متمسك بها لأنه متطبع عليها بحكم الانتماء التاريخي والجغرافي والثقافي.
وقد تكون وسائل النخبة في الترويج هي الإعلام، والإشهار، والدعاية، وهو ما يخلق توترًا بين نخبة تعي امتيازها عن البقية، وهذه البقية التي ترى بعين الريبة المخططات التي تطبق عليها. لكن، هل يمكن دائمًا إسناد نيات قبيحة لدى النخب؟ ألا تسعى بعض النخب إلى مرافقة المجتمعات نحو تنويرها، والوعي بحقوقها وواجباتها، والدفاع عن مكتسباتها، عبر المجتمع المدني مثلًا.

العقل الكثيف والعقل اللطيف
مدار الحديث عن العلاقة بين النخبة والجمهور هو الفاصل بين امتياز موهوب فطريًّا أو مكتسب بالتكوين والامتحان أو التوريث، وبين العامة التي غالبًا ما ينظر إليها على أنها كتلة منزوعة النباهة وما يترتب على ذلك من نعوت مستخفة: رعاع، ودهماء، وسوقة،… إلخ. لكن مهما كانت مواهب النخب أو مكاسبها، فإن الغالب في نمط إدارتها للمجالات الحيوية هو خضوعها لما سميناه «مكْننة» العالم. معنى ذلك أن نمط مقاربتها للأشياء والوقائع، وطبيعة قراءتها للسياقات والوضعيات، وطريقة تطبيقها للبرامج والمناهج هي على العموم بإيعازٍ من «العقل الآلي أو التقني» الذي هو عقل حسابي، يكتفي بالعد والإحصاء والتنسيق والجدولة والبرمجة، ويلقي بظلاله على جميع الحقول والميادين، في الإدارة، والاقتصاد، والسياسة، والمعرفة. حصيلة ذلك هي أن مقاربة المجتمع ستكون مقاربة آلية بترجمة الوقائع إلى رموز رياضية، وتحويل الأفراد إلى أعداد، وعد المجتمع فضاءً هندسيًّا تجوبه نقاط هي الأفراد والجماعات.
بهذا التصور الآلي فإن المجتمع يفقد من قيمته فضاءً دلاليًّا وثقافيًّا يؤدي فيه المعنى دورًا بليغًا. ولعل هذه من خطايا النخب، التي تفسر الهوة السحيقة بينها وبين الجمهور، وعنيت بذلك تجريد الأفراد والجماعات من التمثلات والرغبات والرؤى التي تحملها عن الحياة وعن العالم، باختزالها في سلالم عددية ورمزية تبرز هيمنة العلم الإيجابي (الوضعي) بحجة المقاربة الموضوعية للوقائع والأفراد. ومن ثمة، فإن عزل موضوع الدراسة، وإن كان «ذاتًا» كالأفراد في المجتمع، يجعل الذات الدارسة والعالمة في مقام «النخبوية»، أي في مقام السلطة. وأحسن من عبر عن ذلك هو ميشال فوكو في تحليله لنظرة العيادي للذات العليلة، وبشكل موسع نظرة الجنائي للذات السجينة، ونظرة التربوي للذات المتعلمة، إلخ.
إن العقل الآلي الذي تستعين به النخبة في قراءة الواقع وتفسيره هو ما ننعته بـ«العقل الكثيف» ومرادفات الكثافة من فظاظة وجفاف، من حيث إن المعيار الذي تستعين به النخبة هو المعيار الذرائعي في أولوية الوسائل على الغايات، حيث الوسائل هي الوسائط التنظيمية التي تنتهي بأن تصير نفعية وربحية (الشكل)، والغايات هي القيم الإنسانية (المعنى).
وتنخرط في القيم الإنسانية ما نسميه «العقل اللطيف» ومرادفات اللطيف من: ناعم ووقور، وهو الذي يؤديه «العقل الفهيم». الفاصل بين العقلين (الكثيف أو الآلي، واللطيف أو الفهيم) قديم قدم الفكر ذاته، ولعل أول من أبرزه في العصر الوسيط هو توما الأكويني بالفاصل الذي أجراه بين العقل المحض الذي يدرك الأمور بساطةً وحدسًا، ويتقاطع في ذلك مع «الوجدان» (العقل اللطيف)، والعقل المركب الذي يدرك الأمور نظريًّا وهو الأقرب إلى «البرهان» (العقل الكثيف). شايعه في ذلك نيقولا دي كوزا أو الكوزاني الذي ينظر إلى العقل النظري على أنه شكل متدهور ومتردّ من العقل المحض. ولم تكن الانتقالات المعرفية من العصر الحديث إلى اليوم سوى سرديات «التدهور» المشهود للعقل في مساره الحثيث نحو التقدم.
ربما كانت البدايات محمودة بالتحالف مع العلم الذي أتاحته التجربة والرؤية السببية للعالم. لكن ما إن تحالف العقل مع التقنية، فإن «التدهور» تضاعف وكشف عن المكْننة والآلية التي كان يتوجه نحوها العالم، ومعها تقسيم العمل إلى يدوي وصنائعي في صورة «العامل»، وإلى إداري وتقني في صورة «الخبير». وعليه، فإن التدهور لم يمسّ فقط تقسيم العمل وما ولده من تفاوت اجتماعي وطبقي منذ عصر التصنيع (القرن التاسع عشر)، بل مس كذلك النخبة ذاتها التي تطبعت على النظرة الآلية للعالم التي تبدي انعكاسات مهولة من جانبين: الأول، التنظيم الاقتصادي والاجتماعي بـ«مكْننة» العمل و«تقْنوة» العمليات، والنتيجة هي ارتفاع معدل البطالة والتهميش أو أولوية الوسيلة في تعزيز الربح على الغاية التي هي الإنسان. والجانب الثاني، تنظيم الأمن القومي بتصاعد دواعي التسلح من جراء الأزمات التي تندلع في هذا الإقليم أو ذاك وما يترتب على ذلك من تأمين القطر وتعزيز حماية المواطنين.
ندرك جليًّا أن «العقل الكثيف» يغذي بواعث تدهوره وتسْهم النخب في التعجيل من هذا التقهقر ما دامت المعادلة التي تسلكها هي أولوية الوسائل (الذرائعية) على الغايات (الإنسانية). كما أنا ندرك غياب (أو تغييب) «العقل اللطيف» الذي به يكون السلم العالمي والتفاهم الدولي. لماذا إذًا أخفق العقل اللطيف في أداء مهامه وطغى العقل الكثيف المولد للأزمات والمصائب ما دام أنه يغذي ما يسعى أساسًا لاستبعاده وتفاديه وهو التدهور الحاصل في مساره التاريخي والحضاري؟
المجتمع الخليجي وصناعة النخب… الوسائل والصعوبات!

محمد الرميحي – أكاديمي وكاتب كويتي
يقدم لنا الاجتهاد التاريخي الإنساني نظريتين في تطور المجتمعات: إما أن تتطور تطورًا دائريًّا، كما ذهب ابن خلدون لتفسير قيام الدول وانهيارها، أو هي تتطور تطورًا تصاعديًّا، ولم يستقر البحث العلمي على اتفاق بين النظريتين، فكل منهما لها ما يثبتها في التاريخ البشري.
المستقر عليه أن النخب هي التي تقرر أو تساعد في ذهاب المجتمعات إما إلى صيرورة دائرية أو إلى صيرورة تصاعدية. والثابت أن المجتمعات لا تبقى على حال لزمن طويل، وعدم بقائها على أي من الحالين هو نتيجة لسلوك وتصرف النخب فيها، وبخاصة النخب القائدة في السياسة والاقتصاد والدين والعسكرية.
لذلك دراستنا عن دور النخب بشكل عام في مجتمعات الخليج (دول مجلس التعاون) تواجهها منهجيًّا العديد من العوائق، ربما بسبب غموض المصطلح نفسه وعسر تطبيقه على هذه المجتمعات. فالنخبة بشكل عام كمصطلح تعني «مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة في التأثير من غيرهم على تطور الأحداث في مجتمعهم». إن أخذنا بهذا التفسير العام، نستطيع أن نلج إلى موضوع (النخب في الخليج ودورها في التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي) بشكل أفضل.
نخب دول الخليج بشكل عام تغيرت طبيعتها بتغير النظام (الاقتصادي والاجتماعي)؛ فنحن أمام مرحلتين فاصلتين: الأولى، خليج ما قبل النفط، والثانية، خليج ما بعد النفط، على الرغم من أن بعض النخب استمرت في التأثير بطريقة أو بأخرى في الحالة الأولى والثانية، لأسباب تراثية عابرة للحقب.
نخب ما قبل المرحلة النفطية
كان لمجتمعات الخليج نسب في البر وفي البحر سبب، أي أنها إما بادية ومناطق زراعية محدودة، أو هي تستقي معيشتها من البحر، مثل صيد اللؤلؤ والسمك، والتجارة البحرية وصناعة السفن الصغيرة. وكانت مجتمعات شبه معزولة عن العالم الخارجي، تتصل بالجوار الإيراني أو الهندي وشرق إفريقيا. كما أن نظامها الاقتصادي (الصحراوي/ البحري) استمر لقرون طويلة، فهناك شواهد في كتب التاريخ، التي كتبت قبل مئات السنين، أن النشاط الاقتصادي لمنطقة الخليج استمر كما هو دون تغيير لحقبة زمنية طويلة مع إنتاج النسيج الاجتماعي نفسه بقواعده السلوكية والثقافية.
لذلك نجد أن النخب بالمصطلح المتداول اليوم في وقتها كانت أولًا قليلة، وثانيًا تقليدية، فهي تعتمد على التكوين القبلي في التنظيم الاجتماعي. وكان شيخ القبيلة أو شيوخ القبيلة، القليلون هم من يقررون أو يؤثرون في الأحداث، يقيمون التوافق أو يعلنون الحرب على الآخرين المنافسين، كما أنهم في الغالب من يحتكرون الثروة، سواء كانت ثروة غير منقولة، حيوانات وبساتين، أو منقولة مثل المال والسفن.
في الساحل الخليجي الذي يتعامل مع البحر، فإن أهل النخبة هم من جديد شيوخ القبائل الذين تحولوا إلى حكام، والتجار المهيمنون على الثروة المنقولة أو الثابتة، يساعدهم نخبة يمكن تسميتها بالدينية، وهم من أصاب شيئًا من التعليم الديني في بلاد مثل الأحساء التي كانت مقرًّا للتعليم الديني في ذلك الوقت.
هذه النخب كانت تتفاعل مع بعضها من أجل ضبط قواعد التعامل المجتمعي، التي كانت في الغالب تقليدية ومحافظة وهرمية، ولم تكن مطلة على العصر إلا في بداية القرن العشرين، بعد أن قُدّمت إصلاحات في بعض البلاد، التي كانت بريطانيا قد بسطت عليها نفوذها، مثل المواني المختلفة، كمسقط ودبي والبحرين والكويت والدوحة. شهدت تلك الحقبة ضغوطًا بريطانية للقيام بإصلاحات، من بينها تحرير العبيد. شجعت السلطات البريطانية على تحرير العبيد، وكان كل من يلجأ لقنصلياتها في تلك الحقبة في السنوات الأولى من القرن العشرين، يسلم ورقة تحرير، كما توصف، ويمكن أن يعود إلى أسياده دون أن يكون لهم الحق في بيعه. وقد بقيت مظاهر تلك العبودية في معظم أرجاء الخليج حتى النصف الثاني من القرن العشرين. كما نَظّمت السلطات البريطانية العلاقة بين الغواص وأصحاب السفن، (النواخذة). لكن كانت تلك الإصلاحات محل معارضة ورفض من النخب، وجرت محاولات من أجل الاتفاق عليها، إلا أن تلك الإصلاحات في النهاية -ومع دخول عصر النفط- استقرت واتخذت السلطات البريطانية طوال نفوذها الأكثر تدخلًا (في النصف الأول من القرن العشرين) خطوات لدفع إصلاحات محدودة.
النخب الخليجية بعد اكتشاف النفط
اختلف تاريخ دخول الدولة الخليجية الحديثة إلى عصر النفط؛ بعضها اكتشف النفط فيها مبكرًا وبعضها متأخرًا، وامتدت تلك الحقبة بين ثلاثينيات القرن الماضي حتى ستينياته. لكن بيع النفط وتسويقه بدأ تقريبًا في أربعينيات القرن، بعد انتهاء الحرب العظمى الثانية، وكانت الكميات المنتجة في البداية قليلة والأسعار متدنية، وبمرور الوقت أصبحت الكميات المنتجة أكبر والأسعار أعلى من السابق، وتدفقت ثروات ضخمة أنتجت ما عرف لاحقًا بالمجتمع الريعي، الذي كتب في نواقصه كثير من مثقفي الخليج المستنيرين.
في هذه المرحلة، بدأ العصر التنظيمي الحديث في دول الخليج من خلال بناء هيكل الدولة الحديثة الذي بدأ متواضعًا، ثم اشتد عوده مع مرور الزمن. بنيت المدارس، وهي في الحقيقة بدأت مبكرًا قبل العصر النفطي، نتيجة وعي مبكر في بداية القرن العشرين، ولكنْ بعدد قليل جدًّا، كما في البحرين والكويت في عشرينيات القرن العشرين، أما بعد اكتشاف النفط فقد اتسع نطاق وخدمات التعليم للبنين والبنات، وقد وجد تعليم البنات مقاومة اجتماعية في البداية، إلا أنه سرعان ما انتشر.
ظهرت بعد النفط نخب جديدة غير معروفة من قبل في المجتمع الخليجي. مثل: الموظفين الذين احتاجتهم الدولة الحديثة، ورجال الأمن، ورجال الجيش، والمتعلمين الجدد، الذين تخرجوا في الجامعات في الداخل والخارج، وشهدت ستينيات القرن الماضي وصول أول دفعات الخريجين الجامعين وتلاهم في السبعينيات وصول الخريجين من حملة الدكتوراه من البلاد العربية والأجنبية.
في هذه الحقبة أيضًا، منذ النصف الثاني للقرن العشرين، شهدت دول الخليج ظهور طبقات اجتماعية جديدة منها عمال شركات النفط، ودخلت هنا عملية تنظيم الوقت، وصرف مرتبات مالية منتظمة، عكس نشاط الغوص مثلًا، الذي لا يمكن لأحد أن يعرف كم من الدخل يمكن أن يحصل عليه الغواص في آخر الموسم!
التحقت نخب جديدة، رجالًا ونساء، بسلسلة المرتبات، أي من يحصلون على مرتبات منتظمة، وكثر رجال التعليم الحديث، وحاملو السلاح الحديث (شرطة وجيش) مع وجود النخب القديمة ومنها شيوخ القبائل، الذين تحولوا إلى حكام، وأيضًا رجال الدين، الذين حصل بعضهم على شيء من التعليم الديني في المعاهد الدينية العربية كالأزهر، والتجار الذين اتسعت أمامهم فرص العمل والتجارة في سلع لم تكن معروفة، كما اتسعت طبقتهم بسبب فرص العمل والتجارة والمقاولات التي سهلتها المداخيل النفطية في الدولة الحديثة.
هنا نجد أن المجتمع أصبح فيه تنافس بين النخب، نخب حديثة تريد تطوير مجتمعها، منها الخريجون وبخاصة خريجو الجامعات الخارجية، والتجار الجدد، ورجال الشرطة والجيش وأيضًا النخب التي قدمت من الخارج وبخاصة العربية التي كان الاقتصاد الحديث يحتاجها، وهم المدرسون والأطباء والمهندسون، والموظفون الفنيون الذين تحتاجهم الخدمات الحديثة في مجال الكهرباء والمياه وشق الطرق.
هذه النخب العربية القادمة من الخارج، أثرت كثيرًا في المجتمع الخليجي الجديد، وبخاصة في طلاب المدارس، فعرفت مجتمعات الخليج أشكالًا من الاجتهادات السياسية التي كانت تموج بها الدول العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، كالبعث والقومية العربية والأحزاب الدينية.

صناعة النخب في الخليج
صنعت النخب الحديثة في الخليج في المدارس الحديثة، واشتركت في صناعتها ثلاثة عوامل: الأول، إهمال الدولة لأهمية التعليم وتأثيره في المجتمع، والنظر إليه على أنه عمل حكومي روتيني يُنتِج موظفين للدولة الجديدة. والعامل الثاني، المبني على الأول، أن التعليم ترك لجماعات الإسلام السياسي، التي ملأ منتسبوها المدارس، فوجدت قيادات ذلك التيار ملجأ آمنًا لها ولمؤيديها، وتركت تلك الجماعة حرة في تكوين وعي الشباب. وبما أن الدولة الخليجية محافظة فلم يكن هناك تناقض بين ما تدعو إليه تلك الجماعة، والصالح العام.
العامل الثالث هو ما مرت به مجتمعات الخليج، بعد اكتشاف النفط، من اختلال في المفاهيم نتيجة التغير الفجائي والجذري بين ما كانوا عليه، وما أصبحوا فيه. هذا الاغتراب سهل استقبال الأفكار التراثية للتخلص من ذلك الشعور الاغترابي. وأصبح الشعور الديني عامل توازن في شخصية الخليجي، فأُعلِيَ مِن الأفكار الدينية على أنها المخلص من ذلك الاغتراب.
النخب التي يمكن أن يطلق عليها (مستنيرة أو تقدمية) وهي التي حصلت على تعليم في الغرب، في الغالب انقسمت إلى ثلاث شرائح: الأولى، التحقت بالمحافظين وقدمت لهم حججًا منهجية مستخدمة في الغرب لتطوير دعاواهم، والثانية التزمت الصمت وركزت على تخصصاتها الفنية، والثالثة وهي الأقل عددًا فضلت المواجهة، وكانت مواجهة صعبة، وصلت إلى حد تكفير الأفراد الذين دعوا إلى الانفتاح وتحرير المرأة والتفكير العلمي لتطوير المجتمع. هذا الصراع في مجتمع الخليج استمر وتنامى من خمسينيات القرن الماضي حتى بداية القرن الحادي والعشرين، وكان مُنحناه الأعلى في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حيث ظهر مع ما عرف بالصحوة، وفي جزء منها استفادت من قلق جماعي من ثورة إيران الدينية/ الشيعية فقررت جماعة الصحوة أن تقدم نفسها بديلًا مدافعًا عن كيان الدولة الخليجية.
الدخول في الحداثة
تقول لنا شواهد التاريخ لأمم مختلفة في ثقافاتها: إن الدخول في الحداثة يستلزم أن تغير تلك المجتمعات العناصر التراثية التي تعرقل التحديث، إلى عناصر حديثة مثل الاعتماد على العلم ومراجعة الأفكار التراثية غير العقلانية، فالجماعة التي تستمد معارفها من الماضي تبقى في الماضي، وإن لبست أثوابًا تبدو وكأنها حديثة. ما يمكن تلخيصه أن النخب العاملة على تحقيق النهضة تتطلب تجاوز عدد من المعوقات الثقافية، والاعتماد على العقل والعلم، وعلى قيادات نخبوية لها رؤية، ورجال تنفيذ ذوي كفاءة، حيث يستطيع التائهون في مجتمعاتنا التخلص من متاهاتهم، مع ضرورة مفارقة جبال الأفكار المتخلفة والمعوقة للحداثة.
الأمر يصعب مع الثورة الرقمية التي تقدم لنا المعلومة بسرعة ويسر. ما ينقص هو التفكير النقدي الذي سُلب من النخب، بسبب تلك الثورة الرقمية؛ لذلك تحتاج نخب الخليج إلى تأكيد التفكير النقدي، وبخاصة في الموروث الذي يقدم وكأنه حقائق صلبة لا تناقش، على الرغم من أن المستنيرين، مثل الشيخ محمد عبده، قالوا: إن العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، وإن الأحكام في المعاملات تختلف باختلاف الزمان والمكان.
صناعة النخب وآلياتها

موليم العروسي – باحث مغربي
النخبة هي مجموعة محدودة من الأشخاص المتميّزين غالبًا، يحظون بالسلطة أو النفوذ الكبير في مجال معين، سواء كان في السياسة، أو الاقتصاد، أو الثقافة، أو التعليم. الفكرة الأساسية هي أن هؤلاء الأفراد أو المجموعات، بفضل مهاراتهم أو وضعهم الاجتماعي أو ثروتهم، يمارسون سيطرة أو تأثيرًا على الأغلبية. فيما يتعلق بمنطقتنا العربية، يصبح المرء جزءًا من النخبة وفقًا لعدد من المعايير، وهذا بعض منها: المكانة والنبالة؛ سواء عن طريق النسب أو عبر الانتساب إلى زاوية، قبيلة أو من خلال المستوى الثقافي والفكري.
الثروة؛ يُعَدُّ الشخص جزءًا من النخبة إذا تميز بثروته وما تمنحه إياه أمواله من قوة. فهو بذلك يساهم في تنمية منطقته أو بلده، ويقترب منه المسؤولون الحكوميون. في دول مثل الولايات المتحدة لا يُعَدُّ خطيئة تكوين شبكة من الأشخاص الأثرياء لتمويل حملة انتخابية، والفوز بالانتخابات، وخدمة مصالح المتبرعين بالدفاع عن مصالحهم، لكن في بعض الدول الأخرى مثل فرنسا يحاول المترشحون العثور على طرق ملتوية للوصول إلى الهدف ذاته. أما في منطقتنا العربية، فيُرفع شعار أخلاقي صارم غالبًا ما يكون مبنيًّا على مبادئ دينية هشة لتقديم المرشح في صورة قديس. ولكن من أين يأتي المال الذي يُضَخُّ في الحملات الانتخابية، وكذلك في جيوب الناخبين لشراء أصواتهم؟
غالبًا ما تُستخدم طرق غير قانونية. وبعد مراقبتي لبعض الحملات الانتخابية استنتجت أن كل شيء مباح، من التهديد إلى الفساد. ولا يمكن استثناء أي تيار: سواء كان اليمين أو اليسار، أو الإسلام السياسي.
فالتحكم في شبكة معينة، التجارة غير المشروعة مثلًا، يؤدي إلى تراكم المال وخلق الشخصية البارزة. وتُدعم هذه الشخصيات البارزة في بعض المناطق، حتى في أدنى المستويات، من السلطات المحلية، ليس لأنه مشروع من السلطة المركزية، بل لأنهم يستفيدون من هؤلاء الأشخاص في خدمات محددة. هؤلاء الأعيان الجدد يضعون أصوات الناخبين المحليين تحت تصرف الأحزاب، وهو ما يؤدي إلى انتخاب بعض المستشارين البلديين الذين يضمنون الأصوات في الانتخابات التشريعية، وبالتالي يتحكمون في الخريطة الانتخابية ويوفرون أيضًا البرلمانيين. لكن تكوين نخب أحزاب الإسلام السياسي تخضع لقواعد أخرى. فهي تعتمد على جماهير ليست بالضرورة مثقفة، إضافة إلى بعض الفئات المهنية، نجح الإسلاميون في اختراق شبكات تجار المخدرات، والتجار المتوسطين والمهربين، وبخاصة في التجارة غير الرسمية. وتتمثل وسائل فسادهم في الصدقة أو المساعدات المقدمة للفقراء قبيل الانتخابات.
ضرورة النخب
ولعل أهم مدخل لمعرفة النخب وكيفية اشتغالها، بل كيفية التحكم فيها، هو فكر إدوارد بيرنيز صاحب كتاب «البروباغاندا». يُنظر إلى بيرنيز، (1891- 1995م) على أنه الأب المؤسس للعلاقات العامة الحديثة، وهو صاحب رؤية واضحة جدًّا حول دور النخب في إدارة الجماهير. هذا الفكر مستوحى من أعمال خاله، سيغموند فرويد، حول سيكولوجية الجماهير. كان بيرنيز يؤمن بشدة أن الجماهير غير عقلانية وسهلة التأثر. وبحسبه، كان من الضروري أن تقود نخبة مستنيرة وتوجه الرأي العام للحفاظ على النظام والاستقرار في المجتمع. ومن الأفكار الرئيسة لهذا المؤلف الخطير، التلاعب بالرأي العام. كان بيرنيز يعتقد أن الرأي العام يمكن توجيهه بواسطة أقلية متعلمة تفهم علم النفس البشري وآليات الإقناع. وأكد أنه من أجل مصلحة المجتمع، يجب على النخبة استخدام هذه المعرفة للتأثير في اختيارات الجماهير وتوجيهها. كما أكد أهمية الدعاية وأعاد تأهيل مصطلحها حيث كان يرى أنها أداة ضرورية للتحكم في الطريقة التي تُقدم بها الأفكار والمعلومات للجمهور. كان يرى أن النخبة يجب أن تتقن فن الدعاية لتشكيل الرأي العام بطريقة مفيدة وتجنب الفوضى المحتملة في الديمقراطية المباشرة.
وهكذا دافع في كتابه «الدعاية» (1928م)، عن فكرة أن الديمقراطية الحديثة، على الرغم من أنها تسمح بمشاركة الجميع، تحتاج إلى إدارة خفية من جانب أقلية كفؤة ومستنيرة لتكون فعالة. وكتب: «إن التلاعب الواعي والذكي بالعادات المنظمة وآراء الجماهير هو عنصر مهم في المجتمع الديمقراطي. أولئك الذين يتلاعبون بهذه الآلية غير المرئية للمجتمع يشكلون حكومة غير مرئية وهي القوة الحقيقية الحاكمة لبلدنا».
يرى بيرنيز أن النخبة مرشد أخلاقي وثقافي، وأن النخبة يجب أن توجه الجماهير ليس فقط في المسائل السياسية والاقتصادية، ولكن أيضًا في القضايا الثقافية والأخلاقية. وكان يؤمن بأن النخبة يجب أن تروج لقيم إيجابية وحضارية لرفع مستوى وعي الجمهور.
تعرضت بالطبع رؤية بيرنيز لدور النخب للانتقاد بسبب طابعها الأبوي، والمناهض للديمقراطية. رأى النقاد في أفكاره تبريرًا للتلاعب بالجماهير من قبل مصالح خاصة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام السلطة. ومع ذلك، دافع بيرنيز عن أن هذا النوع من التلاعب كان ضروريًّا من أجل حسن سير المجتمع، معتبرًا أنه من دون توجيه، يمكن أن تقود الجماهير إلى الفوضى أو اتخاذ قرارات غير عقلانية. باختصار، بالنسبة لإدوارد بيرنيز، كانت النخبة تؤدي دورًا أساسيًّا في هيكلة المجتمع واستقراره من خلال التحكم في أدوات الاتصال والإقناع من أجل الصالح العام. وعلى الرغم من انتقاد العديد لهذا الموقف فإن كل قوة اجتماعية أو سياسية صعدت إلى مقاليد تسيير الشأن العام، تقوم بالأساليب نفسها وتتبنى بعضًا من أفكاره.
ومن هذا المنظور، فإن للدولة دورًا كبيرًا في صناعة النخب السياسية والفكرية والثقافية يتضمن جوانب رئيسة عدة منها تحديد معايير النخبة حيث تضع السلطةُ المركزيةُ المعاييرَ التي تحدد من يُعَدُّ نخبة في المجتمع. قد تشمل هذه المعايير التعليم، والثروة، والنفوذ، أو حتى الولاء للسلطة. واتصالًا بهذا غالبًا ما تساهم السلطة في إنشاء مؤسسات تعليمية تُعزز من تكوين النخب الفكرية والثقافية، من خلال توفير التعليم العالي والتدريب المتخصص. كما يمكن للسلطة المركزية أن تحدد من يحصل على المناصب القيادية في الحكومة والقطاع الخاص، وهو ما يؤثر في تشكيل النخب السياسية. كما يمكنها دعم المشروعات الثقافية والفكرية عبر التمويل، وهو ما يعزز من ظهور النخب الثقافية. علاوة على سيطرتها على وسائل الإعلام حيث تؤدي دورًا مهمًّا في تحديد ما يُنشر ويُبث، مما يؤثر في تشكيل الرأي العام وظهور النخب الفكرية من خلال التحكم في المحتوى والمعلومات.
من جهة أخرى قد تسعى السلطة إلى تشكيل تحالفات مع نخب معينة لدعم سياساتها وتعزيز استقرارها. يمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور نخب جديدة ترتبط بمصالح السلطة. كما يمكن أن تشجع أو تقمع المبادرات الثقافية والسياسية التي تخرج من المجتمع المدني، وهو ما يؤثر في تنوع النخب وتوزيع القوة والنفوذ في المجتمع. على نحو عام، تلعب السلطة المركزية دورًا محوريًّا في تشكيل النخب من خلال تأثيرها في التعليم، والاقتصاد، والثقافة، ووسائل الإعلام.
صناعة النخب عبر وسائل التواصل
كيف تصنع وسائل التواصل الاجتماعي النخب اليوم ولمصلحة من؟ تُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أدوات قوية تؤثر تأثيرًا كبيرًا في تشكيل النخب في المجتمعات الحديثة. تتجاوز تأثيراتها حدود التواصل الشخصي لتصبح منصة لتسويق الأفكار والآراء، وتكوين جماعات ضغط ونخب جديدة. تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي مجموعة من الآليات التي تسهم في تشكيل النخب، ومنها:
الترويج لما يسمى بالموهوبين: توفر منصات مثل تويتر (X) وإنستغرام ويوتيوب فرصة للأفراد؛ لإبراز مواهبهم وأفكارهم على نحو سريع وفعال. يمكن للأشخاص المبدعين أن يحصلوا على متابعة واسعة، وهو ما يسهل عليهم بناء قاعدة جماهيرية تؤهلهم لأن يصبحوا نخبًا في مجالاتهم.
الانتشار السريع للمعلومات: يمكن لمحتوى معين أن ينتشر بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يساهم في تعزيز شعبية أو نفوذ شخص ما. فعندما يحصل شخص على عدد كبير من الإعجابات والمشاركات، يصبح مرجعًا في مجاله، حتى لو كان محتواه غير موثوق أو سخيف.
التفاعل والمشاركة: تتيح وسائل التواصل الاجتماعي تفاعلًا مباشرًا بين الأفراد والجماهير، وهو ما يسهل تشكيل مجتمع حول موضوعات معينة. يمكن للأفراد ذوي الاهتمامات المشتركة أن يجتمعوا لتبادل الأفكار، وهو ما يزيد من فرص ظهور نخب جديدة.
التصنيف والتأثير: تتبنى وسائل التواصل الاجتماعي نظام تصنيف يعتمد على عدد المتابعين والتفاعل. تجعل هذه التصنيفات بعض الأشخاص أكثر ظهورًا من غيرهم، وهو ما يساهم في تعزيز نفوذهم؛ لكونهم ممثلين لنخب معينة.

الأهداف والمصالح وراء صناعة النخب
تعمل وسائل التواصل الاجتماعي لمصالح متعددة. تسعى الشركات إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتها من خلال التعاون مع المؤثرين والنخب الذين يمتلكون جمهورًا واسعًا. هذه النخب تُستخدم لخلق صورة إيجابية عن المنتجات وجذب عملاء جدد. كما تستخدم الأحزاب السياسية وجماعات الضغط وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام. تُعَدّ النخب الجديدة على هذه المنصات أدوات فعالة لنشر الأفكار السياسية وزيادة الوعي بما يدعون أنه قضايا اجتماعية حقيقية. ولعل أكثر شيء طفا على سطح المجتمعات هو تعزيز الهويات الثقافية والاجتماعية حتى الهامشية منها؛ إذ أصبح بإمكان الأفراد من مختلف الخلفيات استخدام هذه المنصات للتعبير عن آرائهم وتعزيز قضاياهم، وهو ما يسهم في تشكيل نخب ثقافية جديدة.
على الرغم من الفوائد، فإن صناعة النخب عبر وسائل التواصل الاجتماعي تواجه تحديات عدة. فعبر هذه المنصات تنتشر المعلومات المضللة بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور نخب تحمل آراء غير صحيحة أو مضللة، وهذا يثير تساؤلات حول خطاباتها ومصداقيتها. من جهة أخرى، ومع تصاعد التأثيرات التجارية والسياسية، فقد تجد النخب نفسها متورطة في أجندات معينة، وهو ما يقلل من استقلاليتها وقدرتها على تمثيل مصالح المجتمع عامة. لكن الأخطر من ذلك هو ما يشعر به الأفراد من ضغط لتحقيق مستوى عالٍ من التفاعل والمشاركة، وهو ما يؤدي إلى ظهور نخب تتبنى آراء غير متسقة أو تعكس توجهات ضيقة.
تُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي أدوات رئيسة في تشكيل النخب اليوم؛ إذ تتيح للأفراد الفرصة لبناء نفوذهم والشعور بالتأثير في مجالاتهم. ولكن مع هذا التأثير تأتي مسؤوليات وتحديات، وهو ما يتطلب وعيًا نقديًّا من الجمهور في تقييم النخب ومحتواها. في النهاية، تبقى النخب التي تُصنع عبر وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من منظومة معقدة تتداخل فيها المصالح التجارية والسياسية والثقافية.
وسائل التواصل وتحكم النخب في المجتمعات
مع وسائل التواصل الاجتماعي وفتح الحدود أمام التجارة العالمية أو عولمة الاقتصاد؛ أصبحت النخب عابرة للقارات تمامًا كما الشركات المتعددة الجنسيات. لا يعني هذا أن هذا النهج السياسي المهيمن لم يكن موجودًا من قبل. نعرف جيدًا أن القوى العظمى كانت تتعامل مع نخب الجيش أو بعض النخب السياسية المستعدة لذلك. في حقبة الحرب الباردة كانت الأنظمة الشيوعية أو الاشتراكية تتعامل مع نخب من النقابات أو الأحزاب أو التيارات المتطرفة للضغط على أنظمة ما كان يسمى بالعالم الثالث. وكانت الأنظمة المسماة رأسمالية تتعامل مباشرة مع نخب الجيش فتضغط إما بالانقلابات أو التهديد بها. لكن مفهوم التغيير المجتمعي أخذ اتجاهًا آخرَ؛ إذ أصبح الحديث عن التغيير السلمي ونبذ العنف والتداول على السلطة هو الرائج والمدعوم عالميًّا.
من هذا المنطلق أصبحت الأنظمة المهيمنة عالميًّا تتعامل مع النخب التي تتبنى قضايا حقوق الإنسان. وقد تُمنح هذه النخب شرعية دولية، وبخاصة إذا كانت تحظى بدعم منظمات غير حكومية عالمية أو منظمات حقوقية. هذه النخب تصبح مدافعة عن المعايير الدولية (بصرف النظر عمن وضعها) وتستخدم لإحراج الأنظمة المحلية أو الضغط عليها للتغيير. قد يكون الهدف ليس فقط تحقيق العدالة الاجتماعية، بل أيضًا التأثير في سياسات تلك الأنظمة وتوجيهها بما يخدم مصالح القوى الكبرى. وسواء وَعَتْ هذه الفئاتُ، التي تدافع عن حقوقها بِنِيّةٍ صادقةٍ، أم لم تَعِ ذلك، فإن القوى العالمية تستفيد في الأغلب من هذا الحراك. تستخدم النخب التي تُعزز هذه القضايا كوسيلة لإدخال هذه المعايير إلى الدول النامية، وهو ما يُعَدُّ تدخلًا في الشؤون الداخلية من طرف الأنظمة المستهدفة. هذا التدخل، سواء حدث بوعيٍّ من تلك النخب أو لا، يضعف الأنظمة السياسية القائمة، ويدفع الدول النامية أو الفقيرة إلى البقاء في دائرة النفوذ العالمي. وقد اتضح ذلك جليًّا إبان ما سُمِّيَ الربيع العربي.
مواد أولية عن النخبة السعودية المؤسِّسة

علي الشدوي – ناقد سعودي
يمكن القول: إن الخصم الذي يقارع النخب الطليعية في المجتمعات هو رد فعل تجاه القضايا التي تطرحها هذه النخب؛ ذلك الخصم الذي نصفه بالذهنية التقليدية. ويمكن أن توضح الحكاية التالية ما أعنيه بهذه الذهنية. يتعلق الأمر بإبراهيم الفلالي الذي عرض كتابه «رجالات الحجاز» على الرقابة للموافقة على نشره. استدعاه الرقيب واستكتبه تعهدًا بعدم نشر الكتاب.
يورد الكاتب السعودي محمد عبدالرزاق القشعمي في كتابه «الفكر والرقيب» أن سبب منع كتاب الفلالي هو إساءة الكتاب -من وجهة نظر الرقيب- للصحابة. فقد وصف المؤلف الفلالي ذهن الصحابي عبدالله بن عباس بـ«عدسة الآلة المصورة التي لا ترى شيئًا، ولا تمر على شيء إلا التقطته». يشرح الرقيب قائلًا: «أي كفر أبلغ من هذا؟! ذهن ابن عم رسول الله كعدسة آلة التصوير التي صنعها النصارى.. أيشبه صنع الله تعالى في صحابي جليل بصنع النصارى؟ هذا كفر». (ص 100).
الجيل الحجازي
هذا مجرد مثال واحد، في هذا الكتاب المهم، لما واجهته النخب الطليعية في المملكة العربية السعودية. لكن يمكن للمفهوم الهيغلي المعروف بـ«الرغبة في الاعتراف» أن يغني أفعال النخب معرفيًّا في المرحلة التي سأهتم بها هنا وتقع بين عامي 1924-1953م. فقد تلاقت في الحجاز في تلك المرحلة كل التيارات الثقافية المعروفة آنذاك، وتمازج في بيوت الحجازيين أغلب دماء العروق التي صنعت منه مجتمعًا متناغمًا. وبما أن الحجاز إقليم مضياف يستقبل آلاف الحجاج والمعتمرين سنويًّا، وبما أنه حظي بموهبة نادرة في المجتمعات هي «موهبة التلقي» فقد جذب الحجاج لكي يبقوا، وقد حلا لهؤلاء العيش في جو اجتماعي تجاوزوا فيه العرق واللغة والأحقاد إلى حد كانوا فيه «مواطنين عالميين» من غير أن يعوا ذلك بحكم طبيعتهم.
من البدهي أن يؤثر ذلك ثقافيًّا. وبالفعل يتحدث محمد حسين هيكل في مقدمته لكتاب «وحي الصحراء» لخوجة وبالخير، عن جيل حجازي بين الثلاثين والأربعين يطفر بالحماسة، شديد الولع بالاطلاع، ينقد الكتب التي يقرؤها، ويقف على أدق صور التفكير الحديث. ليس من قبيل الصدفة إذن أن يعنون الفلالي أحد أهم كتب تلك المرحلة بـ«نفثات من أقلام الشباب الحجازي». فالفعل (نفث) يتضمن تضمنًا ملموسًا حالة مصدور لا بد له من أن ينفث، وفكرة النفث فكرة توتر وسرعة ونفخ، وهي أفكار تطابق التحرر الذاتي، وتحطيم الإنسان سجنه لكي يجعله أرحب وأوسع، أو على الأقل أن يتجاوز ضيق سجن من أن تستغرقه قيوده.

محمد سعيد خوجة
فضلًا عن ذلك فقد نبه الصبان في مقدمة الكتاب ذاته إلى هذه الروح الجديدة، وأبدى قلقه منها. لا أحد يعرف هل هو الخوف عليها أم الخوف منها. كل ما في الأمر أنه طالب الشباب بالاعتدال، والاستفادة من خبرة الشيوخ، وهو ما لم يكن في بال هؤلاء الشباب؛ إذ توازن بعض مقالات الكتاب بين جيل ينشأ بروح متقدة ويرنو إلى الغد، ويعمل من أجل المستقبل، وجيل شيوخ انتهى، أو هو على وشك أن ينتهي.
تشكل من هؤلاء الشباب وسط ثقافي غير مسبوق من قبلُ في المملكة العربية السعودية؛ حيث تُقام الندوات الأدبية والثقافية، وتُعقد الاجتماعات لمناقشة القضايا الفكرية والفلسفية. يقضي هؤلاء الليالي، وفق تعبير عزيز ضياء، في حوارات عن آراء أفلاطون في جمهوريته، والفارابي في مدينته الفاضلة، وداروين ونظريته في أصل الأنواع.
ولقد استُعِينَ بهؤلاء في إدارة شؤون الدولة. يورد محمد علي مغربي في كتابه «أعلام الحجاز» ما يلي: «إذا كان لنا أن نقول كلمة في شأن الوظيفة والشاعر، فإن سواد الناس ومنهم الأدباء والعلماء يعملون في الوظائف، هي سبيل معاشهم، ولا ينظرون إليها هذه النظرة المتعالية، ومنهم من يأخذ على مجتمع الوظائف ما قد يكون فيه من غرور بعض الرؤساء، وانتهازية بعض الزملاء، وسخف بعض المترددين، لكن الحياة تحفل دائمًا بهذه الأشكال من الناس، وباختلاف الطبائع والغايات، والرجل الحصيف هو الذي يكيف نفسه مع واقع الحياة، دون أن يفقد أصالة الخلق، ويعامل الناس المعاملة الكريمة اللائقة به وبهم» ( 1994 جـ4/67).
حمزة شحاتة نموذج للمثقف الطليعي
يبدو هذا الكلام لمزًا من طرف رجل أعمال لما كانت عليه بعض تلك النماذج الاجتماعية الجديدة التي ظهرت في هذه المرحلة التاريخية التي نتكلم عنها؛ فحسين سرحان كان يؤثر أن يعيش بين الكتب، ولم يكن يرغب في الوظيفة، بل إنه هجاها بقصيدة اعتبر فيها العيش مع الجن، على سوئه وفظاعته، أحسن حالًا من العيش في الوظيفة. ويبدو أنها قصيدة مقذعة حتى إن ناشر ديوانه «أجنحة بلا ريش» وضع في مكان بعض الأبيات نقطًا مما يشير إلى أن فيها ما ينافي الذوق العام، أو ينال من الموظفين والوظيفة. هناك حمزة شحاتة الذي كان لا يطيق البقاء في عمل واحد، حتى لو في شركة مع أخيه (مغربي جـ2/133). كان حمزة شحاتة من الشخصيات القلقة التي لا تستقر على حال، وكانت طموحاته تتمرد على العمل الروتيني الممل والرتيب، كالوظيفة. كانت أفكاره أقوى من واقع حياته (نفسه، 135). وهناك أحمد عبدالغفور عطار الذي استقال من الوظائف الحكومية ليتفرغ للبحث والتأليف (نفسه، 43).

حمزة شحاتة
حمزة شحاتة الذي وُلد في مكة وتكون في كتابها، ثم في مدرسة الفلاح، كان نموذجًا للمثقف الطليعي الذي وعى الزمن الجديد وما يقترحه لصورة المثقف، بدءًا من هيئته؛ حيث يرتدي الثوب القصير، وتحته السروال الطويل الذي يشبه البنطلون، ومن الطرائف التي يرويها محمد علي مغربي في كتابه المذكور آنفًا (جـ1/ 165) أن أحد الأساتذة المصريين وصف حمزة شحاتة قائلًا: «الأفندي اللي هيئته كويسة».
انفتح حمزة شحاتة على حقول ثقافية ومعرفية وجمالية لم تكن مجال اشتغال المثقفين في هذه المرحلة التاريخية، فقد عكف على دراسة الموسيقا العربية ومصادرها عند الفرس والأتراك. يورد عزيز ضياء في كتابه عن حمزة شحاته أنه كان يقع على أخطاء في تلحين كبار موسيقيي مصر وما تأثروا به؛ ولا سيما ألحان سيد درويش، وكان بارعًا في الشطرنج، عارفًا بتاريخه، مذهلًا في لعبة (الكيرم) حتى إن المشهورين في هذه اللعبة كانوا يسافرون من جدة إلى مكة أو العكس لكي يشاهدوه (50/ 53) فضلًا عن ذلك كان مجيدًا في صنع الأطعمة وعازفًا متمكنًا على العود، ويحتفظ في بيته بمكتبة تسجيلات غنائية لكبار المغنين والملحنين، كما يورد مغربي في كتابه الآنف الذكر. (ص 167).

عبدالله بالخير
وفق هذا الإطار، لم يكن حمزة شحاتة يلائم تصور المثقف في المجتمع التقليدي، فقد تلاقى في شخصيته العلم والفن، ومن يقرأ اليوم محاضرته المشهورة «الرجولة والخلق الفاضل» لا يستطيع القول ما إذا كانت هذه المحاضرة عملًا أدبيًّا أو دراسة علمية، ولا ما إذا يجب تصنيفه على أنه عالم أو فنان. يبقى السؤال ما السبب في أن الشعور والعقل كانا مرتبطين على نحو وثيق عند حمزة شحاتة؟ ربما كان السبب في صورة المثقف الجديدة، في التغير الذي كوّن هذه الصورة للمثقف.
صورة المثقف الجديدة
يجتمع هؤلاء في نادي «آل جمجوم» عصر كل يوم وصدرًا من ليله (مغربي جـ1/20)، وفي مقهى أطراف «الشهداء» من غروب الشمس، ويمكثون هناك يتدارسون كل جديد في الفكر والأدب الحديثين (مغربي جـ1/24)، وأسسوا في جدة أول نادٍ لأغراض ثقافية واجتماعية، تلقى فيه القصائد والمحاضرات (مغربي جـ1/142). كانوا يجتمعون في نزهات برية بعيدة من أعين المجتمع، يأخذون معهم دوائر معارف، وكتبًا حديثة، ومجلات وصحفًا خارجية، يقرؤون، ويكتبون خلالها مقالات يمزقونها فيما لو كان أسلوبها كلاسيكيًّا يشبه أسلوب المقامات الأدبية القديمة أو متكلف البلاغة ومحشوًّا بالمحسنات البديعية.
يقضون الليالي وهم يتناقشون في كتب فكرية حديثة ومترجمة. كانت محاضر الجلسات البرلمانية والخطب التي تدور بين الأحزاب والحكومة في مصر تصل إلى الحجاز تباعًا، وقد انتقل تشيع هؤلاء المثقفين لبعض الأحزاب إلى صحافة الحجاز (صوت الحجاز). لديهم من الوقت ما يقضونه في القراءة، نقاشهم دائمًا في «الأصائل والأماسي» (مغربي، 151). بإمكانهم أن يتقابلوا في «جمعية الإسعاف» للاستماع للمحاضرات العامة في شتى المجالات والعلوم كالطب والدين والقضايا الإسلامية والتاريخ والتراجم والصحافة والاجتماع والاقتصاد والتعليم. وبفضل نقاشاتهم سيعترف بعضهم ببعض، فقد مارس بعضهم أستاذية حقيقية كالعواد (محمد حسن عواد) الذي أصبح ذائع الصيت؛ فقد كان أستاذًا لكثير من الأسماء كحمزة شحاتة، وأحمد قنديل، ومحمود عارف، وعباس حلواني، ومحمد علي باحيدرة، ومحمد علي مغربي (مغربي جـ1/179).

محمد حسن عواد
وكأي نخبة قد تعمل هذه النخبة بوصفها نخبة متماسكة حينًا وغير ذلك. قد تبدو العلاقات حسنة أحيانًا، وسيئة أحيانًا أخرى. كان أحمد قنديل على علاقة ممتازة مع حمزة شحاتة، تتخلل علاقتهما فتور في فترات متقطعة (مغربي جـ1/20) وكان ضياء الدين رجب على صلة مستمرة بمحمد سرور صبان (مغربي جـ1/27). قد تتحول الخصومات إلى نقد لاذع كالذي جرى بين محمد حسن عواد وعبدالقدوس الأنصاري حول رواية «التوأمان». وقد تأخذ الخصومة شكل مهاجاة شعرية يتناول أحد الشعراء الآخر تناولًا بذيئًا وسيئًا إلى حد أن الصحف تمتنع عن نشرها لمجافاتها الذوق العام، وهو الأمر الذي عوض عنه بأن تكتب وتنسخ وتوزع على الناس مثلما حدث بين حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد (المغربي جـ1/187).
غير أن هذه الخصومات لم تكن تمنع آخرين من أن يشجعوا الإنتاج الأدبي وأن يرعوه. كمحمد سرور صبان الذي يوصف بأنه بارٌّ بالمثقفين، يواسي ويدعم ماديًّا، ويطبع مؤلفاتهم (مغربي، جـ1/ 242)، وصالح شطا الذي يشجع الكفاءات الأدبية الشابة التي لم تعرف أسماؤهم، ولم تظهر مواهبهم. كان يتتبع ما يكتبونه، وحينما يتعلق الأمر بمناقشة الموضوع يستدعيهم ليستضيء بآرائهم (مغربي جـ1/60) وعبدالرؤوف صبان الذي حمل رواية محمد علي مغربي إلى الأمير فيصل نائب الملك على الحجاز، وقد كتب له الأمير خطابًا يتمنى فيه له التقدم في عالم الأدب (مغربي جـ1/ 106). كان محمد نصيف يشجع أصدقاءه على طبع كتبهم، وقد طبع بعضها على حسابه الشخصي (مغربي جـ 1/239).

صراع النخب الطليعية والمحافظة
في هذه المرحلة وجدت الرغبة في الاعتراف، بوصفها مجالًا ثقافيًّا للصراع بين مشروعين. فمفهوم الرغبة في الاعتراف يستند إلى افتراض أن التحديث يرتبط بطريقة ما بالصراع بين النخب التقليدية والمحافظة والنخب الطليعية؛ فالنخب المحافظة ترغب في أن تحافظ على ما هو موجود؛ أي أن يبقى الواقع كما هو، بينما ترغب النخب الطليعية في أن يُعترف بمجموع أفكارها. وإذا ما طورت النخب الطليعية أفكارًا حول سمات الحداثة والتحديث، واكتسبت أفكارهم مغزى اجتماعي وثقافي، يمكن أن تصبح هذه الأفكار مجالًا للمعارضة من النخب المحافظة، وإذا لم تتفق النخبتان، فإنهما مختلفتان. فالعلاقة بين النخبتين معقدة؛ فأفكارهما جزء من أيديولوجيا؛ لذلك يجب أن يُدرس اختلافهما جزءًا من عملية الحديث.

عبدالقدوس الأنصاري
لم يكن مجال هؤلاء سهلًا. أُقصيَ عبدالله عريف عن رئاسة تحرير جريدة البلاد بسبب ما كان يكتبه من مقالات (مغربي جـ1/130)، وفقد محمد حسن عواد مكانته الممتازة أستاذًا بارزًا في أشهر مدرسة في الحجاز (الفلاح) بسبب كتابه «خواطر مصرحة» (مغربي جـ1/183). وأُوذِيَ بعضهم اجتماعيًّا، فقد أطلقوا على من يقرأ الكتب الحديثة، والصحف والمجلات كلمة (فرسوني) أي منحرف ومنحل العقيدة والأخلاق. كما أن مراقبي الصحف يتصرفون في مقالاتهم؛ فقد عانَى عبدُالقدوسِ الأنصاريُّ أحدَ الشيوخِ، كان يشطب من مقالاته عبارة «السعادة الاجتماعية» (مغربي جـ4/39)، ويعلل الشيخُ تصرفَه بعدم وجود سعادة في الدنيا، وحصرها في الآخرة.
ومع ذلك فقد كان الإنسان الحديث هو بطل هؤلاء الشباب إن جاز التعبير، وهو العصب لمشروعهم التحديثي. لم ينصب تفكير هؤلاء الشباب على الإنسان بوصفه موضوعًا نهائيًّا ومنتهيًا، إنما على الصيرورة التي تؤدي إلى أن يكون إنسانًا حديثًا ومعاصرًا. يتعلق الأمر بتحليل الحياة الذي سيبدأ بما سُمي آنذاك «فلسفة الحياة العصرية» ومضمونها دساتير الحياة الحديثة التي ساهم في وضعها تاريخ الفكر الإنساني والحياة البشرية والطبيعة ومسار الحضارات المتعاقبة، التي أخذت في حُسْبانها احتياجات الإنسان الأساسية كالحرية وإعمال العقل، والعيش من أجل الحياة، والعمل والطموح واستقلالية الإنسان.
إنتلجنسيا ومثقفون

ثائر ديب – كاتب ومترجم سوري
يكاد يتعذّر أن نتناول موضوع النخب العربية الثقافية والفكرية الحديثة، أيّ تناول فيه قدر من الاكتمال، من دون التطرق إلى جوانب أربعة على الأقل: علاقة منطقتنا مع الآخر، الأوربي غالبًا، منذ غزو نابليون مصر وصولًا إلى الآن؛ وعلاقة النخب مع السلطات بتعاقبها واختلافها من مدة إلى أخرى؛ وعلاقة النخب مع الشعب، بعدًا منه أو قربًا، مع فشل يكاد يكون ذريعًا على هذا الصعيد ونجاح نسبي ومبعثر؛ وعلاقة النخب فيما بينها وفي داخل كلّ نخبة في حدّ ذاتها.
اتجاهات النخب العربية
كان لرد الفعل تجاه العلاقة العنيفة مع الآخر الأوربي أن يدفع النخب العربية إلى أسئلة تتعلّق بالتفاوت بين الأنا والآخر، وتتعلّق تاليًا بالهوية والتراث والماضي من جهة، وبالإصلاح والتجديد والحاضر والمستقبل من جهة أخرى. ومن هنا انقسام النخبة العربية إلى اتجاهات تقليدية محافظة وأخرى إصلاحية مع خلائط عديدة من الاتجاهين. وكان لعلاقة النخب العربية مع منظومة القوة أو السلطة أن تدفع هذه النخب إلى أسئلة تتعلّق بالتفافها حول دوائر صنع القرار أو انفضاضها عنها بحسب اتجاهاتها، مع ملاحظة صعود اتجاهات جديدة غير التقليدية والإصلاحية: اتجاهات تغييرية، انقسمت بدورها إلى نخبة داعمة للسلطة التي رأت فيها بانيةً للدولة الوطنية ومحققةً التحرر الوطني، وأخرى ناقدة للسلطة على تقصيرها في كلّ ذلك. كان ذلك في مرحلة محددة، يمكن القول: إنّها امتدت من الاستقلالات إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين؛ لتطرأ بعد ذلك تطورات مهمة على السلطات العربية وعلى علاقة النخب بها تحالفًا أو نقدًا.

نيكولاي تشيرنيشيفسكي
أمّا العلاقة مع الشعب، فكان لها أن تفرّق بين اتجاهات كثيرة بالغة التعقيد، لا يسهل دومًا مديح بعضها على شعبيتها (أو شعبويتها)، ولا يسهل دومًا نقد بعضها الآخر على انعزالها عن الشعب (وربما نقدها له)، أو تحميلها دومًا مسؤولية ضعف تأثير ميراثها من المبادئ والأفكار في مواقف هذا الشعب.
ما تشير إليه علاقة النخب المختلفة فيما بينها وفي داخل كلّ نخبة على حدة هو مقدار الاستقطاب الناجم عن تبنّي مواقف سياسية وأيديولوجية يصعب جمعها أو التوفيق بينها أو يُقَصَّر في ذلك، وعن تداخل دور المثقف مع ما هو ديني وسياسي، والاستئسار لمنافع اجتماعية وسياسية، وغلبة النفعية والأنانية. يُضاف إلى ذلك اليوم هجرة (أو نفي) أقسام من النخبة، ليست بالقليلة، إلى خارج أوطانها، وهو ما يضعف أثرها، الضعيف أصلًا.
تنبع ضرورة هذا التناول (أو التناولات) مما تشير إليه مفردة «النخبة» أصلًا، سواء في معاجم العربية -«المُختار من كلّ شيء»- وهو الأمر الذي يضعنا مباشرة أمام فكرة التميّز المُدَقَّق، أم فيما داخَلَ مفهوم النخبة من معنى حديث، متأتٍّ من التفاعل مع الثقافات الأخرى ومع العلوم الاجتماعية والاقتصادية الحديثة التي تناول منظّروها وباحثوها موضوع الـ«elite» (وهي مفردة شاعت ترجمتها في العربية إلى «نخبة» أو «صفوة»)، ورأوا فيها مجموعة اجتماعية تتسم بأنها الأثرى أو الأقوى أو الأعلم أو الأَخبَر في المجتمع، وهو الأمر الذي يقرن التميّز إلى الاقتصاد أو السلطة أو الثقافة والعلم أو المهارة والحرفة، ويتيح المجال للكلام على نخب مميزة في هذه المجالات جميعًا، مع العلم أنّ ترابط هذه المجالات هو القاعدة وليس الاستثناء؛ إذ غالبًا ما يتيح الثراء السلطة والخبرة والمعرفة. ولقد سبق أن قيل، على الأقلّ، أنّ المعرفة قوة أو سلطة.
نوع من المقارنة الموجزة
تنصرف مقالتي هذه إلى موضوع يطول ما يُدعى «النخبة الثقافية»، الإنتلجنسيا أو المثقفون بشيء من التوسّع والتعميم، مع أنني سأفرّق بين هذين المصطلحين الأخيرين في سياق مقالتي. ولن ألجأ إلى أدبيات الموضوع ومنظّريه الكبار مثل ماكس فيبر أو غرامشي أو ميلز أو سواهم لدينا لضيق المجال، بل سأدلف مباشرة إلى عقد نوع من المقارنة الموجزة بين الإنتلجنسيا الروسية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والمثقفين السوريين منذ خمسينيات القرن العشرين إلى الآن.
يبدو المثقفون السوريون، على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم الفكرية والأدبية والسياسية، منذ نصف قرن إلى الآن أشبه ما يكون بالإنتلجنسيا الروسية في القرن التاسع عشر وصولًا إلى أكتوبر 1917م، وهو الأمر الذي يغري بمقارنةٍ مدقِّقة.
«الإنتلجنسيا» هي فئة اجتماعية منخرطة في عمل ذهني معقد يهدف إلى لعب دور قيادي في ثقافة المجتمع وسياساته. وهم غالبًا أهل فنّ وكلمة لديهم مبادرة ثقافية وسياسية، سواء كان دورهم الاجتماعي محافظًا أم تحرريًّا.
عادةً ما يقيم «الإنتلجنسيون» مسافة واضحة بينهم وبين الجمهور، بخلاف «المثقفين» الذين هم أَمْيَل إلى مجاملة العامة والشعب. والإنتلجنسي ذو معرفة أولًا، وذو قدرة على صوغ هذه المعرفة في رؤية للعالم بديلة للوضع القائم، وهو ما يجعله، بالضرورة، أقلية في المجتمع، ويؤهّله لأن يتخلّص من شعبوية عموم المثقفين، فلا يتنازل عن معرفته العلمية على الرغم من انحيازه، غالبًا، لقيم تحررية ولمصالح الناس.

ديستويفسكي
لعبت الإنتلجنسيا الروسية أدوارًا فلسفية وأدبية ودينية وسياسية جعلتها مثالًا للإنتلجنسيا. وواجهت مصاير مريعة، قتلًا ونفيًا وسجنًا وانتحارًا، كما حظيت بانتصارات عزّ نظيرها. لعلّ السبب في ذلك كلّه يكمن في تاريخ روسيا الاجتماعي الثقافي، وموقع هذه «الإنتلجنسيا» فيه. لعلّه يكمن فيما برز، بعد بطرس الأكبر (1672- 1725م) وإصلاحاته الكبرى، من انشقاق حادّ وصارخ بين الفئة الحاكمة وهذه الإنتلجنسيا، فشَكَّلَ واحدًا من أكبر الأحداث المصيرية في التاريخ الروسي، وانضاف إلى تلك المشكلة الأساسية التي وَسَمَتْ تاريخ روسيا منذ بطرس الأكبر فصاعدًا، ألا وهي انقطاع الصلة بين ثقافة الإنتلجنسيا الرفيعة مطردة الصقل، والثقافة الشعبية البسيطة المنتشرة التي كانت في أخفض مستوياتها.
هكذا شهد التاريخ الروسي فئةً لا مثيل لها في التاريخ من حيث التهاب نشاطها مع أن الاستبداد القيصري الرهيب ورقابته المُحْكَمة كانا يحدّان بصورة وحشيّة من قدرتها على إيصال أفكارها لمن يُفترض أن تصل إليهم؛ فئة تُطْلِق أجرأ الأفكار في بلد إمبراطوري ليست لديه أيُّ تقاليد راسخة في الحرية؛ وفئة ترنو إلى الاستقلال مع أنها ليست -في الغالب- سوى جزء من الطبقة المعوزة في المدن.
أفضى ذلك كلّه إلى نشوب صراع هائل بين الإنتلجنسيا والحكم القيصري المطلق دام أكثر من قرن، وعرف آلاف الشهداء والضحايا. ولعلنا نقرأ تاريخ روسيا في القرن التاسع عشر بوصفه سلسلة من محاولات المثقفين، اليائسة والمحزنة غالبًا، للاتصال بالشعب. وليس السؤال «ما العمل؟» الذي تطرحه سونيا في رواية دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» سوى سؤال مصيري يتردد في الأدب والفكر الروسيين محاولًا تهيئة جواب، من شاداييف إلى لينين، مرورًا بتشيرنيشيفسكي وروايته الموسومة «ما العمل؟»
قيل عن الروس: إنهم يتناولون الأفكار عاطفيًّا، فلا يكتفون بدراسة الفلسفة بل يعيشونها، ويرومون من وراء المعرفةِ النظريةِ نتائجَ عمليةً، ويبحثون في أيٍّ نظرية عن طريقة حياة. أمّا الأدب، فيكاد يشكّل جماع حياة روسيا الفكرية والثقافية، ففي بلدٍ حُرِمَ من المنافذ المتاحة في سواه من البلدان، وبخاصةٍ الغربية منها، كان العمل الأدبي حدثًا اجتماعيًّا وسياسيًّا على الدوام. وكان تأثيره الأخلاقي والعاطفي أعظم وأعرض منه في أيّ مكان آخر في أوربا، حتى إن القصة أو الرواية، التي هي في الغرب وسيلة من وسائل تصوير السلوك البشري، باتت تمتلك في روسيا إيقاع العاطفة النبوئية والتغييرية وطرائقها.
المثقفون السوريون وغياب المشاريع
ما أراه هو أنّ المثقفين السوريين في نصف القرن الماضي وإلى الآن، بما يُبْدُونه للوهلة الأولى من شبه كبير بالإنتلجنسيا الروسية في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، لم يكونوا كذلك في كتلتهم الأساسية إلا سطحيًّا وفي الظاهر. ولعل السبب في ذلك كله يكمن في تاريخ سوريا الاجتماعي الثقافي. ففي حين بدا هؤلاء المثقفون أصحاب مبادرة ودور قيادي في ثقافة المجتمع وسياساته، مستعدين لدفع أثمان باهظة مقابل نشاطهم الملتهب -كتلك الإنتلجنسيا- نجد حين ندقّق أنهم كانوا في كتلتهم الرئيسة والسائدة بعيدين من ذلك كل البعد.
ليس لدى المثقفين السوريين أيّ مشروعات نظرية وفكرية يمكن أن نضعها إزاء ما ابتدعته الإنتلجنسيا الروسية؛ ولا أعمال أدبية يمكن أن ترقى بحال إلى ذلك الحشد من الروائع الروسية، على الرغم من بعض الأسماء اللامعة التي تدين بإبداعها إلى مراحل أسبق في الحقيقة؛ ولا مشروعات أو برامج ثقافية سياسية؛ بل إننا نكاد لا نجد حتى دراسات ذات قيمة عن بنية البلد الاجتماعية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية وتاريخ تكوّنها. جُلّ ما نجده شعارات ومطالب سياسية تُحسَب خطأً أنّها رؤى فكرية. حتى الأطروحة السياسية الأهمّ لدى هذا التيار، أطروحة «التغيير الوطني الديمقراطي»، ببعد نظرها وإدراكها تكوين البلد وتناقضاته وتوازن قواه، سرعان ما كانت تُرمى جانبًا كلّما لوّحت لهؤلاء سلطة ما، سواء كانت رسمية أو غير ذلك.
إذا ما كانت الإنتلجنسيا بعيدة من شعبوية عموم المثقفين، لا تتنازل عن معرفتها العلمية على الرغم من انحيازها لقيم بديلة ولمصالح الناس، فإنّ المثقفين السوريين يبدون انتقالًا سريعًا ومفاجئًا من التقليل من شأن الشعب الصامت إلى تقديس الشعب الصارخ، من الدعوة إلى العمل الثقافي البعيد من السياسة إلى الانخراط السياسي التام الذي لا يقبل بأقل من الإطاحة المباشرة بما هو قائم إلى ما يشبه الفرار حتى من المناطق التي أطيح فيها بذلك الوضع. هكذا نجد انتقالات وتحولات واسعة، من المديح العاطفي غير النقدي للنظام إلى المفاجأة بهزائمه، كأنّها نزلت من سماء صافية خارج كل سياق، ثمَّ إلى التغنّي بأي خصم من خصومه ورفع هذا الخصم إلى ممثّل لـ«الشعب» من أقصى البلاد إلى أقصاها.

صادق جلال العظم
هذا هو الإطار الذي نفهم به ما يقوله لنا الدكتور صادق جلال العظم في تقديمه طبعة 2007م من كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، من أن أدونيس أوقظه صبيحة اندلاع حرب حزيران 1967م ليعلمه ببدئها وبأن الطائرات الإسرائيلية تتساقط والجيوش العربية تتقدم وَفقًا لأجهزة الإعلام العربية والبيانات العسكرية الرسمية. يقول العظم: «تبادلنا الحديث عن الحرب باطمئنان وبلا قلق زائد؛ إذ إن فكرة الهزيمة لم تخطر في بال أحد، كما أن احتمال الانكسار العربي لم يكن واردًا». ثم لا يلبث العظم أن يقول: «لا أعتقد أن أحدًا من الجيل الذي أنتمي إليه قد شفي حقًّا من ضربة السقوط المفاجئ من هذا الارتفاع الشاهق إلى قعر هاوية الهزيمة السحيق، وكلّه خلال لحظات معدودات». هكذا تغدو الهزيمة مفاجأةً لا سيرورة.
كذلك هذا هو الإطار الذي نفهم فيه التحاق ليبراليين في السنوات الأخيرة بمشروعات سياسية وثقافية تقليدية محافظة، ومطالبات نخب بتدخل قوى خارجية سبق أن كانوا من عتاة مناوئيها، من دون أي تبرير نظري يتعدى مظالم النظام وخزعبلات شعبوية مفادها أنهم لا يسمحون لأنفسهم بأن يتعالوا على «حراك الشعب» أو بأن يطالبوا «الشعب» بغير ما يفعله.
وكما يُفَسَّر الدور اللافت الذي لعبته الإنتلجنسيا الروسية من خلال تاريخ روسيا الاجتماعي الثقافي وموقعها فيه، لناحية الانشقاق الحاد بينها وبين الفئة الحاكمة وانقطاع الصلة بين ثقافتها الرفيعة والثقافة الشعبية المتدنية، فإن تفسير الدور الذي أداه المثقفون السوريون يكمن أيضًا في تاريخ سوريا الاجتماعي الثقافي وموقعهم فيه، لناحية الانشقاق غير الحاد بينهم وبين الفئة الحاكمة إلا متأخّرًا وفجأة، وعلى نحو مترع بالأخطاء وسوء الفهم في كلّ المرات التي جرى بها، ولناحية الالتحاق بمشروعات سياسية مناقضة لمشروعهم والانخراط في تصوير هذه المشروعات على أنّها مشروعات شعبية بغية تغييب كل نقد جدي لها على غرار تغييب كل نقد جدي للشعب الثائر.
هذه التبعية لمشروعات أخرى، سلطوية وإسلامية سياسية، تفاقمت في العقود الأخيرة بتحول عالمي أطاح بدور المثقفين النقدي والأخلاقي لمصلحة فكر ليبرالي ضامر يركّز تركيزًا قاصرًا على حقوق الإنسان، ويفهم العدالة فهمًا ضحلًا وفوضويًّا، ويُحِلُّ الناشطَ محل المكافح، والمنظمات غير الحكومية المتمولة والمرتبطة محل الأحزاب الكفاحية والنقابات، ويحتفي بصعود التيارات الهوياتية الطائفية والقوموية الشعبوية ذلك الاحتفاء الخطر الذي يكاد يكون مجرمًا.
طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية
أعلنت «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، اختيار الأديب الكويتي الكبير طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية، في مناسبة اختيار دولة الكويت عاصمة للثقافة العربية لعام 2025م، حيث إن الرفاعي من أكثر الشخصيات الأدبية حضورًا في مجال الأدب والثقافة والإبداع، وهو يُعَدُّ اليوم أحد أهم وجوه الثقافة الراهنة في دولة الكويت.
وقد سبق للمؤسسة العربية للدراسات والنشر أن اختارت أسماء عربية فاعلة وحاضرة في المشهد الفكري والإبداعي العربي؛ أمثال: نجيب محفوظ، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، وعبدالرحمن منيف، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمد الماغوط، ورضوى عاشور، وعبدالعزيز المقالح، ومصطفى وهبي التل، ومحمد خضير، وإبراهيم الكوني، وقاسم حداد، والطيب صالح، ومحمد رشيد رضا. وبمناسبة الكويت عاصمة للثقافة العربية لعام 2025م، وقع اختيار المؤسسة على الأديب الكويتي طالب الرفاعي لينضم إلى قائمة شخصيات العام الثقافية.
طالب الرفاعي، مهندس مدني، سلك طريقه الإبداعي قاصًّا وروائيًّا، وطّد علاقته بالساحة الثقافية الكويتية والخليجية والعربية، من خلال عمله قرابة ثلاثة عقود في «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب»، ثم مستشارًا ثقافيًّا لوزير الإعلام. كانت قدرة الرفاعي لافتة في انتمائه لعمله من جهة، وإصراره على الإخلاص للكتابة والدراسة من جهة أخرى؛ إذ أكمل دراساته العليا في «الكتابة الإبداعية» من جامعة «آيوا» الأميركية، ثم جامعة «كينغستون» البريطانية؛ ليتفرّغ خلال السنوات العشر الماضية مُحاضرًا يُدرِّس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية في الكويت، وفي العديد من المعاهد والمراكز الثقافية حول العالم.

أصدر الرفاعي عشرة مجاميع قصصية، وثماني روايات، إضافة إلى عشرة كتب أكاديمية وبحثية، وقد عُرف طالب الرفاعي بمبادرته الإبداعية والثقافية، فقد كان صاحب فكرة «جريدة الفنون»، ومدير تحريرها ومستشارها سبع سنين؛ إذ أطلقتها دولة الكويت، من خلال مطبوعات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 2001م، بمناسبة اختيار الكويت عاصمة للثقافة العربية وقتذاك، كما فتح الرفاعي بيته بوصفه صالونًا ثقافيًّا كويتيًّا وعربيًّا «الملتقى الثقافي» منذ عام 2012م، وقد عبّر عن عشقه لفن القصة القصيرة من خلال تأسيسه «لجائرة الملتقى للقصة القصيرة العربية» عام 2015م، التي أصبح يُشار إليها اليوم بوصفها الجائزة الأهم والأرفع للقصة القصيرة العربية.
قُلّدَ الرفاعي وسام الآداب والفنون برتبة فارس، من الجمهورية الفرنسية 2023م، وكان «شخصية العام الثقافية» في الشارقة عام 2021م، ونال جائزة المبدعين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 2019م، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2013م عن مجمل الأعمال القصصية والروائية، وحصل على جائزة الدولة في الكويت لمرتين عن رواية «في الهُنا» عام 2016م، ورواية «رائحة البحر» عام 2002م.
تُرجمت أعمال الرفاعي الروائية والقصصية إلى عدد من لغات العالم؛ من بينها: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والألمانية، والصينية، والتركية، والهندية، وقُدّم العديد من دراسات الماجستير والدكتوراه في أعماله في جامعات عربية وعالمية.
وكانت «الفيصل» قد نشرت ملفًّا تناول فيه عددٌ من الكُتاب والأدباء العرب، من زوايا مختلفة، التجربةَ الإبداعية والثقافية لطالب الرفاعي. نعيد هنا نشر الملف.
معرض الرياض الدولي للكتاب يختتم فعالياته كتب جديدة وندوات وحوارات وورش جذبت جمهورًا واسعًا
قد لا تتوافر أرقام دقيقة حول الأعداد الكبيرة التي ترددت على معرض الرياض الدولي للكتاب، ولا ما أنفقته هذه الأعداد من مبالغ مقابل اقتناء كتبهم المفضلة، إلا أن المتابع لفعاليات المعرض، والمهتم بتقصي أخباره، سيلحظ أن المعرض، شأنه في كل سنة، تحول إلى مناسبة ثقافية مفتوحة، حفلت بفعاليات متنوعة لم تقتصر على الكتاب وثقافته، إنما تخطت ذلك إلى فنون ومجالات مختلفة، جذبت إليها شرائح مختلفة من المتلقين. وبات الحضور الكثيف للمعرض، سمة بارزة لهذه التظاهرة الثقافية الكبرى. تجاوزت الأنشطة التي نظمها المعرض 200 فعالية تناسب جميع الأعمار، وشملت عددًا من الندوات والجلسات الحوارية، والمحاضرات والأمسيات الشعرية، والعروض الفنية والمسرحية، وورش العمل التي تناقش موضوعات مختلفة في شتى المجالات، بمشاركة نخبة من الأدباء والمفكرين والمثقفين من السعودية والمنطقة والعالم.
وبات معرض الرياض الدولي للكتاب الحدث الثقافي الأبرز في المملكة، ومن بين أبرز الأحداث الثقافية في العالم، ومنصة ثقافية تجمع صناع الأدب والنشر والترجمة من المؤسسات ودور النشر المحلية والدولية مع القراء والمهتمين بشؤون الثقافة ومجالات المعرفة. واستضاف المعرض كوكبة من الشخصيات الأدبية والفنية ورواد الثقافة من المنطقة والعالم، كما خَصَّصَ فعالياتٍ ثقافيةً وترفيهية متنوعة للأطفال في منطقة الطفل، وركنًا خاصًّا لعرض أعمال المؤلفين السعوديين، ومنصات لتوقيع الكتب التي تتيح للجمهور التقاء مؤلفيهم المفضلين لتوقيع أحدث إصداراتهم.
من ناحية، سعت النسخة الجديدة من المعرض إلى تقديم تجربة جديدة من خلال استثمار التقنية في عالم النشر الرقمي، ودعم الابتكارات في صناعة الكتاب، مع التركيز على إصدارات الكتب الإلكترونية، ومنصات القراءة التفاعلية، حيث يمثل ذلك جزءًا من رؤية المملكة 2030؛ لتعزيز التحول الرقمي في مختلف المجالات، بما فيها المجال الثقافي.
ويجسد معرض الرياض الدولي للكتاب 2024م، طموحات المملكة نحو تطوير الفكر والثقافة، حيث يعكس الاهتمام بإبراز أهمية الكتاب في بناء أجيال واعية ومتعلمة، وبناء مجتمع معرفي رائد.
الرياض تقرأ
وكان المعرض، الذي تنظمه هيئة الأدب والنشر والترجمة، قد انطلق تحت شعار «الرياض تقرأ» في حرم جامعة الملك سعود (26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر 2024م)، بمشاركة أكثر من 2000 دار نشر، من أكثر من 30 دولة، موزعة على أكثر من 800 جناح، إضافة إلى مشاركة هيئات ومؤسسات ثقافية سعودية وعربية ودولية، فشكل المعرض منصة رئيسة للناشرين وللتبادل الفكري والثقافي، وملتقى للأدباء والمفكرين وصنّاع الثقافة والمعرفة وعشاق الكتاب من دخل المملكة وخارجها.
وحلت دولة قطر ضيف شرف للمعرض هذا العام، فقدمت لزواره تجربة ثقافية مميزة تعكس منجزاتها الأدبية والفكرية، وموروثها الثقافي الأصيل وتاريخها وفنونها المتنوعة، وذلك من خلال جناح يستعرض مخطوطات وإصدارات وزارة الثقافة القطرية، بمشاركة رموز الثقافة القطرية والمواهب والمبدعين القطريين، ضمن برنامج ثقافي منوع وثري.
وقال الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور محمد حسن علوان: «نعمل وفق إستراتيجية متكاملة تترجم رؤية وتوجيهات وحرص القيادة الرشيدة على تعزيز الريادة الثقافية للمملكة عربيًّا وعالميًّا، وتحويل الثقافة لأحد أهم ممكنات النهوض بالوعي المعرفي والثقافي للمجتمع، ودعم اقتصاد الصناعات الإبداعية والفكرية، وتمكين صناعة النشر وتزايد حركة التأليف والترجمة السعودية، بما يسهم في الارتقاء بجودة الحياة، ودفع عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي الوطني لتحقيق أهداف الإستراتيجية الوطنية للثقافة المنبثقة من رؤية المملكة 2030».
وأوضح أن نسخة هذا العام تشهد تطورات متعددة، أتت في إطار جهود الهيئة المستمرة لتطوير هذا الحدث وفتح آفاق ومجالات جديدة تعزز شمولية ما يقدمه قطاع الثقافة والنشر محليًّا.
وأشار الدكتور علوان، إلى أن اختيار دولة قطر ضيف شرف للمعرض، يعكس الدور الثقافي والفكري الرائد لقطر في مشهد الثقافة الخليجي والعربي، وعمق الروابط الثقافية والتاريخية الوطيدة التي تربطها بالمملكة.

جوائز وتكريمات
كرمت هيئة الأدب والنشر والترجمة، الفائزين بجوائز المعرض، ففاز بجائزة التميز في النشر، «مجموعة تكوين المتحدة للنشر والتوزيع»، وفاز بجائزة التميز في النشر لفئة الأطفال، «جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وفازت «دار جبل عمان ناشرون» بجائزة التميز في النشر لفئة المنصات الرقمية، وتُوِّجَتْ دار عصير الكتب للنشر والتوزيع بجائزة التميز في النشر لفئة الترجمة. أما جائزة التميز في النشر التي تأتي دعمًا وتشجيعًا للإبداع المحليّ، وتُمنح للمحتوى السعودي المتميز الذي يعكس ثقافتنا وتراثنا الغني، ففازت بها دار «تأثير للنشر والتوزيع».
المسلم والفانتازيا
من فعاليات المعرض التي شهدت حضورًا كثيفًا، ندوة للكاتب والروائي أسامة المسلم، الذي يُعَدّ من أكثر الكتاب الذين لهم أكثر الكتب مبيعًا في العالم العربي، إنْ لم يكن أكثرهم على الإطلاق، في هذه الندوة أكد المسلم أهميةَ دور معرض الرياض الدولي للكتاب، في إثراء الحراك الثقافي في المملكة والمنطقة، ودعم حركة النشر، وحَفْز الأدباء للمزيد من الإبداع على نطاق أكبر، مشيرًا إلى أن هناك تطورًا ملحوظًا لأدب الفانتازيا في السعودية، وتسير الإصدارات في هذا الاتجاه على الخط الصحيح نحو الانتشار في العالم العربي. وقال المسلم، في ندوة بعنوان «الرواية والفانتازيا»: إن الإبداع في أدب الفانتازيا، يتطلب ضرورة إلمام الكاتب بالإرث العربي الزاخر بالقصص والحضارات؛ إذ يبرز دور الروائي من خلال تقديمها بطريقة مستساغة، لافتًا إلى أنه لا يوجد خيال أو واقعية مطلقة، بل يجب المزج بينهما.
وحول مدخله إلى أدب الفانتازيا، أوضح المسلم، أنها كانت بداية خجولة، حين كان أدب الفانتازيا في نظر بعض النقاد لا يعدو كونه أشبه بمكمل غذائي لا أكثر، مبينًا أن استمراريته في مجال أدب الفانتازيا جاءت على خلاف توقعاته في بداية مشواره؛ إذ كان يعتقد أن رواية «خوف» ستكون البداية والنهاية معًا.
دعم الكُتّاب الشباب
من الأدوار المهمة التي يلعبها معرض الرياض، دعم المؤلفين الشباب في إطلاق باكورة أعمالهم الأدبية؛ لذا ينتظر كثير منهم هذه المناسبة لتقديم مؤلفاتهم لجمهور القراء من الزوار، متطلعين إلى أن يسهم المعرض في التعريف بهم وبأعمالهم، في هذا الشأن يرى الكاتب الدكتور تركي بن ماطر الغنّامي، بوصفه أحد المؤلفين الذين استفادوا من هذه التجربة من خلال نسخة سابقة من المعرض، أن معارض الكتاب ذات دور مهم في هذا الشأن، بل إن الساحة الثقافية والأدبية طالما كانت تدين لمعارض الكتاب بذلك الفضل، بإسهامها في إثراء الحراك الثقافي بصفة مستمرة بأجيال جديدة من الكتّاب والمؤلفين. وعدّت الكاتبة أمل حمدان معرض الكتاب النافذة الأولى لها لتقديم باكورة أعمالها الأدبية، فالمعرض أتاح لها فرصة لقاء جمهور القراء، والحديث معهم عن كتابها الأول «بصمة أمل» الذي جمعت فيه ملخصًا لتجربتها الممتدة لأربع سنوات، بين العمل كإعلامية ومثقفة مرتبطة بالعمل الأدبي والثقافي.

ورش عمل
شهد المعرض عقد عدد من ورش العمل والجلسات النقاشية في فضاء مفتوح بين أجنحة دور النشر، وهو ما جذب الزوار وأتاح لهم فرصة التفاعل المباشر مع الكُتاب والمفكرين. وتسهيلًا على رواد المعرض لم يُشترَط التسجيل المبكر لحضور الورش والجلسات إلزاميًّا، فأمكنهم الاستفادة من خبرات الضيوف عبر الدخول مباشرة إلى الورش، التي تميزت بالمحافظة على خصوصية طابع الورش على الرغم من إقامتها في فضاء مفتوح. وتوافقت موضوعات ورش العمل في المعرض مع مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للثقافة، التي تسعى لتعزيز التنوع والثراء الثقافي.
هموم الترجمة
في ندوة حول الترجمة، بعنوان «الترجمة وصناعة الهوية الوطنية» نظمتها جمعية الترجمة بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، أكّدت متخصصتان في الترجمة ضرورة استثمار التقنية للوصول إلى الشعوب الأخرى والتركيز على المحتوى السمعيّ البصريّ، ودَعَتَا إلى عدم الاكتفاء بالترجمة للغة الوحيدة، والانتقائية في اختيار الأعمال الصالحة للترجمة، والتعامل الممنهج مع وسائل الذكاء الاصطناعي، مع المحافظة والاعتزاز بالهوية الوطنية.
شاركت في الترجمة رئيس قسم الترجمة بجامعة الأميرة نورة الدكتورة فادية الشهري، وأستاذة الترجمة السمعية البصرية الدكتورة عبير الفيفي، وأدارتها أستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة مشاعل الحماد. وأبرزت الندوة دور المؤسسات المهتمة بالترجمة سواء الحكومية أو الخاصة في التعريف بالثقافة وتمثيل الهوية وتصديرها للآخر. وأكدت الدكتورة فادية الشهري ضرورة انتقاء النصوص المراد ترجمتها ودراستها. من جانبها قالت الدكتورة عبير الفيفي: «إن الترجمة تجعل الشعوب تسمع منا لا عنا، وهذا يتحدى الصور النمطية والأفكار السائدة عن المجتمعات».
وأضافت أن على المترجم ألا يكتفي بلغتين، بل عليه فهم اللغة التي ترجم منها ولها وكيفية التعامل مع المشكلات الناتجة عن الترجمة، وتعزيز الهوية الوطنية عبر الثقافات.
وكان المعرض قد احتفى باليوم العالمي للترجمة، فخصص خمس فعاليات ضمن برنامجه الثقافي، تناولت عددًا من الموضوعات المتعلقة بالترجمة. ومن ضمنها ورشة عمل بعنوان: «جودة الترجمة السمع بصرية في الأعمال السينمائية»، قدمتها عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتورة عبير القحطاني. وركزت الورشة على أهمية الترجمة السمعية البصرية في ضمان تجربة مشاهدة متكاملة وشاملة للجمهور مع مراعاة الفوارق العمرية في الترجمة من صغار السن إلى الأشخاص البالغين، كما جرى استعراض عناصر الترجمة، مثل دقة النصوص والتزامن المثالي مع الحوار، ووضوح الخطوط وسهولة القراءة، وأهمية الترجمة الثقافية في نقل المعاني بين الثقافات المختلفة.
وخلال ورشة العمل الثانية التي حملت عنوان «الترجمة الفورية: كيفية التعامل مع المصطلحات المتخصصة»، استعرض عضو الاتحاد الدولي للمترجمين المعتمدين مازن الحربي، مهارات المترجمين الفوريين وكيفية تغلبهم على التحديات التي تواجههم، وأهم تحديات الترجمة الفورية. وناقش الأكاديمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالرحمن الشبيب في ورشة أخرى «أثر التقنية الحديثة في الترجمة»، فأكد أن المترجمين يواجهون اليوم منافسة شرسة من برامج الترجمة الآلية، وتلك المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، في ظل انفتاح العالم ثقافيًّا وانتعاش الحاجة للوصول إلى المعرفة وتبادل المحتوى العالمي، فيما أكدت المترجمة والمستشارة في الإنتاج والتواصل المعرفي نهى الحجي أن المجالات كافة تشهد اليوم تطورات متسارعة ناجمة عن الانفجار المعرفي والتقني الذي أسهم في دخول مجال الترجمة إلى عالم «الترجمة الذكية» القائمة على مزيج من قدرات البشر وقدرات الآلة، وذكاء الإنسان والذكاء الاصطناعي. وكانت هناك ورشة بعنوان: «الترجمة في المجال السياحي»، قدمتها المترجمة السعودية عزة الغامدي.

فعاليات قطرية
من الندوات التي شهدها المعرض ندوة بعنوان: «مونديال قطر: التجربة الاستثنائية»، ضمن فعاليات ضيف الشرف تحدث فيها الرئيس التنفيذي لبطولة كأس العالم في قطر 2022م ناصر الخاطر وأدارها الإعلامي السعودي عبدالرحمن الحميدي. واستعرض الخاطر أبرز ملامح التجربة التنظيمية والإدارية الناجحة لدولة قطر في استضافة المونديال، والاهتمام بتوفير الإمكانات والمتطلبات كافة التي تساعد الجمهور على الاستمتاع بتجربة استثنائية في مشاهدة مباراة كروية، وتوفير جميع الخدمات للمشجعين بكل فئاتهم، ودعم كامل لذوي الاحتياجات الخاصة في البنية التحتية والخدمات المقدمة، إضافة إلى الحرص على ارتباط جميع الملاعب والمنشآت الرياضية بالتراث والثقافة القطرية والعربية والإسلامية، والمجتمع والبيئة المحلية، مثل: ملعب الثمامة، وملعب الجنوب، وملعب البيت، وغيرها.
وفي ندوة أخرى لضيف الشرف، أكد الباحث القطري في الأنثروبولوجيا الثقافية حمد الملا، خلال ورشة عمل «الأغنية الفصيحة بين الماضي والحاضر»، أن التحولات الأساسية التي مرت بها مجتمعات الخليج والجزيرة العربية أثرت في الإنتاج والتوزيع واستهلاك الأغنية في المنطقة. واستشهد الملا بالتحولات التي مرت بها القصيدة العربية، بدءًا من الشعر العمودي إلى التفعيلة إلى قصيدة النثر، منوهًا بأن هذه التغيرات أثرت بشكل أساسي في الكلمات التي تستخدم في الأغنية الفصيحة أولًا، كما تطرق إلى تأثير أنماط التلحين، مبينًا أن القوالب اللحنية التي كانت رائجة في البحرين وقطر قد تغيرت، وظهرت قوالب جديدة، حيث مزج الملحنون بين أكثر من قالب، واستوحَوْا ألحانًا من مصادر مختلفة، لافتًا إلى أن الأغنية تتفاعل مثل أي فن آخر مع محيطها، واليوم دول الخليج في تفاعل إيجابي مع كل محيطها سواء القريب أو العالمي.
أهمية الفنون
وتحدث مشاركون في معرض «الرياض تقرأ» عن أهمية الفنون في جذب الجمهور إلى القراءة، وفي هذا السياق، أكدت مديرة النشر في دار نشر كويتية، إسراء القرني أن الفنون تسهم بشكل كبير في تعزيز شغف القراءة، «وعندما تُقدم الكتب من خلال العروض الفنية أو الفعاليات الثقافية، نجد أن الزوار يتحمسون لاستكشاف المزيد من العناوين». من جانبه، أشار العارض في دار الأفق حسين العتيبي، إلى أهمية الفنون في رفع مستوى الوعي الثقافي، وقال: «كانت تجربتي في بيع الكتب التي استُمدت منها أعمال فنية، سواء كانت أفلامًا أو مسرحيات أو أعمالًا أدبية، مذهلة، ولقد رأيت كيف يمكن لهذه الفنون أن تجعل الكتب تنبض بالحياة، مما يزيد من اهتمام الزوار».
وعبّر العديد من الزوار عن تجاربهم الفريدة في المعرض، وقالت ريم الكيلاني، زائرة ومهتمة بالأدب: «بعد مشاهدتي لفِلْم سينمائي استفاد من رواية، شعرت برغبة قوية في قراءة الكتاب، حيث إن الفنون تجعل القصة أكثر تفاعلًا وواقعية. في حين أوضح الزائر خالد الأحمد، أن تجربته في اكتشاف الشعر العربي من خلال الأعمال السينمائية التاريخية مثل: «الزير سالم» و«الحجاج»، مشيرًا إلى أن هذه الأفلام كانت مليئة بالأبيات الشعرية التي دفعته للبحث عن القصائد الأصلية.

الصندوق الثقافي
عبر جناح الصندوق الثقافي في المعرض، تعرف الزوار إلى خدمات «التمويل الثقافي» الذي يُعَدّ الأول من نوعه في السعودية. ويهدف المشروع إلى دعم نمو المشروعات الثقافية للمنشآت عبر حلول تمويلية مرنة، وذات مزايا تنافسية تمكنها من بدء أعمالها وتوسع نموها باستدامة وربحية وأمان. ويسعى الصندوق الثقافي إلى تمكين المنشآت العاملة في القطاع الثقافي بما يدعم توسعها ونموها، إضافة إلى حَفْز مساهمة القطاع المصرفي في تنمية القطاع الثقافي اقتصاديًّا، والاستفادة من الفرص التي يقدمها، ودعم استدامة نمو القطاع الثقافي لينعكس أثره على المجتمع.
الفكر العربي وتحديات الوضع الراهن
في ندوة بعنوان: «الفكر العربي وتحديات الوضع الراهن» شارك فيها كلٌّ من المفكر المغربي الدكتور محمد أفاية، وأستاذ الدراسات الفلسفية الموريتاني الدكتور عبدالله السيد ولد أباه.
وناقشت الندوة، التي أدارها الدكتور عبدالله البريدي، أحوال المفكرين العرب، مؤكدةً أن المثقفين والمفكرين يتميزون بالإنتاجية، ويحللون ويفهمون مشاكل المجتمع، ويتناولونها بأسلوب واضح ومناسب. ولفتت الندوة إلى أن للمفكر العربي مهمات متزامنة، بعكس الغربي تكون متعاقبة، حيث يتأثر العربي من التفكير الديني المتجذر والثقافة المتأصلة.
وتطرقت الندوة إلى أن المفكرين العرب يعدّون ضحايا لعدم اعتراف العالم بجدارة ما تنتجه الثقافة العربية. وأكد المشاركون في الندوة أن للثقافة أدوارًا كبرى في ارتقاء الإنسان بمجتمعه، وأنه يجب أن يعرف صاحب القرار السياسي كيف يدمج الثقافة في المشاريع والخطط الكبرى لبلده، لافتين إلى أننا نشهد اليوم تركيزًا أساسيًّا على دور عملية إعداد العقل وتوجيهه وإعادة بنائه من أجل وضع مسارات تنموية ناجحة.
قطاع النشر السعودي
أكد المدير العام للإدارة العامة للنشر، بهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور عبداللطيف الواصل، أن قطاع النشر السعودي جاذب وحافز للاستثمار، خصوصًا مع ما يحظى به من دعم. وأوضح، خلال جلسة حوارية بعنوان: «الاستثمار في قطاع النشر» بمشاركة عبداللطيف المبارك من قطاع الإستراتيجية تطوير الأعمال بالصندوق الثقافي، أن هناك رغبات جادة للاستثمار في المملكة، «وهذا ما لمسناه خلال مشاركات هيئة الأدب والنشر والترجمة في الخارج، وسؤال الكثيرين عن إمكانية الاستثمار في السوق السعودي»، وقال: «نطمح إلى زيادة المنافسة الاستثمارية في قطاع النشر، والنتائج الواردة في تقرير الحالة الثقافية تفيد أن قطاع النشر والكتب حاز النسبة الكبرى من مشاركة القطاعات الثقافية في الاقتصاد الوطني التي شكلت ٣٦.٤٪».
وعن دور معرض الكتاب في نمو القطاع، أشار الواصل إلى أن معرض الرياض يحتل مكانة قوية بين المعارض الدولية، على الرغم من أن تركيزه ينصبّ على المبيعات المباشرة، وهو ما يشكل للناشر فرصة لزيادة مداخيله، وأن إضافة منطقة الأعمال لهذا العام جاءت لتعزيز الجانب الاستثماري وتنمية الأعمال، عادًّا المعرض حجر أساس في نمو قطاع النشر.
واستضافت الجلسة بعد ذلك ثلاث دور نشر عربية حاصلة مؤخرًا على ترخيص استثماري في المملكة، وهي الدار العربية للعلوم ناشرون من لبنان، ودار عصير الكتب من مصر، ودار جبل عمان من الأردن. وأكد أصحاب الدور أن قوة قطاع النشر في المملكة ونجاح مشاركاتهم في معرض الرياض شجعتهم على استخراج الرخصة والدخول في السوق السعودي.

الذييب والكتابات العربية القديمة
بحضور الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، استعرض المؤرخ السعودي الدكتور سليمان الذييب، البعد الحضاري للمملكة والجزيرة العربية الضارب في التاريخ، عبر حكايا عن المكان والزمان والإنسان، وقصص حول النقوش والكتابات العربية القديمة ودلالاتها، والنقوش المكتوبة بالأحرف العربية، والتراث والآثار.
وسرد الدكتور الذييب في ندوة بعنوان: «الكتابات العربية القديمة» وأدارها الإعلامي عبدالله المحيلان، جزءًا من تاريخ شبه الجزيرة العربية، ودورها الحضاري والثقافي، وعناصرها المتباينة بين اللغة والهوية، وألقى الضوء على المظاهر الاجتماعية والدينية والاقتصادية، والنقوش والفنون الصخرية والجدارية والمعثورات، والكتابات والنقوش الشاهدة على الجذور والعمق التاريخي والإرث الحضاري والثقافي.
وأكد الذييب أن الجزيرة العربية لم يسكنها قديمًا أو حديثًا سوى العرب، لافتًا إلى أن الأجناس الذين قطنوها في حقب زمنية كانوا بصفة مؤقتة، مشيرًا إلى أن لفظ «عربي» أطلق على مجموعة من القبائل في حقبة الآشوريين في القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد.
وأوضح الذييب أن الهجرات من الجزيرة العربية بدأت من منطقة الوسط باتجاه الشمال إلى بلاد الرافدين والشام العظمى ومصر، واستقروا وبنوا ممالك هناك، لافتًا إلى أن أقدم اكتشاف لنقش عربي وجد في منطقة تابعة لفلسطين وتحديدًا مدينة لخيش، وهو نقش ثمودي يعود إلى 1300 قبل الميلاد، وفي البداية ظنوا أنه فينيقي ويعود إلى 1509 قبل الميلاد، وتبين بعد ذلك أنه يجمع الخط المسند والحروف الثمودية.
وذكر أن شبه الجزيرة العربية، وحاليًّا تشكل المملكة العربية السعودية جزءًا كبيرًا منها، هي من أكثر المناطق في العالم ثراءً بالكتابات القديمة المتنوعة؛ مثل: الآرامية، والنبطية في الحجر، واللحيانية، إلى جانب الكتابات الصفائية شمال المملكة، والدادانية في العلا، والحسائية، والسبئية، والكتابات المعينية نسبة لقبيلة معين، والكتابات التدمرية شمال الجزيرة العربية، إضافة إلى الخط اليوناني، والخط اللاتيني، والكتابات المسمارية في تيماء، والنقوش الثمودية في منطقة حائل. وقدم الذييب مقاربةً بين الكتابات العربية القديمة في شبه الجزيرة والحضارات التي نشأت في محيطها القريب؛ لأغراض التبادل التجاري والمعيشة.
ويعد الدكتور سليمان الذييب من أهم رواد التاريخ في مجال الاكتشافات الأثرية في المملكة، والكتابة عن الحضارات التي تعود إلى آلاف السنين في شبه الجزيرة العربية، والحياة الاجتماعية بأبعادها المختلفة، وهو كاتب ومؤرخ وباحث وأستاذ الكتابات العربية القديمة بجامعة الملك سعود، وعالم في مجال الآثار واللغات القديمة في الجزيرة العربية، قام بالعديد من الرحلات الاستكشافية الأثرية، وله عشرات المؤلفات والدراسات والأبحاث المنشورة باللغة العربية في مجال التراث والبحث التاريخي والحضاري، وصاحب بصمة في التنقيب في التاريخ السعودي القديم.

الكتاب العربي والحضور العالمي
في ندوة بعنوان: «الكتاب العربي والحضور العالمي»، كشف رئيس مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن معظم الكتاب العرب لا يقبلون بتدخل المحررين في نصوصهم، وهو ما يعكس غياب الثقافة النقدية في الكتابة والنشر العربي، مشيرًا إلى أن المحرر في العالم الغربي يحظى بدور بارز في تطوير الأعمال الأدبية، حيث يكون جزءًا من العملية الإبداعية، فيما أوضح رئيس جمعية الكتاب والأدباء العمانية سابقًا الدكتور ناصر البدري، أن المحررين في دور النشر الغربية يُعَدُّون نجومًا في حد ذاتهم، فهم يساهمون في صياغة النصوص بشكل يحقق تفاعلًا أكبر مع القارئ. الندوة التي نظمها منتدى الجوائز العربية ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الرياض شارك فيها إلى جانب رشاد والبدري الروائي الكويتي طالب الرفاعي، وأدارها الروائي السعودي يوسف المحيميد. واتفق المشاركون في الندوة على أن الكتاب العربي كثيرًا ما يُكتب من دون مراعاة القارئ الغربي، وهو ما يؤدي إلى عدم تفاعل الكتابة العربية مع الثقافات المختلفة، فيما أشار طالب الرفاعي إلى أن هناك كُتَّابًا عربًا يكتبون بلغة غير العربية، وهو ما قد يؤدي إلى تعزيز حضور الأدب العربي في الأوساط العالمية.
وعن علاقة الجوائز العربية بالترجمة، تساءل المشاركون عن أسباب عدم اهتمام دور النشر الغربية بالجوائز العربية، وأكدوا ضرورة أن تكون الجوائز الأدبية معروفة عالميًّا لجذب الناشرين العرب والأجانب على حد سواء، مشيرين إلى أن الجوائز الأدبية العربية غالبًا ما تفتقر إلى الاعتراف الدولي، وهو ما يؤثر سلبًا في إمكانية ترجمة الأعمال الفائزة إلى لغات أخرى.
وتناولت الندوة الصعوبات والمعوقات التي تواجه الكتاب العرب في الوصول إلى القارئ العالمي، فأشار المشاركون إلى أن صورة العرب في الإعلام الغربي غالبًا ما تكون مشوهة، وهو ما يجعل القارئ الغربي يتردد في قراءة الأدب العربي، وتطرقوا إلى قضايا حقوق الملكية الفكرية والقرصنة، حيث يعاني الناشرون العرب صعوبةَ حماية حقوقهم، وهو ما يؤدي إلى تأثير سلبي في صناعة النشر.
من جانبه قال الأمين العام لمنتدى الجوائز العربية الدكتور عبدالعزيز السبيل: «إن منتدى الجوائز العربية كيان ثقافي أسس في عام 2018م، ونحرص دومًا مع هيئة الأدب والنشر والترجمة على أن يكون في كل عام هناك ندوة لمنتدى الجوائز العربية، وفي كل مرة موضوع مختلف يتناسب مع المرحلة التي نحن نعيشها، وموضوع هذا العام يناقش قضية الترجمة التي تعد مسألة مهمة جدًّا، تبحث غياب الكتاب العربي عن اللغات الأخرى هل هو بسبب الترجمة؟ هل هو بسبب أن دور النشر ليست على مستوى من حيث التوزيع؟ هل المادة المترجمة التي قد تصلح للترجمة لثقافة لا تصلح لثقافة أخرى؟ مشددًا على أن هذه القضية التي تهم الكتّاب مكانها الحقيقي للنقاش هو معرض الكتاب».
الدورة 14 من مهرجان المسرح الخليجي تتحول إلى عرس ثقافي
نجحت هيئة المسرح والفنون الأدائية إلى حد كبير، في تنظيم الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المسرح الخليجي، التي أقيمت في جامعة الأميرة نورة بالرياض. ولئن كانت المرة الأولى التي تستضيف فيها السعودية حدثًا مسرحيًّا مثل هذا، فإن التنظيم الجيد عبّر عن خبرة في إقامة فعاليات وأنشطة كبرى، وهو ما يجعل المتابع يفتش عن الأسباب التي حالت بين السعودية وبين استضافة إحدى دورات المهرجان من قبل؟ على الرغم من الإسهام النوعي للمسرحيين السعوديين في المهرجان الخليجي، طوال دوراته السابقة. لعل السبب يكمن في عدم وجود جهة مختصة تعنى بالمسرح وسائر الفنون الأدائية، كما هو حادث اليوم، بوجود هيئة المسرح والفنون الأدائية.
من هنا، جاءت استضافة هذه الدورة من المهرجان ضمن مبادرة هيئة المسرح والفنون الأدائية لاستضافة الأحداث المسرحية الدولية، وتقديم أبرز الأعمال المسرحية الوطنية والدولية لمختلف شرائح الجماهير، سعيًا إلى خلق مناخ مسرحي مزدهر ومتجدد، فضلًا عن الاحتفاء بالمسرحيين الخليجيين الذين أثروا الحياة الثقافية، وإقامة منصة تواصل قوية بينهم وبين الجمهور.
طوال سبعة أيام، مدة المهرجان، (من 10- 17) تحول المسرح الأزرق وبهو الجامعة وفندق مداريم، إلى ما يشبه العرس المسرحي، ليس فقط للمسرحيين الخليجيين، إنما أيضًا للمسرحيين من الوطن العربي كافة؛ إذ حضر وشارك عدد من أهم المسرحيين العرب، فَحَفَلَ المهرجان، إلى جانب العروض الرسمية، بندوات ونقاشات سواء خلال الفعاليات الرسمية، أو على هامش هذه الفعاليات، وخلال اللقاءات الجانبية، إضافة إلى السهرات التي شهدها فندق مداريم، حيث تسكن الوفود المشاركة وضيوف المهرجان.
في كل مكان من هذه الأمكنة كان النقاش مستمرًّا، حول المسرح وقضايا الإنسان المعاصر، وحول المسرحيين في الخليج والشوط الذي قطعوه ليكونوا في مستوى واحد مع أشقائهم العرب، وحول المدى الذي بلغه المسرح الخليجي في معالجة الموضوعات المستجدة التي تطرأ على الحياة في الخليج، وكيف استوعب التحديات طوال تاريخه.
أسماء بارزة للتكريم
في حفل الافتتاح الذي قدمه الممثل فيصل الدوخي والممثلة ميلا الزهراني، أكد رئيس هيئة المسرح والفنون الأدائية سلطان البازعي اهتمام الهيئة بالمسرح والمسرحيين، وتطرق إلى المهرجان وأهميته في حياة المسرحيين في الخليج والوطن العربي. وفي الحفل نفسه كرم المهرجان ستة من المسرحيين الخليجيين، الذين أثروا تأثيرًا واضحًا في تطور المسرح في بلدان الخليج، وهم: الكاتب والمخرج المسرحي العماني عماد الشنفري، والكاتب المسرحي القطري صالح المناعي، والفنان الكويتي محمد جابر، والفنان الإماراتي أحمد الجسمي، والمسرحي البحريني الراحل الدكتور إبراهيم غلوم، والمسرحي السعودي فهد ردة الحارثي.

عروض متنافسة
وقد شهدت هذه الدورة عروضًا مسرحية مهمة، عبرت عن تطور كبير في وجوه المسرح كافة، كما كشفت عن وعي حاد ودقيق لدى المسرحي الخليجي بقضايا أمته. تنافست هذه العروض فيما بينها على نيل جوائز المهرجان، فمن دولة الإمارات العربية عرضت مسرحية «أشوفك» من تأليف إسماعيل عبدالله، وإخراج حسن رجب، وقد جمعت ما بين الكوميديا والتراجيديا، ومزجت بين الدراما الوطنية والرؤية التاريخية والكوميديا الاجتماعية، متطرقة إلى مرحلة تاريخية مهمة في بعض دول المنطقة، ومدى التأثير الثقافي فيها. ومن مملكة البحرين شاركت مسرحية «عند الضفة الأخرى»، من تأليف حسين العصفور وإخراج طاهر محسن. والمسرحية عبارة عن تنقلات بين النور والعتمة، والواقعية والرمزية. وقد حصلت على جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في مهرجان البحرين المسرحي، الذي أقيم العام الماضي. وتعد هذه المسرحية واحدة من الأعمال الاستثنائية التي تبث عددًا من الرسائل الفكرية والمفاهيم الفلسفية، عبر فصولها العديدة، وفيها تُستكشَف آفاق الوعي والتغييب والسجون الفكرية والسلوكية التي يبنيها الإنسان حول نفسه.
ومن السعودية شاركت مسرحية «بحر» التي حصدت عددًا من جوائز المهرجان، من بينها جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، وهي مستوحاة من نص «النهام بحر» للكاتب المسرحي الراحل عبدالرحمن المريخي؛ وتعالج أحداثها ثيمات تُراوِحُ بين المحبة والقلق، والخداع والاستغلال. كما تعالج الاختلافات الطبقية، وما يرافق ذلك من استغلال يتعرض له النهام بحر، حتى يستمر عمل النواخذة والبحارة. وشاركت من سلطنة عمان مسرحية «الروع»، تأليف وإخراج طاهر الحراصي. ويأتي عنوان المسرحية من اسم أحد الكائنات الخرافية في الموروث الشعبي العماني، وتقوم على سرد مبتكر لثنائية النور والظلمة، والجهل والتنوير، متخذةً من بعض الأساطير العمانية محورًا لقصتها، حيث تستطلع شيئًا من أثر التضليل والأوهام في شل المجتمعات وتعويق تقدمها في إطار إبداعي ممتع. ومن الكويت عرضت مسرحية «غصة عبور» التي تدور أحداثها حول جوانب مختلفة من التراجيديا والكوميديا. وشاركت قطر بمسرحية «الخيمة»، التي فازت بجائزة أفضل أزياء، وجائزة أفضل إضاءة، فضلًا عن منح المسرحية شهادة تقديرية في الكوليغراف. والمسرحية من تأليف عبدالرحمن المناعي ومن إخراج ناصر عبدالرضا.

ندوات فكرية
وشهدت هذه الدورة عددًا من الندوات الفكرية من بينها ندوة حوارية خصصت للمكرمين في المهرجان، واستطلعت الأوراق المشاركة المسيرات المهنية للمكرمين، كما أتاحت الندوة للمكرمين إمكان تقديم رؤاهم وقصصهم أمام الجمهور مباشرة. وكان من بين المتحدثين فيها الفنان الكويتي الشهير محمد جابر الصخي، الذي صرح بأن الشرارة الأولى التي مهدت له الدخول إلى عالم المسرح كانت عام 1958م، وذلك باشتراكه في عمل مسرحي مع شخصيات مسرحية بارزة كالممثل الكويتي محمد النشمي. بينما قال الممثل الإماراتي أحمد الجسمي: إن بداياته كانت في المسرح المدرسي، موضحًا أن المسرح الإماراتي مر بنقلة نوعية كبيرة، وذلك بدعم من الحكومة وشغف من الممثلين. وقال الكاتب المسرحي السعودي فهد ردة الحارثي: إن بداياته كانت في المسرح المدرسي، مؤكدًا أن مسيرته في مجال المسرح تطورت إلى أن أشرف على أول صفحة في جريدة سعودية عن المسرح في صحيفة البلاد، وأسس فرقة مسرح الطائف، التي تعد من الفرق القليلة التي ما زالت مستمرة بلا انقطاع منذ أكثر من 40 عامًا، وحصدت أكثر من 70 جائزة على مستوى العالم العربي. وذهب الممثل القطري صالح المناعي إلى أن مسيرته في مجال المسرح بدأت منذ سن مبكرة، وأن تركيزه خلالها كان على التأليف أكثر منه على التمثيل، وقال: إنه كتب أكثر من 70 نصًّا مسرحيًّا خلال مسيرته الإبداعية. وتحدث في هذه الندوة أيضًا الكاتب العماني عماد الشنفري، الذي عبر عن شغفه بالمسرح من منظور تميزه عن التلفزيون، من ناحية أنه يتيح فرصة للتفاعل بين الجمهور والممثل، ويخلق محبةً وشغفًا يربطان الممثل بالخشبة. وقد عبر نزار غلوم، نجل المسرحي الراحل الدكتور إبراهيم غلوم، عن تقديره وامتنانه للمملكة العربية السعودية وهيئة المسرح والفنون الأدائية، لقاء تكريمهم والده ومسيرته الفنية، مؤكدًا أن ذلك شاهد على تقدير المملكة للمبدعين وإنتاجهم الفني.
البنية الأساسية
كما أقيمت ندوة بعنوان: «البنية الأساسية للمسرح في دول مجلس التعاون»، تناولت أوراق المشاركين فيها جوانب مختلفة من تقييم وتحليل العناصر الأساسية التي تشكل بنية المسرح في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تشمل المؤسسات التعليمية والأكاديمية ودورها في تشكيل واقع المسرح. وقد ركزت الجلسة الأولى منها على العناصر الأساسية في دعم تطور المسرح، وركزت الجلسة الثانية على جذور وأسس مجال المسرح الخليجي وأهم الأدبيات التي وثقت بداياته. أدار الجلسة الأولى عبدالله صالح، وعبرت فيها شريفة موسى عن الاهتمام البالغ الذي يتلقاه قطاع المسرح في الإمارات العربية المتحدة، موضحةً الخطوات التي قادت لإدراج المسرح في قائمة المواد الدراسية في المدارس الإماراتية.
وطالب الدكتور علي العنزي بضرورة تنمية حس الإبداع والتفكير الناقد والمستقل لدى طلاب الأكاديميات المسرحية. كما أكد ضرورة تقديم قراءة واضحة وشاملة لمستقبل البنية التعليمية لمجال المسرح، موضحًا أنها السبيل الوحيد لوضع المسرح الخليجي في المقام الذي يستحقه بين المجالات الفنية العالمية. وتحدث أحمد السروي عن أبرز المحطات في طريق تطوير مجال المسرح في السعودية، مشيرًا إلى برنامج الماجستير في الأدب المسرحي في بعض الجامعات السعودية، وقدم لمحة عن تاريخ المسرح المدرسي وبداياته في المملكة. وفي الجلسة الثانية التي أدارها أحمد مفتاح نوقشت المراحل التي مر بها النقد المسرحي والحركة النقدية في دول مجلس التعاون، والذاكرة التاريخية لتطور قطاع المسرح في هذه الدول. وقد شارك فيها كل من الدكتورة آمنة الربيع من عمان، والدكتور محمد السلمان من البحرين، والدكتورة سعداء الدعاس من الكويت. كما شهد المهرجان ندوة بعنوان: «القيم الفكرية والفنية في المسرح الخليجي»، تحدث فيها كل من الدكتور مرزوق بشير (قطر)، والدكتور حبيب غلوم (الإمارات)، والدكتور عبدالكريم جواد (عمان).

جوائز المهرجان
وفي ختام المهرجان أعلنت اللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون الخليجي عن أسماء الفائزين بجوائز المهرجان، ففازت فرقة مسرح الطائف بجائزة الفرقة الأهلية المتميزة. ونالت مسرحية «غصة عبور» الكويتية جائزة أفضل عرض مسرحي، وحصلت مسرحية «بحر» السعودية على جائزة أفضل إخراج مسرحي وجائزة أفضل موسيقا مسرحية. وجاءت جائزة أفضل نص مسرحي مناصفة بين مسرحية «أشوفك» الإماراتية ومسرحية «غصة عبور». كما فازت الممثلة العمانية أسماء العوفي بجائزة أفضل ممثلة «بدور أولي»، والممثلة السعودية «فجر اليامي» بجائزة أفضل ممثلة «بدور ثانوي»، والممثل السعودي «شهاب الشهاب» بجائزة أفضل ممثل «بدور أولي»، وفاز الكويتي «عبدالله التركماني» بجائزة أفضل ممثل «بدور ثانوي». أما جائزة أفضل إضاءة وجائزة أفضل أزياء مسرحية فقد ذهبت إلى مسرحية «الخيمة» القطرية، في حين فازت مسرحية «عند الضفة الأخرى» بجائزة أفضل ديكور مسرحي.
إبراهيم غلوم: خمسون عامًا من المسرح
أمضى المسرحي الراحل الدكتور إبراهيم غلوم قرابة خمسين عامًا من عمره في العمل المسرحي، قدم خلالها العديد من الدراسات النقدية والفكرية في مختلف المجالات الثقافية التي كان المسرح في طليعتها. ومن أبرز مؤلفاته: «ظواهر التجربة المسرحية في البحرين»، «القصة القصيرة في الخليج العربي- دراسة تحليلية»، «رومانسية السخط»، «المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي: دراسة في سوسيولوجيا التجربة المسرحية في الكويت والبحرين»، «الثقافة وإشكالية التواصل الثقافي في مجتمعات الخليج العربي»، «تكوين الممثل المسرحي»، «دراسة لطبيعة التكوين الفني والاجتماعي للمثل»، «مسرح إبراهيم العريض»، «دراسة وتوثيق لبدايات النقد الأدبي في الخليج العربي»، «المسرح الموازي»، «بنية الكوميديا الهزلية»، «مسرح القضية الأصلية»، فضلًا عن العديد من النصوص المسرحية، من بينها «عذابات أحمد بن ماجد»، «الخيول»، «رأيت الذي سوف يحدث»، «الحديد» وغيرها.
وكان غلوم قد عمل أستاذًا للنقد الحديث في جامعة البحرين، وأستاذًا زائرًا لأدب الخليج والجزيرة العربية بجامعة الكويت 1986م، وقد أنشأ فرقًا مسرحية عدة، وشارك محكمًا في العديد من الفعاليات والمهرجانات الدولية، وحصل على «وسام الكفاءة من الدرجة الأولى» عام 2012م من الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وعلى «قلادة تكريم المبدعين» في دول مجلس التعاون الخليجي عام 2012م، وعلى «جائزة البحرين للكتاب».

فهد ردة الحارثي: من الوجوه البارزة في المسرح العربي
يعد الكاتب السعودي فهد ردة الحارثي واحدًا من أبرز وجوه وكتاب المسرح في السعودية والخليج، بل العالم العربي، الذي ولد عام 1963م في مدينة الطائف. وأظهر اهتمامًا مبكرًا بالأدب والمسرح، كان له تأثيره الواضح من خلال كتاباته المسرحية التي تناول فيها العديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية بأسلوب فني مميز، كانت أولى أعماله المسرحية عام 1990م بعنوان: «يا رايح الوادي»، التي كانت الانطلاقة الكبرى في مسيرة ما زال عطاؤها مستمرًّا حتى الآن. فقد أبدع العديد من المسرحيات التي رسخت مكانته بين صفوف الكتاب البارزين، من بينها «الأوراق الثلاث»، «بيت العز»، «النبع»، «شدت القافلة»، «بازار»، «عصف»، «حالة قلق»، «رحلة البحث»، «أريد أن أتكلم»، «العرض الأخير»، «سفر الهوامش»، «أبناء الصمت»، وغيرها. وقد حظيت أعماله بتقدير النقاد والجمهور لما تميزت به من أسلوب جمع بين النقد الاجتماعي والرمزية والحوار فضلًا عن البناء الدرامي المحكم. يصفه الكاتب والناقد المسرحي البحريني يوسف الحمدان قائلًا: «الحارثي ليس مؤلفًا مسرحيًّا فحسب، بل هو أكاديمية مسرحية متميزة واستثنائية في الخليج والوطن العربي، وأغلب نصوصه المسرحية تشكل وهجًا مسرحيًّا مستقبليًّا في مسرحنا الخليجي»، ويؤكد الحمدان أن تجربة الحارثي نهلت من معين الثقافة المسرحية الخلاقة، تأليفًا وإخراجًا وتدريبًا وفكرًا.