بواسطة الفيصل | مايو 1, 2024 | الملف
ماذا تبقى من الحداثة ووعود التنوير؟

إعداد وتقديم: موسى برهومة – كاتب أردني
الذين استحضروا الميراث الحضاري الفلسفي الحديث، وراحوا يسائلونه في أعقاب الحروب والنزاعات، وآخرها العدوان الإسرائيلي على غزة، كانوا يتوخون الوصول إلى إجابات عن سؤال العنف والضحية والإبادة الجماعية، والرغبة المنفلتة من عقالها باتجاه الإجهاز على الآخر/ العدو، واستئصاله، بعد النظر إليه باعتباره مادة متاحة للقتل والتنكيل؛ لأنه كائن أقل آدمية، أو دون إنساني.
حرب في عروق اللغة
راهن كثيرون على أن الفلسفة، وبخاصة بعد مخاضات أزمنة التنوير الأوربي، قد توافرت على روافع وحيثيات نظرية إجرائية تحول دون الإيغال في تجريد الكائن المعذب من إنسانيته، تمهيدًا لتجريب سائر أشكال الموت والقتل والتعذيب والتهجير والنفي بحقه، وكانوا ينتظرون أن ينهض خطاب التنوير والحداثة، ويقول بصوته العالي الذي غير وجه أوربا: (لا) لقتل الأطفال والنساء وتدمير الحياة، ونحرها من الوريد إلى الوريد.
بيد أن الذي تكشف (للوهلة الأولى) أن أزمنة التنوير، وما حملته من وعود خُلبية بالعدالة والمساواة والحرية والإنصاف، كانت مراوِغة، وفي بعض الأحيان زائفة ومخادعة، ما طرح بقوة أسئلة ونداءات من قبيل «موت الفلسفة»، و«انتحار التنوير»، و«نهاية التاريخ»، والرغبة في «الخروج من العالم»، والبدء في قلب ظهر المِجن للحضارة الغربية التي تأسست، في بعض تمثلاتها، كما يقول الناقمون، على العنصرية وتفوق الرجل الأبيض، وفصلت ديمقراطية على مقاس مواطنيها ورعاياها والمنحدرين من دمائها «الزرقاء»، لا صلة لها بـ«الديمقراطية الملغومة» المعطاة للشعوب الأخرى، التي يحلو لبعضهم أن يصنفها بأنها «جنوب»، مع أن الجنوب ليس مقياسًا جغرافيًّا بالتأكيد.

فريدريك نيتشه
وقاد الاضطراب المفاهيمي إلى حدوث شرخ عصي على الفهم من حيث معايير الحكم على الأشياء والظواهر والأعراق والشعوب؛ إذ بدا أن هناك تراتبية «مريبة» في جعل قيم عليا كـ«الحرية» أو «العدالة» أو «الكرامة» أو «الاستقلال»، مقتصرة على شعب، أو فئة، أو جماعة دون سواها. وجرى إثقال الأخبار والتحليلات والمقاربات بعبارات من قبيل «حق الدفاع عن النفس»، وهو، للوهلة الأولى، مفهوم جذاب، سلس، لا يثير شكوكًا، فألفاظه تتماشى مع المنطق والحق الطبيعي في رد الفعل، لكن تطبيقاته على أرض الواقع، أو في ساحة الصراع، استبطنت تفسيرات انتقائية مشتقة من ترسبات عنصرية أو إثنية، أو استعلاء «مضمَر» في تصنيف الإنسان؛ بحيث يبدو هناك بشر من فئة أولى بعيون زرقاء ودماء «نقية»، وثمة آخرون هم آخرون، بما يعنيه ذلك من إقصاء، وطرد، ورغبة في الاستغناء عنهم، بوصفهم فائضًا. وهنا تندلع الحرب في عروق اللغة وشرايينها ومنعرجاتها وظلالها والتباساتها.
وجرى، في غمرة ذلك، استدعاء الثاوي في الذاكرة من مقولات وفلسفات تأسست على الفهم «الشرير» الذي ربما لم يكن يتقصده أو يتوخاه أصحابها، وهنا يقفز نيتشه إلى الواجهة، بوصفه فيلسوف «إرادة القوة» والمبشر بـ«الإنسان الأعلى»، المتفوق، أو «السوبرمان»، الذي صمم لكي يَقهر، لا أن يُقهر، على ما تستوجبه هذه المهمة «الخارقة» من تخطي كل الحواجز الأخلاقية، وتحطيم القداسات والكرامات، نزوعًا إلى تجلي «البطل العالمي» الذي يهزم الضعف، ويعلو فوق الشفقة، ويخلص البشرية من الضعفاء والمعذبين.
وبحث المنقبون عن جذور الانفصام في الفكر الغربي الذي تأسست عليه المركزيات المعاصرة، فألْفوا أن الحداثة ضمت تحت إهابها تصورات عنصرية أصابت لوثتها أفكار فلاسفة، بعضهم نظر للأخلاق وغدا نبيها، كما هي حال كانط، لكن نقاده عثروا على تقسيمات عنصرية للبشر على أساس اللون، حيث اصطفى صاحب «نقد العقل المحض» العِرق الأبيض بالذكاء والمقدرة على تشييد الحضارات، فيما جعل في المرتبة الثانية ذوي اللون الأصفر، ثم الأسود، ثم جاء الهنود الحُمر في قاع التصنيف، بوصفهم أسوأ الأجناس وأدناهم ذكاءً وابتكارية!

تأسيس وعي جديد
المتبرمون من الحداثة وأزمنة التنوير يرون أن هذه الأفكار التأسيسية ساهمت في بناء طبقات متراصفة فوق بعضها لـ«الحداثة البراقة»، بحيث تبدو طبقاتها الظاهرة للعيان مشرقة بالوعود والشعارات، لكن أعماقها السحيقة تشتعل بالتناقضات والازدواجية، وهو ما استخدم سلاحًا «فعالًا» في هجاء الحداثة، أو رثائها.
من وحي هذه الأفكار المضطربة، ورغبة في جلاء المفاهيم، وعدم الإسراف في الحماسة الهجائية لمنجز النهضة الفلسفي وخطابات الحداثة، ونزوعًا إلى تفكيك أحجية التنوير وتناقضاتها السافرة، جاء هذا الملف الذي شارك فيه أربعة مفكرين عرب، سعوا كل من جهته إلى توصيف وتفسير وتحليل وفهم ما جرى في أعقاب الحرب على غزة، التي ينسحب النظر في مقتلها على كثير من الحادثات التاريخية التي كشفت مأزق الخطاب التنويري في مواجهة أزمنة العنف والتوحش.

مارتن هايدغر
الزوايا الأربع للشهادات/ المقالات، ألقت أضواء ساطعة في ليل القهر المعرفي، من دون أن تسقط في قاع العدمية، أو في إصدار أحكام قاطعة بالدعوة إلى الاستقلال عن العالم والخروج منه، والانزواء في الجزر الذاتية المنعزلة؛ لأن طبيعة العيش المشترك تقتضي المساجلة، والمقاومة، وتطوير الأفكار، وتصفيتها من الشوائب والأتربة والأدران والأمراض، وهو ما يوحي بأن التصدع لم يأتِ على النواة الجوهرية لأفكار التضامن مع الحق والعدل وعلو كعب الإنسان ومناوأة الشر، فما زال في قنديل الخير زيت يضيء.
ولم تكن الأسئلة التي تعصف بأفكار الحداثة والتنوير بنتَ لحظة التدمير المتوحشة الراهنة، بل هجس بها الفلاسفة وأوسعوها بحثًا، بل قتلًا، حينما أكدوا أن الحداثة مسار تاريخي تصاعدي لفكرة التنوير، واقترحوا أن العبور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة لا يكون بالتجاوز وإنما بالتعافي، بالتعبير النيتشوي الذي طوره هايدغر، (ولكل منهما سياقه) وربما يكون هذا التعافي تعافيًا من الميتافيزيقا. ومن الأفكار التي حاولت أن تقطع مع الحداثة كان «نهاية التاريخ»، بمعنى ما يتبقى بعد تهدم المعمار الأخلاقي، وسيطرة الهمجية المؤسسة (أيديولوجيا) على الغلبة العنصرية والتفوق الحضاري، والتميز الثقافي.
وعلى هدير هذا الطوفان الهادر من الأفكار المتلاطمة تُستدعَى مقولات فلاسفة من عصر التنوير عن العدمية. فهل يمكن أن نصف ما يجري بعدمية إيجابية (محتملة) تقطع الصلة بالتصورات القارّة والقديمة والمألوفة والمسكنة للعواطف، ونذهب باتجاه تأسيس وعي جديد لحداثة حقيقية قائمة على صيانة الروح الإنسانية، بغض النظر عن مرجعياتها وعرقها ولونها وتاريخها البيولوجي وإرثها الأنثروبولوجي؟ وهل تكون «الإنسانوية» هي الخلاص، من خلال منظور جديد يرنو ويعمل على تأسيس وتجذير نظام أخلاقي (نزيه) قائم على القيم الطبيعية والبشرية؟ وماذا، بل كيف يمكن النظر، بعد اليوم، إلى الفكرة السياسية المنقعة بالأيديولوجيا والمحتشدة بالميتافيزيقا والغارقة في التعاليم الدينية التي تتحدث عن «عماليق» وعن نبوءة مفادها أننا «نحن أبناء النور، بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام»؟
من الضروري، بل المحتم، أن يكون لدينا في المستقبل خط متنامٍ وصاعد يرفض الانصياع للأمر الواقع، ويجترح رؤاه المستقلة في مختلف القضايا الجوهرية المتصلة بالحرية والكرامة والعدل. ومن المهم ألا يقف الوعي البشري، الذي أصيب جله بـ«بخيبة أمل» من تهافت وعود الحداثة والتنوير، على الأطلال، ويشرع في البكاء على من رحلوا أو خذلوا أو خانوا ميثاق الأفكار المقدس. فتشاؤم العقل لا يلغي تفاؤل الإرادة، بتعبير غرامشي، وهو ما يعني الامتثال لأعمق ما في درس سيزيف: أن نظل نرفع الصخرة إلى أعلى الجبل، حتى لو قذفتها العواصف وعبث الأقدار إلى قعر الوادي.
في الحداثة وازدواجية المعايير

فهمي جدعان – مفكر أردني
بعد أحداث السابع من أكتوبر، احتلت وصمة «ازدواجية المعايير» موقعًا فريدًا في الانتكاسات النقدية التي انتصبت قبالة الانحيازات الخارقة التي انطوى عليها الدعم الغربي المادي والمعنوي للفعل الإبادي العنصري الذي أقدمت عليه قوة الاحتلال الصهيوني الغاشمة في غزة، التي تعاني القهرَ والحصارَ والاختناقَ منذ عقود. دُعِمَ الغاصب المعتدي، وشُجِبَ الضحيةُ وحُماتُها، خلافًا لما جرى في حالات أخرى مماثلة.
لم يسأل أحد هذا السؤال: لماذا يمارس الغرب هذه الازدواجية في المعايير؟ ولماذا لا يسلك الغرب طريق العدالة والمساواة -التي يتبجح بها منذ عصر الأنوار- ولا ينظر إلى أطراف الصراع، وفقًا لما يفرضه مبدأ العدل ذاته؟
جذور المشكلة وجوهرها
ثمة، بكل تأكيد من يذهب إلى أن الأمر ذو جذور ممتدة في الصراع السياسي القديم بين الإسلام والمسيحية التي باتت عند بعضهم تلحق بما ينعت بالمسيحية- اليهودية. وقد يرى آخرون أن المسألة ترتد إلى «عقدة الذنب» المتأصلة في الغرب غداة ما لحق باليهود في ألمانيا النازية. ويعلل كثيرون الأمر بمطلق «النفاق» الغربي العالق بالمصالح والغايات وبالعطب الأخلاقي.
كل هذه التعليلات ذات نصيب من المطابقة ومن الحقيقة. لكنّ ثمة أيضًا منبعًا آخرَ قمينًا بالتفسير، هو أن الحالة تضرب جذورًا قوية في فلسفة الحداثة المنحدرة من فلسفة الأنوار، وذلك ما أذهب إليه في هذا القول، من دون أن أنكر التعليلات الأخرى.
درج مؤرخو الأفكار على القول: إن القطيعة التي حدثت بين العالم الحديث وبين العالم القديم؛ عالم أفلاطون وأرسطو والرواقيين، قد نجمت مع فولتير وديدرو وهيغل. لكن الحقيقة هي أن هذه القطيعة قد حدثت مع ديكارت وهوبز ولوك. كانت نظرة القدماء إلى العالم نظرة «كُلِّيّانِيّة» أو «هولستية». أما نظرة المُحْدَثين فقد كانت نظرة ذَرّيّة، جزئية؛ أي أنها تقوم على الأجزاء، أو الأفراد، أو الأشخاص، بما هم، بالطبيعة أفراد أحرار متساوون، مستقلون، عاقلون. لحق بذلك تحول من قصدية أو غائية «الحكمة» إلى غائية أو قصدية «الفعل» والمنفعة، وانتقال من «عبودية الخطيئة» المسيحية إلى «ديمقراطية المساواة». بتعبير آخر جرى تحول من النظرة الهولستية إلى النظرة الاسمية الذرية، وخروج للحداثة من عباءة (الأنوار).
والحداثة هذه، في تشخصاتها الأولى، ذات مبادئ حصرها مؤرخو الأفكار في تسعة: الحرية الفردية، المساواة بين الأفراد، العقل في خدمة العواطف والأهواء، تقديم العمل أو الفعل على الحكمة، والشرف والنبالة -وقد يمكن أن نقول عربيًّا: المروءة- على الصلاة والرجاء، والحب على الإنجاب، والسوق -أو اقتصاد السوق- على الجماعة، والديمقراطية التمثيلية، أو أولية الأمة على الدين، وأن الدين خاصة شخصية. يستقل كل مبدأ من هذه المبادئ بقطاع من قطاعات الحياة الخاصة أو العامة الاجتماعية.
تمثل الغرب الحديث في مطالع تشخصه قيم التنوير والحداثة. وبفضل هذه القيم استطاع أن يغزو العالم ماديًّا ومعنويًّا. وبفضلها أيضًا زعم أنه يتفرد ويتميز ويرقى ويهيمن على جملة الحضارات والثقافات الأخرى. وفي تطوراته المتأخرة بلور نطاقه الشامل في مدونة من المبادئ الرئيسة: الحرية، والمساواة، والعقلانية الأداتية، والرأسمالية، والديمقراطية التمثيلية الليبرالية المعززة بالثروة والقوة وطلب الهيمنة في حدود نظام يُجري فصلًا جذريًّا بين السياسة والأخلاق، وفصلًا آخر بين السياسة والدين. وذلك ما بات نظريًّا وعمليًّا يمثل ما يقترن بالحداثة المتأخرة.
في إطار هذا النظام، النظام الغربي، تحتل قيمة المساواة مكانة مركزية؛ كانت أحد المبادئ الثلاثة التي تبجحت بها الثورة الفرنسية. بيد أنها حين انخرطت في إنفاذها لم تُجرِ أحكامها وفقًا لمبدأ العدالة الإنسانية الشاملة؛ إذ إنها أحكمت قانونها في حدود الأمة الفرنسية، وخالفته خارج هذه الحدود، أي في مستعمراتها، حيث غاضت كل ملامحها وفقدت كل المعاني الأخلاقية التي زعمتها لنفسها، وأبانت التجربة عن أن المبدأ نفسه كان مضللًا، يمكن إنفاذه في مكان ويمكن خرقه أو خيانته في مكان آخر.
في أحشاء هذا المبدأ من مبادئ الحداثة يكمن سر وصمة «ازدواجية المعايير»، وذهاب الغرب السياسي اليوم إلى الوقوع في فِخاخها، أو إلى اختيارها وإنفاذها. لكن كيف ذلك؟ وكيف تنحرف الحداثة المتأخرة وتقع في هذا العار الأخلاقي؟

ديمقراطية المساواة وديمقراطية التفاوت
في التحليل المدقق لمبدأ المساواة يجري التمييز عادة بين ضربين من المساواة: المساواة العددية أو الرياضية، والمساواة الهندسية أو الجيومترية. الأولى حسابية، تعدد الأفراد الذريين، أما الثانية، الجيومترية، فتحدد الخصائص والمزايا والملَكات التي يتمتع بها الأفراد. الأولى عددية حسابية، والثانية كمالية وخاصة. (وذلك قريب مما جرى عليه التراث الأدبي العربي في التمييز بين العامة وبين الخاصة). ثم إن هذا التمييز ذو علاقة وطيدة بمبدأ آخر رئيس من مبادئ الحداثة، هو الديمقراطية، التي كانت النظام الحاكم في أثينا الإغريقية، وفيها أيضًا يثير مبدأ المساواة جدالًا يدرك مشكلها الراهن؛ ذلك أن الديمقراطية الأثينية ترفع من الشأن للمساواة بين المواطنين وتعول على المساواة العددية أو الرياضية، وذلك ما تعلق به الرواقيون الذين لا يضعون فروقًا في الطبيعة بين الأفراد، فجميع المواطنين متساوون أمام القانون. لكن أفلاطون وأرسطو أنكرا المنظور الديمقراطي، وذهبا إلى القول: إن المساواة العددية أو الرياضية غير عادلة؛ إذ هي تجعل ما ليس متساويًا متساويًا، وعندهما أن المساواة الهندسية المتناسبة، أي التي تعترف بالتفاوت في الفضائل الأخلاقية والعقلية وبالمشاركة فيها، هي مساواة عادلة.
تجنح الحداثة إلى إقرار المساواة بين الأفراد، لكنها، مع هوبز، تفتح أبواب المنافسة في طلب القوة والمال والمزايا والخبرات النادرة، وتثير المنافسة الصراع بين الأغنياء وبين الفقراء، فيعرض هيوم فكرة التعاطف.
ذلك هو المنطق الذي يحكم مبدأ المساواة في الحداثة الكلاسيكية. إنه منطق الديمقراطية التي تساوي بين الأفراد بما هم ذرات اجتماعية متساوية أمام القانون ومتساوية في قيمتها الذاتية أيضًا؛ إذ لا أحد من المواطنين يعلو أو يرقى أو يتميز على أي مواطن آخر. لكن هذا المنطق ليس هو المنطق الذي يحكم مبدأ المساواة حين يتعلق الأمر بالأغراب الذين ينتمون إلى مجتمعات أو دول لا تنتمي إلى الجغرافيا البشرية الغربية، وحين تجري الأمور، في أحضان الحداثة المتأخرة، حداثة عصرنا المباشر والجاري، التي خضعت لتغيرات غير طفيفة، وباتت سيالة في جملة سردياتها.
حين ندقق النظر في مسالك الغرب الحداثي المعاصر وفي علاقتنا به وعلاقته بنا، يظهر بوضوح أن الذي يحكم هذه المسالك ليس هو ديمقراطية المساواة، وإنما هو ديمقراطية التفاوت، التي تجسدت في الفضاء الأثيني القديم في النظام الأرستقراطي. بكل تأكيد ليس المقصود هنا، في الغرب الحديث، هو الأرستقراطية الاجتماعية الطبقية، وإنما الأرستقراطية بما هي نظام ثقافي وديمقراطي أو علمي أو فني أو تقني يتميز بمنجزات جليلة في شتى الحقول: الأدبية والعلمية والفنية والتقنية والعسكرية.. بها يتميز ويختال ويعلو ويهيمن.
يعي الغرب السياسي وعيًا تامًّا أن احتيازه لهذه المزايا، على نحو غير عادي أو خارق، يسوغ له الاعتقاد أنْ لا أحدَ يمكن أن يكون مساويًا له. ويقترن بذلك أن تقديره للشعوب والثقافات الأخرى، الأدنى، سيلقي بظلاله على تقديره وعلى نظرته الإجرائية لمبدأ المساواة. والمحصل الغربي هنا هو أن موقف التعالي أو الاستعلاء -بل الاحتقار في حالات بعينها- هو المنطق الذي يحكم علاقته بالآخرين الذين لا يملكون ما يملك من المزايا، وأن مبدأ المساواة الجيومترية، لا مبدأ المساواة العددية أو الحسابية، هو الذي ينبغي أن يَحكم.
ويلحق بذلك أن ديمقراطية المساواة تنسحب لتحل مكانها ديمقراطية التفاوت والمزايا واللامساواة، والتضاد، بل التناقض في التقديرات وفي الأحكام. وأخطر من ذلك الاحتقار ونكران العدالة والامتهان، بحيث لا يعود الفرقاء الذين يمتازون بكثرة العدد، حسابيًّا، مساوين للفرقاء الأعظم مكانة وقوة في عالم المعرفة والعلم والعمل والمال والتجارة والإعلام والإبداع الفني والتقني. حينذاك تَحكم «ازدواجية المعايير» وتعلو الكفة لخير هؤلاء دون أولئك، ويتداعى النظام الأخلاقي. وليس ذلك إلا وجهًا من وجوه القصور والعَوار، بل الشر الذي تجريه الحداثة المتأخرة في النظام الإنساني؛ إذ تكشف عن وجهها القبيح في الانحطاط الإنساني الذي فضحته وقائع الإبادة الجماعية التي أنفذتها في غزة قوة الاغتصاب الصهيوني المدججة بالدعم المادي والمعنوي الغربي، وباختلالات الحداثة وجنوحها الأخلاقي.
في تعثر الحداثة وتداعياتها

نايلة أبي نادر – كاتبة لبنانية
بين اختراع المطبعة، وحركة لوثر الإصلاحية، واكتشاف القارة الأميركية، وانتشار نظرية غاليله، وحدوث الثورة الصناعية في أوربا، وتحول المجتمع من حال الريعية إلى حال الإنتاج، وبدء تطور النزعة الإنسانية، بين كل هذه الأحداث وغيرها، تعددت المقالات التي تؤرخ لموعد بداية الحداثة.

جان بودريار
أورد جان بودريار في مقالة له حول الحداثة في موسوعة أنيفرساليس أنه «ليس للحديث عن الحداثة أي معنى عندما يتعلق الأمر ببلد من دون تقاليد وتراث، ومن دون عصور وسطى كالولايات المتحدة الأميركية. وعلى العكس من ذلك، فإن للتحديث تأثيرًا قويًّا في بلدان العالم الثالث، التي هي بلدان ذات ثقافة تقليدية». ويشير بودريار، في المرجع نفسه، نقلًا عن كارل ماركس، إلى أن «التجريد الملازم للدولة السياسية، من حيث هي كذلك، لا ينتمي إلا للعصور الحديثة؛ لأن تجريد الحياة الخاصة لا ينتمي إلا إلى العصور الحديثة. في العصور الوسطى، كانت حياة الشعب وحياة الدولة متطابقتين: فالإنسان هو المبدأ الواقعي للدولة، إن العصور الحديثة هي الثنائية المجردة، هي التعارض المجرد المفكر فيه».
من أهداف الحداثة
إن ما حاولت الحداثة أن ترسخه في الأذهان، وبخاصة في عصر الأنوار، كان واضحًا من جهة أولوية العقل، واستقلاليته، وعدّه المرجع الأساس في البت في أمور الحياة والمجتمع، وفي كل ما يتعلق بالإنسان. عن سؤال: ماذا تعني الأنوار؟ يجيب الفيلسوف الألماني كانط بما يأتي: «إنها خروج الإنسان عن حالة قصوره، ذلك القصور الذي يكون الإنسان ذاته مسؤولًا عنه». كان يقصد بالقصور «عجز الإنسان عن استخدام فهمه دون توجيه الآخرين»، وذلك مرده إلى «غياب القدرة على اتخاذ الموقف والشجاعة في استخدام الفهم دون قيادة الآخرين». أكد كانط على أن جمهور الناس بإمكانهم أن يستنيروا بمفردهم شرط أن يتوافر أمامهم «مجال الحرية»(1).
انتقد فكرُ الحداثة الأيديولوجيا الضيقة وعمل على زحزحة حدودها من أجل إسقاطها. كذلك شدد على الممارسة النقدية، وإعادة النظر في الأولويات والثوابت الراسخة عبر الزمن، وتوسيع مجال استعمال العقل، وتعزيز الوثوقية فيه. نادت الحداثة بالأنسنة، وركزت على قيمة الشخص البشري في حد ذاته، بمعزل عن انتماءاته من عرقية أو دينية أو وطنية أو غيرها. نلحظ أيضًا أنه من ثمار الحداثة كان السعي إلى بناء الدولة الحديثة على أسس العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وأن الجميع متساوون تحت القانون. يكفي أن نقرأ بنود الشرعة الدولية لحقوق الإنسان لكي نلحظ كم كان أثر الفكر الحداثي واضحًا. كذلك مع تطور وانتشار بعض التيارات الفكرية كالأنسنة والوجودية والشخصانية وغيرها، أصبح الكلام رائجًا في الغرب في مجال احترام الإنسان وحقوقه، والعمل على إنصاف المظلومين، وحماية حقوق المستضعفين، والمساواة بين الجنسين، وإعطاء الشعوب الحق في تقرير مصيرها،… إلخ.
من البين كم أن سقف الحداثة كان عاليًا، وكم أن طموحاتها كانت واسعة الأفق. لكن هل كان من السهل أو من المتاح بلوغ الهدف؟
تساؤلات نقدية
التوقف عند تعثر الحداثة في تحقيق ما سعت إليه، وبخاصة بعد كل ما نشهده من حولنا من تدهورٍ متسارعٍ على أكثر من مستوى، هو ما نرنو إليه. نختبر اليوم حالًا من الاهتزازت والتحولات المربكة في أكثر من مكان، نتج عنها فقدان التوازن، وزيادة القلق على المصير، وما ينتظر البشرية من تهديدات، وبخاصة خلال جائحة كورونا، وما تلاها من ارتدادات سلبية على الصُّعُد النفسية، والاقتصادية، والصحية، والاجتماعية. إضافة إلى تعاظم المشكلات البيئية، وأخطار التغير المناخي، وما أدت إليه من كوارث تهاجم مختلف بقاع الأرض كالأعاصير والفيضانات والحرائق المتسعة الانتشار؛ إذ لم يعد أحد بمعزل عنها، والجميع مهدد بأخطار جمة، ومعني بالتفكير فيها والعمل على الحد من تداعياتها.
من هنا نسأل: أي نهج عقلاني يمكنه أن يفكك الأسباب التي أدت إلى كل ما يعصف بنا؟ مَن المرجعية المخولة بالقيام بالمراجعة النقدية والبحث عن مخارج تليق بالكائن البشري الذي استلم قيادة العالم المعاصر؟ هل لعقل الحداثة والأنوار بعدُ من كلمة مسموعة، وتحليل منطقي يقدمه في سبيل إيجاد مخرج لكل هذا التعثر؟
كيف لنا، أن نقبل بعدم إخفاق الديمقراطية، وبسقوط شرعة حقوق الإنسان، وبتراجع العقل النقدي المعارض بموضوعية؟ وبخاصة، بعد كل ما نشاهده من مأساة تلطخ جبين الإنسانية، وذلك منذ تاريخ السابع من أكتوبر الماضي، مع قدوم العاصفة الآتية من قطاع غزة، التي ضربت بقوة شاشات الوعي، وأمطرت عليها وابلًا من الأسئلة المقلقة، والمشاهد الموجعة، والصرخات التي تدمر السكينة الفكرية، وتقوض أسسها؟
قيمة الوجود البشري أصبحت موضع تساؤل، الكيل بمكيالين في مراكز القرار أصبح صادمًا من شدة وضوحه، وبخاصة عند ناشري فكر الحداثة وكافليه. هذا الفكر الذي يتضمن شعارات رُفعت عاليًا، وفُرِضَت بنوع من الراديكالية نظرًا إلى عدّها من مقومات المجتمعات الحديثة، ودولة القانون والمؤسسات. فالعقل العلمي عندما يريد أن يقيم أي عمل بموضوعية نجده يبدأ في مراجعة منطلقاته، وفرضياته، ثم مساره، فالنتائج التي توصل إليها.
شعارات الحداثة والتنوير والثورات التي انطلقت باسم الحرية والتحرير، والسعي إلى مقاربة الحقيقة بعيدًا من الأيديولوجيات الضيقة، كلها أصبحت اليوم على محك التساؤل النقدي. إعادة النظر باتت أمرًا ملحًّا في كل ما أُطلِقَ من شعارات كالأخوة والعدالة والمساواة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ناهيك عن الحق في تأمين المأكل والمشرب والطبابة والسكن اللائق بالكائن البشري.
لمَ بات الدفاع عن الحرية، وبخاصة حرية التعبير، أمرًا نسبيًّا يخضع لأكثر من معيار؟ كيف تتم مقاربة الوقائع اليومية من جانب وسائل الإعلام، وكيف تُتَلَقَّى هنا وهناك؟ وبالعودة إلى كانط، هل يمكن لإنسان اليوم أن يكون لديه فهم منطقي لما يحدث من حوله من دون «توجيه الآخرين» (وسائل الإعلام)، وما يُسمح لها بنشره؟
لم يكد المجتمع العربي يلملم تشظياته، ويضمد النزيف القاتل الذي عاناه منذ مطلع الألفية الثالثة، حتى استفاق على ما يمكن تسميته انقلابًا في غاية الخطورة. المقاييس تبدلت، والمعايير اختلفت. ما درسناه في الكتب لم نجد له صدى في الواقع. وما نُودِيَ به على الشاشات والمنابر لم يحظَ بترجمة له على الأرض. كيف لنا أن نستوعب ما يجري ونتعاطى معه ببرودة العالِم في مختبره؟ هل يمكننا بعدُ أن نضع نظارة الموضوعية ونفكك حقيقة ما يجري؟ كيف للوعي أن يفهم هذا الشرخ الهائل بين ما رُوِّجَ له منذ زمن حول الحداثة الفكرية، واستقلالية العقل، وضرورة مقاربة الواقع من الوجهة النقدية مهما كانت موجعة ومكلفة، وأهمية العمل على الكشف عن «المسكوت عنه» في الخطاب السائد، وإلزامية اقتحام دائرة ما هو «مستحيل التفكير فيه»، من دون أن نغفل عن كثرة المشروعات الساعية إلى زحزحة السقوف الأيديولوجية الرابضة بقوة على أنفاس العقل من أجل إسقاطها؟ هل بقيت الحداثة بالنسبة إلينا مشروعًا فكريًّا غربيًّا منسلخًا عن المجتمعات العربية وثقافة أهلها؟
قبل أن تحل الكارثة
نعم، كانت شعارات النهضة عالية النبرة، وطموحات الحداثة بعيدة الأفق، والآمال بوسع الانتظار الذي طال قرونًا. لكن، الواقع مختلف بوضوح عن الفكر، فالهوة الفاصلة بينهما راحت تزداد عمقًا مع تتالي الأيام والسنين. تجدر الإشارة هنا إلى أنه بدأت تتكشف ضخامة الانفصام بين التنظير والتطبيق، بين ما ينادي به كبار المفكرين والأدباء والشعراء في الغرب كما في الشرق، من جهة، وبين حقيقة ما يحدث في الغرف المظلمة حيث تؤخذ القرارات المبنية على القمع والسيطرة واستغلال الضعفاء والفقراء، من جهة أخرى. كذلك يبدو جليًّا الاتفاق على غض النظر عن هدر حقوق البشر في ناحية من هذا العالم، والاستماتة في الدفاع عنها في ناحية أخرى منه. هناك راديكالية تواجه راديكالية أخرى، والتطرف يمتلك لغة تزداد انتشارًا يومًا بعد يوم، هنا وهناك. يمكن أن نشير إلى أن عملية رفض نهج التفكير الذي كان سائدًا في أوربا في القرون الوسطى، تميز بالراديكالية. كذلك نجد أن رفض الحداثة ومعطياتها في مجتمعات لا تزال تقبع في التقليد، وتقدس التراث وتفضل أن تبقى مخلصة لمجمل ما ورد فيه، جاء راديكاليًّا هو الآخر.

قسطنطين زريق
يلفتنا في هذا السياق توقف قسطنطين زريق في نهاية القرن الماضي، من خلال دراسة له في مجلة «المستقبل العربي» بعنوان: «النهج العصري» عند سلبيات الحداثة وأخطارها، فيذكر في البداية الحروب المرتقبة والناشئة التي تجابه الإنسانية خطر اندلاعها، وبخاصة بعد تطور نظام تصنيع الأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية. ومن ثم يشير إلى «آثار التسلح والتسليح» على الاقتصاد والمجتمع في آنٍ؛ لأن حجم الدمار أصبح كبيرًا، والمخاوف والأهوال متعاظمة، مثل: «امتصاص نسبة كبيرة من ثورة الشعوب، المادية والبشرية وتحويلها عن المطالب الملحّة في التنمية والإعمار في مكافحة الفقر والجوع والمرض والجهل وشتى وجوه التحرير الإنساني». هذا الوضع، في رأيه، سينعكس سلبًا على الدول النامية فيزيد من غرقها في التخلف والحرمان. كذلك يلحظ زريق أنه من سلبيات الحداثة «اتساع الفوارق بين الشعوب القادرة والشعوب الضعيفة»، وهو الأمر الذي سيضاعف الاستغلال ويزيد حجم «الفجوة» بين الأقوياء والضعفاء؛ إذ بعد انحسار الانتداب التقليدي حل محله استعمار جديد ابتدع أساليب خاصة للاستغلال. ويتابع قسطنطين زريق تحليل انعكاسات الحداثة السلبية، فيذكر «اختلال النظام الاقتصادي العالمي» انطلاقًا من انخفاض معدلات النمو، والركود والانكماش والبطالة والتضخم، وارتفاع مديونية الدول النامية، وازدياد تبعيتها للدول الصناعية.(2)
ليس المجال متسعًا هنا لذكر مجمل المفكرين الذين توقفوا عند درس الحداثة وإبراز سلبياتها كما إيجابياتها، إنْ في الفكر الغربي، أم في الفكر العربي، إنما الهدف يكمن في الإضاءة على أزمة فعلية تواجه العقل اليوم، وتجبره على أن يتفحص بدقة إخفاقاته كما انتصاراته، ارتقاءاته النظرية كما خيباته العملية. العقل مطالب في هذه المرحلة من التاريخ المعاصر، وقبل أن ينتقم التراث لنفسه، وتستعيد ذهنية القرون الوسطى نفوذها، بتعرية ذاته، وتشذيب أدواته، وتصويب مساراته، بعيدًا من الراديكالية، وعن التقوقع ضمن أيديولوجية محدودة الأفق والأهداف. ألم تأتِ الساعة بعدُ للانخراط في مهمة وجد العقل لأدائها؟
اغتراب المشروع الحداثي
حسن حماد – كاتب مصري
بداية لا بد من الاعتراف بأنّ الحداثة بمدلولها الحضاري الشامل مسألة تنتمي بجذورها وروافدها إلى عصرَيِ النهضة والتنوير. وقد اتخذت تلك الحداثة من العقل سلاحًا وقاعدة صلبة أقامت عليها انتصاراتها، وهو الأمر الذي سمح للحداثة الأوربية بالفوز في كل المعارك التي خاضتها العقلانية الأوربية، وبخاصة في معاركها مع رجال الدين والإقطاعية الرجعية، وضد التحالف غير المقدس الذي كان قائمًا آنذاك بين السلطة الدينية وبين السلطة السياسية.
وعلى هذا، فالحداثة تشير هنا خاصةً، أولًا إلى سيادة العقل، الذي أدى بدوره إلى انتصار ما هو إنساني على ما هو لاهوتي، وأدى في النهاية إلى بلورة التيار العلماني الذي سعى بكل قوة إلى فصل الدين عن السياسة، وتحرير العلم والفلسفة والفكر والثقافة والفن من قبضة رجال الدين.
تقدم مادي وتراجع أخلاقي
وعلى الرغم من الوجه المشرق للمشروع الحداثي، والتفاؤل المسرف بمستقبل البشرية التي ستحكمها سلطة العقل والعلم، فإنّ الصورة الواقعية والفعلية لم تكن بهذا النقاء الفكري، فالمظهر البرّاق الجذاب لعصرَيِ النهضة والتنوير لم يكن دائمًا كذلك، والجنة التي تَطَلَّعُ إليها الناس كي تتحقق على ظهر الأرض بعد قيام الثورة الفرنسية لم تكن سوى وهم. ويكفي للتدليل على صحة ما نقول أنّ رجال الثورة، بعد أن حطموا النظام القديم للملكية، وبعد أن تولوا مقاليد الأمور، توقفوا عن المناداة بالمساواة الكاملة للجميع، وبدؤوا يغيّرون مبادئهم، فتخلوا عن مساندتهم للفقراء والعمال والزرّاع والمهمشين، وتركوهم في تعاستهم، وتوجه كل جهدهم من أجل إسعاد طبقتهم؛ طبقة البورجوازيين الكبار والصغار، ولم يستطيعوا أن يتحرروا في تفكيرهم ومسلكهم من الانحياز للطبقة الرأسمالية. ثم لم تلبث الثورة الفرنسية أن أصبحت معبرة عن طموحات وتطلعات أغنياء البورجوازية الذين أظهروا جشعًا فاق جشع طبقة النبلاء القدماء.

هربرت ماركيوز
ويبدو أنّ السبب وراء تعثر المشروع الحداثي يعود إلى أنّ التقدم المادي لم يرافقه بصورة مكافئة تقدم معنوي وإنساني. ومن هنا جاء هذا التباين الشاسع بين التقدم بمعناه المادي والسياسي والعسكري، والتقدم بمعناه الإنساني والأخلاقي والمعنوي. وللتدليل على ذلك نذكر أنّ الضمير الأخلاقي الغربي لم يستنكر إبادة أهل أميركا الأصليين (الهنود الحمر)؛ إذ اشتركت كل الشعوب الأوربية المهاجرة إلى العالم الجديد في هذه الجريمة البشعة. هذا الفكر الغربي المثالي نفسه القائم على أفكار التقدميين لم يستنكر قط الاستعمار، وأباح إذلال الشعوب الأخرى ونهب أموالها وإهدار كرامة شعوبها؛ لأنّ مفهوم حقوق الإنسان قد اقتصر فقط على الإنسان الغربي، فهو وحده الإنسان، أما سواه فأي شيء آخر غير إنسان. وعندما أسقط الأميركيون قنابلهم الذرية على هيروشيما وناغازاكي لم يتحرك أحد من أهل الغرب؛ لماذا؟ لأنّ الضحايا في هذه الحالة كانوا يابانيين وغير أوربيين.
وبالقياس نفسه استباحت الولايات المتحدة الأميركية، في بداية القرن الحالي، احتلال أفغانستان، ومن بعده احتلت العراق في حرب ظالمة وغير متكافئة راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، ولم يتحرك الضمير الأوربي، ولم يتأثر أحد بصور المجازر الجماعية ومشاهد التعذيب والتشويه والإذلال التي مارسها جنود المحتل الأميركي ضد أطفال وشيوخ ونساء وأبناء الشعب العراقي في حرب لا مسوّغ لها سوى الرغبة المجنونة في التوسع واحتقار الشعوب غير الأوربية واستغلالها.
والآن يتكرر السيناريو ذاته، ويشهد العالم كله، من أقصاه إلى أدناه، حربًا قذرة تشنها إسرائيل بمساندة ومباركة أميركية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. إنها حرب إبادة حقيقية لشعب مناضل، كل جريمته أنه يدافع عن قضيته العادلة، وعن أرضه وحقوقه المستلبة. بِمَ يمكن أن نصف هذا؟ أليس هذا نوعًا من الوحشية والهمجية وأحط أنواع القرصنة التي يشهدها التاريخ المعاصر؟ فباسم الحرية تُرتكب الآن أبشع الجرائم في التاريخ، وباسم حقوق الإنسان يجري إذلال الشعوب وقتلها وتشريدها وإبادتها وسحق كرامتها.
نقد العقل المتوحش
إننا نشهد في أيامنا الراهنة أكبر عملية تشويه متعمد ومقصود للقيم والمبادئ والأفكار، ونشهد انقلابًا لكل المعايير وانقلابًا لأسوأ وأردأ نوازع الشر والعنف والعدوانية لدى الإنسان. تُرى بِمَ تفسر هذه الازدواجية التي يحياها العقل الغربي بين أهدافه التحررية المنشودة والمعلنة، وبين ممارساته القمعية الفعلية والفجة؟
إن الإجابة في كلمة واحدة هي «الاغتراب»، والمقصود بالاغتراب هنا «خلل العقل» أو فقدان السيطرة. وضلال العقل في هذا السياق ظاهرة ترتبط بتوحش الرأسمالية؛ الرأسمالية الفاشستية (إن جاز التعبير)، فهذه الرأسمالية الجديدة العابرة للقارات تفتش دائمًا عن أساليب جديدة وخبيثة تسعى من خلالها إلى الهيمنة على ثروات العالم، واضطهاد وسحق الشعوب الفقيرة، وإعادة تشكيل خريطة العالم بما يتفق وأهدافها التوسعية البغيضة والقذرة. إننا نواجه نوعًا جديدًا من الداروينية الاجتماعية التي لا تتورع عن استدعاء سائر المكبوتات العنصرية والعرقية واللاهوتية الكامنة تحت قشرة الحداثة الزائفة!
إنّ ثورة العقل الحديث التي قامت ضد الغباوة والقهر والخوف من المجهول وضد القسوة والرعب وإرهاب الإنسان، هذه الثورة تتحول إلى نوع من الثورة المضادة التي تحاول أن تغتال كل منجزات عصرَيِ النهضة والتنوير، وتعود بالإنسان إلى حالة الهمجية الأولى.
إنّ العقل الإنساني الراقي الذي يستطيع القيام بوظائف: النقد، التخيل، الإبداع، التأمل، التفكير.. هذا العقل نفسه مهدد بخطر التحول إلى اللاعقل: التبرير، الامتثال، الخضوع إلى المهادنة؛ فيصبح موظفًا في مؤسسات القمع والإرهاب.
وتعبيرًا عن هذه الازدواجية التي يمكن أن يعانيها العقل يقول «هربرت ماركيوز» في كتابه «العقل والثورية»: «إنّ فكرة العقل تستوعب كل شيء وتغفر كل شيء.. ربما يكون لنا الحق منطقيًّا وتاريخيًّا أن نعرف العقل على النحو الذي يجعله يتضمن العبودية، محاكم التفتيش، تشغيل الأطفال، معسكرات التعذيب، غرف الغاز، الاستعداد النووي. إنّ هذه المظاهر يمكن أن تشكل عناصر مكملة للعقلانية التي حكمت التاريخ المدون للنوع البشري».
ويبقى السؤال الحائر: ما العمل؟ هل نسلم بهزيمة العقل، ونُقِرّ بخيبة أمل الحلم البروميثيوسي، ونعلن يأسنا من العلم، ومن كل الحلول الإنسانية؟
بالتأكيد، إننا لا نريد أن نصل إلى هذه النتيجة السوداوية. فلا يعني نقد العقل رفضنا الجذري له على طريقة إما- أو. ولهذا فإنّ نقد العقل في هذا السياق ليس استبعادًا للعقل؛ إذ إنّ البديل في هذه الحالة معروف، إنه العودة إلى أحضان الجهل والخرافة، والتسليم بالعجز المطلق للعقل. وهذا البديل مرفوض من جانبنا تمامًا. إنّ النقد هنا معناه تصحيح العقل من داخل العقل وعبر قوانينه ومبادئه. وهذا هو الأمل الحقيقي من وجهة نظري، أعني أنّ التفتيش عن وسيلة لإنقاذ العقل من أزمته لا يكون خارج نطاق العقل، وإنما من داخل العقل نفسه، فاليد التي أحدثت الجرح هي التي تداويه في نهاية الأمر.
دفاعًا عن الحداثة

محمد المصباحي – كاتب مغربي
كانت علاقتنا بالحداثة منذ احتكاكها بنا علاقة متوترة تتخذ في كل مرة شكل أزمة حادة، إلا أن الأزمة الأخيرة التي نقاسيها منذ «طوفان الأقصى» أزمة فريدة في نوعها؛ إذ وضعتنا وجهًا لوجه أمام ما تواترت وسائل التواصل الاجتماعي على تسميته «إفلاس قيم الحداثة والتنوير»؛ بسبب الانحياز الجائر لبعض مفكري الحداثة الألمان لفعل الإبادة الشامل الذي تقوم به إسرائيل للشعب الفلسطيني، من دون أي اعتبار للشعور الأخلاقي وللقيم الإنسانية النبيلة.
اندفع هذا الرهط من الفلاسفة الناطقين باسم الحداثة للدفاع عن «حق» المحتل الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه، متجاهلين حق الفلسطينيين المطرودين من بيوتهم ووطنهم في الدفاع عن أنفسهم. الأزمة الآن، إذًا، ليست أزمة صراع بين الحداثة وبين التراث؛ بين ثقافة التقليد وبين ثقافة التجديد والتغيير الجذري، وإنما هي صراع بين الحق وما شُبِّه لهم أنه حق، ما يعني أنه صراع بين الفلسفة وما يشبه الفلسفة، وهي السفسطة.
فصل الحداثة عن الغرب
سمحت لنا محنة غزة أيضًا أن نكتشف قدرة ذاتنا على إيقاظ الذات الغربية من سباتها بشأن فكرة الحق الذي هو من مقومات التنوير. نعم، يمكن فهم ممارسة يورغن هابرماس الكذبَ على أنه كان يدافع عن مصالح بلاده الواقعة تحت أسر الولايات المتحدة الأميركية. لكن هل دفاعه عن خرافة الحق الإسرائيلي مفيد فعلًا لوطنه كوجود ومصير؟ لا أعتقد.
ما نخشاه من هذه الفضيحة الفلسفية أن تجد الغالبية العظمى من أهلنا فيها ذريعة لهجاء الأنوار والتخلي عن مُثُلها النبيلة؛ كالمساواة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية والإنسية وحق الاختلاف،… إلخ؛ فتندفع ضدًّا على هؤلاء المعطلة من فلاسفة الغرب لمبادئ التنوير، للسقوط في أحضان عدمية محبطة تروج لانعدام المعنى، والعقلانية، وعدم جدوى الفلسفة والفلاسفة. لا شك أن من غايات مخططي الإبادة الشاملة للشعب الفلسطيني باسم «حق» إسرائيل في الدفاع عن نفسها، هي دفع قوى ثقافية أصولية واستبدادية في مجتمعاتنا للإجهاز على الجزء الضئيل من مكتسباتنا من الحداثة الفلسفية التي نَعُدّها فعلًا لاستكمال النقص الروحي لماهية وجودنا التاريخي.
نعم، لا ننكر مشروعية التطلع للتحرر من الانبهار بالحداثة والانعتاق من التبعية لممثليها، لكننا نعتقد مع ذلك أنه ليس من حقنا ولا من مصلحتنا أن نتخلى عن الحداثة، وبخاصة الحداثة الفلسفية، بمجرد إعلان رهط من منظريها عن ضربهم بعرض الحائط لمبادئها. إننا نرى في المقابل أن الأجدر بنا أن نقوم بفصل الحداثة عن الغرب، والتشبث بالحداثة بما هي حداثة، لا بما هي حداثة غربية، اعتقادًا منا أن الحداثة، وبخاصة الفلسفية، ليست مطلبًا عرضيًّا عابرًا لشعوبنا العربية، بل هي مطلب جوهري لوجودها التاريخي؛ كيلا تلتهمه نار الأصولية والتفاهة والثورة الرقمية.
بعبارة أخرى، المشكل الذي علينا أن نتصدى له اليوم هو كيف نحقق الحداثة من دون حمولتها الغربية، ومن دون الوصاية أو الإملاء الغربي. إذًا، لم يعد المشكل هو كيف نوفق بين زمانين: زمن التراث وزمن الحداثة، وبين فعلين متقابلين؛ المحافظة على الهوية التراثية والانقلاب عليها، وإنما صار المشكل هو كيف نحول الحداثة إلى «مكان محايد»، لا شرقي ولا غربي.
والحقيقة أنَّ تَنَكُّرَ بعض أساطين الفكر الحداثي للقيم الإنسانية الأساسية، وانسياقهم وراء مساندة الإبادة العرقية للشعب الفلسطيني، وإنكار حقه في مقاومة الاحتلال؛ هو دليل على تخليهم عن الحداثة بما تقتضيه من عقلانية وموضوعية ونقد ونقد ذاتي، وبهذا التَّنَكُّر يكونون قد انتقلوا فعلًا من مرتبة الفلاسفة إلى مرتبة السفسطائيين والعوام. وما يميز العوام أو الجمهور هو خضوعهم للنظرة الأحادية ذات الطبيعة الوثوقية التي تحركها نزعة وطنية ضيقة أمسى فيها الظلم عينَ الحق. بهذا السلوك اللاحداثي يكون الغرب قد أكد فقدان ريادته الفكرية والحضارية، إلا أننا لا نتفق مع ما قاله الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو من أن نهاية الحداثة مقرونة بنهاية سيطرة أوربا، فالحداثة باقية بقيادات أخرى أكثر حصافة وحكمة.
الحداثة بمعيار الحق
إن إخلال بعض المفكرين الغربيين، كهابرماس، بمبدأ المساواة بين الأمم، وتحويلهم الحق إلى باطل، جعلهم مفكرين ما قبل حداثيين يخفون تعلقهم بأيديولوجية غربية ذات منحى عِرقيّ بالمعنى الألماني للكلمة. فالدفاع عن دولة اغتصبت أرض غيرها وسلبت سكانها حقهم في الحياة في وطنهم، هو فعل أصولي وعرقي بامتياز. مع ذلك لا ينبغي أن يؤدي موقفهم إلى إعطاء ظهرنا للحداثة والعودة إلى فكر القرون الوسطى. إضافة إلى ذلك، علينا أن نَعُدّ موقف المساندين للعدوان والطغيان الغربي- الإسرائيلي نقطة ضعف، واستثماره لتعديل خط الحداثة الفلسفية وإرجاعها إلى صوابها.
الذين يُلقون باللائمة على الحداثة والأنوار عليهم أن يدركوا أن الحداثة ليست مرادفة للحق، ولا كمُل الحق عند دعاتها؛ لذلك علينا ألا نطالب هؤلاء المارقين عن الحداثة والأنوار أن يكونوا فاضلين، صائبين ومنصفين دائمًا في أحكامهم ومواقفهم إزاءنا. ونقول هذا لأنه بالرغم من أن الحداثة «زمان مشترك» قائم على وحدة الإنسانية، فإن تطورها فرض وجود «أزمنة خاصة»، طالما أن الزمان المنسجم والمتطابق مع نفسه لم يعد ممكنًا. من هنا حقَّ لنا أن نعدّ الحداثة الغربية «زمنًا محليًّا» وليس من حقها أن تُملي علينا ما هو حق وما ليس حقًّا، ما هو خير وما ليس بخير.
نعم، أعترف بأنني كنت أعدّ الغرب جزءًا منا؛ لأنني كنت أرى أن العلاقة بيننا وبين الغرب ليست علاقة ضدية وإنما هي علاقة إضافية، أي أننا موجودون داخله بفضل علومنا وفلسفاتنا وتصوفنا، وهو موجود داخلنا. من هنا جاءت مناداتي باستبدال شعار «محبة الحكمة» (اليونانية) إلى شعار «محبة الحداثة الفلسفية»؛ إذ هي الضامنة لاستمرار تحديث ثقافتنا وتطويرها. كما كنت أتصور الحداثة كلًّا: إما أن نأخذها كلها أو نتركها كلها. لكنني بعد محنة غزة صرت أميز بين حداثة وحداثة على أساس معيار جديد هو الحق. وبهذا يمكننا نحن العرب لأول مرة أن نأخذ المبادرة في الأزمنة الحديثة لإيقاظ الضمير الغربي.
من هنا بوسعي أن أقول: إن ما يميز بعض الفلاسفة الغربيين ليس نسيان الوجود، كما قال هايدغر، وإنما نسيان الحق، أقصد نسيان الحق البشري، وهو ما يفسر اندفاعهم لممارسة شتى أبشع أنواع الظلم على شعوب الأرض: كالاستعمار، والميز العنصري، وإبادة الشعوب والثقافات وهدم المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمكتبات والمستشفيات.
أعتقد أنه ما زال اليوم من الحكمة الدفاع عن الأنوار لأنها بلغة ابن خلدون، «خلقٌ جديدٌ» يعيد النظر يوميًّا في كل شيء: في الكون، وفي الإنسان، وفي العقل، وفي الخيال، وفي الفعل والانفعال، في العلم والفن والأدب، وفي الدولة والعمران، في الحياة الاجتماعية والسياسية،… إلخ. لكن لكي تبقى جذوة الأنوار والحداثة متقدة في خلقها الجديد، علينا أن نفتح لها ورشات جديدة على ضوء ما أصابها من خلل من جانب بعض الفلاسفة الغربيين.
لا نريد في عالمنا العربي أن تلبس الحداثة لباس «ما قبل الحداثة» كما يفعل الإرهاب الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية منذ عقود، حيث يستندون إلى أساطيرهم التوراتية لتبرير اغتصابهم لأرض الشعب الفلسطيني وإبادة سكانها باسم الحداثة الديمقراطية. هذا الخلط لا يمكن أن يحارب بخلط مضاد له، بل بالرجوع إلى مكتسبات الحداثة بما هي حداثة لإثبات أن تمادي الغرب في نرجسيته المتغطرسة لن يكون مآله سوى الانتحار التاريخي. وهذا الانتحار التاريخي هو الذي أعماهم عن إدراك الفرق الجذري بين الإنسان الفلسطيني و«الإنسان» الإسرائيلي.
أخيرًا، فرق كبير بين التنوير الذي أوجب على إميل زولا أن يحتج على الظلم الذي لفق بالضابط الفرنسي ذي الديانة اليهودية، دريفوس، وبين «الحداثة» التي أوعزت لرهط من الفلاسفة الألمان تأييد إبادة يهود إسرائيل للفلسطينيين ككل.
عقول كونية لا إقليمية

عبدالله الهميلي – كاتب سعودي
كل حضارة وفق مقياس ريخترها الخاص لها عمر افتراضي، من الممكن أن يتمدد إذا استمر العقل في اكتشاف قابلياته ومهاراته وإمكانياته. عصر التنوير الأوربي له استحقاقاته التاريخية، منها ميلاد مفهوم الدولة الحديثة هوبز/ مونتسكيو/ جان جاك رسو/ جون لوك وغيرهم من الفلاسفة، الذين وضعوا تقعيدات للفكر الإنساني وقواعد من الممكن أن ينطلق منها. فميلاد فلسفة الدولة نجم عن حقبة التنوير، امتدادًا لهيغل وفيخته وشيلنغ وفلاسفة القانون في تلك الحقبة.
الذي ولد كلمة التنوير في الفاهمة الأوربية فهو الثورة الفرنسية القانونية والثورة الاقتصادية في إنجلترا والثورة الأميركية، ومن خلالها وُجِدَت حقول ونَمَت فلسفات. المقعدون النظريون لفكر الأنوار هم ديكارت وزملاؤه من بيكون وهيوم وغاليليو وكوبرنيك ونيوتن. لكن لا ننسى أن المعمار الفكري الذي عول عليه فلاسفة الأنوار هو معمار إمبراطوري بحت، فديكارت وهو رجل عسكري في الدولة الفرنسية، إضافة إلى كونه عالمًا وفيلسوفًا، عبر عن منظاره الأنواري بمنظار أداتي بحت. وكذلك بيكون وغاليليو باعتبار الإنسان هو الذي يستثمر ممكنات الطبيعة ويستحوذ عليها ويطرد الميثولوجيات والأساطير من عقله.
الإرث الأنواري قدم كنوزًا فلسفية ثمينة جدًّا أرشدت الإنسان الأوربي والغربي إلى ما أصبح عليه في عصر الحداثة وازدهار الفنون والآداب، وابتكار علوم جديدة وإبستمولوجيا تختلف جذريًّا عن عصر النهضة وبداياته وإرهاصاته. إذن عصر الأنوار علينا أن نموضعه ضمن سياقه الزماني وملابسات ذلك السياق، فليس يعني إنتاج نصوص فلسفية وعلمية أن تتحول نصوص الأنوار إلى نصوص دينية مقدسة لا يأتيها الباطل. وقد أوصلها فلاسفة الحداثة إلى ذروتها من أمثال كانط وهيغل. وقد كان ما يدور في خَلَدِ ذلك الجيل الفلسفي، أنه أوصل الفلسفة إلى مقام العلم وأتى بما لم يأتِ به الأوائل، وظن أنه وصل لنقطة النهاية الفلسفية وبذلك أجهز على الفلسفة التي يصعب الإمساك بها.
هذا الوهم والحلم الرومانسي الذي كان يراود فلاسفة الأنوار وفلاسفة الحداثة انتهى بموتهم. ماتوا هؤلاء الفلاسفة، رحمهم الله، ولم تمت الفلسفة أطال الله في عمرها. في حقبة العصر الحديث، أعني نهايات القرن التاسع عشر، ولدت علوم جديدة وحقول جديدة، ونمت إشكاليات أوسع من الإشكاليات التي كان يعالجها العقل الأنواري، الذي كانت الإبستمولوجيا المعتمدة لديه قائمة على عطاءات نيوتن والفيزياء وفلك كوبرنيكوس وغاليليو.
العصر الأنواري هو عصر الإمبراطوريات والتفكير المنبثق من خلاله، وتقديس العقل المطلق. لكن هذا العقل الأداتي الذي يميل إلى تَشْيِيءِ الإنسانِ وجعله أداة من أدوات الطبيعة ووسيلة من وسائل الاستغلال والإنتاج، قد خرج عن التغطية مع أفول عصر الإمبراطوريات، ووصول العقل الأداتي إلى ذروة الانغلاق في بدايات القرن العشرين وولادة الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وما خلفه هذا العقل الأداتي، الذي هو نتيجة لانغلاق العقل الأنواري، من كوارث ومآسٍ كافية لأن يراجع هذا العقل، الذي يدعي فهمه كل شيء، قناعاته.
وبذلك تولد الفلسفة المعاصرة التي ترفض هذه المركزيات، التي بس فيها العقل نفسه، لتولد حقول جديدة وأنماط فلسفية أخرى، قائمة على الوعي والإدراك والعلوم العصبية واللغة وتداخل العلوم والحقول وتضافر بعضها مع بعض؛ لمراجعة تلك الأطروحة الحداثية للفلسفة في سبيل نهضة الإنسان الجديد وخروجه من هيمنة العقل الأداتي باتجاه العقل المنفتح والتواصلي والظاهراتي الذي يستفيد من عطاءات المعرفة في شتى الحقول، وينجب فلاسفة من صميم تلك الحقول النظرية والعملية.
وتغدو مجالات الفلسفة أوسع من أن تضيق على العقل وحده، وبذلك تتطور الفلسفة الأخلاقية والقانونية والقيمية عند الإنسان. الميثاق الأخلاقي الذي أنتجته الفلسفة الكانطية لم يعد كافيًا من دون الفلسفة التجريبية، ومن دون ميلاد مجتمع دولي وشخصيات دولية وقوانين تلتزم بها الأمم المتعاقدة، ومن دون توازن القوى بين جميع الدول في العالم ضد الظلم الاجتماعي والحروب وتشجيع التنافس الشريف بين الدول، في سبيل نهضة الإنسان وسعادته. وإنتاج التقنيات وتبادل الخبرات والعقول لتخليص العالم من مآزقه، كالاحتباس الحراري وانهيار النظم البيئية والقضاء على الفقر وسيادة الدول وتفعيل القانون الدولي الإنساني.
لم يعد المشهد العالمي وكذلك الفلسفي فردانيًّا يقوده الغرب لوحده، بل هناك عقل كوني موزع بين جميع القوى والعقول وبين الشعوب لأجل خير البشرية وسعادتها.
هوامش:
(1) لمزيد من التفصيل، انظر: إيمانويل كانط، «فلسفة التاريخ»، باريس، منشورات غونتيي، 1965م، ص46-53. النص ورد في العربية ضمن كتاب «الفلسفة الحديثة» (نصوص مختارة)، ترجمة محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي، المغرب، دار إفريقيا الشرق، ط2، 2010م، ص287.
(2) للمزيد من التفصيل، انظر: قسطنطين زريق، «سلبيات الحداثة وأخطاؤها»، نص منشور في كتاب الحداثة وانتقاداتها، إعداد محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 2006م، ص44-46.
بواسطة الفيصل | مارس 1, 2024 | الملف
الاعتراف بحق الموريسكيين
مبادرة رمزية من أجل التوافق

أنطونيو مانويل رودريغث راموس* ترجمة: آنا مارية سانشيز – باحثة إسبانية
كتب بلاس إنفانتي: «أكثر من مليون من إخواننا، من الأندلسيين المطرودين ظلمًا من أرضهم منتشرون من طنجة إلى دمشق! أنا عشت معهم، وعانيت معهم، تطلعت معهم لأمل خلاصنا المشترك؛ لأن هذا الخلاص سيكون مشتركًا، أو لن يكون أبدًا».
مما لا شك فيه أن منح الجنسية الإسبانية للموريسكيين الأندلسيين ليس إلا آلية للحصول على الخلاص الذي تحدّث عنه بلاس إنفانتي. ومع ذلك فإن إنكار هذا الحق، عندما يتم الاعتراف به في حالات مشابهة، كما حدث مع اليهود السفارديم، يعد موضع تساؤل؛ لأنه يُعَدّ تمييزًا واضحًا، ودليلًا آخر على نفور الوطنية الكاثوليكية الإسبانية من البصمة الأندلسية، وبخاصة الإسلامية. وهي الإهانة نفسها التي تقع على الهوية الأندلسية القائمة عبر آلاف السنين على نموذج التنوع. ومن ثم فالقرن الحادي والعشرون يجب أن يكون قرن المطالبة بـ«الأرض والذاكرة… ثقافات متعددة وإنسانية واحدة».
ضرورة عاجلة
وبالتالي فقد بات ضروريًّا وعاجلًا الاعتراف بسلالة الموريسكيين الأندلسيين الذين يعيشون على ثلاث ضفاف، إحداها هنا في إسبانيا، والثانية على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، والثالثة في أميركا اللاتينية، وهم جميعًا منا ونحن منهم. هذه الضرورة ليست إحياء للصراعات القديمة ولا حنينًا إلى الماضي، ولا للمطالبة لبعضٍ بالعفو عن بعضٍ. لكنها على النقيض، كما يقول تودوروف: «فإن إعادة البناء المثالي للذاكرة تسمح باستخدام الماضي بنظرة على الحاضر، وأخذ العبر من الظلم الذي عانوه، مكافحة للمظالم التي تحدث في وقتنا الحالي، وتنحية للذات والذهاب باتجاه الآخر». وبناء على هذا الاعتراف يجب، على الأقل، إدماج مصطلح «الموريسكيين الأندلسيين» في المادة 22 من القانون المدني، إلى جانب السفارديم والمواطنين الذين ينتمون إلى ولايات مرتبطة تاريخيًّا وثقافيًّا بإسبانيا».
سيكون الأمر مثل النظر في المرآة ورؤية الهوية الكاملة للذاكرة الجماعية الإسبانية، وخصوصًا في إقليم الأندلس. ولذلك فإن إفادة شفشاون التي قدمتها في اللقاء الدولي الثاني للتربية والثقافة عام 2006م، حول تحالف الحضارات، ما زالت صالحة فيما يخص حق الأفضلية في الحصول على الجنسية الإسبانية، وذلك لمن يثبت أنه من سلالة الموريسكيين الأندلسيين، وقد قُبِلَتْ كاقتراح وليس كقانون من جانب برلمان إقليم الأندلس. وذلك على غرار مطالبتنا سنة 2010م بجائزة «أمير أستورياس للوفاق» لسلالة الموريسكيين، وذلك حفاظًا على ذكرى وروح الأندلسيين. لقد كررنا الطلبين في مناسبات متعددة، وبخاصة في اللقاءات التي عُقدت في طنجة والرباط في السنوات الأخيرة.
معاملة مماثلة
في سنة 2020م أرسلت مؤسسة «ذاكرة الموريسكيين»، وكان مقرها في الرباط، رسالة إلى رئيس الحكومة الإسبانية تطالبه فيها بمعاملة مماثلة لتلك التي اعتُرِفَ فيها بالسفارديم، أو على الأقل «برسالة الطبيعة» في المادة 22 من القانون المدني، الخاصة بالحصول على الإقامة. الأمر لا يزيد على مجرد بيان رمزي يتعلق بعدد المستفيدين وما سيترتب لهم من امتيازات. وهذا في رأيي هو المفتاح. فقد قال لي صديق أندلسي: إنه انتظر مدة طويلة، وإنه لا يهمه أن ينتظر أكثر، طالما أنه سيُمنح هذا الحق من القلب؛ لذا من المهم تذكّر القيمة الرمزية لهذه المادة، فكما قلنا في بيان شفشاون، ذلك تطبيق ضروري للعدالة والذاكرة، وهذا ما عبّر عنه خوسيه أنطونيو بيرث تابياس في عرضه للاقتراح في الكونغرس عام 2009م، حول «تفعيل الذاكرة وتطبيق المسؤولية مع السلالة والورثة الثقافيين لهذه المأساة، التي تمثلت في الطرد الوحشي للموريسكيين من إسبانيا، ومن ثَمّ استعادة الذاكرة التاريخية لشعب خضع للحرمان من التعايش، واستخلاص نتائج خاصة بالمستقبل، وتعزيزًا للوعي الوطني من عواقب التعصب وعدم التسامح والعنصرية الاجتماعية والثقافية، ومنعًا لانتشار التحيزات الخطيرة الجاثمة في الخيال الاجتماعي».
إن مجرد إضافة مصطلح «الموريسكيين الأندلسيين» إلى القانون المدني يعد ثورة أو بادرة لتعزيز العدالة التاريخية مع سلالة أجدادنا المنفيين، ومع ذاكرتنا الجماعية الخاصة.
* ناشط سياسي من أصول موريسكية، وأستاذ القانون المدني في جامعة قرطبة.
كيف ينظر الإسبان إلى الموريسكيين اليوم؟

صبيح صادق – باحث عراقي جامعة أوتونوما – مدريد
في يوم الثلاثاء، الثاني من شهر يناير، 2024م، أحيت مدينة غرناطة -ضمن احتفالات ضخمة بإشراف بلدية المدينة، كما هي الحال في كل عام- ذكرى إسقاط آخر مملكة عربية في إسبانيا، عام 1492م، وبسقوطها أسدل الستار على الحكم العربي في شبه الجزيرة الأيبيرية، لكن الوجود العربي وتأثيره ظل مستمرًّا.
لقد استطاع الموريسكيون الإبقاء على دينهم ولغتهم وعاداتهم وممتلكاتهم وأعمالهم في الحقبة الأولى بعد سقوط غرناطة. لكن ذلك لم يستمر طويلًا، فسرعان ما بدأ التضييق عليهم وبدأت حملة لإجبارهم على ترك الإسلام وعدم استعمال اللغة العربية ومُنعوا من تداول الكتب العربية، وأُحرِقَت كثير من الكتب العربية والمكتبات، فاضطر بعضهم إلى مغادرة البلاد والاتجاه نحو الدول الأخرى وبخاصة شمال إفريقيا، بينما فضل آخرون البقاء في أرض آبائهم وأجدادهم، والقيام باحتجاجات وثورات ضد السلطة. وبعد صدامات عديدة، قرر الملك الإسباني فيليب الثالث طرد الموريسكيين عام 1609م من إسبانيا، وبدأت حملة مداهمات وملاحقات واضطر عندها الموريسكيون إلى الهروب بينما قرر آخرون التحول من الدين الإسلامي إلى الدين المسيحي، وبمرور الزمن ذاب الموريسكيون في المجتمع الإسباني، ولكن بعضهم استطاع الحفاظ على بعض آثار عائلته، اعتزازًا بكونه عربي الأصل، أما الذين غادروا إسبانيا فلم يكن حظهم أفضل من أولئك الذين لم يغادروها، فقد لاقوا مصاعب كثيرة، لكن كثيرًا منهم استطاع الاحتفاظ بالهوية الموريسكية التي عاشها أجداده.
وعلى الرغم من طردهم من الأراضي الإسبانية، فإن التأثير العربي استمر في إسبانيا ولا يزال، وما وجود مثل هذا الاحتفال المناوئ لمملكة غرناطة الذي يحتفي بسقوط مملكة غرناطة، إلا دليل على أن التاريخ العربي لا يزال ماثلًا أمام الإسبان.
في إسبانيا تثار بين حين وآخر مسألة منح المجموعات التي طردتها إسبانيا، مثل العرب واليهود، الجنسية الإسبانية، وقد تحقق منح أحفاد اليهود، الذين طردوا، الجنسية الإسبانية المزدوجة، بقرار صدر عن الحكومة الإسبانية عام 2015م، ولم يصدر قرار مماثل فيما يخص العرب المطرودين من إسبانيا، الذين أطلِق عليهم اسم «الموريسكيين». ولا يزال كثير من الشخصيات والتجمعات تطالب بمنح الموريسكيين المتفرقين اليوم في دول عديدة من العالم، وبخاصة في شمال إفريقيا، الجنسية الإسبانية، أسوة بقرار الحكومة الإسبانية الذي منح أحفاد اليهود المطرودين الجنسية الإسبانية مع الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية، لكن فكرة منح الموريسكيين الجنسية الإسبانية لا تزال تلقى كثيرًا من الصعوبات والعراقيل.
احتفال رسمي وشعبي بذكرى إسقاط مملكة غرناطة
كما هي الحال في كل عام جرت العادة أن تبدأ الاحتفالات في بلدية المدينة بين العاشرة والحادية عشرة صباحًا. يتوجه ممثلون عن البلدية إلى الكنيسة الملكية، وهم يحملون العلم الرسمي مع استعراض عسكري رسمي، يقطع شارع الملكة إيزابيل الكاثوليكية ثم شارع غران بيا، متجهًا نحو الكنيسة حيث يرقد جثمانا إيزابيل وزوجها فرناندو، مع حضور كبار شخصيات المدينة. ومن ثم يُعقد قداس تحت رعاية رئيس الأساقفة، ثم يوضع إكليل غار وباقة من الزهور على قبر إيزابيل وفرناندو، تخليدًا لهذه الذكرى، وهي سقوط مدينة غرناطة.
من جهة أخرى، هناك كثيرون يعارضون عدّ هذا اليوم يومًا لغرناطة، ولا يحبذون الاحتفال به، كالجاليات الإسلامية التي تعدّه يومًا لبداية انهيار الوجود الإسلامي في إسبانيا، ثم طردهم نهائيًّا منها عام 1609م. ويعارض الاحتفال بهذا اليوم أيضًا ناشطون في حقوق الإنسان، مثل جمعية غرناطة العلمانية، وجمعية «أوقفوا العنصرية». وفي عام 1995م تقدم عدد من المفكرين والفنانين ببيان أعلنوا فيه معارضتهم الصريحة لهذه الاحتفالات، ومنهم خوان غويتيسولو، وأنتونيو غالا، وروجيه غارودي، وأمين معلوف، ولويس غارثيا مونتيرو وغيرهم.

التصادم بين الرأيين
وفي احتفال هذا العام، 2024م، تجمهر الأهالي أمام بلدية المدينة لحضور الحفل بذكرى سقوط غرناطة، وفي الوقت نفسه كانت هناك مجموعة المعارضين للاحتفال بذكرى سقوط مملكة غرناطة العربية، وهي مجموعة «منصة غرناطة المفتوحة»، رافعة شعار «من أجل التعايش، لا للاحتفال بسقوط غرناطة».
وفي حفل هذا العام، قالت رئيسة بلدية غرناطة ماريفران كاراثو، وهي من الحزب الشعبي الحاكم في المدينة: «هذا يوم عيد، إنه المؤشر لتاريخ الغرناطيين. غرناطة يجب أن تزدهر وأن تنظر إلى المستقبل، ولكن لا يمكنها أن تترك الإشارة إلى تاريخها وإلى تقاليدها»(١).
وفي المقابل، هناك تجمعات تعارض الاحتفال بسقوط غرناطة وتعدّه إهانة للغرناطيين. في هذا السياق نذكر ما قالته الناطقة باسم تجمع «الأندلس إلى الأمام» تيريسا رودريغيث: «يحتفل اليوم المتطرفون باستعادة غرناطة. إن اليمين المتطرف يؤسس اتجاهًا ضد الإسلام وضد الأندلس… إنهم من الجهلة العنيدين من العنصر الأبيض والمسيحي الذي لا يوجد إلا في أحلامهم الغارقة في الفاشية».
وعلقت على دعوة حزب «بوكس» اليميني بعدم منح الجنسية الإسبانية للمسلمين: «إن عدم منح الجنسية الإسبانية بسبب أي مظهر من مظاهر الثقافة الإسلامية يعني إلغاء منارة الخيرالدا (في إشبيلية)، وقصر الحمراء (في غرناطة)، والمسجد (في قرطبة)، وكذلك الفلامنكو، وحلاوة بيستينيو، والتوابل والزيتون من الثقافة الإسبانية»(٢). في إشارة واضحة إلى أن كل هذه الأسماء التي ذكرتها هي من نتاجات الثقافة الإسلامية في الأندلس، وتشكل اليوم جزءًا من حضارة إسبانيا وتاريخها.
آراء تؤيد طرد الموريسكيين
بعد سقوط غرناطة عام 1492م، شاعت روح الفخر عند كثير من الإسبان بأنهم استطاعوا أخيرًا، بعد ثمانية قرون، إسقاط الحكم العربي وتوحيد إسبانيا. وقد عكست أغلبية آراء المؤرخين والكتّاب تلك الروح المعادية للعرب وضرورة الخلاص منهم، لكن هذه الروح بدأت تخفت، وأخذ بعضهم يعترف بالمظاهر الحضارية للأندلسيين، لكن الاتجاه العام كان يميل إلى ضرورة طردهم من إسبانيا. وفي القرن التاسع عشر بدأت بوادر لتيار يدعو إلى إنصاف العرب ويدعو للنظر في تاريخهم، نظرة بعيدة من التطرف العنصري أو الديني. وبمرور الزمن ازداد هذا التيار قوة عندما أخذ الكتاب والباحثون بالكتابة حول الحضارة الأندلسية يصفونها بأنها متميزة ولها تأثير حضاري ليس فقط على إسبانيا وإنما على أوربا أيضًا.
ومن بين شخصيات هذا التيار الذي أيد طرد الموريسكيين، تظهر أسماء لها شأن كبير في الثقافة الإسبانية. وهنا نعرض رأيين لشخصيتين مشهورتين حول هذه المسألة. الأول الكاتب مارثلينو منندث بلايو (1856- 1912م)، وهو سياسي ومؤرخ وباحث أدبي ولغوي مشهور في إسبانيا. كتب أنه يؤيد قرار طرد الموريسكيين من إسبانيا ومن أوربا:
«لا أتردد في الإعلان بأنني أتبنى الالتزام بإكمال الواجب فيما يتعلق بقانون تاريخي (طرد الموريسكيين)، وآسف لتأخرهم في القيام به. هل كان من الممكن وجود الطائفة المحمدية بيننا، وفي القرن السادس عشر؟ الجواب بكل وضوح لا، ولا في أي مكان في أوربا الآن»(٣).
ومثال آخر، للكاتب غريغوريو مارانيون (1887- 1960م) وهو عالم موسوعي، مؤرخ وطبيب مشهور، نراه يدافع عن فكرة إجبار الموريسكيين على ترك عاداتهم وتقاليدهم ودينهم، كتب يقول في كتابه «طرد وهجرة الموريسكيين الإسبان»: «لو أنه قد تم السماح للموريسكيين كي يختاروا بحرية دينهم، وعاداتهم، إلخ، لازداد تحطيم إسبانيا بشكل عميق أكثر مما كانت عليه»(٤).
إنصاف العرب
وفي المقابل، نرى أن كثيرًا من الباحثين أنصفوا الحضارة الأندلسية والموريسكية، ومن الصعب الوقوف عند جميعهم، ولكن سنتوقف عند ثلاث شخصيات إسبانية مهمة ومشهورة دافعت عن العرب والموريسكيين، وهم: أكبر شاعر في عصر الرومانسية الإسبانية، غوستابو أدولفو بيكر (1836- 1870م)، وفدريكو غارثيا لوركا (1898- 1936م) الشاعر ذو الشهرة العالمية الذي قتل في بداية الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936م، والفنان كارلوس كانو (1946- 2000م) الذي تغنى بالوجود العربي في إسبانيا.
وأول هؤلاء، غوستابو أدولفو بيكر، عاش في القرن التاسع عشر، وهو العصر الذي كان لا يزال فيه الإسبان يميلون إلى انتقاد السيطرة العربية على إسبانيا، فاعترض بيكر على هذا الاتجاه، وحاول الاستناد على بحوث مؤرخ معروف كان يوضح ويشرح حضارة العرب الأندلسيين، وهو أمادور دي لوس ريوس وكذلك مجموعة أخرى من الباحثين.
يقول غوستافو أدولفو بيكر: «إن السيد خوسيه أمادور ده لوس ريوس، وعددًا آخر من الكتـّاب معه، كما ذكرنا ذلك سابقًا، يأسفون بمرارة أن يستمر حتى اليوم التقليل من مكانة العرب، وبالذات من قبل أشخاص من ذوي المكانة العلمية المرموقة، فهم يزدرون بقايا الآثار الرائعة التي تعود إلى عصر السيطرة العربية… ومن بين هؤلاء الذين يحتقرون العرب العالم اليسوعي ماريانا، في كتابه تاريخ إسبانيا العام، فهو من الذين تأثروا بنظرة القلق والنفور السائدين في عصره من العرب إلى درجة أنه يطلق تعبير «أوغاد» على شعب كان له دور مشرق وثقافة وبطولة لم يقدرها أحد حق قدرها»(٥).

فدريكو غارثيا لوركا
أما فدريكو غارثيا لوركا، فهو من أبرز أدباء إسبانيا، وله شهرة عالمية، وكان معروفًا بحبه للعرب وللموريسكيين، ويفخر بأنه غرناطي ينتمي إلى الماضي العربي. جاء في مقابلة صحفية معه، عام 1931م، ما يلي: «لكوني من غرناطة فإنني أشعر بالميل المتفهم والمتعاطف مع الملاحقين: الغجر، السود، اليهود.. الموريسكي، فكل هؤلاء نحملهم في داخلنا»(٦).
كان اعتزاز لوركا بكونه من غرناطة شديدًا جدًّا، ولا بأس من ذكر حادثة رواها صديقه سباستيان كاش عندما كان لوركا في برشلونة عام 1927م، وفي عصر أحد الأيام صاحب كاش صديقه لوركا إلى مجمع برشلونة، وهناك قام كاش بتقديم لوركا إلى الأعضاء المتحدثين، وهم حسب تعبيره «الأكثر شهرة ورعبًا». يقول كاش:
«بعد التقديم المتقن وكلمات المجاملة الموجزة، سأل أحد المتحدثين لوركا باللهجة نفسها التي كما لو كان قد تقدم للحديث مع شخص غريب:
– من أين أنت، أيها الشاب؟
في تلك اللحظات، في وقت دكتاتورية الجنرال بريمو دي ريبيرا، كان الشعور القومي الكتلاني من التعصب بمكان. لوركا الذي لم يكن بتلك البلادة، التقط في الحال معنى النية المتعصبة للسؤال، فرفع ذراعه فقط، كما كان يفعل كعادته عندما يتعلق الأمر بمسألة مهمة، وأجاب محاوره بلهجة، بين التحدي والافتخار: «أنا من مملكة غرناطة»»(٧).
في إشارة إلى أنه ينتمي إلى مملكة غرناطة العربية.
الفنان كارلوس كانو
اشتهر الفنان كارلوس كانو بكونه عاشق الأندلس، وكان يكتب القصائد التي يغنيها بنفسه، متحمسًا إلى أن للأندلس تاريخًا عربيًّا مشرقًا، وعكس ذلك في كثير من أغانيه. ففي «على ضفاف النهر» يشير إلى زوجة المعتمد ملك إشبيلية المعروفة باسم «اعتماد الرميكية»:
«مَن زهرة الدفلى البيضاء هذه التي تغني على ضفاف النهر؟ شفتاها سمراوان، شمس تختفي خلف الخمار، يا رميكية يا مليكتي هلا تحبيني، انظري فها أنا أعيش حياتي كي أكون عبدًا لحبكِ، عربية عربية عربية. آه يا ملكتي العربية».
وتعلق كانو بشخصية عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة وعدّه رمزًا للحزن. يقول في «قصيدة لعبدالله الصغير»: «وجدتُ الحزن في قعر الصهريج، الحزن الذي قتل الملك عبدالله، وعلى ظلال شجرة اللوز تركته هناك على تلال وجار».
وكتب كانو مرة: «إذا كانت كلمة (الحزن) لم تأخذ شكل حروفها هذه، فإنها بلا شك كانت ستأخذ شكل الكلمات التي تُعبر عن الحزن وهي كلمة (عبدالله)».
اعتبر كانو اللغة العربية لغة أجداده، وبعد سقوط غرناطة لم يعد من حقهم الكلام بالعربية، ولهذا نسي هو وأجداده تلك اللغة، وفي إحدى جولاته في المغرب طلب الجمهور منه أن يغني باللغة العربية وهو لا يتكلم العربية، وهو الذي يشعر بأن غرناطة عربية، وأنه من هذه المدينة، فأجابهم: «عفوًا، لم أتكلم بهذه اللغة (العربية) منذ 500 سنة، لقد نسيت لغتي».
اهتمام الباحثين والكتاب بقضية الموريسكيين
إن اهتمام الباحثين والمؤرخين والكتاب والمترجمين في تصاعد مستمر، وبخاصة في المدة الأخيرة حول الموريسكيين، وهي ظاهرة مشكورة. ومن جملة من كتب عنهم: محمد عبدالله عنان، وصلاح فضل، وسلطان محمد القاسمي، ومحمد عبده حتاملة، وسرى عبداللطيف، وجمال عبدالرحمن، ومحمد محمد عبدالسميع، وإسماعيل سراج الدين، ومحمد أحمد خليفة أحمد، ومروة محمد إبراهيم، وعبدالعال صالح، وعائشة محمود سويلم، ووسام محمد جزر، ومولاي أحمد الكمون، وهاشم السقلي، وعبدالله جبيلو، وعبدالله محمد جمال الدين، وعبدالله حمادي، ومحمد حسن العيدروس، ومحمد الصاوي، وإدريس الجبروتي، ومحمد القاضي، وجمال عبدالكريم، وكنزة الغالي، وأريج طيب خطاب، ومحمد طيب خطاب، وأحمد حمروني، وعبداللطيف مشرف، ومحمد قشتيليو، وقاسم عبد سعدون، ونعيم ناصر، وصالح حسب الله، ومنصور عبدالحكيم، أحمد شهيد، وغيرهم.
وفي الوقت نفسه هناك اهتمام من قبل الإسبان بموضوع الموريسكيين، ومن ضمن تلك الأسماء التي درست الموريسكيين: داريّو كابانيلاس، ومرثيدس غارسيا أرينال، وأنتونيو مانويل، وسيرافين فانخول، وماريانو دي بانو أي رواته، وبيدرو لونغاس، وميغيل أنخيل بونس إيبارا، وغونثاليث بوستر، وميغيل دي إيبالثا، ودومينغيث أورتيث، وبرنارد فينسينت، وغييرمو غوثالبيس بوستو، وفرنثيسكو ماركيث بيانوبيا، وإميليا غارثيا بالديكاساس، وأنتوني دومينغيث أورتيث، وخوسيه باسكوال مارتينيث، وتوليو البرين، ولويس رودريغيث غارثيا، ومانويل فرناندث جابيس، ورافائيل بيريث غارثيا، ومانويل دابيلا أي كوجادو، وإنريكه سوريا، وأنتونيو لويس كورتس، ومانويل لوماس، وخورخه أنتونيو كاتالا، وسيرخيو أورثاينكي، وأنطونيو دومينقير، وباسكوال بورونات، ولويس بونس، ومانويل بيجار، وميغيل أنخيل سان ميغيل، ورودريغو ده ثاياس، وخوليو كارو، وغيرهم.

نشاط الروائيين العرب
من الظواهر التي تلفت النظر في السنوات الأخيرة ازدياد اهتمام الروائيين العرب بموضوع الموريسكيين، فبعد أن نشرت رضوى عاشور «ثلاثية غرناطة»، التي صدرت عامي 1994- 1995م، عن دار الهلال، أخذت مجموعة من الروائيين العرب بالاهتمام بتناول موضوع الموريسكيين. وفي عام 2019م قدم الأستاذ حسني مليطات رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة أوتونوما في مدريد، حول الـمـتخيل الموريسكي في الرواية المعاصرة، الإسبانية والعربية، وفيها درس وحلل روايات عربية وإسبانية عدة تناولت موضوع الموريسكيين، مثل: رواية «حصن التراب» لأحمد عبداللطيف، و«الموريسكي الأخير» لصبحي موسى، و«بيت الكراهية» لمحمد برهان، و«الحواميم» لعبدالإله عرفة، و«الأندلسي الأخير»، و«على أعتاب غرناطة» لأحمد أمين، و«رمل الماية»، و«حارسة الظلال- دون كيخوت في الجزائر»، و«المخطوطة الشرقية»، و«البيت الأندلسي»، و«جُملكية أرابيا»، و«سيرة المنتهى- عشتها كما اشتهتني» لواسيني الأعرج. و«جزيرة البكاء الطويل» لعبدالرحيم الخصار، و«الموريسكية» لحسنين بن عمو، و«سر الموريسكي» لمحمد العجمي. وكذلك روايات مكتوبة بالإسبانية لـ: ميغيل أنخيل سان ميغيل، وروسا مانويل بيجار، وخوسيه ماريا بيريث ثونيغا، ورودريغو ده ثاجاس، ومانويل ثيبريان إبيجان، ومونتسرات كانو. ورواية «الموريسكي» لحسن مريد، المكتوبة بالفرنسية وترجمها إلى العربية عبدالكريم جويطي.
في عام 2020م أصدر الدكتور مراد منصور الأستاذ في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء روايته عن الكاتب الموريسكي ألونسو دل كاستيو، وهي بعنوان: «ترجمان الملك، سيرة ألونسو دل كاستيو»، طنجة، دار سليكي أخوين، وفيما يخص الموريسكي ألونسو دل كاستيو، نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، عام 2023م، مخطوطة ألونسو دل كاستيو حول كتابات قصر الحمراء التي نقلها ألونسو بنصها العربي وترجمها إلى الإسبانية.
نشاطات أخرى
وفي عام 2023م عقد في إسبانيا مؤتمر حول الموريسكيين حضره عدد من الباحثين الأوربيين، ومن العرب شارك الدكتور أحمد شهيد تعبان والدكتور مرتضى كمال حريجة. ولا بد من التنويه إلى جهود الأستاذ عبدالجليل التميمي في تأسيسه مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، في تونس، وهو المركز الذي تحول عام 1995م إلى مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، وللأستاذ التميمي باع طويل في مجال الدراسات الموريسكية وتاريخ المغرب العربي.
نهاية الموريسكيين الحزينة
هناك أغنية موريسكية، وصاحبها موريسكي من مقاطعة أراغون، أرسلها إلى صديق له في طليطلة، يبين له قرب طردهم من إسبانيا إلى شمال إفريقية، تقول الأغنية:
«قالوا إنه وجب علينا أن نرحل/ نحن أيضًا من هذه الأرض/ نحو تلك الأرض الطيبة/ حيث الذهب والفضة الرقيقة/ يوجدان من جبل إلى جبل/ إنهم يهددوننا بالطرد/ لنذهب كلنا إلى هناك/ حيث توجد جماعات العرب/ وحيث توجد كل الخيرات هناك»(٨).
ويصف مؤلف مجهول اللحظات الأخيرة لطرد الموريسكيين بقوله: «فلما نظر الروم إلى المسلمين قد شرعوا في الجواز ورحل أكثرهم وما بقي منهم إلا القليل أظهروا لهم حسن المعاملة، فوعد الباقون من المسلمين أن يدخلوا في دين النصرانية عام أربعة وتسع مئة، فدخلوا كرهًا إلا من أخفى الإسلام، وضربت النواقيس في صوامعها ونصبت الصلبان في جوامعها وأكلت الجيف وشربت الخمور! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لمثل هذا فلتبك كل عين فياضة بدموع الدم»(٩).
إسبانيا والمسلمون وحروب الاسترداد…
آليات إنتاج الصورة

إدريس الكنبوري – باحث مغربي
إن التطرق إلى موضوع التصورات الإسبانية عن الإسلام والمسلمين في القرون الوسطى يتطلب أولًا البحث في علاقة الثقافة المسيحية الإسبانية بنظيرتها الأوربية خلال تلك الحقبة، ومعرفة حدود هذه العلاقة، وطرح تساؤل منهجي، وهو: هل كانت التصورات الإسبانية عن الإسلام والمسلمين حصيلة التجربة التاريخية مع الأندلس، أم تشكلت بتأثير أوربا في صراعها مع الإسلام ورؤيتها للمسلمين؟
مفهوم حروب الاسترداد في إسبانيا ومقدماتها العقدية
لم يظهر مفهوم «حروب الاسترداد» في الكتابات التاريخية الإسبانية -للإشارة إلى طبيعة الصراع بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا- إلا في القرن الثامن عشر الميلادي، كإطار تفسيري لفهم مرحلة القرون الوسطى في شبه الجزيرة الأيبيرية، بوصفها مسلسلًا شاقًّا وطويلًا لبناء «الذاتية» الإسبانية، واسترجاع ما يسميه المؤرخون الإسبان «إسبانيا الضائعة» أو «ضياع إسبانيا» (La pérdida de España).
لقد رأى المسيحيون الإسبان أن غزو/ فتح العرب لإسبانيا يشكل انعكاسًا للعنة إلهية حلّت بهم نتيجة عصيانهم وخروجهم عن جادّة الدين الحق في نظرهم، وهو ما دفع الرب إلى تسليط العرب عليهم وغزو بلادهم. وقد كان هذا التفسير العقدي للفتح العربي ممهدًا للتفسير العقدي لحروب الاسترداد التي يقول المؤرخون: إنها بدأت مباشرة بعد الفتح العربي عام 711 للميلاد. بل يرى المؤرخون الإسبان أن المرحلة الفاصلة بين الفتح العربي، وسقوط غرناطة وخروج المسلمين من الأندلس عام 1492م تشكل كلها مرحلة حروب الاسترداد وبناء الهوية الإسبانية المفقودة(١٠). إن حروب الاسترداد لم تكن سوى عمل لاهوتي ناتج عن خطط إلهية، ومن ثمة فإن هذه الحروب لن تنتهي إلا عندما يأذن الله بذلك. ويرى أحد رجال الدين المسيحي من الإسبان أن مكافحة المسيحيين للمسلمين والعرب ستنتهي فقط «حينما تقتضي عناية الرب طردهم دون رحمة من إسبانيا»(١١).
تشكل حروب الاسترداد مفهومًا تاريخيًّا يعود إلى مرحلة قديمة، عندما وضعه الملوك الكاثوليك الإسبان والمثقفون الذين كانوا يحيطون بهم من أجل إضفاء الشرعية على حروب استعادة الأراضي التي كان يحتلها المسلمون. وفي قرون لاحقة لم يكن لهذه الحروب طابع ديني، وإن كان لها طابع شبه مقدس، وكان الهدف منها هو إعادة توطين الكنيسة في تلك الأراضي لكونها، في نظرهم، أرضًا مسيحية. غير أنه بدءًا من النصف الثاني من القرن الحادي عشر للميلاد وقع تحول كبير في مفهوم حروب الاسترداد؛ إذ دخلته عناصر أيديولوجية نابعة من الحروب الصليبية التي كانت قد بدأت في أوربا، وهو الأمر الذي أغنى هذا المفهوم بمضامين جديدة وأعطاه طابعًا صليبيًّا. فقد بدأ المسيحيون الإسبان يعتقدون أن القتال لاستعادة الأندلس يشكل جزءًا من الحرب الصليبية في أوربا بدءًا من القرن الحادي عشر؛ إذ كانوا يريدون إدراج تاريخهم الديني الخاص ضمن التاريخ الديني العام لأوربا، بعد قرنين من الانعزال عن الكنيسة الرومانية بسبب رغبة ملوك القوط في الاستقلال بأنفسهم.
ويقول بعض المؤرخين: إن المسيحيين الإسبان الذين كانوا يتوجهون إلى الشرق الإسلامي للقتال إلى جانب المسيحيين الأوربيين في الحرب الصليبية، قبل تلك الحقبة، كان ينظر إليهم في إسبانيا نظرة احتقار إثر رجوعهم من ساحات الحرب، ويرجع الباحثون ذلك إلى أن تأثير البابوية في إسبانيا كان ضعيفًا؛ كما أن الإسبان كانوا يرون أن البابا لا يمكنه منافسة السلطة الملكية في إسبانيا. ويوضح باحث إسباني أنه بعد استعادة طليطلة عام 1085م أصبحت القيم المسيحية التي يدافع عنها الملوك الكاثوليك الإسبان منتشرة في العالم المسيحي كله(١٢). وبرز الاهتمام بحروب الاسترداد الإسبانية لدى روما المسيحية، وقد وجه أوربان الثاني بعد استعادة طليطلة إلى المسيحية رسالة إلى ملك إسبانيا يهنئه بذلك العمل، ويعترف فيها بأن العالم المسيحي أصبحت تحكمه سلطتان: روحية وزمنية. الروحية التي تقودها الكنيسة ورجال الدين، والمدنية التي يقودها الملوك الكاثوليك الإسبان، وكان ذلك أول اعتراف للكنيسة بسلطة الملوك الإسبان بحيث أصبح لقبهم بعد ذلك هو الملوك الكاثوليك، تشريفًا لهم بسبب الحروب التي يخوضونها ضد «الكفار» أي المسلمين.
وبدءًا من القرن الحادي عشر سعت روما إلى بسط نفوذها الروحي في إسبانيا عن طريق تحويل حرب الاسترداد إلى حرب صليبية تتم تحت السلطة الروحية للبابا، وقد سعى بعض المثقفين الإسبان منذ بداية حروب الاسترداد إلى جعلها تحت مظلة الحرب الصليبية حتى لا تبقى إسبانيا على هامش أوربا. والملحوظ أن هذه المسألة أثيرت في بدايات القرن العشرين لدى ظهور مدارس تاريخية تحاول البحث عن جذور الهوية الإسبانية، وربطها بالمسيحية ومحو أي صلة لها بالهوية الإسلامية للأندلس طوال ثمانية قرون. فقد كان الهدف من ربط حروب الاسترداد بالحروب الصليبية هو صهر تاريخ إسبانيا ضمن التاريخ الأوربي العام، ومحو أي حديث عن خصوصية التجربة الإسبانية في علاقتها بالإسلام.

وفي الحقيقة، مثلت إسبانيا لأوربا المسيحية في القرون الوسطى «حالة نموذجية» للعلاقة الصدامية بين الإسلام والمسيحية.
وفي المدة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر شكلت إسبانيا «نقطة جذب» للكهنة والعمال والمحاربين القادمين من أوربا في العصور الوسطى، وإحدى المناطق المفضلة لـ«انتشار الغرب»، كما كانت رمزًا لانتصار المسيحية الرومانية على الإسلام، وشكلت مختبرًا لمفاهيم «الحرب المقدسة»، و«الحرب الصليبية» لمسيحية أوربا. ويرى بعض المؤرخين، ومنهم الدكتور قاسم عبده قاسم، أن الحملة الكاثوليكية ضد مسلمي الأندلس شكلت ما يمكن وصفه بـ«السابقة الصليبية» على المستوى الأوربي، بيد أن غياب الدور البابوي النشط في هذه الحروب ينفي عنها صفة «الحملة الصليبية» الكاملة(١٣). ويوضح عبده قاسم أن مفهوم الحج التكفيري، الذي بدأت الكنيسة المسيحية تحث عليه أتباعها بدءًا من القرنين السابع والثامن الميلاديين وتحول إلى «مفتاح» لتفسير ميلاد الحروب الصليبية، قد استخدم لأول مرة في شبه الجزيرة الأيبيرية عنصرًا محرضًا في حروب الاسترداد ضد المسلمين.
ولقد أدت حروب الاسترداد في إسبانيا على المستوى الداخلي الدور نفسه الذي أدته الحروب الصليبية على المستوى الأوربي، فقد وحدت صفوف الإسبان والمناطق التي كانت متناحرة من قبل، وأصبحت تلك الحروب رمزًا لتحقيق الوحدة الدينية والثقافية والوطنية لإسبانيا؛ لأن الحرب ضد المسلمين صورت عقديًّا على أنها حرب لخلاص الكنيسة من الكفار والتصالح مع الذات المسيحية(١٤). وكان هدف البابوية هو ألا تظل إسبانيا بعيدة من سلطتها الروحية، ولذلك سعت أولًا إلى الضغط على الملوك الإسبان لإخضاعهم لنفوذ الكنيسة الرومانية، وثانيًا إلى دعوة المسيحيين المؤمنين إلى التوجه إلى إسبانيا للمشاركة في العمليات العسكرية ضد المسلمين.
الصورة العقدية للإسلام في إسبانيا في القرون الوسطى
يكشف المؤرخ الإسباني خوسيه خوان رودريجيز أنه مع بدايات الفتح الإسلامي لإسبانيا ظهرت أولى الكتابات الإسبانية عن الإسلام والمسلمين وكانت تتسم بطابع سلبي، وشكلت تلك الكتابات «نماذج» سرعان ما جرى تعميمها في القرون الموالية من دون أن تخضع للمراجعة أو النقد، فقد كانت تؤخذ على أنها كتابات علمية لا يرقى إليها الشك.
كانت الكتابات الإسبانية الأولى عن الإسلام عبارة عن محاولة لتأريخ مرحلة الفتح الإسلامي، وقد صورت تلك الكتابات المسلمين والعرب على أنهم أقوام غزاة ومتوحشون وقساة، وظلت تلك الصور النمطية هي الثابتة في العصور اللاحقة، بل شكلت نماذج أولية قِيسَ عليها من كتاب ومؤرخين آخرين تناولوا الموضوع نفسه، لكن بطريقة مبالغ فيها، بحيث كانت تُختلَق حوادث وهمية لنقل صورة سيئة عن المسلمين، والقول بأن الفتح الإسلامي تم بطريقة وحشية، ورافقته أعمال قتل ونهب وسلب واغتصاب، متناسين أن الفتح تم بطريقة سلمية من خلال إبرام الصلح مع السكان.
ويبدو أن الإسبان كانوا يجهلون كل شيء عن حقيقة الإسلام والمسلمين، وأن الصور التي نُسِجَت عنهم لم تكن إلا من إنتاجات الخيال. فقد صورت بعض الكتابات الأولى المسلمين على أنهم «عباد القمر»، كما كانت تلك الصور غارقة في العنصرية والازدراء، مثل القول بأن العرب والمسلمين «جنس نجس»، أو «عرق غير طاهر». كما يلحظ المؤرخ نفسه (خوسيه خوان) أن بعض الكتابات كانت تطلق على المسلمين أوصافًا وردت في التوراة للإشارة إلى أعداء بني إسرائيل، وتشبههم بالعموريين(١٥). وتمثلت الصورة الأكثر بشاعة في الحكايات الشعبية والحوليات التاريخية التي تتحدث عن المسلمين الذين يبترون الأجهزة التناسلية للمسيحيين المهزومين، وتتحدث في الوقت نفسه عن الشبق الجنسي الحاد لدى المسلمين، والإعراب عن التخوف من توجيه تلك الطاقة الجنسية نحو النساء المسيحيات.
من الواضح أن تلك الصورة كانت متأثرة بمناخ الحروب الصليبية وحرب الاسترداد. وقد ظلت تلك الصورة السلبية لمسلمي الضفتين الجنوبية والشرقية للمتوسط، أو لـ«المورو» عامةً، حاضرة طيلة القرنين السادس عشر والثامن عشر بسبب العداء القوي بين المملكة الإسبانية والإمبراطورية العثمانية من جهة، وبينها وبين الممالك المغربية من جهة ثانية. بل أضفيت عليها دلالات معينة طيلة القرون الثمانية التي استغرقتها حروب الاسترداد التي ظهرت وتطورت خلالها أسطورة «قاتل المورو» أو ماتاموروس: وهي أسطورة ظهرت في القرن السابع الميلادي تقول: إن هذا الأخير نزل مع الغيوم لنصرة مسيحيي إسبانيا ومساعدة الملك روميرو الأول في قتال المسلمين.
الموريسكيون في الرواية العربية
نقطة التقارب وتلاقي الأفكار بين العـــالم العربــي وأوربـا

آنا مارية سانشيز مدينة – باحثة إسبانية في الأدب العربي
لم يكن مجال ترجمة ودراسة الأعمال الأدبية عن اللغة العربية معروفًا، بصفة عامة في مجتمعنا الإسباني، حتى في نطاق العلوم السياسية، وخصوصًا في الروايات التي تعالج موضوع الموريسكيين. على الرغم من وجود دراسات وترجمات إلى الإسبانية لأعمال أدبية معاصرة قبل سنة 1988م، تلك السنة التي حصل فيها الكاتب نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب، فهذه الدراسات والترجمات كانت نادرة نسبيًّا وكانت مرتكزة عمومًا على مؤلفين بارزين جدًّا.
بعدها بدأنا نشهد اهتمامًا متزايدًا بترجمة ودراسة أعمال أدبية في إسبانيا، ولكن مع مرور السنوات بدأ يتراجع هذا الاهتمام. حتى اليوم هناك العديد من الأدباء المعاصرين في العالم العربي غير معروفين عند الجمهور بصفة عامة، بينما البحث لم يتناول بشكل كامل ومنهجي التدفق الكبير للأعمال الأدبية من كل الدول العربية منذ بدايات القرن العشرين حتى وقتنا الحالي.
تيار جديد
في هذا الصدد، اخترنا الكاتبين صبحي موسى وحسن أوريد لرسالتنا للدكتوراه؛ لأنهما يمثلان تيارًا جديدًا ابتكاريًّا وحديثًا. من جهة، قدمنا صبحي موسى وهو كاتب وصحفي من مصر، ومن جهة أخرى حسن أوريد أديب ومفكر من المغرب، كلاهما بارز ومهم. وجدنا فيهما قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي طالب بها الربيع العربي. وكانا يعالجان مواضيع ذات أهمية كبيرة، مثل الإرهاب الدولي، أو القضية الفلسطينية.
لقد اخترنا موضوع الموريسكيين لرسالتنا للدكتوراه؛ لأنه مثير ومهم جدًّا لبعض المستعربين والمؤرخين، وهو غير معروف كثيرًا في المجتمع الإسباني. يجب أن نقول: إن المعلومات التي لدينا حول هذا الموضوع متفرقة، وهي معالجة في مجلات علمية وكتب فقط وبشكل جزئي. لا يوجد كتاب أو حتى مجموعة من الكتب تجمع تاريخ الأندلس وآدابه بشكل موحد، ولا من مرحلة الأندلس الأخيرة، التي بدأت في ثورة البيازين سنة 1568م، والتي أدت إلى حرب غرناطة وطرد الموريسكيين من أرضهم في النهاية. ولكن هناك شيء مهم تعلمناه وهو أن الموريسكيين هم أجدادنا. لقد وُلدت الأندلس في أرضنا وهي تمثّل سحر اختلاط أجناس مختلفة في رقعة واحدة. ومن المهم أن نذكر أن الأندلس لا تُدرّس في المدارس الإسبانية، ولا اللغة العربية أيضًا، على الرغم من تاريخنا الإسلامي العربي.
صدمة استثنائية
أحداث 25 يناير سنة 2011م في مصر كانت صدمة استثنائية، سياسيًّا واجتماعيًّا، معروفة عالميًّا؛ لذلك من المهم أن نأخذ في الحسبان تأثير وحضور هذا الموضوع في الأدب. لقد استخدم صبحي موسى هاتين الثورتين في روايته «الموريسكي الأخير» لإيجاد أوجه التشابه بين الماضي والحاضر وفهم المشكلات التي نواجهها حاليًّا. في رأينا، ترتكب الإنسانية الأخطاء نفسها بطريقة دورية على مر التاريخ. مأساة الموريسكيين هي مأساة الشعب الفلسطيني وغيرها من الإبادات الجماعية التي سبقتها. ومن الضروري أن نتعلم من التاريخ؛ لأنه من دون وعي لا يوجد سمو روحاني للإنسانية.
يحكي الكاتب في رواية «الموريسكي الأخير» عن حقب متتالية في تاريخ إسبانيا حتى الوصول إلى المرحلة الانتقالية التي كانت الطريق إلى الديمقراطية في عقد السبعينيات من القرن الماضي.
بلاس إنفانتي، أبو الوطن الأندلسي، كان يشير إلى أهمية توحيد الشمال والغرب، الأندلس والمغرب أو إسبانيا والمغرب. ما يريده صبحي موسى وحسن أوريد هو أن إسبانيا تمثّل نقطة التقارب وتلاقي الأفكار بين الثقافة العربية والغربية، وأن تكون الممر الثقافي بين العالم العربي وأوربا، ومن خلالها يكون ممكنًا ترجمة وانتشار الأدب العربي في العالم، ويريان أن إسبانيا جسر لانتقال الثقافة العربية في العالم كما حدث في الماضي.
هكذا اكتشفنا أن البطلة في رواية «الموريسكي» مسيحية، وهي حساسة وذكية، وفي رواية «الموريسكي الأخير» البطلتان لهما صفات المرأة المتمكنة أيضًا. وبالتالي، العلاقة بين البطل والبطلة في الروايتين هي علاقة المساواة.
من وجهة نظرنا يستحق الموريسكيون حق الاعتراف والعودة، شريطة استيفاء الشروط السياسية والاجتماعية في إسبانيا.
«سر الموريسكي» محاولة للربط بين الشرق والغرب
محمد العجمي – روائي عماني
تحاول رواية «سر الموريسكي» مقاربة العلاقة المتشابكة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وذلك باستدعاء بعض أشكال هذه العلاقة؛ كالمطبعة العربية، والمخطوطات الإسلامية، وتجارة البحر المتوسط، والصراعات العثمانية الأوربية، والنهضة العلمية في أوربا. أزمة الموريسكيين أيضًا جاءت ضمن هذه المعالجة؛ كثيمة تتكامل مع بقية الملفات المفتوحة في العمل لتعكس الصورة العامة للصراع السائد بين الشرق والغرب في النصف الأول من القرن السابع عشر. حيث في هذه المدة تقريبًا سيُسدَل الستار الأخير على مأساة شعب الموريسكيين التي استمرت لأكثر من قرن ونيف؛ منذ سقوط غرناطة حتى قرار طردهم من إسبانيا في ١٦٠٩م. وفي هذه المدة أيضًا سيصبح التفوق الأوربي على العالم الإسلامي واضحًا تمامًا، مع الضعف الذي أخذ يدب في جسد الدولة العثمانية.
بداية الحكاية
هذا القرار هو الذي التقطته ليكون بداية الحكاية في «سرّ الموريسكي»؛ محاولًا استثمار العقود الأربعة التالية للقرار لبناء حبكة درامية لعائلة موريسكية مطاردة، ستكون شاهدة على عصر كان وعي أوربا بذاتها يتشكل بالتغذي على الفوارق التي تقيمها بالحديد والنار مع الآخر، الذي سيكون على طول القرون التالية موضوعًا للتحكم والسيطرة والاستعمار الممتد حتى اليوم، ونحن نشاهد ونعيش ونتلمس الازدواجية التي يتعامل بها بقايا الاستعمار الغربي مع القضية الفلسطينية، الذي تجلى بشكل فاضح في الحرب الإسرائيلية القائمة في غزة.
لقد كان مدهشًا لي وأنا أبحث في تاريخ شعب الموريسكيين ذلك الإصرار العجيب منهم على الحفاظ على هويتهم وتراثهم وثقافتهم؛ حتى على الرغم من تخلي القريب والبعيد عنهم. وتضافر هذا الإعجاب مع المقابلة التي أقمتها بين مرسوم طرد الموريسكيين ووعد بلفور الذي مهد الطريق لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم؛ في أن أجعل قضية الموريسكيين الموضوع الأبرز للقضايا التي أعالجها في الرواية. لم أكن ملتفتًا وقتها لحجم الحضور الأدبي لمأساة الموريسكيين عربيًّا، ولكن مع التقدم في العمل والاطلاع على المزيد من المشروعات الإبداعية التي استثمرت الموضوع نفسه؛ أدركت أن القضية مغرية للكاتب العربي لدرجة ربما تثير التساؤل فعلًا.
بين القضية الموريسكية والفلسطينية
بغض النظر عما يشكله التاريخ من ثروة ومعين لا ينضب يكون مثيرًا للأديب في اختيار موضوعاته، ويكون في الوقت نفسه مادة للكتابة؛ غير أنه في حالة الموريسكيين؛ فالشبه بين قضيتهم والقضية الفلسطينية شكّل دافعًا خفيًّا لدى معظم من كتب عن الموريسكيين. لا أظن أني كنت بعيدًا من ذلك، على الرغم من المسافة الزمنية بين التاريخ الذي تتحدث عنه «سرّ الموريسكي»، والزمن الذي بدأت نيات البريطانيين تتجلى أكثر تجاه تسليم فلسطين لليهود في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى. ولعلي لا أجانب الصواب لو قلت: إني فعلت ذلك من دون قصد. اللاوعي هنا يتحدث أكثر من الوعي. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو صراع عربي إسلامي مع بقايا الاستعمار الأوربي المتمثل في دولة الاحتلال، وهو لا يختلف من حيث الجوهر عن صراع الموريسكيين مع الإسبان.
إذا تجاهلنا المسألة الموريسكية فإننا ندعم النسيان لا الذاكرة
أحمد عبداللطيف – روائي ومترجم مصري
تظل مسألة الموريسكيين قضية قائمة ويجب ألّا تنتهي؛ ذلك لأن الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من التاريخ (كما الطب) ألا نغلق الجرح قبل تنظيفه، وإلا دفعنا أثمانًا غالية قد تؤدي إلى البتر أو الوفاة. بنظرة بديهية، اعتذرت ألمانيا عن الهولوكست وأبدت دعمها الشامل والمطلق لدولة الاحتلال منذ البداية حتى الآن، تكفيرًا عن ذنب المحرقة. ومنحت إسبانيا اليهودَ السفارديمَ حقَّ العودة بعد مرور خمس مئة عام من الطرد. أما الموريسكيون فلا يذكرهم أحد، على الرغم من أن أثر المسلمين في إسبانيا سياسيًّا واقتصاديًّا وعلميًّا وفنيًّا ومعماريًّا، كان أكبر من أثر اليهود بشكل لا يمكن دحضه أو حتى مناقشته. وكانت محاكم التفتيش وأساليب الطرد أشد ضراوة مع المسلمين؛ لذلك لا يصح أن تُغلق هذه الصفحة أبدًا، حتى لو اعتذرت إسبانيا وأعطت الموريسكيين حقَّ العودة. فمن التاريخ نتعلم أن المجازر والقتل والدم والعنصرية أوبئة لا يجب أن تعود. وإن تجاهلنا المسألة الموريسكية فنحن ندعم النسيان لا الذاكرة، ونبني مستقبلنا على باطل.
لهذا السبب، ومن هذا المنطلق، كتبت رواية «حصن التراب» عن الموريسكيين. وكانت نيتي في الأساس تسليط الضوء على القضية في جو فني وجمالي لا يقتله الثقل التوثيقي والتاريخي، بحيث أمنح المظلومين صوتًا يتكلمون من خلاله عن اليومي والمعتاد، برواية تواجه الرواية الرسمية وتدحضها.
هدم التاريخ
من أجل هذا العمل، قرأت الأعمال المكتوبة بالإسبانية، وزرت أرشيفات تضم محاكمات التفتيش، ورأيت آلات التعذيب في كل من طليطلة وكوينكا. لكن ما كان يشغلني في العمق هو هدم هذا التاريخ الرسمي الذي تبنته السردية الإسبانية. فالتاريخ، في رأيي، مجرد حكاية قابلة للتصديق والتكذيب؛ لذلك استعرت الصياغة الإسبانية لأبني تاريخًا آخر مضادًّا، يرسم الموريسكيين بشرًا عاديين يتطلعون للحياة لا للموت، تشغلهم اليوميات لا التحالف مع الإمبراطورية العثمانية، وليسوا مضطرين لإثبات هوية ولا دين، غير أنهم اضطروا لفعل ذلك على مدار أكثر من قرن.
التاريخ الموريسكي، الذي بدأه المؤرخ كارباخال، أحد جنود محاكم التفتيش، بدا لي مغالطة بنيت عليها مغالطات أخرى، صححها مؤرخون إسبان انحازوا للقضية المسلمة، وأنا شعرت أني في حاجة لأكثر من التصحيح، أقصد الهدم. فلا الملوك الكاثوليك كانوا كهنة ولا كان هدفهم الحفاظ على كاثوليكية إمبراطوريتهم، كما لم يكن الصليبيون أبناء المسيح، ولا جاؤوا للشرق الأوسط للحفاظ على مهد المسيح. ببساطة، في الحالتين، كانت السياسة والاقتصاد ما يحرك الحكام، وكان التخلص من المسلمين هدفًا سياسيًّا لا دينيًّا في الأساس.
في النهاية، على الرغم من أن التاريخ يكرر نفسه بأشكال مختلفة، فإن الواجب الأخلاقي يفرض علينا أن نأمل بألّا يتكرر. وربما كان ذلك أحد أفكار الأدب.
الموريسكيون: التسمية، والطرد، والتوطين

حسام الدين شاشية – باحث تونسي
ليس من السهل تحديد الجماعة الموريسكية، لكن بدايةً أريد تعريف مُصطلح «الموريسكيون» أو «الموريسكيين»، الذي لا يعني بأي حال من الأحوال «المُسلم الصغير»، كما هو شائع في كثير من الكتابات العربية؛ بل إن أصل التسمية إسباني (Moriscos)، ويعني باختصار: المعتنقون للمسيحية من ذوي الأصول الأندلسية المُسلمة. وهو مُصطلح في أصله ليس تحقيريًّا، لكنه حمل معاني سلبية في المجتمع الإسباني المسيحي في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. هذا المصطلح وقع تعريبه في بداية القرن العشرين، في البداية إلى كلمة «موريسكوس» عن طريق شكيب أرسلان، ثم «الموريسكيون» ومُفردها «موريسكي» عن طريق عبدالله عنان. عمومًا، يُمكننا أن نُحدد أفراد الجماعة الموريسكية على أنهم الأندلسيون الذين بقوا للعيش في مدنهم بشبه الجزيرة الأيبيرية بعد سقوطها في يد المسيحيين، ثم أجبروا ما بين سنتي 1502م، و1526م على اعتناق المسيحية.
سياسات قاسية
اختلفت وضعية الموريسكيين قبل الطرد من منطقة إلى أخرى، نتيجة اختلاف التطور التاريخي للأحداث وسياسات الملوك الإسبان وحكام المُقاطعات ورجال محاكم تفتيش كل منطقة. على أنه يمكننا القول: إنه قد مورست على الموريسكيين طيلة القرن السادس عشر سياسات قاسية، تهدف إلى صهرهم دينيًّا وثقافيًّا بالقوة وبسرعة في المجتمع المسيحي الكاثوليكي الأيبيري، وهو ما جعلهم عرضة لملاحقات محاكم التفتيش ورجال الكنيسة. واجه الموريسكيون هذه السياسات أحيانًا بطرائق سلمية، عبر استعمال التقية وعيش حياة مزدوجة، أي إظهار التدين المسيحي في الفضاءات العامة والمحافظة على الإسلام في المنزل والتجمعات الخاصة، وأحيانًا أخرى من خلال القوة، أي بالقيام بعدد من الثورات المسلحة، التي لعل أهمها ثورة البشرات أو الألبوخارس التي كانت في الجبال القريبة من غرناطة ما بين سنتي 1568م و1571م.
في شهر إبريل من سنة 1609م اتخذت السلطات الإسبانية قرار طرد الموريسكيين، لكن صدور القرار الأول للعلن والخاص بموريسكيي جهة بلنسية لم يكن إلا في 22 سبتمبر 1609م. هنا أريد تأكيد أن قرار طرد الموريسكيين هو قرار طرد ثقافي وليس دينيًّا كما هو الأمر بالنسبة لليهود السفارديم سنة 1492م، فبالنسبة لأفراد الجماعة الأخيرة، كان يمكن تجنب الطرد من خلال إعلان اعتناق المسيحية الكاثوليكية، أما بالنسبة للموريسكيين، فحتى الأفراد والجماعات التي وقع تأكيد صدق إيمانها المسيحي، فقد أصرت السلطات على طردهم.
ثلاث مئة ألف
تواصلت عملية طرد الموريسكيين حتى بداية سنة 1614م؛ إذ طُرد موريسكيو منطقة الريكوتي بجهة مُرسية. تختلف تقديرات أرقام الموريسكيين المعنيين بقرار الطرد من جهة إلى أخرى، على أن الأعداد التي وقع توثيقها، تُقدر بنحو ثلاث مئة ألف موريسكي: بضعة آلاف تمكنت بطرائق مختلفة من تجنب الطرد، وبضع مئات استطاعت العودة بعد طردها، في حين طُرد نحو ثمانين ألفًا إلى المغرب، وخمسين ألفًا إلى الجزائر، وما بين ثمانين ومئة ألف إلى تونس، ووصلت عشراتٌ أو مئاتٌ أُخرى إلى فرنسا وإيطاليا وأميركا الجنوبية، ومثلهم إلى ليبيا ومصر وبلاد الشام والأناضول، وغيرها من المناطق.
تعرض المهجرون في أثناء الإبحار للقتل والنهب على أيدي رَبَابِنَة السفن الفرنسية والإيطالية، فقد كان هؤلاء يسرقونهم ثم يلقون بهم في البحر من أجل زيادة عدد السفرات. كذلك تعرض بعض المهجرين عند وصولهم للشواطئ للقتل والنهب والاغتصاب على أيدي الجماعات الخارجة على السلطات المركزية في المغرب والجزائر.
سياسة ناجحة
فيما يتعلق بتونس، فقد رحبت بهم السلطات السياسية والدينية، وخصصت لهم مناطق ليستقروا بها في الشمال، كتستور وسليمان ومجاز الباب وغيرها، وكانت متسامحة معهم، خصوصًا أن العديد من الموريسكيين الذين وصلوا البلاد لم يكونوا يعرفون جيدًا الإسلام واللغة العربية. هذه السياسة آتت أكلها، حيث ساهم المهجرون في تطوير العديد من القطاعات. ففي الفلاحة أُدخِلَتْ تقنيات وزراعات جديدة، أما على المستوى الحرفي، فتظهر مُساهمتهم أساسًا في الصناعات النسيجية مثل صناعة الشاشية، كما أدوا العديد من الأدوار المهمة على مستوى التجارة الخارجية. أما على المستوى الفكري، فقد ألف الموريسكيون في بداية القرن السابع عشر في تونس عددًا من المخطوطات الفريدة باللغة الإسبانية التي كانت في الأساس موضوعاتها الجدل الديني، والعقيدة والعبادات.
كيف تحايل الموريسكيون على محاكم التفتيش؟!

جمال عبدالرحمن – باحث مصري
إزاء تعنت محكمة التفتيش لجأ الموريسكيون إلى بعض الحيل؛ لكي يتمكنوا من أداء شعائر الإسلام من دون أن يكتشفهم أحد. كان الوضوء جريمة في نظر القانون، لكن الاستحمام لم يكن جريمة؛ لذلك كان الموريسكي يستحم في النهر بدلًا من أن يتوضأ. كانت الصلاة «جريمة» أخرى؛ لذلك كان الموريسكي إذا أراد الصلاة، يصلي في بيته ويكلّف صديقًا بالوقوف في الشارع، لكي يحذّره إذا رأى قسيسًا قادمًا، وبالطبع كان من يقف في الشارع يدّعي أنه جاء لتحية صديقه وأنه يناديه لكي يخرج.
صيام رمضان
من الذي كان يعلم بالشهور القمرية، وبالتالي بحلول شهر رمضان؟ موريسكيون قليلون. كيف كانوا يعلمون إخوانهم بحلول شهر رمضان (وبأخبار تخص الأمة الموريسكية: انتصارات الأتراك مثلًا)؟ ابتكر الموريسكيون مهنة البغّالين؛ يعني استخدام البغال لنقل البضائع مقابل أجر. كانت تلك المهنة مجرد غطاء لعمل سِرّيّ، فالبغّال كان يتحرك بسهولة بين القرى ويحتك بالناس من دون أن يعترضه أحد؛ ولذلك كان بإمكانه إبلاغ الناس بمقدم شهر رمضان، أو بأية أخبار تهم الموريسكيين. (سنرى لاحقًا كيف تمكّن البغّالون من إبلاغ الموريسكيين بموعد ثورة البشرات في سرية تامة بحيث فوجئ المسيحيون باندلاع الثورة).
في شهر رمضان كان على الموريسكي أن يستيقظ ليلًا لكي يتسحّر، وكانت هناك مشكلة في إيقاظ الناس، لكن أحدهم وجد الحل: سيكلّفون من يمر على بيوت الموريسكيين قبل الفجر بساعة، بحجة التحرك مبكرًا لرعي الأغنام. وإمعانًا في التخفي، اختاروا للقيام بالمهمة رجلًا مسيحيًّا أبًا عن جد، وكلّفوه بإيقاظهم «لرعي الأغنام» مقابل أجر، وظل ذلك المسيحي يوقظ الموريسكيين، فيتسحرون ويؤدون صلاة الصبح، ثم يسوقون أغنامهم إلى حيث المراعي. كانت هناك مشكلة أخرى في شهر رمضان: كيف سيبررون للجيران أنهم لا يتناولون طعام الغداء؟ بعض الأسر كانت تدّعي أنها ستبيت في الحقول لحراسة محاصيلها، وهكذا كانوا يمارسون حياتهم بحرية في الحقول، بعيدًا من الرقابة، فيصومون، ثم يفطرون بحلول المغرب، ويتسحرون قبل الفجر من دون عائق.
أما الحج، وهذه هي المفاجأة. هل يظن أحد أن يسعى الموريسكيون إلى الحج في تلك الظروف؟ لقد حددوا طريقًا يذهب الموريسكي عبرها إلى بيت الله الحرام ثم يعود، من دون أن تفطن السلطات إلى وجهته. لم يستسلم الموريسكيون للظروف، بل ابتكروا الحيلة تلو الحيلة؛ لكي يتمكنوا من أداء شعائر الإسلام، وهم يدعون الله أن يغفر لهم تقصيرهم.
الموريسكيون في التاريخ والأدب

الأندلسي والموريسكي
صبحي موسى – كاتب مصري مؤلف رواية «الموريسكي الأخير»
منذ سقطت الأندلس في أيدي الإسبان وهي كالفردوس المفقود في الثقافة العربية والإسلامية، فطالما كتب عنها الشعراء والروائيون، ومع بزوغ القضية الفلسطينية في الأفق أصبحت الأندلس المعادل الموضوعي في الأدب العربي لخروج الفلسطينيين من قراهم وبيوتهم، وتوالت الأعمال الإبداعية التي ربطت بين كلتا المأساتين سواء على نحو خفي أو مباشر، بدءًا من جورجي زيدان الذي كتب «فتح الأندلس»، وأحمد أمين صاحب «الأنشودة الموريسكية»، وصولًا إلى «ليون الإفريقي» لأمين معلوف، و«ثلاثية غرناطة» رضوى عاشور، و«ظلال شجرة الرمان» طارق علي، و«البيت الأندلسي» واسيني الأعرج، و«راوي قرطبة» عبدالجبار عدوان، و«حصن التراب» أحمد عبداللطيف، و«سر الموريسكي» محمد العجمي، وغيرهم كثيرون.
الأندلسي
لكن عادة ما يخلط بعضٌ بين مصطلحي «الأندلسي» و«الموريسكي»، فالحضارة الإسلامية في الأندلس استمرت 781 عامًا، وحين أخذت في الانحسار وتوالى سقوط مدنها واحدة بعد الأخرى، لم يحدث ذلك فجأة، فقد استمر الأمر نحو أربع مئة عام، بدءًا من سقوط طليطلة عام 1084م حتى سقوط غرناطة عام 1492م، وكلما سقطت مدينة كان الإسبان يخيرون أهلها بين تسليمهم بحكم الإسبان لهم، أو الهجرة إلى غيرها من مدن الإسلام، فكان بعضهم يهاجر سواء إلى المدن الأخرى مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية وبلنسية وملقة وغيرها، أو يعود إلى المغرب في الشاطئ الجنوبي للبحر، ومنها يرتحل إلى مدن المشرق العربي سواء في مصر أو الشام أو الجزيرة العربية، وبخاصة أن رحلة الحج تمرّ بهذه البلدان، وكان بعضهم يفضل الإقامة فيها، سواء لأن جذوره الأولى منها، أو لأنها كلها بلاد الإسلام، وهؤلاء يسمون الأندلسيين، ومنهم عائلات شهيرة مثل: التميمي، والشطبي، والقرطبي، والطرطوشي، ومنهم متصوفة وأولياء كبار مثل: المرسي أبو العباس، صاحب المسجد الشهير في مدينة الإسكندرية.
الموريسكي
أما الموريسكيون فهم الذين هاجروا بعد سقوط غرناطة، وتحديدًا هم الذين خُيِّروا بين التنصير الإجباري أو الرحيل عن الأندلس، وذلك بعد صدور قرار التنصير عام 1496م، ومن ثم ظهر لأول مرة مصطلح موريسكي، الذي يعني النصراني الجديد، أو المغربي قليل الشأن، والذي على إثره بدأت هجرات الموريسكيين نحو الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، التي استمرت نحو مئة وعشرين عامًا، هاجر فيها أكثر من مليون نسمة قسريًّا بسبب الاضطهاد الديني، وانتهت بالطرد الجماعي لهم؛ إذ لم يستطع ملك إسبانيا فليبي الرابع أن يحتمل مزيدًا من الثورات والقلاقل داخل بلاده، فقررت حكومته بعد ثورة الموريسكيين في بلنسية طرد الموريسكيين منها، ثم امتد القرار من بلنسية إلى كل الموريسكيين في مختلف أنحاء البلاد، فاستمر تهجيرهم القسري من 1609م إلى 1613م؛ لتمتلئ مدن المغرب العربي بهم.
اضطهاد معاكس
لكن الموريسكيين عانوا مرة أخرى اضطهادًا دينيًّا معاكسًا؛ إذ نظر إليهم كثيرون على أنهم نصارى وليسوا مسلمين، فكثير منهم كان يحمل أسماء مسيحية، ومن ثم ارتحل بعضهم من المغرب العربي إلى بقية البلدان الإسلامية، سواء في آسيا أو إفريقيا، وبعضهم فكر في العودة إلى شواطئ الأندلس من جديد، وقلة منهم تمكنت من الهروب عبر الجبال مع الغجر إلى فرنسا، وبعضهم حُكِمَ عليه بالتجديف مع العبيد على السفن الذاهبة إلى العالم الجديد، فقد اكتُشِفَت أميركا اللاتينية في العام نفسه الذي سقطت فيه غرناطة 1492م، ومع هؤلاء انتقلت الفلامنكو والموسيقا الأندلسية إلى أميركا اللاتينية، مثلما انتقلت العمارة وطرائق الري الأندلسية المتطورة إلى المغرب العربي، وصارت في كل مدينة أحياء لهم، وعرفت مدن كاملة باسمهم، مثل «تطوان»، و«شفشاون»، و«فاس» في المغرب، و«زغوان»، و«بنزرت» في تونس، و«القليعة» في الجزائر، تلك التي هاجر إليها نحو ثلاث مئة عائلة بحسب المؤرخ الإسباني لويس مارمول كارباخ. وفي مصر بحسب الدكتور حسام محمد عبدالمعطي في كتابه «العائلة والثروة » استوطن الموريسكيون شمال الدلتا، وخصوصًا في محافظتي الإسكندرية وكفر الشيخ، فأنشؤوا العديد من القرى التي حملت أسماء أندلسية مثل الحمراوي، وإسحاقة، وأريمون، ومحلة موسى، وسيدي غازي، وكفر الشيخ، وسيدي خميس، والناصرية، ومحلة دياي، وقطور، والشاطبي، والمنشية وغيرها. ومنهم عائلات نقيطة، وديلون، وجبريل، والحوني، والعادلي، والصباحي، والطودي.
جريمة إنسانية لم تنتهِ

عبدالقادر بوباية – باحث جزائري
تمكن المسلمون من إقامة دولة مترامية الأطراف امتدت حدودها من الصين شرقًا إلى البحر المحيط (الأطلسي) غربًا، ومن أواسط آسيا شمالًا إلى بلاد السودان جنوبًا، وكانت بلاد الأندلس من المناطق التي فتحها المسلمون عام 92هـ (711م) على يد طارق بن زياد الولهاصي النفزي، مولى موسى بن نصير، والي بلاد المغرب على عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، واستمر حكمهم للعدوة الأندلسية نحو ثمانية قرون، وتمكنوا من تشييد حضارة لا تزال آثارها تدل على العظمة التي وصلوها في تلك القرون التي كانت فيها بقية القارة الأوربية تعاني ويلات التخلف في المجالات كافة.
معالم حضارة الأندلس
ومن أبرز المعالم التي تدل على ذلك المسجد الجامع في قرطبة الذي بناه عبدالرحمن بن معاوية (756- 788م)، ووسّعه كل من عبدالرحمن الناصر، والحكم المستنصر بالله، والمنصور محمد بن أبي عامر، ومدينة الزهراء التي بناها عبدالرحمن الناصر لدين الله بداية من 936م، ومئذنة جامع إشبيلية التي شيّدها أبو يوسف يعقوب المنصور سنة 1197م لتخليد انتصاره على النصارى في موقعة الأرك سنة 1194م، وقصر البديع الذي شيده المعتمد بن عباد، وقصر الحمراء في غرناطة الذي شيّده أبو عبدالله محمد بن يوسف ابن الأحمر، وأشهر أجنحته «بهو السباع» الذي أنشأه السلطان محمد الغني بالله (1354- 1391م)، وغيرها من المآثر العمرانية التي لا تزال قائمة، وتجلب إلى إسبانيا أكثر من ستين مليون سائح سنويًّا، ويدر هذا العدد ملايين الدولارات على الخزينة حيث تعد السياحة المورد الرئيس لخزينة المملكة الإسبانية.
وفي أثناء وجود المسلمين في الأندلس، ظلت الروابط وثيقة بينهم وبين إخوانهم في العدوة المقابلة، كما استمر التأثر والتأثير بينهما في المجالات كافة، وعندما بدأت حركة الاسترداد المسيحي كان المغاربة في مقدمة المتطوعين لنجدة إخوانهم، وعندما فقد المسلمون ممتلكاتهم في بلاد الأندلس، كانت مختلف بلدان المغرب الملاذ الأقرب للفارين بدينهم من البطش الإسباني الصليبي.
شروط أهل غرناطة
من جملة الشروط التي شرطها أهل غرناطة على ملك الروم أن يُؤمِّنهم على أنفسهم وبلادهم ونسائهم وأبنائهم ومواشيهم وجنّاتهم ومحارثهم، وجميع ما بأيديهم وغيرها من الشروط، وقد كتب لهم ملك الروم بذلك كتابًا، وأخذوا عليه عهودًا ومواثيق في دينه مغلظة على أنه يوفي لهم بجميع ما شرطوه عليه، وفي يوم 21 من المحرم 897هـ/ 25 نوفمبر 1492م وُقِّعت معاهدة دولية بين سلطان غرناطة أبي عبدالله محمد بن علي بن سعد النصري (Boabdil) وفرناندو وإيزابيلا ملكَيْ قشتالة وأراغون وليون وصقلية، وبموجبها التزم السلطان النصري بتسليم غرناطة للملِكيْنِ النصرانيين مقابل شروط عليهما احترامها، والسهر على تطبيقها.
وكان يُفترض على ملكي قشتالة وأراغون الالتزام بهذه الشروط، ولكن معظم بنود المعاهدة انْتُهكت من النصارى، الذين أعلنوا حربًا شعواء على من بقي من المسلمين في بلادهم، حيث تعرّضوا إلى الإبادة في البُشارات ووادي آش ومالقة وغيرها.
إن ما وقع لمسلمي مملكة غرناطة على يد جيش إيزابيلا وفرناندو ورجال كنيستهما ومحاكم التفتيش التي أنشئت لمعاقبة المسلمين، ومنعهم من ممارسة عبادتهم، والتمتع بممتلكاتهم لا يُضاهيه بتاتًا ما تعرّض له اليهود في الحرب العالمية الثانية على أيدي النازية الألمانية حسب الرواية المزعومة للحركة الصهيونية، ولا تزال متاحف كثيرة في إسبانيا تعرض وسائل التعذيب الجهنمية التي اخترعتها محاكم التفتيش لتعذيب المسلمين، وإجبارهم على التنصر.
بناءً على ما سبق ذكره؛ يمكن القول: إن الحديث في القضية الموريسكية كجريمة إنسانية لم ينتهِ، ولذلك فإن الخوض في الموضوع المؤلم لنا نحن المسلمين؛ وبخاصة المتخصصون في التاريخ الأندلسي ما زال قائمًا، ويجب التكتل من أجل مطالبة الحكومة الإسبانية بالاعتذار لهم، ومنحهم حق العودة إلى وطن أجدادهم على غرار ما حدث مع اليهود السفارديم على الرغم من أنهم كانوا أقل عددًا، وأقل إمكانات مقارنة بالمسلمين.
مفاتيـح البيوت الموريسكية
مــحـمــد أحمد بنيس – شاعر مغربي من أصول موريسكية
يصعب الجزم باحتفاظ بعض العائلات الموريسكية بمفاتيح بيوتها في الأندلس، التي يفترض أنها توارثتها على مدار القرون الخمسة الأخيرة. أعتقد أن هناك مساحة من الأسطورة في ذلك. وهي أسطورةٌ كان الخروج الدراماتيكي من الفردوس المفقود بحاجة إليها في لحظة تاريخية فارقة. هناك عائلات أندلسية احتفظت بمفاتيح بيوتها التي تركتها وراءها في مدن الأندلس وبلداتها، لكن هل يمكن أن تصمد هذه المفاتيح في انتقالها من جيل إلى جيل حتى الآن، وبخاصة أن الموريسكيين باتوا جزءًا من النسيج المجتمعي والأهلي والثقافي في البلدان التي هاجروا إليها؟ الاحتفاظ بهذه المفاتيح يتطلب قدرًا من الوعي الذي يفترض أنه ينتقل من جيل إلى جيل؛ الوعي برمزية هذه المفاتيح وقيمتها العائلية والتاريخية والثقافية.
بالتوازي مع ذلك، لا تمتلك مدننا العربية أرشيفًا أهليًّا ومجتمعيًّا يسمح بالتعرف إلى أسماء العائلات التي سكنتها أو التي وفدت إليها في أزمنة معينة، والأحياءِ والمنازل التي سكنتها وغير ذلك. طبعًا يُفترض أن تحفظ ذلك سجلاتُ البلديات ومجالس الأحياء والحارات والمستشفيات والمحاكم والإدارات المختلفة. وهذا أمر لم يكن متوافرًا في البلدان التي هاجر إليها الموريسكيون بسبب البنية الاجتماعية التقليدية آنذاك.
ترتيب الذاكرة الموريسكية
أمّا حق الموريسكيين في العودة إلى الأندلس (إسبانيا)، فأعتقد أن الأمر ينبغي النظر إليه من جوانب مختلفة؛ إذ يصعب النظر إليه بمعزل عن التحدي المرتبط بإعادة تركيب الذاكرة الموريسكية والمصالحة معها. وهو ما يتطلب قدرًا من الجرأة من الدولة الإسبانية، بمختلف مكوناتها، للإقرار بمسؤوليتها عما لحق بالموريسكيين من اضطهاد. وعلى الرغم من أنها فتحت هذا الملف منذ سنوات على درب إعادة الاعتبار لأعقاب الموريسكيين الذين طردتهم إسبانيا قبل قرون، فإن ذلك لا يكفي، فهي ترفض، أو بالأحرى، تتجاهل مسألة تقديم اعتذار لهم كما فعلت مع أعقاب اليهود السفارديم الإسبان الذي طردوا سنة 1492م. ذلك كله يلقي بظلاله على مسألة العودة، التي لا يمكن فصلها، كذلك، عن سياقاتها الاقتصادية والاجتماعية الراهنة المرتبطة بإشكالية الهجرة، فكل البلدان التي يوجد فيها أعقاب الموريسكيين توجد في الجنوب، بما يحيل إليه هذا المفهوم من دلالات اقتصادية وسياسية، بمعنى أن العودة ستكون لأسباب اقتصادية واجتماعية على الأرجح، على الأقل بالنسبة لأغلبية هؤلاء المنحدرين من أصول موريسكية.
هوامش:
(١) A B C, Guillermo Ortega: El 523 aniversario de la Toma vuelve a unir historia y tradición en Granada, Guillermo Ortega, 2, enero, 2004.
(٢) La Razón, Lorena Velasco: “Toma de granada: el día que Boabdil “El Chico” entrega la ciudad a los Reyes Católicos”, 2, enero, 2024.
(٣) MENÉNDEZ PELAYO, Marcelino: Historia de los heterodoxos españoles, Librería católica de San José, Granada, 1880, II, p. 632.
(٤) MARAÑÓN, Gregorio: Expulsión y Diáspora de los mariscos españoles, Taurus, Madrid, 2004, pp. 102-103.
(٥) BÉCQUER, Gustavo Adolfo: Historia de los Templos de España – Toledo-, publica y prologa Fernando Iglesias Figueras, 120-1.
(٦) BEBUMEYA, Gil: “Estampa de García Lorca”, Gaceta Literaria, Madrid, 15, 1, 1931, Obras Completas, VI, prosa, I, p, 509.
(٧) GIBSON, Ian: Federico García Lorca, Grijalbo, Barcelona, 1985, vol. I, p. 477.
(٨) كاردياك، لوي: «الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون، المجابهة الجدلية (1492ـ 1640م)»، ترجمة عبدالجليل التميمي، مطبعة الاتحاد العام التونسي للشغل، تونس، 1983م، ص 83.
(٩) مجهول: كتاب «نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر، تسليم غرناطة ونزوح الأندلسيين إلى المغرب»، ضبطه وعلق عليه الأستاذ الفريد بستاني، مكتبة الثقافة الدينية، 1423هـ/2002 م، الظاهر، ص 49.
(١٠) Miguel Angel Ladero Quesada: La “Reconquête”, clef de voûte du Moyen Âge espagnol. Actes des congrès de la Société des historiens médiévistes de l’enseignement supérieur public. Année 2002.Volume 33.Numéro 33.pp: 23-45.
(١١) فيسنت كانتاريو: «حرب الاستعادة الإسبانية، هل هي حروب كلونية مقدسة ضد الإسلام». ترجمة: الدكتور أبوبكر باقادر. مجلة الاجتهاد اللبنانية. العدد 29. السنة السابعة. خريف 1995م. ص 64-65.
(١٢) Carlos de Ayala Martínez: Las Cruzadas. Silex ediciones.2004. p 85.
(١٣) قاسم عبده قاسم: «ماهية الحروب الصليبية». سلسلة عالم المعرفة. الكويت. مايو 1993م.ص 43.
(١٤) Jean Flori:Guerre sainte, jihad, croisade. Violence et religion dans le christianisme et l’islam. Editions du Seuil, 2002. P: 209-210.
(١٥) José Juan Cobos Rodriguez: la visión del otro en la historiografia, aproximacion a los autores locales.Editorial vision net. Madrid. 2005. P 37.