هند الفهاد: السينما ليست وسيلة إصلاح وليس من أدوارها إيجاد حل

هند الفهاد: السينما ليست وسيلة إصلاح وليس من أدوارها إيجاد حل

حاز فلم «بسطة» للمخرجة السعودية هند الفهاد عددًا من الجوائز المهمة مثل: ‏جائزة لجنة التحكيم في مهرجان دبي السينمائي الدولي عن أفضل فلم قصير، وجائزة أفضل فلم في مهرجان الشباب للأفلام في جدة، وجائزة النخلة الفضية عن أفضل فلم قصير في مهرجان أفلام السعودية. الفهاد التي شاركت في عدد من المهرجانات العربية والدولية تستعد لإخراج فلم جديد مع بداية 2017م. «الفيصل» التقت هند الفهاد وحاورتها حول تجربتها السينمائية وتحديات السينما وأحوالها في السعودية.

هل ترين أن حياة المرأة السعودية تحفل بالتجارب الخصبة التي يمكن أن تطرحها السينما، وتكون مثار جدل حقيقي؟ وأي الجوانب أكثر ثراء في تلك التجارب من وجهة نظرك كمخرجة سينمائية تنتمي إلى المجتمع السعودي؟

السينما هي بوابة ونافذة تستطيع من خلالها أن تطلع وتتعرف ثقافاتٍ وقصصًا إنسانية تعكس المجتمع وأفراده وتجربة المجتمع السعودي. في رأيي: من أغنى التجارب التي يمكن أن تكون موضوعات متعددة غير متناهية يمكن تقديمها سينمائيًّا على وجه الخصوص تجربة المرأة السعودية؛ فتجربتها على صعيد إنساني واجتماعي مليئة بتفاصيل عديدة ومهمة تحكى وتروى. لا يمكن  تحديد جانب محدد لكن قد يغلب على تجربتها نضال الإيمان بها كإنسان كامل الأهلية على ذاته.

ما الدور الذي تتوقعين أن تقوم به السينما من تصحيح لأحوال المرأة في السعودية؟

السينما ليست وسيلة إصلاح ولا من أدوارها إيجاد حل، هي وسيلة تعبير، كما أراها وأتعامل معها. بالنسبة لي السينما هي صوت وصوت واضح  جدًّا؛ لذلك اتحدت من خلال السينما أكثر من أن أبحث عن حلول، قد يكون هناك عرض لتجارب واقعية لكن لا بد أن تكون بشكل فني يتناسب مع الفكرة الفنية  للسينما.

ماذا تحتاج السينما في السعودية لتتقدم بثقة؟ وإلى أي حد يمكن أن يؤثر انتقاص الدراما إلى الكوادر النسوية في بطء الحركة السينمائية في السعودية؟

ما زالت السينما في السعودية في خطواتها الأولى لكنها كبيرة، فيما حققته من نجاحات وحضور عربي ودولي. نحتاج الكثير والكثير جدًّا حتى نستطيع أن  نسمي التجارب والمحاولات الناجحة في كثير من الأحيان: (صناعة سينمائية)؛ فوجود معاهد متخصصة ودور عرض وصناديق تمويل سيكون له دور هام جدًّا في صناعة سينما جادة تعبر عنَّا وتحكينا بشكل سينمائي فني. الخطوات الأخيرة لدعم الفنون التي اتخذتها الدولة بشكل جاد مبشِّرة جدًّا.

طابع نسوي

%d9%87%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%87%d8%a7%d8%afلماذا اخترتِ مجال السينما؟ وماذا تعلمتِ من أعمالك الإخراجية ومن السينما؟

من خلال السينما أستطيع أن أعبر وأن يكون صوتي أكثرَ وضوحًا، اخترتها لأنها تجمع كل الفنون: الصوت والصورة والخيال والألوان، وبالتالي فإن مساحة تعبيري ستكون أشمل وأوسع، تعلمت من السينما التعبير بالشكل الفني المناسب، فأعمالي الأولى كانت مباشرة، وما زلت أجرب هل أنا مناسبة في مجال السينما كوني فيما سبق مصورة فوتوغرافية وتعاملي مع الصورة قديم وفي مرحلة من المراحل شعرتُ برغبتي الشديدة في التعبير بشكل حر، وقد ساعدتني السينما على ذلك، وهو ما حدث لي مع فلمي الأول «ثلاث عرائس وطائرة ورقية» وقبوله في مهرجانات متعددة إقليمية وعربية شجعني على اتخاذ الخطوة المتقدمة للفلم الثاني «مقعد خلفي». أفلامي ذات طابع نسوي؛ لأن لديَّ قناعة بأنني لأعبر وأحكي بأسلوب فني خاص بي لا بد من ملازمة التراكمات والحكي عما يشغلني بالحفر في ذاتي ومحاولة التعرف إلى ذاتي أكثر وأكثر؛ فحديثي عن نفسي وعن هموم النساء في أفلامي السابقة هو محاولة للوصول إلى أعمق نقطة في ذاتي والتعبير عني بشكل فني ناضج.

ما الصعوبات التي تواجهك كمخرجة سعودية حتى الآن، بخاصة أنك تعيشين في مجتمع ‏ما زال ينظر إلى المرأة بكثير من التحفظ؟

الصعوبات كثيرة، وهي تحديات فعلًا، فلمي الأول والثاني لم يكن إشكاليًّا، لكن مسألة التنقلات في فلمي الثاني كانت متعبة جدًّا، وبخاصة أن الثقافة الاجتماعية ما زالت ترفض عمل المرأة في هذا المجال لاعتبارات وأعراف اجتماعية بحتة. من أجل أن أكون مع فريق العمل لا بد أن أبقى في سيارتي مثلًا، فليس سهلًا أن تكوني مخرجة سعودية. أتمنى أن تكون هناك قوانين وأنظمة تسهل عمل المخرجة السعودية والتصوير. أنا لا أتعامل مع السينما كشيء عابر؛ بل إنها أضحت شغفًا لي.

ما طبيعة أعمالك المقبلة؟ وهل هناك تعاون مع غير السعوديين؟‏

هناك فلم قصير في بداية 2017م، وهو محاولة للبحث عن الدعم فقلَّما نجد من يدعمنا ويؤمن بأفكارنا ولذلك فإننا نضطر إلى تأجيل كثير من الأفكار المذهلة، وبالنسبة للتعاون مع غير السعوديين فلا تهمني الجنسية أكثر من الكفاءة، يهمني فهم الثقافة الاجتماعية وهو الأهم.

وسائل التواصل أفادت السينمائيين


إلى أي حد ترين أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تعزيز دور السينما ومن ينتمون إليها؟

لولا وجود وسائل التواصل لَما استطعتُ إنتاج فلمي الأول والتواصل مع الشركة التي دعمته، ولما أستطيع الوصول إلى المجتمع السينمائي الموجود في السعودية، فمع الأسف أننا كسينمائيين سعوديين لا نتواصل مع بعضنا ونتبادل الأفكار إلا خارج البلاد في المهرجانات السينمائية العربية والعالمية التي تعرفنا بعضنا ببعض. وعلى شبكات التواصل تحسن تواصلنا وعزز نشر الثقافة السينمائية في المملكة، وعرف بإنجازات السينمائيات والسينمائيين السعوديين، فهي مثل أطواق النجاة بالنسبة إلينا كَوَنَّا من خلالها شبكة متواصلة نعزز فيها أعمالنا ونتشارك همومنا الفنية.

  ما الفارق بين تجربتكِ الإخراجية في فلمك الأول «مقعد خلفي» ‏وفلمك ‏الأخير ‏‏«بسطة»؟

الفرق بين فلمي الأول «مقعد خلفي» وفلمي الأخير «بسطة» أن فلم «بسطة» كانت تتبعه ورش نص للفكرة ولبناء القصة والشخصيات، وكذلك وقت الإنتاج كان في أبوظبي، وكان هناك احترام كبير للرؤية الفنية؛ وهو أمر حفزني للتعامل معهم بشكل ممتاز، إضافة إلى الفريق المتخصص الذي رافقنا في التصوير والإنتاج وكانت تجربة صعبة بالنسبة لي، وبخاصة أننا كسعوديين نتعامل مع السينما بجهودنا الشخصية وبتجاربنا الفردية، على الضد من ذلك عندما تكونين في بيئة إنتاجية متخصصة فيها فريق من 50 شخصًا، وهي مسألة مرهقة جدًّا إلا أنها تجربة صنعتني إخراجيًّا وأنضجت تجربتي، ونبهتني إلى كثير من الأمور. أما بالنسبة لفلم «مقعد خلفي» فأنا أعيش معاناتي الشخصية جدًّا مع السائق، ومعاناة التنقل، والمعاناة مع النظرة الاجتماعية، والفلم يناقش كل هذه الأمور. و«بسطة» أنضج لكونه في بيئة إنتاج متخصصة.

ماذا اكتسبتِ من حصول فلمك «بسطة» على أفضل جائزة في مهرجان ‏الأفلام؟

%d8%a8%d8%b3%d8%b7%d8%a9الفلم «بسطة» نال جائزة كأفضل فلم سينمائي قصير في مهرجان دبي السينمائي العالمي، ونال جائزة أفضل فلم في مهرجان الأفلام السينمائية القصيرة بجدة، والنخلة الفضية في مهرجان أفلام السعودية. وذلك الأمر أكد لي أنني في المسار الصحيح وأن السينما هي أداة وأن صوتي مسموع عندما أتكلم بشكل بصري وسينمائي، وهذا الفوز هو مضاعفة للمسؤولية. وأستفيد من تقويم لجنة التحكيم والنقد الذي تلقيته.

ماذا تنتظرين من «هيئة الترفيه» في ما يخص دعم السينما السعودية؟‏

ننتظر منها أن تعمل على تسهيل توافر العروض ودعم المخرجين السينمائيين، ونشر الثقافة السينمائية في إيجاد جهات دعم، وافتتاح معاهد سينمائية، وإيجاد دور عرض تحفز السينمائيين لإنتاج أعمالهم بشكل صحيح؛ فالسينما لم تعد مجرد أداة للترفيه بل هي قوة ناعمة نستطيع من خلالها أن نوقف أي هجوم؛ فالأسلحة لم تعد هي تلك الأسلحة التقليدية المعتادة، بل اختلفت الحال الآن، والأسلحة الآن إعلامية بصرية. وقصصنا، وتاريخنا، وهويتنا، ونحن كمجتمع؛ نمثل منجمًا؛ لأنها ثرية بالتفاصيل التي تستحق أن يعرفها العالم عنَّا، فالسينما هي الأداة الأكثر حقيقة في أن تقول من أنت.

شيخ المؤرخين والنقاد الموسيقيين زين نصار: الاستخدام العشوائي للتقنية دمر الموسيقا  وأفسد الذوق العام

شيخ المؤرخين والنقاد الموسيقيين زين نصار: الاستخدام العشوائي للتقنية دمر الموسيقا وأفسد الذوق العام

يعد‭ ‬الدكتور‭ ‬زين‭ ‬نصار‭ ‬شيخ‭ ‬المؤرخين‭ ‬الموسيقيين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فقد‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬لقسم‭ ‬النقد‭ ‬الموسيقي‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬العالي‭ ‬للنقد‭ ‬الفني‭ ‬مدة‭ ‬سبع‭ ‬سنوات،‭ ‬وأشرف‭ ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬مناقشة‭ (‬147‭) ‬رسالة‭ ‬ماجستير‭ ‬ودكتوراه‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬والنقد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ (‬أكاديمية‭ ‬الفنون،‭ ‬وجامعة‭ ‬حلوان،‭ ‬وجامعة‭ ‬القاهرة،‭ ‬وجامعة‭ ‬عين‭ ‬شمس،‭ ‬وجامعة‭ ‬الإسكندرية‭)‬،‭ ‬وكتب‭ ‬المادة‭ ‬العلمية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬37‭ ‬عامًا‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭: ‬عالم‭ ‬الموسيقا‭ (‬استمر‭ ‬مدة‭ ‬26‭ ‬عامًا‭)‬،‭ ‬وفن‭ ‬الباليه،‭ ‬وسؤال‭ ‬موسيقي،‭ ‬والموسيقا‭ ‬المصرية‭ ‬المتطورة،‭ ‬وإيقاعات‭ ‬ونغمات،‭ ‬وسهرة‭ ‬مع‭ ‬الموسيقا،‭ ‬ومع‭ ‬الموسيقا‭ ‬العالمية،‭ ‬وأوتار‭ ‬موسيقية،‭ ‬والموسيقا‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭. ‬

اهتم‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬بالتأريخ‭ ‬للموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وأجرى‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأحاديث‭ ‬المسجلة‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬الموسيقيين‭ ‬المصريين؛‭ ‬لتوثيق‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬حياتهم‭ ‬ومؤلفاتهم،‭ ‬وصدر‭ ‬له‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المؤلفات‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬‮«‬موسوعة‭ ‬الموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‮»‬‭. ‬الفيصل‭ ‬حاورته‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الموسوعة‭ ‬وموضوعات‭ ‬أخرى‭. ‬

  ‭ ‬‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬دفعك‭ ‬إلى‭ ‬إعداد‭ ‬موسوعة‭ ‬عن‭ ‬الموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬المصري،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أجزائها‭ ‬الثلاثة؟

‭ ‬زكريا-أحمدفي‭ ‬عام‭ ‬1977م‭ ‬كنت‭ ‬أعد‭ ‬دراستي‭ ‬للماجستير،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تاريخ‭ ‬مكتوب‭ ‬للموسيقا‭ ‬بشكل‭ ‬يفي‭ ‬بالغرض‭ ‬لدي‭ ‬كباحث،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬الفكرة‭ ‬وأنا‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬المؤلفين‭ ‬المصريين‭ ‬ومؤلفات‭ ‬الأوركسترا‭ ‬السيمفوني،‭ ‬وقد‭ ‬نشرت‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬عام‭ ‬1990م‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬الموسيقا‭ ‬المصرية‭ ‬المتطورة‮»‬،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬حوارات‭ ‬حية‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬الملحنين،‭ ‬وصدرت‭ ‬الموسوعة‭ ‬عام‭ ‬2003م،‭ ‬كان‭ ‬جزؤها‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬الملحنين،‭ ‬وقد‭ ‬رتبتهم‭ ‬فيها‭ ‬حسب‭ ‬أسبقية‭ ‬تواريخ‭ ‬الميلاد‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬عبده‭ ‬الحامولي‭ ‬إلى‭ ‬عمار‭ ‬الشريعي‭ ‬المولود‭ ‬عام‭ ‬1948م‭. ‬وفي‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الموسوعة‭ ‬أضفت‭ ‬ملحنين‭ ‬آخرين،‭ ‬فقد‭ ‬اشتمل‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬48‭ ‬ملحنًا،‭ ‬أما‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬فقد‭ ‬ضم‭ ‬أسماء‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أدرجت،‭ ‬من‭ ‬بينها‭: ‬محمد‭ ‬رشدي،‭ ‬وكمال‭ ‬الطويل،‭ ‬وسيد‭ ‬إسماعيل،‭ ‬وسيد‭ ‬مكاوي‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وأجريت‭ ‬حوارات‭ ‬مع‭ ‬الجميع‭ ‬بالكاسيت،‭ ‬وقمت‭ ‬بتفريغ‭ ‬الحوارات‭ ‬وإعادة‭ ‬تحريرها‭ ‬وحدي‭ ‬وبنفسي،‭ ‬وبلغ‭ ‬تعداد‭ ‬الملحنين‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الثالث‭ ‬نحو‭ ‬150‭ ‬ملحنًا،‭ ‬وأسعى‭ ‬الآن‭ ‬لإنجاز‭ ‬جزء‭ ‬جديد‭ ‬عن‭ ‬المؤلفين‭ ‬وقادة‭ ‬الفرق‭ ‬والنقاد‭.‬

  ‭ ‬‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬لتقديم‭ ‬العون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن؟

‭ ‬لأنه‭ ‬لن‭ ‬يساعدني‭ ‬أحد،‭ ‬ولدي‭ ‬خبرة‭ ‬كبيرة‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬الجمع‭ ‬والتسجيل‭ ‬والتفريغ،‭ ‬وكنت‭ ‬كلما‭ ‬أنجزت‭ ‬رصدي‭ ‬لحياة‭ ‬وتاريخ‭ ‬وأعمال‭ ‬ملحن‭ ‬أو‭ ‬مؤلف‭ ‬أقوم‭ ‬بنشر‭ ‬ما‭ ‬أنجزت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الفنون‭ ‬التابعة‭ ‬للنقابات‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عام‭ ‬1977م،‭ ‬وبدأت‭ ‬مشاركتي‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬العدد‭ ‬الخامس‭.‬

  ‭ ‬‭ ‬هل‭ ‬تسعى‭ ‬لإعداد‭ ‬موسوعة‭ ‬موازية‭ ‬عن‭ ‬الموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي؟

سيد-درويش ‬هذه‭ ‬خطة‭ ‬طموحة‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يوفقني‭ ‬الله‭ ‬لها،‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أنته‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬وتسجيل‭ ‬كامل‭ ‬الموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬المصري،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأشقاء‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬يؤرخ‭ ‬لموسيقاهم،‭ ‬وقد‭ ‬التقيت‭ ‬كثيرين‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سفرياتي‭ ‬أو‭ ‬عملي‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬وأشرفت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأوقات‭ ‬على‭ ‬رسائل‭ ‬ماجستير‭ ‬ودكتوراه‭ ‬لبعضهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬توافر‭ ‬الطاقة‭ ‬والجهد‭ ‬الملائم‭ ‬فإنني‭ ‬سأشرع‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

  ‭ ‬‭ ‬في‭ ‬رأيك‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تراثنا‭ ‬الموسيقي‭ ‬المتنوع؟

‭ ‬عبر‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخه‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭ ‬ودقيق،‭ ‬وتسجيله‭ ‬على‭ ‬تسجيلات‭ ‬صوتية‭ ‬ومرئية‭ ‬للأجيال‭ ‬المقبلة،‭ ‬ونشره‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬ومختلف‭ ‬تقنيات‭ ‬الإعلام‭ ‬الحديثة،‭ ‬مع‭ ‬تعريف‭ ‬بأهم‭ ‬الفنانين‭ ‬والملحنين‭ ‬والتعليق‭ ‬على‭ ‬أعمالهم‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬إنجازهم‭ ‬لها‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يعن‭ ‬من‭ ‬تفصيلات‭ ‬مفيدة‭ ‬في‭ ‬الرصد‭ ‬والتأريخ‭.‬

  كيف‭ ‬أثرت‭ ‬فكرة‭ ‬السعي‭ ‬المتزايد‭ ‬خلف‭ ‬الربح‭ ‬في‭ ‬المنتج‭ ‬الموسيقي‭ ‬الآن؟

‭ ‬طيلة‭ ‬الوقت‭ ‬والفنان‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬الربح‭ ‬بشكل‭ ‬ما،‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة،‭ ‬لكن‭ ‬الآن‭ ‬أصبح‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬متزايدًا،‭ ‬ومع‭ ‬تدهور‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭ ‬ضُمِّنت‭ ‬الأغاني‭ ‬المصرية‭ ‬ألفاظًا‭ ‬خارجة‭ ‬وبذيئة‭ ‬وسوقية،‭ ‬وصاحب‭ ‬ذلك‭ ‬تركيبها‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬فنية‭ ‬تلفزيونية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬البلطجة‭ ‬وتجعل‭ ‬الشباب‭ ‬يتصورون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحياة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬عامل‭ ‬الربح‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الفنانين‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬وملحنين‭ ‬وموزعين‭ ‬إلى‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬ركاب‭ ‬الموج‭ ‬العالي‭ ‬للمادة،‭ ‬وهذا‭ ‬أسهم‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬تزييف‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الموسيقا‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يتغنون‭ ‬بها‭.‬

  ‭ ‬‭ ‬حدثنا‭ ‬عن‭ ‬المحطات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الموسيقا‭ ‬والغناء‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث؟

‭ ‬عمار-الشريعيأول‭ ‬محطة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬هي‭ ‬صناعة‭ ‬الأسطوانات‭ ‬عام‭ ‬1904م،‭ ‬حيث‭ ‬سُجِّل‭ ‬للشيخ‭ ‬سلامة‭ ‬حجازي‭ ‬وغيره‭. ‬المحطة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬ظهور‭ ‬المسرح‭ ‬الغناني‭ ‬لسلامة‭ ‬حجازي‭ ‬وسيد‭ ‬درويش‭ ‬وزكريا‭ ‬أحمد‭ ‬وكامل‭ ‬الخلعي‭ ‬وغيرهم‭. ‬والمحطة‭ ‬الثالثة‭ ‬كانت‭ ‬ظهور‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬عام‭ ‬1934م،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إذاعات‭ ‬أهلية‭ ‬يقوم‭ ‬كل‭ ‬صاحب‭ ‬محطة‭ ‬بإذاعة‭ ‬وقول‭ ‬ما‭ ‬يريده‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬حتى‭ ‬قررت‭ ‬الحكومة‭ ‬إلغاء‭ ‬هذه‭ ‬الإذاعات‭ ‬وإنشاء‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬فقط،‭ ‬وكانت‭ ‬تقدم‭ ‬المؤلفات‭ ‬المصرية‭ ‬والعالمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أوركسترا‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية،‭ ‬وظل‭ ‬هذا‭ ‬الأوركسترا‭ ‬موجودًا‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1959م‭ ‬إذ‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭. ‬لكن‭ ‬المحطة‭ ‬الرابعة‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬هي‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬التي‭ ‬تعاملت‭ ‬بسخاء‭ ‬مع‭ ‬الفن،‭ ‬كما‭ ‬أنشأت‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬عام‭ ‬1959م‭ ‬وما‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬معاهد‭ ‬فنية‭. ‬والمحطة‭ ‬الخامسة‭ ‬كانت‭ ‬ظهور‭ ‬شرائط‭ ‬الكاسيت،‭ ‬وهي‭ ‬تضافرت‭ ‬مع‭ ‬مجيء‭ ‬عصر‭ ‬الانفتاح‭ ‬الذي‭ ‬أضر‭ ‬بكل‭ ‬شيء؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬المهنيين‭ ‬كانوا‭ ‬يعودون‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬بما‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬أموال،‭ ‬فيقومون‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الفني،‭ ‬كل‭ ‬حسب‭ ‬ذوقه‭ ‬ودرايته‭ ‬بالفن،‭ ‬فظهرت‭ ‬شرائط‭ ‬الكاسيت‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬لجان‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية،‭ ‬وهذا‭ ‬عاد‭ ‬بنتائج‭ ‬سيئة‭ ‬جدًّا‭ ‬على‭ ‬الذوق‭ ‬العام،‭ ‬ولنا‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬أن‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش‭ ‬توفي‭ ‬عام‭ ‬1974م،‭ ‬وتوفيت‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬عام‭ ‬1975م،‭ ‬وتوفي‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ‭ ‬عام‭ ‬1977م،‭ ‬هكذا‭ ‬خسر‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أهم‭ ‬وأشهر‭ ‬ثلاث‭ ‬قامات‭ ‬في‭ ‬الغناء‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬ثلاث‭ ‬أو‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬لنفتح‭ ‬المجال‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يغني،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬شريطًا‭ ‬ويطرحه‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬

  ما‭ ‬أثر‭ ‬التقنية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الغناء‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي؟

‭ ‬عبدالحليم-حافظام-كلثوملقد‭ ‬زيفت‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جهازًا‭ ‬لتحسين‭ ‬الصوت‭ ‬وضبطه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬إعادة‭ ‬الغناء‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬هذا‭ ‬الجهاز‭ ‬أسيء‭ ‬استخدامه‭ ‬بشكل‭ ‬أنتج‭ ‬أصواتًا‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالواقع،‭ ‬كما‭ ‬أسيء‭ ‬استخدام‭ ‬الأورغ‭ ‬الكهربائي‭ ‬وقدرات‭ ‬الحاسب‭ ‬الآلي‭ ‬وضبطها‭ ‬لأصوات‭ ‬الآلات‭ ‬الصناعية‭. ‬لقد‭ ‬صرنا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬زائف‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له،‭ ‬عالم‭ ‬من‭ ‬الخداع‭ ‬والبرامج‭ ‬الجاهزة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فهم،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحس‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬الغناء‭ ‬والموسيقا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موجودًا‭. ‬وللأسف‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الموسيقا‭ ‬العربية‭ ‬أساسها‭ ‬العود،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬غربية‭. ‬الموسيقا‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬العود‭ ‬وليس‭ ‬الغيتار،‭ ‬وأهم‭ ‬أساس‭ ‬لإنتاج‭ ‬موسيقي‭ ‬جيد‭ ‬هو‭ ‬فهم‭ ‬الآلات‭ ‬وطبيعتها‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الموهبة‭ ‬والدراسة،‭ ‬أما‭ ‬الاستخدام‭ ‬العشوائي‭ ‬للآلات‭ ‬توفيرًا‭ ‬لتكاليف‭ ‬الفِرَق‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬معرفة‭ ‬بالفن‭ ‬والموسيقا‭ ‬فقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬المواهب‭ ‬وإفساد‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭ ‬وجعل‭ ‬الفن‭ ‬كتمثال‭ ‬من‭ ‬نحاس،‭ ‬ضجيج‭ ‬بلا‭ ‬روح‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أضر‭ ‬بالبناء‭ ‬الموسيقي‭ ‬كله،‭ ‬كما‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬للسرقة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬العالمية‭ ‬أو‭ ‬التراث‭ ‬الشرقي،‭ ‬وكذلك‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬للاستسهال‭ ‬واستخدام‭ ‬الألحان‭ ‬القديمة‭ ‬بتوزيعات‭ ‬جديدة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬الإعلانات‭ ‬الآن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬سرقة‭ ‬ألحان‭ ‬مهمة‭ ‬مثل‭ ‬الليلة‭ ‬الكبيرة‭ ‬وغيره،‭ ‬وللأسف‭ ‬قانون‭ ‬جمعية‭ ‬المؤلفين‭ ‬والملحنين‭ ‬حسبما‭ ‬علمت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬يسمح‭ ‬بأن‭ ‬يدفع‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬رسوم‭ ‬استغلال‭ ‬أي‭ ‬لحن‭ ‬ويقوم‭ ‬بإعادة‭ ‬إنتاجه،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬كارثة‭ ‬لأنه‭ ‬يفقد‭ ‬المرجع‭ ‬أهميته،‭ ‬وقد‭ ‬يزيحه‭ ‬ولا‭ ‬يتذكر‭ ‬الناس‭ ‬سوى‭ ‬شكل‭ ‬الإعلان،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬الابتكار‭ ‬والمغامرة‭ ‬وتقديم‭ ‬طرح‭ ‬موسيقي‭ ‬جديد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬ندور‭ ‬في‭ ‬حسبة‭ ‬عدد‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬الألحان‭ ‬نعيد‭ ‬إنتاجها‭ ‬بشكل‭ ‬مبتذل‭ ‬ومتكرر‭.‬

محمد خان.. المثقف الذي تعاطف مع الفاشلين في تحقيق أحلامهم

محمد خان.. المثقف الذي تعاطف مع الفاشلين في تحقيق أحلامهم

مثل فلم «ضربة شمس» لمحمد خان، الذي رحل في يوليو الماضي عن 73 عامًا، البداية القوية التي ينشدها أي مخرج لمسيرته الفنية، فمن خلاله أظهر خان قدراته على رسم مسارات الكاميرا وتحريك الشخوص ومفاجأة المتلقي. أظهر أيضًا مدى عشقه القاهرة وشوارعها وليلها الطويل وصمتها المريب، ومزج ما بين الواقع الجديد لها في ثمانينيات القرن الماضي وما شاهده في السينما الأوربية، وما درسه في لندن، ومارسه كمساعد مخرج ببيروت في منتصف السبعينيات.

هكذا قدم خان الواقعية التي أحبها لدى أستاذيه صلاح أبو سيف وكمال الشيخ، وسعى إلى المزج بين عشق كل منهما لتفصيلات الأماكن والشوارع وملامح الشخوص من خلال أربعة وعشرين فلمًا هي مجمل إنتاجه السينمائي، من بينها: «طائر على الطريق. موعد على العشاء. نصف أرنب. الحريف. مشوار عمر. خرج ولم يعد. عودة مواطن. زوجة رجل مهم. أحلام هند وكاميليا. سوبر ماركت. فارس المدينة. مستر كاراتيه. أيام السادات. يوم حار جدًّا. بنات وسط البلد. في شقة مصر الجديدة. عشم. فتاة المصنع. قبل زحمة الصيف». وهي في مجملها أعمال ناقشت أزمة المواطن المصري في ظل التحول إلى عصر الانفتاح، وكيف استطاع المصري النزول بسقف أحلامه إلى الحدود الدنيا، لكنه أيضًا عجز عن تحقيقها.

يرى الناقد السينمائي طارق الشناوي أن خان كان من أكثر المخرجين الذين عملوا ضد منطق السوق؛ إذ إنه في ذروة انتشار ما سمي أفلام المقاولات قدم أفلامًا تتوافق مع مزاجه هو وليس مزاج السوق، وأنه بنجاح أفلامه في الثمانينيات والتسعينيات قدم معادلًا جيدًا قال من خلاله: إنه بإمكان السينما الجيدة أن تنجح وتحقق أرباحًا. أما الناقدة سارة نعمة الله فقد ذهبت إلى أن خان لم يكن مخرجًا نمطيًّا، «فقد كان انشغاله الدائم بالطبقتين الوسطى والدنيا من المجتمع المصري، ما جعله يخرج علينا بأعمال شديدة الجاذبية، كان الحلم فيها هو محرك الأحداث لدى البطل الذي تارة نراه مواطنًا عاديًّا تمثل كرة القدم حلم حياته الذي يتخلى من أجله عن كل شيء، كما في «الحريف»، وتارة يكون الريفي الفقير الذي يأتي فيعيش هوسًا بأفلام الأكشن والكاراتيه كما في «مستر كاراتيه»، وهكذا تجيء أعمال خان ظل الحلم عنوانًا لأبطالها».

سعاد-حسنيأما الناقد كمال القاضي فيرى أن فلم «أحلام هند وكاميليا» قدم شريحة اجتماعية مهمشة تمثلت في الخادمة وابنتها وصديقتها والزوج، وجميعهم ضحايا قطار الحياة، «فظلت أمنياتهم مختزلة في الحصول على المال والخلاص من الفقر الذي صار هويتهم، أما فلم «موعد على العشاء» فهو من النوعية الإنسانية التي ميزت أعماله، ففيه يتناول العلاقة القسرية المركبة بين زوجين مختلفين في كل شيء، إلى الحد الذي تصعب معه قدرة الزوجة على التكيف؛ ومن ثم اختيارها الانتحار كحل بديل للحياة، وفيه يؤكد خان على أهمية الحرية كقيمة إنسانية لا يعوضها شيء آخر».

ويرى المخرج الكبير داود عبدالسيد أن خان مر بمراحل عدة، «أكثرها غنى هي التى تعاون فيها مع السيناريست عاصم توفيق، فقدما عددًا من أجمل الأفلام؛ من بينها «خرج ولم يعد». وذهب عبد السيد إلى أن أفلام خان التي قامت على فكرة البطل الوحيد كـ(ضربة شمس، والحريف، وفارس المدينة، وطائر على الطريق) «تحكي بشكل غير مباشر تجربته كابن وحيد سافر وحيدًا وتعلم وأثبت نفسه». وقال عبدالسيد: إن خان كان شديد الاهتمام بقضايا المرأة منذ «أحلام هند وكاميليا»: «وتأجج هذا الاهتمام بعد أن تعاون مع السيناريست وسام سليمان فقدما (بنات وسط البلد. في شقة مصر الجديدة. فتاة المصنع) وغيرها».

عاش محمد خان حالمًا بالجنسية المصرية أكثر من سبعين عامًا، فقد ولد لأب باكستاني وأم مصرية عام 1942م بحي السكاكيني بالقاهرة، ولم يحصل على الجنسية المصرية إلا بقرار رئاسي من عدلي منصور عام 2014م، وقد توفي في 26 يوليو 2016م بعد مشوار طويل في الفن والحياة، بدأه عام 1956م حينما سافر إلى إنجلترا لدراسة الهندسة المعمارية، غير أنه ترك الهندسة والتحق بمعهد السينما، ولم يكتف بمعرفة الآلات والتقنيات فقد تعرف السينما العالمية في الستينيات، من خلال متابعته أفلام الموجة الفرنسية الجديدة، وأفلام الموجات الجديدة في السينما التشيكية والهولندية والأميركية، وما قدمه أنطونيوني وفلليني وكيروساوا وغيرهم من عمالقة الإخراج في العالم، إضافة إلى متابعته مدارس النقد السينمائي؛ مثل: «كراسات السينما الفرنسية» وغيرها من المجلات السينمائية الأخرى التي شكلت مدرسة محمد خان الحقيقية.