الرقابة وضعف القوة الشرائية والتأشيرات وعجز الاتحاد أبرز مشكلات الناشرين في معارض الكتب

الرقابة وضعف القوة الشرائية والتأشيرات وعجز الاتحاد أبرز مشكلات الناشرين في معارض الكتب

معارض الكتب في بلدان العالم العربي ليست مجرد سوق لتجارة الكتاب، لكنها عرس ثقافي كبير ينتظره الجميع من العام إلى العام، يتنقل الناشرون بإصداراتهم وأعمالهم خلفها من بلد إلى آخر، باحثين عن ملتقى مختلف، وقارئ جديد، وأرض تروج فيها فكرتهم كصانعي ثقافة راقية، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه؛ إذ يوجد كثير من التحديات التي تواجه هؤلاء الذين أصبح شرط حياتهم الانتقال من دولة إلى أخرى للمشاركة في عرسها الثقافي السنوي. «الفيصل» سعت إلى التعرف على أبرز الصعوبات التي تواجه الناشرين وأحلامهم للوصول إلى واقع أفضل مما يعايشونه الآن في المعارض العربية.

يقول صاحب المؤسسة العربية للعلوم «ناشرون» ومديرها جهاد شبارو: إن ضعف القوة الشرائية «هي أكبر الصعوبات التي تواجه الناشرين الآن»، مضيفًا أن تزوير الكتب «شكَّل في الأعوام الأخيرة ضربات قوية للناشرين، وبخاصة أن المزورين يقومون بتصدير الكتاب إلى مختلف البلدان العربية». وذهب شبارو إلى أن الأوضاع السياسية في كثير من البلدان «لم تعد تسمح بإقامة معارض، وإن سمحت فإن الإقبال لا يكون جادًّا، ومن ثَم فالشراء شبه منعدم، ولنا أن نفكر فيما يجري في كل من اليمن وسوريا وليبيا والسودان والعراق ومصر، ونسأل أنفسنا كيف يمكن أن تروج المعارض، ويُقبِل الناس على الشراء في ظل كل هذه الفوضى؟».

في حين ذهب مدير دار وائل الأردنية أشرف أبو غريبة إلى أن معارض الكتب تقدم أفضل الأماكن للناشرين، «ومن ثم يمكن القول: إن غالبية المعارض في العالم العربي مقبولة، ولا تختلف عن بعضها إلا في القدرات الخاصة لكل بلد عن الآخر، والناشر لا يهمه غير البيع للجمهور، وهؤلاء سلسلة طويلة متنوعة»، مؤكدًا أن لكل معرض خصوصياته، «ففي مصر توجد مشكلة واضحة، وهي أن سعر الكتاب الأردني مرتفع، والقوة الشرائية ضعيفة، وفي معرض الرياض يتمتع بقوة شرائية عالية، لكن ثمة مراجعة لكل العناوين، وثمة رفض لبعضها، وهو ما يجعل الناشر يخسر جهده في الشحن للمشاركة في المعرض».

معرض-القاهرة-الدولي-للكتاب

معرض القاهرة الدولي للكتاب

وأضاف أن ثمة مشكلات أخرى تواجهها مهنة النشر بشكل عام، «لا علاقة لها بمعارض الكتب، لكنها تؤثر في الصناعة، من بينها تزوير الكتب، و«الإي بوك» الذي أصبح ينافس الكتاب الورقي، أما المشكلة الثالثة فهي أن كل اتحادات الناشرين عاجزة، وتقف مثل الطير المقصوص جناحه، فهناك بعض المعارض المتضاربة في المواعيد، كمعرضي الجزائر والشارقة، ورغم طلب اتحاد الناشرين من كل من الجزائر والشارقة التنسيق لتفادي هذا المأزق إلا أن أحدًا لم يلتفت ولم يهتم، وهو ما يؤكد عجز اتحاد الناشرين العرب، وعدم تفهم الحكومات لطلباته؛ العجز الذي يصل أحيانًا إلى عدم قدرة الاتحاد على معاقبة أي من أعضائه حال خطئه، كما لا يستطيع إجباره على المشاركة».

من جانبه قال مدير مبيعات مكتبة ابن الجوزي السعودية ياسر حسني: «إننا كعرب لسنا متفقين على شيء، فكل دولة تشترط أمورًا تختلف عن الأخرى، والحس الأمني أصبح مسيطرًا على الجميع، فمن الممكن أن يُرفَض ناشر لسبب أمني غير مفهوم، أو يُصادَر كتاب لسبب أمني آخر غير مفهوم أيضًا»، موضحًا أن الناشر هو الخاسر؛ «لأنه يقوم بشحن الكتاب ولم يتمكن من عرضه، و«كراتين» الكتب نفسها تُفتَّش بطريقة سيئة، كما لو أننا نبيع ممنوعات وليس الكتب». وأشار حسني إلى أن اتحاد الناشرين العرب لا يستطيع فعل شيء، «فلا يستطيع أن يلزم دولة بخفض الإيجار، ولا يستطيع أن يطالب دولًا بتعويض الناشرين، هو مؤسسة أهلية غير فاعلة؛ لأنه بلا سلطة على الحكومات».

وأوضح مسؤول في دار الساقي أن لكل دولة خصوصيتها، ما يجعل كل معرض مختلف عن غيره، «فمعرض الرياض يعاني الناشرون فيه ارتفاع إيجارات أماكن البيع والعرض، إضافة إلى رفض مسؤولي المعرض عرض وبيع نوعيات من الكتب، وهذا يتكرر كثيرًا مع دار الساقي خاصة، أما في مصر فسوء الإدارة والتنظيم هما أبرز المعوقات، إضافة إلى ارتفاع سعر إيجار أجنحة البيع والعرض، لكن في المغرب تعد المشكلة الأكبر والأبرز هي تحويل الأموال؛ إذ إنه ليس مسموحًا به إلا دخول مبالغ ضئيلة، ولا توجد أماكن لتحويل العملة، وهو ما يمثل صعوبة بالنسبة للناشر».

أما خالد الناصر مدير دار منشورات المتوسط، فقال: إن كلفة المشاركة في المعارض أصبحت مرتفعة، «ومن ثم يجب أن تلقى معارض الكتب نوعًا من الدعم، وإلا فإنها ستواجه أزمة كبيرة، في مقدمتها غياب الناشرين، وبخاصة أن القدرة الشرائية لدى الناس ليست كبيرة»، مضيفًا أن المؤسسات الحكومية في البلدان التي تقام فيها المعارض «يجب أن تُقبِل على شراء الكتب، فمن المدهش أن المؤسسات العامة ووزارات الثقافة لا تشتري الكتب لتزويد مكتباتها، إضافة إلى أن مؤسسات الدولة المنظمة للمعرض لا تعمل مع الناشرين القادمين إليها على إنجاز مشروعات ثقافية كبرى، لا أحد يطلب مشاركة الناشرين في شيء»، مشيرًا إلى وجود كثير من القرى والمناطق محرومة ثقافيًّا، وتساءل: «لماذا لا تتعاون الدول مع الناشرين لتقديم كتاب مدعوم أو في طبعة شعبية لأبناء هذه المناطق البعيدة عن المراكز؟». وامتدح الناصر المعارض التي تقام في الإمارات، موضحًا أنها الوحيدة المستثناة من هذه الملحوظات.

وأجمل صاحب دار الأمل السورية عمار كردية الصعوبات التي يواجهها الناشرون في التكاليف المرتفعة لأجنحة البيع، «ما يجبر الناشر على تحميل هذه التكاليف على سعر الكتاب»، لافتًا إلى أن بعض المعارض «تجبر الناشر على الدفع بالدولار والتحصيل من الجمهور بالعملة المحلية، ومن ثم يضطر الناشر في نهاية المعرض إلى تحويل ما تحصل عليه إلى دولار، فيبدو لمن لا يعرفه كأنه يتاجر في العملة». وذكر كردية أن من المشكلات المهمة منع الكتب من العرض، «وبخاصة أن هذه الكتب تكون قد وصلت بالفعل إلى دولة المعرض، وهو ما يشكل أزمة للناشر ومزيد من التكاليف التي توضع على الكتاب». وأوضح أن الناشرين السوريين «لديهم أزمة في استخراج تأشيرات الدخول، التي قد تُلغَى لأسباب أمنية في أي وقت ولأي سبب، حتى بعد شحن الكتب نفسها». وذهب إلى أن التزوير وعدم مساعدة الحكومات للناشرين، عبر إلغاء رسوم إيجارات أماكن العرض، من كبرى المشكلات التي تواجه الناشرين الآن.

رئيس‭ ‬الاتحاد‭:‬‭ ‬ ملاحظات‭ ‬الناشرين‭ ‬ليست‭ ‬حقيقية

محمد رشاد

محمد رشاد

رفض رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد ملاحظات الناشرين على الاتحاد، وقال: إنها غير حقيقية، وعدد جملة مما عدَّه إنجازات مهمة قام بها الاتحاد، «من بينها أن اللجنة العربية لحماية حقوق الملكية الفكرية تمنع أي ناشر من المشاركة حال ثبوت قيامه بالسطو على حقوق الملكية الفكرية لغيره»، مضيفًا أنه منذ شهرين «اجتمع كل الناشرين العرب في مؤتمر نظمه الاتحاد بالشراكة مع مكتبة الإسكندرية واتخذ العديد من القرارات المهمة، ومنها ألا يزيد إيجار المتر في أي معرض عن مئة وعشرة دولارات، وأن يُخفَّض إيجار المتر 50% لكل من ناشري سوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين لظروفهم السياسية، وأن يكون الاتحاد شريكًا في تنظيم المعارض. وهذا بدأ مع معرض القاهرة في يناير الماضي، إضافة إلى تخفيف الإجراءات الرقابية على الكتب، ومنح تأشيرات الدخول كلَّ من يطلب الاتحاد دخولهم». وأكد رشاد أنه لكي يكون للاتحاد صوت مسموع «فلا بد أن يلتزم الأعضاء أنفسهم بقراراته».

مترو الرياض.. في المتخيل الروائي السعودي

مترو الرياض.. في المتخيل الروائي السعودي

هل يمكن أن يتحول مترو الرياض إلى فضاء روائي وجزء من المتخيل السردي لدى عدد من الروائيين والكتاب السعوديين؟ هل سيعثر الكاتب السعودي في عربات القطار ومحطاته على مادة طازجة، عن شخصيات مميزة، تدفعه إلى استلهامها؟ هل ستجد الرواية والقصة ضالتهما في العلاقات التي تحدث في المترو، ليكشفا جانبًا جديدًا من المجتمع؟ وما التحديات التي يمكن أن يواجهها الكُتاب في هذا الصدد؟

تساؤلات طرحتها «الفيصل» على عدد من كتاب الرواية والقصة السعوديين.

يوسف المحيميد: قصص الحب والعلاقات بين الجنسين

يوسف المحيميد

يوسف المحيميد

كما أعرف، يرتبط مجد أمناء العواصم والمدن في العالم وشهرتهم، بإنشاء خطوط المترو في هذه المدن، لما يحمله المترو من أهمية كبرى في تاريخ المدن وتغيراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا يقتصر الأمر عند ذلك فحسب، إنما ينعكس أيضًا على فنونها وآدابها، فمحطات المترو مكان صالح للموسيقا والغناء والفنون بأشكالها، كالفن الغرافيتي، وعربات المترو أماكن صالحة جدًّا لحكايات الناس، وقصص الحب والسرقة والقتل أيضًا، هذه الخطوط والعربات والمحطات أمكنة واردة في السرديات العالمية، فكثير من الروايات المترجمة التي نقرؤها يرد فيها اسم المترو، أو اسم محطة من محطاته؛ لأنه ببساطة جزء يومي من نسيج هذه المجتمعات، فلا يمكن لأي شخصية من الشخصيات أن تتحرك دون أن تستخدم المترو أو الحافلة، فهي وسائل النقل التي تضم الجميع، ويلتقي بها الجميع، لذلك من الطبيعي أن يحضر المترو بعرباته ومحطاته في الروايات السعودية التي توظف الرياض كمدينة لأحداثها، لكن ما أخشاه هو المبالغة في استخدام هذا العنصر، وربما أتوقع كذا رواية قادمة ستجعل المترو مكانًا كاملًا لأحداثها، وبخاصة الروايات الشبابية التي تتصيد قصص الحب والعلاقات بين الجنسين، ولا عيب في ذلك؛ لأن المهم في نظري أن تكون أعمالًا مكتملة فنيًّا، وعميقة في كل مستوياتها وطبقاتها، وألا ينخدع أحد بأن استخدام هذا العنصر الجديد في المكان يضمن الجدَّة في النص الروائي، أو وسم الرواية بعنوان «مترو الرياض» يكفي لتحقيق الشهرة المجانية والمبيعات العابرة.

الكتابة الروائية شيء آخر، أكثر عمقًا؛ التوغل في أعماق الإنسان، رصد مشاعره وانفعالاته، التقاط أبسط تفاصيله اليومية، سواء في المترو، أو الباص، أو المركبة الخاصة، أو حتى في الشارع والحديقة والجامعة وملعب كرة القدم، كل هذه الأماكن وغيرها هي أماكن لتجمع الناس وتقابلهم، بمعنى أنها أماكن لوقوع الأحداث والحكايات، وفرصة لاصطياد الأفكار، ولكن علينا أن نتمثل مقولة الجاحظ: «الأفكار ملقاة على قارعة الطريق» أي أنها متاحة للجميع، لكن كيف نلتقطها ونصهرها ونعبِّر عنها، هذا هو المحك وما يميز الروائي الحقيقي ممن هو دون ذلك.

روائي سعودي

عبدالرزاق اليوسف: قيم فنية

للكتابة في الترام قيم فنية في الدلالة الإبداعية، مثل علاقتها بالواقع، والاختصار والدقة وإثارة الفضول والاهتمام. بينما الإطار الفني والتشكيل الهندسي محكوم بعوامل رسم هذا التشكيل من نسيج وبناء الشخوص والسرد والحدث. كما أن الإمكانية التأويلية محدودة بسبب عوامل التشكيل: الشخوص هم ركاب المترو وتغيرهم، حركة الترام ووقوفه في محطات معينة، عنصر المفاجأة في الحدث: دخول ركاب جدد واختفاء آخرين. إذا كانت القيمة المكانية محصورة في العربات، فإنها زمنيًّا مقيدة في توقيت الوقوف والحركة وما تحمل من شحنات التوقع عند القارئ… ولكن مهلًا.. هذا التمهيد عن فنيات الكتابة الإبداعية للقصة ربما يحدث في القاهرة أو أنقرة بسبب البعد النفسي والاجتماعي للكاتب بين مجتمعه الكبير. وهو أن يكون الكاتب حرًّا، مستقرّ الانفعال والوجدان بما يخدم كتابة النص. أما عندما تكون الكتابة في السعودية فالأمر مختلف. إن الإطار الاجتماعي الذي يعوم فيه الكاتب ومن ضمن أركانه الحرية وانسياب الوعي بدون عقبات شرط أساسي في الإبداع.

ناقد سعودي

هناء حجازي: القطار الأشهر

هناء حجازي

هناء حجازي

القطار الأشهر بالنسبة لي في الأدب هو الذي انتحرت تحت عجلاته أنّا كارنينا. في رائعة تولستوي تلك، كان القطار حاضرًا بقوة. كلما وقفت أمام قطار في الخارج حيث القطارات جزء مهم وأساسي في مواصلات الكثير من البلدان، أشعر لوهلة بخوف غامض، رهبة أو وجفة تنتابني حين أقف أمام ذلك الجرف السحيق الذي ستملؤه بعد قليل عجلات القطار القادم. والآن أتساءل: هل السبب أنّا كارنينا؟ هل يوجد بداخلي أنّا كارنينا مختبئة في زاوية ما من عقلي؟

لذلك أتخيل كيف ستمتلئ صفحات الروايات، رواياتنا من ذكر المترو القادم، هذا الذي سيصبح جزءًا من الحياة اليومية لأهالي الرياض، كم كاتب سيكتب عن المتعبين الذين يضطرون لركوبه كل يوم، أو الشبان الذين سيلتقون على ضفافه للذهاب إلى منطقة بعيدة أو مزدحمة، والفتيات اللاتي سيستغنين عن السائق المشاكس، كم سيُسهِّل لقاءات مستحيلة، وكم سيحمل حكايات معقدة. سيل عارم من البشر يستقلونه كل يوم. ولكل واحد منهم حكاية.

قاصة وروائية سعودية

ناصر الجاسم: مكان شاعري

ناصر الجاسم

ناصر الجاسم

المترو أو القطار فضاء مغلق، وهو في حقيقته مكان شاعري في الغالب، حيث تتوالد فيه أحلام اليقظة وتنمو مشاعر الحب والألفة، وبما أن الإنسان سيستقر أو سيمكث

في هذا المكان زمنًا معينًا مع إنسان آخر، سواء ذكر أو أنثى فستتكون شبكة من المشاعر أو تبنى خيمة من العواطف؛ لأن عناصر القص والروي المهمة الثلاثة البطل والمكان والزمان متوافرة، وستُهيِّئ بوجودها مناخًا صالحًا للسرد القصصي أو الروائي، وبما أن المترو مكان لالتقاء أطياف متنوعة من البشر فستتخلق أحداث كثيرة فيه، وسيرافقها عنصر الصراع، وبالتأكيد ستبحث عن حلول ونهايات، وسيأخذ السرد في المترو طابعًا واقعيًّا أو رومانسيًّا، وهذان الطابعان لا شك أنهما من معطيات المكان نفسه.

قاص سعودي

عبير العلي: لقد فعلها الكتاب المحليون

لقد فعلها الكتاب المحليون بالفعل؛ أعني الكتابة عن أمور لم يختبروها أو يجربوها مسبقًا في حياتهم، أو لم يعيشوها في بيئتهم المحلية، وربما لم يعيشوها خارجها قط، كالكتابة عن الثلج أو الأنهار التي تخلو منها بلادنا، أو الكتابة حول أمور قديمة لم يعاصروها، أو حديثة متخيلة تصل لحدّ الفانتازيا والخيال العلمي. وهنا تكمن مقدرة الكاتب الحقيقي في أن يتقمص أي دور، أو يعيش في أي فضاء، وأن يبتكر عوالمه الخاصة التي قد تجعل من المترو على سبيل المثال مكونًا في أحداث الرواية، وتجعله يخترق الجزيرة العربية من الخليج للبحر الأحمر، ويقنعنا وهو يتحدث عنه كأن وجوده حقيقة قطعية لا تقبل الشك حتى نكاد نشعر أثناء القراءة بسرعة اختراقه للكثبان والهضاب، ونرى المقاعد والممرات والحقائب، ونقف معه في محطات مختلفة نشاهد فيها وجوهًا متعددة ونشم روائح بشرات كثيرة معنا وحولنا. أما عن احتمال أن يكون المترو في السعودية فضاء للرواية السعودية -مترو الرياض تحديدًا لأنه الأقرب في الإنجاز والاستخدام- فبالتأكيد سيكون هذا، وبخاصة أن الكاتب ينتزع تفاصيل روايته من المكونات المحيطة به إذا ما أراد أن تكون محلية وأن يشعر بها القارئ البسيط.

روائية سعودية

فاطمة آل تيسان: عربات القطار ومحطاته

في الرواية يحضر المكان بكل تفاصيله وتأثيره أيضًا على الشخصيات، وكم من عمل كان المكان هو البطل الحقيقي لكونه الحافز للأحداث والصراعات داخل العمل الروائي، الأماكن تنوعت في الرواية ولم تنحصر في مدينة أو قرية بل قد يحضر المكان كلحظة عبور غير أنها ترسم خطط حياة تعج بالناس والقصص والحكايا كما هي حال عربات القطار ومحطاته، ولعل من أعظم الروايات التي بدأت وانتهت هناك رواية أنّا كارنينا للروائي الروسي ليو تولستوي التي اكتسبت شهرة عالمية وترجمت إلى عدة لغات، وفي الرواية الأماكن هي ما تفرض نفسها حسب قوة الحدث وقدرة الكاتب على توظيفها في العمل، وإن توافرت هذه العناصر فقد يكون المترو بطلًا لعمل روائي يومًا ما، عندما يصبح وسيلة التنقل المفضلة للكاتب حيث يشاهد الواقع وسحنات البشر خالية من التحسينات. قساوة الواقع تحفر بإزميل قوي لا يرحم، وهنا ستولد أعمال روائية لا ترسم الواقع فقط بل تصور إفرازاته المستقبلية على أناس تقلبت بهم الظروف من صحراء قاحلة وجمل إلى مدينة يتضخم فيها كل شيء حتى ضجيج المترو الذي شطرها بكل قسوة إلى نصفين.

قاصة سعودية

قطار-الرياض-في-رسومات-الأطفال

قطار الرياض في رسومات الأطفال

مقبول العلوي: الرواية والمكونات المحيطة

مقبول العلوي

مقبول العلوي

كان المترو والقطار والسفينة مسرحًا لأعمال روائية مبهرة مثل رواية «فتاة القطار» و«مترو حلب»، وليس في الرواية فقط، فهناك مثلًا أعمال سينمائية رائعة ومؤثرة كان مجال أحداثها هو القطار والمترو ووسائل مواصلات أخرى، وسؤالك هذا يعود بي إلى حقبة الثمانينيات الميلادية عندما كنت شغوفًا بقراءة روايات أغاثا كريستي، وأذكر أن هناك رواية من أعمالها، قرأتها، ولم أنسَها منذ ذلك الحين، هذه الرواية اسمها «جريمة في قطار الشرق السريع» وبالمناسبة تعد هذه الرواية من أجمل روايات أغاثا كريستي من حيث الحبكة والصياغة الروائية المذهلة، وبالعودة إلى السؤال أودّ أن أقول: إن صياغة مثل هذه الأعمال الروائية التي تحدث في المترو أو القطار تحتاج إلى دُرْبة عالية في صياغة الأحداث؛ لأن أي عمل إبداعي يعتمد في تشكيله وصياغته على عنصرين مهمين هما: الزمان والمكان، وهما فضاءان مهمان في صياغة الرواية، ونحن بصدد الحديث عن عمل روائي يتم داخل هذه المساحة الضيقة، مما يعني أن تكون كل كلمة في موضعها، وكل حدث لا بد أن يكون مقنعًا؛ لأن المساحة محصورة داخل هذا الحيز الضيق.

روائي سعودي

جبير‭ ‬المليحان‭:‬ مترو‭ ‬منيرة

المليحان

جبير‭ ‬المليحان‭

نعم، ممكن جدًّا، وربما أكثر؛ فمجتمعنا لم يعد معزولًا عن العالم بعد أن تهاوت الحواجز. نحن نتأثر، ونؤثر. وإذا كانت البنية التحتية متماشية مع متطلبات العصر، فسيكون تأثيرها كبيرًا على المجتمع، وسينعكس على إبداعه.

لنتخيل (منيرة) في هذا المشهد، بعد سنوات قليلة، في مدينة ضاجّة بالحركة، والتغير كالرياض:

مترو منيرة

٭٭٭

– هيا يا أبي. لقد تأخرنا عن موعد (المترو)!

شرب الكهل بقية (بيالة) الشاي بسرعة، ووضع (شماغه) وعقاله فوق رأسه، ولبس نعليه، وحرك السيارة، وابنته منيرة تكاد تصفق بابها. أسرع في الطريق الضيق حتى وصل الشارع العام. كان مدخل (المترو) هناك. لم يجد موقفًا لسيارته. نزلت منيرة، وركضت وهي تلملم أطراف عباءتها. الأب كان ينظر إليها، وسيارته تمشي ببطء. كاد أن يصدم السيارة التي تقف أمامه. قال لنفسه:

– لم أعد أحتاج هذه السيارة الكبيرة!

منبهات سيارات أخرى تزعق خلفه، وفي كل اتجاه. مشى بسيارته وهو يحس بتوتر. بعد اختفاء ابنته في مدخل المترو. نظر في ساعته، وقال:

– باقٍ سبع ساعات ونصف لتعود منيرة.. الله يعين على الزحمة!

٭٭٭

– لا بد أن نبيع بيتنا هذا، ونشتري بيتًا قريبًا من محطات (المترو) يا أبي.

هكذا ضج الأولاد، وهم يناقشون والدهم. الأب يهز رأسه، ويمسد لحيته، ويقول لهم:

– هيا فقد أذن للصلاة.

يلتفت إليهم ويقول:

– سأفكر بالموضوع.

الولد الصغير يقول:

– بع البيت يا (بابا)، واستأجر لنا شقة.. اشترِ لي سيارة (جيب) مثل صديقي.

نذهب بها إلى البر!

٭٭٭

منيرة تلبس عباءتها، تغلق باب شقتها، وتنزل مسرعة من درج البرج، وتركض إلى السيارة، عند محطة المترو القريبة، تقف السيارة فوق الدائرة المعدنية أمام طوابق عمارة مواقف السيارات، وتضع البطاقة الممغنطة، ترتفع السيارة إلى الدور العشرين؛ حسب العقد الموقع بين مالكتها وبين شركة المواقف.

٭٭٭

منيرة تركض من موقف السيارة في عمارة المواقف الممغنطة. تخرج إلى الشارع العام حيث مدخل المترو.. أثناء مشيها السريع تعدل لبس عباءتها، ثمة رجال ينظرون شزرًا إليها. امرأتان تُحَوقِلان. شاب يبتسم. رجل أمن ينظر بحياد. تختفي منيرة في مدخل (المترو)، وطرف عباءتها يرفرف كجناح حمامة مسالمة.

٭٭٭

خطوط شباب وشابات، تتراكض إلى مدخل المترو، وخطوط أخرى تخرج وتتوزع في الاتجاهات. الكل راكض، وحقيبته الصغيرة فوق ظهره، البعض يقضمون وجباتهم وهم يمشون، ويلقون ببقايا الأكل والورق في الحاويات التي صممت كأكف مبتسمة. المكان نظيف، ورجال الأمن واقفون لحراسة القانون.

٭٭٭

طائرات فردية صغيرة، تتقاطع بانتظام في الأجواء. تنقل أصحابها إلى المهابط في أعلى أبراج البنوك والشركات، التي تلمع واجهاتها في الشوارع.

قاص وروائي سعودي

قطار-الرياض-في-رسومات-الأطفال-٢

قطار الرياض في رسومات الأطفال

معرض يستعيد تراث الرواد 1938-1965م السورياليون المصريون: حين يكون الفن حرية

معرض يستعيد تراث الرواد 1938-1965م السورياليون المصريون: حين يكون الفن حرية

%d9%81%d9%88%d9%94%d8%a7%d8%af-%d9%83%d8%a7%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%85

«الحلم» لفؤاد كامل

لم تكن السوريالية مجرد مدرسة فنية ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، لكنها كانت حركة احتجاج فكري وفلسفي وفني وأدبي على ما انتاب العالم من ركود وتصورات ثابتة أدت به إلى الحرب العالمية الأولى، وأخذته إلى الحرب العالمية الثانية، ومن ثم كان بيان مؤسس السوريالية أندريه بريتون مبنيًّا على تصورات عالم النفس سيغموند فرويد الذي اهتم برمزية الأحلام، والبحث في مكنونات العقل الباطن، وتصوراته عن الجسد، وكيفية انطلاق رغباته المكبوتة في منطقة بين الوعي واللاوعي، فضلًا عن الانحياز الواضح للطموح الشيوعي، ورغبته في بناء عالم بديل للهيمنة الرأسمالية وسدها لأفق الأحلام، ومن ثم كان لفرويد وتروتسكي حضورهما القوي في مخيلة بريتون وهو يضع في باريس بيانه الأول عام 1927م، ليصبح البيان التأسيسي لحركة الرفض العظمى المسماة بالسوريالية.

على الجانب الآخر من البحر المتوسط كان جورج صادق حنين، ابن الدبلوماسي المصري صادق حنين، المولود عام 1914م يفكر مع والدته الإيطالية في الذهاب إلى فرنسا لإكمال تعليمه هناك، فحصل على الشهادة المؤهلة للجامعة من باريس، والتحق بالسوربون حاصلًا على ثلاث شهادات في القانون والآداب والتاريخ، ومتابعًا لمختلف الأفكار التي تجتاح أوربا في ذلك الوقت، بدءًا من الشيوعية، وصولًا إلى الدادية التي لم تستمر طويلًا، لكن من رحمها جاءت السوريالية، ففي عام 1933م انضم إلى جماعة «محاولين» ناشرًا مقاله الأول تحت عنوان «العالم بلا روح» في مجلتهم «آن إيفور»، وفي عام 1935م أصدر بيانه «من اللاواقعية»، وفي هذا العام تعرف إلى رواد الحركة السوريالية، وأرسل خطابه الأول لأندريه بريتون، وفي عام 1936م نشر في مصر بمجلة «لو رينت» مقالته «السوريالية في الميزان»، وهي أول تأسيس معرفي للسوريالية لدى المثقفين المصريين والأجانب المقيمين بها. وفي عام 1937م كون جماعة «الفن والحرية» التي كان من أعضائها كامل التلمساني، ورمسيس يونان، وأنغلو دي ريز، وإدمون جابس، وإيميل سيمون وغيرهم، وفي عام 1938م أصدر ديوان «لا معقولية الوجود»، وفي العام نفسه وصف أدولف هتلر الفن الحديث بأنه فن منحط، فأصدر حنين بيانه «في مديح الفن المنحط»، والذي وقع عليه شعراء وكتاب وفنانون وصحفيون من بينهم: إبراهيم واسيلي، وأحمد فهمي، وإدوارد بولاك، وإدوارد ليفي، وإرمان أنتيس، وألبير إسرائيل، وألبير قصيري، والتلمساني، وألكسندرا ميتشكويفسكا، وإيميل سيمون، وأنغلو بولو، وأنغلو دريز، وأنور كامل، وأنيت فديدا، وبوليتس، وكانتي، وجرمين إسرائيل، وجورج حنين، وحسن صبحي، ورافو، وزكريا العزوني عضو نقابة المحامين، وسامي رياض، وسامي هانوكا، وإسكاليت عبدالخالق العزوني، وفاطمة نعمت راشد، وسيف الدين،  ومحمد نور، ونداف سيلير، وهاسيا، وهنري دوماني.

التجلي الأعلى للتواصل مع العالم

%d8%b1%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%80-%d9%85%d8%b4%d9%87%d8%af-%d8%b7%d9%88%d8%b7%d9%85%d9%8a

«مشهد طوطمي» لرمسيس يونان

تأسست السوريالية في مصر، بوصفها التجلي الأعلى للتواصل مع العالم فنيًّا وفكريًّا، فضلًا عن الرغبة في الثورة، ليس فقط على الاحتلال، والقوى العظمى، والرأسمالية المتوحشة، والإقطاع المستوطن ربوع الريف، ولكن الثورة على كل ما هو ثابت ومعتاد ومستقر. وعلى رغم أن جماعة الفن والحرية لم تعمر طويلًا، فإنها تركت أثرها في خيال كثير من المبدعين المصريين وفكرهم، فعلى غرارها جاءت العديد من الجماعات، كان من أبرزها في الخمسينيات والستينيات جماعة الفن المعاصر. وبالرغم من أن السوريالية كمدرسة فنية لم تعمر مدة طويلة، فقد انتهت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلا أنها بمغازلتها الأجواء النفسية الباطنية، وما يمثله الحلم من قيمة نفسية، فقد ظلت ممتدة من ثلاثينيات القرن حتى الستينيات، كما ظلت آثارها في العديد من الفنانين المصريين كأحمد مصطفى، وذلك في مقتنياته القليلة في السبعينيات، قبل أن يغادر مصر ويتحول إلى أبرع فناني الخط في العالم.

في محاولة لاستعادة تراث السورياليين المصريين، وعرضه لرواد الفن ومحبيه في كثير من البلدان العربية، جاءت فكرة معرض «حين يصبح الفن حرية: السورياليون المصريون 1938ـ 1965م» الذي افتتحت الحلقة الأولى منه في قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية بحي الزمالك، في المدة من 28 سبتمبر حتى 28 أكتوبر 2016م، والمقرر له أن ينتقل إلى عدد من العواصم والمدن قبل أن يختتم جولته في المباني الفنية لمؤسسة الشارقة للفنون عام 2018م.

ضم المعرض أكثر من مئة وخمسين عملًا لكل من: رمسيس يونان، وراتب صديق، وسمير رافع، وحسين فوزي، وكامل التلمساني، وفؤاد كامل، وإنجي أفلاطون، ومحمود سعيد، وكمال يوسف، وإيمي نمر، وحامد ندا، ومنير كنعان، وأحمد مرسي، وعبدالهادي الوشاحي، وعبدالهادي الجزار، وإبراهيم مسعودة، وأحمد مصطفى، وصلاح طاهر، وإسماعيل محمد، وعطية حسين، ومحمد رياض سعيد، ومحمد القباني، وسالم عبدالله الحبشي، وباروخ، وكارلو ديس ديرو، وأريستد بابا جورج.

%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%b1-%d9%80-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b7

«الرجل والقط» للجزار

وجاء هذا المعرض كثمرة تعاون بين وزارة الثقافة المصرية ومؤسسة الشارقة للفنون والجامعة الأميركية في مصر، وذلك بعدما عقدت الجامعة الأميركية عام 2015م مؤتمرًا دوليًّا عن السورياليين المصريين بعنوان «السورياليون المصريون من منظور عالمي»، ومن ثم طرحت مؤسسة الشارقة فكرة إقامة معرض متجول للسورياليين المصريين ووافقت عليه وزارة الثقافة، ومن ثم اختيرت اللوحات المعروضة من بين مقتنيات متحف الفن المصري الحديث، ومتحف إنجي أفلاطون، ومتحف الإسكندرية للفنون الجميلة، ومتحف الإسكندرية للفن الحديث، ومتحف محمود سعيد، ومؤسسة بارجيل للفنون بإمارة الشارقة، فضلًا عن مقتنيات خمس أسر مصرية. وقد افتتح المعرض كل من وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، والشيخة حور القاسمي رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون، وكان من المفترض أن تصدر مع المعرض عدة أعمال توثيقية كصور وملصقات وكتالوجات لمعارض ومقتطفات من صحف ومجلات وبيانات موثقة، فضلًا عن طبعة جديدة ومترجمة إلى الإنجليزية من كتاب سمير غريب «السوريالية في مصر»، لكن ذلك لم يحدث.

انتقادات

لم يكن عدم صدور المطبوعات المصاحبة للمعرض هو الانتقاد الوحيد الذي وجه للقائمين على التنظيم، فقد تساءلت الناقدة التشكيلية فاطمة علي عن دور النقاد والفنانين المصريين في التنظيم الذي استأثرت به مؤسسة الشارقة، رافضة فكرة أن تتيح مصر كنوزها الفنية كي تتجول في الخارج، كما رفضت تبرير رئيس قطاع الفنون التشكيلية الدكتور خالد سرور بعرض كل هذا العدد من اللوحات والأعمال الفنية عالية القيمة خارج مصر في معرض متجول بأن ذلك أفضل من تركها في المتاحف المغلقة، متسائلة عن وظيفته رئيسًا للقطاع «في ترك متاحفنا مغلقة، وهل يجوز أن يكون البديل هو الدخول في شراكة غير عادلة مع مؤسسة الشارقة التي قامت بالاختيار والتنظيم والإعداد للعرض، حتى إننا لا نعرف الأماكن أو القاعات التي سيعرض بها، ولا ما إذا كانت مجهزة ومؤمنة لعرض مثل هذه الكنوز أم لا؟». وتساءلت عن الأسباب التي جعلت منظمي المعرض يضربون بعنوانه «السورياليون المصريون من 1938م حتى 1965م» عرض الحائط، عارضين أعمالًا لفنانين في أزمنة لاحقة، فضلًا عن عرضهم أعمالًا لفنانين تلاقت أفكارهم مع السوريالية، لكنهم ليسوا سورياليين، كمنير كنعان، وعبدالهادي الوشاحي، وغيرهما.

في الجانب الآخر ذهب أستاذ الفن في جامعة غولدوين سميث الدكتور صلاح حسن الذي حضر وشارك في التنظيم والافتتاح إلى أن هذا المعرض يجيء بالتزامن مع تصاعد الاهتمام بالسوريالية المصرية وتراثها، وأن المعرض «يمكننا من التأكيد على مفهوم الحداثة والطرق المختلفة للتعبير عنها، وعلى صيغ التعدد والتجاور بدلًا من نفي الحداثة التي أنتجت خارج المركزية الأوربية». ويذهب حسن إلى أن السوريالية المصرية بدأت بجماعة الفن والحرية، ومن بين أعضائها كامل التلمساني، وفؤاد كامل، وإبراهيم واسيلي، وسامي رياض وغيرهم، هذه التجربة قصيرة الأمد التي تركت أثرها الواضح في كثير من الفنانين المصريين حتى ظهرت جماعات أخرى، مثل جماعة الفن المعاصر في الخمسينيات والستينيات، ومن بين أعضائها عبدالهادي الجزار، وكمال يوسف، وحامد ندا، وماهر رائف، ومنير كنعان، وسالم الحبشي، وسمير رافع، وإبراهيم مسعودة، وحسين يوسف أمين.

الأقليات في مصر.. التجانس التاريخي تحول إلى فتنة

الأقليات في مصر.. التجانس التاريخي تحول إلى فتنة

تبدو مصر للوهلة الأولى بلدًا خاليًا من الأقليات، فالتجانس التاريخي الذي عاشه الجميع في ظل دول مركزية متعاقبة جعلهم ينتمون إلى المكان أكثر من انتمائهم إلى الدين أو العرق، لكن مع توالي سنوات الضعف، وظهور الاستعمار أخذت الفتنة تطل برأسها، سواء بين أغلبية مسلمة وأقلية مسيحية، أو أغلبية سنية وأقلية شيعية، وتسارع الجميع في الإعلان عن كونه أقلية تحتاج إلى مزيد من الاهتمام في ظل سعي القوى الغربية لتفتيت المنطقة على أسس دينية وعرقية، وتشجيع الخلافات الطائفية والإثنية، حتى إنه بات من الممكن القول: إن مصر بها نوعان من الأقلية؛ الأول ديني، والثاني عرقي.

أولًا- أقليات دينية

1- الأقباط

حسين علي النوري

حسين علي النوري

يعرف المسيحيون المصريون باسم الأقباط، وهم أصحاب المذهب الأرثوذكسي، وهو أقدم المذاهب المسيحية، تعود نشأته إلى الخلاف اللاهوتي القديم حول طبيعة المسيح؛ إذ قالت كنيسة الإسكندرية بالطبيعة الواحدة، وقالت الكنيسة النسطورية وكنيسة روما بالطبيعتين، وقد تحمل الأقباط المصريون ضريبة هذا الخلاف لسنوات طويلة، إذ عانوا اضطهاد الأباطرة الرومان لهم بسبب خلافهم المذهبي معهم، ولم تنته معاناتهم إلا بمجيء الفتح العربي، لكن حسب رؤى الأقباط فإنهم قد عانوا في ظل هذا الفتح، حتى قامت أشهر ثورة للأقباط في عهد المأمون وهي ثورة البشموريين في مصر، التي انتهت بالسحق التامّ، ومنذ هذا التاريخ والوجود المسيحي في حالة تناقص نظرًا لدخول أغلب أبنائه في الإسلام.

ويعتقد الأقباط أنهم أصحاب مصر، وأهلها، وأن الوجود الإسلامي وافد عليهم، ويذهب بعضهم إلى الاعتقاد أنه نوع من الاحتلال وليس الفتح، ورغم أن الإحساس بفكرة الأقلية لم يكن موجودًا لدى الأقباط فإن الاحتلال البريطاني لعب على شطر الأمة إلى نصفين، فرفعت ثورة 1919م لأول مرة شعار يحيا الهلال مع الصليب، وهو ما لم يكن موجودًا لا في ثورتي القاهرة أثناء مقاومة الاحتلال الفرنسي، ولا في ثورة عرابي، وقد تزايدت الهوة مع زواج الأميرة فريال شقيقة الملك فاروق من رجل قبطي يدعى رياض غالي، ومع صعود التيارات الدينية في السبعينيات شهدت مصر عددًا من حوادث الفتنة، كان أشهرها حادث الدرب الأحمر الذي تحدث عنه الرئيس أنور السادات في خطاب شهير، ومع ضعف الدولة تحولت الكنيسة إلى الحضن الواسع للأقباط، وحدث الصدام الشهير بين السادات والأنبا شنودة، ورغم هدوء الأمور عقب رحيل السادات فإن التيارات السلفية أخذت في التزايد، فطالب بعضها بأن يدفع الأقباط الجزية، وقد ظهر ما يعرف بأقباط المهجر كلوبي في المجتمع الخارجي يمارس ضغوطه لصالح الأقباط في الداخل، لكن دستور 2014م أقرّ للمسيحيين بحقوقهم الكاملة، كما صدر مؤخرًا قانون دور العبادة الجديد الذي منحهم الحق في بناء كنائس جديدة بمقدار زيادتهم السكانية، ويقدر المسيحيون سواء أقباط أو من مذاهب أخرى بنحو ثمانية ملايين مواطن، أي أن المسيحيين في مصر يشكلون ما يقرب من 10% من المجتمع.

2- الشيعة

يعود الوجود الشيعي في مصر إلى الدولة الفاطمية التي استمرت لأكثر من قرنين من الزمان، وهي الدولة التي وضعت حجر الأساس لما يعرف الآن بالقاهرة، حيث اختطّها وبناها جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله، وقد تركت العديد من الآثار المهمة، بداية من الجامع الأزهر، ومسجد الحسين، ومسجد السيدة نفيسة، ومسجد السيدة زينب، وسور مجرى العيون وغيرها، وفي ظلها انتشر مذهب الشيعة الإثني عشرية، وتكاد تكون مصر كلها في ذلك الوقت شيعية، حتى جاءها صلاح الدين الأيوبي فأغلق الأزهر وطارد الشيعة ومذهبهم، ورد الدعاء للخليفة العباسي السني في بغداد، لكن بانقضاء الدولة الأيوبية جاء المماليك وأعادوا فتح الأزهر على أن يكون قبلة للجميع، وبدأ عصر التسامح مع الشيعة وغيرهم، لكن القاهرة لم تعد إلى المذهب الشيعي، وظلت على مذاهبها السنية.

لا توجد إحصائيات واضحة للوجود الشيعي في مصر، لكن أفضل التقديرات لا تذهب به إلى أبعد من 15 ألف مواطن، ينتشرون في العديد من المحافظات ولا يتمركزون في مكان واحد، ولم يكن لوجودهم حضور يذكر حتى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، التي اتخذ السادات موقفًا عدائيًّا منها، وفي عام 1987م رُصد تنظيم يضم العشرات من المتشيعين الذين حاولوا نشر مذهبهم في عدد من قرى الدلتا، وفي عام 1988م قُبض على أربعة عراقيين وكويتيين وبحريني ولبناني وفلسطيني وباكستاني بتهمة الدعوة للشيعة، وأُغلقت دار نشر البداية التي كانت تنشر كتبًا شيعية، ووُجهت إليها تهمة تمويل من إيران، وكذلك أُغلق فرع لدار نشر لبنانية تسمى البلاغة عام 1996م، وكُشف عن تنظيم يضم 55 عضوًا في 5 محافظات، وفي عام 2002م قُبض على تنظيم بزعامة مدرّس في محافظة الشرقية بتهمة الدعوة للمذهب الشيعي، وبعد ثورة 25 يناير هوجم بيت لرجل شيعي كان يمارس فيه هو وأصدقاء له طقوس التطبير، وذلك من جانب جيرانه السنة. ويطالب الشيعة في السنوات الأخيرة باحترام طقوسهم، والسماح لهم بممارستها علنًا.

3- البهائيون

هم أتباع حسين علي النوري المعروف في إيران باسم بهاء الله، وقد دخل مذهبه أو طريقته البهائية إلى مصر في منتصف القرن التاسع عشر مع تجار السجاد الإيرانيين، ولا توجد تقديرات رسمية حول عدد البهائيين في مصر، حيث إنها تعدّ ديانة غير معترف بها من الشارع والمشرِّع المصري، فقد صدرت عام 1925م فتوى من المحكمة الشرعية بأن البهائية إلحاد، وأمر القاضي بتفريق ثلاثة بهائيين عن أزواجهم، ورغم ذلك استطاع البهائيون أن يؤسسوا عددًا من المحافل والمراكز الخاصة بهم، وهو ما استدعى صدور قرار جمهوري عام 1960م بإغلاق محافلهم، وذلك بعد دعوى اتهمت عددًا من البهائيين بنشر دعوتهم في مصر، منذ ذلك التاريخ والبهائية تكاد تكون جماعة سرية لا يسمع بها الكثيرون، لكن مع ثورة 25 يناير ظهر العديد من المدافعين عن حرية العقيدة، مطالبين بإثبات البهائية في خانة الديانة، أو رفع خانة الديانة من بطاقة الهوية للجميع، وهو ما رفضته المحكمة، لكنها أقرت بأنه يحق للشخص البهائي أن يضع شرطة (-) أمام خانة الديانة، لكن الأزهر ما زال رافضًا للبهائية، ويرى أنها خروج على الملة، رغم أن لجنة صياغة الدستور عام 2013م قدمت دعوة رسمية لوفد من البهائيين مستمعة إلى مطالبهم الدستورية.

ثانيًا- أقليات عرقية

1- النوبة

النوبيون هم مجموعة من القبائل التي تسكن في شمال السودان وجنوب مصر، وقد كانت لهم حضارة عريقة عرفت بالحضارة النوبية الكوشية، وكانت في ثلاث ممالك هي: نبتة، وكرمة، ومروى. ويتحدث النوبيون اللغة النوبية، وهي تنقسم إلى قسمين أساسيين؛ الكنزية والفاديجية، وتتفرع إلى خمس لهجات أو أكثر في مناطق مختلفة ما بين مصر والسودان. ويتحدث السكان الحاليون بجانب اللغة النوبية اللغة العربية بطلاقة مع لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية بحكم اختلاطهم بالسائحين والزوار الأجانب.

يتوازى وجود النوبي مع الوجود المصري القديم، حيث عصر الفراعنة، هذا الذي تذهب بعض الدراسات إلى أن عددًا من ملوكه كانوا نوبيين، نظرًا لتطابق البشرة السمراء والملامح الزنجية والشعر والأنف مع الملامح النوبية، ويتحدث أبناء الشمال منهم الكنزية، على حين يتحدث أبناء الجنوب الفاديجا.

وحتى بداية القرن العشرين لم تكن هناك إشكالية خاصة بالنوبيين، فقد كانوا جزءًا من نسيج المجتمع الذي ضم الدولتين السودانية والمصرية تحت تاج واحد، لكن حين فكرت مصر في بناء خزان أسوان عام 1933م ظهرت المشكلة؛ إذ إن المياه التي حجزها الخزان خلفه جاءت على حساب القرى النوبية، لكن الأمر لم يكن بقوة ما حدث بعد بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي، ورغم أن الدولة المصرية طالبت النوبيين بالخروج من أرضهم، وقامت بتجهيز أماكن لإقامتهم في أسوان، فإن بعضهم رفض الخروج، وفضل أن يصعد إلى أعالي الجبال على أمل انحسار الفيضان، لكن ذلك لم يحدث، ومن ثم انتقلوا جميعًا إلى قرى في الشمال، وبعضهم تفرق في مدن وبلدان كثيرة. ومن النوبة رموز مهمة في الفنون والآداب، من بينها المطرب الشهير محمد منير الملقب بالملك، والكاتب الكبير محمد خليل قاسم صاحب رواية «الشمندورة»، وغيرهما.

وفي نهايات عصر مبارك غازلت الضغوط الخارجية بعض أبناء النوبة كي يطالبوا بالعودة إلى أرضهم القديمة، بدعوى أنهم حضارة منفصلة، لها أرض ولغة وتاريخ منفصل، وذهب بعضهم إلى المطالبة بتكوين وطن منفصل، وهو ما تعاملت معه الحكومة المصرية بحزم، فمثلما سمحت بوجود تمثيل نوبي جيد في الثقافة والفن، فإنها لم تسمح بهذا التمثيل السياسي، وما زالت حتى الآن بعض الأصوات تطالب بحق العودة إلى الديار التي خرجوا منها؛ بسبب تعلية خزان أسوان أو بناء السد العالي.

2- الأمازيغ

لم يكن المصريون يعرفون أن في بلادهم أمازيغ، وكانوا ينظرون طيلة الوقت إليهم بوصفهم عربًا أو بدوًا، لكن مع الصحوة التي قام بها الأمازيغ في بلدان المغرب العربي، وظهور الحركات المطالبة بالانفصال عن البلدان القديمة سواء في المغرب أو الجزائر أو ليبيا، فقد أثر ذلك في المجموعات القليلة المقيمة في مصر، وبخاصة في منطقة واحة سيوة، حيث تعد الامتداد الطبيعي للأمازيغ المقيمين في الصحراء الليبية، والأمازيغ لا ينفصلون عن الكيان المصري، مثلهم مثل النوبة، فعمق التاريخ جامع بين العناصر المقيمة على الأرض في هذا المكان، ويرجع بعض الأمازيع تقويمهم إلى اليوم الذي دخل فيه ملكهم شيشنق أرض مصر واعتلى عرشها، ويقدر تعداد الأمازيغ المقيمين في سيوة وما حولها بنحو 25 ألفًا، لكن ذلك لا ينفي وجود أمازيغ انتشروا في جنوب البلاد وشمالها بحكم الهجرات الداخلية بحثًا عن الرزق، وفي مصر كيانان يهتمان بالشأن الأمازيغي، هما: «الشبكة المصرية من أجل الأمازيغ»، ومركز «ميزران للثقافات المحلية»، أسستهما الناشطة أماني الوشاحي، وهي مستشار رئيس منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي. وقد استمعت إليها لجنة إعداد الدستور عام 2013م؛ إذ طالبت بتعيين عضو في مجلس النواب عن الأمازيغ وثقافتهم.

3- الغجر

ليس معروفًا على وجه التحديد تاريخ ارتباط الغجر بمصر، رغم أن بعض المراجع ترجع وجود الغجر في مصر إلى ما بين عامي 1546 و1549م، على حين ربطتهم مصادر أخرى بقصة جساس والزير سالم؛ إذ ذهبت إلى أنهم عرب جساس الذين لقوا الهزيمة على يد الزير سالم، فتفرقوا في البلاد وأقاموا على هوامش المدن والقرى… وقد اعتاد الناس على اتهامهم بالسرقة وتسميتهم بالنَّوَر، وهم يقيمون في أماكن متواضعة، مع أغنامهم وماشيتهم، ويحتكمون إلى مجلس يسمى بمجلس المغارمة، وهو مكون من كبير يعاونه ثلاثة من رجاله، ولا يتزوجون من الغرباء، وأغلب أغنياتهم تدور عن الذين عشقوا من الغجر ولم يتزوجوهن، وتعد المرأة هي العائل الأول للأسرة؛ لذا فمهرها غالٍ، وتقام الأفراح حين تولد أنثى في بيت غجري، ويعد لون الشعر الأصفر من علامات الجمال لديهم؛ لذا فأغلبهن تقمن بصبغه، ويتركز وجود الغجر في بعض المناطق مثل: حي غبريال بالإسكندرية، وقرى طهواي بالدقهلية، وكفر الغجر بالشرقية، وحوش الغجر بسور مجرى العيون، وقرى سنباط والمقطم وأبو النمرس ومنشية ناصر، ويقيم في الدقهلية وحدها نحو أربعة آلاف غجري، وفي قرية العصيا بطلخا نحو 1500 غجري، وفي المنصورة نحو 500 غجري، إلا أنه لا يوجد تعداد واضح وشامل للغجر المقيمين في مصر حتى الآن، ربما لترحالهم الدائم، وربما لأنهم ينكرون هويتهم ولا يرغبون في إثباتها، وهم في العموم ليست لهم أية مطالب سياسية، ولا يشكلون مأزقًا للدولة ولا للمجتمع المصري.

لم يبتعد كثيرًا مسلسل «حارة اليهود» عن الواقع في إظهاره اليهود جزءًا من المجتمع المصري، وأن ثمة علاقات طيبة كانت تجمع أبناء الديانات الثلاث في مصر؛ فاليهود كانوا جزءًا من نسيج الواقع الاجتماعي، حتى أنهم لم يكونوا متمركزين في مكان بعينه كي نتحدث عن ثقافة الجيتو، ولم يحدث ارتباك في هذا النسيج إلا مع ظهور الصهيونية، ووقوع نكبة 1948م. وهو ما سعى المسلسل الذي عرض مؤخرًا للتعبير عنه، وقد لاقى قبولًا واسعًا لدى الأوساط الشعبية، ربما لشهرة اسم «حارة اليهود»، وربما لنعومة الأحداث وجماليات التصوير، لكن النخب لم تستطع قبوله، فقد وصفه ألبير أريه (يهودي مصري) في حوار معه بأنه مسلسل للاستهلاك الإعلامي، ووصفه المؤرخ الدكتور قاسم عبده قاسم بأنه مجرد تأليف من الخيال. وبعيدًا عما أثاره المسلسل من جدل فإن اليهود في مصر يكادون ينقرضون، فحسبما قالت رئيسة الجالية ماجدة هارون: إنهم لا يستطيعون إقامة الصلوات في المعبد، لأن الصلاة تحتاج إلى عشرة رجال على الأقل، وكل اليهود المصريين الآن عشرون سيدة، فما الذي حدث؟

يرى قاسم عبده قاسم أن الهجرات التي حدثت في القرن الثالث عشر سواء من المشرق العربي بسبب الغزو المغولي، أو المغرب العربي بسبب سقوط الأندلس، زاد من هجرات اليهود إلى مصر، وبعدما كان تعدادهم لا يصل إلى عشرة آلاف أصبح عشرين ألفًا مع بداية الدولة المملوكية، وقال: إن المصادر التاريخية حددت تعداد اليهود قبل الإسلام في مصر بنحو 70 ألفًا، لكن هذا الرقم تناقص بعد الإسلام في ظل عصر الولاة ودولتي طولون والإخشيد حتى وصل إلى 1% من تعداد السكان، وذلك إما للدخول في الإسلام، أو للهجرة إلى عواصم الخلافة سواء في دمشق أو بغداد أو حتى الأندلس، ولا توجد إحصائيات واضحة لهذه الحقبة حتى مجيء الدولة الفاطمية، حيث نشطت فيها التجارة بشكل ملحوظ، فضلًا عن كونها صارت عاصمة خلافة جديدة، وهذا رفع التعداد إلى نحو مئة ألف يهودي، وقد ذكر المقريزي أن القاهرة في أيامه كان بها خمسة معابد، اثنان لطائفة الربانيين، واثنان للقرائين، وواحد لطائفة السامرة، وذهب قاسم إلى أن الأسرة اليهودية لم تكن تزيد على أربعة أبناء، وأن عامل الهجرات كان المؤثر الأول في زيادة تعداد اليهود أو قلته، فضلًا عما كان يقع على المصريين جميعًا من أوبئة ومجاعات.

في العصر الحديث

كانت الثلاثينيات والأربعينيات هي مرحلة الازدهار للوجود اليهودي حسبما يقول الدكتور محمد عفيفي، فقد أدى اليهود بجالياتهم المختلفة وانتماءاتهم الأوربية دورًا في ربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد العالمي، وكانت لهم محلات شهيرة من بينها شيكوريل، و شملا، وعدس، وإريكو، و بنزايون، وقد كان لبعضهم دور مهم في السياسة المصرية، مثل قطاوي باشا، وأدى آخرون دورًا بارزًا في الثقافة المصرية، كيعقوب صنوع الملقب برائد المسرح المصري، الذي أسس جريدة «أبو نضارة»، وحين نفاه الخديوي إسماعيل إلى باريس ظل يدافع عن حرية مصر من هناك. وكان المخرج توجو مزراحي من أهم المخرجين في مصر، وهو أحد المؤسسين للسينما المصرية، وعرفت السينما المصرية شخصيات يهودية شهيرة من النساء، من بينها ليليان ليفي التي اشتهرت باسم كاميليا، وراشيل إبراهام ليفي التي عرفت باسم راقية إبراهيم، والممثلة نجمة إبراهيم التي مثلت مسرحيات تبرعت هي والممثلة نجمة إبراهيم بدخلها للجيش المصري، ونظيرة موسى شحاته التي عرفت باسم نجوى سالم، التي حصلت على درع الجهاد المقدس لدورها الوطني في حرب الاستنزاف، والمغنية الشهيرة ليلى مراد، وكان في بداية السينما المصرية شخصية يهودية تدعى «شالوم»، كان أول من قدم سلسلة أفلام بهذا الاسم، لكنه اختفى.

حارة اليهود

bnmتقع حارة اليهود الشهيرة على مقربة من شارع الموسكي في القاهرة، وهي تتبع إداريًّا حي الجمالية، وهي بمثابة حي كامل يضم 360 حارة، وكانت مقسمة إلى شياختين إحداهما لليهود الربانيين، والثانية لليهود القرائين، وكانت تشتمل على 13 معبدًا لليهود، لم يبق منهم إلا معبد موسى بن ميمون، ومعبد أبو حاييم كابوسي، ومعبد بار يوحاي. ويقول الدكتور محمد أبو الغار صاحب كتاب «يهود مصر من الازدهار إلى الشتات»: إن الحارة لم تكن تقتصر على اليهود فقط، فسكانها كانوا من اليهود والمسلمين والأقباط، ولم يكن هناك حي مقتصر على اليهود فقط، وإن كان قد وجد في هذا المكان عدد أكثر كثافة عن غيره من اليهود، لقرب الحارة من شارع الحرفيين، حيث كان اليهود يعملون في الحرف، ما جعلها على مقربة من مصدر رزقهم، وعندما كانت حالتهم الاقتصادية تصبح أفضل كانوا يتركون الحارة ليقيموا في باب الشعرية، أو باب اللوق، أو العباسية، أو مصر الجديدة.

الخروج من مصر.

تعددت أسباب خروج اليهود من مصر، لكن ليس من بينها الإجبار بحال من الأحوال؛ إذ يرى الدكتور قاسم عبده قاسم أنهم خرجوا على مراحل، المرحلة الأولى مع النكبة وقيام دولة إسرائيل، والثانية مع العدوان الثلاثي الذي جاء بعد عملية سوزانا التي اشتهرت باسم فضيحة لافون، والتي قبض فيها على عدد من اليهود بتهمة التجسس والقيام بأعمال تخريبية، والمرحلة الثالثة وكانت الضربة القاضية والتي كانت بعد التأميم عامي 1961، 1962م. وأكد الدكتور محمد عفيفي على أنه من الصعب القول بعودة اليهود مرة أخرى إلى مصر في ظل الأوضاع الحالية؛ فالحياة الاجتماعية والاقتصادية المصرية لا تمثل لهم الآن أي عامل من عوامل الجذب على الإطلاق.

طوائف  وخلافات

norbert-egypt-jews1يوضح أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة الدكتور محمد عفيفي أن يهود مصر  كانوا من أكبر الطوائف، وأن التركيبة السكانية الأساسية لهم تتكون من الناطقين بالعربية وهم الربانيون والقراؤون، ومن انضم إليهم من السفارديم القادمين من الأندلس، ثم الأشكناز الذين جاؤوا من أوربا في أعقاب المذابح التي دبرت لليهود في نهايات القرن التاسع عشر. وذهب عفيفي إلى أن اليهود عملوا في مختلف الحرف وشتى أنواع التجارة، لكنهم لم يكونوا مزارعين، ولم يعملوا بالزراعة حتى وإن امتلك أثرياؤهم ضياعًا وعزبًا. وأضاف أنهم تمتعوا بمختلف الامتيازات، بخاصة أن كثيرين منهم كانوا يحملون جنسيات أخرى، فقدر عدد اليهود من أصول مصرية بنحو 11 ألفًا، واليهود المصريين الذين يحملون جنسيات أخرى بنحو 75 ألفًا، واليهود الأجانب المقيمين في مصر بنحو 40 ألفًا. وذلك في حقبة الثلاثينيات والأربعينيات.

وتكونت الجماعة اليهودية في مصر والعالم العربي من ثلاثة أطياف، هم الربانيون والقراؤون والسامرة، وكان الربانيون هم الأكثر عددًا، ومن ثم كان غالبًا ما يكون رئيس الجالية اليهودية من بينهم، وتعود التسمية إلى كلمة رباني أو أوريانيم التي تعني الإمام أو الحبر أو الفقيه، وهم يؤمنون بالتوراة والتلمود، أما القراؤون فهم أقل عددًا من الربانيين، لكنهم كانوا أكثر غنى، ومن ثم كانوا في المناصب والوظائف العليا، وتأتي تسميتهم من كلمة قرأ، أي نادى ودعا، وهم لا يعترفون بالتلمود، ولا يؤمنون إلا بما جاء في النص التوراتي فقط، ويعرفون باسم أهل الدعوة لأنهم يدعون إلى طريقتهم. ويرجع بعض الباحثين ظهورهم إلى زمن أبي جعفر المنصور، إذ  تأثر زعيمهم عنان بن داود بأفكار المعتزلة الذين رفضوا جعل الحديث النبوي من مصادر التشريع، وتشككوا في التراث الشفوي الإسلامي، ومن ثم رفض عنان وطائفته الإيمان بالتلمود وما جاء فيه، وزاد الخلاف بين الفريقين إلى درجة تحريم الزواج والاختلاف في كثير من الطقوس والأعياد. أما الطائفة الثالثة فهي السامرة، وهم أقلية، ولا يعدهم الربانيون ولا القراؤون طائفة، لكن المصريين حكامًا ومحكومين تعاملوا معهم على أنهم طائفة، و تعود نشأتهم إلى زمن السبي البابلي، حيث تم نقل يهود القدس وفلسطين إلى شمال إيران، وإحلال يهود آخرين محلهم، وكانت مدينة السامرة هي عاصمة مملكة داود وسليمان، وهي المدينة القديمة التي تسمى الآن «نابلس»، وقد بنى فيها اليهود الجدد هيكلهم على جبل جزريم، وحين أمر قورش بعودة اليهود الذين كانوا في السبي سعى هؤلاء المقيمون في السامرة إلى تعطيل عودتهم، كما سعوا إلى تعطيل ترميمهم لهيكلهم القديم في القدس، فنشب الخلاف بين الطائفتين، وهم لا يؤمنون إلا بالأسفار الخمسة إلى جانب سفر يوشع والقضاة، ولا يؤمنون إلا بنبوة موسى وهارون ويوشع، ويخالفون الربانيين والقرائين في القبلة؛ إذ يتوجهون إلى جبل جزريم، أما الآخرون فيتوجهون إلى القدس.

وعرفت مصر الطوائف الثلاث، وكانت مركزًا مهمًّا لجذب الكثيرين، لكن القيادة الروحية لهم كانت في العراق وفلسطين، حيث مدارس التلمود هناك، وكان مبارك بن سعديا أول رئيس للطائفة اليهودية في مصر عام 1056م، وخلفه ابنه موسى، وكان اختيار رئيس اليهود يسمى الناجد، ويتم اختياره من السلطان أو الخليفة، ويعهد إليه بتدبير شؤون الطوائف الثلاث في فصل المنازعات والقضاء، وكان لكل طائفة رئيس يخصها، لكننا لا نعرف على أي أساس يتم الاختيار سوى أن صاحبه يكون متقاطعًا مع بلاط الحاكم.